← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

٤٦ - ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ:﴾ أراد المعاني العامّة المستفخمة العظيمة من الشرائع، والسنن، وقواعد الدين. ٤٧ - ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ:﴾ أي: مخلفا وعده رسله، وإنّما قدّم الوعد على الرسل؛ لأنّه أليق بالإخلاف، والكلام يستقل به دون المفعول الثاني. ٤٨ - ﴿يَوْمَ:﴾ نصب؛ لوقوع الانتقام فيه (١). ﴿تُبَدَّلُ:﴾ يقلب ظهرها بطنا، وترتفع الجبال عنها، وتسطّح من المشرق إلى المغرب. ﴿وَالسَّماواتُ:﴾ تغيّر هيأتها بخسف الشمس والقمر، وتناثر الكواكب، والانفطار. وقرأت عائشة (٢) هذه الآية، فقالت: يا رسول الله، فأين (٣) يكون الناس؟ قال: «على الصراط». (٤) ٤٩ - ﴿الْأَصْفادِ:﴾ جمع صفد، وهو الغلّ والقيد. ٥٠ - ﴿قَطِرانٍ:﴾ ما تطلى به الإبل. (السربال): يشتمل على: القميص، والجبّة، والدرع. ٥١ - ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ بدل عن قوله: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ﴾ [إبراهيم:٤٤]، أو ليوم يجزي الله. وقيل: التعليل: التفريق في الأصفاد. ٥٢ - ﴿هذا:﴾ إشارة إلى القرآن. ﴿بَلاغٌ لِلنّاسِ:﴾ نهاية لهم في الوعظ.

стр. 982

سورة الحجر مكيّة. (١) وهي تسع وتسعون آية. (٢) (١٧٧ و) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿آياتُ الْكِتابِ:﴾ مجاهد، وقتادة: «التوراة والإنجيل». (٣) وقيل (٤): الكتاب والقرآن (٥) واحد. (٦) ٢ - ﴿رُبَما:﴾ [ربّ] حرف جارّ ولا (٧) يدخل إلا على الأسماء المنكورة، فإن صرف إلى فعل كفّ عن العمل بما الكافّة (٨)، ولا يدخل إلا على فعل ماض أو حال، وإنما دخل هاهنا على الفعل المستقبل لأنه واجب لا محالة، فكأنه ماض، (٩) ألا ترى أنّ أكثر أحوال القيامة مذكور في القرآن على لفظ الماضي. عن ابن عباس: يأتي على الكافر يوم يودّ فيه لو كان مسلما. أبو حنيفة (١٠)، عن حماد (١١)،

стр. 983

عن إبراهيم (١): سألت (٢) عن قول الله : ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ،﴾ قال: يعذّب الله قوما ممن كان يعبده، ولا يعبد غيره، وقوما ممن كان يعبد غيره، ثم يجمعهم في النار، فيعيّر الذين كانوا يعبدون غير الله [الذين] (٣) كانوا يعبدون الله تعالى فيقول: عذّبنا لأنّا عبدنا غيره، فما أغنى عبادتكم إيّاه، وقد عذّبكم معنا؟ فيأذن الربّ للملائكة (٤)، فيشفعون، فلا يبقى أحد ممن كان يعبده إلا أخرجه حتى يتطاول للشّفاعة إبليس لعبادته، يعني: الأولى، يقول (٥): ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ الآية. (٦) ٣ - ﴿يُلْهِهِمُ:﴾ يشغلهم. ﴿الْأَمَلُ:﴾ الطمع، كانت أطماعهم الفاسدة تشغلهم عن التوبة والإنابة، فتوعّدهم على ذلك، أي: إصابتهم بعذاب من عنده، أو بأيدي المؤمنين. ٤ - ﴿إِلاّ وَلَها:﴾ فذكر الواو بعد الاستثناء، وقد يحذف إذا كان الكلام مستقلا بنفسه مع طرح الاستثناء، فأما إذا لم يستقل لا يجوز إلا بغير واو، كقولك: ما أنت إلا بشرا. ﴿كِتابٌ مَعْلُومٌ:﴾ أجل مسمّى. ٦ - ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ:﴾ نزلت في عبد الله بن أمية، والنضر بن الحارث، وجماعة من قريش. (٧) قيل: على زعمك. (٨) وقيل: على سبيل الاستهزاء. (٩) (المجنون): المستور قلبه أو دماغه بما يضادّ العقل من خبال الجنّ، أو فساد الطبع، وإنما وصفوه بذلك لخرقه إجماعهم الفاسد (١٠)، وخلافه عادتهم القبيحة.

стр. 984

٧ - ﴿لَوْ ما:﴾ بمنزلة لولا. ٨ - ﴿ما (١)﴾ نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ: ظاهرين يعرفون بسيماهم. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ:﴾ الملجئ الذي يبطل الرأي والاجتهاد. ﴿وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ:﴾ إذا نزّلناهم على هذا الوجه حقّت على قريش كلمة العذاب، وارتفع الإمهال، ولم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. واتصالها بأنّ الذكر القرآن في قوله: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر:٦] وهاهنا. ٩ - ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ:﴾ قيل: حفظ الله كتابه من الدروس. (٢) وقيل: حفظه عن الجنون والخبال، والمجون والضلال. (٣) ١٠ - ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ رسلا. ١٢ - ﴿نَسْلُكُهُ:﴾ السلك: الإيغال، والسلوك: الوغول، والمسلك: شبه السّرب (٤). والضمير عائد إلى الاستهزاء. والآية ردّ على المعتزلة. ١٤ - ﴿فَظَلُّوا:﴾ يقال: ظلّ يفعل إذا كان عامّة نهاره في فعله، (٥) وبات يفعل إذا (١٧٧ ظ) كان عامّة ليله في فعله، (٦) وإذا لم يرد تخصيص ليل ولا نهار قلت: طفق يفعل. (٧) ﴿يَعْرُجُونَ:﴾ يصعدون. ١٥ - ﴿سُكِّرَتْ:﴾ حبست بالتخييل عن حقيقة المشاهدة. ١٦ - ﴿فِي السَّماءِ بُرُوجاً:﴾ بروج السماء: أقسامها، وأجزاؤها الاثنا عشر، كلّ جزء

стр. 985

بالمساحة على ثلاثين درجة، وهي ستّون دقيقة لا تفاوت بينها، وفي المشاهدة على كواكب من منازل القمر بينها تفاوت، ثم هذه السماء محدقة بالنار والريح والأرض إحداق قشر البيضة بما فيها، تدور على قطبين: قطب معلوم شماليّ، وقطب موهوم جنوبي عند بعض الناس، وهي معلّقة بالقطب الشماليّ من فوق الأرض، كهيئة الكلية لا قطب لها من ناحية الجنوب عند بعض، وهي مختصة ببروج غير (١) هذه البروج الاثني (٢) عشر الفلكية عند بعض. فمن تلك البروج الضراح، وهو بيت المعمور، وسائر البروج مساجد الملائكة ومقاماتهم، ومقامات الأنبياء والصديقين والشهداء. ﴿وَزَيَّنّاها:﴾ حسّنّاها بصفاء لونها، وبالشّمس والقمر والكواكب. ١٧ - ﴿وَحَفِظْناها:﴾ بالكواكب المنقضّة، التي هي رجوم للشياطين. قيل: لم تزل السماء محفوظة محروسة بهذه الكواكب المنقضة. (٣) عن ابن عباس: أنّ رجالا من الأنصار أخبروه: أنّه بينما هم جلوس مع رسول الله ﷺ ليلة من اللّيالي رمي بنجم، فاستنار، فقال لهم رسول الله: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنّا (٤) نقول: مات اللّيلة عظيم، وولد اللّيلة عظيم، قال ﵇: «إنه لا يرمى لموت أحد، ولا لحياته (٥)، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرا سبّح حملة العرش، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم يسأل أهل السماء السادسة أهل السماء السابعة، وكذلك ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، فيحفظه الجنّي ليقذفه إلى صاحبه، ويرمي به، فما جاؤوا به على وجهه، فهو الحقّ، ولكنّهم يوفّون (٦) فيه ويزيدون». (٧) وعن نافع بن جبير (٨)، ومحمد بن كعب: أمسكت في أيام الفترة، فلما بعث نبيّنا

стр. 986

عاد الأمر كهيئته. (١) وقيل: لم تكن النّجوم رميت قط حتى بعث نبينا ﵇. (٢) ١٨ - ﴿اِسْتَرَقَ:﴾ افتعال من السّرقة. ﴿شِهابٌ:﴾ شعلة وقبس. ١٩ - ﴿مَدَدْناها:﴾ فرشناها بكلّيّتها على وجه الأرض. وقيل: أراد به فرش أبعاضها، لإمكان (٣) التقليب فيها، وهي بكلّيّتها كرة مضرّسة، يعلو (٤) الماء بعضها، ويعلو بعضها الماء لإمكان الحرث والنسل. ﴿وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ:﴾ تدلّ أنّ الجبال ثابتة ملتصقة بالأرض، غير نابتة منفلقة عنها، فكانت الرّياح اضطربت اضطرابا (١٧٨ و) عنيفا، بإفراط ضغط من الفلك عند ابتداء دوره، فأثارت هذه الرياح المضطربة الأرض إثارة (٥) قريات لوط، فتحجّرت أجزاؤها المماسّة للنار العلوية بالنّضح، ثم انحدرت من تمّ، بإذن الله، فوقعت على وجه الأرض. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ:﴾ مقدر. وقيل: متزن؛ (٦) لكونه مطبوعا على الثقل والانحدار، بخلاف الريح والنار. ٢٠ - ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ:﴾ في محلّ النّصب، عطفا (٧) على ﴿مَعايِشَ،﴾ هم الذّراري والمماليك والسوائم. وقيل: في محل الخفض عطفا على الضمير في ﴿لَكُمْ،﴾ (٨) وهم الأطفال، والمجانين، والبهائم. ٢١ - ﴿عِنْدَنا:﴾ في علمنا وحكمنا. ٢٢ - (الرياح اللّواقح): التي تحمل النّدى والثرى؛ ليتكوّن غيوما في أثنائها بإذن الله. وقيل: الملقّحات للغيوم والأشجار. (٩) وقيل: هي التي ينتفع بها؛ لما ضمّنها الله تعالى من النّفع،

