← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

٤٢ - ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ:﴾ فيه بيان غاية القبح والاستحالة، وليس فيه ما يدلّ على جواز عبادة ما يسمع ويبصر. وقوله: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ يدلّ على امتناع جواز عبادة كلّ من هو دون الله. ٤٣ - ﴿يا أَبَتِ إِنِّي (١)﴾ قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ: فيه محافظة الأدب من وجهين: أحدهما: التبرؤ من الحول والقوّة لوجه الله تعالى. والثاني: ترك التفضّل على أبيه من ذات نفسه. ﴿فَاتَّبِعْنِي:﴾ اقتد بي في طلب الحقّ، أو في الاستدلال، أو في ترك عبادة ما ظهر قبح عبادته. ﴿أَهْدِكَ:﴾ بعد المتابعة. ﴿صِراطاً سَوِيًّا:﴾ عين الحقّ والمدلول، وهو ما يحسن عبادته. ٤٤ - ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ:﴾ إنّما نهاه لأنّ الشيطان يتصوّر للمشركين بصور آلهتهم، فيكلّمهم فيها، فترجع عبادتهم في الحقيقة إليه. ٤٥ - ﴿يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ:﴾ إنّما خاف أن ينزل عليه العذاب، ولم يتيقّن بذلك؛ لرجائه له الإسلام، وإنّما لم يكن أنّه وليّ الشيطان في الحال لإرجائه أمره إلى الله تعالى كيف يختم عليه فإنّما الأعمال بالخواتيم؟ ٤٦ - ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ:﴾ أراد القذف والطرد والإبعاد. وقيل: الرجم بالحجارة. (٢) ﴿مَلِيًّا:﴾ زمانا طويلا، ومنه قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٣]، وقولهم: الملوان وملواه (٣) من الدهر. وقيل: ﴿مَلِيًّا:﴾ تباعد عني بلغة إبراهيم. ٤٧ - ﴿قالَ سَلامٌ:﴾ أراد الصفح به والمتاركة، وقد سبق جواز استغفار المشركين، وكيفيّته. ﴿حَفِيًّا:﴾ بارّا وصولا. وقيل: عالما، أي: أنّ الله تعالى عالم بهمّتي فيك. (٤) ٤٩ - ﴿وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ:﴾ إنّما تأخّر ذكر إسماعيل لكون بني إسرائيل [مقصودون] (٥) بهذا الخطاب.

стр. 1087

٥٠ - ﴿مِنْ رَحْمَتِنا:﴾ من قائم مقام الاسم، تقديره: (٢٠٨ و) شيئا من رحمتنا، أي: نعمتنا. ﴿لِسانَ صِدْقٍ:﴾ ثناء حسنا من جهة الله تعالى وملائكته وأوليائه وأهل الكتاب أجمعين. ﴿عَلِيًّا:﴾ رفيعا شريفا. ٥١ - ﴿كانَ مُخْلَصاً:﴾ لتخليص (١) الله إيّاه من القتل والغرق، وضلالة فرعون، وجناية القبطيّ. و ﴿رَسُولاً نَبِيًّا:﴾ على التقديم والتأخير، لاعتبار نظم الآي، ومعناه: أنّه كان نبيا مرسلا. ٥٢ - ﴿الْأَيْمَنِ:﴾ نعت الجانب. ﴿وَقَرَّبْناهُ:﴾ بالكرامة. عن عطاء بن السائب (٢)، عن ميسرة (٣) قال: قرّبه الله وأدناه حتى سمع صرير القلم الذي يكتب له الألواح، (٤) إنّما داخل في جملة المرسلين لقوله تعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧]. ٥٤ - ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ:﴾ قيل: أراد به أشمول (٥) بن هلفانا الذي قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً﴾ [البقرة:٢٤٧]؛ لأنّه ذكر بعد موسى وهارون. وهذا لا يصحّ؛ لأنّه قد ذكر بعد يحيى وعيسى وإدريس بعد هؤلاء أجمعين، لأنّ الواو للجمع لا للترتيب، وهو إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وإنّما اختصّ بصفة صدق الوعد لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] عند من جعله الذبيح (٦).

стр. 1088

وعن ابن عباس قال: كان ميعاده الذي واعد فيه صاحبه، فانتظر حتى حال عليه الحول. (١) ٥٦ - ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ:﴾ هو أبو جد نوح ﵉، واسمه أخنوخ (٢). وقيل: أنوخ. وسمّي إدريس لكثرة ما يدرس كتب الله وسنن الإسلام، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أوّل من خطّ بالقلم (٣)، ونظر في علم النجوم والحساب (٤)، وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكان من قبله يلبسون الجلود (٥)، واستجاب له ألف إنسان ممّن كان يدعوهم، فلمّا رفعه الله اختلفوا بعده، وأحدثوا الأحداث إلى زمن نوح ﵇، ورفعه وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة. عن الكلبيّ، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله: «أنّ إدريس جدّ أبي نوح، وكان أهل الأرض بعضهم يومئذ كافرا، وبعضهم مؤمنا، وكان يصعد لإدريس من العمل مثل ما يصعد لجميع (٦) بني آدم، فأحبّه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في خلّته، فأذن له، فهبط إليه في صورة غير صورته، صورة آدميّ مثله لكيلا يعرفه (٧)، فقال: يا إدريس، إنّي أحبّ أن أصحبك، وأكون معك، فقال له إدريس: إنّك لا تطيق ذلك، قال: بلى، أرجو أن يقويني الله على ذلك، فكان معه يصحبه (٨)، فكان إدريس يسيح النهار كلّه صائما، فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمشي، فيفطر عليه، ثمّ يحيي الليل كلّه، قال: فساحا النهار كلّه صائمين حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه، فجلس يفطر، فدعا الآخر، فقال: والذي جعلك بشرا لا أشتهيه، فطعم إدريس، ثمّ استقبل الليل كلّه بالصلاة، فإدريس تناله الفترة والسآمة من الليل، والآخر لا يسأم، فجعل إدريس (٢٠٨ ظ) يتعجّب منه، ثمّ أصبحا صائمين، فساحا حتى إذا أجنّهما من الليل، أتى إدريس رزقه، فجعل يطعم، ودعا الآخر، فقال: لا، والذي جعلك بشرا لا (٩) أشتهيه، فطعم إدريس، ثمّ استقبل الليل كلّه بالصلاة، فإدريس تناله السآمة والفترة، والآخر لا يسأم ولا يفتر،

стр. 1089

فجعل إدريس يتعجّب منه، ثمّ أصبحا يوم الثالث صائمين، فساحا، فمرّا على كرم قد أينع وطاب (١)، فقال: يا إدريس، لو أخذنا من الكرم فأكلنا، قال له إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا لأشتري منه، وإنّي لأكره أن آخذ بغير ثمن، قال: فمضيا على مراعي غنم، فقال: يا إدريس، لو أخذنا من هذا الغنم شاة، فأكلنا من لحمها، قال له إدريس: فما أرى صاحبها فأشتري منه، وإنّي لأكره أن آخذ شيئا بغير ثمن، وإنّك معي منذ ثلاثة أيّام ما تطعم شيئا، لو كنت لطعمت، وإنّي لأدعوك إلى الحلال كلّ ليلة، فتأباه، فكيف تدعوني إلى الحرام (٢)، فيملح ما بيني وبينك؟ ألا نبّأتني من أنت؟ قال: إنك ستعلم، قال: لتخبرنّي من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، والملح في كلام العرب هي الصحبة، قال: ففزع حيث قال: أنا ملك الموت، قال: فإنّي أسالك حاجة، فقال: وما هي؟ قال: تذيقني الموت، قال: ما إليّ من ذلك شيء، وليس لك بدّ من أن تذوقه، قال: بلى، فإنّه قد بلغني عنه شدّة، فلعلّي أعلم ما شدّته، فأكون له أشدّ استعدادا، وأكثر له عملا وحذرا، قال: فأوحى الله إليه أن يقبض روحه ساعة ثمّ يرسله، قال: فقبض نفسه ساعة، ثمّ أرسله، فقال: كيف رأيت؟ قال: لقد بلغني عنه شدّة، ولقد كان أشدّ ممّا بلغني منه، قال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكنّك سألتني فأحببت أن أسعفك، قال: فإنّي أسالك حاجة أخرى، قال: ما هي؟ قال: أحبّ أن تريني النار، قال: ما إليّ من ذلك شيء، ولكنّي سأطلب، فإن قدرت عليه، ففعلت، فبسط جناحه، فحمله عليه حتى صعد به إلى السماء، فانتهى إلى باب من أبواب النار، فدقّه، فقيل له: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت، قالوا: مرحبا بأمين الله، هل أمرت فينا بشيء؟ قال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، هذا إدريس استأذنت الله في خلته، فأذن لي، فسألني أن أريه النار، فأحبّ أن تروها إيّاه، قال: ففتح منها شيء، قال: فجاءت بأمر عظيم، وخرّ إدريس مغشيا عليه، قال: فحمله ملك الموت، فأجلسه في ناحية حتى أفاق، وقد ذبل واصفرّ، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكنّك سألتني فأحببت أن (٢٠٩ و) أسعفك، قال: فإنّي أسألك حاجة غيرها، قال: ما هي؟ قال: أحبّ أن تريني الجنّة، قال: ما إليّ من ذلك شيء، ولكني سأطلب، فإن قدرت عليه فعلت، فانطلق به إلى خزنة الجنّة، فدقّ بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت، قالوا: مرحبا بأمين الله، هل أمرت فينا بشيء؟ قال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنّة، فأحبّ أن تروها إيّاه، قال: ففتح له الباب، فدخل فيها، فنظر إلى

стр. 1090

شيء لم ينظر إلى مثله، فطاف فيها ساعة، ثمّ قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج (١)، قال: فينطلق (٢) إلى شجرة، فيتعلّق بها، ثمّ يقول (٣): والله لا أخرج حتى يكون الله هو يخرجني، قال له ملك الموت: إنّه ليس بحينها ولا زمانها، وإنّما طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا، فأبى (٤)، قال: فقيّض الله له ملكا من الملائكة، قال له ملك الموت: اجعل هذا الملك بيني وبينك، قال: نعم، قال: ما تقول يا ملك الموت؟ قال: أقول: إنّي استأذنت الله في خلّة إدريس، فأذن لي، فهبطت، فكنت معه حينا، ثمّ سألني أن أذيقه الموت، فأذقته، فأصابه من شدّته، ثمّ سألني أن أريه النار، فأري، فأصابه من شدّتها، ثمّ سألني أن أريه الجنة، فطلبت له، فأري، فدخلها، وإنّه أبى أن يخرج، فأخبرته أنّه ليس بحينها ولا زمانها، قال: ما تقول يا إدريس؟ قال: أقول: إنّ الله تعالى قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقد ذقته، ويقول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم:٧١]، أي: النار، وقد وردتها، ويقول الله لأهل الجنة: ﴿وَما هُمْ مِنْها (٥)﴾ بِمُخْرَجِينَ [الحجر:٤٨]، فو الله لا أخرج منها أبدا حتى يكون الله يخرجني منها، فسمع هاتفا من فوقه: بأمري دخل، وبأمري فعل، فخلّ سبيله، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.﴾ وعن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: إنّ إدريس كان يصعد له من العمل كلّ يوم مثل ما يصعد لجميع (٦) الناس، فطلب ملك الموت إلى ربّه، فهبط إليه، قال: فلمّا كلّمه إدريس، قال: اصعد بي إلى السماء، فأصعده (٧) معه، فلما انتهى إلى السماء السادسة مرّ به ملك، فقال الملك لملك الموت: أين تريد؟ قد بعث إلى رجل من بني آدم أن تقبض روحه في السماء السادسة، فالتفت إلى إدريس، وقبض روحه في السماء السادسة. ويجوز أن يكون المراد ب (المكان العليّ): الرتبة العليّة. ٥٨ - ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ:﴾ وجده شيث وإدريس. ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ:﴾ ابنه الأكبر (٢٠٩ ظ) سام، والأنبياء من ذريّة سام: هود وصالح وشعيب ولوط وأيوب، والله أعلم بغيره من المحمولين كيافث وحام وغيرهما.

