← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

و (الوعد المفعول): هو الضمان المأتي. ٦ - ﴿لَكُمُ الْكَرَّةَ:﴾ إليكم المنعة والقوّة لتكرّوا عليهم، فتخرجوهم من دياركم. ﴿نَفِيراً:﴾ عشيرة ورهطا. ٧ - ﴿فَلَها:﴾ أي: فعليها. و (إذا): ظرف زمان، والعامل مضمر فيه، تقديره: فإذا وعد الآخرة أنجزناه وحقّقناه، وبعثناهم ليكون كذا وكذا. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا:﴾ وليهلكوا ما علوه إهلاكا، أو ليهلكوكم (١) ما داموا (٢) عالين إهلاكا. لم يختلف أهل العلم في الموعود الأوّل أنّه بختنصر وأصحابه، ولكنّهم اختلفوا في تعريفه ونسبته، وعاقبة أمره، واختلفوا في الموعود (١٨٥ ظ) الثاني. الكلبي (٣): أنّه كان ملك بابل، غزا بيت المقدس، وقتل أربعين ألفا من قرّاء التوراة، وسبى الباقين، فمكثرا في تلك المحنة تسعين سنة حتى مات بختنصر، واستولى على بابل ملك من همذان اسمه كورش، وأنّه تزوّج من بني إسرائيل امرأة (٤) اسمها مسحت بنت روبابيل التي تشفّعت إلى زوجها، وسعت في إصلاح قومها، وفي ردّهم إلى أوطانهم فأجابها زوجها إلى ذلك. وذكر أنّ الموعود الثاني ملك من ملوك الروم، اسمه انطياخوس سار فيهم سيرة بختنصر البابلي بعد مئتين وعشرين سنة. قالوا: ثمّ رحمهم الله تعالى وأمّنهم في ديارهم، وبعث إليهم أنبياء حتى عادوا إلى الكفر والطغيان وقتل الأنبياء، وكفروا بالمسيح، فعاد الله إليهم بالعقوبة ثالثا، وسلط اسفسيانوس الرومي، وابنه ططوس بن اسفسيانوس بعد أبيه، فخرب (٥) بيت المقدس، ولم يزل خرابا إلى أن بناه المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب. وحكى الشعبي (٦) في كتاب «سير الملوك»: أنّ بخت نصر إنما هو بخت نرسي، وهذه كلمة نبطية، ومعناها كثير البكاء والأنين، واسمه بالفارسية لهراسف بن قنوجي بن كنيمش بن (٧) كتابنه بن كيقباذ. كان كيقيانوس بن كيقباذ (٨)، طرد أخاه وجفاه وأقصاه، وسيّره إلى مدينة

стр. 1017

سوس (١)، وهو كتانبه بن كيقباذ، فنزلها، ولم ينزل بها عقبه إلى أن انتشا بخت نرسي، وهو لهراسف، وكان قد مرّ به يهوديّ على عهد سليمان ﵇ وهو صبيّ بعد يلعب بالتراب، ويصوّر فيه، فوقف عليه اليهودي، وكان عالما، فتأمّل فيما يصور، فإذا هو يصوّر بيت المقدس ومسجده، وشوارعه (٢) وسككه لا يغادر منها شيئا، فقال اليهوديّ في نفسه: والله هذا هو الموعود، ثم انتظر ساعة، هل يدع الصبيّ هذه الصورة بحالها أم يفسدها؟ فلما تّمت الصورة، مسح الصبيّ عليها كفّه (٣)، فطمسها، فتيقّن اليهوديّ أنّه هو الموعود المخرّب لبيت المقدس، فاستخبر الصبيّ: هل له من يكفله؟ فأخبره بأنّ له أمّا وبيتا، فانتهى اليهوديّ إلى بيته، ونزل عندهم ضيفا، وتحرّم بطعامهم، ثم تشفّع إلى الصبيّ بأمّه أن يعطيه الذمّة والأمان، وبشّره بأنّه سيملك (٤)، ويكون شأنه كذا وكذا، فتمكّن ذلك الحديث في قلب بخت نصر، ودخل ذلك في دماغه، ولم يزل ذلك همته إلى أن توفّي سليمان، ورجع أمر بني إسرائيل إلى رحبعم بن سليمان، وهلك كيكسرى بن سياوش بن كيقانوس (٥)، ورجع أمر العجم إلى بخت نصر (٦)، فلما ملك الأمر، وانتظمت أحواله، جمع المرازنة والجنود، وذكّرهم ما كان من استيلاء سليمان ﵇ وحذّرهم من جهة رحبعم مثله، وندبهم إلى قتاله، وأجابوه (٧)، فسار في مئتي (٨) ألف فارس حتى أوغل في الشام، ولما سمع ذلك رحبعم، وجعل من قبله (٩) (١٨٦ و) من بني إسرائيل في المسجد، وخطب لهم خطبته (١٠) هذه: الحمد لله الذي تفرد بالعظمة، وتوحد بالكبرياء، وتردّى بالعزّ، حمدا بما اصطنع إلينا من أياديه، وأسبغ علينا من نعمه، وأنقذنا من الهلكة والكفر، أيّها الناس، عليكم بتقوى الله (١١) ربّكم الذي بيده نواصيكم، وإليه منقلبكم، حافظوا على صالح سنّتكم، وجاهدوا في سبيل ربّكم، هذا عدوّكم قد أظلّكم، فحاموا (١٢) عن دينكم، وامنعوا بيضتكم، وتوكّلوا على ربّكم، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم. فبطروا (١٣) عمّا دعاهم إليه، وخذلوه، ورفضوه،

стр. 1018

وتفرّقوا عنه. فلما رأى رحبعم ذلك منهم، هاجرهم، ونجا بنفسه إلى فلسطين، وأقبل بخت نصر حتى ورد بيت المقدس لا يمنع عليه صغير ولا كبير، فوضع في بني إسرائيل السيف، وأقام بينهم ميزان الحيف (١)، وأذاقهم لباس الخوف، وسبا منهم سبيا كثيرا، وكان من جملة السبايا دانيال ﵇ ثم رجع بالغنائم، والأسارى إلى بابل، وأتى على هذا زمان، ثمّ إنّه رأى رؤيا هائلة، فأخبر بها أهل العلم، فقالوا: هذا علم لا يتوصّل إليه إلا نبيّ يوحى إليه، فبعث إلى السجن، واستحضر دانيال ﵇ فلمّا دخل عليه دانيال لم يسجد له، فقال بخت نصر: لم لم تسجد كسائر العبيد؟ قال: لأنّ الله تعالى خصّني بالنبوّة، وأمرني أن لا أسجد إلا له، فأيقن بخت نصر أنّه نبيّ، وأعجبه كلامه، ثمّ ذكر له حديث الرؤيا، فقال دانيال ﵇: رأيت صنما عظيما رجلاه في (٢) الأرض، ورأسه في السماء، رأسه من ذهب، وصدره من فضة، وبطنه من نحاس، وفخذاه من حديد، وساقاه إلى قدميه من فخّار، وبينما (٣) أنت متأمّله وتتعجب منه إذا سقط عليه حجر من السماء فهشمه، وجعل الحجر يعظم، وينبسط حتى ملأ الأرض، فصرت لا ترى غير الحجر والسماء شيئا، قال بخت نصر: صدقت وبررت، فما تأويلها؟ قال دانيال: أمّا الصنم فبيتكم أيّها العجم، وأما الذهب فملوككم، وأما الفضة فأشرافكم، وأما النحاس فأوساطكم، وأما الحديد فمن دونهم، وأما الفخّار فسفلتكم، وأما الحجر فنبيّ آخر الزمان، يخرج من تهامة، ويهاجر إلى طيبة، اسمه محمد وأحمد، يطحن الله به الكفر، ويفرّق به بين الحق والباطل، ويعزّ به الذليل، ويقوّى به الضعيف، ويغنى به الفقير، ويؤمّن به الخائف، فلا يزال أمره يعظم، وأمّته تزداد، ودينه يعلو، ويملأ الأرض ذات العرض، ويبقى الملك في قومه إلى يوم القيامة. (٤) قال بخت نصر: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعدك بألف (٥) عام، فلمّا سمع ذلك بخت نصر أطلقه من السجن، وأذن له في الدخول عليه، ولم يأل في إكرامه والإحسان إليه حتى حسده على ذلك مرازبة (٦) بخت نصر، فأنكروا ذلك، فاتّهموه في ذلك، ورموا دانيال عليه (١٨٦ ظ) السّلام بالسحر، فلم يلتفت بخت نصر إلى شيء من قولهم حتى قالوا: إنّه يعبد غير معبودك، فأمر بخت نصر أن يحضر صنمه على رؤوس الناس، ودعا بدانيال (٧) ﵇، فقال: إذا رأيتني وقومي نسجد لهذا فاسجد معنا، ثم خرّ بخت نصر ساجدا مع قومه أجمعين، وأبى دانيال ﵇ أن يسجد،

стр. 1019

وقال: قد أعلمتك أيّها الملك أوّل مرّة أنّ الله نهاني أن أسجد لغيره، فغضب عليه (١) لمخالفته، وبنى له بنيانا، فألقاه في الجحيم، فجعلها الله عليه (٢) بردا وسلاما، فلما رأى ذلك بخت نصر منه دعاه، واستصفاه، واعتذر إليه، وأطلق جميع من كان عنده من بني إسرائيل في السجن، فأحسن إليهم، ثم إنّ الله تعالى ابتلاه ثانية برؤيا هائلة، وأنساه إياه (٣)، فذكر ذلك لدانيال ﵇ قال دانيال: رأيت شجرة لفّاء عظيمة، أصلها في الأرض، ورأسها في السماء، ذات فروع باسقة، وأغصان أنيقة، ورأيت عليها كلّ طير في الأرض معششة مع فراخها حتى امتلأت تلك الشجرة وما والاها، فبينا (٤) أنت تنظر إليها، وتتعجب من عظمها، وكثرة ما اكتنفها من الطير إذا أقبل ملك من السماء، ليجتثّها من أصلها، فنودي من السماء أن اجتث بعضها، ودع بعضها، فأمّها بفأسه، فأبان أغصانها، وبقي ساقها على حالها، ونفرت ما كان عليها من الطير. قال بخت نصر: صدقت، هذه رؤياي، ما خرمت منها شيئا، فما تأويلها؟ قال دانيال ﵇: أمّا الشجرة فملكك الواسع العظيم، وأما الطير فجنودك، وأما الاجتثاث فذهاب ملكك، وإبادة سلطانك، وأنّ الله تعالى ماسخك سبع سنين على صورة كلّ طائر (٥) ودابّة عقوبة لك على ما كان من هدمك بيت المقدس، ونقلك منبر سليمان، واستخفافك بالأنبياء والأولياء (٦)، وسفكك دماء المسلمين، غير أنّك لا تمسخ في صورة إلا كنت ملك ذلك الجنس، فتقهر ذلك الجنس بقوّتك كقهرك بني آدم، ثمّ تعود إنسانا. قال بخت نصر: وهل يقبل ربك توبتي؟ قال: أما دون هذه العقوبة فلا. فقام بخت نصر، ودخل دار نسائه، فبينا (٧) هو جالس إذ نظر إلى الريش قد نبت عليه (٨)، فكان أول ما مسخ عقابا، وآخر ما مسخ بعوضة، ثمّ (٩) عاد إلى مملكته، وكان ابنه كليماوس تخلّفه في قومه في هذه الفترة، فلمّا عاد إنسانا، وعاد إلى مملكته اغتسل، ولبس المسوح، وسلّ سيفه، وكسر جفنه، وحرج إلى جنوده يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، ويحذّرهم العذاب الأليم، فلما هجم عليه الليل قبض الله روحه، وكان ملكه سبعين عاما، وهو لهراسف بلغة الفرس. وولي الأمر بعده كليماوس، وأساء السيرة في بني إسرائيل، وردّهم إلى السجن، فبينا هو