стр. 987

بخلاف العقيم وهي الدبور. (١) وقيل: اللواقح ريح واحدة، وهي الجنوب وحدها، (٢) وإنما جمع على الجنس. وقيل: كلّ ريح أتى بالمطر النافع، فهي من جملة اللواقح. ٢٤ - ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ:﴾ القرون الماضية. و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ:﴾ القرون الباقية، عن مجاهد. (٣) وهم المسارعون في الخيرات، والمتثاقلون عنها، عن الحسن. (٤) وهم من يسلم، ومن لا يسلم، وعن سفيان بن عيينة. (٥) وروى الكلبي عن ابن عباس: أنّها نزلت بالمدينة في الذين قصدوا بيع دورهم القاصية عن المسجد، واشتروا دورا (٦) قريبة من المسجد؛ لازدحامهم على الصف الأول. (٧) فعلى هذا القول مكية إلا هذه الآية، أو (٨) الآية نزلت مرّتين. وعن أبي الجوزاء (٩)، عن ابن عباس: نزلت في الذين كانوا يستأخرون في الصلاة إلى الصفّ المؤخر (١٠)؛ لينظروا في سجودهم من تحت آباطهم إلى امرأة حسناء كانت تشهد الجماعة مع النساء. (١١) وروي موقوفا على أبي الجوزاء. (١٢) ٢٦ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ اتصالها لّما جرى من ذكر العالم الأكبر حسن عطف العالم الأصغر والنفس عليها. وقيل: لما جرى ذكر المستقدمين والمستأخرين حسن ذكر ابتداء تخليقهم؛ ليكون أول الأمر شاهد الآخرة. ﴿مِنْ صَلْصالٍ:﴾ لمن (١٣) شبه (١٤) الفخّار.

стр. 988

﴿مَسْنُونٍ﴾ (١): متغير. وقيل: مصبوب. (٢) قيل: خلق الله تعالى قالبا (٣) من سلالة الأرض على صورة الإنسان، وكان مطروحا على الأرض أربعين سنة، وكان قد صار صلصالا كالفخار، فمرّ عليه إبليس يوما، فدخل جوفه، ثم خرج منه، وتفرّس فيه أنّه يكون ضعيفا يتمكّن منه عدوّه بالغرور لمكان التجويف، وكثرة الاحتياج، ثم نفخ الله فيه الروح، فلمّا حصل في رأسه، واستحال رأسه دماغا ولحما، وروحا على صورته الأولى عطس، فحمد الله تعالى بتلقين جبريل ﵇ فشمّته الله تعالى بقوله: رحمك ربّك، فلما حصل الروح في صدره ومعدته، وانحدر إلى سوأته، واستحال كلّ ذلك لحما وعصبا وعظما غلبه الجوع، فقصد للنهوض، وإنّ بعضه لطين بعد، ففي ذلك يقول: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ (٤) [الإسراء:١١]، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]. يقال: خلقته (٥) من الشرّ (١٧٨ ظ) وخلقته من الرحمة. وقيل: العجل: الطين، قاله الكلبي، وغيره. (٦) ٢٧ - ﴿الْجَانَّ:﴾ أبو الجنّ بمنزلة آدم منا، ولم يذكروا من أمّ الجن. وعن جعفر بن محمد الصادق (٧): أنّ الله تعالى بعد خلق الكلمة قدّ قددا من أنواع الخلق، وذلك قوله: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ [الجن:١١]، فلما خلق الأرض أهبط تلك القدد إلى الأرض، فقدّة النار يسمّون: الجانّ، وقدّة الظّلمة يسمون: الجنّ، وأذن لهم الكلمة أن يفجّروا (٨) في الأرض الأنهار، وطرح إليهم غرسا، فغرسوا من الحبّ والنوى، فعمروا الأرض دهرا، وكانت الجنّ أصحاب المواشي، والجانّ أصحاب الزروع، ثم تحاسدوا، وصاروا (٩) أحزابا، واقتتلوا دهرا طويلا، ثم إنّ الله تعالى خلق خلقا يقال (١٠) له: النصر، وخلق خلقا يقال له: الرّعب، فألقى الرّعب في قلوب الجنّ

стр. 989

والجانّ، وأيّد ملائكته، يقال لهم: الكروبيّون، بالنصر، وكانت الجنّ والجانّ تصعد (١) إلى مقاعد السمع، فيسترقون السّمع، فيلقون إلى الكهنة. وزعم بعض أهل النجوم: أنّ الله قسّم الدهر من البروج الاثني عشر، فخصّ الحمل منه اثنا (٢) عشر ألف سنة، وخصّ الثور أحد عشر ألفا، والجوزاء عشرة آلاف، والسرطان تسعة آلاف، وفي كل واحد من هذه الحصص لله تعالى عباد خلقهم من العنصر الذي إليه ينسب البرج، وخصّ الأسد ثمانية آلاف (٣)، وهو برج ناريّ. زعموا ففي هذه الحصّة يخلق الله تعالى الجانّ من نار جهنّم، وكان إليهم سلطان الأرض، وخصّ السنبلة سبعة آلاف سنة، وهو برج أرض. زعموا ففي هذه السّنة خلق الله آدم ﵇ فانتقل سلطان الأرض إليه، وزالت دولة الجنّ، وتفانى أكثرهم، ولم يبق (٤) منهم إلا شيطان ممسوخ. ويزعم الهند: أنّ بين الجنّ والإنس نفارا (٥) متصلا، كالنفار بين الماء والدهن غير منفصل، كالنفار بين الماء والنار، وأن التناسل بين القبيلين ممكن، وأنّ هذين مع سائر الحيوان من مواليد برهم وبشن، وهما روحان زوجان ألهمهما الله تعالى أن يتوالد بمواضعه غير المباضعة، وبرهم أفضلهما وأطولهما عمرا، وله نهار مشتمل على ألف حترجوك، وكلّ حترجوك مشتمل على (٦) أربعة أقسام من الزمان، وكلّ قسم مشتمل على كذا كذا مائة ألف سنة، وليله مثل نهاره، ثم تلاشى بإذن الله تعالى، قالوا: فتوالدا على هذه الصفة، فولدا الملائكة وأهل الجنة والجن والشياطين أولا، ثم ولدا سائر المواليد، وتوالدت من مواليدهما كذلك (٧). ويشهد لهذا القول تسميات العرب الجنّ (٨)، وزعموا أنه المتولد بين الجنّ والإنس، كبلقيس، والعملوق بين الجن والآدمي، السعلاه والغيلان (٩) بين الملك والإنسية، والنّسناس بين الشّق والانسان. وقيل: هم يأجوج ومأجوج، والدوالباي بين بعض الحيوان والنبات (١٧٩ و) ولا يوجب شيئا من هذه الأقاويل علماؤنا. (١٠)

стр. 990

﴿السَّمُومِ:﴾ الريح الحارّة. فيه دليل على أنّهم لم يخلقوا من النار الخالصة، وقال (١): ﴿مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن:١٥]، وهي المختلط بغيرها من دخان أو ريح أو دهن. وذكر صاحب السنة: أنّ الملائكة مخلوقون من النور والماء، والجنّ من النار والماء، قال الله تعالى: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف:٥١]. ٢٩ - ﴿فَقَعُوا:﴾ فيه دلالة أنّهم كانوا مأمورين بالسجود لآدم ﵇ قبل وجوده على شريطة وجوده، وإن حرف، ثم في هذه القصة، وفي سورة الأعراف؛ لترادف الأخبار، أو (٢) كرّر عليهم الأمر بالسجود. ٣٠ - ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ:﴾ توكيد بعد توكيد. ٣٤ - ﴿فَاخْرُجْ مِنْها:﴾ من صورته الحسنة، أو رتبته الرفيعة أو الجنة أو السماء. ٣٥ - ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ:﴾ غاية اللّعنة على المجازية، يريد به زيادة على الموعود، أي: تعاقب بمجرد اللّعنة إلى يوم الدين، ثم يزاد في عقابه نار جهنم، وما فيها من أنواع العقوبات إلى يوم الدين. ٣٨ - ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ:﴾ إضافة اليوم (٣) إلى الوقت لإبهام أحدهما، وكون الآخر منصوصا عليه، كقولك: يوم العيد. ٣٩ - ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ:﴾ الأباطيل والمحظورات في الأرض. ٤٠ - ﴿إِلاّ عِبادَكَ:﴾ خصّ الخبيث بهذا الاستثناء أكثرهم الذين قال فيهم: ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]. ٤١ - ﴿هذا:﴾ إشارة إلى دين الإسلام. ٤٦ - ﴿بِسَلامٍ:﴾ بتسليم وتحية منّا لكم، أو بتسليم بعضكم على بعض. وقيل: بسلامة. (٤) ٤٨ - ﴿سُرُرٍ:﴾ جمع سرير. ٥٢ - ﴿فَقالُوا (٥)﴾ سَلاماً: نصب؛ لأنّه من جنس القول.