стр. 1091

﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ:﴾ إسماعيل وإسحاق ومحمد ﵈. وروي: خالد بن سنان أيضا. (١) و (٢) ومن ذريّة إسرائيل أنبياء بني إسرائيل. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا:﴾ ومن جملة هؤلاء الخضر إن لم يكن من ذريّة سام. ووصف سعيد بن المسيّب لقمان الحكيم بالنبوّة، وكان من ولد حام، فإنّه كان حبشيا، وهو روميّ، والروم من ولد يافث. وعن النبيّ ﵇ أنّه قال: «سام (٣) أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم». (٤) قال الأمير: وظنّي بجرجيس ﵇ أنّه من جملة هؤلاء، ولم يكن من بني إسرائيل. وزعم القتيبي (٥): أنّ الأنبياء كلّهم عربيّهم وعجميّهم من ولد سام بن نوح ﵇. قالوا: وفي قوله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا﴾ يجوز أنّ [الواو] (٦) للعطف على ذريّة آدم، أو على ذريّة المحمول مع نوح، أو على ذريّة إبراهيم وإسرائيل، ويجوز للاستئناف جملة، والتقدير: ممّن هدينا واجتبينا قوم. عن مجاهد قال: ما رأى إبليس أحدا ساجدا إلا التطم، ودعا بالويل، قال: أمر هذا بالسجود فسجد، فله (٧) الجنّة، وأمرت فلم أسجد فلي النار. وعن أبي هريرة، عنه ﵇ قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنّة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي (٨) النار». (٩) ٥٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ:﴾ الخلف ضدّ الخلف، يقال: خلف سوء، وخلف صدق.

стр. 1092

﴿أَضاعُوا الصَّلاةَ:﴾ اشتغلوا بما يلهي عنها من لعب ولهو. ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا:﴾ غيّهم الذي أسلفوه وقدّموه، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٨]. وقيل: الغيّ: اسم واد في جهنّم. (١) وقيل: مأخوذ من الغياية، وهي الظّلّة والسحابة. وعن كعب وأصحابه قال: صفة المنافقين: شاربون للقهوات، لعّانون (٢) بالكعبات، ركّابون للشهوات، تاركون للجماعات، راقدون عن العتمات، مفرّطون في الغدوات، ثم تلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ الآية [مريم:٥٩]. (٣) ٦١ - ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا:﴾ هو القول المفعول. وقيل: أراد الآتي. (٤) ٦٢ - ﴿إِلاّ سَلاماً:﴾ قيل: استثناء منقطع. (٥) وقيل: متّصل؛ لأنّ السّلام في دار السّلام من جنس اللغو؛ لأنّه كلام غير محتاج إليه بخلاف الحمد والتسبيح اللذين هما من أهل الإيمان بمنزلة التنفيس من الحيوان. (٦) ﴿بُكْرَةً:﴾ أي: ابتداء الحالة الممتدّة التي هي لملاقاة الإخوان. ﴿وَعَشِيًّا:﴾ الساعة التي هي قبيل الحالة الممتدّة، التي هي للخلوة مع النسوان. قال قتادة: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء يعجبه ذلك، فأخبرهم أنّ لهم في الجنّة (٢١٠ و) هذه الحالة التي تعجبهم في الدنيا. (٧) ٦٣ - ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ:﴾ خبر، ويجوز أنّها اسم جنس ولي اسم الإشارة، والخبر ما بعدها (٨)، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذه الجنة التي ذكرنا. ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا:﴾ والتقيّ ينطلق على كلّ مؤمن. ٦٤ - ﴿وَما نَتَنَزَّلُ:﴾ عن ابن عباس قال: قال النبيّ ﵇: «يا جبريل، مالك لا

стр. 1093

تزورنا أكثر ممّا تزورنا»، فأنزل الله. (١) قال الكلبيّ: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا:﴾ الآخرة، ﴿وَما خَلْفَنا:﴾ الدنيا. (٢) وقال الفراء: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا:﴾ الدنيا، ﴿وَما خَلْفَنا:﴾ الآخرة، ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ:﴾ ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة يلقّنها جبريل من الله تعالى. (٣) وقيل (٤): مقدّر في ابتدائها. (٥) ﴿نَسِيًّا:﴾ ناسيا، فكأنّ جبريل قال: لم ينسنا الله تعالى ولم ينسك، فلو شاء لأذن لنا في النزول إليك أكثر ممّا نتنزّل. ٦٥ - ﴿رَبُّ السَّماواتِ:﴾ أي: هو ربّ السماوات. وقيل: بدل من قوله: ﴿رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤]. (٦) ﴿وَاِصْطَبِرْ:﴾ افتعال من الصّبر. ﴿سَمِيًّا:﴾ مجانسا، وهذا يدلّ على أنّ الاسم الحقيقيّ معنى ذووي. ٦٦ - ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ:﴾ قال خبّاب: جئت العاص بن وائل السهميّ أتقاضى بمالي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﵇، فقلت: لا، حتى تموت ثمّ تبعث، فقال: وإنّي لميّت ثمّ مبعوث؟ قال: نعم، قال: إنّ لي هناك مالا أقتضيكه، فنزل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ الآية [مريم:٧٧]. (٧) وفي الآية دلالة على أنّ الآية في العاص. ﴿أَإِذا ما مِتُّ:﴾ ما: صلة، كقول امرؤ القيس (٨) [البحر الطويل]: إذا ما بكى من خلفها انصرفت. . . ٦٧ - ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ:﴾ نسيانه. ٦٨ - ﴿وَالشَّياطِينَ:﴾ جمع (٩) الشيطان.

стр. 1094

﴿جِثِيًّا:﴾ جلوسا على الركب، قربت من الجثوم. ٦٩ - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ:﴾ لنميزنّ. وقيل: لنقولنّ. ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا:﴾ فليخرج، ويحتمل: أيّهم كان أشدّ، ويحتمل: أشدّهم. فالأول: تخصيص الوصف بما مضى، والثاني: إخلاص الوصف للحال. ٧٠ - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ:﴾ علم الله تعالى الذي تفرّد به علم الأعيان، فأمّا علم الأوصاف فقد رزقنا حيث أخبر أنّ الكبائر (١) هي الموجبات للنار، فمن كاد يرتكب الكبائر كاد يصلى النار، ومن كان أقدم على اقتحام الفواحش كان أولى وقودا، ومن كان أشدّ إصرارا كان (٢) أحرى خلودا. ٧١ - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها:﴾ ابن عباس، عن كعب قال: ترفع جهنّم يوم القيامة كأنّها متن إهالة، وتستوي أقدام الخلائق، فينادي مناد (٣): أن خذي أصحابك ودعي أصحابي، فتخسف بهم، ولهي أعرف بهم من الوالدة بولدها، وتمرّ أولياء الله تندى ثيابهم. (٤) وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵇: (٢١٠ ظ) «يرد (٥) الناس النار، ثمّ يصدرون عنها بأعمالهم، فأوّلهم كلمح البرق، ثمّ كالريح، ثمّ كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثمّ كشدّ الرحل، ثمّ كمشيه». (٦) وعن عبد الله قال: الأرض نار كلّها يوم القيامة، والجنّة من ورائها، يرون كواعبها وأكوابها (٧)، والذي نفس عبد الله في يده، إنّ الرجل في الأرض يوم القيامة حتى يبلغ أنفه، ثمّ يرتفع، ثمّ يسوخ، وما مسّه الحساب، فقلنا: وبم ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ممّا يرى الناس يلقون. وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: إنّ للقيامة أحوالا وأهوالا وزلازل وشدائد وظلماء، إذا انشقّت السماء، وتناثرت النجوم، وذهب ضوء الشمس والقمر، وتقلّعت الأشجار، وتدكدك الاكام، وغارت العيون، ونصبت الموازين، ونشرت الدواوين، وجيء بجهنّم تقاد بسبعين ألف زمام من حديد، كلّ زمام (٨) أخذ به سبعون ألف ملك، كلّ ملك أعظم ما بين المشرق والمغرب، يجرّونها جرّا حتى إذا كانت من الموقف مسيرة مئة زفرت زفرة لا يبقى ملك مقرّب، ولا نبيّ

стр. 1095

مرسل إلا يخرّ جاثيا لركبتيه، ينادي على حياله: نفسي نفسي، ثمّ تزفر أخرى، فلا يبقى في عين أحد قطرة من الدموع إلاّ بدرت، ثمّ تزفر أخرى فتعلو بياض العيون سوادها، وتشخص الأبصار، فلا ينطق أحد، ولا يطرف، ولا يعقل، ثمّ يضرب الصراط على متن (١) جهنّم، طوله مسيرة ثلاثة آلاف سنة: ألف سنة صعود، وألف سنة هبوط، وألف سنة سهولة، بين حائطين من نار، عرض كلّ حائط مسيرة ثلاث ليال، على حافّتيه الزبانية، معهم الحسك والكلاليب، فقام رجل من الأزد، يقال له: جندب بن زهير (٢)، إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، إنّي لأرجع من عندك إلى منزلي فما تقرّ عيني في مال ولا ولد حتى أرجع، فأنظر إليك (٣)، فأنّى لي بك في غمار القيامة؟ قال: يا جندب، انظرني عند عقر حوضي، فإن لم تلقني، فانظرني في مقام الشفاعة، فإن لم تلقني فانظرني على شفير جهنّم والخلائق يمرّون، وأنا أنادي: يا ربّ سلّم سلّم، وجبريل ينادي: يا ربّ سلّم سلّم، وألف ألف وأربع مئة ألف نبيّ من ولد يعقوب ينادون: اللهمّ بشرف محمد سلّم، أي جندب بن زهير، فكم من مخدّش مرسل؟ وكم من مختطف هاو ومكردس في النار؟ وخزّان الجنّة على أبواب الجنّة معهم الحليّ والحلل والتيجان من ألوان الجوهر ينتظرون أولياء الله، ثمّ ذكر باقي الحديث، والجمع بين هذا الحديث وبين قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء:١٠٢]، يعني: لا يسمعون بعد دخول الجنّة، فأمّا ما قبله فالأمر على ما تضمّنه الحديث. ﴿حَتْماً مَقْضِيًّا:﴾ واجبا لازما، (٢١١ و) وإيجاب الله على نفسه مجاز، وحقيقة وجوب وعده، وتأكّد قضائه، وصدق قوله، وانبرام حكمه على وجه لا يليق بربوبيته غيره. وقيل: الورود غير الدخول، كقوله: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص:٢٣]. (٤) وعن أمّ مبشّر، امرأة زيد بن حارثة (٥) قالت: كان النبيّ ﵇ في بيت حفصة (٦) وقال: «لن يدخل النار، إن شاء الله، أحد (٧) شهد بدرا والحديبية»، فقالت: ألا تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾

стр. 1096

﴿إِلاّ وارِدُها. . .﴾ الآية، فقال: «ألا تسمعين ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ الآية [مريم:٧٢]». (١) وقيل: الورود: الدخول، وهي في حقّ الناجين جامدة. (٢) ٧٣ - ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا:﴾ ناديا، وهو المجلس الذي تشهده العشيرة والجيران، ويشبّه جدال هؤلاء المشركين بقول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١]، وقول أحد الرجلين في جنتّه: ﴿ما أَظُنُّ (٣)﴾ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً [الكهف:٣٥]، سبحان الله ما أجمعهم على وتيرة واحدة حتى كأنّهم تواصوا بها، أو تواطؤوا عليها مع بعد الديار، واختلاف الأعصار. ٧٥ - ﴿فَلْيَمْدُدْ:﴾ مجاز، فواجب على الله أن يمدّ له في الدنيا، وحقيقته ليظنّ له المدّ من قضاء الله وقدره، وهذه قريبة من قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ. . .﴾ الآية [الزخرف:٣٣]، وفي هذا المعنى قوله ﵇: «مثل المؤمن كالخامة من الزرع تمليها الرياح مرّة هاهنا، ومرّة هاهنا، ومثل المنافق كالأرزة المجدبة لا تحرّكها العواصف حتى يكون انجعافها مرّة». (٤) فالجمع بين هذه وبين قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا. . .﴾ الآية [المائدة:٦٦]، وقوله: ﴿اِسْتَغْفِرُوا (٥)﴾ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ. . . الآية [نوح:١٠ - ١١]، وهو قوله ﵇ لقريش وأمثالهم: «أدعوكم إلى كلمة تملكون بها العرب، ويذلّ لكم بها العجم». هو أنّ الضلالة قد تكون سببا لليسر مرّة والعسر أخرى، وكذلك الهدى ما دامت محنة الالتباس قائمة، وعزيمة الابتلاء باقية، فلا تناقض بين الأحاديث والآيات. ٧٦ - ﴿وَيَزِيدُ اللهُ:﴾ قال الكلبيّ وغيره: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اِهْتَدَوْا:﴾ بالمنسوخ، ﴿هُدىً:﴾ بالناسخ. (٦) ٧٨ - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ:﴾ قال الفرّاء: الاطلاع: البلوع، يقال: اطلعت هذه الأرض، أي: بلغتها.

стр. 1097

٧٩ - ﴿كَلاّ:﴾ إن دخلت على كلام فهو ردّ له بمنزلة بلى، وإن جاءت صدر الكلام فهي بمنزلة لا، وهي ردّ لموهوم ربّما ظهر بعده. ﴿نَمُدُّ لَهُ:﴾ نزيده. ﴿مِنَ الْعَذابِ مَدًّا:﴾ زيادة، وتلك (١) الزيادة لغلوّه في الضلالة. ٨٠ - ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ:﴾ معنى قول الكلبيّ: أنّ الله تعالى يحقّق قول الكافر: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾ [مريم:٧٧] بأن يجعل شيئا من أموال الجنّة وولدانها باسمه على شريطة الإيمان، ثمّ نرثه في ذلك عند عدم الشريطة، فيورّثه (٢١١ ظ) غيره، ويتركه يوم القيامة فردا. (٢) وقيل: إنّ الله تعالى يرث الكافر في قوله (٣) الباطل بعينه بأن يكتبه ويخلّده في كتابه، فهذا القول الباطل تركته، والله وارثه إلى أن يحاسبه بها بعد ما نسيها. ٨٢ - ﴿عَلَيْهِمْ ضِدًّا:﴾ مخالفا مناقضا. ٨٣ - ﴿أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ سلّطناهم، وقد يعبّر بالإرسال عن التسليط، قال الله تعالى: ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ [المطففين:٣٣]. ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا:﴾ تهزّهم نحو المعاصي هزّا (٤). ٨٤ - ﴿نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا:﴾ ساعات الأجل، ولحظات المهل لرفع الحيل، وقطع الأمل. ٨٥ - ﴿يَوْمَ:﴾ نصب ب ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ [مريم:٨٢]. ﴿وَفْداً:﴾ وهم الذين يفدون على الملك طمعا في برّه وإحسانه (٥). ٨٦ - ﴿وِرْداً:﴾ وهي الإبل العطاش التي ترد مواردها (٦). ٨٧ - ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ:﴾ المالكون الشفاعة. و (المتّخذون (٧) عند الرحمن عهدا): هم الذين يوفون بعهد الله، ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربّهم، ويخافون سوء الحساب، يشفعون لمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريّاتهم، والصلاح هو مجرّد الإيمان.

стр. 1098

٨٩ - ﴿شَيْئاً إِدًّا:﴾ داهية، قال عليّ: رأيت رسول الله ﵇ في المنام، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت بعدك من الإدد واللدد (١) والأود؟ (٢) ٩٠ - ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ:﴾ بكلمة الشرك. ﴿هَدًّا:﴾ قال الليث: الهدّة (٣): الهدم الشديد. (٤) وقيل: الهدّ: الخسوف. (٥) ٩٣ - ﴿إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً:﴾ أي: معترفا بالعبودية، وذلك حين يحضر العرض. ٩٦ - ﴿وُدًّا:﴾ محبّة. عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أحبّ الله عبدا نادى جبريل ﵇: أنّي أحببت فلانا فأحبّه، قال: فينادي في السماء، ثمّ ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا،﴾ وإذا أبغض الله عبدا نادى: أنّي قد أبغضت فلانا، فينادى في السماء، ثمّ ينزل له البغضاء في الأرض». وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لعليّ: «يا عليّ، قل: اللهمّ اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي عندك ودّا، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة»، فنزل جبريل بهذه الآية في عليّ ﵁. وقال أبو سعيد الخدريّ: إن كنّا معشر الأنصار (٦) لنعرف المنافقين (٧) ببغضهم عليّ بن أبي طالب. ٩٧ - ﴿لُدًّا:﴾ جمع ألدّ (٨). عن أبيّ بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذّب زكريا، وصدّق به، ويحيى وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإدريس، وبعدد من دعا لله ولدا، لا إله إلا الله (٩)، وبعدد من لم يدع لله ولدا». (١٠)

стр. 1099

سورة طه مكية. (١) عن أبي هريرة، عنه ﵇: «أنّ الله ﵎ قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالت (٢): طوبى لأمّة ينزل هذا (٣) عليها، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلّم بهذا» (٤). (٢١٢ و) وهي مئة وأربع وثلاثون آية (٥) في عدد أهل الحجاز. (٦) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ و٢ - ﴿طه:﴾ قال مجاهد: كان النبيّ ﵇ يربط نفسه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت: ﴿طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى.﴾ (٧) وعن ابن عباس قال: هي كلمة بالسريانية: يا رجل. (٨) قال: وكان النبيّ ﵇ إذا قام من الليل ربط صدره بحبل كيلا ينام، فأنزل الله: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى.﴾ (٩) وعن ابن عباس قال: لّما نزل (١٠) عليه الوحي بمكة اجتهد في العبادة، فاشتدّت، فجعل يصلّي الليل كلّه زمانا حتى تبيّن ذلك عليه (١١)، ونحل جسمه، وتغيّر لونه، وتورّمت قدماه حتى نزل. ﴿طه:﴾ يا رجل بلسان عكّة. وقيل: إنّ الحرفين يشيران إلى الطهو الذي هو الإصلاح والإنضاج، والتقدير: أيّها الطاهي. وقيل: يشيران إلى الطهارة والهداية، التقدير: أيّها الطاهر

стр. 1100

والهادي. (١) وقيل: يشيران إلى الوطء والتنبيه، التقدير: طأ فراشك أيّها الرجل، أو طأ الأرض بقدميك أيّها الرجل. (٢) وقيل: يشيران إلى الطمأنينة والهدوء، أي: اطمئن واهدأ. وقيل: الطاء تسعة، والهاء خمسة من حساب الجمّل، وهم أربعة عشر، والليلة الرابعة عشر ليلة البدر، فكأنّه قيل: أيّها البدر. (٣) وسئل (٤) البراء بن عازب: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، مثل (٥) القمر. (٦) وقال جابر بن سمرة (٧): رأيت [النبي] (٨) في ليلة إضحيان (٩) وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو أحسن عندي من القمر. (١٠) وقد وصفه الله بأنّه سراج منير، (١١) فلا يبعد أن يصفه بأنّه بدر. ٣ - ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً:﴾ نصب ب (١٢) ﴿ما أَنْزَلْنا﴾ [طه:٢]، أي: ما أنزلنا إلا تذكرة، فكأنّه بدل من ﴿لِتَشْقى﴾ [طه:٢]. وقيل: استثناء منقطع معناه: لكن أنزلناه تذكرة. (١٣) ٤ - ﴿الْعُلى:﴾ جمع كدنيا ودنى. ٧ - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ:﴾ أو لم تجهر. ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ:﴾ ويعلم إخفاءه (١٤)، وهو ما يخطر ببال الإنسان من السرّ من غير أن يعتقده ضميرا، وهذا من عطف الشيء على جنسه. ٨ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ ارتفع ﴿اللهُ﴾ بضمير مبتدأ (١٥). عن علي قال: قال عليه

