← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

سورة الكهف مكية. (١) وعن ابن عباس: إلا آية نزلت بالمدينة، وهي قوله: ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ. . .﴾ [الكهف:٢٨]. (٢) وعن الحسن: إلا هذه الآية وقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا﴾ [الكهف:٢٨]، وقصة ذي (٣) القرنين. وهي مئة وخمس آيات في عدد أهل الحجاز. (٤) بسم الله الرّحمن الرّحيم عن أبي الدرداء (٥)، عنه ﵇: «من حفظ أوّل الكهف عصم من فتنة الدجال». (٦) وعنه مرفوعا: «من قرأ ثلاث آيات من أوّل الكهف عصم من الدجال». (٧) وروي عنه ﵇: «من قرأ عشر آيات من أوّل الكهف عصم من فتنة الدجال» (٨). ١ - ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ:﴾ للكتاب (٩) صفة عوج. قوله: ﴿عِوَجاً﴾ [الكهف:١] به. (١٠) ٢ - ﴿قَيِّماً:﴾ مستقيما، وفيها تقديم وتأخير، تقديرها: أنزل على عبده الكتاب قيّما، ولم يجعله عوجا. (١١) واتصال قوله: ﴿قَيِّماً﴾ بقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أحسن اتّصال.

стр. 1052

٥ - ﴿ما لَهُمْ بِهِ:﴾ بالله. ﴿مِنْ عِلْمٍ:﴾ حقيقة؛ لأنّهم لا يعرفونه ولا يعلمونه، وإن تلفّظوا بأسمائه. وقيل: عائد إلى اتخاذ الولد، وأراد به نفي الاتّخاذ (١)، ونفي (٢) الولد، كقوله: ما أرى في الدار أحدا، نفى المرئيّ دون الرؤية. (٣) ﴿كَبُرَتْ:﴾ كبيرة (٤) مقالتهم: اتّخذ الله ولدا، فقال لهم مضمرة في هذا الفعل ملتبسة، والتاء دالّة عليه، ومعناه: عظمت كلمة، نصب على التفسير. ٦ - ﴿باخِعٌ:﴾ قاتل ومهلك. ﴿آثارِهِمْ:﴾ خلفهم، وهم معرضون عنك. والأثر: رسم الشيء بعد مضيّه. ﴿أَسَفاً:﴾ أخّر لرؤوس الآي، والتقدير: باخع نفسك أسفا. ٧ - ﴿زِينَةً:﴾ نصب على الحال، أو القطع، أو المفعول الثاني. ﴿أَحْسَنُ عَمَلاً:﴾ هو الصبر والشكر على موجودها عنده (٥). عبد الله بن عمرو، عنه ﵇: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا (٦) ولا صابرا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله به عليه، كتبه الله شاكرا صابرا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منها (٧) لم يكتب (٨) شاكرا ولا صابرا». (٩) وذكر حديث (١٠) ثلاثة من (١١) بني إسرائيل: أبرص وأعمى وأقرع، على ما في الصحيحين. (١٢)

стр. 1053

٨ - ﴿جُرُزاً:﴾ مكانا لم يصبه المطر. وقيل: غليظة يابسة لا نبت فيها. (١) وقيل: كأنّه أكل نباتها. (٢) وأوانه: إمّا عند خروج يأجوج ومأجوج، وإمّا عند انقطاع (١٩٧ و) الحرث والنسل، وإمّا عند البعث ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ. . .﴾ الآية [النبأ:٤٠]. ٩ - ﴿أَمْ:﴾ بمعنى الاستفهام (٣). وإنّما لم يكونوا من آيات (٤) الله عجبا (٥)؛ لجريان سنة الله بالكرامات. وأصحاب الكهف فتية من اليونانية، واليونانية: حيل من الناس كانوا يسكنون بلاد الروم، ويختلطون بهم، والاختلاف بينهم كالاختلاف بين القحطانية والعدنانية، وكانوا معنيّين بعلم الفلسفة مختلفين فيها، فمنهم موحّد، ومنهم مشرك، وكان ذو القرنين منهم، فلمّا توفّاه الله امتنع ابنه عن المملكة، فورث (٦) ملكه البطالمة. فاسم بطليموس الأوّل لوغوس، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، واسم بطليموس الثاني دقيانوس، وكان ملكه أربعين سنة، وكان مشركا، فابتدأ أمر هؤلاء الفتية في زمانه، وكانوا قد هربوا منه، وامتدّ سلطان البطالمة من بعد دقيانوس إلى نيّف وستين ومئة سنة، ثمّ زال (٧) ملكهم، وتحوّل أمر الروم إلى القياصرة من أولاد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم (٨)، وأوّلهم أغسطوس، وفي عصره كان ميلاد عيسى ﵇، وانتهت مدّة هؤلاء الفتية في الكهف إلى نهايتها، والقياصرة يومئذ على النصرانيّة. و ﴿الْكَهْفِ:﴾ الغار. ﴿وَالرَّقِيمِ:﴾ قرية عند الكهف. وقال الفرّاء: اللوح من رصاص فيه قصّتهم وأسماؤهم. (٩) ١٠ - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ:﴾ الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: مدينة بالروم ظهر عليها ملك من الملوك كافر، يقال له: دقيانوس، على قريتهم وأرضهم، وهي تسمّى

стр. 1054

أفسوس (١)، فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان، وجعل يقتّلهم، فمن كفر بالله، واتّبع دينه تركه، فهدى الله شابّا من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام، فجعل يدعوهم سرّا حتى تابع على ذلك ستّة أغلمة، ففطن بهم الملك، فأرسل إليهم، فأخذهم، فدفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم، فأرسل إليهم، فهربوا، فقالت الآباء: والله لقد خرجوا من عندنا بالأمس، فلا ندري أين هم؟ ومرّوا بغلام راع (٢) ومعه كلب له، فدعوه إلى أمرهم، فأعجبه ذلك، فتابعهم عليه، ومضى معهم، وتبعه (٣) كلبه، واسم كلبه قطمير، حتى أتوا غار كهف في مفيئه (٤)، فدخلوا فيه، ثمّ أرسلوا بعضهم إلى السوق يشتري لهم (٥) طعاما من السوق، قال: وركب الملك (١٩٧ ظ) والناس معه لطلبهم يسألون عنهم (٦)، فسمع رسولهم بذلك، فعجّل أن يشتري لهم كلّ الذي أرادوا، واشترى بعضا، فأتاهم به، فأخبرهم: أنّ الملك والناس في طلبكم، فأكلوا ممّا أتاهم به، ولم يشبعوا، فقالوا: ﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً،﴾ يقول: مخرجا، ثمّ ناموا على جوعهم، فضرب الله على آذانهم بالنوم سنين عددا، ثلاث مئة وتسع سنين. وقال: ويسير الملك والناس معه يقفون آثارهم حتى انتهوا إلى باب الكهف، فوجدوا آثارهم داخلين، ولم يجدوا آثارهم خارجين، فدخلوا الكهف، فطلبوهم، فعمّى الله عليهم أبصارهم، فلم يجدوا شيئا، فقال دقيانوس: سدّوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا فيه، فيكون قبورهم إن كانوا فيه نياما، ثلاث مئة وتسع سنين، ويقلّبون في كلّ عام مرّة مخافة أن تأكل الأرض لحومهم. وعن مجاهد: أنّهم مكثوا ثلاث مئة عام على شقّ واحد، وقلّبوا في تسع سنين. قال الكلبيّ: ثمّ انصرف الملك والناس حين سدّوا عليهم الكهف إلى مدينة أفسوس، وعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما من دقيانوس الكافر حين انصرف الجبار، وعمدا إلى اللوح من رصاص، فكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء آبائهم ومدينتهم، وأنّهم خرجوا فرارا من دقيانوس الملك الكافر، فمن ظهر عليهم فإنّهم مسلمون، ثمّ ألزقاه في السّدّ من داخل الكهف، وكان دقيانوس أظهر علامات الكفر بالمدينة، وقد دخل الفتية وهم يرونها، وكانوا كلّما غزا ملك تلك المدينة (٧) وظهر عليها أظهر علاماته، إن كان مسلما أظهر علامات

стр. 1055

المسلمين، وإن كان كافرا أظهر علامات المشركين، ثمّ إنّ صاحب الأرض التي كان فيها احتاج إلى أن يبني حظيرة (١) لغنمه، فهدم ذلك السّدّ (٢)، فبنى لغنمه، فكان باب السدّ مفتوحا، وقد اختلف الناس، فقال قائلون: لا تقوم الساعة، وليست بشيء، وقال الآخرون: هي كائنة حقّا، ثمّ استيقظوا بعد ثلاث مئة سنة وتسع سنين على جوعهم الذي ناموا عليه، فنظر مكسلمينا وهو سيّدهم إلى الشمس قد زالت (٣) عن مكانها الذي كانت حين دخلوا، فقال: كم لبثتم؟ فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. وأسماؤهم (٤): يمليخا ومرطوس ونوايس (٥) وساريبوس وكشفوططيبوط وبطيمونسوس، قالوا: ربّكم أعلم بما لبثتم، وقال مكسلمينا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ﴾ (١٩٨ و) ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩]، وهم يرون ملكهم دقيانوس كما هو عليه، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ [الكهف:١٩]، يقول (٦): أيّها أحلّ ذبيحة؛ لأنّ عامّتهم كانوا مجوسا يوم دخلوا الكهف، ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف:١٩]، يقول: طعاما منه، ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ في الشراء (٧)، ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:١٩] يقول: لا يعلمنّ بكم أحدا (٨) من المجوس، ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٠] يقول: في دينهم الشرك بالمجوسيّة، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠]، قال: فخرج رسولهم يمليخا، فلما انتهى إلى باب السدّ إذا حجارة مكسورة على بابه، فقال: إنّ هذا الشيء ما رأيناه، وكان صاحب الكهف هدمه، واسمه زندليس (٩)، بنى حضيرة لغنمه (١٠)، فقال (١١): إنّ هذا ما رأيناه أمس حين دخلنا، فكان أوّل شيء أنكره (١٢)، وأنكر الطريق، قال:

стр. 1056

فرجع إليهم، فأخبرهم بالحجارة، فأنكروه، وأنكروا (١) الطريق، فقال مكسلمينا عند ذلك: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، ثمّ مضى يمليخا حتى أتى السوق، ولا يعرف أحدا من أهلها، وإذا ملك من الملوك مسلم، يقال له: يستفاد، قد غزا تلك المدينة، فظهر عليها، وكسّر علاماتها، وأظهر علامات المسلمين، فسأل يمليخا: أيّ مدينة هذه؟ قالوا: هذه مدينة أفسوس، قال: فأيّ رستاق هذا؟ فأخبروه، قال: فقال: لقد أصابنا شيء، إنّ هذه لمدينتنا، وإنّ هذه لرستاقنا ما أعرفهما ولا أهاليهما، قال: ثمّ أتى خبّازا وهو يخبز، فقال: يا خبّاز بعني من طعامك هذا، وأخرج ورقه، فلما رآها الخباز أنكرها، وأنكر الرجل، فقال: إنّي لأنكرك، فمن أين لك هذه الدراهم؟ فقال له يمليخا: ولم؟ قال: لأنّ معك دراهم دقيانوس الملك الكافر، وقد ضربت منذ ثلاث مئة سنة وتسع سنين، وأنكرك؛ لأنّك لا تشبه أهل قريتنا، إمّا أن تعطيني من هذا الكنز الذي وجدت، وإمّا أن أرافعك إلى ملكنا المسلم، يقال له: يستفاد الملك، فإنّك قد وجدت كنزا، إنّ هذه الدراهم لدراهم ما نعرفها، فكان كلّ ملك يحدث بعد آخر يضرب دراهمه كلّها على ضربه، فمن وجد معه غير تلك (٢) الدراهم علم أنّه موجد كنزا، فلمّا وجدوا معه تلك الدراهم، قالوا: إنّه لكنز، فقال لهم يمليخا: إنّ هذه الدراهم ما خرجت بها (٣) إلا أمس، فظنّ الخباز أنّه يتجانّ (١٩٨ ظ) عليه ليرسله، فقال: إنّك تتجانّ عليّ لأرسلك، والله لا أرسلك (٤) حتى تعطيني من هذا الكنز، أو أرافعك إلى السلطان، فلمّا رآه لا يعطيه شيئا رفعه إلى ملكهم، فإذا هو رجل متعبّد مجتهد قائم على مسح يجتهد لربّه حين ردّ الله على أهل تلك المدينة دينكم كما كان، وقد جعل قاضيين فقيهين يهيّئان أمر الناس ويدبّرانه، فرفعه الملك إلى ذينك (٥) القاضيين، فسألاه، فقال يمليخا: يجيء [إخوتي] (٦) أو بنو عمي، أو بعض معارفي، وجعل يبكي فرقا أن يرفع إلى ملكهم الجبارّ الذي فرّ منه [فلما أدخل على القاضيين ولم ير الجبّار] (٧) سكن، فقال له القاضيان: دلّنا على هذه الكنز وإلاّ عذّبناك، فقال: ما هذا بكنز، إنّما خرجت أنا وأصحاب لي عشية أمس هاربين من الملك دقيانوس، فقالا له: إنّك رجل شابّ، وذلك الملك قد مضى منذ دهر طويل! قال: فقالوا: مجنون، فرفعوه إلى ملكهم، فسأله (٨)، فقال له: من أين

стр. 1057

لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت بها معي عشيّة أمس أنا وأصحاب لي هاربين من دقيانوس، وها هو ذي أصحابي، فانطلقوا إليهم، قال: وجاع أصحابه جوعا شديدا حين أبطأ عليهم، فقال الملك: قد عرفت أنّك إنما ترى أنّك مجنون لأرسلك، وما أنا بالذي أرسلك حتى تخبر من أين هذه الدراهم؟ أخبرنا بقصّتها، فقصّ عليه أمره وأمر أصحابه، فقال أناس من المسلمين قد أخبروا بقصتهم (١): إنّ آباءنا قد أخبرونا أنّ فتية خرجوا بدينهم، وهم مسلمون فرارا من دقيانوس، وإنّا والله ما ندري لعلّه صادق، فاركب، فانظر لعلّه شيء أراد الله أن يظهرك عليه، وأن يكون في ولايتك، فركب الملك، وركب معه الناس المسلمون (٢) والكافرون حتى انتهوا إلى الكهف، فدخل صاحبهم، وهم يبكون، فأخبرهم بأمره الذي لقي، وقال: لقد (١٩٩ و) أتاكم الملك فعانق بعضهم بعضا يبكون، ولا يشكّون أنّه الملك الجبار الكافر الأوّل، فدخل عليهم الملك والناس يسألونهم عن أمرهم، وقصّوا عليهم قصّتهم، والذي فرّوا منه، فنظروا فإذا اللوح (٣) الرصاص الذي كتبه المسلمان فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم ودينهم وفرارهم من دقيانوس الملك الكافر، فقال (٤): قوم هلكوا في زمان دقيانوس، فأحياهم الله في زماني، فحسبوا ذلك، فوجدوا ثلاث مئة وتسع سنين، فلم يبق مع الملك أحد إلا أسلم إذ رآهم، فبينا (٥) هم إذ ماتوا، فضرب الله على آذانهم بالنوم، ثمّ تنازع فيه المسلمون الأول أصحاب الملك قبل أن يأتوا الكهف، والمسلمون الذين أسلموا حين رأوهم، فقال المسلمون الآخرون: ﴿اِبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ﴾ [الكهف:٢١]، و ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف:٢١] (٦) الملك والمسلمون الأوّلون معه: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١]، قال: فبنوا على الكهف مسجدا، ثمّ قال الملك المسلم وأصحابه المسلمون الأوّلون: مكثوا في الكهف ثلاث مئة سنين وتسع سنين، وقال المسلمون الآخرون: بل مكثوا كذا وكذا، فقال المسلمون الذين مع الملك: الله أعلم بما لبثوا في الكهف، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا﴾ [الكهف:١٢]، أيّ الفريقين أحفظ لما لبثوا. (٧) المراد بالمسلمين النصارى، وإنّما سمّاهم ابن عباس مسلمين؛ لأنّهم لم يكونوا يقولون

стр. 1058

في عيسى قول النصارى. ١١ - ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ:﴾ ختما عليها بما يمنعها النوم السمع (١). ١٢ - وهذا النوم ﴿أَمَداً:﴾ غاية، نصب على التفسير ﴿لِما لَبِثُوا.﴾ ١٣ - ﴿وَزِدْناهُمْ﴾ (١٩٩ ظ) ﴿هُدىً:﴾ أي: هدايتهم، أي: هداية قومهم الاعتراف بالصانع، وهدايتهم توحيد الصانع إذا كانوا على مجلس يحويهم. ١٤ - ﴿شَطَطاً:﴾ جورا. ١٦ - ﴿وَما يَعْبُدُونَ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب المتّصل بالاعتزال، والاستثناء على سبيل المجاز؛ لأنّ المشركين كانوا يعبدون الله على سبيل المجاز بما يظهرون من الخضوع كما يعبدون أوثانهم، وإن كانت عادتهم في الحقيقة تقع معصية بمخالفتهم الأمر. ١٧ - ﴿تَتَزاوَرُ:﴾ تمايل (٢) وتزايل. ﴿تَقْرِضُهُمْ:﴾ تحدوهم، يقال: حدوته وقرضته ذات اليمين. ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ:﴾ فرجة من الكهف. ١٨ - ﴿أَيْقاظاً:﴾ جمع يقظ، وهو المتنبّه. ﴿وَهُمْ رُقُودٌ:﴾ جمع راقد، وهو النّائم. ﴿ذِراعَيْهِ:﴾ ذراع اسم يشتمل على الكفّ إلى المرفق. ﴿بِالْوَصِيدِ:﴾ فناء البيت عند العتبة. وفائدة ذكر الكلب: بقاؤه في تلك المدّة على تلك الحال من جملة الآيات، فصار كالحمار والبقرة (٣) المذكورين في سورة البقرة (٤)، أو ذكر الكلب كان موجودا في قصّتهم عند أهل الكتاب كعدّة الملائكة تسعة عشر. ﴿فِراراً:﴾ هربا، نصب على التفسير. ﴿رُعْباً:﴾ نصب على أنّه مفعول ثان (٥)، ألبسهم الله المهابة؛ كيلا يدنو منهم أحد.

стр. 1059

١٩ - ﴿بِوَرِقِكُمْ:﴾ دراهمكم. ﴿أَيُّها:﴾ أيّ الأطعمة. ﴿أَزْكى:﴾ أطهر وأنظف. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ:﴾ وليتكلّف اللطف في القول والعمل؛ كيلا نفتضح. ٢٢ - ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ:﴾ الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄: أنّ حبري أهل نجران، وهما السيد والعاقب، قدما بمن معهما على رسول الله ﷺ ، فكان السيد مار يعقوبيا، والعاقب نسطوريا، فسألهم نبيّ الله عن عدد أصحاب الكهف؟ فقال السيد وأصحابه: ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب: خمسة سادسهم كلبهم. (١) ﴿رَجْماً:﴾ ظنّا. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ ولا علم لهم به. فلمّا رأى الله ذلك منهم قال لنبيّه ﵇: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.﴾ ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ:﴾ قال ابن عباس: أنا من جملة (٢٠٠ و) أولئك القليل الذي استثنى الله منهم، فهم ثمانية: سبعة سوى الكلب. (٢) والواو في ﴿وَثامِنُهُمْ﴾ للاستئناف، كما في قصة بلقيس ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]. ﴿مِراءً ظاهِراً:﴾ جدالا على وجه يشترك فيه الخاصّ والعامّ. والنهي عن الاستفتاء (٣) منهم؛ لقطع الجدال (٤). ٢٣ - ﴿وَلا تَقُولَنَّ﴾ (٥): نهي للنبيّ ﵇ حين قال: أخبركم غدا الأشياء الثلاثة التي ذكرناها في بني إسرائيل، وكان الوحي قد احتبس لذلك. وفي الآية رد على القدرية، وهي متّصلة بما يليها. ٢٤ - ﴿وَاُذْكُرْ:﴾ الاستثناء بمشيئة الله. ﴿إِذا نَسِيتَ:﴾ الاستثناء والتوقيت من مجاز الكلام، والمراد به الشرط، والحال يدلّ عليه،