стр. 991

﴿وَجِلُونَ:﴾ خائفون، جمع صحة لوجل. ٥٤ - ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ (١): على التعجب، أتبشروني (٢) على حالتي هذه، أتؤملونني غير كائن على ظن أني قد مسني الخوف، أفرح بقولكم (٣) أم بالحق من عند الله، وإنما سألهم قبل أن عرفهم. ٥٥ - ﴿مِنَ الْقانِطِينَ:﴾ الآيسين. ٦٠ - ﴿قَدَّرْنا﴾ (٤): أراد تقدير الله تعالى فهو قضاؤه الحتم، وإن كان تقدير الملائكة، فهو تخمين منهم. ٦٢ - ﴿قالَ:﴾ لوط. ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ:﴾ لأنّه (٥) لم يعرفهم، فظنّ أنّهم لصوص. ٦٣ - ﴿بِما (٦)﴾ كانُوا فِيهِ: الهلاك والعذاب. ٦٦ - ﴿وَقَضَيْنا:﴾ أوحينا. ﴿ذلِكَ الْأَمْرَ:﴾ الشأن والقصة (٧). ﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ:﴾ برحمة للأمر المقضيّ. ﴿مُصْبِحِينَ:﴾ أي: حالة إصباحهم. ٦٨ - ﴿فَلا تَفْضَحُونِ:﴾ فلا تخزون. ٧٠ - ﴿عَنِ الْعالَمِينَ:﴾ عن إجارتهم وحمايتهم. ٧٢ - ﴿لَعَمْرُكَ:﴾ مرفوع على الابتداء، تقديره: لعمرك قسمي، والعمر: البقاء. وفي هذا القسم شرف لرسول الله ﷺ . ٧٣ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ:﴾ الهدة عند انقلاب القريات من نحو السماء، وانحدارها إلى الأرض. ويحتمل: أنّ جبريل صاح بهم حينئذ. وقيل: ﴿الصَّيْحَةُ:﴾ الفزع والهلاك دون الصوت. (٨)

стр. 992

﴿مُشْرِقِينَ:﴾ حالة الإشراق، وإنما وقعت العبارة بالإصباح والإشراق جميعا؛ لأنّ رفع القريات كان في وقت الإصباح، وانحدارها في وقت الإشراق. (١٧٩ ظ) ٧٥ - ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ:﴾ المتبصّرين (١) المستدلّين بالسّمات والأمارات. قال ﵇: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله»، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ.﴾ (٢) ٧٦ - ﴿وَإِنَّها﴾ (٣): أي: المؤتفكات. ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ:﴾ طريق واضح بيّن أثره، كان أهل مكة يمرّون بها في أسفارهم. ٧٩ - ﴿وَإِنَّهُما:﴾ الأيكة والمؤتفكات. وقيل: مدبرين والأيكة. ﴿لَبِإِمامٍ:﴾ طريق، وإنما قيل ذلك لأنّه يتّبع إلى المقصد. قال ابن عمر: مررنا مع النبيّ ﵇ على الحجر، فقال لنا: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلاّ أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم»، ثم زجر، فأسرع حتى خلّفها. (٤) وإنما أمرهم بالبكاء ليبالغوا (٥) في التّفكّر والاعتبار، وإنّما حذّرهم لأنّهم لو لم يعتبروا لكانوا مستخفّين بآيات الله في أرضه، فاستحقّوا العقاب. ٨٥ - ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ:﴾ اتصالها من حيث نفي الجور في إهلاك هؤلاء الأمم الماضية، ومن حيث نفي العبث في التخليق. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ:﴾ إن كان متاركة فهو منسوخ بآية السيف، وإن كان ما يضادّ الإكراه فهو باق (٦) في حقّ العرب؛ لأنهم إذا قبلوا الجزية صفحنا عنهم، وإن كان المراد به ترك الفحش والشّتم فهو باق في حقّ الكافّة. ٨٧ - ﴿سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي:﴾ عن النبي ﵇: «أنّ السبع المثاني هي سورة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ».﴾ (٧)

стр. 993

٨٨ - ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ:﴾ ابن عباس: نهى الله (١) رسوله عن الرّغبة في الدنيا، فحظر عليه (٢) النظر إليها بعين الرّغبة. روي عنه ﵇: أنّه مرّت به غنم في أيام الرّبيع، فغطّى كمّه على عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: «بهذا أمرني ربّي». (٣) ﴿أَزْواجاً مِنْهُمْ:﴾ رجالا ونساء، أو ذكورا وإناثا، أو سخيّا وبخيلا، أو المكتسبين والعاجزين. ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ:﴾ إن لم يؤمنوا. ﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ تواضع لهم، وليّن جانبك لهم. ٩٠ - ﴿كَما أَنْزَلْنا:﴾ التشبيه عائد إلى قوله: ﴿آتَيْناكَ سَبْعاً.﴾ مجاهد: أهل الكتاب اقتسموا الكتاب فيما بينهم، فحذفوا بعضا، وحرّفوا بعضا (٤)، واختلفوا في بعض، ونقلوا على الوجه بعضا. (٥) أي: آتيناك المذكور، كما أنزلنا الكتاب على المقتسمين من قبل. وقال ابن زيد: إنّ ﴿الْمُقْتَسِمِينَ:﴾ هم أصحاب الحجر قوم صالح، ﴿تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ (٦) [النمل:٤٩]. (٧) وعن ابن عباس: هم الذين اقتسموا وجوه القرآن فيما بينهم، وهم من قريش، فزعم بعضهم: أنّه شعر، وبعضهم: أنّه سحر، وبعضهم: أساطير الأولين، وبعضهم: أنّه ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣]. (٨) تقديره: آتيناك المذكور كما أنزلنا العذاب على هؤلاء المقتسمين المستهزئين. ٩١ - ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ:﴾ مجاهد: التوراة والإنجيل والقرآن. (٩) وقال ابن زيد: ما أتى به صالح. وهذا القول على إحدى روايتي ابن عباس. ﴿عِضِينَ:﴾ أجزاء، واحدها عضة، أصلها عضوة. ٩٣ - ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ قال: عن لا إله إلا الله: وإنما وقعت العبارة عن قول: لا

стр. 994

إله إلا الله بالعمل؛ لأنّ إظهاره من عمل اللّسان، وإن لم يكن القول في الحقيقة عملا. ٩٤ - ﴿فَاصْدَعْ:﴾ الصدع: الفرق والفصل. ٩٥ - ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ:﴾ عن عروة بن الزبير (١): هم خمسة: الأسود بن عبد يغوث، وأبو زمعة الأسود بن المطلب، والعاص بن وائل، (١٨٠ و) والوليد بن المغيرة، وابن غيطلة الحارث بن قيس السهميّ، فجاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت وقام إلى جنبه، وهم يطوفون، فمرّ به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي، ومرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فقام من الليل، فشرب فحنب (٢) بطنه، فمات حنبا، ومرّ به العاص بن وائل، فأشار جبريل ﵇ إلى أخمص (٣) رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به حماره على شبرقة (٤)، فدخلت منه شوكة في أخمص رجله، فنفث عليه، فقتلته، ومرّ به الحارث بن قيس، وهو ابن الغيطلة، فأشار إلى رأسه، فامتخض قيحا، [فقتله] (٥)، ومرّ به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه كان أصابه قبل ذلك، وذلك أنّه مرّ برجل من خزاعة يريش نبلا [له فتعلّق] (٦) سهم من نبله بإزاره، فخدشه في ذلك الموضع، فلم يك شيئا (٧) يومئذ، فلمّا أشار إليه انتقض ذلك الخدش، فقتله، وكان قد أوصى بنيه أن يطالبوا خزاعة بدمه، وقال: والله، إنّي لأدري أنّي لم أقتل بسهمهم، ولكن أخاف أن يسبّوا بعدي، وذكرنا في الحديث. (٨) وعن أبي يزيد المدنيّ (٩)، قال: جاء جبريل ﵇ فأخذ بيد النّبيّ ﵇ فأخذه على طريق المشركين، فمرّوا به، قال: فيقول جبريل: من هذا؟ قال: فلان بن فلان، ولم يسمّه، قال: كفيناك هذا في عينه، وقال: ومرّ به آخر، فقال: من هذا؟ قال: فلان بن فلان، قال: كفيناك هذا في كليته، وجبريل أعلم بهم منه، قال: منهم من سالت حدقته على نحره، ومنهم من أخذته في

стр. 995

بدنه، فأمّا صاحب اليدين، فمرّ برجل يرمي، فتعلق سهم بردائه فقطع أكحله فمات. وعن عكرمة: أخذ جبريل بظهر الأسود بن عبد يغوث، فحناه حتى أحقوقف، فقال ﵇: «خالي خالي»، فقال جبريل ﵇: دعه عنك فقد كفيتك. (١) وذكر الكلبي: أنّهم ماتوا جميعا في يوم إلا أبا زمعة، فإنه عمي يومئذ، ثم خرج إلى الصحراء ذات يوم، ومعه غلام، فأتاه جبريل ﵇ وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجر، ويضرب وجهه بالشّوك، فاستغاث بغلامه، فقال غلامه: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا غير نفسك حتى مات، وهو يقول: قتلني ربّ محمد. قال: وأكل الحارث بن قيس السهمي حوتا مالحا، ويقال: طريا، فلم يزل (٢) يشرب عليه الماء حتى انقدّ (٣) فمات، وهو يقول: قتلني ربّ محمد. قال: وخرج العاص بن وائل في يوم مطير وابنان له، فنزل شعبا من الشّعاب، فلما وضع قدمه على الأرض قال: لدغت، قال: فطلبوا، فلم يجدوا شيئا، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. قال: وأصاب الأسود بن عبد يغوث سموم، فاسودّ حتى عاد حبشيا، فأتى أهله، فلم يعرفوه، فأغلقوا دونه الباب (١٨٠ ظ) حتى مات، وهو يقول: قتلني ربّ محمد. (٤) ٩٧ - ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ:﴾ عن الحسن: كان عند النبيّ ﷺ رجل، فجعل يعرض عليه الإسلام، قال: فقال: والله إنّي لكاره لما تدعوني إليه، قال: «وأنا، والله، لقد كنت كارها له، ولكني أكرهت عليه، إنّ الله بعثني بالرسالة، فضقت ذرعا، ووعدني فيها: لأبلغنّ أو ليعذبنّي». فقال الحسن: فبلّغ، والله، رسول (٥) الله حتى عذره الله، فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤]. ٩٨ - ﴿مِنَ السّاجِدِينَ:﴾ كن ساجدا، وإنما جمع لوفق رؤوس الآي. ويحتمل: أن المراد ب ﴿السّاجِدِينَ:﴾ الأنبياء ﵈. (٦) ٩٩ - ﴿يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ:﴾ الموت.