стр. 1020

ذات يوم في مجلسه مع مرازبته وعظماء قومه إذ نظر إلى كف بدت من الحائط بلا معصم، وكتبت ثلاثة (١٨٧ و) أحرف (١) بالعبرانية، ثمّ غابت، فاضطره الخوف إلى دعاء دانيال ﵇ وألطف له (٢) القول، وأراه تلك الكتابة، واستفسره، فقرأها عليه دانيال: بسم الله العلي الأعظم عزّ هذا الملك فذلّ، ووزن فخفّ، وجمع فتفرّق، وابتلاه الله بعد هذا بملك اليمن ياسر بن ينعم، قصده من صنعاء اليمن حتى نزل في تخوم أرضه، ثم استولى عليها، وكان على دين سليمان ﵇ وأنّه غزا ديار بخت نصر منتقما لبني إسرائيل. قال الزهريّ (٣): ثم ابتلاه الله ببعوضة كبعوضة نمرود، وكانت سبب موته، وكان ملكه خمسين سنة، وملك من بعده أخوه بشتاسب، ثمّ بهمن بن اسفنديار بن بشتاسب، وهو الذي ردّ بني إسرائيل إلى أوطانهم، والسبب في ذلك: أنّه تزوج من سالمال بن رحبعم بن سليمان ﵇ وكانت تسمى ابراخت، فلما تزوج بها ملّك أخاها روبابيل بن سالمال بن رحبعم، وسيّره إلى أرض الشام. ثم ذكر الشعبي: أنّ الموعود الثاني ملك من ملوك الأهواز (٤) كان يسمى بخت نصر أيضا، سلّطه الله بعد قتل يحيى بن زكريا ﵇ وكان من نسل بخت نصر الأول، قال: وكان بين المرتين خمس مئة عام. وذكر محمد بن جرير الطبري: أن بخت نصر كان قائدا من قواد سنحاريب الملك، ملك بابل، وكان قد غزا بيت المقدس مع سنحاريب الملك في عهد حزقيا بن أحار، وهو ملك من ملوك بني إسرائيل، وكان بعد رحبعم بن سليمان بزمان طويل، ورجع خائبا خاسرا، فلما هلك سنحاريب تحول بخت نصر إلى لهراسف الملك، وهو ببلخ حينئذ، فذكر له حديث الشام، وطلب منه أن يوجهه إلى تلك النواحي، وضمن له أن يفتتحها له، فأجابه لهراسف إلى ذلك، وأمده بالأموال والرجال، فكان من أمر بخت نصر ما كان، ورجع إلى بابل، فاتخذها دار مملكته في طاعة لهراسف، ولم يكن هو (٥) للهراسف، ثم إنّ لهراسف هلك، وخلفه ابنه لشتاسف، ورفع إليه حديث الشام، وما كان من فساد بخت نصر في تلك النواحي، فاستقبح ذلك، فكتب إليه يأمره بالرجوع إلى بابل (٦) وصرفه بكورش، وهو قائد من قوّاده. فلمّا انتهى كورش إلى بابل

стр. 1021

أحسن السيرة في بني إسرائيل، وردّهم إلى أوطانهم، وأمر بعمارة بيت المقدس، وبقي الأمر على ذلك حتى أرسل إليهم بهمن [بن] (١) اسفنديار بن لشتاسف رسولا يدعوهم إلى تجديد العهد، وإظهار الطاعة، وأداء الخراج، وقتلوا (٢) رسوله، فغضب، وكان بخت نصر يعيش بعد (٣)، فوجهه إليهم، وأمره بإساءة السيرة فيهم، فهو الموعود الأوّل والثاني. ٨ - ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ:﴾ قال الضحاك: كانت الرحمة الموعود هو أن يبعث محمدا ﵇. (٤) [﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً﴾] (٥) قال ابن عباس: (١٨٧ و) سجنا محصورا فيه كهيئة الزّرب، زرب الغنم. (٦) ٩ - ﴿لِلَّتِي (٧)﴾ هِيَ أَقْوَمُ: أي: إلى الخصلة التي [هي] (٨) أصوب الخصال، وهي ملّة الإسلام. ١٠ - ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ:﴾ وبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أنا أعتدنا، ويحتمل: أنهن بشارة المؤمنين أيضا، فإنهم يفرحون بعذاب المخالفين لا محالة. ١١ - ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ:﴾ نزلت في النضر بن الحارث (٩) حيث قال: ﴿إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال:٣٢]. (١٠) وقيل: هي عامة (١١) في كلّ من يدعو على نفسه، أو على ولده وأهله في حالة الضجر والغضب، فيجتهد في دعائه بالشرّ، كجهده في دعائه بالخير على هذه (١٢). واتصالها من حيث ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ،﴾ فمن التي هي أقوم، هو التنبيه على هذه الخصلة المذمومة، وهو الدعاء بالشرّ.

стр. 1022

و ﴿يَدْعُ﴾ بغير الواو في محلّ الرفع، [مثل] (١) ﴿يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر:٦]، وقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق:١٨] ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ [الشورى:٢٤]؛ لاعتبار حالة الوصل، وبني سائر الهجاء على اعتبار حالة الوقف؛ لاستحباب الجمع بين الطريقتين. وقيل: المراد بالانسان هاهنا آدم ﵇. (٢) و (العجول): المستعجل. ١٢ - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ:﴾ في أنفسهما، وآية الليل والنهار: الشمس والقمر ليلة البدر. ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ:﴾ قال: هو اللطخ (٣) الذي هو في القمر. (٤) وروي: أنّه أثر مسحة جبريل. (٥) وزعم المنجّمون (٦): أنّ جرم القمر كري ليليّ مائي مظلم مصقول، وفيه حرارة عرضيّة بتسخين الشمس إيّاه. ١٣ - ﴿أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ:﴾ ردّ على القدرية؛ لأنّ إلزام الطائر قبل وجود الفعل، فلا معنى للطائر بعد وجود الفعل، وقد سبق القول في التطيّر والطائر في سورة الأعراف. وقيل: أصل الكلمة تقال، وذكر العنق على سبيل المجاز؛ لأنّه موضع ما يلزم الإنسان من قلادة أو طوق أو غلّ أو نحوه. (٧) ﴿وَنُخْرِجُ:﴾ نبرز له (٨) من الغيب. و (المنشور): ضدّ المطويّ. ١٤ - ﴿اِقْرَأْ﴾ أي يقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ. . .﴾ لاستلاب الاختيار والاقتدار، ونسخها بالاضطرار إلى الإقرار. ١٥ - ﴿وازِرَةٌ:﴾ أي: نفس وازرة وزر نفس أخرى، فلا تحمل نفس حمل نفس إلا أن تكون أكرهها على مأثم، فإنّ الفعل في الإكراه يسند إلى المكره العاني، وإلا أن يكون سنّ (٩)

стр. 1023

سنّة سيئة، فإنّ لها مثل وزر من عمل بها (١) إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، (٢) كقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥]. والمراد ب (العذاب): المنع والخسف (٣) والمسخ والطوفان والصواعق ونحوها، دون عذاب الآخرة، ألا ترى قال: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:١٦]، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ﴾ [الإسراء:١٧]. (١٨٨ و) ١٨ - ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ:﴾ اتصالها بها من حيث أهلكهم الله تعالى من المؤمنين، وهذه الآية مجملة، تفسيرها قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم:٢٩]، وقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ (٤)﴾ الْحَياةَ الدُّنْيا [الأعلى:١٦]، وقوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النحل:١٠٧]، والدليل على جواز طلب الدنيا بعمل الآخرة هو طلب الغنائم بالجهاد، والاستسقاء بالدعاء (٥) والاستشفاء، قال ﵇: «يقول الله للدنيا: يا دنيا مرّي على أوليائي، ولا تحلولي لهم فتفتنيهم» (٦). ﴿ما نَشاءُ:﴾ أي: [ما] (٧) نشاء كائنا، فإنّ الله تعالى ما شاء كان (٨)، وما لم يشأ لم يكن. ﴿لِمَنْ نُرِيدُ:﴾ أي: ذلك، وهو تخصيص بخصوص الجزاء الموعود، فثبت به جواز تخصيص كلّ وعد ووعيد في القرآن من بعد عمومه، وكذلك نسخه من بعد ثبوته. ﴿مَذْمُوماً:﴾ معيبا. ١٩ - ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها:﴾ وإنّما شرط في إرادة الآخرة السعيّ؛ لأنّ الشرط في العاجلة شرط مجازيّ غير موجب، قصد فيه التنبيه على قبحه وفساده، فلم يكن لتأكيده معنى (٩)، وشرط الآخرة شرط حقيقيّ موجب قصد منه تعليق الحكم به على التحقيق،

стр. 1024

فاستجمع جميع ما يتعلّق به، يدلّ عليه وجود العاجلة ابتداء وابتلاء من غير جزاء وامتناع الآخرة إلا ثوابا أو عقابا. وفي الآية دلالة أنّ غير المؤمن قد سعى للآخرة، وأنّ الإيمان غير العمل، وأنّ الآخرة قيمة سعي المؤمن لا قيمة إيمانه؛ لأنّ جزاء الإيمان أجلّ وأنفع من الآخرة بأسرها، وهو الدخول في جملة الأولياء، يقول الله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]، ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (١١) [محمد:١١]، وأما قوله ﵇: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنّة» (١)، وإنّما ذلك لترغيب العامّة، وقد وعدهم الله على ذلك عصمة الأموال والدماء غير مرّة. ٢٠ - ﴿هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ:﴾ بدل من كلّ (٢)، وهو في محلّ النصب. والمراد به مريدو (٣) العاجلة، ومريدو الآخرة. ﴿مَحْظُوراً:﴾ ممنوعا محبوسا، وقال (٤) ﵇: «إنّ من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمّهم على ما لم يؤتك الله، إنّ رزق الله لا يجرّه حرص حريص، ولا يردّه كره كاره، إنّ الله بحكمته جعل الرّوح والفرح في الرضا واليقين، والهمّ والحزن في الشكّ والسخط». (٥) ٢١ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا:﴾ فائدة النظر إلى تفاوت الناس في مراتبهم: وقوع العلم بأنّها أرزاق (٦). ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ:﴾ لأنّ خيرها وشرّها موجودان على سبيل الحقيقة دون (١٨٨ ظ) الابتلاء، وعلى سبيل البقاء دون الفناء، ولأنّ شريفها لا يحتاج إلى عمل وضيعها، فيشركه في رباعها ومرابيعها، ولا يخاف دسّ مكر منه إليه، فيعود شرفه وبالا عليه. ٢٢ - ﴿لا تَجْعَلْ:﴾ خطاب للنبيّ، والمراد به أمّته. ﴿فَتَقْعُدَ:﴾ فتبقى.