стр. 1060

فإنّ الذكر والنسيان لا يجتمعان في وقت واحد (١)، والتقدير فيه: إن نسيت الاستثناء عند القول فاستثن عقيب قولك. ﴿عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ (٢): يدلّني إلى ما يكون أقرب إلى الصواب من قولهم. ٢٥ - ﴿وَاِزْدَادُوا تِسْعاً:﴾ قيل: ازدادوا [في] تلبّثهم تسع ليال. وقيل: تسع سنين. (٣) وقيل: لم يلبثوا إلا ثلاث مئة سنة، ولكنّ الناس ازداودوا عليها تسعا في الاحصاء. (٤) والمرويّ عن ابن عباس ﵄: تسع سنين. (٥) ٢٦ - ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ:﴾ صورته صورة الأمر، والمراد به التعجّب، أي: ما أبصره، وهو جامد، يجري مجرى الحروف. ٢٧ - ﴿مُلْتَحَداً:﴾ معدلا وملجأ. ٢٨ - ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ:﴾ نزلت فيمن نزلت [فيهم] (٦) آيات الأنعام (٧)، وفيها زيادة إنعام، وهي نهي العينين عن أن يجاوزاهم إلى غيرهم من أبناء الدنيا. وفي ذلك دلالة على كونهم شهداء رسول الله. وقيل: عينيه في الأرض بعد اتّصافه ليلة المعراج بقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ الآية [النجم:١٦]، ولم يستحقّوا هذه الرتبة إلاّ بعد ما طاشت لدينهم ودنياهم، وتلاشت نفوسهم في محيّاهم. ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا:﴾ ردّ على القدرية، وهي في شأن أبي جهل وأمثاله. ﴿فُرُطاً:﴾ ضائعا منها ونابه. أبو عبيدة: ندما. (٨) وقيل: (٢٠٠ ظ) سرفا. (٩) ٢٩ - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ المأمور بالقول لهم هم الذين أمّلوا (١٠) رسول الله

стр. 1061

الإيمان به إن أعرض [عن] (١) الفقراء، كقوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. و (السّرادق): الحائط من المدر والوبر. ﴿يُغاثُوا:﴾ على سبيل المجاز لازدواج الكلام. و (المهل): ذائب الرصاص والصفر ونحوهما. وقيل: هي درديّ (٢) الزيت. (٣) وقيل: الصديد. (٤) ﴿وَساءَتْ مُرْتَفَقاً:﴾ أي: ساءت النار مرتفقا (٥). ٣١ - ﴿مِنْ أَساوِرَ:﴾ من صلة أو تبعيض، و ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ من للتجنيس. ﴿أَساوِرَ﴾ جمع إسورة، وإسورة: جمع سوار (٦)، والسّوار: القلب، وهو زينة الذراعين. ﴿مِنْ سُنْدُسٍ:﴾ رقيق الديباج. ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ:﴾ غليظه. ﴿الْأَرائِكِ:﴾ جمع أريكة. ثعلب: هي السرير في الحجلة. (٧) الأزهريّ: كلّ ما اتكأت عليه. ٣٢ - ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ:﴾ كانا من بني إسرائيل، وكانا أخوين، اسم أحدهما يهوذا، واسم الآخر يوقطروس، وكان أحدهما مسلما، والآخر كافرا، وقد ورثا من أبيهما مالا، فأمّا المؤمن فأنفق حصّته في سبيل الله حتى افتقر، وأمّا الكافر فاشترى بحصّته الضياع والكراع (٨) والمتاع حتى كثر ماله، وحسنت حاله، وافتقر أخوه إلى نفقته، فتعرّض له، وكان من قصته (٩) ما نطق به الكتاب. (١٠)

стр. 1062

﴿وَحَفَفْناهُما:﴾ أي: أحدقنا بهما. ٣٣ - كلا وكلتا: اسمان موحّدان في اللّفظ، ومعناهما التّثنية، وألفهما كألف على (١) وإلى، ويكون خبرهما (٢) منفردا (٣)، والمعنى: كلّ واحد، أو كلّ واحدة منهما كذا وكذا. ٣٤ - ﴿يُحاوِرُهُ:﴾ يراجعه في الكلام. (النّفر): الخول والولد دون العشيرة، وأنّهما كانا في العشيرة سواء. ٣٥ - ﴿أَنْ تَبِيدَ:﴾ تهلك، قاله حماقة وغفلة، أو اعتقادا في الطوالع. وقيل: ﴿هذِهِ﴾ إشارة، وهذا أشبه بظاهر كلامه وإنكاره قيام الساعة. ٣٦ - ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً:﴾ طمع الخبيث في خير مع كفره بقيام الساعة؛ لاعتقاده بأنّ الساعة إن كانت حقّا فسيشفع له (٤) شركاؤه الذين يدعوهم من دون الله، أو لاعتقاده بأنّ ابتغاء مرضاة الله في عمارة العالم، وتثمير الأموال دون الإيمان والإحسان. (٢٠١ و) ٣٧ - ﴿أَكَفَرْتَ:﴾ هذا حكم بالكفر، وأنكر عليه لإنكاره خراب الدنيا، والتحوّل إلى العقبى، ويحتمل: أنّه لم يحكم به، ولكن استفهم، واستعلمه أهو كافر حيث رآه ينكر البعث والنشور، ولا يعترف بأنّ النعمة من الله إن شاء أسبلها (٥). ٣٨ - ﴿هُوَ اللهُ (٦)﴾ رَبِّي: ضمير الأمر والبيان. اسم الله تعالى في محلّ الرفع على سبيل الابتداء، واسم الله كالبدل منه، أو كالبيان به. وقيل: هو ضمير الأمر والشأن. (٧) ٣٩ - ﴿ما شاءَ اللهُ:﴾ مبتدأ، أي: ما شاء الله كان. وقيل: خبر، أي: هذه ما شاء الله. (٨) ﴿إِنْ تَرَنِ:﴾ شرط لقوله: ﴿ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ (٩)؛ لأنّ رؤية المجالس الفقير داعية إلى الشكر والاعتبار.

стр. 1063

﴿أَنَا:﴾ عماد. وقيل: توكيد لا محلّ له من الإعراب كالضمير المتّصل في قوله: ﴿وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:٤١]. (١) ٤٠ - ﴿حُسْباناً:﴾ ابن عرفة: عذابا. (٢) الأزهريّ: المرامي الصغار من برد أو حجارة أو نحوها. وحسبان: القسيّ معروفة. ﴿صَعِيداً زَلَقاً:﴾ مزلّة (٣) ملساء لا تثبت فيها قدم، يقال: زلق رأسه إذا حلق. ٤٢ - ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ:﴾ عبارة عن غاية التأسّف، كما أن صكّ الوجه عبارة عن غاية التعجّب. ٤٤ - ﴿هُنالِكَ:﴾ إشارة إلى الساعة التي أنكر الكافر قيامها، وهذه الإشارة يجوز أن تكون من جهة المؤمن، ويجوز أن تكون من جهة الله تعالى. ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَواباً:﴾ مثيب ومعقب، إثابة وإعقابا. و (العقب): العاقبة. ٤٥ - ﴿هَشِيماً:﴾ ما تكسّر وتفتّت من النبات بالدوس وغيره، والهشام الكسر. ﴿تَذْرُوهُ:﴾ أجزاؤه في الهواء بسرعة وتفريق. ٤٦ - إبراهيم في قوله: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ قال: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر. (٤) أبو هريرة، عنه ﵇: «لأنّ أقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلى الله والله أكبر أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس»، وقال: «هنّ الباقيات الصالحات». (٥) ابن عمر: أنّ النبيّ ﵇ خرج على قومه، فقال: «خذوا جنّتكم»، فقالوا (٦): يا رسول الله، من عدو حضر؟ قال: «بل من النار»، قالوا: وما جنّتنا من النار (٧)؟ قال: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، فإنّهنّ يأتين يوم القيامة مقدمات ومجنّبات ومعقّبات، وهنّ الباقيات الصالحات». (٨) وقيل: الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس. (٩)

стр. 1064

﴿أَمَلاً:﴾ طمعا. ٤٧ - ﴿وَيَوْمَ:﴾ واو العطف على قوله: ﴿وَاِضْرِبْ﴾ [الكهف:٤٥]، والتقدير: واذكر يوم كذا. ﴿نُسَيِّرُ الْجِبالَ:﴾ وتسييرها قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ. . .﴾ الآية [النمل:٨٨]، والمعنى فيه فسخ نظام الدنيا، وتسطيح العرصات، وتهويل الأمر، وما شاء الله من المعاني اللطيفة الخفيّة. عمرو بن دينار: لتسبيحة بحمد الله في صحيفة مؤمن يوم القيامة خير له من جبال الدنيا ذهبا. (١) ﴿فَلَمْ نُغادِرْ:﴾ أي: لم نترك، ولم نخلّف. ٤٨ - ﴿صَفًّا:﴾ مصدر كالاصطفاف. وقيل: اسم (٢)، وهو ترتّب بعض الأشياء بجنب بعض، والتشبيه بحيرتهم واشتغالهم بأنفسهم. ٤٩ - ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ:﴾ في أيديهم، أو في موازينهم. ﴿مُشْفِقِينَ:﴾ خائفين: (٢٠١ ظ) ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ:﴾ تعجّب. والاستثناء منقطع (٣). ٥١ - ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ:﴾ عائد إلى إبليس وذريّته، وإلى كلّ معبود عبد من دون الله. ﴿عَضُداً:﴾ معينا. ٥٢ - ﴿مَوْبِقاً:﴾ مهلكا، يقال: أوبقه، أي: أهلكه الله، والمراد به: الوصلة التي كانت بين المشركين وآلهتهم في الدنيا، أو النار يوم القيامة فيما بينهم يتهافتون فيها. ٥٣ - ﴿مُواقِعُوها:﴾ النار والبحر اقتحامها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ اسم جنس. ٥٤ - ﴿جَدَلاً:﴾ فالجدل طبيعة (٤) الإنس وإن تفاوتوا في ذلك، وقد وصف الله تعالى

