← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

﴿لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ يعني: الملأ الأعلى، وهم الذين ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وإنّما وصفهم بأنّهم عنده لأتمارهم بأمره، واتّحادهم بذكره، ودوام مراقبتهم إيّاه، مخلصين له الدين، قاهرين بإذنه الملحدين، بخلاف الأرواح الخبيثة الملابسة للأصنام والطواغيت، يدلّ عليه قوله: ﴿لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر:٤]، ووجه الإنكار على اليهود والنصارى والمجوس ظاهر، وعلى بني مليح من حيث إنّهم كانوا يسمّون الملائكة، ويصفون الشياطين، فكأنّ قولهم في الحقيقة عائد إلى الشياطين دون الملائكة. ١٨ - ﴿فَيَدْمَغُهُ:﴾ فيهلكه، والدمغ: إصابة الدماغ، ووصف عليّ رسول الله فقال: دامغ جيشات الأباطيل. (١) ١٩ - ﴿يَسْتَحْسِرُونَ:﴾ يحصرون، وهو الإعياء والانقطاع. ٢٠ - ﴿لا يَفْتُرُونَ:﴾ لا يضعفون ولا يملّون. ٢١ - ﴿أَمِ:﴾ بمعنى ألف الاستفهام. ﴿يُنْشِرُونَ:﴾ يخلقون، وهذه قريبة من قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ الآية [الرعد:١٦]. ٢٢ - وقوله: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ دليل على صحة قياس العكس على وحدانية الله تعالى. ٢٣ - وقوله: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ دليل على أنّه لا علّة لفعل الله تعالى، وأنّه غير داخل (٢) (٢١٨ ظ) تحت حكم، ولا مفض إلى ظلم أيّ شيء فعل لعلمه الغيوب، وسبقه العيوب. ٢٤ - ﴿بُرْهانَكُمْ﴾ أي: الوحي المفخر بالإذن، واتخاذ الشركاء، في نحوه قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ [الحج:٧١]. ﴿هذا:﴾ يعني: القرآن. و ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ:﴾ من المؤمنين واليهود والنصارى وعيسى والخضر وإلياس. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي:﴾ من الرسل الماضين وأتباعهم الذين قصّهم الله تعالى في القرآن.

стр. 1122

٢٥ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ:﴾ إخبار عن عامّة الرسل على طريق الإجمال. ٢٧ - ﴿لا يَسْبِقُونَهُ (١)﴾ بِالْقَوْلِ: غاية الإخبات والإنصات، وترك الافتيات (٢). ٢٨ - ﴿لِمَنِ اِرْتَضى﴾ أي: من ارتضاه الله أن يشفعوا له، هم الذين خلقهم الله لذلك، فإنّه يقول مخبرا عنهم: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧]. ﴿مِنْ خَشْيَتِهِ:﴾ من مهابته. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خائفون. ٢٩ - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ. . .﴾ الآية، فائدة الوعيد: تفخيم الأمر، وتعظيم الشأن، وقد ذكرنا أنّ الوعيد: إيجاب حكم معلق بشرط موهوم. وعن الضحاك وغيره: أنّ إبليس كان فيهم، فارتكب الشرط المشروط، فوجب (٣) عليه الحدّ. (٤) ٣٠ - ﴿كانَتا رَتْقاً:﴾ يمسك المطر والنبات، والرّتق، بفتح التاء: الانغلاق والانطباق، ومنه المرأة الرتقاء، والرّتق، بسكون التاء: متعدّ، ومنه يقال: فاتق راتق. وعن أبي صالح الحنفي (٥): أنّ السماوات كنّ واحدة، والأرضين كنّ واحدة في ابتداء الخلق، ثمّ جعل الله كلّ واحدة منهم في سبعة أطباق. (٦) ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ:﴾ قال الكلبيّ: كلّ شيء حيّ أنبتته الأرض. وقال الكلبيّ أيضا: بقاء النبات وحياة حي من الماء. وقال أبو العالية (٧): المراد بالماء النطفة. (٨) وأطلق قتادة (٩) والضحاك، وهو ظاهر الآية. ٣١ - ﴿فِجاجاً:﴾ جمع فجّ، والفجّ: الفرجة من جبلين، وتفاجّت النّاقة إذا فرجت بين