стр. 996

سورة النحل مكية. عن ابن عباس (١)، وعطاء (٢)، وابن المبارك (٣)، وجماعة إلا قوله: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ. . .﴾ [النحل:١٢٦] الآية، فأنزلت في منصرف [النبي، عليه] (٤) السّلام من أحد. وروى همام (٥)، ومعمر (٦)، عن قتادة: أنّها مدنية. (٧) وكذا عن أبي. وعن الحسن: أنّ أربعين آية من أوّلها مكية، والباقي مدنيّ. (٨) وعن ابن عباس، وقتادة: أنّ من أوّل السورة إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:٩٤] مكيّ، ومن قوله: ﴿وَلا تَشْتَرُوا. . .﴾ [النحل:٩٥] إلى قوله: ﴿بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] مدنيّ. (٩) وهي مئة وثمان وعشرون (١٠) آية. (١١) والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ:﴾ ابن عباس قال: لمّا نزلت هذه الآية: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ. . .﴾ الآية [الأنبياء:١]، ثمّ نزلت: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر:١]، ثم أمهلت، قالت كفّار قريش: يا محمد، تزعم أنّه قد اقترب للناس حسابهم، والله ما نرى ممّا تقول شيئا، قال: فنزلت ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ،﴾ فوثب رسول الله ﵇ لا يشك أنّ العذاب قد أتاهم حتى قال له جبريل ﵇:

стр. 997

﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،﴾ فجلس رسول الله ﷺ . (١) ٢ - ﴿أَنْ أَنْذِرُوا:﴾ المشركين فإنّ إعلامهم توحيد الله هو الموجب للخوف؛ لما هم فيه من الباطل. ٤ - ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ عن ابن عباس: أنّ النبيّ ﵇ ذكر لقريش القرون الماضية، وماذا أهلكوا به، وقال: «ثم يعيدهم الله خلقا جديدا بعد الموت يوم القيامة»، فأخذ أبيّ بن خلف عظما باليا نخرا يتحات، بلي، فجعل يفتته بيده، ويذريّه في الرياح، ويقول: عجبا لمحمد يزعم: أنّه يعيدنا إذا كنّا عظاما ورفاتا بمنزلة هذا العظم البالي، وأنّا (٢) نعاد خلقا جديدا إلى الدنيا فينا (٣) الروح، هذا والله لا يكون أبدا، فنزل في ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. . . ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً﴾ [يس:٧٧ - ٧٨]: بالعظم، ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ:﴾ الأول. (٤) ٥ - ﴿دِفْءٌ:﴾ "نسل كلّ دابة"، عن ابن عباس. (٥) وقيل: نتاج الإبل وألبانها. (٦) وقيل: سخونة أوبارها، وأشعارها يستدفئون بها. (٧) ٦ - ﴿جَمالٌ:﴾ حسن المنظر. ﴿حِينَ تُرِيحُونَ:﴾ تردّون الإبل إلى بيوتكم ومنازلكم رواحا. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ:﴾ بالغداة إلى المرعى. ٧ - ﴿إِلى بَلَدٍ:﴾ قيل: مكة، حرسها الله. وفي الحديث: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، (١٨١ و) و (٨) مسجد رسول الله، والمسجد الأقصى». (٩) والظاهر أنّه أيّ بلد كان. ٨ - ﴿الْبِغالَ﴾ (١٠): ما يتولّد من الحمار والفرس.

стр. 998

وفي الآية دليل على كراهيّة لحم الفرس. ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ عامّ. وعن قتادة: أنّه السوس في النبات، والدود في الفواكه. (١) ٩ - ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ:﴾ أي: إلى الله الهداية إلى سمت. ﴿وَمِنْها:﴾ ومن السبل. ﴿جائِرٌ:﴾ زائغ مائل. ١٠ - ﴿شَجَرٌ:﴾ كلّه ما ينبت من الأرض. ﴿تُسِيمُونَ:﴾ ترعون (٢). ١٣ - ﴿وَما ذَرَأَ:﴾ في محلّ النصب عطفا على ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ [النحل:١٢]. وقيل: في محلّ الخفض عطفا على قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ [النحل:١٢]. (٣) وقيل: في محلّ الرفع بالابتداء، وخبره الجملة. (٤) والذرأ: الخلق. و (الألوان): الأجناس مجازا، والأصباع: حقيقة (٥). ١٤ - ﴿طَرِيًّا:﴾ جديدا (٦). وقيل: أراد الطريّ والمالح جميعا، اقتصر على أحد طرفي الكلام، كقوله: و ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١]. (٧) ﴿حِلْيَةً:﴾ يعني: اللؤلؤ والياقوت والمرجان والعنبر. ﴿مَواخِرَ:﴾ فواعل، يقال: مخرت السفينة إذا شقت الماء بصدرها. ﴿وَلِتَبْتَغُوا:﴾ الواو مقحمة. وقيل: للعطف على مضمر، أي: لتتفكروا، ولتبتغوا فضله. (٨)

стр. 999

١٥ - ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ أي: كيلا (١) وكراهة أن تميد: تميل وتتحرك. ﴿وَأَنْهاراً وَسُبُلاً:﴾ وجعلنا فيها أنهارا وسبلا. ١٦ - ﴿بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ:﴾ يعني: أهل البادية والمبحرين للقبلة بضوئها، وتيامنها وتياسرها في الليالي، وأصحاب الزروع بطلوعها (٢) وغروبها، والمحاسبين بطوالعها وغواربها إذا لم يكن معهم آلة يقدرون بهذا ظلّ الشمس بالنهار. ١٧ - ﴿كَمَنْ لا يَخْلُقُ:﴾ يعني: الطواغيت كلّها من الجنّ والإنس والأصنام. ٢١ - ﴿أَمْواتٌ:﴾ أي: الذين تدعونهم من دون الله، وهم الشيطان والفراعنة (٣) أموات بقلوبهم، ليست لهم حياة الإيمان. ويحتمل: أنّ المدعوين قوم درجوا وانقرضوا من هؤلاء الشياطين والفراعنة. ويحتمل: الأصنام على سبيل الحقيقة (٤) عند من يجعل الموت والجمود شيئا واحدا، وعلى سبيل المجاز عند من يجعل الموت معنى تعقب الموت (٥). ﴿أَيّانَ:﴾ أوان. ٢٤ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ:﴾ عن ابن عباس: نزلت في المقتسمين؛ وذلك أنّ المشركين بعثوا ستة عشر رجلا إلى عقبات (٦) مكة على طريق الناس أيّام الحجّ، على كلّ عقبة أربعة؛ ليصدوا الناس عن رسول الله، وقالوا لهم (٧): من أتاكم يسألكم عن محمد، فليقل بعضكم: هو شاعر، وبعضكم: هو كاهن، وبعضكم: هو مجنون، وبعضكم: هو يتلو (٨) علينا أساطير الأولين، وأن لا تروه ولا يراكم خير لكم، فإذا انتهوا إلينا صدقناكم، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث إلى كلّ أربعة أربعة من المسلمين؛ ليكذّبوهم، ويقولوا: هو يهدي إلى الحقّ، ويأمر (٩) بصلة الرحم، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير، فكان الناس يسألونهم: ما هذا الخير الذي يدعوا إليه؟ فكانوا يقولون: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل:٣٠]، فكانوا يسألون: ما هذه الحسنة؟

стр. 1000

(١٨١ ظ) فكانوا يقولون: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها. . .﴾ الآية [النحل:٣١]. (١) ٢٦ - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ في التفسير: أنّ نمرود بن كنعان كان بنى صرحا ببابل يمكر به، ويسخر وينمس. (٢) عن ابن عباس ووهب: كان طوله في السماء خمسة آلاف ذراع. (٣) وعن كعب: كان فرسخين، فهبّت ريح فألقت رأسه، وخرّ عليهم الباقي من فوقهم. ويحتمل: أنّ ذكر البنيان وهدمه على وجه التمثيل والاستعارة، كنقض القول. ٢٧ - ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ:﴾ هم الراسخون من جملة المؤمنين. يستدلون بهذا الخطاب يوم القيامة: أن الكفار المخصوصون بالزجر والإنكار وإدخال النار. ٣٣ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ:﴾ استفهام بمعنى اللوم والتقريع. ٣٥ - ﴿وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ﴾ (٤): من دون أمره وإذنه. ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ أي: هكذا احتجّ بالتقدير عند التذكير، ولزوم النكير لرفع التعيير الذين كانوا من قبلهم. وإنما جاز قوله: ﴿فَإِنَّ (٥)﴾ اللهَ لا يَهْدِي جزاء الشرط المذكور؛ لما فيه من الإعلام، أي: فاعلم أن الأمر على (٦) هذه الصورة، وتعز (٧) بهذا العز. ٣٩ - ﴿لِيُبَيِّنَ:﴾ أي: ليبعث الموتى، ليبيّن على طريق المشاهدة. ٤١ - ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ:﴾ عن ابن عباس: نزلت في ستة نفر من أصحاب رسول الله ﷺ أسرهم أهل مكة: بلال بن رباح المؤذن (٨)، وعمار بن ياسر (٩)، وصهيب بن سنان (١٠)،

стр. 1001

وخبّاب بن الأرت (١)، وعائش وجبر أسروهم، وعذّبوهم؛ ليردّوهم عن الإسلام، فأمّا صهيب فابتاع نفسه بماله، وفيه نزل: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ. . .﴾ الآية [البقرة:٢٠٧]، وأمّا سائر أصحابه فقالوا بعض ما أرادوا، ثم هاجروا بعد ذلك إلى المدينة. (٢) ٤٢ - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا:﴾ أي: كانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان. ٤٤ - ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ أي: أرسلنا هؤلاء الرسل بالبيّنات. ﴿لِتُبَيِّنَ:﴾ ما نزّل إليهم، يدلّ: أنّ [من] (٣) القرآن ما لا يعلم إلا بالتوفيق النبوي. وقوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يدلّ: أنّ فيه ما يعلم بالتفكير والتدبر، فأما ما لا (٤) يعلم تأويله إلا الله، فذلك جنس ثالث، وقد بيّن ذلك في أثناء المحكمات على طريق الإجمال دون اليقين، وما يعلم معناه عند ورود الخطاب من غير توقيف ولا تفكر جنس رابع، وهو الحجة على جميع العقلاء. ٤٥ - ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ:﴾ خسف الأرض: سؤوخها (٥) بما فيها. ويحتمل: تقليب الأعيان وإفساد الأبنية، وكأنّ المراد بالخسف: حالة القرار والسكون؛ ولذلك انعطف عليها حالة التقلّب. ٤٧ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ:﴾ فالمتقدم حالة الأمن، فانعطف حالة الخوف عليها، وإن أراد الحالتين (٦)، فمعناه: بتخوف، وهو بأن يلقي الرعب في قلوبهم، فلا يزالون يتخوفون من كلّ شيء لا يطيب لهم. ٤٨ - ﴿داخِرُونَ:﴾ صاغرون. ٤٩ - عديّ بن أرطأة (٧) قال: ألا أحدثكم بحديث ما بيني وبين رسول الله إلا رجل قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لله ملائكة في السماء السابعة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة ترعد

