← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له" رواها (١) أبو الدرداء وعبادة بن الصامت عنه ﵇ (٢). وعن أبي قتادة الأنصاري: سمعت رسول الله (٣) يقول: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فهذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصُق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضره" (٤)، وفي الصحاح عن ابن سيرين (٥) عن أبي هريرة: "إذا اقترب الزمان لم تكذب رؤيا الرجل المسلم وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا الرجل المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث: الرؤيا الصالحة من الله تعالى ورؤيا من تخزين الشيطان ورؤيا من شيء يحدث الإنسان به نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث وليقم فليصلِّ" (٦). ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ادعاؤهم العزة لأنفسهم، ثم ردّ عليهم ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لادعائهم العزة لأنفسهم، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائرهم. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ يحتمل وجوهًا أربعة: العطف وتقديره: وما يتبعه الذين، والجحد، أي: وما يتبعك أو وما يتبع الحق، والاستفهام على وجه الإنكار، أي: أيّ شيء يتبع، والمصدر، أي: اتباع الذين ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ إن هؤلاء يريدون اتباع ﴿الظَّنَّ﴾ في ذلك إشارة إلى البيان والقرآن أو إلى الجعل.

стр. 947

﴿مَتَاعٌ﴾ أي: لهم متاع أو متاعهم متاع (١). ﴿إِذْ﴾ في محل النصب بالذكر تقديره: واذكر لهم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ اجعلوا الآراء المختلفة جامعًا، ﴿غُمَّةً﴾ سترة، أي: لا يكونن عليكم أمركم مستترًا ملتبسًا، ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أتموا أمركم، وكل هذا تحدِّ من نوح ﵇ (٢) توكلًا على الله وإظهارًا لآياته. ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ جواب التولي المشروط لمعنى خفي فكأنه يقول: فإن تولَّيتم فلم تقولوا عليّ أجرًا ولم تنقصوني شيئًا ولم يعظم علىَّ توليتكم. ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ المراد بهم الهالكون دون المفلحين (٣) وإنما خصهم لتمحض الوعيد، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: لم يكن الملتزمون بطريقة الماضين بمؤمنين بالذي كذبت به أئمتهم من قبل، وقيل: فما كانوا ليؤمنوا به في المستقبل من اْعمارهم بسبب تكذيبهم أول مرة فإنه ران على قلوبهم. ﴿أَتَقُولُونَ﴾ أن هذا سحر مبين، ﴿لِلْحَقِّ﴾ إذ جاءكم، وقوله: ﴿أَسِحْرٌ﴾ من كلام موسى ﵇ على وجه الإنكار. ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾ لتصرفنا، ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ العظمة والملك. ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ﴾ أربعون أهل بيت من القبط ولدهم نساء بني إسرائيل كانوا يسمون الذرية (٤) ﴿لَعَالٍ﴾ خبر عما مضى. ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ إنما أمرهم لئلا يخافوا دون الله فيفسد إيمانهم.

стр. 948

﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ كون المسلم فتنة للكافرين (١) أن تسوء عاقبته العاجلة ويشمت الكافر به ويقيس عليه عاقبته الآجلة، وأن يرتد المسلم فيزيد الكافر إصرارًا. ﴿تَبَوَّءَا﴾ تتخذ المنازل وأصله البواء وهو اللزوم (٢). ﴿بُيُوتًا﴾ مساجد، الكلبي وغيره (٣): كانت مساجد بني إسرائيل ظاهرة فأمر فرعون بهدمها عند منابذة (٤) موسى ﵇ إياه، فأمر الله اتخاذ المساجد في بيوتهم وأن يجعلوها مستقبلة للكعبة قبلة إبراهيم وإسماعيل (٥)، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ مستقبلة القبلة (٦)، وقيل: اجعلوها قبلة لكم يصلون إليها، وقيل: اجعلوا بعضها مقابل بعض (٧)، وقيل: المراد به المصلى. وقيل: المسجد وإنما لم يؤمروا بالزكاة لأن أكثرهم كانوا مماليك لآل فرعون أو كانوا فقراء. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ لما دعا انقلبت أعيان أموالهم حتى صار

стр. 949

سُكَّرهم حجارة (١)، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ عطف على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وقيل: نصب على جواب الأمر بالفاء، وقيل: جزم على الدعاء (٢). ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ كان موسى يدعو وهارون (٣) يؤمِّن (٤). ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ابن عباس، عنه ﵇ (٥) أنه ذكر أن جبريل ﵇ (٥) يدس في فيّ فرعون الطين خشية أن يرحمه (٦)، كان جبريل يعاجل فرعون ليتم فيه دعوة موسى ﵇ (٧)، فمن كان يعاجل رحمة الله كفر لأنه يتقرب إلى الله بإظهار موالاة نبيه ومعاداة عدوه. ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ إن جبريل ﵇ فرح حين سمع وتيقن أن فعله وقع مرضيًا لله.

стр. 950

﴿بِبَدَنِكَ﴾ بجسدك، فقيل: الآية استفهام على سبيل الإنكار تقديرها ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ فتكون قدوة وحجة، لمن خلقك ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ وقيل: إنها على سبيل الخبر ومعناها: اليوم نلقي بدنك بعد إزهاق الروح على فجوة من الأرض لتكون عبرة ونكالًا لمن خلفك (١). ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ما أورثهم من ديار آل فرعون، وقيل: المراد به التيه حيث ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، وقيل: ديار العمالقة حيث افتتحها يوشع ﵇ أو البيت المقدس حين ابتناه داود وسليمان ﵉. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ خطاب للنبى ﵇ والمراد به أمته كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقيل: هذا شرط لم يوجد والمراد به التأكيد، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] (٢) الآية، وقيل: لم يشك ولم يسأل كقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]، وقيل: معناه: إن كنت في شك مما أنزلنا إليك هل هو موجب لك أمن العاقبة والختم على السعادة فأسأل الأنبياء إذا لقيتهم ليلة المعراج كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] الآية، وإن كانت الآية مكية فتكون (مما) بمعنى ممن (٣) أنزل وهو جبريل ﵇ (٤) في الصورة التي ظهر فيها لرسول الله في ابتداء الوحي حتى سألت خديجة له ورقة بن نوفل، وقيل: لما جرى على لسانه في سورة "النجم" أنه شيء ابتلي به وحده وخاف مثله في المستقبل فأخبر الله في سورة "الحج" أنه ما أرسل من قبله ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] الآية.