стр. 1025

و (الخذلان): ضدّ النّصرة. ٢٣ - ﴿وَقَضى رَبُّكَ:﴾ نزلت في سعد بن أبي وقاص كان قد أسلم، وله أمّ مشركة، تشتمه، وتطرده عن بيتها، وتعود عليه بالجميل أخرى، وكان سعد متقدم الإسلام، لم يتقدمه إلا زيد بن حارثة، وأبو بكر الصديق، وعليّ بن أبي طالب. ﴿فَلا (١)﴾ تَقُلْ لَهُما أُفٍّ: نهي عن التأفيف، ونصّ عليه، يدلّ بفحواه على ما فوق ذلك أدخل في النهي، كما أنّ مثقال ذرة ومثقال حبّة يدلاّن أنّ ما فوقهما أدخل في الجزاء والحساب. ﴿وَلا تَنْهَرْهُما:﴾ ولا تزجرهما. ﴿قَوْلاً كَرِيماً:﴾ هو مقالة (٢) الرجل الكريم. عن أنس (٣) قال: بعث رسول الله في بعض أمره، فقال: أوصني، فقال: «أوصيك أن تبرّ بوالدتك»، قال: زدني، قال: «أوصيك أن تبرّ بوالدتك»، قال: زدني، قال: «أوصيك أن تبرّ والديك (٤)، فإنهما جنتاك». وعن أبي هريرة قال: بعد يا رسول، (٥) من أحقّ بحسن الصحبة منّي؟ قال: «أمك»، قال: ثمّ، قال: «أمّك»، قال: ثمّ من، قال: «أبوك». (٦) عن محمد بن صدقة: أنّ رجلا أتى النبيّ ﵇ فقال: أتيتك لأجاهد معك، وتركت والديّ يبكيان، قال: «فانطلق فأضحكهما كما أبكيتهما». (٧) ٢٤ - ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ:﴾ أي: تواضع، وتذلّل لهما (٨) من رحمتك عليهما، وهذا أبلغ في الأمر بالتواضع من قوله: ﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]. ٢٥ - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ:﴾ لأنّه هو الذي خلقها، فسوّاها، وألهمها فجورها وتقواها، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، وإليه المصير.

стр. 1026

﴿إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ:﴾ شرط جوابه: ﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً﴾ لأنّ الأواب: هو التواب، والتواب: هو الصالح. ٢٦ - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ. . .:﴾ حقّهم: ما يستحقونه، ويستأهلونه، لحاجتهم إليه من طعام أو كسوة أو ظهر. ﴿وَلا تُبَذِّرْ:﴾ لا تفرق المال (١) على سبيل الإضاعة والإهلاك، كأنّه أخذ من البذر. ٢٧ - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ:﴾ هم الذين كانوا ينفقون أموالهم فيما لا يعنيهم رياء الناس، واتباعا لهوى النفس، وكان يتعذّر عليهم القيام بما يعنيهم. ٢٨ - ﴿وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ:﴾ عن القتال والسؤال. ﴿اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها:﴾ أي: انتظار رزق يأتيك لتواسيهم به. ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً:﴾ عدهم عدة جميلة. عن مسعر (٢)، عن زبيد اليامي (٣) [عن مرّة (٤) عن عبد الله بن مسعود] (١٨٩ و) قال: أضاف (٥) رسول الله ضيفا، فبعث إلى نسائه، فلم يجد عندهنّ شيئا، فقال: «اللهمّ إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنّه لا يملكها أحد غيرك»، قال: فأتي النبيّ ﵇ بشاة مشوية، أو قال: مصلية، فقال ﵇: «هذه من فضل الله، ونحن ننتظر رحمته»، (٦) قال زبيد: تعلمت بهذا، فقلّ ما فقدت شيئا بعده. ٢٩ - ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ:﴾ عن المنهال بن عمرو (٧): أنّ امرأة بعثت ابنها إلى رسول الله (٨) ﷺ يستكسيه درعا، وقالت له: إن قال: حتى يأتيني شيء (٩)، فقل له: إنّ

стр. 1027

أمّي تستكسيك قميصك، فأتى ابنها رسول الله ﷺ ، وذكر له (١) ذلك، فنزع رسول الله ﷺ قميصه، فدفعه إليه، فأنزل. (٢) وفي الآية نهي عن الإمساك والبخل، ونهي عن الإسراف في النفقة. عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ (٣)، قال: كنّا عند رسول الله إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن فخذها، فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه، ثمّ أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله، فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته، أو لعقرته، ثمّ قال ﵇: «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثمّ يقعد يستكف الناس، خير صدقة ما كان على ظهر غنى» (٤). ٣٠ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ:﴾ اتصالها بها من حيث قوله: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا﴾ [الإسراء:٢١]، أو من حيث ﴿اِبْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء:٢٨]. ٣١ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ:﴾ كانت العرب تئد البنات خشية العيلة (٥) عند الإعالة، فأنزل. ﴿إِمْلاقٍ:﴾ كثرة إنفاق. ٣٢ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى:﴾ الزنى في اللغة: اسم لوطئ المرأة في قبلها من غير عقد، وإطلاق النبيّ ﵇ الزنى على اليدين والرجلين محمول على الإثم دون الحكم لقوله: «ادرؤوا الحدود ما استطعتم» (٦). ٣٣ - ﴿لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً:﴾ هو تحكيم الوليّ في قتل القاتل إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه. ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً:﴾ أي: وليّ المقتول كان منصورا حيث جعل له سلطانا. ٣٤ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ:﴾ روي: أنّ رجلا جاء إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله، إنّ لي يتيما، فأضربه؟ قال: «نعم، ممّا تضرب منه ولدك»، قال: أفآكل ماله؟ قال: «نعم،

стр. 1028

غير متأثّل بماله، ولا واق مالك بماله» (١). ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً:﴾ أي: المحافظة به مسؤول عنها يوم القيامة. ٣٥ - ﴿بِالْقِسْطاسِ:﴾ بالقبان، وقال أبو عبيد الهروي: «أيّ ميزان كان». (٢) ٣٦ - ﴿لا تَقْفُ:﴾ لا تتبع (٣) يقال: قفوته أقفوه، وقفيته أقفيه، وقفته أقوفه بمعنى (٤). الكلبي: هو أن يدّعي الإنسان علما لا يحسنه، ويكذب على سمعه وبصره وفؤاده. (٥) وقال مقاتل: يقول الله تعالى: يا ابن آدم لا ترمني بالشرك، فإنّك لا تعلم لي شريكا. وقيل: هو أن (١٨٩ ظ) يستنّ الرجل بسنة لا يعلم أسنة هي أم بدعة؟ ﴿كُلُّ (٦)﴾ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً: خبر للاسم المنتصب بإنّ. ٣٧ - ﴿مَرَحاً:﴾ نشاطا وخيلاء. ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ:﴾ لن تثقبها بشدة وطئك. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً:﴾ بأن تتعظم وتتشمخ بأنفك، وتركب رأسك. عن جابر بن عتيك (٧) عنه ﵇: «من الغيرة ما يحبّ الله، ومنها ما (٨) يبغض الله: فأمّا التي يحبّها فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها ففي غير ريبة، وإنّ (٩) من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحبّ الله، فأمّا الخيلاء التي يحبّ الله فاختيال الرجل نفسه عند اللقاء، واختياله عند الصدقة، وأمّا التي يبغض الله فاختياله في البغي». وروي: «في الفخر». (١٠) ٣٩ - ﴿فَتُلْقى:﴾ من الإلقاء، ويجوز من اللقاء. وعن ابن عباس: أنّ هذه الثماني عشر في ألواح موسى ﵇ كتب الله له فيها، أنزلها الله تعالى

стр. 1029

على نبيّنا ﵇ من رأس اثنتين وعشرين آية، قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ. . .﴾ [الإسراء:٢٣] إلى رأس الأربعين قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ. . .﴾ [الإسراء:٣٩] قال: وهي عشر آيات في التوراة، قال: هذه الآيات سبع عشرة آية عند القرّاء، فإن لم يقع سهو من جهة الرواة، فكأنّه عدّ ﴿سُلْطاناً﴾ [الإسراء:٣٣]، أو ﴿بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء:٣٥] آية. ٤٠ - ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ نزلت في بني مليح، ومن ذهب مذهبهم من قريش. (١) أي: أفآثركم بالبنين على نفسه، ورضي لنفسه بالبنات، إن كان يليق به الولادة، واتخاد الولد على زعمكم. ﴿قَوْلاً عَظِيماً:﴾ لأنّهم كذبوا، ثمّ لم يرضوا بتكذيبهم حتى جعلوه في غاية القبح والبشاعة. ٤١ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا:﴾ أي: صرّفنا الآيات. ﴿نُفُوراً:﴾ تباعدا وتوحشا. ٤٢ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ:﴾ وجه الردّ عليهم: أنّ الشيء لا ينفصل عن جنسه إلا قهرا، فلو كانت في العالم لله أجناس، لكانت قاهرة غير مقهورة، ولو كانت كذلك لاتّحدت به، ولرجع الأمر إلى الوحدانية، والثاني: أنّ مساواة الأدنى داعية إلى مزاحمة الأعلى فيما تفرّد به، ومزاحمته تؤدّي إلى فسخ المواضعة، وفسخ المواضعة (٢) يوجب توحيد الأعلى. ٤٣ - ﴿عُلُوًّا:﴾ أي: تعاليا، كقوله: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل:٨]. ٤٤ - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ:﴾ تسبيح الكلّ قريب من صوت الكلّ، وهو الأصوات الدالّة على محدثها، ومحدث ذواتها، وكلّ صامت ناطق بالدلالة على صانعه. وعن الحسن: اللّبنة تسبّح، فإذا بني بها سبّحت مع الأرض. (٣) وقال النخعي: الطعام يسبّح. (٤) وقال عكرمة لرجل: قميصك هذا يسبّح. وقال رجل لأبي هريرة: أسمع لبيتي تقعقعا، قال ذلك تسبيح الجدر. (٥)