стр. 1002

(١٨٢ و) فرائصهم (١)، لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صارت ملكا قائما، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم، فقالوا: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك» (٢). ٥٠ - ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ قيل: من جهة فوقهم، فهم يخافون نزول عذاب ربهم من تلك الجهة. وقيل: يخافون ربّهم الذي فوقهم بلا كيفية. ٥١ - ﴿اِثْنَيْنِ:﴾ للتأكيد، لا لتعليق الحكم بعدد (٣) محصور، يدل عليه ما بعده وهو قوله: ﴿إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ.﴾ ٥٢ - ﴿واصِباً:﴾ قال أبو عبيدة: دائما. وقال ابن عرفة: ثابتا دائما. (٤) ٥٣ - ﴿تَجْئَرُونَ:﴾ ترفعون أصواتكم بتلبية واستغاثة، والمراد به جؤارهم حالة الاضطرار. ٥٦ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً:﴾ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ [الأنعام:١٣٦]. ٥٧ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ:﴾ عن ابن عباس: أنّ بني خزاعة وبني كنانة، كانوا يزعمون أنّ الملائكة إناث، فإنّهم بنات الله، تعالى (٥) عما يقولون. (٦) ﴿وَلَهُمْ:﴾ قيل: الواو للاستئناف. (٧) وقيل: للعطف. (٨) ٥٨ - ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا:﴾ لكراهتهم البنات، فكانت تجمع همومهم في قلوبهم، وتتزايد أنفاسهم في صدورهم، فيكظمونها، ويختنقون (٩) بها، والمخنوق يسودّ وجهه باجتماع الدم المخنوق الكثير في بشرته. ٥٩ - ﴿يَتَوارى:﴾ يختفي بما يواري. ﴿أَيُمْسِكُهُ:﴾ وترتب ﴿أَمْ﴾ عليها لإثبات إحدى الحالتين: حقيقة، وضرورة لا

стр. 1003

يعنيها (١)، ومجازه: إما ليفعلن كذا، وإما ليفعلن كذا. ﴿هُونٍ:﴾ هوان (٢). والهاء (٣) عائدة إلى ما بشّر به. والدّسّ: إدخال الشيء في الشيء. كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق، فأنزل: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨]. ﴿أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ:﴾ نسبة البنات إلى الله تعالى، أو وأد البنات. ٦٠ - قيل: ﴿السَّوْءِ﴾ وصفهم الباطل والدون (٤). ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى:﴾ وصفه الصدق والحقّ، قال تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ. . .﴾ الآية [الأحزاب:٤]. ٦٢ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ:﴾ الذين يصفونه بالتعطيل عن الصفات. ٦٣ - ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ:﴾ صوّر الجهل عقلا، والأماني براهين، ووسوس بالملاذّ العاجلة حتى يؤثروها (٥) على المصالح الأدلة. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ:﴾ لانعقاد أسباب الاتحاد (٦) بينه وبينهم، بعد انحدارهم عن التوفيق إلى الخذلان. ٦٤ - ﴿الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ:﴾ هو قيام الساعة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ (٨) [الذاريات:٧ - ٨]، وقال: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ (٣) [النبأ:٢ - ٣]. وقيل: هو القرآن. فقيل: إنه سحر وشعر وكهانة. يدلّ عليه قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ثم ترتب عليه (٧) تفصيل آخر فيه التعرف بصفات الفعل بطوته الوحدان؛ لاعتبار أن الجمع والجنس قريبان. ٦٦ - ﴿فَرْثٍ:﴾ رجيع (٨) في الكرش والأمعاء.

стр. 1004

﴿وَدَمٍ:﴾ في العروق. ﴿لَبَناً:﴾ هو الحليب الطيب، لا يشبه المجاورين الخبيثين في طعم ولا لون ولا رائحة ولا طبيعته، مع لطافته، وسرعة استحالته، وأنّه يجري من الطعام والشراب، ويتخذ منه الحلو (١) والحامض والمالح (١٨٢ ظ) والرقيق والخاثر والمنعقد، ينفع كلّ واحد لشيء، ويستلذّ بكل شيء، وقال ﵇: «إنّ الله تعالى لم ينزل داء إلا (٢) أنزل معه دواء، فعليكم بألبان البقر فإنّها ترمّ من كلّ الشجر». (٣) قال ابن عباس: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ على ميمونة (٤)، فجاءتنا بإناء] من لبن، فشرب النبيّ ﵇ وأنا على يمينه، وخالد على شماله، فقال لي: الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالدا، فقلت: ما كنت لأوثر على سؤرك (٥) أحدا، ثم قال ﵇: «من أطعمه الله طعاما، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه». (٦) وعن أبي هريرة (٧)، عنه ﵇: «نزل ملكان بأربعة أقداح: لبن وعسل وخمر وماء، فقالا: إن يشرب (٨) الخمر يغو وتغو أمّته، وإن يشرب العسل يسفه وتسفه أمّته، وإن يشرب الماء يغرق وتغرق أمّته، وكنت رجلا أحبّ اللبن، فأخذت قدح اللبن، فشربت منه ثلاثة أنفاس، فصعد الملكان، وهما يقولان: رشد ورشدت أمته». (٩) الحمد لله الذي هداه للفطرة لشراب إبراهيم ﵇. ٦٧ - ﴿سَكَراً:﴾ خمرا، وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتدّ قبل الطبخ. عن ابن مسعود: أنّ رجلا به صفار أتاه، فسأله عن السّكر، فنهاه. ﴿وَرِزْقاً حَسَناً:﴾ هو المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب. والثلثي من عصير العنب. وقيل:

стр. 1005

نزلت قبل تحريم الخمر. (١) ٦٨ - ﴿وَأَوْحى:﴾ ألهم، كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة:١١١]، ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص:٧]. ﴿النَّحْلِ:﴾ بين الذباب والزنبور، يذكّر ويؤنّث. ٦٩ - ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ:﴾ قيل: بعضها، (٢) كقوله: ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم:٣٤]. وقيل: الجميع، (٣) كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]؛ لأنّها لا تجتنب شيئا من الثمرات. ﴿سُبُلَ رَبِّكِ:﴾ الوصول إلى اتخاذ العسل دون سبل الشريعة. ﴿ذُلُلاً:﴾ حال للسبل. وقيل: حال للنحل. (٤) ﴿بُطُونِها:﴾ وهي الأفواه. وقيل: من بطونها حقيقة. (٥) ﴿فِيهِ:﴾ في العسل (٦). وقيل: في القرآن. (٧) ﴿شِفاءٌ لِلنّاسِ:﴾ من كلّ داء. وقيل: هو خاصّ. (٨) والعسل تعجن به الترياقات، والمسهلات والحوارسات. وقالت عائشة: كانت أحبّ الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد (٩). وقال القتيبي: يعني: العسل. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لعق العسل ثلاث غدوات من كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء أبدا». (١٠) ٧٠ - ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ:﴾ الهرم. ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ:﴾ لا يعقل. وقيل: علم الكسبي.

стр. 1006

٧١ - ﴿وَاللهُ فَضَّلَ:﴾ ابن عباس: نزلت في نصارى نجران، أنهم استقبحوا إشراك مماليكهم معهم في الأموال، فكان إشراكهم عيسى ﵇ بالله تعالى أقبح. ٧٢ - ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً:﴾ قال: البنون: الصغار، والحفدة: ما قد أعان والده على عمله. (١) وقال ابن مسعود: البنون: الأولاد، والحفدة: (١٨٣ و) الأختان. (٢) وقيل: الحفدة: أولاد الأولاد. (٣) وقيل: الخدم. (٤) ٧٣ - و ﴿رِزْقاً﴾ (٥): مصدر نصب بالملك. ﴿شَيْئاً:﴾ اسم نصب بالرزق. وإنما وحّد الفعل في أول الآية، وجمع في آخرها لإبهام (٦) ﴿ما﴾ كالذي. ٧٤ - ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ (٧)﴾ الْأَمْثالَ: قالوا: هي منّا بمنزلة الوالد من الولد، ووصفوه بالكيفية. ٧٥ - ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ:﴾ على إنفاق شيء، تقديره: من كان عبدا (٨). ٧٦ - ﴿كَلٌّ:﴾ ثقل وعيال، اشتقاقه من الكلال، وهو العيّ. ٧٧ - ﴿كَلَمْحِ:﴾ كلحظ، وهو أيسر فعل وأسرعه فوقع التشبيه به لتعلموا أنّ ما هو آت آت، وكأن قد وقع. وقيل: التنبيه على أنّ الساعة متصلة (٩) بأيّام الدنيا ليس بينهما زمان. ٧٨ - ﴿لا تَعْلَمُونَ:﴾ أراد نفي العقل، والعلم الكسبي (١٠). ٧٩ - ﴿جَوِّ السَّماءِ:﴾ الهواء. مجملة تفسيرها: ﴿صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك:١٩]. ٨٠ - ﴿سَكَناً:﴾ موضع سكون وقرار للحاضرة. ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً:﴾ وهي القباب، والقشوع (١١) من الأديم.

стр. 1007

﴿ظَعْنِكُمْ:﴾ ارتحالكم. و ﴿إِقامَتِكُمْ:﴾ لبثكم في المنازل. ﴿أَصْوافِها:﴾ شعر الغنم. ﴿وَأَوْبارِها﴾ (١): شعر الإبل. ﴿وَأَشْعارِها:﴾ ما لا يتلبّد. و (الأثاث): أمتعة البيت حين زمان الخلوقة والبلى. ٨١ - ﴿ظِلالاً:﴾ هي ظلال الغيوم، والأشجار والأخبية، ونحوها. ﴿سَرابِيلَ:﴾ قمص، وهذا مقتصر على أحد طرفي الكلام. ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ:﴾ وهو الدروع والجواشن (٢) والجباب (٣) المحشوة من القرّ (٤)، ونحوه. ٨٣ - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ:﴾ بأنّها منه. ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها:﴾ ويسندون اتصالها إلى الأصنام. ٨٤ - ﴿يَوْمَ:﴾ واذكر يوم. ﴿شَهِيداً:﴾ الأنبياء والأئمة. ﴿لا يُؤْذَنُ:﴾ حالة الختم على الأفواه، كقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ﴾ [يس:٦٥]. و (الاستعتاب): طلب العتبى، وهو الرضى. ٨٧ - (إلقاء القول): صرفه. ﴿السَّلَمَ:﴾ الاستسلام والخضوع. ٨٨ - ﴿زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ:﴾ أي: فوق ما هم فيه. ٩٠ - ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ:﴾ شهادة أن لا إله إلا الله. ﴿وَالْإِحْسانِ:﴾ القيام بالفرائض. ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى:﴾ صلتهم.