стр. 951

﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ﴾ أنث لإضافة كل إلى مؤنث كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق:١٩] ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ الإيمان النافع الذي يكون عند إحساس العذاب قبل عين اليقين، كما كان من قوم يونس ﵇ لما غلب على ظنهم أنه العذاب سينزل بهم ندموا وتضرعوا وأنابوا إلى الله ولم ينتظروا عين اليقين لم ينفعهم، انتصب ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾ لأنه مستثنى منقطع (١)؛ لأنهم لم يكونوا من عداد الأمم الهالكة، وعن ابن عباس: أن يونس بن متى كان يسكن فلسطين (٢) هو وقومه فغزاهم ملك من الملوك يقال له: يغلث بالعساكر من أهل نينوى وهي التي تسمى نصيبين، فغز ابني إسرائيل فسبى منهم تسعة أسباط ونصفًا وبقي سبطان ونصف، وكانوا من وراء الأردن وهم من سبط يهودا ونصف سبط من سبط ميثا فسبوهم جميعًا غير هذين السبطين ونصف سبط فرجعوا بهم إلى أرضهم. وقد كان أوحى الله تعالى إلى بني إسرائيل إذا أمركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني فإذا دعوتموني أستجب لكم، فلما أسروا نسوا أن يدعوا الله زمانًا من الدهر حتى إذا ذهبت أيام عقوبتهم ونزلت أيام عافيتهم وأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء (٣) بني إسرائيل يسمى شعيا فقال: ائت حزقيا وهو الملك يومئذٍ، فقل له: ابعث إلى بني إسرائيل نبيًا قويًا أمينًا - وكان في ملكه خمسة من الأنبياء - فقد ذهبت أيام عقوبتهم وتراءت أيام عافيتهم وإني ملقٍ في قلوب ملوكهم وأشرافهم أن يرسلوهم معهم، فجاء شعيا إلى حزقيا حتى أبلغه

стр. 952

ذلك، فقال له حزقيا: أنت الذي أمرت بذلك فأبعث، فقال له: إن الله تعالى أوحى أن آمرك بأن تبعث فابعث، فقال له حزقيا: فيمن تشير علي، قال: ابعث يونس بن متى فإنه قوي أمين. قال: فأرسل حزقيا الملك إلى يونس فأتاه، فقال له: إن شعيا النبي ﵇ (١) أتاني فقال: إن الله أوحى إليّ أن ائت حزقيا فَمُرْه يبعث نبيًا إلى بني إسرائيل فإنه قد ذهبت أيام عقوبتهم ونزلت أيام عافيتهم وإني ملقٍ في قلوب ملوكهم وأشرافهم أن يرسلوهم معه فأنت نبي قوي أمين، فانطلق إلى بني إسرائيل [فقالوا له] آلله أمرك (٢) بهذا؟ قال: لا، قال: فسماني لك، قال: لا، ولكن أمرت أن أبعث نبيًا قويًا أمينًا فأنت نبي قوي أمين، قال: إن في بني إسرائيل قويًا أمينًا غيري فابعث غيري، فقال حزقيا: بحق الملك إلا ذهبت، فلما عزم الملك على يونس انطلق فلم يجد بدًا ورجع يونس ليتزود وخرج مغاضبًا لحزقيا حتى أتى بحر الروم فوجد قومًا قد شحنوا سفينتهم فقال لهم: احملوني معكم، فعرفوه فحملوه، فلما كانوا في البحر اضطربت السفينة وكادت تغرق فقال ملاّحوها: يا هؤلاء إن فيكم رجلًا عاصيًا لأن السفينة لا تفعل هذا من غير الريح إلا وفيها رجل عاصٍ، فقال البحار: إنا قد جربنا مثل هذا وكنا نقترع بالسهام فمن خرج سهمه ألقيناه في البحر فإنه لأن يغرق واحد خير من أن يغرق جميع أهل السفينة، قال: فاقترعوا بسهامهم فخرج سهم يونس ﵇ فقال البحار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله، ثم اقترعوا الثانية فخرج سهمه ﵇ (٣) فقال: يا هؤلاء أنا والله العاصي، فقال: فتلفف في كسائه ثم قام على رأس السفينة، قال: وإن السمكة التي أمرت به أن تجعله في جوفها لتساير السفينة من حيث ركب، فرمى يونس بنفسه فابتلعته السمكة فصار في بطنها وهو يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فذلك

стр. 953

قوله: ، ﴿فَسَاهَمَ﴾ يقول: فقارع أهل السفينة، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: من المقروعين الذين ليست لهم حجة. ذهبت به السمكة إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم دخلت به البطايخ ثم دخلت به دجلة فصعدت به وكان يسد جنباه شاطئ دجلة، حتى رمته بنصيبين بالعراء على ظهر الأرض بعد أربعين ليلة مكث في بطنها وهو كهيئة الفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا لحم، فأنبت عليه شجرة من يقطين قال: وسأل رجل ابن عباس زعموا أن اليقطين هو القرع، قال: فقال ابن عباس ﵁:ما الذي جعل القرع أحق من البطيخ وغيره؟! كل شيء ينبت بسطًا فهو يقطين، فكان يستظل في ظل ذلك اليقطين ويأكل من ثمرها حتى تشدد (١)، فبينما هو كذلك إذ سلط الله عليه الأرضة فأكلتها فخرت من أصلها، فحزن يونس ﵇ لذلك حزنًا شديدًا فقال: يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت مني (٢)، فقيل له: يا يونس، أتحزن (٣) على شجرة أنبتت في ساعة واقتلعت في ساعة ولا تحزن على ماية ألفٍ أو يزيدون لم تذهب إليهم وقد نزلت أيام عافيتهم؟! وتوجه يونس ﵇ نحوهم حتى دخل أرضهم، ومنهم غير بعيد، فأتى بني إسرائيل، فقال: إني بعثت إليكم، قالوا: إنك لمصدق عندنا ولكنا عبيد أسارى فائت أمراءنا فاذكر لهم ذلك فإن خلّونا خرجنا معك، فأتى يونس ﵇ ملوكهم وأشرافهم وقال: إن الله أرسلني إليكم لتبعثوا معي بني إسرائيل، قالوا: ما نعرف ما نقول، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ولكنا أتيناكم في دياركم وقراركم فسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعكم الله، فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه (٤)، فأوحى (٥) إليه قل لهم: إن لم تؤمنوا من ليلتكم هذه صبحكم العذاب، فأبلغهم ذلك فأبوا