стр. 1065

الصحابة بذلك، فقال: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ [الأنفال:٦]، قال ﵇: «ثلاثة أتخوّفهم عليكم: فيض المال فيكم، وزلّة عالم (١)، ورجال يجادلون بالقرآن، فالنجاة من فيض المال الشكر، والنجاة من زلّة العالم أن ينتظر فتنة ولا يعمل بزلّته، والنجاة من الذين يجادلون بالقرآن أن يعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه». (٢) ٥٥ - ﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ:﴾ قولهم: ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٤]. وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ:﴾ إلى أن يأتيهم العذاب، نظيره: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) [آل عمران:١٢٨]. ٥٦ - ﴿لِيُدْحِضُوا:﴾ ليزلّوا، أو ليزلقوا، ومكان دحض، أي: زلق مزلّة. ٥٨ - ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا:﴾ أي: لو لم يحلم عنهم، وضيّق عليهم الأمر. ﴿مَوْئِلاً:﴾ منجى. قيل لعليّ: هلاّ احترزت من ظهرك؟ قال: فإذا أمكنت من ظهرك، فلا وألت. (٤) ٥٩ - ﴿وَتِلْكَ:﴾ إشارة إلى القريات التي ذكر إهلاكها في القرآن، ومن جملتها جنّة أحد الرجلين. ﴿مَوْعِداً:﴾ وقتا موقّتا لآجالهم عند الله تعالى. عن ابن عباس: أنّه تمارى هو والحرّ بن قيس بن [حصن الفزاريّ (٥) في صاحب موسى، قال ابن عباس: هو خضر، فمرّ بهما] (٦) أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إنّي تماريت وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله يذكر شأنه؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ قام إليه رجل فقال: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى (٧)، عبدنا خضر (٨)، فسأل موسى السبيل إليه، فجعل له الحوت آية، وقيل: إذا فقدت الحوت

стр. 1066

فارجع، فإنّك ستلقاه، فكان يتبع أثر الحوت، فقال فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، قال له موسى: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً فَوَجَدا﴾ [الكهف:٦٤ - ٦٥]، فكان من شأنهما الذي قصّ الله في كتابه. (١) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إنّ نوفا البكاليّ يزعم أنّ موسى صاحب بني إسرائيل ليس بموسى صاحب الخضر، قال: كذب عدوّ الله، سمعت أبيّ بن كعب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قام موسى خطيبا في بني إسرائيل فسئل أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، (٢٠٢ و) فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أنّ عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى ﵇: أي ربّ، فكيف لي به؟ فقال: احمل حوتا في مكتل (٢)، فحيث تفقد الحوت فهو ثمّ، فانطلق هو، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، فجعل موسى حوتا في مكتل، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتى أتيا الصخرة، فرقد موسى وفتاه، فاضطرب الحوت في المكتل حتى خرج من المكتل (٣)، فسقط في البحر، فقال: وأمسك عنه جرية الماء حتى كان مثل الطّاق، فكان للحوت ولموسى وفتاه عجبا، فانطلقا بقيّة يومهما وليلتهما، ونسي صاحب موسى أن يخبر، فلمّا أصبح ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢]، قال: ولم ينصب موسى حتى جاوز المكان الذي أمر به، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ [الكهف:٦٣]، قال موسى: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ (٤)﴾ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً [الكهف:٦٤]، قال: يقصّان آثارهما، فقال سفيان: يزعم ناس أنّ تلك الصخرة عندها عين الحياة (٥)، لا يصيب ماؤها شيئا إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلمّا قطر عليه الماء عاش، قال: فقفيا آثارهما حتى أتيا الصخرة، فرأى (٦) رجلا مسجى عليه بثوب، فسلّم موسى، فقال: أنّي بأرضك السّلام، قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى إنّك على علم من الله علّمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم

стр. 1067

من الله علّمنيه الله لا تعلمه (١)، فقال موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (٧٠) [الكهف:٦٦ - ٧٠]، قال: نعم، فانطلق الخضر وموسى ﵉ يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينة، فكلماهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول، فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه، قال موسى: قوم حملونا بغير نول فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا، ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ (٧٣) [الكهف:٧٢ - ٧٣]، ثم خرجا من السفينة، فبينا (٢) هما يمشيان على الساحل إذا غلام يلعب مع الصبيان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ (٢٠٢ ظ) ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (٧٥) [الكهف:٧٤ - ٧٥]، قال: وهذه أشدّ من الأولى (٣)، ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٦ - ٧٧] يقول: مائل، قال الخضر بيده هكذا فأقامه، قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيّفونا، ولم يطعمونا، ولو شئت لاتّخذت عليه أجرا، ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨]، قال رسول الله ﷺ : رحم الله موسى، لوددنا أنّه كان (٤) صبر حتى يقصّ علينا من أخبارهم. وقال رسول الله ﷺ : الأولى كانت (٥) من موسى نسيانا. قال: وجاء (٦) عصفور حتى وقع على حرف السفينة، ثمّ نقر في البحر، فقال له الخضر ﵇: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر. (٧) وذكر الكلبيّ هذا الحديث عن أبي صالح، عن ابن عباس

стр. 1068

موقوفا عليه، وذكر أنّ مجمع البحرين بحر فارس والروم، وذكر فيه عين الحياة، وذكر أنّ الخضر ﵇ قال لموسى حين التفت إليه: وعليك السّلام يا نبيّ بني إسرائيل، فقال موسى: ومن أخبرك بأنّي نبيّ بني إسرائيل؟ قال له الخضر: أخبر بذلك الذي أخبرك بي، فعرف موسى عند ذلك أنّ الخضر كان أعلم منه، وذكر بعد خرق السفينة: جلس موسى ﵇ يقول في نفسه: ما كنت أصنع؟ إن أتبع هذا الرجل يظلم هؤلاء القوم، وينقب سفينتهم، كنت في بني إسرائيل أقرأ عليهم كتاب الله غدوة وعشيّة، يقبلون منّي، فتركت ذلك، وصحبت هذا الذي يظلم هؤلاء، قال: فلمّا خرقها، وأخرج أهل السفينة متاعهم الجد، قال الخضر لموسى: حدّثتك نفسك بكذا وكذا، ثمّ رجعنا إلى تفسير الآية. ٦٠ - ﴿حُقُباً﴾ (١): ابن عرفة: دهرا أو زمانا طويلا. (٢) الأزهريّ في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ [النبأ:٢٣]: جمع حقب، وهو ثمانون سنة. (٣) صاحب الديوان: الحقبة واحده (٤) الحقب، وهي السنون. (٥) ٦١ - ﴿سَرَباً:﴾ مسلكا الذي يواري (٦) ما يخفيه. ٦٢ - ﴿غَداءَنا:﴾ طعام الغداة. ٦٣ - ﴿الصَّخْرَةِ:﴾ الكتلة العظيمة من الحجر. ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ:﴾ أي: ذكر أمر الحوت أنّه عاد حيّا، وتسرّب في الماء. وإنّما أسند الإنساء إلى الشيطان لكون النسيان سبب فوات المقصد الذي خرجا إليه. و ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ:﴾ بدل عن الضمير في ﴿أَنْسانِيهُ،﴾ وتقديره: أن أذكره لك. ﴿وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ:﴾ خبر منه لموسى ﵇. (٢٠٣ و) ٦٥ - ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا:﴾ أي: النبوّة، يقول تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢]. وفيه دليل على نبوّة الخضر ﵇، واختصاصه بأيّام مخصوصة. ٦٦ - ﴿أَتَّبِعُكَ:﴾ أصحبك.

стр. 1069

٦٨ - ﴿خُبْراً:﴾ علما. ٦٩ - ﴿إِنْ شاءَ اللهُ:﴾ الاستثناء لمعنيين: أحدهما: أنّه سنة الأنبياء والأولياء في مواعيدهم. والثاني: وقوع التوهّم بأنّ طاعته عسى أن تكون طاعة لله تعالى، وأن تكون معصية، فإذا دخل الاستثناء نفي (١) الوعد حالة الموافقة، وانتفى حالة المضايقة. ٧٠ - ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً:﴾ أي: حيث ابتدأنا ذكرا منه. ٧١ - ﴿إِمْراً:﴾ شيئا عجبا مكروها كالداهية. ٧٣ - ﴿بِما نَسِيتُ:﴾ ابن عباس، عن أبيّ بن كعب: لم ينس موسى، ولكنّه من معاريض الكلام. (٢) والمراد بالنسيان المثبت فيما تقدم موضع النسيان، والمراد بالنسيان (٣) المنفيّ هاهنا حقيقة النسيان. ﴿لا تُرْهِقْنِي:﴾ لا تعجلني. ﴿عُسْراً:﴾ نصب لقيامه مقام المصدر. ٧٤ - ﴿غُلاماً فَقَتَلَهُ:﴾ ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا. (٤) والجمع بين هذا وبين قوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة» (٥)، أنّ المراد بكفر الغلام كفر النّعمة، لا كفر الديانة، وخبث الطبيعة الراجعة إلى الكفر بعد حين. و (النّكر): ضدّ العرف. ٧٧ - ﴿أَهْلَ قَرْيَةٍ:﴾ أنطاكيّة. ﴿فِيها جِداراً:﴾ بناء على القواعد. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ:﴾ من مجاز الكلام، أي: يكاد الله أن يسقطه. والانقضاض: سقوط في انكسار. (٦) ٧٨ - قال الخضر: ﴿هذا﴾ أي: وقت فراق.