стр. 1123

رجليها لتبول أو لتحلب. ٣٣ - ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ:﴾ قال الكلبيّ (١) والفرّاء (٢): الفلك موج مكفوف. وقال أبو عبيد الهرويّ: الفلك في اللّغة: موج البحر إذا جاء وذهب واضطرب، (٣) وهذا يقتضي أنّ الفلك فلك واحد، وكلّ (٤) يسعون فيه. وقيل: الفلك: الشيء المستدير، ومنه سمّيت القطعة المستديرة من الأرض فلكا، (٥) وهذا يحتمل ما ذكرنا، ويحتمل: أنّ كلّ واحد في فلك على حدة، وكلّ يسبّحون، وهذا قول المنجّمة والفلاسفة، وزعموا: أنّ الأفلاك الدائرة بالنجوم سبعة، وأنّها لطيفة لا تشاهد، ولكن يستدلّ عليها بالكواكب السيّارة، ومع كلّ فلك من هذه الأفلاك سوى فلك الشمس فلك آخر مائل عن فلك الشمس هي علّة عدم الكسوف في كلّ شهر، وعلّة (٦) رجوع الخمسة عن سيرها المستقيم تجاه فلك البروج، و (٧) في ذلك الحق المعصومي بفصول الفرغاني (٢١٩ و) من مقالة أبي الريحان، أمّا على التحقيق والتحصيل إذا أتيا الحكم بالتفصيل، فإنّ ما يجري من الكواكب يقطع البروج في المسارب، هي النجوم الثاقبات الثابتة، والشمس أيضا معها مسامتة هذا، فأمّا الخمسة السيّارة والقمر المدار فإنّها تجري على أقطاب من قطبي (٨) البروج في اقتراب وميلها، أمّا الذي خصّ القمر منه فميل واحد من القدر، وما يخصّ الخمسة المذكورة مختلف ألوانها، تعيي من استفرغ فيها جهده؛ لأنّها من حركات. قال ﵁: وهذا اعتراف منه بالعجز عن إدراك كيفيّة حركات النجوم كلّها في أفلاكها، وفوق هذه الأفلاك السبعة فلكان آخران: أحدهما: فلك البروج والكواكب الثابتة (٩)، وهو لطيف لا يشاهد، ولكن يستدلّ عليه بالكواكب الثابتة. زعموا أنّ هذه الكواكب الثابتة تزول عن مواضعها، وأنّ هذا الفلك يدور دور هذه السبعة من نحو المغرب إلى المشرق، إلا أنّ سيره بطيء لا يقطع في مئة سنة إلا جزءا واحدا من ثلاث مئة وستين جزءا في رأي بطليموس، وقال أصحاب الممتحن وأصحاب

стр. 1124

الأرصاد: لا يقطع في ستّ وستين سنة إلا جزءا واحدا من ثلاث مئة وستين جزءا من أجزاء الفلك الأعظم. والآخر فلك الأقطاب، وهو كالضدّ للفلك الأعظم المستقيم المحوط المكوّر لسائر الأفلاك من نحو المشرق إلى المغرب، وهذا الفلك الأعظم لطيف لا يشاهد، ولكن يستدلّ عليه بالمجرّة، أو تسير الطوالع والغوارب من نحو المشرق إلى المغرب على أدبارها. ثمّ (١) اختلفوا فيما بينهم، فزعم بعضهم أنّ الأفلاك السبعة في السماوات السبع التي أخبر الله تعالى عنهنّ أنّه سواهنّ سبع سماوات، وأنّ فلك البروج هو الكرسيّ، وأنّ فلك الأعظم هو العرش، وزعم آخرون: أنّ هذه الأفلاك التسعة بين السماء والأرض، وأنّ السماوات فوق هذه الأفلاك التسعة، وأنّ هذه الأفلاك التسعة لم تكن حاجزة بيننا وبين السماء، ولا ساترة إيّاها للطافتها، ولكن تسمّى الأفلاك سماء، كما يسمّى السحاب سماء، والمطر سماء (٢)، السقف سماء. واختلفوا في ماهيّة هذه الأفلاك، فزعم أفلاطون وأصحابه: أنّ السماء متركّبة من الطبائع الأربع. وزعم قوم منهم: أنّ السماء نار. وزعم قوم: أنّها مركب من نار وريح، يعنون كلّهم بالسماء: الفلك، وزعم أبسطاليس (٣) وأصحابه: أنّ السماء جرم خامس ليس من الطبائع الأربع، فإنّها لو كانت نارا أو ريحا لعلت، ولو كانت أرضا أو ماء لهبطت، وأجمعوا أنّها متناهية (٢١٩ ظ) محدودة، والله أعلم بالحقيقة. (٤) ﴿يَسْبَحُونَ:﴾ يجرون ويطردون. ٣٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ (٥): أراد مادّة التنفيس، وهي نسمة كالنسيم، وهي خلاصة الجسد، ومركب الروح. ﴿ذائِقَةُ الْمَوْتِ:﴾ كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، أراد حيوانات السماء والأرض، واختلفوا في حيوانات الجنّة والنار. قيل: خلقها الله تعالى للبقاء، فلا يتناولها حكم الفناء. وقيل: لا بدّ لهم (٦) من سبات أو وفاة. وقيل: يوم القيامة. ٣٦ - ﴿آلِهَتَكُمْ:﴾ بالذمّ والعيب والسوء والشتم.