стр. 1008

﴿عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ:﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. وقيل: ما وعد الله عليه النار. ﴿وَالْبَغْيِ:﴾ الاستطالة. ٩١ - ﴿تَوْكِيدِها:﴾ تشديدها وتوثيقها. ٩٢ - ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها:﴾ أي: كامرأة تنقض غزلها، ومن شرط الأمثال التصوّر دون الوجود. وزعم الكلبي: أنّها امرأة قرشية حمقاء، كانت في قديم الدهر، تسمى: ريطة، وتلقب: جعر، كانت تغزل بمغزل مثل غلظ الذراع، والصدارة مثل الإصبع، وفلكة (١) عظيمة، فأبرمته، أمرت جاريتها فنقضته أنكاثا، فنهى الله هذه (٢) الأمة أن تكون مثلها. (٣) و (الأنكاث): جمع نكث. ﴿دَخَلاً:﴾ دغلا ومكرا وخديعة. ﴿أَنْ تَكُونَ:﴾ أو بأن تكون، أو كراهة أن تكون قبيلة أكثر عددا أو عددا من قبيلة. قال ابن عباس: بين كندة وبين مراد قتال حتى كلّ الظهر، ثم تواعدوا ستة أشهر حتى يصلح الظهر، وتحمّ (٤) الخيل، فلما مضت خمسة أشهر أمر قيس بن معدي كرب قومه بالجهات إليهم، فقالوا: (١٨٣ ظ) قد بقي من الأجل شهر، فمكث حتى علم أنّه يأتيهم بعد انقضاء الأجل بيومه، سار إليهم، فإذا هو يوم انقضاء الأجل، فقتلوه، وهزموا قومه. بيّن كيفيّة زلل الأقدام ينقض الأيمان بعد التوثيق والإبرام، لا أنّها نزلت من الفريقين. ٩٦ - ﴿ما عِنْدَكُمْ:﴾ هو ما استفرضنا الله تعالى من العاجل. ﴿وَما عِنْدَ اللهِ:﴾ هو ما وعدناه من الأجل. ﴿يَنْفَدُ:﴾ (٥). ﴿بِأَحْسَنِ:﴾ الذي لم يختلط به ما يفسده، ويحبط أجره، وهو الإيمان. قال ابن عباس: إنّ وفدا من كندة وحضرموت قدموا على رسول الله، فأسلموا، ولم يهاجروا، وأقرّوا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم إنّ رجلا من حضرموت يقال له: عيدان بن

стр. 1009

أشوع، قال: يا رسول الله، إنّ امرأ القيس الكندي جاورني في أرضي، فاقتطع أرضي، فذهب بها، وغلبني عليها، فأنكر الكندي، فأنزل: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ. . .﴾ الآيتان [النحل:٩٥]، فقرأهما رسول الله على امرئ (١) القيس، فقال: أمّا ما عندي فينفد، وأما (٢) صاحبي فيجزى بأحسن ما كان يعمل، اللهم إنّه صادق فيما قال، يا رسول الله، لقد اقتطعت أرضه، والله ما أدري كم هو، ولكنه يأخذ من أرضي ما يشاء ومثلها معها، إنّما أكلت من ثمرها، فنزل في امرئ القيس: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً. . .﴾ [النحل:٩٧]. (٣) ٩٧ - ﴿حَياةً طَيِّبَةً:﴾ في الجنة. قيل: في الدنيا بكسب الحلال. (٤) وقيل: بالقناعة. (٥) وقيل: بأن لا يحوجه إلى (٦) أحد. ٩٨ - ﴿فَإِذا قَرَأْتَ:﴾ قصدت قراءة القرآن. اتصالها من حيث إنّ الاستعاذة (٧) من الأعمال الصالحة. ٩٩ - ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ:﴾ واستثناء إنما كان له (٨) عليهم سلطان؛ لتمكينهم إياه من أنفسهم أول مرة. ١٠١ - ﴿بَدَّلْنا آيَةً:﴾ ابن عباس: كان ﵇ إذا نزلت عليه آية فيها شدّة، أخذ الناس بها، وعملوا بها ما شاء الله أن يعملوا فيشقّ ذلك عليهم فينسخ (٩) الله هذه الشدة، ويأتيهم بما هو ألين منها وأهون عليهم، رحمة من الله لهم، فيقول كفار قريش: والله، ما محمد إلا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر ويأتيهم بما هو أهون عليهم منه، وإنه ليتكد به، ويأتيهم به (١٠) من عند نفسه، وما يعلّمه إلا عائش غلام حويطب (١١) بن عبد العزى، ويسار أبو فكيهة مولى

стр. 1010

ابن الحضرمي (١)، وكانا قد أسلما، وكان ﵇ يأتيهما، ويحدّثهما، ويعلّمهما، وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية؛ فأنزل: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ. . .﴾ الآية [النحل:١٠٣]. (٢) ١٠٥ - يزيد بن رومان كان بمكة نصراني يقال [له] (٣): جبر، وكان يجلس عند المروة (٤) ببيعة له، وكان ﵇ يتحدث عنده، فتقول قريش: ما يعلّم محمدا ممّا يأتي به إلا جبر النصراني. (٥) وقيل: كان يهوديّا؛ فأنزل: ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ (٦). (٧) ١١١ - ﴿يَوْمَ:﴾ نصب بالغفران والرحمة. ﴿تُجادِلُ:﴾ تدافع وتذب عن نفسها. ١١٢ - عن ابن عباس في قوله: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ (٨)، قال: هي مكة (٩)، أي: هي مثل مكة، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت:٦٧]، وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ (١٨٤ و) ﴿رَبَّ هذَا الْبَيْتِ﴾ الآية [قريش:٣]، وأنّها كانت آمنة مطمئنة، حين تعرّست (١٠) فيها قريش إلى أن ألحد فيها عمرو بن لحي (١١)، ثم ابتلوا بالقحوط مرّة بعد مرّة، وابتلوا بالفجار الأول، والفجار الثاني، والفيل، ويوم بدر، ويوم الفتح. (أنعم): جمع نعم، وفي الحديث: نادى منادي رسول الله ﷺ : إنّها أيّام طعم ونعم، فلا تصوموا. (١٢) (أذاقة اللباس): كإذاقة العذاب والوبال، وفي الحديث: «لا، حتى تذوقي من عسيلته، ويذوق من عسيلتك» (١٣).

стр. 1011

١١٦ - ﴿الْكَذِبَ:﴾ نصب (١) بوصف (٢) المضمر، أي: تصف ألسنتكم الوصف الكذب. ١٢٠ - ﴿قانِتاً:﴾ بدل من الخبر الأول، ولو كان صفة للخبر لقيل (٣): قانتة. ١٢٤ - ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ:﴾ قال ابن عباس: أمرهم موسى ﵇ بيوم الجمعة، فقال: تفرّغوا إلى الله في كل سبعة أيّام يوم واحدا، فاعبدوه في يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه شيئا من صنيعكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك، وقالوا: لا ينبغي إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك عليهم، وشددّ عليهم، ثم جاءهم عيسى بن مريم ﵇ بالجمعة بعده، فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، يعنون به اليهود، فاتخذوا اليهود بقول الله: ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ. . .﴾. (٤) وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم ﵇ اختلفوا أنّه كان يهوديّا أو نصرانيّا. ١٢٥ - ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ:﴾ [قيل:] (٥) الآية منسوخة بآية السيف. وليس فيها ما يوجب كونها منسوخة. ١٢٦ - ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ:﴾ عن أبي بن كعب: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة (٦)، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم مثل هذا لنريينّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ. . .﴾ فقال رجل: لا (٧) قريش بعد اليوم، فقال ﵇: «كفّوا عن القوم إلا أربعة». (٨) عن الفرّاء: لمّا مثّل المشركون بحمزة يوم أحد قال ﵇: «لأمثلنّ به سبعين شيخا من قريش»، فأنزل: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ. . .﴾ الآية، ثم أمره بالصبر، فقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ. . .﴾ ثم أمره بما يصبّر عزيمته (٩)، فقال: ﴿وَاِصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ﴾ [النحل:١٢٧]. (١٠)

стр. 1012

سورة بني إسرائيل (١) مكية إلا ثماني (٢) آيات نزلن بالمدينة في وفد ثقيف، وهو قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ. . .﴾ [الإسراء:٧٣] إلى [آخر] (٣) الآيات الثماني. وعن ابن عباس قوله: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي. . .﴾ [الإسراء:٨٠] نزلت بين مكة والمدينة. وعن ابن المبارك: قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ. . .﴾ [الإسراء:٧٦]، وقوله (٤): ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي. . .﴾ نزلت (٥) في اليهود، حيث قالوا لرسول الله: ليست هذه الدار بدار الأنبياء. (٦) وعن الحسن: أنّ خمس آيات نزلت بالمدينة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي. . .﴾ [الإسراء:٣٣]، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ [الإسراء:٣٢]، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء:٥٧]، ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ. . .﴾ [الإسراء:٧٨]، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى﴾ [الإسراء:٢٦]. وهي مئة وعشر آيات في غير عدد أهل الكوفة، (٧) والله أعلم. (١٨٤ ظ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ:﴾ عن عمرو بن شعيب (٨)، عن أبيه، عن جده، قال: أسري برسول الله ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأوّل، وذلك قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا. وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة باثني عشر، أو ثلاثة عشر شهرا، وأنّ الذي كان قبل