стр. 1070

٧٩ - ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ:﴾ الكلبيّ: اسم الملك جلندا. (١) وقيل: إن أولاد (٢) آمد ميا فارقين من أصله، وهم الأكراد. وقيل: كان هذا الملك بأنطاكيّة، وكان عربيّا، واسمه المنذر بن جليد الأزديّ. ٨٠ - ﴿فَخَشِينا:﴾ علمنا. ٨١ - ﴿رُحْماً:﴾ قال الكلبيّ: فولدت أمّ الغلام لأبيه جارية، تزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له ولدا (٣) هدى الله به أمّة من الأمم. (٤) ٨٢ - ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما:﴾ ابن عباس: كان صحف علم ليس بذهب ولا فضة. (٥) وكان فيه مكتوب (٦): عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها؟ وعنه قال: كان لوحا (٧) من ذهب فيه بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله أحمد رسول الله، عجبت لمن يعلم أنّه ميّت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يرى الدنيا وتصرّف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئنّ إليها. وعن المسيّب، عمّن حدّثه قال: لمّا فارق الخضر موسى ﵇ أوصاه، فقال: انتزع، يا موسى، عن (٨) اللّجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعيّر (٩) الخاطئين بخطاياهم، وابك (٢٠٣ ظ) على خطيئتك يا ابن عمران. (١٠) ولفقراء (١١) الله تعالى إشارة لطيفة إلى علمهم المختصّ بهم في مراتب خطاب الخضر ﵇. قالوا: كأنّه خاطب موسى ﵇ أوّل مرّة من عندانيّة نفسه التي هي الحجاب، فقال: أردت أن أعيبها، وذلك لكراهية إسناد العيب (١٢) إلى الله تعالى، ولإيناس (١٣) المستمع

стр. 1071

بالمجانسة، وكأنّه خاطبه ثانيا من عندانيّة روحه التي هي درجة الاستناد في الإيهام والاتحاد، فقال: أردنا، وذلك لاستدراج المستمع إلى المقصود، وكأنّه خاطبه ثالثا من عند الآنيّة التي لا أينية لها، وهي عين التوحيد، وحقيقة التفريد، ثمّ كأنّه ردّ إلى موقف الحجاب بقوله: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً،﴾ وأنما ردّه إلى موقف الحجاب للإبقاء عليه حتى يبلغ الكتاب أجله. ٨٣ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ:﴾ عن عقبة بن عامر (١) قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ ، فخرجت من عنده، فوجدت ناسا من أهل الكتاب معهم كتب ومصاحف، قالوا: استأذن لنا على محمد رسول الله، قال: فدخلت، فأخبرته بمكانهم، قال: «ما لي ولهم يسألونني عمّا لا أعلم، وإنّما أنا عبد لا أعلم شيئا إلاّ ما علّمني ربّي، أبغني وضوءا»، فتوضّأ، ثمّ دخل في مصلّى بيته، فصلّى ركعتين، فلم ينصرف حتى رأيت البشر في وجهه، فقال: «اخرج إليهم، فأذن لهم، وانظر من كان بالباب من أصحابي، فأدخله»، فلمّا دخلوا قال: «إن شئتم أنبأتكم بالذي جئتم له، وإن شئتم سألتموني فأخبركم»، قالوا: بل أخبرنا لأيّ شيء جئنا؟ وعن أيّ شيء نسألك؟ قال: «جئتموني تسألونني عن ذي القرنين، وكيف كان أوّل شأنه؟ فقال: وسأخبركم (٢) ما تجدونه في كتابكم إن شاء الله، إنّه غلام من الروم، فأتى ساحلا من سواحل مصر، فبنى له مدينة، يقال لها: الاسكندرية، فلمّا فرغ من بنائه بعث الله إليه ملكا، فرفعه إلى السماء، فقال له: انظر ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي قد اختلطت في المدائن، قال: ثم رفعه (٣)، فقال: انظر ما ترى؟ قال: أرى مدينتي وحدها، ولا أرى غيرها، قال: هذه التي ترى الدنيا، والمدير بها البحر الأخضر، قيل له: فاذهب فحدّث العالم، وعلم الجاهل، قد جعل الله لك سلطانا، فانطلق حتى أتى مغرب الشمس، وأتى مطلعها، وأتى الدين، وهو جبلان زلقان يزلّ عنهما كلّ شيء، فبناهما، ثمّ أتى يأجوج ومأجوج (٤)، ثمّ جاوزهما، فأتى على قوم قصار يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثمّ جاوزهم، فوجد أمّة من الغرانيق (٥) يقاتلون القوم الذي وجوههم على وجوه الكلاب، ثمّ جاوزهم، فوجد أمّة من الحيّات، الحيّة الواحدة تلتقم الصخرة العظيمة، ثمّ جاوزها حتى انتهى إلى البحر المستدير بالدنيا. فقالوا: نشهد (٢٠٤ و) أنّا نجده هكذا. (٦)

стр. 1072

قال: كان قد وقع السؤال عن الروح والكهف وذي القرنين، وقد وقع بمكة على ما قدمنا (١). والآيات فيها مكيّة، وهذا سؤالهم بالمدينة ثانيا. والاسكندر هو ذو القرنين الثاني، قال عمر بن الخطاب: هو ملك من الملائكة. (٢) وقيل: متولّد بين عبري، وهو ملك، وبين قبريّ، وهي إنسيّة. وزعم المجوس: أنّه دارا بن بهمن بن أسفنديارين بنت قيلقوس. (٣) وزعمت النصارى: أنّه من صلب قيلقوس، لا عرق للمجوس فيه. وهذا أصحّ. وذو القرنين الأوّل هو فريدون الذي يسمّى النمرود. وقيل: الضحاك. واختلف في الخضر ﵇ أنّه على مقدمة أيّهما كان حين وجد ماء الحيوان، وإنّما سمّي ذو القرنين الأوّل بذلك؛ لأنّه عاش، وامتدّ عمره حتى هلك قرن مع ابنه ابرح، وقرن مع ابنه منو شهرا، أو لأنّه بنى حصنين في (٤) الدنيا، والحصون تسمّى قرونا وصياصي، أو لأنّه ملّك ابنه توس على المشرق، وابنه سلما على المغرب، فهما من الناس بمنزلة قرني ذوات القرون، أو لحديث الحيّتين على منكبيّ الضحاك. وإنّما سمّي الثاني بذلك لانتهائه إلى قرني المعمورة، وهما (٥) طرفاها من مطلع الشمس عليها إلى مغربها، أو لطول حميتها على رأسها. وذكر الطحاويّ (٦) في كتاب مشكل الأخبار (٧)، عن أبي الطفيل (٨) قال: قام عليّ على المنبر فقال: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام إليه ابن الكوّاء (٩)، فقال: ما كان ذو القرنين، أملكا كان أم نبيّا؟ قال: لم يكن ملكا ولا نبيّا، ولكنّه كان عبدا صالحا، أحبّ الله، فأحبّه، وناصح الله فناصحه، ضرب على قرنه الأيمن فمات، ثمّ بعثه الله، وضرب على قرنه الأيسر فمات، وفيكم مثله. وأراد بالقرن جانب الرأس. ٨٥ - ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً:﴾ السبب: العلم الذي يوصل به إلى الشيء.

стр. 1073

(١) نهاية المعمورة من نحو الدبور متياسرة إلى الشمال. ٨٦ - ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ:﴾ موضع من البحر المستدير، سخن ماؤه من أسن، وكثر فيه الحمأ من حرارة الشمس. قيل: غروبها في العين الحمئة الحقيقية. (٢) وقيل: مجاز وتمثيل. (٣) ﴿قُلْنا:﴾ بالإلهام. وقيل: هتف به هاتف بأمر الله تعالى. ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ:﴾ تمكين من الاختيار على الاختبار والابتلاء. ٨٨ - ﴿سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً:﴾ من جهته يسرا قولا ميسورا يسكن بذلك، ويذهب رعبه. ٩٠ - ﴿مَطْلِعَ الشَّمْسِ:﴾ نهاية (٤) المعمورة من نحو الصّبا متيامنة إلى الجنوب. ٩١ - ﴿كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا:﴾ أي: هي كما نقصّه عليك، أو بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها، أو لم يكن لهم من دونها سترا، كما لم يكن لأهل المغرب. (٢٠٤ ظ) ٩٤ - ﴿قالُوا:﴾ أي: على لسان التّرجمان. ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ:﴾ اسمان أعجميان كطالوت وجالوت وهاروت وماروت وهؤلاء القوم. وهذا الفجّ الذي سدّه ذو القرنين من نحو القطب الظاهر المحسوس الذي يسمّى قطب الشمال، وبلادهم باردة، وفيها جبال شامخة. ٩٥ - ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ:﴾ دليل على امتناعه عن أخذ الجعل. ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ:﴾ بالآلات والرجال (٥). ﴿رَدْماً:﴾ حاجزا. (٦) ٩٦ - ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ:﴾ قطع واحدتها زبرة. ﴿جَعَلَهُ ناراً:﴾ أي: كالنار بالإيقاد عليه. ﴿قِطْراً:﴾ نحاسا مذابا.

стр. 1074

٩٧ - ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ:﴾ يعلوه. ﴿نَقْباً:﴾ تقبا وخرقا. زعم ابن المقنع: أنّ الاسكندر كتب على السدّ بسم الله الأعز الأكرم، بني هذا السدّ بقوة الله، وسيثبت (١) ما شاء الله، فإذا مضى مئة وستون من الألف الأخيرة انفتح هذا السدّ (٢)، وذلك عند كثرة الخطايا والذنوب، تقطّع الأرحام، وقساوة القلوب، فيخرج من الأمم ما لا يحصيهم إلا الله تعالى، فيبلغون مغرب الشمس، فيأكلون جميع ما يصلون إليه حتى يفيضوا إلى الحشيش وورق الشجر، ويشربون جميع المياه حتى لا يدعوا حياة، فإذا بلغوا أرض كذا هلكوا عن آخرهم بإذن الله وأمره. عن أبي هريرة، عنه ﵇ في السّدّ قال: يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كانوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقون غدا، قال: فيعيده (٣) كأشدّ ما كان حتى إذا بلغ مدّتهم، وأراد الله (٤) أن يبعثهم على الناس، قال الذي عليهم: ارجعوا، ستخرقون غدا إن شاء الله، واستثنى، فيرجعون، فيجدونه كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، فيخرجون على الناس، فينشّفون المياه، ويفرّ الناس منهم، فيرمون سهامهم في السماء، فترجع مخضّبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض، وعلونا من في السماء قسوة وعلوّا، قال: فيبعث الله نغفا (٥) في أقفائهم، فيهلكون، قال: فو الذي نفس محمد بيده، إنّ دوابّ الأرض لتسمن، وتبطر، وتسكر سكرا من لحومهم. (٦) قال كعب: يمكث الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج إلى الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى الرجلين ليحملان الرمّانة الواحدة، ويحملان العنقود الواحد من العنب، فيمكثون على ذلك عشر سنين، قال: ثمّ بعث الله تعالى ريحا طيّبة لا تدع مؤمنا إلا قبضت روحه، ثمّ يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون كما تتهارج الحمر في المروج، فيأتيهم أمر الله والساعة، وهم على ذلك. (٧) ٩٩ - ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ:﴾ أراد الزمان. وقيل: بوصول يوم القيامة، فإنّ صدره من الدنيا، وأعجازه من الآخرة. (٨)