стр. 1030

٤٥ - ﴿مَسْتُوراً:﴾ ساترا. كقوله: ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٣١] ساكب (١)، و ﴿يا مُوسى﴾ (١٩٠ و) ﴿مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:١٠١]: ساحرا. وقيل: معناه حجاب لطيف لا يشاهد (٢). (٣) عبد الحميد بن جعفر (٤)، عن أبيه (٥): أنّ المشركين قالوا لرسول الله: قلوبنا في أكنّة ممّا تقول، وبيننا وبينك حجاب مستور فأنزل على زعمهم. فكأنّها مستقيمة، أي: أو (٦) جعلنا، ثم ردّ عليهم بقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ [الإسراء:٤٧]. وقال مجاهد: (الحجاب): صرف الله أسماعهم عن القرآن عند تلاوة رسول الله ﷺ . وقال كعب: الإخبار به خاصّ من القرآن. كان رسول الله ﷺ إذا قرأ توارى منهم عن ذلك، وصرفت أبصارهم عنه، وذكر آيات الحجاب: ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:٥٧]، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ﴾ [النحل:١٠٨]، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية:٢٣]. ٤٧ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ:﴾ منك. ﴿بِما يَسْتَمِعُونَ:﴾ باستماعهم كيف هو، على أيّ وجه هو حين يستمعون إليك، وحين يتناجون، ويستمع بعضهم إلى بعض؟ ﴿إِذْ يَقُولُ:﴾ نزل في قوله: ﴿إِذْ هُمْ نَجْوى.﴾ ٤٨ - ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر على سبيل التعجب. و (ضربوا له الأمثال): وصفوا إيّاه بما سبق ذكره، واختلافهم في وصفه ﵇. ٤٩ - ﴿رُفاتاً:﴾ فتاتا، ما تناثر من كلّ شيء. وقيل: الرفات: الشيء المتكسر. (٧) ﴿جَدِيداً:﴾ طريّا. ٥٠ - ﴿قُلْ كُونُوا:﴾ على صيغة (٨) الأمر، والمراد من الشرط، أي: ستعودون، وإن كنتم

стр. 1031

شيئا شاقا صلبا بعيدا من التركيب الحيواني القابل للموت والحياة، كقولهم: عش رجبا ترى عجبا. (١) (الحديد): هو الجوهر المنطبع المختصّ بالفرند (٢). ٥١ - ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ:﴾ أو (٣) شيئا تستعظمونه، وترونه أصبر على مرّ الزمان من الحجارة والحديد. وعن ابن عباس ومجاهد: أنّه الموت يوم بدر، لا بدّ من العود، وإن كنتم عين الموت. (٤) وقال عبد الله بن عمرو بن العاص (٥): المراد به البعث. (٦) ﴿فَسَيُنْغِضُونَ:﴾ فسيحرّكون. ٥٢ - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ:﴾ العامل فيه ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ﴾ [الإسراء:٥١] أي: يكون العود، وهو البعث يومئذ على ما قال عبد الله بن عمرو. ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ:﴾ أي: فتقومون من قبوركم مستجيبين للداعي، معترفين بأنّ الله هو الإله الواحد المعبود المحمود في صفاته. ويحتمل: أنّ المؤمنين يشكرون لله يومئذ، ويحمدونه، فتلقف (٧) ذلك منهم المشركون، لا يهتدون إلى كلام غير ذلك حالة البعث من شدّة الهول. ﴿وَتَظُنُّونَ (٨)﴾ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً: لمكان (٩) شدّة الهول، ينسون عذاب القبر. ويحتمل: لمكان الرقدة التي بين خراب الدنيا وقيام الآخرة، ومدّتها على ما روي أربعون سنة، (١٠) ولا يبعد أن يكون المراد: يوم بدر، وبالدعاء ألقى [في] (١١) قلوبهم من همّة البروز إلى مصارعهم، وباستجابتهم خروجهم إلى ذلك على نشاط ورضى منهم، مرحين (١٢) غير مكرهين، وبظنّهم أنّهم لم يلبثوا إلا قليلا، استيقانهم عند ذوق السيف، أنّهم لم يؤجّلوا (١٩٠ ظ) بعد الوعيد إلا قليلا.

стр. 1032

٥٣ - ﴿وَقُلْ لِعِبادِي:﴾ قال ابن عباس: كان أصحاب رسول الله ﷺ بمكة (١) يؤذيهم المشركون بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﵇ فأنزل. (٢) ﴿لِعِبادِي:﴾ المسلمين. ﴿هِيَ أَحْسَنُ:﴾ من القول برد السّلام بلا فحش ينزع بينهم وبين الكفّار. ٥٥ - ﴿وَلَقَدْ (٣)﴾ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ: قال ﵇: «سألت ربي مسألة وددت أن لم أسألها إيّاه قط، قلت: اتخذت إبراهيم خليلا، وكلّمت موسى تكليما، وسخّرت مع داود الجبال يسبحن، وأعطيت سليمان كذا وكذا، وأعطيت فلانا كذا وكذا، فقال لي: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أشرح لك صدرك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أرفع لك ذكرك. قال: قلت: بلى، قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أضع عنك وزرك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أوتك ما لم أوت نبيّا قبلك خواتيم سورة البقرة؟ قال: قلت: بلى، قال: ألم أتخذك خليلا كما اتخذت إبراهيم خليلا؟». (٤) كان سؤاله على وجه التواضع والاعتراف بفضل الأنبياء، ورفعة منازلهم، تعرضا لزيادة رتبه، لا (٥) أنّه نسي إحسان الله، واستحقر نعم الله تعالى فنبّهه الله تعالى على أنّه بلغّ أجلّ المراتب وأرفّعها، وأنّه لا ينبغي له التعرض لشيء بعدها، وإنّما ندم على هذا السؤال دون سائر الدعوات المأثورة؛ لأنّ تلك إلا سؤلة (٦) صدر بعضها منه على سبيل التعليم لأمّته، وبعضها على سبيل الاحتياج دون التمنّي والاقتراح. عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ: أعطي إبراهيم الصحف الأولى أوّل ليلة من شهر رمضان، وأعطي موسى ﵇ التوراة لستّ ليال خلون من رمضان، وأعطي داود ﵇ الزبور لثنتي عشرة ليلة من رمضان، وأعطي عيسى ﵇ الإنجيل لثماني عشرة ليلة من رمضان (٧)، وأعطي محمد ﵇ الفرقان لأربع وعشرين من رمضان. قال: إما أن أراد شهر (٨) رمضان شهر صوم كلّ نبيّ في شريعته، أو إعطاء (٩) شيء على سبيل الافتتاح، فإنّ ميقات الألواح كان في ذي القعدة وعشر من ذي الحجة.

стр. 1033

٥٦ - ﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ:﴾ قال ابن عباس: إنّ ناسا من خزاعة كانوا يعبدون الجنّ، ويريدون أنّهم هم الملائكة، فأنزل. (١) ﴿قُلِ اُدْعُوا. . .:﴾ تقريع. ﴿فَلا يَمْلِكُونَ:﴾ جواب شرط مضمر، أو (٢) هي جملة معطوفة على ما مضى، والفاء بمعنى الواو. ٥٧ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ (٣): من (٤) صفة الملائكة، عند الكلبي. (٥) وصفة الجنّ، عند الفراء. (٦) (١٩١ و) ويحتمل: صفة الفريقين جميعا. ﴿الْوَسِيلَةَ:﴾ الخصلة التي يتقرّب بها العبد إلى سيّده، تقرّب موالاة ومحبة ومودة، لا تقرّب محاذاة أو أخوّة. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ:﴾ مرتفع بحال مضمر تقديره: يبتغون (٧) إلى ربّهم الوسيلة مستفهمين، أو ناظرين، أو متسائلين أيّهم أقرب؛ وذلك لمسارعتهم في الخيرات. ٥٨ - ﴿نَحْنُ مُهْلِكُوها:﴾ أي: مهلكو أهلها بالموت الذي لا بدّ منه. ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها:﴾ معذبوا أهلها بالخسف والمسخ ونحوها. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ اللوح. والفائدة تنبيه أهل مكة؛ لئلا يغترّوا بكونهم في الحرم آمنين، وتنبيه الناس ليتيقّنوا بخراب الدنيا، ويزهدوا فيها. ٥٩ - ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ:﴾ قال ابن عباس: سأل (٨) أهل مكة رسول الله (٩) ﵇ أن يجعل لهم (١٠) الصفا ذهبا، وأن ينحّي (١١) الجبال ليزرعوا فيها، فقيل: إن شئت أن

стр. 1034

تستأني بهم لعلّنا نتخيّر منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن [كفروا] أهلكوا كما أهلك من قبلهم، فقال ﵇: «بل استأني بهم»، فأنزل. (١) مقاتل: أنّ عبد الله بن أبي أميّة والحارث بن هشام سألا رسول الله أن يريهما آية مثل آيات الأنبياء قبله، فأنزل. واللفظ مجاز وحقيقة، ما منع آياتنا أن تكون مرسلة من عندنا إلا تكذيب الأولين. وفائدة اللفظ ابتلاء المخاطبين ليتميّز العالمون من غيرهم. ﴿مُبْصِرَةً:﴾ جليّة بيّنة، كقوله: ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ [يونس:٦٧]. ﴿فَظَلَمُوا بِها:﴾ فكفروا بها، وكذّبوا بها، أو ظلموا أنفسهم بقتلها. ﴿وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً:﴾ أي: لا نرسل بالآيات إليكم أيّها الآخرون إلا على سبيل الإنذار والوعظ. والثاني: لا نرسل بالآيات الملجئة إلا للتخويف الذي هو الإكراه. ٦٠ - ﴿وَإِذْ قُلْنا:﴾ واذكر إذ قلنا. وفائدة التذكير: التسلية بأنّهم في قبضته، ولو شاء لهداهم أجمعين. واتصالها بما قبلها من حيث ذكر الآيات، فإنّ الرؤيا من جملة الآيات. قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها النبيّ ﵇ ليلة أسري به إلى بيت المقدس. (٢) ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ:﴾ هي الزقوم، نصب بالعطف على الرؤيا، أي: وما جعلنا الرؤيا والشجرة (٣) كلتيهما إلا فتنة للناس لمكان الشبهة والالتباس، وإنّما وصفت بالملعونة لكون أهليها (٤) وآكليها ملعونين، ولكونها (٥) مكروهة مستبشعة (٦) خبيثة، تنفر الطّباع منها وتلعنها. ٦١ - ﴿طِيناً:﴾ نصب لنزع الخافض، أو لأنّه مفعول ثاني لقوله، أي: كونه في الابتداء طينا، أو للحال، أي: قدرته وصورته في حال كونه طينا. ٦٢ - ﴿أَرَأَيْتَكَ:﴾ استفهام بمعنى الإنكار. ﴿هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ:﴾ مبتدأ وخبر في محل الرفع بالاستفهام. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ:﴾ الاحتناك: الإفساد. وقيل: الاحتناك: الاستئصال. (٧)

стр. 1035

٦٣ - ﴿مَوْفُوراً:﴾ (١٩١ ظ) متروكا برمّته، ومن الدعاء: توفر وتحمد (١)، أي: لا زلت موفورا محمودا. ٦٤ - ﴿وَاِسْتَفْزِزْ:﴾ واستدع في استخفاف. ﴿بِصَوْتِكَ:﴾ فاستمع (٢) بحاسة الأذن. ﴿وَأَجْلِبْ:﴾ استجمع واستحث. ﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ:﴾ أمّا الأموال: فالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام والربا والرشوة، وسائر الأكساب الخبيثة، والأولاد هي التي (٣) زيّن إلى آبائها قتلها، ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم، وأولاد الزنى، والتي يهوّدها آباؤها أو ينصّرها، أو يمجّسها بعد الفطرة. ٦٥ - ﴿إِنَّ عِبادِي:﴾ نصف الآية خطاب لإبليس، ونصفها خطاب لنبينا ﵇. ٦٧ - قال: (الكفور): الذي ينزل وحده، ويمنع رفده، ويجلد عبده. (٤) ٦٨ - ﴿حاصِباً:﴾ هي الريح التي تقلع الحصباء، أو تحصب الناس بالبرد. ٦٩ - ﴿قاصِفاً:﴾ هي الريح التي تكسر الجذع الذي عليه المراوح والشّراع، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: الرياح ثمان: أربع عذاب، وأربع رحمة، أما الرحمة: فالناشرات والمرسلات والمبشرات والذاريات، أما العذاب: فالعاصف والقاصف، وهما في البحر، والصرصر والعقيم، وهما في البر. (٥) ﴿تَبِيعاً:﴾ بالثأر. ٧٠ - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ:﴾ في اللباس الذي يسترهم ويقيهم الحرّ والبرد والبأس، وفي العقل الذي هو دليلهم إلى ما غاب عنهم في الحيل (٦) التي بها يتسلّطون على من هو أقوى منهم. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ:﴾ في كونهم مستأهلين لدين الإسلام مدعوين إلى دار السّلام، بخلاف الشياطين والأنعام.