стр. 954

فتزود زادًا وخرج من عندهم، فلما فقدوه ندموا على صنيعهم وقالوا: أي شيء صنعنا، ثم انطلقوا يطلبونه فلم يجدوه فأتوا علماءهم وذكروا لهم أمره وأمرهم، فقالت العلماء: انظروا في المدينة فإن كان بها فليس مما قال لكم شيء لأنه لم يكن يجلس فيها والعذاب ينزل بها، وإن كان قد خرج فهو كما قال والعذاب مصبحكم، قال: فطلبوه، فقيل لهم: قد رأيناه خرج بالعشي منطلقًا، فسأل بنى إسرائيل عنه، فقالوا: ما قال لنا شيئًا إلا كما قال لكم، فلما أمسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم، وعزلوا الوالدة عن ولدها والوالد عن ولده، وعزلوا النساء والصبيان، وكذلك الأولاد من الأمهات من البقر والغنم، قاموا ينتظرون الصبح، فلما انشق الصبح نظروا إلى العذاب ينزل من السماء وهو شيء أحمر فشقوا جيوبهم ووضع الحوامل وما في بطونها وصاحت الصبيان، وثغت الأغنام وخارت البقر وجعل العذاب ينزل عليهم حتى غشيهم ووجدوا حرَّه في أكتافهم ثم وقع عنهم. فبعثوا إلى يونس بن متى (١) ﵇ (٢) فأتاهم فآمنوا به وصدّقوه وبعثوا معه بني إسرائيل (٣) فذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ نقول: رفعنا عنهم العذاب تقديرًا لهم ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ يقول: وأجلناهم إلى الموت، عرف الله الصدق منهم فرفع العذاب عنهم ولم يقبله من غيرهم، وعن محمَّد بن المنكدر أنه بلغه أن الحوت لما التقم يونس ﵇ أوحى الله إلى الحوت أن لا تخدش له لحمًا ولا تكسرله عظمًا. (جميعًا) نصب على التأكيد بعد التأكيد، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لست تكرههم (٤) ليؤمنوا.

стр. 955

﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ أي: تفكروا (١) (ما) للاستفهام، ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ أمر تهديد، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أخبرناك ينجي المؤمنين وعدنا وعدًا ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ كانت قريش في شك في دينه ﵇ يسمونه الصابي مرة وابن أبي كبيشة أخرى ويرجون أنه سيرجع إلى دينهم فأنزل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ فاعلموا أنه ما أشرحه وأبيّنه وأذكره لكم ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ وأمرت أن أقيم، فإن ترجمة للأمر ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أي: يمسك بضر، الباء لتعدية الفعل، ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يدل أن حقيقة الرحمة هي إرادة الخير دون النعمة ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أراد بالحكم آية السيف أو يوم الفتح.

стр. 956

سُوَرُة هُودٍ ﵇ - مكية، وعن المعدل عن ابن عباس إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود:١١٤] الآية (١)، وهي مائة واثنتان وعشرون آية عند أهل المدينة والشام (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر الصدِّيق ﵁: يا رسول الله قد شِبتَ! قال: قال رسول الله: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت" (٣).

стр. 957

وعن أبي جُحيفة قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت! قال: "شيبتني هود أخواتها" (١). وأعلم أنّ المعنى المشيب لرسُول الله إما سر من أسرار الله تعالى في القرآن العظيم (٢) لم يطلع عليه إلا نبيه، وإما أحد الأشياء الأربعة: أحدها: أنّ بعض السور اختصت بالاسترقاء، وبعضها بالثقل، وبعضها بالتعوذ، وبعضها بتلقين الموتى، وهذه السورة بالترهيب والنكت اللطيفة، كما بلغنا أنّ بعض أهل الإلحاد (٣) تصور له أنه يحاكي القرآن بهذيان، فلما انتهى إلى قوله: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ انشقت مرارته. والثاني: أن هذه السور كلهنَّ مكيات فلعلهن (٤) نزلنَ أيام النفير إلى الشعب (٥) وأيام وفاة خديجة وأبي طالب، فقوله: "شيبتني هود وأخواتها" مِن كثرة ما لقي (٦) من مكروه المشركين. والثالث: أن نزول الوحي عليه قد كان سهلًا، وقد (٧) كان ثقيلًا، روي أن النبي ﵇: "كان إذا نزل عليه الوحي يترَبد (٨) وجهه ويجد بردًا

стр. 958

في ثناياه" (١)، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "رأيت الوحي ينزل على النبي ﵇ (٢) وإنه على راحلته فترغو وتفتل يديها حتى أظن أن ذراعها تنقصم، فربما بركت (٣)، وربما قامت موتدة يديها حتى يسرى عنه من ثقل الوحي وأنه لينحدر منه مثل الجمان" (٤) فيحتمل أن جبريل ﵇ أنزل عليه سورة هود وأخواتها على هذه الطريقة الشديدة فلذلك شيبته. والرابع: هو تكرار المعنى المزعج، ففي سورة هود تكرار لفظة بعد أي هلك، وفي سورة الواقعة تكرار أنتم أو نحن، وفي سورة "المرسلات" تكرار لفظة ﴿وَيْلٌ﴾، وفي سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ تكرار لفظة "وكان" "وكانت"، وفي سورة "التكوير" تكرار لفظة "إذا" على سبيل الوعيد (٥). قوله: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بمعنى الخصوص وهو إحكام التلاوة وتهذيبها مما يلقي الشيطان في الأمنية. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ﴾ عنده بلا وساطة أو التفصيل هو تفسير رسول الله مجملات الآي ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ مضمرًا آتيناكه (٦) لتقوم بالوعظ أن لا يعبدوا، وإنما قدم الاستغفار على التوبة لأن الإنسان يستفتح الشر ويعرض عنه مستغفرًا، ثم يستفتح الخير ويقبل عليه مستوفيًا، والمراد بالاستغفار (٧) كسب سبب المغفرة وهو إصلاح العقيدة، وبالتوبة سبب الاستقامة بإصلاح العزيمة. ﴿وَيُؤْتِ﴾ الله تعالى ﴿كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ خصلة فاضلة فضيلتها من الثواب.

стр. 959

﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ عن (١) ابن عباس نزلت في الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي (٢)، وقال أبو بكر محمَّد بن عزيز السجستاني (٣) أن قومًا من المشركين كانوا قد قالوا فيما بينهم: أرأيتم لو أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمَّد ﵇ (٤) كيف يعلم بنا؟ فأنبأ الله -عَزَّوَجَلَّ- عمّا كتموه فقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ (٥) الآية. سئل ابن عباس عن قوله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: على أي شيء (٦) كان الماء؟ قال: كان (٧) على متن (٨) الريح. ﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ مدة معلومة (٩)، قال الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].

стр. 960

(اليؤوس) القنوط أي ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ ليسدي الفعل إلى ما لا فعلَ له في الحقيقة غير معترف باللهِ الذي صرف عنه السيئات وأبدى له منها نعمة ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ لأشر بطر في حال الرفاهية. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ إن كان المراد بالإنسان عبد الله بن أبي أمية المخزومي أو رجل معين مثله (١)، والاستثناء منقطع. وإن كان المراد به الجنس فالاستثناء متصل في محل النصب لأنه مستثنى من مثبت (٢). ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ أي تكاد تترك إبلاغ ﴿بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ على سبيل الفور ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي وتكاد تضيق صدرًا بهذا البعض على سبيل الضعف وقلّة الاحتمال دون الكراهة وسوء الاختيار، وإنما قال: ﴿وَضَائِقٌ﴾ ولم يقل وضيّق للتوفيق بينه وبين قوله: ﴿تَارِكٌ﴾ ولنفي إيهام تحقيق الوصف في الحال أن يقولوا مخافة أو كراهة أن (٣) يقولوا. ﴿افْتَرَاهُ﴾ الضمير عائد إلى القرآن والتحدي ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ وقيل: التحدي بسورة وبحديث لأن الآية مكية، ونزول سورة "هود" متقدم على نزول سورة "الطور" ﴿مِثْلِهِ﴾ بدل من عشر سور (٤) ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ يجوز أن