стр. 1101

السّلام: «يقول الله: لا إله إلا الله حصني، فمن دخله أمن عذابي». (١) ٩ - ﴿وَهَلْ أَتاكَ:﴾ فائدة الاستفهام في مثل هذا: استدراج المخاطب به إلى التفكّر والتذكّر؛ ليغتنم المسموع فينجع (٢) في قلبه. وقيل: معناه قد. (٣) ١٠ - ﴿بِقَبَسٍ:﴾ بجذوة، وهي النار التي تأخذها في طرف عود. وقيل: كانت القصّة في زمن كيقباذ بن زاب بن بوذكاب بن ايريج بن نمرود، فانصرف موسى من عند شعيب، فلما كان ببعض الطريق جنّت عليه ليلة باردة ذات رذاذ، وكانت امرأته حاملا، فأخذها الطّلق، فاقتدح موسى فما أروى زنده، فآنس نارا من بعيد، فظنّ أنّها قريبة منه، فتوجه إليها ليقتبس منها، فلمّا أتاها أبصرها نارا في شجرة خضراء، كلما أراد أن يقتبس منها ارتفعت إلى أعاليها، ونودي يا موسى (٢١٢ ظ) ففزع من ذلك فزعا شديدا، وكان من أمره ما نطق (٤) به القرآن، وذكروا أنّ الله تعالى قال لموسى ليلة إذ (٥): يا موسى أنت جند من جنودي [أبعثك] (٦) إلى ضعيف من خلقي بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرّته الدنيا حتى جحد ربوبيّتي، وأنكر حقّي، وشتمني، وعبد دوني، وإنّي (٧) أقسم بعزّتي وجلالي لولا إلزام الحجّة عليه والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت بطشة جبار تغضب لغضبه السماوات والأرضون والجبال والبحار، إن آذن للسماء اختطفته، وإن آذن للأرض ابتلعته، وإن آذن للبحر غرقته، ولكن هان عليّ وسقط من عيني، ووسعه حلمي، فذكّره أيّامي، وخوّفه عقابي، وأعلمه (٨) أنّه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له بين ذلك قولا ليّنا لعلّه يتذكر أو يخشى، ولا يهولنّك ما عنده من رياش (٩) الدنيا، فإنّ ناصيته بيدي، ليس يصرف، ولا يتكلّم إلا بإذني، وأعلمه أنّي إلى العفو والمغفرة أقرب منّي إلى الغضب والعقوبة، وقل: أجب ربّك، فإنّه واسع المغفرة، وقد أمهلك منذ أربع مئة سنة، أنت منابذه فيها بالعداوة، وتصدّ عن عبادته، وهو يمطر عليك السماء، وينبت

стр. 1102

لك الأرض، لم تقسم (١) قط، ولم تهرم، ولو شاء لفعل ذلك لك، ولكنّه ذو أناة وحلم، وجاهده بنفسك وأخيك (٢) محتسبين صابرين، فإنّي لو شئت أن أؤيدكما بجنود (٣) لا قبل لهم بها، وسلطان لا قوام لهم به لفعلت، ولكنّي أزوي (٤) ذلك عنهما، وكذلك أفعل بأوليائي، وإنّي لأزوي عنهم نعم الدنيا وملكها ولذّاتها، كما يزوي الراعي المشفق إبله عن مراتع الهلكة، وأجنّبهم نعيمها ورخاءها، كما يجنّب الراعي المشفق إبله عن مراتع العسرة، وما ذلك من هوانهم عليّ، ولكن ليستوجبوا به نعيم الآخرة، واعلم، يا موسى، أنّه لم يتزيّن المتزيّنون عندي بزينة أحبّ إليّ من الزهد في الدنيا، ولم يتقرب المتقرّبون إليّ (٥) بشيء أحبّ إليّ من الورع عمّا حرّمت عليهم، ولم يدرك العباد فضل الباكين من خشيتي، أمّا الزاهدون في الدنيا فإنّي أبيحهم الجنّة، وأما الورعون فإنّي أرفع الحساب عنهم، وأما الباكون من خشيتي فهم (٦) في الرفيق الأعلى من الجنّة لا يشاركون فيها، ولا يلحقهم أحد. ١٢ - ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ:﴾ والنعل: ما يقي كفّ القدمين من الأذى، وكانت نعلاه غير مدبوغتين من جلد حمار ميت. (٧) ﴿طُوىً:﴾ فعل وهو معدول (٨) من طاوي أو مطوي، طوى الله له الأرض بلطفه حتى قطع المسافة البعيدة مطوية، أو أقدره على سرعة السير (٢١٣ و) فقطعها في لحظة كأنّه طوى الأرض بقدميه طيّا. ١٤ - ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي:﴾ لوقتها الذي يذكّرنا الله فيه من بعد نسياننا إيّاها (٩). وقيل: أراد بالذكر التسبيح والتهليل في الصلاة. (١٠) ١٥ - ﴿لِتُجْزى:﴾ متعلق (١١) ب ﴿آتِيَةٌ.﴾ (١٢)

стр. 1103

١٦ - ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها:﴾ أي: عن الصلاة. ﴿فَتَرْدى:﴾ فتهلك، وهو في [محل] (١) النصب؛ لأنّه جواب (٢) النهي بالفاء. ١٧ - ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ:﴾ فائدة تقرير الحال لتفخيم الإحالة. ١٨ - ﴿أَتَوَكَّؤُا:﴾ أتّكئ. ﴿وَأَهُشُّ بِها:﴾ أخبط بها الشجر ليتناثر ورقها. ﴿مَآرِبُ:﴾ حوائج، وإنّما ذكر منافع العصا ليكون به مؤتمرا غاية الائتمار أو شاكرا. ٢١ - ﴿سَنُعِيدُها:﴾ نقلبها في هذه الساعة عصا كما كانت. وقيل: نقلبها حيّة عند فرعون كما كانت في هذه الليلة. ٢٢ - ﴿وَاُضْمُمْ:﴾ واجمع. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ:﴾ برص أو بهق. ٢٥ - ﴿رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي:﴾ إنّما ابتدأ موسى بهذا السؤال لما كان يعرف من حدّته، ويعلم أنّه لا يتمّ أمر (٣) إلا بالحلم والصبر. ٢٦ - ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي:﴾ لعلمه أنّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنّه لا حول ولا قوّة إلا بالله. وقد مضى سبب العقدة، وقد استجاب الله دعوته، وحلّ من عقدته مقدار ما يفقه قوله من غير كلفة، وأبقى شيئا للالتباس على الناس، فلذلك (٤) قال فرعون: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]. وقيل: بل حلّ الله تلك العقدة، ولم يبق منها أثر، وكان فرعون كاذبا بقوله: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]. ٢٩ و٣٠ - ﴿وَزِيراً:﴾ ظهيرا، والتقدير في الآيتين: واجعل لي بعضا من أهلي هارون أخي وزيرا. ٣١ - ﴿أَزْرِي:﴾ ظهري. ٣٣ - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ:﴾ تعليل لتيسير الأمر ووزارة هارون جميعا.

стр. 1104

٣٦ - ﴿سُؤْلَكَ:﴾ مسألتك وحاجتك (١). ٣٨ - ﴿إِذْ أَوْحَيْنا﴾ (٢): ألهمنا. ﴿إِلى أُمِّكَ ما يُوحى:﴾ كلاما حقا، وصدقا عدلا. ٣٩ - ﴿اِقْذِفِيهِ:﴾ ارميه. ﴿الْيَمِّ:﴾ البحر الذي يقال له: أساف، وفيه غرق فرعون. ﴿عَدُوٌّ لِي:﴾ يعني: فرعون لعنه الله. ﴿وَلِتُصْنَعَ:﴾ صنعة الإنسان: تربيته، تقول لمن ربّاك وأحسن إليك: أنا صنيعك وصنعتك. ﴿عَلى عَيْنِي:﴾ بمرأى وحسن نظر منّي. ٤٠ - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ:﴾ وكانت أخت موسى تدخل دار فرعون لخدمة نسائه، فلمّا ألقاه في اليمّ بالساحل من دار فرعون بعثتها أمّها لتأتيها بالخبر فوجدته في حجر امرأة يطلبون ظئرا، فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ،﴾ وذلك بعد أن أسلموه إلى أظآر أجنبيات، فما ارتضع بقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ﴾ [القصص:١٢]. ﴿وَفَتَنّاكَ:﴾ أي: ابتليناك ابتلاء، وذلك حين ورد ماء مدين جائعا خائفا (٣)، وجاءته إحدى ابنتي شعيب، واستأجره (٤) شعيب (٥) على الشرائط المذكورة. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ:﴾ مقدار مقدّر عندنا، ووقت مؤقت لم تخالفه، ولم يخالفك. ٤١ - ﴿وَاِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي:﴾ أي (٦): اختصصتك (٧) (٢١٣ ظ) لمعرفتي وروح مناجاتي، وخواصّ أمري. ٤٢ - ﴿وَلا تَنِيا:﴾ ولا تضعفا، ولا تفترا، وفائدة الأمر بالقول الليّن: تعبّدهما بتوخّي رشد فرعون، واستمالته، والثاني: قطع أعذار فرعون من كلّ وجه.

стр. 1105

٤٥ - ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا:﴾ أي: يجهل علينا بالبغي والبدار إلى العقوبة. ٥١ - ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى:﴾ هذا فرار من فرعون إلى ما يتشاغل به عن التوحيد، وهذه سنّة الأجانب عن التوحيد، إذا ذكر الله وحده اشمأزّت قلوبهم. ٥٢ - فلمّا علم موسى أنّ الخبيث متشاغل عن التوحيد أجمل جوابه، وردّه إلى التوحيد الذي فرّ منه ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي.﴾ ﴿أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى:﴾ أجناسا من ضروب مختلفة، فكلّ ضرب متجانس في نفسه مضاد لغيره. وقيل: أراد المشتبهات في الطّعم المختلفات في الصورة. ﴿شَتّى:﴾ فعلى من شتت، واحد (١) الأشتات، وتشتّت الأمر تفرّقه وانفساخ تأليفه. ٥٣ - ﴿النُّهى:﴾ جمع نهية، وهو العقل ينهى النفس عمّا لا يليق بها. ٥٥ - ﴿تارَةً:﴾ مرّة. ٥٦ - ﴿كُلَّها:﴾ أي: كلّ ما كان مع موسى سوى صفة المكارة، ومعناه التساوي والتعادل. ٥٩ - ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ:﴾ يوم عيد كانوا يتّخذونه، ويتجمّلون فيه بزينتهم. ٦٠ - ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ:﴾ أعرض عن موسى ﵇. ﴿ثُمَّ أَتى:﴾ بعد ذلك، وهو بزوّه (٢) للعامة يوم الزينة. ٦١ - ﴿فَيُسْحِتَكُمْ:﴾ يهلككم. ونظم الآية على طريقة مستحسنة غاية للبلاغة وآية للفصاحة، وهي ردّ آخر الكلام على أوّله، وإنّما قال لتقديم الدعوة والإنذار مرّة بعد أخرى. ٦٢ - ﴿فَتَنازَعُوا:﴾ قال الضحاك: تنازعوا في سحرهم كيف ينبذونه؟ وكيف يظهرونه؟ وتناجوا في ذلك. (٣) ٦٣ - ﴿الْمُثْلى:﴾ تأنيث الأمثل، وهو الأحسن. ٦٤ - ﴿صَفًّا:﴾ نصب على الحال، أي: مصطفّين. ﴿مَنِ اِسْتَعْلى:﴾ استولى.