стр. 1036

٧١ - ﴿يَوْمَ:﴾ نصب على الظرف. ﴿بِإِمامِهِمْ﴾ (١): مقدّمهم (٢) وداعيهم إلى الخير والشرّ، يدلّ عليه ظاهر الخطاب، وقوله: ﴿أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود:٦٠]، ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر:٤٦]. وقيل: الإمام ما أسلفه كلّ إنسان في كتابه. (٣) يدلّ عليه فحوى الآية، وقوله: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ﴾ [يونس:٣٠]. ﴿وَلا يُظْلَمُونَ:﴾ معطوف على ﴿يَوْمَ نَدْعُوا.﴾ ٧٢ - ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى:﴾ إنّما جاءت التفضيل على لفظة أعمى عند الفراء، بخلاف التفضيل في الألوان؛ لأنّ المراد به: عمى القلب، وعمى القلب من فعل الإنسان بغفلته. يجوز أن يقال: فلان أعمى من فلان في القلب، ولا يجوز في العين. وقال بعض النحويين: كل نعت على أفعل، والفعل منه ثلاثي عار عن الزيادات الملحقة فالتفضيل (٤) منه (٥) على لفظة أفعل جائز. تقول: عمي وزرق وعشي، فهو أعمى وأزرق وأعشى من فلان. وأنكره الفراء؛ لأنّ الكثرة في هذه الأفعال غير متصورة، والتفضيل يكون بعد الكثرة كالمبالغة. (٦) ٧٣ - ﴿وَإِنْ كادُوا:﴾ بمعنى قد، كقوله: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى:٩]، ويجوز بمعنى الجحد، واللام بمعنى الاستثناء. ﴿لَيَفْتِنُونَكَ:﴾ يصرفونك عن الحق إلى الباطل، وعن المطّلب (٧) بن عبد الله بن حنطب: رأى رسول الله من قومه كفّا عنه، فجلس خاليا يتمنّى أن لا ينزل عليه شيء ينفّرهم عنه، وقاربهم (٨) وقاربوه، ودنوا منه، وألقى الشيطان (١٩٢ و) في أمنيّته في سورة النجم ما ألقى، فرضوا بما تكلّم به رسول الله ﷺ ، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله هو يحيي ويميت ويرزق، ولكنّ آلهتنا

стр. 1037

هذه تشفع لنا (١)، ولّما سجد في آخر السورة سجدوا معه أجمعون، ورفع الوليد بن المغيرة، وأبو أحيحة سعيد بن العاص (٢) التراب إلى وجوههما يسجدان عليهما من ضعفهما وعجزهما، وقال أبو أحيحة: يا محمد، إنّ لك أن تراجع، ولقد أصبت حيث ذكرت آلهتنا بخير، فاغتمّ رسول الله، وجلس في بيته حزينا، فلمّا أتاه جبريل ﵇ قرأ عليه سورة والنجم (٣)، قال: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال ﵇: قلت عليه ما لم أقل فأنزل. (٤) وعن ابن عباس: قدم رسول الله وفد ثقيف، فأبصرهم المغيرة بن شعبة، وهو يرعى في نوبته، فانصرف إلى رسول الله ليبشره، واستقبله أبو بكر، فأقسم عليه أن لا يسبقه بالبشارة، فرجع المغيرة إلى هؤلاء الوفود يعلمهم التحيّة إذا دخلوا على رسول الله ﷺ ، فأبوا عليه إلا تحية أهل الجاهلية، وكان خالد بن سعيد بن العاص يمشي بين يدي رسول الله وبين القوم، وهو الذي كتب كتابهم، فلمّا دخلوا عليه قالوا: يا محمد، نحن أخوالك (٥) وأصهارك وجيرانك، وخير أهل نجد سلما، وأضرّهم عليك حربا، إن سالمنا سالم من بعدنا، وإن حاربنا حارب من بعدنا، فقال ﵇: ماذا تريدون؟ قالوا: نبايعك على ثلاث خصال: أن لا نجبّي (٦)، يعنون في الصلاة، وأن (٧) لا نكسّر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا بالطاغية سنة، يعنون اللات، فقال ﵇: لا خير في دين لا صلاة فيه، ولا ركوع ولا سجود، وأمّا أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم، فذلك لكم، وأمّا الطاغية فإنّي غير ممتعكم بها، قالوا: يا رسول الله، إنّا نحبّ أن تسمع العرب بأنّك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا، فإن كرهت، وخشيت أن تقول العرب: أعطاهم ما لم يعطنا، فقل: أمرني ربّي بذلك، فسكت ﵇ ودعا بوضوء، فقال عمر بن الخطاب: أحرقتم رسول الله، أحرق الله أكبادكم، إنّ رسول الله ﷺ لا يدع الأصنام في أرض العرب، إما أن تسلموا، وإما أن ترجعوا، فلا حاجة لنا فيكم، فأنزل الله. (٨)

стр. 1038

٧٤ - ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ:﴾ أي: كدت تمتعهم بالطاغية سنة، أو كدت تتمنّى أن لا ينزل عليك ما ينفّرهم عنك. ٧٥ - ﴿إِذاً:﴾ أي (١): إن تحقّق ركونك إليهم. ﴿ضِعْفَ:﴾ عذاب ﴿الْحَياةِ.﴾ ﴿وَضِعْفَ:﴾ عذاب ﴿الْمَماتِ.﴾ وإنما يضاعف الوعيد لتضاعف النعمة. ٧٦ - ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ:﴾ ذكر الواقدي عن جماعة: أنّ قريشا أهلكوا يوم بدر، فلم يلبثوا بعده إلا قليلا. وعن مجاهد: أنّ الآية مكية في قريش، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٣٠]. ٧٧ - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ:﴾ أي: سنّتنا فيمن أرسلنا، وانتصاب السنّة بإضمار بيّنّا (١٩٢ ظ) وأوضحنا. ٧٨ - ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ:﴾ اتصالها بها من حيث وعد النصرة في ضمن قوله: ﴿وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ﴾ [الإسراء:٧٦]، والصلاة من أسباب النصرة. وقيل: اتصالها الإعراض، فإنّه إذا أقام (٢) الصلاة أعرض عنهم، واستراح من شغلهم. (دلوك الشمس): ميلها. وقيل: غروبها. (٣) ﴿إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ:﴾ ظلمته. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ:﴾ صلاة الفجر، انتصب على العطف، والفجر: الإصباح. ﴿كانَ مَشْهُوداً:﴾ أبو هريرة (٤)، عنه ﵇: «يشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار». (٥) على الصلاة في أقم الصلاة. (٦) ٧٩ - ﴿فَتَهَجَّدْ:﴾ من الهجود نقيض الهجوع. ﴿بِهِ:﴾ بالقرآن.

стр. 1039

﴿نافِلَةً:﴾ صفة لاسم مضمر، واتصالها بها بإضمار جعلناها. وقيل: على الحال. (١) قال ابن عباس: ليس لأحد نافلة غير النبيّ ﵇؛ لأنّ كلّ إنسان يخاف على نفسه أن لا تقبل فريضته. (٢) ﴿مَقاماً مَحْمُوداً:﴾ مقام الشفاعة بين يديّ الله تعالى. وعن كعب بن مالك، عنه ﵇: «يحشر الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمّتي على تلّ، فيكسوني ربّي حلّة خضراء، ثمّ يؤذن لي في الشفاعة، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود». (٣) أبو حنيفة ﵀، عن شداد (٤)، وعطية العوفي (٥) كليهما، عن أبي سعيد الخدري (٦): في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ. . .﴾ الآية، قال: يخرج الله قوما من النار من أهل الإيمان والقبلة بشفاعة محمد ﵇ فذلك المقام المحمود، فيؤتى بهم نهرا (٧) يقال له: الحيوان، فيلقون فيه، فينبتون فيه كما يخرج الشعارير (٨)، ثم يخرجون منه، فيدخلون الجنة، فيسمون فيها: الجهنميين (٩)، ثم يطلبون إلى الله أن يذهب ذلك الاسم عنهم، فيذهب. (١٠) ٨٠ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي:﴾ عن ابن عباس، قال: كان النبيّ ﵇ بمكة، ثم أمر بالهجرة، فنزلت: ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ﴾ [الإسراء:٨١]. (١١) عن ابن مسعود: دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح، وحول الكعبة ثلاث مئة وستون نصبا، فجعل رسول الله ﷺ يطعنها بمخصرة (١٢) في يده، وربما قال: بعود، ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ ﴿وَما يُبْدِئُ﴾