стр. 1075

١٠٠ - ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ:﴾ في معنى قوله (٢٠٥ و) ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء:٩١]. ١٠١ - ﴿فِي غِطاءٍ:﴾ وهو ما يستر الشيء كالغشاوة ونحوها. ﴿عَنْ ذِكْرِي:﴾ وهو ما نصبه الله تعالى من العلامات للتذكرة، أراد نفي الاستطاعة التي هي موقوفة على التوفيق دون الاستطاعة التي هي موقوفة على صحة البنية. ١٠٣ - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ:﴾ قال الكلبيّ: الخطاب للمؤمنين، والذي ضلّ سعيهم هم اليهود والنصارى. (١) وقيل: الخطاب لهم كما في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ﴾ [المائدة:٦٠]. (٢) وفائدة الاستفهام استدراج المستمعين. ١٠٤ - ﴿ضَلَّ:﴾ حبط عند الله، أو عند المؤمنين وفي الآخرة. ﴿سَعْيُهُمْ:﴾ الذي سعوه في الحياة الدنيا، وكان عليّ ﵁ يتأوّل هذه الآية في الخوارج. (٣) ١٠٥ - ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً:﴾ أراد نفي السعي المتّزن. عن كعب بن عجرة (٤) قال: يجاء بالرجل يوم القيامة، فيوزن بالحبّة فلا يزنها، ثمّ يوزن بجناح بعوضة فلا يزنها، ثمّ تلا هذه الآية. (٥) ١٠٦ - ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى النزل، فهو مبتدأ وخبره. وقيل: ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدم، أي: اعلم ذلك، ويكون ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ مبتدأ منقطعا عما تقدم. (٦) ١٠٧ - ﴿جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ:﴾ الفردوس: البستان بلغة الشام. قال الكلبيّ: الفردوس: أدنى الجنان منزلا. وزاد أبو حاتم أحمد بن حمدان (٧) صاحب كتاب الزينة: أنّ طعام أهل

стр. 1076

الفردوس رأس الثور الذي عليه الأرض، وكبد النّون (١)، فذلك مقيل المؤمنين يوم القيامة، كما قال: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان:٢٤]. أبو أمامة الباهليّ (٢): أنّ الفردوس سرّة الجنة. (٣) وعن كعب: أنّها التي فيها الأعناب. (٤) ١٠٨ - ﴿حِوَلاً:﴾ تحوّلا (٥) وانتقالا، ولا وصف لطيب المكان أبلغ من نفي ابتغاء التحول عن نازلته، فإنّ الإنسان يسأم الحياة، فكيف بما دونها. ١٠٩ - ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً:﴾ قال الكلبيّ: نزلت في اليهود حيث أنكروا على رسول الله ﷺ قوله: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. (٦) والمداد والمدد: مصدران على سعة علمه، وقلّة علوم العالمين في جنب علمه (٧). ١١٠ - ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ:﴾ قيل: جاء رجل إلى النبيّ ﵇ فقال: يا رسول الله، إنّي لأصلّي (٨) وأصوم، وأتصدّق وأصنع المعروف، وأنا والله أحبّ أن أذكر بذلك، قال: فسكت النبيّ ﵇، فنزلت: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ. . .﴾ الآية، قال: فأرسل النبيّ ﵇ إلى الرجل، فتلاها عليه. (٩) قال: وكان أصحاب النبيّ ﵇ يقولون: ما نزلت إلا في الرياء (١٠). وعن سهل بن سعد الساعديّ (١١) قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن نيّته خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيّته، وكلّ يعمل على نيّته، وليس من مؤمن يعمل عملا إلا سار في قلبه سورتان، فإن كانت الأولى لله، فلا تهدينّه (١٢) الآخرة» (١٣).

стр. 1077

وعن أبي (١) سعد بن أبي فضالة (٢٠٥ ظ) الأنصاريّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد (٢): من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه عند غير الله، فإنّ الله أغنى الشركاء عن الشريك». (٣) قال البراء بن عازب (٤): بينما رجل يقرأ سورة الكهف إذا رأى دابّته تركض، فنظر فإذا مثل الغمامة أو السحابة (٥)، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال ﵇: «تلك السّكينة نزلت مع القرآن، أو نزلت على القرآن». (٦) وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّه أوحي إليّ من قال: ﴿فَمَنْ (٧)﴾ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً كان له نور من عدن أبين (٨) إلى مكة حشوه الملائكة». (٩)

стр. 1078

سورة مريم مكية. (١) وهي ثمان (٢) وتسعون آية في غير عدد أهل مكة وإسماعيل. والله أعلم بذلك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿كهيعص:﴾ ابن عباس: هذه الحروف ثناء أثنى الله بها على نفسه، قال: كاف هاد عليّ صادق. (٣) وروي عن ابن عباس: كاف من كريم (٤)، وها من هاد، ويا من أمين، وعين من عليم، وصاد من صادق. (٥) وعن سعيد بن جبير قال: كاف هاد أمين (٦) عالم صادق. (٧) قال الأمير: ويحتمل كفيناك هديناك يمنّاك (٨) علّمناك صدّقناك، أو عصمناك، وأصلحناك. ويحتمل: أنّه يتّصل بما بعده، والتقدير: كتابنا هدانا بها العالم الصادق. ٢ و٣ - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾. . . ﴿نِداءً خَفِيًّا:﴾ (٩) قال ﵇: «خير الدّعاء الخفيّ، وخير الرزق ما يكفي». (١٠) ٤ - ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ:﴾ شبّه بياض الشعر باشتعال (١١) الفتيلة (١٢). ﴿بِدُعائِكَ:﴾ بعبادتك. ﴿شَقِيًّا:﴾ وإنّما قال ذلك لأحد معان (١٣) أربعة: إما لنفي ما أصابه من وهن العظم، وشيب الرأس أن يكون أصابه لمقاساته شدّة العبادة، واحتماله أعباءها كما في نبيّنا ﵇

стр. 1079

﴿طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ (٢) [طه:١ - ٢]، وإما لنفي الخيبة عن نفسه، فإنّ الخائب هو الشقيّ، فكأنّه يقول: لم أكن بسبب عبادتي إيّاك، وإيماني بك خائبا من لطائف (١) صنعك، وإمّا لنفي الكفر عن نفسه، فكأنّه يقول: لم أكن بعبادتك وتوحيدك كافرا، فأنا متوسّل بذلك إليك، وإمّا لنفي الحرمان عن نفسه، فكأنه يقول: لم أكن في عبادتك محروما، فإنّك وفّقتني لها، ويسّرتها عليّ لأستأهل إجابة الدعوة منك. ٥ - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ:﴾ أن ينقرضوا، فإنّهم قد خفّوا وقلّوا، وأراد بنو الأعمام دون ذوي الأرحام. ﴿يَرِثُنِي:﴾ العلم والكتاب، فإنّ الأنبياء ﵈ لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنّما ورّثوا العلم، فمن أخذ العلم فقد أخذ بحظ وافر. (٢) ويحتمل: أنّه أراد رتبة الحبورة، وشرف النبوّة (٢٠٦ و) فإنّهما يختصّان بأهل بيت النبيّ ﵇، ويحتمل: أنّه أراد النبوّة بعينها، أي: اجعله اللهمّ وارثا نبوّتي. ﴿رَضِيًّا:﴾ مرضيّ السيرة في حبورته وشرفه بخلاف الأحبار الذين يرتشون، ويحرّفون، ويبدّلون، وبخلاف الأشراف الذين يتعاطون (٣) ما يحطّ من شرفهم، أو (٤) اجعله نبيّا يرتضيه (٥) الناس، فيؤمنوا به. ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ:﴾ يسير غير ممتنع. ٩ - وفي قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ دلالة على أنّ حقيقة اسم الشيء غير منطلق على الموهوم في حدّ الليسيّة، وأنّ المعدوم غير كمين. وفيها ردّ على المعتزلة والدهريّة. ١٠ - ﴿سَوِيًّا:﴾ تماما. ١٢ - ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ:﴾ أي: التوراة والزبور، والوحي المختصّ بيحيى ﵇. والمراد ب ﴿الْحُكْمَ﴾ حكم التوراة والزبور. ويحتمل: حكم انصياع (٦) التائبين على يديه

стр. 1080

بماء الأردنّ، واستغفاره لهم. ١٣ - ﴿وَحَناناً:﴾ عطفا ورحمة ورزقا وبركة، تقول العرب: حنانك، وحنانيك ربّنا. ١٤ - ﴿عَصِيًّا:﴾ نعت من العصيان على وزن فعيل. ١٥ - ﴿سَلامٌ:﴾ مرتفع بالابتداء. أراد (١) التحية والدعاء، وذلك من الله تعالى إيجاب، فسلامة الميلاد في إحكام الفطرة، وسلامة الموت في إتمام الفطرة، وسلامة البعث في ختام الفطرة، فمن استحكمت طبيعته بحبّ الإيمان والإحسان، وكراهة الفسوق والعصيان، ومات ووصيّته هذا، بعث (٢) مبيضّ الوجه، مشروح الجنان، قال: ﴿وَسَلامٌ (٣)﴾ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. ١٦ - ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ:﴾ اعتزلت وجلست نبذة منهم. ﴿مَكاناً:﴾ موضع الكون. ﴿شَرْقِيًّا:﴾ ما يلي الشمس عند طلوعها. قال ابن عباس: لّما (٤) بلغت مريم سنّة النساء في الحيض كانت تكون في بيتها في المسجد، قال: فبينما مريم في مشرفة لها في ناحية الدار بينها وبين أهلها حجاب، يعني: سترا، لتتطهّر وتمتشط، إذ دخل عليها جبريل ﵇ فتشبّه لها بشرا سويّا في صورة شابّ لم ينتقص (٥)، فدنا منها، وأنكرت مكان الرجل في ذلك المكان، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ﴾ [مريم:١٨] أرادت التذكير والتحذير (٦)، ألا ترى شرطت التقوى ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] مطيعا لله، قال لها جبريل ﵇: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩]، قالت (٧) مريم لجبريل (٨) ﵇: يا سيّدي (٩)، أنّى يكون لي ولد ولم يقربني زوج، ولم أك فاجرة؟ قال لها جبريل: ﴿كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم:٢١]، أي: خلقه عليّ يسير، ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم:٢١] في ولادته من غير أب، ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]،

стр. 1081

كائنا، فاطمأنّت مريم إلى قوله، فدنا منها فمدّ جيبها بأصبعه، ثمّ نفخ في جيبها، فوصلت تلك النفخة إلى بطنها، فحملت بعيسى ﵇. ٢٢ - ﴿فَحَمَلَتْهُ:﴾ اختلف في مدّة الحمل، فقيل: يوم واحد. (١) وقيل: ثمانية أشهر. (٢) وقيل: تسعة (٣) أشهر. (٤) ﴿مَكاناً قَصِيًّا:﴾ هو أقصى دار خالتها. وقيل: موضع مجهول لا يعلم بها زكريّا. وقيل: ناصرة (٥) دمشق. (٢٠٦ ظ) وقيل: مصر. ٢٣ - ﴿فَأَجاءَهَا:﴾ تعدية من المجيء. ﴿الْمَخاضُ﴾ (٦): تمخّض الولد في بطن أمّه، وهو تحركه للخروج. ﴿جِذْعِ النَّخْلَةِ:﴾ ساقها، أراد جذعا يابسا (٧). وإنّما قالت ذلك (٨) لكراهتها الطبيعيّة المشقّة والأذى، لا لكراهتها الاعتقادية الكرامة والعلى. ٢٤ - ﴿فَناداها﴾ (٩): جبريل، كان واقفا في أسفل الربوة. وقيل: المنادي عليها عيسى ﵇. (١٠) وهو الأشبه بظاهر [الآية] (١١)، ويمكن الجمع، فقال: ناداها جبريل من لسان عيسى.