стр. 1106

٦٦ - ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ:﴾ يظهر الخيال، والخيال: كيفيّة باطلة تتولّد بين الرائي والمرئي بعلل مختلفة، والأخيل: طائر يتلوّن بألوان مختلفة يتشاءم به العرب. ٦٧ - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً:﴾ لأنّ طبيعة الإنسان مجبولة على قلّة احتمال مشاهدة الأشياء الهائلة، وإن كان موقنا ببطلانها، والدليل على ذلك أنّ الإنسان يستأنس بالصور المنقوشة في الجدار إن كانت صور المتصدرين في الغياض (١)، والمتماشين في الرياض، ويستوحش (٢) إن كانت صور القتلى والغرقى والحيات والعقارب. ٧١ - ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ:﴾ إنما اتّهمه فرعون بغيبته إلى مدين سنين، وجفا على أهل مصر، وإنّما اجترأ بالتهديد على السحرة دون موسى؛ لأنّه أيقن بتمويهات السحرة، ونفاية (٣) أمرهم وتأثيرهم، فلم يخف من جانبهم، وأمّا موسى ﵇ فكان لا يدرك مدى أمره، فلذلك (٢١٤ و) كان يحذره. ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها. ٧٢ - ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا:﴾ قسم، ويجوز أن يكون معطوفا على المجرور من غير تكرار (٤) الجارّ. (٥) ﴿ما أَنْتَ قاضٍ:﴾ في محلّ النصب، أي: قاض قضاءك. ٧٣ - ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ:﴾ إنّما وصفوا فرعون بالإكراه؛ لأنّهم كانوا مستيقنين بأنّ فرعون لا يخلّي من لم يتسارع إلى هواه سالما. وقيل: كان يكلّف الغلمان أن يتعلّموا السحر، ويسلط عليهم المعلمين، فكان ابتداء أمرهم على الإكراه. (٦) ويحتمل: أنّهم نفوا عنه الإكراه، وإنّ تقدير الآية: أن تغفر لنا خطايانا من السحر ولم تكرهنا عليه، فإن كان كذلك فلم يريدوا بذلك تزكيته، ولكنّهم أرادوا تحقيق الاعتراف بما أوجب الاستغفار، وكيف ما كان تقدير الآية وتفسيرها، ففيها دلالة على انتهاء أعمالهم لم يكن على سبيل الإكراه. ﴿مُجْرِماً﴾ (٧): بالكفر بدليل الآية التي تليها على سبيل الإطباق (٨)، وإنّما علموا هذا

стр. 1107

العلم لما كانوا سمعوه من موسى وهارون ﵉، أو لما كان بقي فيهم من يعقوب ويوسف والأسباط ﵈. ٧٥ - قوله: ﴿مُؤْمِناً﴾ مطابق لقوله: ﴿مُجْرِماً﴾ [طه:٧٤]. وفي قوله: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ فائدتان: التمييز بين العمل والإيمان؛ لأنّه لو كان العمل إيمانا لكان تقديره: ومن يأته مؤمنا قد آمن، والثانية: تنبيه غير المصلحين عن المؤمنين بالسكوت عنهم، وذلك إشارة إلى خلود، أو إلى جزاء مضمر، أي: ذلك الجزاء جزاء من تزكّى. عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ مرّ وأبو بكر بن أبي قحافة والدليل الذي معهما حتى هجموا على رجل من العرب وامرأة لهما عنز، ليس لهما غيرها، قال الرجل لامرأته: ألا نذبح هذه العنز لهؤلاء النفر، وإنّي أرى قوما لهم حقّ، فقام فذبحها، فلما قاموا من نومهم أطعمهم، فقال رسول الله ﷺ : «إذا سمعت برجل قد ظهر بيثرب فإنّه لعلّ الله يرزقك منه خيرا»، فلمّا سمع الرجل خروجه بيثرب قال: والله لأراه صاحبنا، فاحتمل امرأته، فأتاه، فلما صلّى رسول الله ﷺ العصر نظر في وجوه الغرباء، فمن كان له حاجة قضاها له، فقام إليه الرجل، فقال: أتعرفني يا محمد؟ قال: نعم، قال: عدتك، قال: أحتكم ثمانين ضانية، فأعطاهنّ إيّاه، ثمّ قال: أما إنّ عجوز بني إسرائيل كانت أحكم عقيدة منك. قال الكلبي: قصة هذه العجوز، وهي سارج بنت اشترقفا بن يعقوب، إنّما كانت رأت أين دفن (١) عمّها يوسف ﵇، فلمّا أراد موسى ﵇ الخروج من مصر توقّفت بنو إسرائيل، وتحيّروا في أمرهم، وتذكّروا وصية يوسف ﵇ أن يخرجوا بعظامه متى خرجوا فضمن (٢) موسى ﵇ (٢١٤ ظ) لمن يدلّه على قبره حكمه، فدلّته هذه العجوز، واحتكمت على موسى ﵇ مرافقته في الجنّة، فضمن لها موسى بإذن الله تعالى. (٣) ٧٧ - ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ:﴾ بيّن لهم بضرب العصا. ﴿يَبَساً:﴾ يابسا. ٨٠ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ (٤)﴾ مِنْ عَدُوِّكُمْ. . .: الآية إن كانت ترتب قصص موسى ﵇ على ما قدمناه في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ﴾

стр. 1108

﴿الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة:٥٨] فالخطاب هنا متوجّه إلى اليهود في عصر نبيّنا ﵇، أو أراد بقوله: ﴿نَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى:﴾ قضينا وقدّرنا تنزيلهما عليكم، أو سننزلها عليكم فيما بعد. ٨١ - ﴿فَقَدْ هَوى:﴾ هلك وانحطّ عن درجة السعادة. ٨٢ - ﴿ثُمَّ اِهْتَدى:﴾ رسخ في العلم. قال الضحاك: ﴿ثُمَّ اِهْتَدى:﴾ استقام. (١) وعن سعيد بن جبير: أنّه السنة والجماعة. (٢) ٨٣ - ﴿وَما أَعْجَلَكَ:﴾ إن كان الخطاب متوجّها إلى قوم موسى في عصره فوجه العطف والوصل ظاهر، وإن كان متوجّها إلى اليهود في عصر نبيّنا ﵇ فالتقدير (٣): وقلنا يوم الميعاد: ما أعجلك، وفائدة الاشتباه في مثل هذا: الابتلاء. ٨٤ - ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ:﴾ أي: إلى ميعادك. ٨٥ - ﴿قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ:﴾ يعني: الفتنة التي أثنى بها موسى ﵇ على الله حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف:١٥٥]. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ:﴾ دعاؤه إلى الضلالة بخذلان الله تعالى. والسامريّ: لقب، واسمه موسى بن ظفر (٤)، وإنّه لم يكن من بني إسرائيل، ولكنّه كان جارا لهم، أصله من باجرما (٥) وهي قرية بالعراق. وروى الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنّ السامريّ كان من جملة صبيان غيّبهم الآباء والأمهات مخافة أن يذبحهم فرعون، فربّتهم الملائكة، وكان جبريل هو الذي تولى تربية السامريّ، فكان يمصّ إبهام يمينه سمنا، والأخرى عسلا ولبنا، فمن ثمّ عرفه حين رآه، فقبض (٦) قبضة من أثره. (٧) ٨٧ - ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ:﴾ يجوز أن يكون قول عبدة العجل، ويجوز أن يكون كلاما تعقّب كلامهم من جهة الله، أي: فكما نخبرك ألقى السامريّ قبضته.

стр. 1109

٨٨ - ﴿فَنَسِيَ:﴾ عن ابن عباس: نسي السامريّ، والمراد به كفر. (١) وقال الكلبيّ: نسي موسى ﵇ على زعمهم، زعموا أنّه ضلّ طريق الميقات، وأخذ طريقا آخر، فجاءهم إلهه من غير طريق. (٢) ٨٩ - ﴿أَفَلا يَرَوْنَ:﴾ كلام مبتدأ من جهة الله تعالى، وفي فحواه دلالة أنّ داعي الله يجاب (٣) لا محالة، إمّا بقضاء الحاجة، وإمّا [بما] (٤) هو خير منه. ٩٠ - ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ:﴾ وفائدة الفتنة العظيمة تفرّد هارون ﵇ بالدعوة، وبكونه حجة على بني إسرائيل، وكونهم محجوجين في مقابلته وجوه سبيل الخلافة، ولا يبالي الله تعالى أن يهلك زجلة (٥) ليشبع قملة أو نملة، فكيف (٢١٥ و) بفتنة قوم من الأشقياء لإكرام نبيّ من الأنبياء؟ ٩٧ - قوله ﴿لا مِساسَ:﴾ عقوبته الدنياوية (٦). يحتمل: أنّها كانت على سبيل الإلجاء على سبيل الهذيان. ويحتمل: أنّها كانت على سبيل التكليف والتعبّد. وقيل: إنّ ولد السامريّ بالشام لا يخالطون أحدا. ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً:﴾ يعني: الموت أو القيامة (٧)، وهو الوعيد العقباوي، فيه نوع من الإرجاء لكونه مبهما. ﴿ظَلْتَ:﴾ أي: ظللت، وهو تخفيف غير قياسيّ مثاله: حللت في بني فلان وحلت، وهممت بفلان، وهمت، وأحسست فلانا وأحست (٨). ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ:﴾ بالنار، والنار تحرق الشيء المنطبع بتكرار اتّقادها عليه. ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ:﴾ لنذرّينّه. ١٠١ - ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: في العذاب، أو في وبال وزرهم. ﴿حِمْلاً:﴾ اسم لما يحمل.