стр. 1013

الهجرة بثمانية عشر شهرا، إنّما هو المعراج لسبع عشرة من رمضان على ما ذكره الواقدي. (١) وسنذكر المعراج في سورة النجم، إن شاء الله، تعالى. وقيل: إن ليلة الإسراء وليلة المعراج واحد. (٢) وعن أم هانئ بنت أبي طالب (٣): أسري بالنبي ﵇ من شعب أبي طالب. (٤) وعن ابن عباس: المسجد الحرام: الحرم كلّه. (٥) وعن أمّ هانئ قالت: ما أسري رسول الله إلا من بيتي. (٦) عن الكلبيّ عن أبي (٧) صالح، عن أمّ هانئ بنت أبي طالب: أنّها حدثت: أنّ النبيّ ﵇ صلّى في بيتها تلك الليلة العشاء الأخيرة، قالت: فصلّيت معه، ثمّ قمت، وتركته في مصلاه، فلم أنتبه حتى نبّهني لصلاة الغداة، ثمّ قال: قومي يا أمّ هانئ، أحدّثك العجب. قالت: قلت: كلّ حديثك عجب، وصلّى، وصليت معه، قالت: فلما انصرف قال: أتاني جبريل، وأنا (٨) في مصلاي، فقال: يا محمد، اخرج، فخرجت إلى الباب، ثم ذكر الحديث بطوله. وعن محمد بن كعب القرظيّ (٩)، قال: قال رسول الله: «بينما أنا نائم في الحجر، إذ أتاني جبريل ﵇ فغمزني برجله، فقمت، فلم أر شيئا فقعدت، فغمزني، فقمت، فلم أر شيئا، فقعدت، فغمزني الثالثة (١٠)، فقمت، فأخذ بعضدي، فقمت معه (١١) إلى باب المسجد، فإذا دابّة (١٢) بيضاء بين الحمار والبغل في فخذيها جناحان يحفر بهما رجليها، فلما دنوت لأركبها شمست، فوضع جبريل ﵇ يده على معرفتها (١٣)، ثم قال: ألا تستحين يا براق مما تصنعين، والله ما ركب عليك عبد الله قبل محمد أكرم على الله منه، فاستحيت حتى ارفضّت (١٤) عرقا، ثم

стр. 1014

أمرت (١) حتى ركبتها، فحملني عليها، ثم خرج معي جبريل لا يفوتني، ولا أفوته، كان منتهى وقع حافرها طرفها، قالوا: وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، قالوا: قال رسول الله: فإذا مناد (٢) ينادي عن يميني: أربع (٣) أستخبرك، فلم أعرّج عليه، وإذا مناد ينادي عن شمالي يقول: يا محمد، أربع أستخبرك، فلم أعرّج عليه (٤). قال: ثم (٥) استقبلتني امرأة عليها من كلّ ما زيّن الله به نساء أهل الدنيا، قد ولّى من سنّها، فقالت: يا محمد، على رسلك أستخبرك، فلم أعرّج عليها، فكادت (٦) تغشاني، فأخبرت جبريل ﵇ بما رأيت، فقال: الذي على يمينك داعية اليهود لو ربعت حتى يكلّمك تهودت أمّتك، وأما الذي على يسارك: فداعية النصارى، ولو ربعت عليه حتى يكلّمك تنصّرت أمتك، وأمّا (١٨٥ و) المرأة التي استقبلتك: فهي الدنيا، ولو ربعت عليها حتى تكلّمك اخترت الدنيا على الآخرة». (٧) وعن عكرمة قال: قالت أمّ الفضل (٨): أتى آت فقال: إنّ محمدا ليس في بيته، فما نراه إلا وقد قتل، قالت: فأيقظت العباس (٩)، وكان نائما، فقال: ما لك؟ فقلت: هذا ابن أخيك لا يدرى أين هو؟ فخرج العباس في بني عبد المطلب. وعن أبي رافع (١٠) قال: لما كانت تلك الليلة، فقد رسول الله، وتفرقت بنو عبد المطلب ليلتمسوه، فخرج العباس حتى بلغ ذا طوى، فجعل يصيح: يا محمد، فأجابه رسول الله: «لبّيك»، فقال: يا ابن أخي عنّيت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟ قال: «أتيت من بيت المقدس»، قال: أفي ليلتك؟! قال: «نعم»، قال: فهل أصابك إلا خير؟ فقال ﵇: «ما أصابني إلا خير»، وذكر القصة بطولها (١١). (١٢)

стр. 1015

٢ - ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ:﴾ اتصالها من حيث ذكر المسجد الأقصى، الذي هو قبلة بني إسرائيل، ومن حيث قوله: ﴿لِنُرِيَهُ (١)﴾ مِنْ آياتِنا [الإسراء:١] الكبرى، فإنّ (٢) رؤية موسى وأنبياء بني إسرائيل ﵈ ليلتئذ من الآيات. ٣ - ﴿ذُرِّيَّةَ:﴾ لنريه ذريّة ﴿مَنْ حَمَلْنا،﴾ وهم الأنبياء الذين أراه الله إيّاهم ليلتئذ. والثاني: أنّه بدل من موسى، أو كالصفة له، فإنّه كان من ذريّة نوح ﵇، فعلى هذا الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ عائد إلى موسى ﵇. والثالث: أنّ الاتخاذ يقتضي مفعولين مكان (٣) الذرية ﴿مِنْ دُونِي﴾ [الإسراء:٢] أن لا يتوكّلوا على من يجانسهم في الخلقة والحاجة. والرابع: اسم مضاف، فانتصب حرف النداء. وعن عمران بن سليم (٤): إنّما سمّي نوح عبدا شكورا؛ لأنّه كان إذا أكل طعاما قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني، وإذا شرب شرابا قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني، وإذا احتذى (٥) قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني، (٦) وإذا قضى حاجة قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه، (٧) ولو شاء حبسه. (٨) ٤ - ﴿وَقَضَيْنا:﴾ أوحينا وأعلمنا، كقوله: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر:٦٦]. ﴿لَتَعْلُنَّ (٩)﴾ عُلُوًّا كَبِيراً: أي: لتعتنّ عتوّا كبيرا، ومنه قوله: ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل:٣١] وقوله: ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص:٨٣]. ٥ - ﴿وَعْدُ أُولاهُما:﴾ وعيد أولى المرتين. ﴿فَجاسُوا:﴾ تخللوا، فقتلوا (١٠).

стр. 1016

و (الوعد المفعول): هو الضمان المأتي. ٦ - ﴿لَكُمُ الْكَرَّةَ:﴾ إليكم المنعة والقوّة لتكرّوا عليهم، فتخرجوهم من دياركم. ﴿نَفِيراً:﴾ عشيرة ورهطا. ٧ - ﴿فَلَها:﴾ أي: فعليها. و (إذا): ظرف زمان، والعامل مضمر فيه، تقديره: فإذا وعد الآخرة أنجزناه وحقّقناه، وبعثناهم ليكون كذا وكذا. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا:﴾ وليهلكوا ما علوه إهلاكا، أو ليهلكوكم (١) ما داموا (٢) عالين إهلاكا. لم يختلف أهل العلم في الموعود الأوّل أنّه بختنصر وأصحابه، ولكنّهم اختلفوا في تعريفه ونسبته، وعاقبة أمره، واختلفوا في الموعود (١٨٥ ظ) الثاني. الكلبي (٣): أنّه كان ملك بابل، غزا بيت المقدس، وقتل أربعين ألفا من قرّاء التوراة، وسبى الباقين، فمكثرا في تلك المحنة تسعين سنة حتى مات بختنصر، واستولى على بابل ملك من همذان اسمه كورش، وأنّه تزوّج من بني إسرائيل امرأة (٤) اسمها مسحت بنت روبابيل التي تشفّعت إلى زوجها، وسعت في إصلاح قومها، وفي ردّهم إلى أوطانهم فأجابها زوجها إلى ذلك. وذكر أنّ الموعود الثاني ملك من ملوك الروم، اسمه انطياخوس سار فيهم سيرة بختنصر البابلي بعد مئتين وعشرين سنة. قالوا: ثمّ رحمهم الله تعالى وأمّنهم في ديارهم، وبعث إليهم أنبياء حتى عادوا إلى الكفر والطغيان وقتل الأنبياء، وكفروا بالمسيح، فعاد الله إليهم بالعقوبة ثالثا، وسلط اسفسيانوس الرومي، وابنه ططوس بن اسفسيانوس بعد أبيه، فخرب (٥) بيت المقدس، ولم يزل خرابا إلى أن بناه المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب. وحكى الشعبي (٦) في كتاب «سير الملوك»: أنّ بخت نصر إنما هو بخت نرسي، وهذه كلمة نبطية، ومعناها كثير البكاء والأنين، واسمه بالفارسية لهراسف بن قنوجي بن كنيمش بن (٧) كتابنه بن كيقباذ. كان كيقيانوس بن كيقباذ (٨)، طرد أخاه وجفاه وأقصاه، وسيّره إلى مدينة

стр. 1017

سوس (١)، وهو كتانبه بن كيقباذ، فنزلها، ولم ينزل بها عقبه إلى أن انتشا بخت نرسي، وهو لهراسف، وكان قد مرّ به يهوديّ على عهد سليمان ﵇ وهو صبيّ بعد يلعب بالتراب، ويصوّر فيه، فوقف عليه اليهودي، وكان عالما، فتأمّل فيما يصور، فإذا هو يصوّر بيت المقدس ومسجده، وشوارعه (٢) وسككه لا يغادر منها شيئا، فقال اليهوديّ في نفسه: والله هذا هو الموعود، ثم انتظر ساعة، هل يدع الصبيّ هذه الصورة بحالها أم يفسدها؟ فلما تّمت الصورة، مسح الصبيّ عليها كفّه (٣)، فطمسها، فتيقّن اليهوديّ أنّه هو الموعود المخرّب لبيت المقدس، فاستخبر الصبيّ: هل له من يكفله؟ فأخبره بأنّ له أمّا وبيتا، فانتهى اليهوديّ إلى بيته، ونزل عندهم ضيفا، وتحرّم بطعامهم، ثم تشفّع إلى الصبيّ بأمّه أن يعطيه الذمّة والأمان، وبشّره بأنّه سيملك (٤)، ويكون شأنه كذا وكذا، فتمكّن ذلك الحديث في قلب بخت نصر، ودخل ذلك في دماغه، ولم يزل ذلك همته إلى أن توفّي سليمان، ورجع أمر بني إسرائيل إلى رحبعم بن سليمان، وهلك كيكسرى بن سياوش بن كيقانوس (٥)، ورجع أمر العجم إلى بخت نصر (٦)، فلما ملك الأمر، وانتظمت أحواله، جمع المرازنة والجنود، وذكّرهم ما كان من استيلاء سليمان ﵇ وحذّرهم من جهة رحبعم مثله، وندبهم إلى قتاله، وأجابوه (٧)، فسار في مئتي (٨) ألف فارس حتى أوغل في الشام، ولما سمع ذلك رحبعم، وجعل من قبله (٩) (١٨٦ و) من بني إسرائيل في المسجد، وخطب لهم خطبته (١٠) هذه: الحمد لله الذي تفرد بالعظمة، وتوحد بالكبرياء، وتردّى بالعزّ، حمدا بما اصطنع إلينا من أياديه، وأسبغ علينا من نعمه، وأنقذنا من الهلكة والكفر، أيّها الناس، عليكم بتقوى الله (١١) ربّكم الذي بيده نواصيكم، وإليه منقلبكم، حافظوا على صالح سنّتكم، وجاهدوا في سبيل ربّكم، هذا عدوّكم قد أظلّكم، فحاموا (١٢) عن دينكم، وامنعوا بيضتكم، وتوكّلوا على ربّكم، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم. فبطروا (١٣) عمّا دعاهم إليه، وخذلوه، ورفضوه،