стр. 1040

﴿الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩]. (١) قال ابن عمر: ليس في هذا الحديث تاريخ نزول الآية، فإنّ فيه ذكر التلاوة فحسب. ٨٢ - ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ:﴾ اتصالها بها من حيث ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ،﴾ وهذه في وصف الظالمين. ٨٣ - ﴿أَعْرَضَ:﴾ عن طاعتنا. ٨٣ - ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ:﴾ تباعد بما يقرب فيه حالة اقترابه، وهو جانب من جسده. وقيل: تباعد بقوته ورجاله. (٢) ﴿يَؤُساً:﴾ من يئس على سبيل المبالغة. ٨٤ - ﴿شاكِلَتِهِ:﴾ ما يشاكله ويليق به من الخصال التي خلقها الله ميسّرة له. وفي الآية ردّ على القدرية. ٨٥ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ:﴾ قال النضر بن الحارث: يا معشر قريش، والله لقد نزل إليكم أمر ما تقدرون قدره، كان محمد فينا حتى بلغ ما ترون، (١٩٣ و) ولا أحد أرضى فينا منه، فلمّا جاءكم ما جاءكم به، قلتم: شاعر، والله ما الذي جاءكم بشعر، لقد رأينا الشعر وعرفناه، فما هو قريض (٣) ولا رجز، وقلتم: سحر، وقد رأينا وسمعنا السحر، فو الله ما هو بسحر، ثمّ قلتم: كاهن، فو الله ما هو بكهانة، ولا سجاعة، وقلتم: مجنون، وقد رأينا المجانين وعرفنا أصناف الجنون، فانظروا في أمركم، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وأبيّ بن خلف إلى أحبار يهود من أهل يثرب، وقالوا: هم أهل الكتاب الأوّل والعلم بأمر الرسل وصفاتهم في كتبهم، فسألوهم عن محمد وأمره. فخرجوا ثلاثتهم حتى أتوا يهود بني قريظة والنضر وماسكة وقينقاع، فسألوهم (٤) عن النبي ﵇ فوجدوهم قوما حسّدا، فقالوا: سلوا الرجل عن ثلاثة أشياء نأمركم بهنّ، فإن أخبركم عنهنّ فالرجل مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل، فإنّه قد أظلّ زمان نبيّ نسمعكم تصفون صفته، نجده عندنا كما تصفون، فروا رأيكم فيه، إذا سألتموه سلوه عن فتية هلكوا في الزمان الأوّل، كان أمرهم عجبا؟ وسلوه عن طوّاف قد بلغ المشرق والمغرب، قد كان له خبر دنيا وقصص؟ وسلوه عن

стр. 1041

الروح؟ فإن أخبركم عنه، فإنّه (١) كاذب، وإن لم يخبركم فهو كما قال، وإن عجز عنهما، فهو متقوّل. ثم خرجوا حتى انتهوا إلى فدك، فقالوا لهم مثل هذا سواء. إلا أنّهم قالوا: هذه صفته، ونجد مخرجه من بلادكم، ونجد مهاجره يثرب، فرجع النفر إلى مكة، فلما قدموا على قريش قالوا: قد جئنا بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أهل الكتاب الأوّل والمعرفة، وجئناهم جميعا أهل يثرب وفدك، فأمرونا أن نسأله عن أمور، فإن أخبرنا عنها، فهو كما قال، وإن عجز عنهما فهو متقوّل، فمشت قريش مع هؤلاء الرسل حتى وقفوا على النبيّ ﵇ وهو جالس عند الكعبة قد فرغ من صلاته، فقالوا: إنّا نريد أن نسألك عن أشياء، وتكلم النفر الذين كانوا قدموا، وسألوه عن تلك الخصال الثلاث، فقال: أخبركم غدا، ولم يستثن، فمكث الوحي عن النبيّ ﵇ خمس عشرة ليلة لا يأتيه جبريل ﵇ بشيء، فكبر ذلك عليه، وأرجف أهل مكة، وقال بعضهم لبعض: الرجل متقوّل، وبطل ما كان يقول، وعدنا أن يخبرنا عما سألناه غدا، واليوم خمس عشرة ليلة، ولم يأتنا بشيء، ثم عادوا، فسألوه عن حديث أصحاب الكهف، فقصّ عليهم حتى بلغ إلى قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الكهف:٢٣] وحتى بلغ قوله: ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾ [الكهف:٢٤]، ثم جاء بحديث (١٩٣ ظ) الطوّاف، وهو ذو القرنين، فأخبرهم عن ذلك كلّه، وقصّه عليهم، ثم سألوه عن الروح؟ وقال مقاتل: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ فانصرفوا، وقد جاءت هذه الأمور كلها ولا (٢) يؤمنون. وعن ابن عباس: أنّ قريشا اجتمعوا منهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو جهل بن هشام، وأمية وأبي ابنا (٣) خلف، والأسود بن عبد المطلب، وسائر قريش، فبعثوا خمسة رهط منهم: عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث إلى المدينة يسألون اليهود عن رسول ﵇، عن أمره وصفته ومبعثه، وأنّه قد خرج من بين أظهرنا، وأصدقوهم نعته، وقولوا لهم: إنّه يزعم أنّه نبيّ مرسل، واسمه محمد، وهو فقير يتيم، وبين كتفيه خاتم النبوّة، فلما قدموا المدينة أتوا أحبارهم وعلماءهم، فوجدوهم إذ قدموا المدينة قد اجتمعوا في عيد لهم، فسألوهم عنه، ووصفوا لهم صفته ونعته وخاتم النبوّة (٤)، وقالوا: إنّا (٥) نزعم أنّه. يتعلّم من مسيلمة الكذّاب! فقالوا: نحن نجده في التوراة كما وصفتموه، فهو نبيّ، وأمره حقّ، فاتّبعوه، ولكن سلوه عن ثلاث

стр. 1042

خصال، فإنّه يخبركم بخصلتين، ولا يخبركم بالثالثة (١) إن كان نبيّا، فإنّه قد سألنا مسيلمة الكذّاب عن هؤلاء الخصال، فلم يدر ما هو، وقد زعمتم أنّه يتعلّم من مسيلمة الكذّاب (٢). قال: فرجعت الرسل إلى قريش بما ذكرنا في الحديث، فلما وافق قول اليهود قالوا: ﴿سِحْرانِ (٣)﴾ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ [القصص:٤٨]. ٨٦ - ﴿وَلَئِنْ شِئْنا:﴾ اتصالها بها من حيث إتيان العلم، ويحتمل: أنّها شبه وعيد بعد احتباس على ترك الاستثناء. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ:﴾ أي: لا تجد شيئا تتوكّل عليه، واسترداد ما ذهبنا به. ٨٧ - ﴿إِلاّ رَحْمَةً:﴾ قال الفراء: هذا «كقوله: ﴿إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها»﴾ (٤) [يوسف:٦٨]، ويحتمل: أنّ الاستثناء متصل، وأنّ الرحمة مستثناة من الموجود المنفيّ، وهو أن يتوكّل على رحمة الله، ويستشفع إلى الله برحمته في استرداد ما ذهب به. ٨٨ - ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ:﴾ قال الفراء: لئن بلا مرفوع؛ لأنّه كاليمين. (٥) وقد جزم بعض القرّاء. ﴿ظَهِيراً:﴾ معينا. وفيها (٦) دلالة على أنّ ما ألقى الشيطان في سورة النجم (٧)، وهو قوله (٨): تلك الغرانيق العلى، منهنّ شفاعة ترتجى، (٩) لم يكن بمثل القرآن على ما فيه من الفصاحة والجزالة والجريان على لسان ذي الرسالة، والتباسه بالقرآن عند أهل المقالة إلى أن نسخه الله تعالى بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم:٢١ - ٢٢] فاتّصل هذا الناسخ بالإنكار السابق، وهو قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (٢٠) [النجم:١٩ - ٢٠]، اتصالا يتبيّن فيه صدر الكلام إليه، وانفتح عوار إجارة الشيطان لديه، واستقامت دعوى الإعجاز من بعد ما كادت (١٩٤ و) تميل.

стр. 1043

٨٩ - ﴿إِلاّ كُفُوراً:﴾ كفرا بالقرآن. ٩٠ - ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ:﴾ قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف (١): اجتمع نفر من قريش، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان (٢)، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وعبد الله بن أبي (٣) أمية بن المغيرة، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، والأخنس بن شريق، وسهل بن عمرو، فاجتمعوا في الحجر، قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فخاصموه، وكلّموه حتى تعذروا في أمره، فبعثوا إليه رسولا، فجاء رسول الله ﷺ ، وهو يظنّ أنّهم يريدون خيرا، وكان عليهم حريصا، يحبّ رشدهم، ويكبر عليهم عنتهم، فقالوا: يا محمد، إنّا بعثنا إليك لنعذر فيك، والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت عليهم، لقد شتمت الآباء، وسببت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فإن كنت إنما تطلب بهذا الحديث مالا جمعنا لك من أموالنا حتى كنت أكثرنا مالا، وإن كنت إنّما تطلب الشرف فنحن مشرّفوك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك به رييّا، فرييّ (٤) غلب الرييّ، وكان يسمون تابع الجن الريي (٥)، فإن كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطبّ، أو نعذر في أمرك. فقال رسول الله ﷺ : «ما أطلب ما تقولون، ما جئت بما جئت به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكنّ الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فأنا بلغتكم رسالات ربّي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا ما جئتكم، فهو حظّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله». قال أبو جهل: واحدة، فإنّ العرب تقول: آخر الدواء الكيّ، فهذه كلمة آخر ما نكلمك. قال ﵇: «ما هي؟» قال: بلدنا هذا أضيق بلاد الله ساحة وعيشا، فسل لنا ربّك الذي بعثك، فليسوّ (٦) هذه الجبال التي ضيّقت علينا، وليجر لنا أنهارا كأنهار الشام، أو عيونا كعيون (٧) اليمن، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قصيّ بن كلاب، فإنّه كان شيخا صدوقا نسأله عمّا تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدّقوك (٨)،

стр. 1044

وصنعت ما سألناك (١)، صدّقناك. فقال النبيّ ﵇: «ما بهذا بعثت إنّما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم، ما أنا بفاعل، ولا بالذي أسأل ربّي هذا». قالوا: يا محمد، أيعلم ربّك أنّا سنجلس معك ونسألك عما سألناك، وترجع علينا ما ترجع. قال: نعم، فقال نبيه بن الحجاج: أخرى، بلغنا أنّ هذا إنّما يعلّمك رجل باليمامة يقال له: الرحمن، ثمّ قال لجلسائه: تعلمون ذلك؟ قال القوم: نعم، وإنّا والله لا نؤمن (١٩٤ ظ) بالرحمن، فقد أعذرنا إليك يا محمد، إنّا والله لا نتركك حتى نهلكك، أو تهلكنا، فقال الأخنس بن شريق: نحن نعبد الملائكة فهي بنات الله، وقال عبد الله بن أبي أمية: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا، إلى قوله: ﴿بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٣]، فلمّا قام النبيّ ﵇ تبعه أبو جهل، فقال: يا محمد، والله لا نعذر إليك بعد هذا المجلس مذلانك، وقام معه عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمد، عرض عليك قومك أمرا، فلم تقبله، ثم سألوك (٢) لأنفسهم أمورا، ليعرفوا بها صدقك من كذبك، فلم تأتهم بها، وإنّا نسألك خصلة واحدة، قال ﵇: وما هي؟ قال: تنزل علينا كسفا من السماء، فهذه لا نبالي بها، ولا يبالي ربك، ولم نؤمن بك حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه، وأنا أنتظر (٣) حتى تأتينا، ثم تأتي معك بصحيفة منشورة معها أربعة من الملائكة يشهدون أنّها كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أنّي أصدقك، ثم انصرف، وانصرف رسول الله ﷺ إلى بيته حزينا لما كان يطمع فيه من قومه. ﴿يَنْبُوعاً:﴾ عينا (٤). عنوا بقولهم: ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ الآية [سبأ:٩]، وهذا ليس بوعيد كائن، ولكنّه تخويف وتنبيه على القدرة، وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا (٥)﴾ سَحابٌ مَرْكُومٌ [الطور:٤٤] في معنى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ. . .﴾ الآية (٦) [الأنعام:١١١].