стр. 961

يكون حالًا للسور المأتي بها، ويجوز (١) أن يكون تقديره سور مفتريات مثله على زعمكم. ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ إن كان خطابًا للمأمورين بدعاء من استطاعوا فهو كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤] وإن كان خطابًا للنبي ﵇ ولأمته فهم تبع له شهداء منه كقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. ﴿يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يؤثرها، والمؤمن المخلص لا يؤثرها على الآخرة ولكن يريدها بالاستدراك الغائب وإصلاح الفاسد وهو المطلع فهو من الآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ المحمودة لظواهرها لا لوجه الله تعالى كقوله ﵇: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٢). ﴿مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ في الحياة الدنيا ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لوقوعها باطلًا عند الله في الأحكام العقباوية. ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أى هو (٣) كمن ليس على بينة من ربه، الذي هو على بينة من ربه روح النبي ﵇ وقلبه وضميره ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ هو منظره يتبع مخبره، قال محمَّد ابن الحنفية: قلت لعلي بن أبي طالب- ﵁: إن الناس يزعمون في قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أنك أنت التالي، فقال: وددت أني أنا هو ولكنه لسان محمَّد ﵇ (٤)، وقيل:

стр. 962

يتلوه يقرأ القرآن ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ مِن ربه وهو جبريل ﵇ (١)، ويحتمل أن الشاهد هو نفسه، أو رجل من عشيرته، أو رجل من أمته، ألا ترى أن جعفرًا كان مبلغًا عنه بالحبشة، وأن عليًا كان مبلغًا عنه في الحج الأكبر، وابن عباس كان مبلغًا عنه في تفسير كتاب الله تعالى (٢). ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ عام في الملل كلها. ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ عن قتادة عن صفوان بن محمد المازني قال: بينما (٣) أطوف مع ابن عمر بالبيت إذ عارضه فقال: يا ابن عمر كيف سمعت رسول الله يذكر في النجوى؟ قال: "يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول له: أعرف رب أعرف حتى يبلغ فيقول: إني قد سترتها عليك في الدنيا وإني لأغفرها لك (٤) اليوم، قال: ثم يعطيه صحيفة حسناته بيمينه، وأما الكافر فينادى به على رؤوس الأشهاد (٥) ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية. ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ﴾ أي عليهم ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي لشدة عداوتهم بعد اختيارهم العداوة أول مرة فتيسرت عليهم العسرى [قال الزجاج: لا ردّ لظنهم (٦) وقولهم الباطل. ﴿جَرَمَ﴾ أي كسب لهم فعلهم الخسران، وقال الفراء: لا جرم كله

стр. 963

بمنزلة (١)] (٢) لا بدّ ولا محالة، فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقًا. ﴿وَأَخْبَتُوا﴾ اطمأنوا، والخبت الأرض المطمئنة (٣). ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أحدهما من يكفر به من الأحزاب الذين افتروا علي الله كذبًا، والآخر من هو على بينة من ربه، والشاهد الثاني (٤) منه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]. ﴿يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ عذابه، وهو يوم الطوفان أو يوم القيامة. ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ جمع أرذل وأرذل جمع رذل (٥) وهو النذل الخسيس، وإنما استحقروا المؤمنين لقلتهم وفقرهم ولكونهم بمنزلة السفهاء عندهم. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ المعنى أنهم تخوفوا من نوح ﵇ (٦) ومن اجتماع أصحابه وكثرتهم على أنفسهم الإكراه والقهر، وطالبوه أن يطردهم وينفرهم، فأبى نوح ﵇ (٦) أن يطردهم وقال: أرأيتموني وأصحابي

стр. 964

نجبركم ونكرهكم على الدين إن كثرنا؟! أي لا نفعل ذلك، فإنه لا إكراه في الدين. ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ لست أطالبكم على الدين واجتماع الأصحاب خراجًا كفعل الملوك (١) فتمنعوني (٢) عن ذلك لما يصيبكم من (٣) المؤنة ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ بأن تمنعوني عن الدعوة إلى الرشاد بغير حجة تثبت عليكم (٤). ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ كدعوى الذين يدعون الكيمياء (٥) ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ كدعوى الكهنة والعارفين ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ كدعوى الأرواح الخبيثة الملابسة من السحرة (٦)، ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ كدعوى المصدقين للطواغيت طمعًا في برهم وخيرهم. فتبرّأ نوح ﵇ من هذه الدعاوى كلها؛ لأن دعواه كانت نبوته بقوة إلهية، كان نوح ﵇ يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وخلع الأنداد. ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ الآية وعدهم الطوفان. ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ النصيحة مرضية حميدة (٧) مأمور بها، بخلاف الإغراء والنفع مفتقر إلى وجود النصيحة، وهي لا توجد إلا بإرادتها.

стр. 965

﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ خطاب لنبينا ﵇ وهو عارض في أثناء القصة والمراد به (١) تحقيق القصة وتوكيدها وقطع أوهام المستمعين ودعاويهم ﴿مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي من إجرامكم، وهو تهمتهم وتكذيبهم وإنكارهم إلى نوح ﵇ الهاء ضمير الأمر والشأن (٢) ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ تفتعل من البؤس، والمراد به الحزن والجزع، وكان دعوة نوح ﵇ (٣) ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦]، الآية بعدما أوحى الله تعالى (٤) إليه بهذه الآية. ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بنظر خاص منا إلى ما تصنع (٥) يفيد الكلاءة ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لا تدع عليهم بعد فإنا قد استجبنا لك أولًا ولا تتشفع (٦) عند معاينة الأهوال من الرقة وقلّة الاحتمال، أو أنه نهي عما علم الله أنه سيكون وهو ذكر ابنه يام. ﴿سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ استهزؤوا وإنما فعلوا لأنهم رأوه يصنع سفينة لا على ساحل بحر ولا شط (٧) نهر، (إنا نسخر منكم) نجهلكم ونسفهكم. ﴿مَن﴾ بمعنى الذين في محل النصب (٨)، وقيل: بمعنى أي في محل الأمر بالابتداء.