стр. 1082

و (السّريّ): الجدول يسري فيه الماء. وقال الحسن: الولد النجيب، يقال (١) [البحر الكامل]: ابن السّريّ إذا سرى أسراهما ٢٥ - ﴿وَهُزِّي﴾ (٢): حرّكي. ﴿بِجِذْعِ:﴾ الباء مقحمة كهي (٣) في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون:٢٠]. ﴿رُطَباً﴾ (٤): يصير تمرا بالجفاف. و ﴿جَنِيًّا﴾ (٥): مجتنى. ٢٦ - ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ (٦): أي: طيبي نفسا، نصب على التفسير؛ لأنّ (٧) الفعل في الحقيقة لها. ﴿لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ (٨): صمتا؛ لأنّه إمساك. وقوله: ﴿فَقُولِي (٩)﴾ إِنِّي (١٠) فالإشارة أوقع نفسك بحيث يسمعونه (١١) من غير مخاطبتك إيّاهم. ٢٧ - ﴿شَيْئاً فَرِيًّا:﴾ أمرا عظيما مستعظما. وقيل: أمرا عجبا. (١٢) وفي الحديث: «ما رأيت عبقريّا يفري فريه». (١٣) ٢٨ - ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ (١٤): قال الكلبيّ: أراد بهارون أخوها من أبيها. (١٥) عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا لي: ألستم تقرؤون ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ بين موسى وعيسى وما كان، فلم أدر ما أجيبهم، فرجعت إلى النبيّ ﵇ فأخبرته، فقال:

стр. 1083

«ألا أخبرتهم أنّهم كانوا يتسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم». (١) ﴿أُمُّكِ بَغِيًّا:﴾ مساعية بالفاحشة والبغاء، والمساعاة بها من كان حالة الوجود دون ما مضى. ٢٩ - و (الإشارة): الإيماء، وهو النصّ بالدلالة على مشاهد، أو ما يقوم مقامه. ﴿فِي الْمَهْدِ:﴾ حالة المهد. وقيل: مهد في صخرة في بيت اللحم. ٣١ - ﴿وَأَوْصانِي (٢)﴾ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ (٣) أي: الدعاء والصدقة. ويجوز أن يكون المراد بهما العبادتين المشروعتين على شريطة الإمكان. ٣٢ - ﴿وَبَرًّا:﴾ عطف على قوله: ﴿مُبارَكاً﴾ (٤) [مريم:٣١]. عن أمّ سلمة (٥) زوج النبيّ ﵇ قالت: لّما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا خير جار، أمنّا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤدّى، ولا نسمع شيئا نكرهه حتى قدم عبد الله بن أبي ربيعة (٦) وعمرو بن العاص (٧)، فلم يبق بطريق، بطريق وبطارقة (٨)، إلا وأوصلا إليه هديّة من جهة قريش، وقالا له: إنّه قد ضوى (٩) إلى الملك، غلمان سفهاء، فارقوا دين (١٠) قومهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، فإذا كلّمنا الملك فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلّمهم، فإنّ قومهم أعلى بهم عينا (١١)، وأعلم بما كانوا عليه، فضمنت البطارقة لهما ذلك، ثمّ إنّهما دخلا على النجاشيّ، وقرّبا إليه (١٢) هداياه، فقبلها، ثمّ كلّماه، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيّها الملك، سلّمهم إليهم ليردّوهم إلى قومهم، قالت أمّ سلمة:

стр. 1084

فغضب النجاشيّ، فقال: لا (١) هايم الله، إذا لا أسلّمهم إليهم، (٣٠٧ و) ولا أكاد حتى أدعوهم، فإنّهم جيراني، وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كان كما يقولون أسلمتهم، وإن كان غير ذلك منعتهم، وأحسنت جوارهم ما جاوروني، ثمّ أرسل إلى أصحاب النبيّ ﵇، فدعاهم، وقد جمع أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، فلمّا جاءهم رسوله يدعوهم احتمطوا، فقال بعضهم لبعض: ما نقول للرجل؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به، كائن ما هو كائن، فلمّا جاؤوه قال: ما هذا الدين الذي فارقتم منه (٢) قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في أحد من أهل الملل (٣)، قالت: وقد كانوا قدّموا جعفر بن أبي طالب يكلّمه، فكان الذي ولي كلامه، فقال: أيّها الملك، إنّا كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونستقسم بالأزلام، فكنّا على ذلك حتى بعث الله (٤) إلينا رسولا منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه (٥)، قال النجاشيّ: من أيّكم هو؟ قال جعفر: هو ابن عمّي أخي أبي، ثمّ دعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ولا نشرك به شيئا، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، وأمرنا بالصلاة والصدقة (٦) والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، فآمنّا به، واتّبعناه على ما جاء به من عند الله، وعبدنا الله وحده لا شريك له، وحرّمنا ما حرّم الله علينا، وأحللنا ما أحلّ الله لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردّونا (٧) إلى عبادة الأوثان، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث، فلمّا قهرونا، وحالوا بيننا وبين ديننا (٨) خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك، أيّها الملك (٩)، قال: فاقرأ عليّ، فقرأ عليه: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، قالت: فبكى النجاشيّ، والله، حتى اخضلّ لحيته، وبكى أساقفته حتى اخضلّوا مصاحفهم حين سمعوا ما يتلى عليهم، قال النجاشيّ: إنّ مخرج هذا الأمر لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى بن عمران، انطلقا فلا والله لا أسلّمهما إليكما، ولا أكاد، فخرجوا من عنده، فقال عمرو بن العاص: والله لآتيه غدا بما

стр. 1085

أستأصل به خضراءهم (١)، قالت: فقال ابن ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإنّ لهم أرحاما، وإن خالفونا، فقال: والله لأخبرنّه أنّهم يقولون: إنّ (٢) عيسى بن مريم عبد، قالت: ثمّ غدا عليه الغد، فقال: أيّها الملك، إنّهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل إليهم، فسألهم ما تقولون فيه؟ قالت: فأرسل إلينا، قالت: ولم ينزل مثلها، قالت: فاجتمع القوم، وقال بعضهم لبعض: ماذا نقول في عيسى إن سألنا؟ فقالوا: نقول فيه الذي جاءنا به نبيّنا من عند الله (٣)، كائن ما هو كائن، فلمّا دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ قال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبيّنا (٢٠٧ ظ) من عند الله، هو رسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، قالت (٤): فضرب يده إلى الأرض، فأخذ منها عودا، قال: ما عدا ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال (٥) فقال النجاشيّ: وإن نخرتم (٦) والله، ثمّ قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم سيوم، والسّيوم الآمنون بلغتهم، من سبّكم غرّم، يقولها ثلاثا. ثمّ ذكرت (٧) الحديث. (٨) ٣٧ - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ:﴾ أي: من جهة ذات بينهم من غير برهان. ٣٨ - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ:﴾ في معنى قوله: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]. ٣٩ - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ:﴾ عن أبي سعيد الخدريّ قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: «يؤتى بالموت (٩) كأنّه كبش أملح حتى يوقف على السور بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنّة، فيشرئبّون (١٠)، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبّون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضجع، فيذبح، فلولا أنّ الله تعالى قضى لأهل الجنّة الحياة والبقاء لماتوا فرحا، ولولا أنّ الله تعالى قضى لأهل النار الحياة والبقاء لماتوا ترحا». (١١)

стр. 1086

٤٢ - ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ:﴾ فيه بيان غاية القبح والاستحالة، وليس فيه ما يدلّ على جواز عبادة ما يسمع ويبصر. وقوله: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ يدلّ على امتناع جواز عبادة كلّ من هو دون الله. ٤٣ - ﴿يا أَبَتِ إِنِّي (١)﴾ قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ: فيه محافظة الأدب من وجهين: أحدهما: التبرؤ من الحول والقوّة لوجه الله تعالى. والثاني: ترك التفضّل على أبيه من ذات نفسه. ﴿فَاتَّبِعْنِي:﴾ اقتد بي في طلب الحقّ، أو في الاستدلال، أو في ترك عبادة ما ظهر قبح عبادته. ﴿أَهْدِكَ:﴾ بعد المتابعة. ﴿صِراطاً سَوِيًّا:﴾ عين الحقّ والمدلول، وهو ما يحسن عبادته. ٤٤ - ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ:﴾ إنّما نهاه لأنّ الشيطان يتصوّر للمشركين بصور آلهتهم، فيكلّمهم فيها، فترجع عبادتهم في الحقيقة إليه. ٤٥ - ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ:﴾ إنّما خاف أن ينزل عليه العذاب، ولم يتيقّن بذلك؛ لرجائه له الإسلام، وإنّما لم يكن أنّه وليّ الشيطان في الحال لإرجائه أمره إلى الله تعالى كيف يختم عليه فإنّما الأعمال بالخواتيم؟ ٤٦ - ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ:﴾ أراد القذف والطرد والإبعاد. وقيل: الرجم بالحجارة. (٢) ﴿مَلِيًّا:﴾ زمانا طويلا، ومنه قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٣]، وقولهم: الملوان وملواه (٣) من الدهر. وقيل: ﴿مَلِيًّا:﴾ تباعد عني بلغة إبراهيم. ٤٧ - ﴿قالَ سَلامٌ:﴾ أراد الصفح به والمتاركة، وقد سبق جواز استغفار المشركين، وكيفيّته. ﴿حَفِيًّا:﴾ بارّا وصولا. وقيل: عالما، أي: أنّ الله تعالى عالم بهمّتي فيك. (٤) ٤٩ - ﴿وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ:﴾ إنّما تأخّر ذكر إسماعيل لكون بني إسرائيل [مقصودون] (٥) بهذا الخطاب.