стр. 1045

٩٢ - ﴿كِسَفاً:﴾ جمع كسفة، وهي القطعة، وبتسكين السين، إن أريد به الوحدان، فهو الغطاء والغشاوة. قال الأزهري: (القبيل): الجماعة ليسوا من أب واحد، وإذا كانوا من أب واحد فهم قبيلة. (١) ٩٣ - ﴿لِرُقِيِّكَ:﴾ الرقي والارتقاء: العروج. ﴿سُبْحانَ رَبِّي:﴾ أي: هو منزّه عن أن يكون محلاّ للاقتراح. ٩٤ - ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ:﴾ أهل مكة. ﴿إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى:﴾ القرآن. وقيل: الناس الذين ينكرون النبوّة، وينسبون الأنبياء إلى النواميس من المخاريق، وهم طائفة من الفلاسفة. ٩٥ - ﴿يَمْشُونَ:﴾ يتقلّبون فيها. ﴿مُطْمَئِنِّينَ:﴾ مقيمين غير محتارين، أو مطمئنين على قضية العقل، أو على ملّة واحدة. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ على (٢) هؤلاء الملائكة الذين يكونون سكان الأرض وأهلها، إنّما (٣) لا يجوز الإرسال إلا [من] (٤) جنسهم لأجل اللبس والابتلاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ (٥)﴾ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام:٩]. ٩٧ - ﴿عُمْياً وَبُكْماً:﴾ قال الكلبيّ والضحاك: عن الحجة، ﴿وَصُمًّا﴾ عن الخبر. ﴿خَبَتْ:﴾ سكنت. وقيل: طفئت. (٦) وقيل: سكن لهبها (٧) وهي حية لم تبطل بعد. (٨) أبو هريرة، عنه ﵇: «يحشر الناس يوم القيامة، ثلاثة أصناف: صنفا (٩) مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم»، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إنّهم يتّقون

стр. 1046

(١٩٥ و) بوجوههم كلّ حدب وشوك». (١) وعن بهز بن حكيم (٢)، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇: «إنّكم محشورون (٣) رجالا وركبانا، وتجرّون على وجوهكم». (٤) ٩٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ وجه الإلزام أنّهم كانوا معترفين بأنّ (٥) الله خلق السماوات والأرض، وبأنّه قادر على أن يخلق مثلهم من ماء مهين، وبأنّه جعل لأعمارهم غاية ينتهى إليها، فوجب عليهم الاعتراف بقدرة الله على البعث، فإنّ البعث في الوهم دون ما اعترفوا بالقدرة عليها. ١٠٠ - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ:﴾ اتصالها من حيث ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٤] بخلوا (٦) بنعمة الله وإنعامه على بشر مثلهم. ﴿قَتُوراً:﴾ بخيلا. يقال: قتر يقتر، وأقتر يقتر. (٧) ١٠١ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ اتصالها من حيث اقتراحهم الآيات، أي: آتينا موسى تسع آيات من غير اقتراح، كما أنزلنا على محمد القرآن بالحقّ من غير اقتراح. عن صفوان بن عسّال (٨): أنّ يهوديين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيّ ﷺ نسأله، فإنّه إن نسمع بقول نبيّ كان له أربعة أعين (٩)، فأتيا النبيّ ﵇ فسألاه عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ. . .،﴾ فقال رسول الله ﵇: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، ولا تسرقوا، ولا تسحروا (١٠)، ولا تمشوا ببريء إلى

стр. 1047

السلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة (١)، ولا تفرّوا من الزحف، وعليكم اليهود خاصة أن (٢) لا تعدوا في السبت»، فقبّلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنّك نبيّ (٣)، قال: «فما يمنعكما أن تسلما؟» قالا: إنّ داود ﵇ دعا الله أن لا يزال في ذريته نبيّ، وإنّا نخاف أن يقتلنا اليهود. وقال أبو عيسى (٤): هذا حديث حسن صحيح. (٥) لاعتراف اليهوديين به، وشهادة ظاهر القرآن له من وجهين: أحدهما: قوله: ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ﴾ وموسى لم يجئ بني إسرائيل بالطوفان والجراد والقمّل، ولكنّه جاءهم بالأمر والنهي. والثاني: قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ. . .﴾ [الإسراء:١٠٥] على هذه القاعدة، والقرآن النازل بالحق إنّما هو أمر ونهي دون عذاب، ودعوة داود ﵇ صحيح أيضا مستجابة؛ لأنّ عيسى بن مريم، صلوات الله عليه، لم يقتل، ولم يصلب، ولم يمت بعد، وأما في سورة النمل عند قوله: ﴿وَأَدْخِلْ (٦)﴾ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ [النمل:١٢] فمشكل جدا، يحتمل: أنّ المراد تسع مع اليد والعصا. ويحتمل: سوى اليد والعصا. ويحتمل: سوى العصا. وقد اختلفت الروايات عن ابن عباس، وروى عكرمة: اليد والعصا والطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم والسنون، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وهو (١٩٥ ظ) قول الشعبي ومجاهد والكلبي. (٧) ولا يبعد أن يكون (٨) الجراد مع القمّل آية واحدة، والسنون مع نقص الثمرات آية واحدة. وروى سعيد بن جبير، عنه في قوله: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ [طه:٤٠] جملة الآيات غير محصورة، منها اليد والعصا والطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم، وفلق البحر، ونتق الجبل على بني إسرائيل، وما آتاهم الله في التيه من المطعم والمشرب والملبس. ﴿مَسْحُوراً:﴾ ساحرا، بدليل سائر النظائر. وقيل: مسحورا حقيقة؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧]. (٩)

стр. 1048

١٠٢ - ﴿هؤُلاءِ:﴾ إشارة إلى التسع (١) اللواتي رواهنّ صفوان. (٢) وقيل: إشارة إلى اليد والعصا، وسائر البراهين. ﴿بَصائِرَ:﴾ حال لهؤلاء. ﴿مَثْبُوراً:﴾ ممنوعا مصروفا عن الخير، هذا غاية في اللين والحلم والاحتمال. ١٠٤ - ﴿اُسْكُنُوا الْأَرْضَ:﴾ أرض مصر. وقيل: الأرض: أردن وفلسطين (٣). ﴿وَعْدُ الْآخِرَةِ:﴾ هو البعث يوم القيامة. وقيل: هو نزول عيسى ﵇. ويحتمل: خروج موسى بهم من مصر إلى قتال الجبابرة. ﴿لَفِيفاً:﴾ جميعا. ١٠٥ - ﴿وَبِالْحَقِّ:﴾ الصدق والصواب. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ الضمير عائد إلى الهدى في قوله: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى﴾ [الإسراء:٩٤]. وقيل: المراد به: الوحي. ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ:﴾ توكيد. ١٠٦ - ﴿وَقُرْآناً:﴾ الواو للعطف على قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:١٠٥] أي: أنزلناه مقرونا أو متركّبا وداعيا بالحق وقرآنا. ويحتمل: أن تكون لعطف الجملة، وينصب القرآن بفعل مضمر كما في قوله: ﴿وَإِيّايَ﴾ (٤) [البقرة:٤١]، والثاني (٥): ﴿فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]، ومنه قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ [يس:٣٩]. ﴿عَلى مُكْثٍ:﴾ لبث لتنذر، والمراد به نزول القرآن نجوما متفرّقة على سبيل المهلة والتراخي. ١٠٧ - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا:﴾ على سبيل التهديد، كقوله: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ:﴾ مؤمنو (٦) أهل الكتاب، وورقة بن نوفل كان قد

стр. 1049

أدرك الوحي، وسمع القرآن، ووعد النصرة عند الدعوة، فما عاش إلى حين الدعوة، وعن أبي بكر بن حزم (١): لمّا هاج اليهوديّ فوق الأطم، يعني: الزبير بن بالما، هذا كوكب أحمر قد طلع، وهو كوكب لم يطلع إلا بالنبوّة. قيل لأبي قيس من بني عديّ بن النجار (٢)، وكان يترهّب ويلبس المسوح: ما يقول هذا اليهوديّ؟ فقال: انتظاره الذي صنع بي هذا أنا أنتظره (٣) حتى أصدقه وأتّبعه، قال ابن حزم: وكان أبو (٤) قيس قد صدّق بالنبيّ ﵇ وهو بمكة، وكان (٥) شيخا كبيرا، فلم يخرج حتى قدم النبيّ ﵇. وعن زيد بن أسلم (٦): أنّ أساقفة الحبشة استأذنوا النجاشيّ (٧)، فوفدوا على (٨) رسول الله ﷺ ، فكانوا (٩) عشرين (١٠) رجلا، فوجدوه (١١) عند المقام جالسا، فجلسوا إليه، (١٩٦ و) فكلّمه أسقف منهم، يقال له: طابور، وقال (١٢): أنت الذي تزعم أنّك رسول الله؟ قال: نعم، قال: إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، ثم تلا القرآن، فبكوا حتى اخضلّوا لحاهم، فقال طابور: فإنّي أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشهد أصحابه ما شهد، فلما قاموا اعترضهم أبو جهل وأمية بن خلف، فقالوا لهم: حيّاكم الله من ركب بعثكم من وراءكم (١٣) من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم يطمئنّ مجلسكم عنده حتى فارقتم دينكم (١٤)، وصدقتموه بما قال، وهو عندنا منذ عشر سنين ما استجاب له إلا غلام سفيه، وآخر لا مال له، ما نعلم ركبا أحمق منكم، قالوا: سلام عليكم، لا

стр. 1050

نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا، فأقاموا عند النبيّ ﵇ ثلاثا يغدون معه، ويروحون معه حتى علموا قرآنا كثيرا، ثم خرجوا مسلمين، وفيهم نزلت: ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة:٨٣]، ورجعوا إلى النجاشيّ، فأخبروه بإسلامهم، وبأنّه نبيّ، فأسلم النجاشيّ، وأحسن جوار من كان عنده من أصحاب النبيّ ﵇ وازداد في دينه رغبة. (١) ١٠٧ - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ:﴾ يقعون على الأذقان سجودا، واحده دقن. والمراد بالأذقان: الوجوه؛ لأنّ الإنسان يعتمد عليه من وجهه. ويحتمل: أنّه كان من أعضاء السجود، ثم نسخ بالجبهة والأنف. ١٠٨ - ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا:﴾ ما كان موعوده إلا موجودا بفعله، كائنا بتكوينه. ١٠٩ - قال كعب الأحبار: إنّ العبد لتحطّ عنه الخطايا ما دام ساجدا. ١١٠ - ﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ:﴾ ابن عباس: نزلت الآية ورسول الله ﷺ مخيف بمكة، فكان إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فكان المشركون إذا سمعوا شتموا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله لنبيّه ﵇: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ،﴾ أي: بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن، ومن أنزل، ومن جاء به، فقال: ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ عن أصحابك، ﴿وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً.﴾ (٢) وعن عروة (٣)، قال: قالت خالتي عائشة: يا ابن أختي، أتدري فيما أنزلت: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها؟﴾ قلت: لا، قالت: بالدعاء، قالت عائشة: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي: بدعائك. وهي معنى قوله: ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً (٤)﴾ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [الأعراف:٢٠٥]. ١١١ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ أمر بالتحميد هاهنا؛ لنزول القرآن عليه، وإيمان أهل الكتاب به، وانقطاع المشركين في جداله. وقيل: لم يكن يؤمر بالتحميد، ولكنه أمر بالإخبار عن الله تعالى أنه محمود في صفاته لم يجانس شيئا، فيتخده ولدا، ولم يساوه شيء، فيكون معه شريكا، ولم يكن (١٩٦ ظ) ذليلا، فيحتاج من ذلة إلى غيره، فهو محمود في صفاته.