стр. 966

﴿حَتَّى﴾ غاية لامتداد حاله وحالهم إلى مجيء الأمر ﴿وَفَارَ﴾ الفور الغليان والخروج على السرعة ﴿التَّنُّورُ﴾ تنور الخابزة (١)، وقيل: عين ماء معروفة. عن علي أنه على (٢) وجه الأرض (٣) ﴿إِلَّا﴾ استثناء من الأهل، والذي سبق عليه القول من جملة الأهل امرأته ويام. ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [في محل الرفع، الباء في بسم الله، ويحتمل أن قوله بسم الله متصل بما قبله، أي اركبوا بسم الله مجراها ومرساها] (٤) أي حال إجرائها وإرسائها (٥)، أي إثباتها والمنع عن جريها، وذكر المغفرة والرحمة لترغيب التائبين الذين ركبوا في السفينة. ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ موضع عزلة من أبيه وإخوته، يقال: أنا بمعزل من كذا. ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ لا معصوم كقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] (٦) و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١] وتقديره: لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، وقيل: الاستثناء منقطع أي لا عاصم اليوم البتة من أمر الله لكن من ﵀. ﴿ابْلَعِي﴾ البلع الاستراط في المتصل يقال: بلعت ريقي وأبلعته

стр. 967

وابتلعت (١) ما في فمي، ولا يقال ابتلعت ما في القصعة والكأس ﴿أَقْلِعِي﴾ أمسكي يقال: أقلع فلان من المعاصي أي تاب وأمسك عنها ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أي غاضت الأرض الماء ونشفته الريح والحرارة فنقص، وربما كان الغيض لازمًا ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي مضى، ﴿بُعْدًا﴾ سحقًا وتبًّا وهلاكًا، وهو نصب على التقدير والمشيئة (٢)؛ أي قدر الله أو شاء الله لهم (٣) بعدًا. ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ يحتمل أنه كان قد خوطب في الأهل بعموم وظنّ كذلك فلذلك تعرض للوعد، ويحتمل أنه ظنّ أن المستثنى من أهلهِ امرأته وحدها دون ابنه يام، ويحتمل أن ابنه كان يظهر لهم الإيمان والموافقة على سبيل النفاق فخوطب بظاهره ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ يعني من (٤) النجاة. ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الموعود لهم أو من أهلك الذين أسباب الموالاة متصل بينك وبينهم. ﴿أَنْ أَسْأَلَكَ﴾ من أن أسألك أطلبك. ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ بنجاة لك من عندنا أو بتقدير السلامة لك من عندنا ﴿وَبَرَكَاتٍ﴾ وببركات، والبركة النماء وزيادة الخير ﴿وَعَلَى أُمَمٍ﴾ أهل السعادة من ذريتهم كآل هود وصالح وأمثالهم ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أهل الشقاوة كسائر عاد وثمود وأمثالهم. ﴿تِلْكَ﴾ القصة أو تلك الأنباء ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ لأنه لا يعلم كيفيتها إلا آحاد الناس وفي كتب مندرسَة لا تقوم الحجة بمثلها ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا

стр. 968

قَوْمُكَ﴾ لأنهم لم يكونوا سمعوا بها أصلًا، والثاني: أن علمهم لم يقع بها لأن العلم بالخبر لا يقع إلا عند الإعجاز والتواتر ولم يحصل إلا بالقرآن. ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ لما اتهموه أنه يدعي النبوة ليزاحمهم في الدنيا حسم أوهامهم بذلك ﴿عَلَيْهِ﴾ أي على الدعاء والإنذار. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ﴾ إنما وعد در السماء على شريطة التوبة والاستغفار لاحتياجهم إلى ذلك، وقد ذهب وفدهم للاستسقاء على ما قدمنا. ﴿بِبَيِّنَةٍ﴾ معجزة التي توجب العلم ضرورة على سبيل الإلجاء، طالبوه بها جهلًا منهم ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ بقولك، وضع (عن) مكان الباء كما وضع الباء مكان (عن) في قوله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] وقيل: معناه ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ﴾ صادرين عن رأيك وقولك. ﴿اعْتَرَاكَ﴾ مسَّك وعرض لك، تقول: عروته واعتريته وعورته واعتورته إذا أتيته بطلب حاجة، ومحله نصب بالاستثناء (١) ﴿بِسُوءٍ﴾ بخبل وجنون، وإنما قالوا ذلك لاعتقادهم أن النفع والضرّ من عندها. قال هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إني بريء من آلهتكم ﴿وَاشْهَدُوا﴾ أنهم على أني بريء من آلهتكم التي اتخذتموها من دون الله. ﴿فَكِيدُونِي﴾ أنتم وآلهتكم أجمعون ولا تمهلوني، وإنما قال ذلك ليعرفهم عجزهم وعجزها فينبئهم على بطلان دعاويهم. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ عبارة عن ملك (٢) الأمر والاستيلاء والقدرة على وجوه التصاريف.

стр. 969

و (الناصية) هي العرف. قال ﵇: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (١) وأن النبي ﵇ (٢) حسر عمامته ومسح على ناصيته (٣) ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي فعله وقوله على قضية علمه وحكمته. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تتولوا وتعرضوا ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ جواب الشرط، فكأنه قال: إن تعرضوا فلا عليّ فإني قد قضيت ما عليّ ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ يجوز أن يكون معطوفًا على جواب الشرط بالفاء، ويجوز أن يكون مستأنفًا. والاستخلاف اتخاذ الخليفة كالاستبداد والاستقصاء، ﴿شَيْئًا﴾ في شيء، وقيل: لا ينقضونه شيئًا. ﴿مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ إن أراد به الريح فهي جسم لأنها تشاهد إذا تلوّنت بالغبار فغلظها تراكم أجزائها وشدة ائتلافها بخلاف الريح الطيبة، وإن أراد به ما حصل من التعذيب فغلظه عظمته وشدته وفخامته. و (تلك) مبتدأ و ﴿عَادٌ﴾ (٤) خبرها. التقدير: تلك الأمة، وقيل: تلك ﴿عَادٌ﴾ كالبدل عنه والخبر ﴿جَحَدُوا﴾ (٥) أي أنكروا ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ نوح وهود ومن قبلهما، أو هود والملائكة، أو هود وحده جمع على سبيل التشريف، ويحتمل أن هودًا ﵇ (٢) كان معه رسل كما أن هارون مع موسى وبعض الحواريين مع عيسى ﵇ (٢)، ومثل هذا لا يثبت إلا بالسماع. (العنيد) العاند والعنود الذي لا يطيع. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [أي واتبعوا لعنة يوم القيامة. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا﴾

стр. 970

خبر مستأنف، ويحتمل أن يوم القيامة] (١) متصل به وتقديره يوم القيامة ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أي بربهم. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ أي جعلكم عمّارها. ابن عرفة: أطال عمركم فيها (٢)، ويحتمل من قوله: أعمرته الدار أي جعلتها له مدة عمره، وهي العمرى. ﴿كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ نتفرس فيك الخير، قيل: هذا قبل (٣) دعوتك إيانا إلى التوحيد والرشد، وأما اليوم فقد أيسنا من خيرك. ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ يجوز أن يكون استفهامًا وأن يكون نهيًا ﴿تَخْسِير﴾ تضليل ونسبته إلى الخسران، وقيل: بخس ونقص ومضرّة من قولهم صديق مخسر عدو مبين. ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصب على القطع أو الحال وقوله (لكم) متصل بما بعده لا بما قبله (٤). ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ إخبار عن انتهاء تمتعهم كقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]. ﴿مَكْذُوبٍ﴾ مصروف عن جهة الصدق. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ يجوز أن يكون (منا) متصلًا ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ أي برحمة من عندنا ويجوز أن يكون متصلًا بنجينا أي نجيناهم من أمرنا، وإن أراد الأول فالخزي معطوف على مضمر تقديره منه ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (٥)﴾ وإن