стр. 1110

١٠٢ - ﴿زُرْقاً:﴾ جمع أزرق، والأزرق الذي في عينيه خضرة إلى كهبة (١). قيل: أراد به قبح المنظر. وقيل: حدّة النظر. (٢) وقيل: العمى. (٣) وقيل: شدّة العطش، فإنّ العطشان تزرقّ عيناه من شدّة العطش، وحرارة الصدر. (٤) ١٠٣ - ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ:﴾ بالبرزخ. ﴿إِلاّ عَشْراً:﴾ يعني: عشر دقائق من ساعة يذكرونها كدقيقة معاينة البأس، ودقيقة قول أحدهم: ﴿رَبِّ اِرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، ودقيقة نزع الروح، وثلاث دقائق لسؤالات منكر ونكير: عن الربوبية، وعن النبوّة، وعن الدين، ودقيقة تقريع منكر ونكير، وثلاث دقائق لنفخات الصور، فهذه عشر دقائق يذكرونها، فيظنون أنّها من ساعة واحدة. ويحتمل: أنّهم يذكرون دقائق أخر سوى هذه العشر (٥) شاءها الله وقضاها، ثمّ يشكّون في قولهم لمكان الهمدة (٦)، فيقسمون على ساعة كاملة أنّهم ما لبثوا غيرها. وقيل: المراد بالعشر: عشر ساعات. (٧) وقيل: عشر ليال. (٨) وقيل: عشر سنين. (٩) والعشر بين هذه الأقاويل وبين قوله: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم:٥٥] من حيث إنّهم متحيّرون متردّدون يومئذ لا ثبات على قول، كما أنّهم يجحدون مرّة، ويعترفون أخرى، وينطقون مرّة، ويخرسون أخرى. ١٠٤ - ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً:﴾ أحسنهم مذهبا عندهم فيما يظنّون. وقيل: إن كان المراد بالعشر ما فوق اليوم، فمعناه أقربهم مذهبا عندهم إلى قوله (١٠): ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [القصص:٨٠]، وإن كان المراد ما دون اليوم، فمعناه أبلغهم مذهبا في وصف سرعة الانقلاب. ١٠٥ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ:﴾ ابن عباس: رجال من ثقيف. (١١)

стр. 1111

١٠٦ - ﴿فَيَذَرُها:﴾ يعني: الأرض. ﴿قاعاً:﴾ ذكر أبو عبيد (١) الهروي: أنّ القاع: المكان المستوي في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء فتمسكه، ويستوي نباته، وجمعه قيعان وقيعة، كجيران وجيرة، ومنه قوله: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩]. (٢) ﴿صَفْصَفاً:﴾ (٢١٥ ظ) قريب من القرقر والسّبسب (٣). ١٠٧ - ﴿لا تَرى فِيها عِوَجاً:﴾ أراد بنفي العوج إثبات مسامتة الأقطار، وبنفي الأمت إثبات التمدّد والانتشار، والأمت في اللغة: الثّني، يقال: ملأ مزادته حتى لا أمت فيها، وقد يكون حرزا، وتقديرا، يقال: بيننا وبين الماء ثلاثة أميال على الأمت؛ لأنّ التقدير يتعلّق باعتبار الآثار من الارتفاع والانحدار. (٤) ١٠٨ - ﴿لا عِوَجَ لَهُ:﴾ أي: للداعي، أو لأتباعهم. ﴿هَمْساً:﴾ أنفاسا، وصوت وطء الأقدام. قال أبو الهيثم: يعني ما أسررته وأخفته، ألا ترى ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [طه:١٠٣]. ١١١ - ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ:﴾ خضعت وذلّت، ومنه الحديث: «استوصوا بالنّساء خيرا فإنّهنّ عندكم عوان». (٥) ﴿وَقَدْ خابَ:﴾ أيس. ١١٢ - ﴿هَضْماً:﴾ كسرا وقسرا. ١١٣ - واتصال قوله: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ﴾ بما قبلها من حيث الوعد والوعيد. ﴿لَهُمْ ذِكْراً:﴾ وعظا وتذكيرا. ١١٤ - ﴿فَتَعالَى اللهُ:﴾ تبرّأ عن الظلم والهضم.

стр. 1112

﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ:﴾ تفسيره قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦]، كان رسول الله ﵇ إذا تلقّف من جبريل تلفّظ، ولم ينتظر فراغه، ولم ينصت، فنهي عن ذلك، وذلك لتوفّر حرصه وخوف زيادته ونقصانه. (١) ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً:﴾ أمر به ليعترف بنقص العبوديّة، ويتعرّض لنفحات الربوبيّة. ١١٥ - ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ﴾ يعني: قوله: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥]. ﴿فَنَسِيَ:﴾ قال ابن عباس: ترك. (٢) ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً:﴾ قال قتادة: صبرا. (٣) وعن عطية العوفي: حفظا. (٤) وقيل: جدّا (٥). واختلف في آدم ﵇، هل هو من أولي العزم؟ فمن قال: هو منهم فعلى تأويلين: إمّا أنّ عزمه المنفيّ عنه على المعصية، أي: ألّم بها غير مستحلّ ولا مصرّ، وإمّا أنّه لم يكن ذا عزم في عهده الأوّل، وكان ذا عزم في عهده الثاني: وهو قوله: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ [طه:١٢٣]. ١١٧ - ﴿فَتَشْقى:﴾ وحّد لنظم رؤوس الآي، ولأنّ الرجل هو المختصّ بشقوة الرعاية والكسب. ١١٩ - وأراد بقوله: ﴿لا تَظْمَؤُا﴾ نفي اعوزاز الشراب. ﴿وَلا تَضْحى:﴾ نفي زوال الظلّ. (٦) ١٢٠ - ﴿لا يَبْلى:﴾ لا يفنى. ١٢١ - ﴿فَغَوى:﴾ فجهل. ١٢٣ - وعن عطاء بن السائب قال: من قرأ القرآن فاتّبع [ما] (٧) فيه هداه الله من الضلالة

стр. 1113

في الدنيا، ووقاه الله سوء الحساب يوم القيامة، وذلك بأنّ الله يقول: ﴿فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى.﴾ (١) ١٢٤ - ﴿ضَنْكاً:﴾ ضيقا وشدّة، والمراد به عذاب القبر. ﴿وَنَحْشُرُهُ:﴾ قيل: نبعثه. (٢) وقيل: نسوقه إلى النار. (٣) ١٢٥ - ﴿وَقَدْ كُنْتُ:﴾ أي: في الدنيا. وقيل: في الموقف. (٤) ١٢٦ - ﴿فَنَسِيتَها﴾ (٥): أعرضت عنها (٦) وأهنتها. ١٢٧ - ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ:﴾ ويحتمل: أنّ الآية الأولى في المرتدين، وهذه في أهل الحرب، أو الأولى في المشركين، وهذه في أهل الكتاب. ويحتمل: أنّهما جميعا في قوم واحد، وإنّما زيد في الوصف للتقريع، ودفع التفضيل في ضنك (٢١٦ و) المعيشة. ١٢٦ - ﴿كَمْ أَهْلَكْنا:﴾ في محلّ الرفع بإسناد الهداية إليه. (٧) ١٢٩ - ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى:﴾ معطوف على كلمة ﴿لَكانَ﴾ الهلاك، أو العذاب لزاما غير متأخّر. ١٣٠ - ﴿وَسَبِّحْ:﴾ أي: صلّ. وقال مجاهد: المراد به التطوع. ١٣١ - ﴿زَهْرَةَ (٨)﴾ الْحَياةِ: بهجتها وزينتها، نصب على أنّها مفعول بها (٩)، وهي في التقدير نكرة، أي: زهرة (١٠) في الحياة، أي: الحياة الدنيا. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى:﴾ إن وقع التفضيل على المتاع والزهرة، فالمراد بالرزق المنفعة

стр. 1114

التي لا تكون بعرض الزوال على سبيل العارية، وإن وقع على الرزق فالمراد قوله: ١٣٢ - ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً:﴾ أي: لا نطلب منك نصيبا ممّا ذرأنا من الحرث والأنعام. في الآية ردّ على المشركين في البحيرة والسائبة وغيرهما (١)، والفرق بينهما وبين العشر والزكاة والخمس والأضاحي أنّ منفعة هذه الأشياء راجعة إلينا بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء:٧] من خير، ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ [الحج:٣٧]، وكان اعتقاد المشركين يجعلونه نصيب الله، ونصيب شركائهم، خلاف هذا بآية ملجئة التي لا لبس فيها. ١٣٣ - ﴿مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ:﴾ بيان يوجب العلم الضروريّ بأدنى اجتهاد، وهو تفسير الكتب المتقدمة وتصديقها وموافقتها في أصول الدين، وقصص الماضين، وكثير من الفروع. ﴿ما فِي الصُّحُفِ:﴾ جمع (٢) صحيفة، وهي كل رقعة عريضة مكتوبة، أو مهيأة للكتابة. ١٣٤ - ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا:﴾ فهذه حجّة باطلة رفعها الله (٣) بإرسال الرسول لتأكيد الإلزام. ١٣٥ - وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ جواب كلام سبق منهم، كقوله: ﴿قُلْ (٤)﴾ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:٥٢].

стр. 1115

سورة الأنبياء مكية. (١) وهي مئة وإحدى عشرة آية في [غير] (٢) عدد أهل الكوفة (٣)، والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ:﴾ مضى في أوّل النحل. ٢ - ﴿مُحْدَثٍ:﴾ حديث (٤). ﴿إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ:﴾ وكان استماعهم على سبيل التعنّت والإنكار، لا التثبّت والاعتبار. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو للحال (٥). ٣ - ﴿لاهِيَةً:﴾ نصب على الحال. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا:﴾ في محلّ الرفع، والتقدير فيه كما في قوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [٧١] في المائدة. (٦) ﴿هَلْ هذا:﴾ بيان نجواهم. ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ:﴾ إنكار بعضهم على بعض مخافة أن ينجع الكلام في قلوبهم. ٤ - في قوله (٧): ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ تنبيه على إدراك سرّهم ونجواهم أن يقولوا ما لا يرضاه. ٥ - ﴿بَلْ﴾ (٨): في الابتداء للإضراب عن الكلام الأوّل، والإقبال على الثاني، وهو من جهة الله. و ﴿بَلْ:﴾ الثاني، فإنّما هو حكاية قول الكفّار، وإنّما قالوا على سبيل استدراك الغلط، والتردّد في الحكم.