стр. 1018

وتفرّقوا عنه. فلما رأى رحبعم ذلك منهم، هاجرهم، ونجا بنفسه إلى فلسطين، وأقبل بخت نصر حتى ورد بيت المقدس لا يمنع عليه صغير ولا كبير، فوضع في بني إسرائيل السيف، وأقام بينهم ميزان الحيف (١)، وأذاقهم لباس الخوف، وسبا منهم سبيا كثيرا، وكان من جملة السبايا دانيال ﵇ ثم رجع بالغنائم، والأسارى إلى بابل، وأتى على هذا زمان، ثمّ إنّه رأى رؤيا هائلة، فأخبر بها أهل العلم، فقالوا: هذا علم لا يتوصّل إليه إلا نبيّ يوحى إليه، فبعث إلى السجن، واستحضر دانيال ﵇ فلمّا دخل عليه دانيال لم يسجد له، فقال بخت نصر: لم لم تسجد كسائر العبيد؟ قال: لأنّ الله تعالى خصّني بالنبوّة، وأمرني أن لا أسجد إلا له، فأيقن بخت نصر أنّه نبيّ، وأعجبه كلامه، ثمّ ذكر له حديث الرؤيا، فقال دانيال ﵇: رأيت صنما عظيما رجلاه في (٢) الأرض، ورأسه في السماء، رأسه من ذهب، وصدره من فضة، وبطنه من نحاس، وفخذاه من حديد، وساقاه إلى قدميه من فخّار، وبينما (٣) أنت متأمّله وتتعجب منه إذا سقط عليه حجر من السماء فهشمه، وجعل الحجر يعظم، وينبسط حتى ملأ الأرض، فصرت لا ترى غير الحجر والسماء شيئا، قال بخت نصر: صدقت وبررت، فما تأويلها؟ قال دانيال: أمّا الصنم فبيتكم أيّها العجم، وأما الذهب فملوككم، وأما الفضة فأشرافكم، وأما النحاس فأوساطكم، وأما الحديد فمن دونهم، وأما الفخّار فسفلتكم، وأما الحجر فنبيّ آخر الزمان، يخرج من تهامة، ويهاجر إلى طيبة، اسمه محمد وأحمد، يطحن الله به الكفر، ويفرّق به بين الحق والباطل، ويعزّ به الذليل، ويقوّى به الضعيف، ويغنى به الفقير، ويؤمّن به الخائف، فلا يزال أمره يعظم، وأمّته تزداد، ودينه يعلو، ويملأ الأرض ذات العرض، ويبقى الملك في قومه إلى يوم القيامة. (٤) قال بخت نصر: ومتى يكون ذلك؟ قال: بعدك بألف (٥) عام، فلمّا سمع ذلك بخت نصر أطلقه من السجن، وأذن له في الدخول عليه، ولم يأل في إكرامه والإحسان إليه حتى حسده على ذلك مرازبة (٦) بخت نصر، فأنكروا ذلك، فاتّهموه في ذلك، ورموا دانيال عليه (١٨٦ ظ) السّلام بالسحر، فلم يلتفت بخت نصر إلى شيء من قولهم حتى قالوا: إنّه يعبد غير معبودك، فأمر بخت نصر أن يحضر صنمه على رؤوس الناس، ودعا بدانيال (٧) ﵇، فقال: إذا رأيتني وقومي نسجد لهذا فاسجد معنا، ثم خرّ بخت نصر ساجدا مع قومه أجمعين، وأبى دانيال ﵇ أن يسجد،

стр. 1019

وقال: قد أعلمتك أيّها الملك أوّل مرّة أنّ الله نهاني أن أسجد لغيره، فغضب عليه (١) لمخالفته، وبنى له بنيانا، فألقاه في الجحيم، فجعلها الله عليه (٢) بردا وسلاما، فلما رأى ذلك بخت نصر منه دعاه، واستصفاه، واعتذر إليه، وأطلق جميع من كان عنده من بني إسرائيل في السجن، فأحسن إليهم، ثم إنّ الله تعالى ابتلاه ثانية برؤيا هائلة، وأنساه إياه (٣)، فذكر ذلك لدانيال ﵇ قال دانيال: رأيت شجرة لفّاء عظيمة، أصلها في الأرض، ورأسها في السماء، ذات فروع باسقة، وأغصان أنيقة، ورأيت عليها كلّ طير في الأرض معششة مع فراخها حتى امتلأت تلك الشجرة وما والاها، فبينا (٤) أنت تنظر إليها، وتتعجب من عظمها، وكثرة ما اكتنفها من الطير إذا أقبل ملك من السماء، ليجتثّها من أصلها، فنودي من السماء أن اجتث بعضها، ودع بعضها، فأمّها بفأسه، فأبان أغصانها، وبقي ساقها على حالها، ونفرت ما كان عليها من الطير. قال بخت نصر: صدقت، هذه رؤياي، ما خرمت منها شيئا، فما تأويلها؟ قال دانيال ﵇: أمّا الشجرة فملكك الواسع العظيم، وأما الطير فجنودك، وأما الاجتثاث فذهاب ملكك، وإبادة سلطانك، وأنّ الله تعالى ماسخك سبع سنين على صورة كلّ طائر (٥) ودابّة عقوبة لك على ما كان من هدمك بيت المقدس، ونقلك منبر سليمان، واستخفافك بالأنبياء والأولياء (٦)، وسفكك دماء المسلمين، غير أنّك لا تمسخ في صورة إلا كنت ملك ذلك الجنس، فتقهر ذلك الجنس بقوّتك كقهرك بني آدم، ثمّ تعود إنسانا. قال بخت نصر: وهل يقبل ربك توبتي؟ قال: أما دون هذه العقوبة فلا. فقام بخت نصر، ودخل دار نسائه، فبينا (٧) هو جالس إذ نظر إلى الريش قد نبت عليه (٨)، فكان أول ما مسخ عقابا، وآخر ما مسخ بعوضة، ثمّ (٩) عاد إلى مملكته، وكان ابنه كليماوس تخلّفه في قومه في هذه الفترة، فلمّا عاد إنسانا، وعاد إلى مملكته اغتسل، ولبس المسوح، وسلّ سيفه، وكسر جفنه، وحرج إلى جنوده يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، ويحذّرهم العذاب الأليم، فلما هجم عليه الليل قبض الله روحه، وكان ملكه سبعين عاما، وهو لهراسف بلغة الفرس. وولي الأمر بعده كليماوس، وأساء السيرة في بني إسرائيل، وردّهم إلى السجن، فبينا هو

стр. 1020

ذات يوم في مجلسه مع مرازبته وعظماء قومه إذ نظر إلى كف بدت من الحائط بلا معصم، وكتبت ثلاثة (١٨٧ و) أحرف (١) بالعبرانية، ثمّ غابت، فاضطره الخوف إلى دعاء دانيال ﵇ وألطف له (٢) القول، وأراه تلك الكتابة، واستفسره، فقرأها عليه دانيال: بسم الله العلي الأعظم عزّ هذا الملك فذلّ، ووزن فخفّ، وجمع فتفرّق، وابتلاه الله بعد هذا بملك اليمن ياسر بن ينعم، قصده من صنعاء اليمن حتى نزل في تخوم أرضه، ثم استولى عليها، وكان على دين سليمان ﵇ وأنّه غزا ديار بخت نصر منتقما لبني إسرائيل. قال الزهريّ (٣): ثم ابتلاه الله ببعوضة كبعوضة نمرود، وكانت سبب موته، وكان ملكه خمسين سنة، وملك من بعده أخوه بشتاسب، ثمّ بهمن بن اسفنديار بن بشتاسب، وهو الذي ردّ بني إسرائيل إلى أوطانهم، والسبب في ذلك: أنّه تزوج من سالمال بن رحبعم بن سليمان ﵇ وكانت تسمى ابراخت، فلما تزوج بها ملّك أخاها روبابيل بن سالمال بن رحبعم، وسيّره إلى أرض الشام. ثم ذكر الشعبي: أنّ الموعود الثاني ملك من ملوك الأهواز (٤) كان يسمى بخت نصر أيضا، سلّطه الله بعد قتل يحيى بن زكريا ﵇ وكان من نسل بخت نصر الأول، قال: وكان بين المرتين خمس مئة عام. وذكر محمد بن جرير الطبري: أن بخت نصر كان قائدا من قواد سنحاريب الملك، ملك بابل، وكان قد غزا بيت المقدس مع سنحاريب الملك في عهد حزقيا بن أحار، وهو ملك من ملوك بني إسرائيل، وكان بعد رحبعم بن سليمان بزمان طويل، ورجع خائبا خاسرا، فلما هلك سنحاريب تحول بخت نصر إلى لهراسف الملك، وهو ببلخ حينئذ، فذكر له حديث الشام، وطلب منه أن يوجهه إلى تلك النواحي، وضمن له أن يفتتحها له، فأجابه لهراسف إلى ذلك، وأمده بالأموال والرجال، فكان من أمر بخت نصر ما كان، ورجع إلى بابل، فاتخذها دار مملكته في طاعة لهراسف، ولم يكن هو (٥) للهراسف، ثم إنّ لهراسف هلك، وخلفه ابنه لشتاسف، ورفع إليه حديث الشام، وما كان من فساد بخت نصر في تلك النواحي، فاستقبح ذلك، فكتب إليه يأمره بالرجوع إلى بابل (٦) وصرفه بكورش، وهو قائد من قوّاده. فلمّا انتهى كورش إلى بابل
следующие страницы →