стр. 971

أراد الثاني فهما ظاهران (١)، وقيل: الواو في قوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ مقحمة كما في قوله: ﴿جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ نصب بوقوع القول عليه (٢)، كما تقول: لمن قال لا إله إلَّا الله: قلت صوابًا أو حقًا وصدقًا، ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ رفع على الحكاية تقديره سلام عليكم (٣) ﴿أَنْ جَاءَ﴾ نصب بنزع الخافض تقديره: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ عن مجيئه وقيل: رفع (٤) تقديره: فما لبث مجيئه أي ما أبطأ، ﴿حَنِيذٍ﴾ مشوي في الحفائر بالرضف، وقيل: منضج. ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي راَهم ممسكين عن الطعام ﴿نَكِرَهُمْ﴾ استنكرهم وأنكرهم، وقيل: ظن أنهم لصوص لا يتحرمون بطعامه لئلا يدخله في نعتهم، و (الإيجاس) شيء من الإحساس، وما خاف حقيقة ولكنه مكر مكروه لعل الله يوصله إليه من جهتهم. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ (٥) بالسرور من جهتهم حيث ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ وقيل:

стр. 972

ضحكت سرورًا بنصرتهم لوطًا ﵇، وقيل: فيه تقديم وتأخير أي ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ تعجبًا وفرحًا بالولد، ﴿وَمِنْ وَرَاءِ﴾ خلف ﴿إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ وقيل: الوراء اسم لولد الولد فتقديره: ومن جهة إسحاق الوراء، وعن الشعبي الوراء ولد الولد (١). ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ الدعاء بالويل حقيقة عند شدة الأمر وخوف الهلاك إلا أنه كثر استعمالها فتلفظوا بها عند كل تعجب توسعًا ومجازًا، ويحتمل أنها توهمت أنها تهلك ثم تنشأ ثانيًا للولادة، فلذلك دعت بالويل ﴿بَعْلِي﴾ زوجي، ربّ الدار ﴿شَيْخًا﴾ حال (٢). ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ﴾ إنما أنكروا عليها التعجب من أمر الله لأنه ﴿حَمِيدٌ﴾ لا يستبعد منه فعل ما يستحق عليه الحمد ﴿مَجِيدٌ﴾ لا نهاية لمجده ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ خبر أو دعاء (٣). و ﴿أَهْلَ﴾ نصب على النداء، ولأهل معنيان (٤): أحدهما: من يسكن بيته من عياله كقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٣]. والثاني: بنو أبيه ومواليه، قال ﵇ (٥): "سلمان (٦) منا أهل البيت" (٧).

стр. 973

وإن كان المراد بأهل بيت إبراهيم ﵇ الصنف الأول فلم يشمل (١) التسمية على لوط ﵇ (٢)، وإن كان الثاني فاشتملت (٣) الروع والفزع والخوف، وفي الحديث: أنهم خرجوا ذات ليلة إلى صوت فإذا رسول الله ﵇ (٤) يستقبلهم (٥) على فرس يقول: "لن تراعوا لن تراعوا" (٦) (٧). ﴿يُجَادِلُنَا﴾ أي طفق يجادل رسلنا وهو قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧] وقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] وقوله: أتهلكون قرية فيها كذا وكذا مؤمنًا وكل ذلك بإذن الله. ﴿لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ يتحلم عن قوم لوط وثناؤه عليهم منيبًا إلى الله في حوائجه وأموره، و (الإنابة): الرجوع. ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ لما سمع هذا تيقن بهلاك قريات، والمراد في الخطاب غير ملفوظ به واستثناء منقطع معناه لكي (٨) يخبرنا به (٩) ابتداء لا على سبيل الحكاية. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ سيء (١٠) بمجيئهم لما يخاف عليهم من فعل قومه

стр. 974

﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي ضاق ذرعه بهم، ذرعه: طاقته (١) واستطاعته ﴿عَصِيبٌ﴾ شديد. ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يستحثون ويزعجون على سرعة والمستحث المزمع قضاء الله وقدره ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أفعالهم الخبيثة ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ إشارة إلى نسائهم، وإنما دعاهن بنات على سبيل التلطف في الخطاب إذ (٢) النبي من أمته بمنزلة الأب من أولاده (٣) ألا ترى أن لوطًا لم يكن له إلا اثنتان (٤) ويحتمل أنه كان له بنات غيرهما فعرضهن ﵇ (٥) بالتزويج (٦). وكان ينعقد النكاح بين الكفار والمسلمين حينئذ (٧)، ويحتمل أن لوطًا عبَّر عن ابنتيه بالبنات وعرضهما على رئيسين ليمنعا الباقين، و (الضيف) النازل عند الإنسان بزاده. ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ ليس لنا في بناتك من حاجة (٨) ومراد،

стр. 975

ويحتمل أنهم أرادوا نفي عقد النكاح ﴿لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ كناية عن فعلتهم الخبيثة. ﴿لَوْ أَنَّ لِي﴾ جواب (لو) مضمر (١) تقديره شديد يمنعكم عن هؤلاء الضيف، أراد بالركن الشديد: وليًا يعتضد به من جار أو عشيرة. ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ يدل على استعجال لوط ﵇ (٢). ﴿مَنْضُودٍ﴾ متراكم تراكمت أجزاء السجيل حتى تحجر (٣). ﴿مُسَوَّمَةً﴾ نصب على الحال (٤) أو القطع، أي معلمة بخطوط من الألوان. ﴿وَمَا هِيَ﴾ أي العقوبة أو الحجارة ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قوم لوط ويحتمل أهل مكة (٥)، فتلك الحجارة لم تكن ببعيد منهم لأنهم كانوا يمرون بها في أسفارهم إلى الشام، وقد كان وقع بمكة من جنسها عام الفيل،

стр. 976

ويحتمل أنه على سبيل الوعيد لأهل مكة، ومن يعمل عمل قوم لوط، أي لا يبعد أن يمطر عليهم مثلها فإنهم مستحقون لها لولا (١) فضل من الله ورحمته، وإنما سقط (٢) التأنيث من "بعيد" لكون التأنيث غير حقيقى أو لتقدير شيء؛ أي وما هي بشيء بعيد، أي لوقف رؤوس الآي. ﴿أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بحالة حسنة ونعمة وافرة غير محتاجين إلى الخيانة. ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ ما يحدثه الله من النماء والبركة من غير بخس وتطفيف، كان شعيب ﵇ (٣) كثير الصلاة والعبادة والدعاء وكانوا يستحسنون ذلك منه، فلما دعاهم إلى خلع الأنداد وإيثار القسط رأوه قبيحة فقالوا تعجبًا: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ [الحسنة أثمرت وأفادت هذه الدعوة، وفيها اختصار وتقديرها: تأمرك وتحملك على تكليفنا أن نترك، وقيل] (٤) تقديره: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ وإيانا ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وتنهاك وإيانا (٥) ﴿أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ ﴿الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ السفيه الجاهل (٦) كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] وقيل: هو على ظاهره، أي كنت الحليم الرشيد حتى الآن كقول ثمود لصالح: ﴿كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢]. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ المستفهم مضمر تقديره: أرأيتم إن كنت بهذه لكنت سفيهًا جاهلًا، أو أرأيتم إن كنت بهذه (٧) الصفة أكنتم تجيبونني وتطيعونني، وفائدته الاستدراج.