стр. 1116

وقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ﴾ لتوهّمهم أنّ تلك الآيات كانت ملجئة ضروريّة (٢١٦ ظ) فأخبر الله تعالى أنّ الجحود في مقابلة تلك الآيات كان محكيّا، كالجحود في مقابلة آيات رسل الله. ٧ - وقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي﴾ في إنكارهم أن يكون الرسول بشرا مثلهم. ٨ - وقوله: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً﴾ [كما] (١) في قولهم: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان:٧]، وقوله: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠]. ٩ - قوله: (٢) ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ. . .:﴾ الآية تهديد للكافرين، وبشارة للمؤمنين، وقد صدق الله لنبيّنا وعده، فنصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأنجاه مع صاحبه ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ [التوبة:٤٠]، وأهلك صناديد قريش (٣) بعد ذلك. روي: أنّه ﵇ قبل فتح خيبر وفدك، وقبل استقرار أمره، انتخب من وجوه العرب الذين أسلموا سبعة نفر (٤) منهم: حاطب بن أبي بلتعة (٥)، وشجاع بن وهب الأسديّ (٦)، وسليك بن عامر العامريّ، والعلاء بن الحضرميّ (٧)، وعمرو بن أميّة الضمريّ (٨)، ودحية بن خليفة الكلبيّ (٩)، و [أبو] حذافة السهميّ (١٠)، وقال لهم: إنّي مرسلكم إلى ملوك الأرض، فأنتم منّي بمنزلة الحواريين من عيسى ﵇، ثمّ أرسل حاطبا إلى المقوقس ملك القبط، وبعث

стр. 1117

شجاعا إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني ملك الشام من تحت يد قيصر، وأرسل سليكا إلى هودة بن خليفة ملك التهامة، وأرسل العلاء إلى المنذر بن امرئ (١) القيس ملك البحرين، وبعث عمرا (٢) إلى النجاشيّ ملك الحبشة، وبعث دحية إلى قيصر، ثمّ إلى ملك عمان، وأرسل حذافة إلى كسرى أفرويز (٣) الجبار ملك الفرس، وكانت نسخ كتبه ﵇ إلى هؤلاء متقاربة، وكان المنافقون يتعجّبون منه، ويقولون: كيف يكاتب الملوك قاطبة، ويستشهر سيوفهم على نفسه، ولم تثبت له قدم بعد، فأمّا المقوقس ملك القبط فأحسن الإجابة، وأهدى إليه هدايا فاخرة من الكسوة والجواري والغلمان والمراكب، ويقال: إنّه أسعد بالإيمان والإسلام، وأمّا ملوك الشام وتهامة والبحرين وعمان فاستحود عليهم الشيطان، وزيّن لهم العصيان، وأما النجاشيّ فشهد الشهادتين، وخطب لرسول الله أمّ حبيبة بنت أبي سفيان (٤) بوكالة من جهته ﵇، وردّ إليه جعفر بن أبي طالب عزيزا (٥) مكرّما مع سائر المهاجرين إليه في الهجرة الأولى، فرجعوا شاكرين، وأرسل ابنه في عشرين نقيبا من خواصّه، فغرقت بهم السفينة في البحر، ثمّ إنّه مات على الشهادة، وصلّى عليه رسول الله، وأمّا قيصر فذكر الزهريّ: أنّه بلغه كتاب رسول الله من جهة عظيم بصرى (٦)، وذلك أنّ دحية دفعه إليه ليوصله إلى قيصر، ففتح الكتاب، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم (٢١٧ و) من محمد رسول الله إلى هرقل (٧) عظيم الروم، سلام على من اتّبع الهدى، أما بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله الأجر (٨) مرّتين، وإن توليت فإنّ عليك إثم الإرّيسيّين (٩)، وأهل (١٠) الكتاب. [فلما فرغ من قراءة الكتاب] (١١) ارتفعت عنده الأصوات (١٢)، وكثر اللغظ، وقاموا عن مجلسهم، ثمّ دعا هرقل عظماءهم بعد

стр. 1118

ذلك، وقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وأن يثبت لكم ملككم. قال: فحاصوا حيصة حمر (١) الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلّقت، فقال هرقل: عليّ بهم، فرجعوا إليه، فألان لهم القول، وألطف لهم، وقال: إنّما اختبرت شدّتكم على دينكم، فقد رأيت الذي أحببت، فسجدوا له، ورضوا عنه. (٢) قيل: لّما بلغ رسول الله خبره قال: ضنّ الخبيث بملكه. (٣) وأمّا كسرى فذكر الخرداد بهمن وغيره: أنّه لّما بلغه الكتاب أمر بأن (٤) يفتح، ويقرأ عليه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله واليوم الآخر، وشهد (٥) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، أدعوك إلى الله، فإنّي أنا رسول الله إلى الناس كافّة، لأنذر من كان حيّا، ويحقّ القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس، والسّلام. فلمّا قرئ عليه الكتاب ورم أنفه، وامتلأ غيظا، فأطرق على سريره محتنقا بحنقه، منتفخة أوداجه، يدير حدقتيه في حماليقه ساعة طويلة، ثم رفع رأسه، وقال: ليس هذا بأوّل عبد اجترأ على ربّه وسيّده، وإنّما قال: هذه المقالة لاستيلائه على اليمن دار مملكة العرب، ولسجود النّعمان بن المنذر ملك الحيرة بين يديه ولاعتقاده أنّه ملك الملوك والأقاليم كلّها، وأنّه خذايكان (٦) الأرض، فاغترّ بسلطانه وعلوّه، وأصرّ على طغيانه، وأمر كاتبه بأن يكتب إلى مرزبان اليمن، والمرزبان بلغتهم: الوالي، واسمه باذان مهريبداد، أنّ عبدا لي بالحجاز اسمه محمد كتب إليّ يأمرني أن أترك ديني، وأتّبع دينه، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إليه رجلين جلدين ممّن معك ليأتيا به مربوطا مشدودا، فإن أبى فليأتيا في رأسه، وأمر أن يكتب إلى رسول الله: أن اشخص إلينا لننظر في أمرك، فرجع حذافة [إلى] (٧) رسول الله ﷺ ، وأخبره بالقصة، وذكر أنّه أمر بالكتاب، وكان من أديم، أن يمزّق، ويرقع به دلو البئر، فقال ﵇: إنّما مزّق ملكه، ثمّ إنّ باذان لّما بلغه كتاب صاحبه بعث إلى النبيّ ﵇ (٢١٧ ظ) أشخاصين من قوّاده، وكانا رجلين عاقلين، اسم أحدهما بابويه، واسم الآخر خورخسرة، وأمرهما أن يحذرا سطوة ملك الملوك لئلا يشتغل بالممانعة، فأتيا رسول الله، وأدّيا الرسالة، فأمر عليهم بإنزال الرسولين، وأكرمهما، ثمّ دعاهما

стр. 1119

بالغد، وقال: إنّ ربّي قتل ربّكما الليلة، فسألاه شرح القصة، فقال: قد سلّط الله عليه ابنه شيرويه فقتله، وذلك لتسع ساعات مضت من الليل. وقيل: وكانت تلك الليلة ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى، قال: فدهشا، وسقط في أيديهما، ثمّ قال لهما رسول الله ﷺ : انصرفا إلى باذان، فأعلماه هذا، وقولا له: إن أسلمت قررتك على ولايتك، وخلع على بابويه بردة فاخرة، وأعطى خورخسرة منطقة أهداها إليه المقوقس، فرجعا إليه، وأخبرا باذان بالقصة، وقال بابويه: ما هبت شيئا من الخلق هيبة هذا الرجل، فلم يثبت باذان إلا قليلا أن بلغه كتاب شيرويه، يخبره بالخبر، ويوعز إليه أن لا يتعرض لرسول الله إلى أن يأتيه مقال جديد. (١) وكما كاتب رسول الله هؤلاء الملوك، كاتب ملوك الهند والصين. ١٠ - ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ:﴾ قال مجاهد: حديثكم. (٢) وقيل: تذكيركم وذكراكم. (٣) وقيل: صيرورتكم مذكورين في الغابرين، فإنّه لولا القرآن لم يذكروا بخير ولا شرّ في الأمم في أقطار الأرض، وبهذا فسّر بشر. ١١ - ﴿وَكَمْ قَصَمْنا:﴾ أهلكنا، والقصم: أن ينكسر الشيء (٤) فيبين، ومنه يقال: أقصمت الثنيّة. ١٢ - ﴿يَرْكُضُونَ:﴾ يعدون ويسيرون هربا، وليس هذا بوصف قرية واحدة، لقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء:١١]، ولكنّ ابن عباس ذكر خبرا موافقا لهذا الوصف. روى الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنّه قال: إنّ قرية من قرى اليمن يقال لها (٥): حضورا (٦)، أرسل إليهم، فكذبوه، ثم قتلوه، فسلّط الله عليهم بختنصر عبدا من عباده ومع جنوده، فقيل له: اغز أرضا يقال له: عربايا، يعني العرب، الذي ليست لبيوتهم أبواب، ولا (٧) أغلاق، فلا تدع شيئا ممّن له روح من طير أو سبع ولا غيره إلا قتلته، فغزاهم بالجنود، فلمّا بلغهم مسير بختنصر وأصحابه، خرجوا إليهم، فكتّبوا له الكتائب، فقاتلهم قتالا شديدا حتى حوّلوه عن منزله، ثم كتّب الكتائب، فأتوهم من بين أيديهم ومن خلفهم، فهزمهم الله، واتبعهم بختنصر بالجنود ليقتلهم، فمرّوا على دورهم منهزمين، وفيها أهلوهم وذراريهم، فلم يلووا على شيء من

стр. 1120

أمرهم، فردّتهم الملائكة إلى دورهم، فرجعوا إليها، ودخل عليهم بختنصر وأصحابه، فجعلوا يقتلونهم وهم يقولون: يا لثارات فلان، يا لثارات فلان، ولا يسمون النبيّ الذي قتلوه (٢١٨ و) فلمّا رأوا أنّ الصوت لا يسكت عنهم، وهم يقتلونهم، عرفوا (١) أنّ الله هو سلّطهم عليهم بقتلهم النبيّ الذي بعثه إليه، فقالوا: يا ولينا إنّا كنّا ظالمين بقتل النبيّ. (٢) ١٥ - يقول الله : ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ﴾ يعني: الكلمة. ﴿دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ:﴾ فلم يبق منهم عين تطرف من ذكر أو أنثى، ولا صغير ولا كبير، ولا دابة ولا طير. وذكر شيخنا: أنّ اسم هذا النبيّ ويغم. وذكر الخرداد بهمن: أنّ اسمه شعيب بن مهدم بن أبي مهدم بن حضور، قال: وحضور بطن من حمير، قال: فلمّا قتلوه أوحى الله تعالى إلى نبيّ اسمه برخيّا من سبط يهودا بن يعقوب ﵉: أن ائت بختنصر فمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب، فتقتل مقاتلتهم، وتستبيح أموالهم، فأقبل (٣) برخيّا من حران إلى بابل، فأخبر بختنصر الخبر، فتوجّه لذلك، فأنزل من يلقي مستأمنا الأبيات، ثمّ أتاهم بختنصر، وهتف بهم هاتف [من الطويل]: سيغلب قوم غالبوا الله جهرة ... وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا كذاك يضلّ الله من كان من قلبه (٤) ... مريضا ومن والى النّفاق وألحدا (٥) وهربوا يركضون، فحصدوا أجمعين. (٦) ١٥ - وقوله: ﴿حَصِيداً﴾ أي: شيئا حصيدا. و (الخمود): الجمود والانطفاء. ١٦ - ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ:﴾ اتصالها من حيث ذكر الوبال ينافي العبث والخبال. ١٧ - ﴿أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً:﴾ قال ابن عباس: ولدا بلغة حضرموت. (٧) وقيل: صاحبة. (٨)