стр. 1087

٥٠ - ﴿مِنْ رَحْمَتِنا:﴾ من قائم مقام الاسم، تقديره: (٢٠٨ و) شيئا من رحمتنا، أي: نعمتنا. ﴿لِسانَ صِدْقٍ:﴾ ثناء حسنا من جهة الله تعالى وملائكته وأوليائه وأهل الكتاب أجمعين. ﴿عَلِيًّا:﴾ رفيعا شريفا. ٥١ - ﴿كانَ مُخْلَصاً:﴾ لتخليص (١) الله إيّاه من القتل والغرق، وضلالة فرعون، وجناية القبطيّ. و ﴿رَسُولاً نَبِيًّا:﴾ على التقديم والتأخير، لاعتبار نظم الآي، ومعناه: أنّه كان نبيا مرسلا. ٥٢ - ﴿الْأَيْمَنِ:﴾ نعت الجانب. ﴿وَقَرَّبْناهُ:﴾ بالكرامة. عن عطاء بن السائب (٢)، عن ميسرة (٣) قال: قرّبه الله وأدناه حتى سمع صرير القلم الذي يكتب له الألواح، (٤) إنّما داخل في جملة المرسلين لقوله تعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧]. ٥٤ - ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ:﴾ قيل: أراد به أشمول (٥) بن هلفانا الذي قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً﴾ [البقرة:٢٤٧]؛ لأنّه ذكر بعد موسى وهارون. وهذا لا يصحّ؛ لأنّه قد ذكر بعد يحيى وعيسى وإدريس بعد هؤلاء أجمعين، لأنّ الواو للجمع لا للترتيب، وهو إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وإنّما اختصّ بصفة صدق الوعد لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] عند من جعله الذبيح (٦).

стр. 1088

وعن ابن عباس قال: كان ميعاده الذي واعد فيه صاحبه، فانتظر حتى حال عليه الحول. (١) ٥٦ - ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ:﴾ هو أبو جد نوح ﵉، واسمه أخنوخ (٢). وقيل: أنوخ. وسمّي إدريس لكثرة ما يدرس كتب الله وسنن الإسلام، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أوّل من خطّ بالقلم (٣)، ونظر في علم النجوم والحساب (٤)، وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكان من قبله يلبسون الجلود (٥)، واستجاب له ألف إنسان ممّن كان يدعوهم، فلمّا رفعه الله اختلفوا بعده، وأحدثوا الأحداث إلى زمن نوح ﵇، ورفعه وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة. عن الكلبيّ، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله: «أنّ إدريس جدّ أبي نوح، وكان أهل الأرض بعضهم يومئذ كافرا، وبعضهم مؤمنا، وكان يصعد لإدريس من العمل مثل ما يصعد لجميع (٦) بني آدم، فأحبّه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في خلّته، فأذن له، فهبط إليه في صورة غير صورته، صورة آدميّ مثله لكيلا يعرفه (٧)، فقال: يا إدريس، إنّي أحبّ أن أصحبك، وأكون معك، فقال له إدريس: إنّك لا تطيق ذلك، قال: بلى، أرجو أن يقويني الله على ذلك، فكان معه يصحبه (٨)، فكان إدريس يسيح النهار كلّه صائما، فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمشي، فيفطر عليه، ثمّ يحيي الليل كلّه، قال: فساحا النهار كلّه صائمين حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه، فجلس يفطر، فدعا الآخر، فقال: والذي جعلك بشرا لا أشتهيه، فطعم إدريس، ثمّ استقبل الليل كلّه بالصلاة، فإدريس تناله الفترة والسآمة من الليل، والآخر لا يسأم، فجعل إدريس (٢٠٨ ظ) يتعجّب منه، ثمّ أصبحا صائمين، فساحا حتى إذا أجنّهما من الليل، أتى إدريس رزقه، فجعل يطعم، ودعا الآخر، فقال: لا، والذي جعلك بشرا لا (٩) أشتهيه، فطعم إدريس، ثمّ استقبل الليل كلّه بالصلاة، فإدريس تناله السآمة والفترة، والآخر لا يسأم ولا يفتر،

стр. 1089

فجعل إدريس يتعجّب منه، ثمّ أصبحا يوم الثالث صائمين، فساحا، فمرّا على كرم قد أينع وطاب (١)، فقال: يا إدريس، لو أخذنا من الكرم فأكلنا، قال له إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا لأشتري منه، وإنّي لأكره أن آخذ بغير ثمن، قال: فمضيا على مراعي غنم، فقال: يا إدريس، لو أخذنا من هذا الغنم شاة، فأكلنا من لحمها، قال له إدريس: فما أرى صاحبها فأشتري منه، وإنّي لأكره أن آخذ شيئا بغير ثمن، وإنّك معي منذ ثلاثة أيّام ما تطعم شيئا، لو كنت لطعمت، وإنّي لأدعوك إلى الحلال كلّ ليلة، فتأباه، فكيف تدعوني إلى الحرام (٢)، فيملح ما بيني وبينك؟ ألا نبّأتني من أنت؟ قال: إنك ستعلم، قال: لتخبرنّي من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، والملح في كلام العرب هي الصحبة، قال: ففزع حيث قال: أنا ملك الموت، قال: فإنّي أسالك حاجة، فقال: وما هي؟ قال: تذيقني الموت، قال: ما إليّ من ذلك شيء، وليس لك بدّ من أن تذوقه، قال: بلى، فإنّه قد بلغني عنه شدّة، فلعلّي أعلم ما شدّته، فأكون له أشدّ استعدادا، وأكثر له عملا وحذرا، قال: فأوحى الله إليه أن يقبض روحه ساعة ثمّ يرسله، قال: فقبض نفسه ساعة، ثمّ أرسله، فقال: كيف رأيت؟ قال: لقد بلغني عنه شدّة، ولقد كان أشدّ ممّا بلغني منه، قال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكنّك سألتني فأحببت أن أسعفك، قال: فإنّي أسالك حاجة أخرى، قال: ما هي؟ قال: أحبّ أن تريني النار، قال: ما إليّ من ذلك شيء، ولكنّي سأطلب، فإن قدرت عليه، ففعلت، فبسط جناحه، فحمله عليه حتى صعد به إلى السماء، فانتهى إلى باب من أبواب النار، فدقّه، فقيل له: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت، قالوا: مرحبا بأمين الله، هل أمرت فينا بشيء؟ قال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، هذا إدريس استأذنت الله في خلته، فأذن لي، فسألني أن أريه النار، فأحبّ أن تروها إيّاه، قال: ففتح منها شيء، قال: فجاءت بأمر عظيم، وخرّ إدريس مغشيا عليه، قال: فحمله ملك الموت، فأجلسه في ناحية حتى أفاق، وقد ذبل واصفرّ، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكنّك سألتني فأحببت أن (٢٠٩ و) أسعفك، قال: فإنّي أسألك حاجة غيرها، قال: ما هي؟ قال: أحبّ أن تريني الجنّة، قال: ما إليّ من ذلك شيء، ولكني سأطلب، فإن قدرت عليه فعلت، فانطلق به إلى خزنة الجنّة، فدقّ بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت، قالوا: مرحبا بأمين الله، هل أمرت فينا بشيء؟ قال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنّة، فأحبّ أن تروها إيّاه، قال: ففتح له الباب، فدخل فيها، فنظر إلى

стр. 1090

شيء لم ينظر إلى مثله، فطاف فيها ساعة، ثمّ قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج (١)، قال: فينطلق (٢) إلى شجرة، فيتعلّق بها، ثمّ يقول (٣): والله لا أخرج حتى يكون الله هو يخرجني، قال له ملك الموت: إنّه ليس بحينها ولا زمانها، وإنّما طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا، فأبى (٤)، قال: فقيّض الله له ملكا من الملائكة، قال له ملك الموت: اجعل هذا الملك بيني وبينك، قال: نعم، قال: ما تقول يا ملك الموت؟ قال: أقول: إنّي استأذنت الله في خلّة إدريس، فأذن لي، فهبطت، فكنت معه حينا، ثمّ سألني أن أذيقه الموت، فأذقته، فأصابه من شدّته، ثمّ سألني أن أريه النار، فأري، فأصابه من شدّتها، ثمّ سألني أن أريه الجنة، فطلبت له، فأري، فدخلها، وإنّه أبى أن يخرج، فأخبرته أنّه ليس بحينها ولا زمانها، قال: ما تقول يا إدريس؟ قال: أقول: إنّ الله تعالى قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقد ذقته، ويقول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم:٧١]، أي: النار، وقد وردتها، ويقول الله لأهل الجنة: ﴿وَما هُمْ مِنْها (٥)﴾ بِمُخْرَجِينَ [الحجر:٤٨]، فو الله لا أخرج منها أبدا حتى يكون الله يخرجني منها، فسمع هاتفا من فوقه: بأمري دخل، وبأمري فعل، فخلّ سبيله، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.﴾ وعن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: إنّ إدريس كان يصعد له من العمل كلّ يوم مثل ما يصعد لجميع (٦) الناس، فطلب ملك الموت إلى ربّه، فهبط إليه، قال: فلمّا كلّمه إدريس، قال: اصعد بي إلى السماء، فأصعده (٧) معه، فلما انتهى إلى السماء السادسة مرّ به ملك، فقال الملك لملك الموت: أين تريد؟ قد بعث إلى رجل من بني آدم أن تقبض روحه في السماء السادسة، فالتفت إلى إدريس، وقبض روحه في السماء السادسة. ويجوز أن يكون المراد ب (المكان العليّ): الرتبة العليّة. ٥٨ - ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ:﴾ وجده شيث وإدريس. ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ:﴾ ابنه الأكبر (٢٠٩ ظ) سام، والأنبياء من ذريّة سام: هود وصالح وشعيب ولوط وأيوب، والله أعلم بغيره من المحمولين كيافث وحام وغيرهما.
следующие страницы →