стр. 977

﴿يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ كقولك: لا يحملنك مخالفتي على أن تدحرج نفسك من شاهق إلى بئر. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أتى بالدعوة على سبيل الترغيب بعد الدعوة على سبيل الترهيب لتبليغ الدعوة كل مبلغ، ويلزم الحجة كل اللزوم، ﴿وَدُودٌ﴾ مستجيب، في الحديث أن الله تعالى: "يتحبب إلى عبده بالنعم والعبد يتمقت إليه بالمعاصي" (١) لما انقطعوا في المناظرة والجدال أخذوا في الشفاعة عادة الجهال. ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ مكفوفًا ﴿رَهْطُكَ﴾ عشيرتك، والرهط: ما دون العشرة من الأنفس ﴿لَرَجَمْنَاكَ (٢)﴾ شتمناك وقذفناك، ويحتمل الرجم بالحصى ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ لا يعز علينا مكروهك ولكنه يعز علينا مكروه رهطك. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ يكذبهم، تقول: ليس (٣) لعشيرتي عندكم ذمام أو حرمة (٤) فإنكم أعرضتم عن حق الله فكيف يرجى منكم رعاية حق العشيرة، والثاني كان يحتج (٥) عليهم بحفظ ذمام العشيرة، ويقول: إن كنتم تحفظون ذمام العشيرة فلم لا تراعون حق الله ولم تعرضون عنه فإنه أحق وأوجب ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ اتخذتم (٦) الرهط ملجأ وعده لكم من ورائكم، وقيل: اتخذتم حق الله سببًا (٧) لا تلتفتون (٨)

стр. 978

إليه، قوم شعيب كانوا يخوفونه بأنه يعتريه بعض آلهتهم بسوء وعذاب ويسمونه كاذبًا، فقال على سبيل التهديد: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على حالتكم التي هي حالة التمكين من الاختيار ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ عملي على هذه الحالة ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ﴾ (١) [عند نسخ حالة الاختيار بحالة الإلجاء والاضطرار. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ إياهم أن استخفهم فأطاعوه في عبادته] (٢) وتعبيد بني إسرائيل ﴿بِرَشِيدٍ﴾ مرشد. ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ يقال: قَدُمَ يقدم بضم العين فيهما إذا صار قديمًا أو مقدمًا، وقدِم يقدم بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر إذا تلقي واستقبل، وقدَم يقدم بفتح العين في الماضي، وضمها في الغابر إذا تقدم ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ على سبيل التسبب دون التسليط، وقال ابن عرفة: الورود موافاة المكان قبل دخوله وحقيقة الوصول والبلوغ. (الرفد) اسم للقوام المستفاد، والرفد بدل القوم، فلما كان قيام بؤس آل فرعون وانتظام وبالهم وتتمة المقدور فيهم باللعنة بعد اللعنة وقعت العبارة عنها بالرفد، ويحتمل أنهم أطاعوا فرعون طمعًا في الرفد فبدله الله باللعنة فوقعت العبارة عن البدل. ﴿قَائِمٌ﴾ باقٍ ﴿وَحَصِيدٌ﴾ فانٍ (٣)، يقال: حصدهم بالسيف، فالباقي مثل مصر وجنة شداد وأخواتهما، والفاني مثل حِجر والمؤتفكات وأخواتها. ﴿تَتْبِيبٍ﴾ تخسير، و (التباب): الخسار.

стр. 979

عن أبي موسى عنه ﵇: "إن الله تعالى يملي للظالم أو قال يملا حتى إذا أخذه لم (١) يُفْلت"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ (٢) الآية (٣). ﴿نُؤَخِّرُهُ﴾ الضمير عائد إلى اليوم الموعود ﴿يَأْتِ﴾ يشبه الترخيم، ويحتمل أن يكون شرطًا لأنّ يومًا يشبه الميم الموصول وقد ينقلب حرف شرط قال: استغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل (٤) والجواب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ محروم مكدوم (٥) ﴿وَسَعِيدٌ﴾ محظوظ مجدود، عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت هذه الآية سألت النبي ﵇ فقلت: يا نبي الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: "بلى على شيء فرغ منه وجرت به الأقلام، يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له" (٦). ﴿زَفِيرٌ﴾ صوت في الصدر ﴿وَشَهِيقٌ﴾ صوت في الحلق، وكلاهما من أصوات المكروبين، ويحتمل أن هذا في نهيق الحمار (٧)، ويحتمل هذا في

стр. 980

القبر كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وقوله ﵇: (القبر روضة من ري اض الجنة أو حفرة من حفر النار" (١). إن ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ يحتمل كون أنفسهم اللطيفة في النار قبل مجيء القيامة وانفطار السماء وتبدل الأرض وبعثرة ما في القبور والاستثناء حالة الرقدة (٢) والصعقة، ويحتمل أن المراد بالسماوات سقوف النار ودركاتها والاستثناء حالة العرض والحساب أو حالة عقوبة الاستهزاء، ويحتمل أن المراد ببقاء السماوات والأرض بقاء أجزائهما لا بقاء تأليفهما ولا دلالة على فناء الأجزاء المتلاشية بعد الوجود والاستثناء حالة الدنيا. وقيل: جرى مجرى الأمثال كقولهم: لا آتيك سنا الخيل ومِعْزَى الفِزْرِ (٣)، وقيل: مقدار دوام السماوات والأرض. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ﴾ الله (٤) ﴿رَبُّكَ﴾ من الزيادة قاله الفراء (٥)، وقيل: ما شاء ربك من شاء ربك، وهم طائفة من أهل الإيمان جمعوا بين شقوة المعاصي وسعادة الإيمان فهم مستثنون من الأشقياء لانقطاع خلودهم مستثنون من السعداء لتأخر دخولهم، والمراد بكونهم في الجنة برفقة