стр. 1051

سورة الكهف مكية. (١) وعن ابن عباس: إلا آية نزلت بالمدينة، وهي قوله: ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ. . .﴾ [الكهف:٢٨]. (٢) وعن الحسن: إلا هذه الآية وقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا﴾ [الكهف:٢٨]، وقصة ذي (٣) القرنين. وهي مئة وخمس آيات في عدد أهل الحجاز. (٤) بسم الله الرّحمن الرّحيم عن أبي الدرداء (٥)، عنه ﵇: «من حفظ أوّل الكهف عصم من فتنة الدجال». (٦) وعنه مرفوعا: «من قرأ ثلاث آيات من أوّل الكهف عصم من الدجال». (٧) وروي عنه ﵇: «من قرأ عشر آيات من أوّل الكهف عصم من فتنة الدجال» (٨). ١ - ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ:﴾ للكتاب (٩) صفة عوج. قوله: ﴿عِوَجاً﴾ [الكهف:١] به. (١٠) ٢ - ﴿قَيِّماً:﴾ مستقيما، وفيها تقديم وتأخير، تقديرها: أنزل على عبده الكتاب قيّما، ولم يجعله عوجا. (١١) واتصال قوله: ﴿قَيِّماً﴾ بقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أحسن اتّصال.

стр. 1052

٥ - ﴿ما لَهُمْ بِهِ:﴾ بالله. ﴿مِنْ عِلْمٍ:﴾ حقيقة؛ لأنّهم لا يعرفونه ولا يعلمونه، وإن تلفّظوا بأسمائه. وقيل: عائد إلى اتخاذ الولد، وأراد به نفي الاتّخاذ (١)، ونفي (٢) الولد، كقوله: ما أرى في الدار أحدا، نفى المرئيّ دون الرؤية. (٣) ﴿كَبُرَتْ:﴾ كبيرة (٤) مقالتهم: اتّخذ الله ولدا، فقال لهم مضمرة في هذا الفعل ملتبسة، والتاء دالّة عليه، ومعناه: عظمت كلمة، نصب على التفسير. ٦ - ﴿باخِعٌ:﴾ قاتل ومهلك. ﴿آثارِهِمْ:﴾ خلفهم، وهم معرضون عنك. والأثر: رسم الشيء بعد مضيّه. ﴿أَسَفاً:﴾ أخّر لرؤوس الآي، والتقدير: باخع نفسك أسفا. ٧ - ﴿زِينَةً:﴾ نصب على الحال، أو القطع، أو المفعول الثاني. ﴿أَحْسَنُ عَمَلاً:﴾ هو الصبر والشكر على موجودها عنده (٥). عبد الله بن عمرو، عنه ﵇: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا (٦) ولا صابرا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله به عليه، كتبه الله شاكرا صابرا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منها (٧) لم يكتب (٨) شاكرا ولا صابرا». (٩) وذكر حديث (١٠) ثلاثة من (١١) بني إسرائيل: أبرص وأعمى وأقرع، على ما في الصحيحين. (١٢)

стр. 1053

٨ - ﴿جُرُزاً:﴾ مكانا لم يصبه المطر. وقيل: غليظة يابسة لا نبت فيها. (١) وقيل: كأنّه أكل نباتها. (٢) وأوانه: إمّا عند خروج يأجوج ومأجوج، وإمّا عند انقطاع (١٩٧ و) الحرث والنسل، وإمّا عند البعث ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ. . .﴾ الآية [النبأ:٤٠]. ٩ - ﴿أَمْ:﴾ بمعنى الاستفهام (٣). وإنّما لم يكونوا من آيات (٤) الله عجبا (٥)؛ لجريان سنة الله بالكرامات. وأصحاب الكهف فتية من اليونانية، واليونانية: حيل من الناس كانوا يسكنون بلاد الروم، ويختلطون بهم، والاختلاف بينهم كالاختلاف بين القحطانية والعدنانية، وكانوا معنيّين بعلم الفلسفة مختلفين فيها، فمنهم موحّد، ومنهم مشرك، وكان ذو القرنين منهم، فلمّا توفّاه الله امتنع ابنه عن المملكة، فورث (٦) ملكه البطالمة. فاسم بطليموس الأوّل لوغوس، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، واسم بطليموس الثاني دقيانوس، وكان ملكه أربعين سنة، وكان مشركا، فابتدأ أمر هؤلاء الفتية في زمانه، وكانوا قد هربوا منه، وامتدّ سلطان البطالمة من بعد دقيانوس إلى نيّف وستين ومئة سنة، ثمّ زال (٧) ملكهم، وتحوّل أمر الروم إلى القياصرة من أولاد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم (٨)، وأوّلهم أغسطوس، وفي عصره كان ميلاد عيسى ﵇، وانتهت مدّة هؤلاء الفتية في الكهف إلى نهايتها، والقياصرة يومئذ على النصرانيّة. و ﴿الْكَهْفِ:﴾ الغار. ﴿وَالرَّقِيمِ:﴾ قرية عند الكهف. وقال الفرّاء: اللوح من رصاص فيه قصّتهم وأسماؤهم. (٩) ١٠ - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ:﴾ الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: مدينة بالروم ظهر عليها ملك من الملوك كافر، يقال له: دقيانوس، على قريتهم وأرضهم، وهي تسمّى

стр. 1054

أفسوس (١)، فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان، وجعل يقتّلهم، فمن كفر بالله، واتّبع دينه تركه، فهدى الله شابّا من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام، فجعل يدعوهم سرّا حتى تابع على ذلك ستّة أغلمة، ففطن بهم الملك، فأرسل إليهم، فأخذهم، فدفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم، فأرسل إليهم، فهربوا، فقالت الآباء: والله لقد خرجوا من عندنا بالأمس، فلا ندري أين هم؟ ومرّوا بغلام راع (٢) ومعه كلب له، فدعوه إلى أمرهم، فأعجبه ذلك، فتابعهم عليه، ومضى معهم، وتبعه (٣) كلبه، واسم كلبه قطمير، حتى أتوا غار كهف في مفيئه (٤)، فدخلوا فيه، ثمّ أرسلوا بعضهم إلى السوق يشتري لهم (٥) طعاما من السوق، قال: وركب الملك (١٩٧ ظ) والناس معه لطلبهم يسألون عنهم (٦)، فسمع رسولهم بذلك، فعجّل أن يشتري لهم كلّ الذي أرادوا، واشترى بعضا، فأتاهم به، فأخبرهم: أنّ الملك والناس في طلبكم، فأكلوا ممّا أتاهم به، ولم يشبعوا، فقالوا: ﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً،﴾ يقول: مخرجا، ثمّ ناموا على جوعهم، فضرب الله على آذانهم بالنوم سنين عددا، ثلاث مئة وتسع سنين. وقال: ويسير الملك والناس معه يقفون آثارهم حتى انتهوا إلى باب الكهف، فوجدوا آثارهم داخلين، ولم يجدوا آثارهم خارجين، فدخلوا الكهف، فطلبوهم، فعمّى الله عليهم أبصارهم، فلم يجدوا شيئا، فقال دقيانوس: سدّوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا فيه، فيكون قبورهم إن كانوا فيه نياما، ثلاث مئة وتسع سنين، ويقلّبون في كلّ عام مرّة مخافة أن تأكل الأرض لحومهم. وعن مجاهد: أنّهم مكثوا ثلاث مئة عام على شقّ واحد، وقلّبوا في تسع سنين. قال الكلبيّ: ثمّ انصرف الملك والناس حين سدّوا عليهم الكهف إلى مدينة أفسوس، وعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما من دقيانوس الكافر حين انصرف الجبار، وعمدا إلى اللوح من رصاص، فكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء آبائهم ومدينتهم، وأنّهم خرجوا فرارا من دقيانوس الملك الكافر، فمن ظهر عليهم فإنّهم مسلمون، ثمّ ألزقاه في السّدّ من داخل الكهف، وكان دقيانوس أظهر علامات الكفر بالمدينة، وقد دخل الفتية وهم يرونها، وكانوا كلّما غزا ملك تلك المدينة (٧) وظهر عليها أظهر علاماته، إن كان مسلما أظهر علامات

стр. 1055

المسلمين، وإن كان كافرا أظهر علامات المشركين، ثمّ إنّ صاحب الأرض التي كان فيها احتاج إلى أن يبني حظيرة (١) لغنمه، فهدم ذلك السّدّ (٢)، فبنى لغنمه، فكان باب السدّ مفتوحا، وقد اختلف الناس، فقال قائلون: لا تقوم الساعة، وليست بشيء، وقال الآخرون: هي كائنة حقّا، ثمّ استيقظوا بعد ثلاث مئة سنة وتسع سنين على جوعهم الذي ناموا عليه، فنظر مكسلمينا وهو سيّدهم إلى الشمس قد زالت (٣) عن مكانها الذي كانت حين دخلوا، فقال: كم لبثتم؟ فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. وأسماؤهم (٤): يمليخا ومرطوس ونوايس (٥) وساريبوس وكشفوططيبوط وبطيمونسوس، قالوا: ربّكم أعلم بما لبثتم، وقال مكسلمينا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ﴾ (١٩٨ و) ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩]، وهم يرون ملكهم دقيانوس كما هو عليه، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ [الكهف:١٩]، يقول (٦): أيّها أحلّ ذبيحة؛ لأنّ عامّتهم كانوا مجوسا يوم دخلوا الكهف، ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف:١٩]، يقول: طعاما منه، ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ في الشراء (٧)، ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:١٩] يقول: لا يعلمنّ بكم أحدا (٨) من المجوس، ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٠] يقول: في دينهم الشرك بالمجوسيّة، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠]، قال: فخرج رسولهم يمليخا، فلما انتهى إلى باب السدّ إذا حجارة مكسورة على بابه، فقال: إنّ هذا الشيء ما رأيناه، وكان صاحب الكهف هدمه، واسمه زندليس (٩)، بنى حضيرة لغنمه (١٠)، فقال (١١): إنّ هذا ما رأيناه أمس حين دخلنا، فكان أوّل شيء أنكره (١٢)، وأنكر الطريق، قال:
следующие страницы →