стр. 1121

﴿لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ يعني: الملأ الأعلى، وهم الذين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وإنّما وصفهم بأنّهم عنده لأتمارهم بأمره، واتّحادهم بذكره، ودوام مراقبتهم إيّاه، مخلصين له الدين، قاهرين بإذنه الملحدين، بخلاف الأرواح الخبيثة الملابسة للأصنام والطواغيت، يدلّ عليه قوله: ﴿لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر:٤]، ووجه الإنكار على اليهود والنصارى والمجوس ظاهر، وعلى بني مليح من حيث إنّهم كانوا يسمّون الملائكة، ويصفون الشياطين، فكأنّ قولهم في الحقيقة عائد إلى الشياطين دون الملائكة. ١٨ - ﴿فَيَدْمَغُهُ:﴾ فيهلكه، والدمغ: إصابة الدماغ، ووصف عليّ رسول الله فقال: دامغ جيشات الأباطيل. (١) ١٩ - ﴿يَسْتَحْسِرُونَ:﴾ يحصرون، وهو الإعياء والانقطاع. ٢٠ - ﴿لا يَفْتُرُونَ:﴾ لا يضعفون ولا يملّون. ٢١ - ﴿أَمِ:﴾ بمعنى ألف الاستفهام. ﴿يُنْشِرُونَ:﴾ يخلقون، وهذه قريبة من قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ الآية [الرعد:١٦]. ٢٢ - وقوله: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ دليل على صحة قياس العكس على وحدانية الله تعالى. ٢٣ - وقوله: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ دليل على أنّه لا علّة لفعل الله تعالى، وأنّه غير داخل (٢) (٢١٨ ظ) تحت حكم، ولا مفض إلى ظلم أيّ شيء فعل لعلمه الغيوب، وسبقه العيوب. ٢٤ - ﴿بُرْهانَكُمْ﴾ أي: الوحي المفخر بالإذن، واتخاذ الشركاء، في نحوه قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ [الحج:٧١]. ﴿هذا:﴾ يعني: القرآن. و ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ:﴾ من المؤمنين واليهود والنصارى وعيسى والخضر وإلياس. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي:﴾ من الرسل الماضين وأتباعهم الذين قصّهم الله تعالى في القرآن.

стр. 1122

٢٥ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ:﴾ إخبار عن عامّة الرسل على طريق الإجمال. ٢٧ - ﴿لا يَسْبِقُونَهُ (١)﴾ بِالْقَوْلِ: غاية الإخبات والإنصات، وترك الافتيات (٢). ٢٨ - ﴿لِمَنِ اِرْتَضى﴾ أي: من ارتضاه الله أن يشفعوا له، هم الذين خلقهم الله لذلك، فإنّه يقول مخبرا عنهم: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧]. ﴿مِنْ خَشْيَتِهِ:﴾ من مهابته. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خائفون. ٢٩ - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ. . .﴾ الآية، فائدة الوعيد: تفخيم الأمر، وتعظيم الشأن، وقد ذكرنا أنّ الوعيد: إيجاب حكم معلق بشرط موهوم. وعن الضحاك وغيره: أنّ إبليس كان فيهم، فارتكب الشرط المشروط، فوجب (٣) عليه الحدّ. (٤) ٣٠ - ﴿كانَتا رَتْقاً:﴾ يمسك المطر والنبات، والرّتق، بفتح التاء: الانغلاق والانطباق، ومنه المرأة الرتقاء، والرّتق، بسكون التاء: متعدّ، ومنه يقال: فاتق راتق. وعن أبي صالح الحنفي (٥): أنّ السماوات كنّ واحدة، والأرضين كنّ واحدة في ابتداء الخلق، ثمّ جعل الله كلّ واحدة منهم في سبعة أطباق. (٦) ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ:﴾ قال الكلبيّ: كلّ شيء حيّ أنبتته الأرض. وقال الكلبيّ أيضا: بقاء النبات وحياة حي من الماء. وقال أبو العالية (٧): المراد بالماء النطفة. (٨) وأطلق قتادة (٩) والضحاك، وهو ظاهر الآية. ٣١ - ﴿فِجاجاً:﴾ جمع فجّ، والفجّ: الفرجة من جبلين، وتفاجّت النّاقة إذا فرجت بين

стр. 1123

رجليها لتبول أو لتحلب. ٣٣ - ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ:﴾ قال الكلبيّ (١) والفرّاء (٢): الفلك موج مكفوف. وقال أبو عبيد الهرويّ: الفلك في اللّغة: موج البحر إذا جاء وذهب واضطرب، (٣) وهذا يقتضي أنّ الفلك فلك واحد، وكلّ (٤) يسعون فيه. وقيل: الفلك: الشيء المستدير، ومنه سمّيت القطعة المستديرة من الأرض فلكا، (٥) وهذا يحتمل ما ذكرنا، ويحتمل: أنّ كلّ واحد في فلك على حدة، وكلّ يسبّحون، وهذا قول المنجّمة والفلاسفة، وزعموا: أنّ الأفلاك الدائرة بالنجوم سبعة، وأنّها لطيفة لا تشاهد، ولكن يستدلّ عليها بالكواكب السيّارة، ومع كلّ فلك من هذه الأفلاك سوى فلك الشمس فلك آخر مائل عن فلك الشمس هي علّة عدم الكسوف في كلّ شهر، وعلّة (٦) رجوع الخمسة عن سيرها المستقيم تجاه فلك البروج، و (٧) في ذلك الحق المعصومي بفصول الفرغاني (٢١٩ و) من مقالة أبي الريحان، أمّا على التحقيق والتحصيل إذا أتيا الحكم بالتفصيل، فإنّ ما يجري من الكواكب يقطع البروج في المسارب، هي النجوم الثاقبات الثابتة، والشمس أيضا معها مسامتة هذا، فأمّا الخمسة السيّارة والقمر المدار فإنّها تجري على أقطاب من قطبي (٨) البروج في اقتراب وميلها، أمّا الذي خصّ القمر منه فميل واحد من القدر، وما يخصّ الخمسة المذكورة مختلف ألوانها، تعيي من استفرغ فيها جهده؛ لأنّها من حركات. قال ﵁: وهذا اعتراف منه بالعجز عن إدراك كيفيّة حركات النجوم كلّها في أفلاكها، وفوق هذه الأفلاك السبعة فلكان آخران: أحدهما: فلك البروج والكواكب الثابتة (٩)، وهو لطيف لا يشاهد، ولكن يستدلّ عليه بالكواكب الثابتة. زعموا أنّ هذه الكواكب الثابتة تزول عن مواضعها، وأنّ هذا الفلك يدور دور هذه السبعة من نحو المغرب إلى المشرق، إلا أنّ سيره بطيء لا يقطع في مئة سنة إلا جزءا واحدا من ثلاث مئة وستين جزءا في رأي بطليموس، وقال أصحاب الممتحن وأصحاب

стр. 1124

الأرصاد: لا يقطع في ستّ وستين سنة إلا جزءا واحدا من ثلاث مئة وستين جزءا من أجزاء الفلك الأعظم. والآخر فلك الأقطاب، وهو كالضدّ للفلك الأعظم المستقيم المحوط المكوّر لسائر الأفلاك من نحو المشرق إلى المغرب، وهذا الفلك الأعظم لطيف لا يشاهد، ولكن يستدلّ عليه بالمجرّة، أو تسير الطوالع والغوارب من نحو المشرق إلى المغرب على أدبارها. ثمّ (١) اختلفوا فيما بينهم، فزعم بعضهم أنّ الأفلاك السبعة في السماوات السبع التي أخبر الله تعالى عنهنّ أنّه سواهنّ سبع سماوات، وأنّ فلك البروج هو الكرسيّ، وأنّ فلك الأعظم هو العرش، وزعم آخرون: أنّ هذه الأفلاك التسعة بين السماء والأرض، وأنّ السماوات فوق هذه الأفلاك التسعة، وأنّ هذه الأفلاك التسعة لم تكن حاجزة بيننا وبين السماء، ولا ساترة إيّاها للطافتها، ولكن تسمّى الأفلاك سماء، كما يسمّى السحاب سماء، والمطر سماء (٢)، السقف سماء. واختلفوا في ماهيّة هذه الأفلاك، فزعم أفلاطون وأصحابه: أنّ السماء متركّبة من الطبائع الأربع. وزعم قوم منهم: أنّ السماء نار. وزعم قوم: أنّها مركب من نار وريح، يعنون كلّهم بالسماء: الفلك، وزعم أبسطاليس (٣) وأصحابه: أنّ السماء جرم خامس ليس من الطبائع الأربع، فإنّها لو كانت نارا أو ريحا لعلت، ولو كانت أرضا أو ماء لهبطت، وأجمعوا أنّها متناهية (٢١٩ ظ) محدودة، والله أعلم بالحقيقة. (٤) ﴿يَسْبَحُونَ:﴾ يجرون ويطردون. ٣٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ (٥): أراد مادّة التنفيس، وهي نسمة كالنسيم، وهي خلاصة الجسد، ومركب الروح. ﴿ذائِقَةُ الْمَوْتِ:﴾ كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، أراد حيوانات السماء والأرض، واختلفوا في حيوانات الجنّة والنار. قيل: خلقها الله تعالى للبقاء، فلا يتناولها حكم الفناء. وقيل: لا بدّ لهم (٦) من سبات أو وفاة. وقيل: يوم القيامة. ٣٦ - ﴿آلِهَتَكُمْ:﴾ بالذمّ والعيب والسوء والشتم.

стр. 1125

﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ:﴾ وهم يكفرون، كفرهم إنكارهم تسمية الرحمن، وأنّه هو الذي يذكر آلهتهم بالسوء. ويحتمل: أنّها في معنى قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ [الأنعام:٨١]. ٣٧ - ﴿مِنْ عَجَلٍ:﴾ من طين، إنّما عبّر للتجنيس اللفظي. وقيل: هو مجاز، كما يقال: خلق فلان من الرفق والحكمة، وفلان من الخرق والطيش، (١) وهذه حروف مؤخرة لما بعدها في التقدير مقدّمة في التلاوة. ٤٠ - ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ عائدة إلى الإناث، وفي قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي.﴾ ٤٢ - ﴿يَكْلَؤُكُمْ:﴾ يحفظكم ويحرسكم. ﴿بَلْ:﴾ للإضراب. ٤٣ - ﴿يُصْحَبُونَ:﴾ يحفظون من قولك: صحبك الله، أي: حفظك، وقال المازني: هو من الإصحاب وهو المنع. (٢) ٤٤ - ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ:﴾ أراد أحد أشياء ثلاثة (٣): إمّا التنبيه على قساوة القلب باعتياد الكفر والإنكار، فإنّ طول العمر على عادة واحدة مما يؤكّد العادة (٤)، وإمّا التنبيه على بلوغهم نهاية الأجل، فإنّ الشيء إذا طال بلغ نهايته، وإذا بلغ نهايته انقضى. (٥) ٤٦ - ﴿نَفْحَةٌ:﴾ فورة من الخير والشرّ، ونفح الريح: بردها، ونفح العرق إذا (٦) نعر، ونفحت أردان (٧) الجارية بالمسك، وفلان نفّاح بالخير. ٤٧ - ﴿الْقِسْطَ:﴾ صفة الموازين. ﴿خَرْدَلٍ:﴾ حبّ في حجم (٨) بزر قطونا في غاية الحراقة، يتغرغر به من في دماغه فضل
следующие страницы →