стр. 981

الشهداء، ويحتمل سائر الوجوه المذكورة ﴿عَطَاءً﴾ أي أعطيناهم عطاءً (١) ﴿مَجْذُوذٍ﴾ مقطوع. والفائدة في ذكر موسى ﵇، وكتابه: هو التنبيه على جواز التمهيل مع وجود الاختلاف كيلا يظن ظان أنه معنى اختص بالقرآن. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ ولا تميلوا ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية كالعارض بين مس النار وابتغاء النصرة. ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الفجر والظهر والعصر (٢)، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته المترادفة أراد صلاة المغرب والعشاء (٣) والوتر، وعن موسى بن طلحة عن أبي اليَسْر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدخلت معي في البيت وأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر ﵁ فذكرت له ذلك، فقال: استُرْ على نفسك وتُبْ، فأتيت عمر ﵁ فذكرت له ذلك، فقال: استر على نفسك وتبْ ولا تخبر أحدًا، ولم أصبر فأتيت النبي- ﷺ فذكرت له ذلك فقال: "أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ " حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار، وأطرق رسول الله ﵇ (٤) طويلًا حتى أوحى الله إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية، قال أبو اليسر: فأتيت رسول الله ﵇ فقرأها عليّ، فقال أصحابي: يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة؟! قال: "بل للناس عامة" (٥).

стр. 982

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أن الآية نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري وكان يبيع التمر فأتته امرأة تبتاع منه تمرًا فأعجبته فقال: إن في البيت تمرًا أجود من هذا فانطلقي حتى أعطيك منه، قال: فانطلقت معه المرأة فلما دخلت المرأة بيته فوثب إليها فلم يترك شيئًا مما يصنع الرجل بالمرأة إلا وقد فعله إلا أنه لم يجامعها وحذف شهوته، فلما حذف شهوته ندم على ما صنع بالمرأة فاغتسل، ثم أتى النبي ﵇ يسأله عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أدري ما أردّ عليك حتى يأتيني فيك شيء من الله" قال: فبينما هم كذلك إذ حضرت العصر فلما فرغ من صلاته نزل جبريل ﵇ بتوبته فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية فقرأها رسول الله من القرآن، فقال عمر بن الخطاب: أخاص أو عام؟ قال: "لا، بل عام" (١). ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أُولُو بقاء على أنفسهم لتمسكهم بالدِّين، ويحتمل بقية سنن الصّالحين، أي هذا كان منهم من يتمسك بالبقية من سنن آدم وشيث وإدريس ﵈ ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ﴾ البدع ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾ نصب على الاستثناء (٢)، (الإتراف): الإنعام فوق المقدار والكفاية. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ أي ما كان ليهلكهم بذنب وأهلها موحدون، وقيل: ما كان ليهلكها وأهلها متمسكون بعدل السيرة، وقيل: ما كان ليهلكها بظلم نادر واهلها غير مستحقين للعقاب، وقيل: ما كان بظالم لو أهلكها وإن كان أهلها مصلحين. ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إشارة أن يكونوا أمة واحدة على الإسلام، وقيل: للاختلاف، وقيل: للإمساك عن الاختلاف، وقيل: للاستثناء بالرحمة. ﴿فِي هَذِهِ﴾ إشارة إلى السورة.

стр. 983

سُورَةُ يُوسُف مكية (١)، وعن ابن عباس إلا أربع آيات؛ ثلاث من أولها والرابع ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وهي مائة وإحدى عشرة آية بلا خلاف (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير عائد إلى الكتاب ﴿قُرْآنًا﴾ اسم من القراءة أو مصدر ﴿عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب، قال ﵇: "إن العربية ليست بأب والد ولكن مَنْ تكلم بالعربية فهو عربي" (٣). ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ما كان غاية في إفادة الصّدق والعجب الباعث على مكارم الأخلاق، الزاجر عن اللوم بنظم سهل منتفع؛ وهو (٤) القرآن لتضمنه أقاصيص الأنبياء والأولياء وذكر عاقبة المتقين، وقصارى عمل المفسدين، وقيل: قصة يوسف ﵇ لاستمالة على حسن تعبير يعقوب، وحسن موعظة يوسف (٥)، وحسن

стр. 984

صبره في حزنه، وحسن تعزيه في مصيبته، وحسن رجائه من الله، وحسن معاشرته فيه حيث لم يهاجرهم ولم ينابذهم، ولاشتماله على حسن صورة يوسف، وحسن رؤياه في صباه، وحسن إمساكه عن زليخا (١)، وحسن اختياره السجن، وحسن تعبيره رؤيا الفتيان (٢)، وحسن صبره في السجن، وحسن تدبيره في ادِّخار الميرة، وحسن كيده في حبس أخيه، وحسن ردِّه على إخوته بضاعتهم، وحسن عفوه عنهم، ولاشتماله على حسن اختيار (٣) زليخا والنسوة والملك، وحسن توبة إخوة يوسف، وحسن اعترافهم واعتذارهم، وحسن عاقبة الجميع، وحسن ذكر الله إياهم، والقول الأول الأصح (٤) لقوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ عن مصعب بن سعد (٥) عن أبيه قال: أنزل الله تعالى القرآن على رسول الله ﷺ (٦) فتلاه عليهم زمانًا فقيل: يا رسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى ﴿الر تِلْكَ﴾ الآية فتلا عليهم زمانًا، قيل: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، وروي فقيل: لو خوفتنا (٧) فأنزل ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] الآية (٨). ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل الوحي إلا (٩) عاقلًا عن هذه الأنباء. ﴿يَا أَبَتِ﴾ قال الفراء (١٠): كانت ها وقفة (١١)، واستجازوا تحريكها

стр. 985

كتحريك هاء (١) الندبة (٢)، ثم قلبوها تاء، فهاء التأنيث، فأدخلوا عليها الإضافة بالكسر، والندبة بالفتح، وقيل: التاء عوض عن ياء المتكلم لأنها لا (٣) تثبت مع الياء، وإنما جمع جمع العقلاء لاعتبار فعل العقلاء وهو السجود أو لأن تأويل (٤) أبواه وإخوته. ﴿لَا تَقْصُصْ﴾ لأنه علم غيرتهم ومنافستهم في طريق المشاهدة أو من طريق القياس على أمر أخيه عيصو (٥)، وذكر الشيطان لأنه كان يعلم أنهم يفهمون التأويل؛ لأن البيت كان بيت النبوة والعلم فيتخوف على يوسف البوائق وعلى إخوته البغي من وسوسة الشيطان. وعن وهب: رأى هذه الرؤيا وهو ابن اثنتي عشرة سنة (٦) وكان رأى قبل ذلك وهو ابن سبع سنين (٧) إحدى عشرة (٨) عصًا طوالًا مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصًا صغيرة تثب على هذا العصي فتغلبها وتفوقها. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارة إلى السجود أو لاختصاصه بالرؤيا (٩)، فإنما بشره بالاجتباء لرؤياه؛ فإنّ الرؤيا من الله والعلم (١٠) من الشيطان، وبشره بعلم
следующие страницы →