стр. 1125

﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ:﴾ وهم يكفرون، كفرهم إنكارهم تسمية الرحمن، وأنّه هو الذي يذكر آلهتهم بالسوء. ويحتمل: أنّها في معنى قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ [الأنعام:٨١]. ٣٧ - ﴿مِنْ عَجَلٍ:﴾ من طين، إنّما عبّر للتجنيس اللفظي. وقيل: هو مجاز، كما يقال: خلق فلان من الرفق والحكمة، وفلان من الخرق والطيش، (١) وهذه حروف مؤخرة لما بعدها في التقدير مقدّمة في التلاوة. ٤٠ - ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ عائدة إلى الإناث، وفي قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي.﴾ ٤٢ - ﴿يَكْلَؤُكُمْ:﴾ يحفظكم ويحرسكم. ﴿بَلْ:﴾ للإضراب. ٤٣ - ﴿يُصْحَبُونَ:﴾ يحفظون من قولك: صحبك الله، أي: حفظك، وقال المازني: هو من الإصحاب وهو المنع. (٢) ٤٤ - ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ:﴾ أراد أحد أشياء ثلاثة (٣): إمّا التنبيه على قساوة القلب باعتياد الكفر والإنكار، فإنّ طول العمر على عادة واحدة مما يؤكّد العادة (٤)، وإمّا التنبيه على بلوغهم نهاية الأجل، فإنّ الشيء إذا طال بلغ نهايته، وإذا بلغ نهايته انقضى. (٥) ٤٦ - ﴿نَفْحَةٌ:﴾ فورة من الخير والشرّ، ونفح الريح: بردها، ونفح العرق إذا (٦) نعر، ونفحت أردان (٧) الجارية بالمسك، وفلان نفّاح بالخير. ٤٧ - ﴿الْقِسْطَ:﴾ صفة الموازين. ﴿خَرْدَلٍ:﴾ حبّ في حجم (٨) بزر قطونا في غاية الحراقة، يتغرغر به من في دماغه فضل

стр. 1126

رطوبة، والمراد به القلّة (١) على ما يتعارفه الناس. ٤٨ - ﴿وَضِياءً:﴾ ونورا. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ أنبياء بني إسرائيل، ومن سلك منهاجهم. وكان دانيال الحكيم ﵇ منهم. عن عبد الله بن أبي الهذيل (٢) قال: ضرّى بختنصر أسدين، وألقاهما في جبّ، وجاء بدانيال، فألقاه عليهما (٣)، فلم يهيّجاه، فمكث ما شاء الله، ثمّ اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى أرميّا ﵇ أن اتخذ طعاما وشرابا لدانيال (٤)، فقال: يا ربّ، أنا بالأرض المقدسة، ودانيال بأرض بابل من أرض العراق (٥)، فأوحى الله إليه أن اتخذ ما أمرنا، سنرسل إليك من يحملك، ويحمل ما أعددت، ففعل، فأرسل الله إليه من حمله، وحمل ما أخذ حتى وقف على رأس الجبّ، فقال دانيال: من هذا؟ قال: أرميّا، قال: ما جاء بك؟ (٢٢٠ و) قال: أرسلني إليك ربّك ، قال: وقد ذكرني؟ قال: نعم (٦)، قال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيّب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة، والحمد لله الذي يكشف ضرّنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظنّنا بأعمالنا (٧)، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنّا. ٥١ - ﴿إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ:﴾ موسى وهارون. وقيل: أراد تقديم الرشد على النبوّة والرسالة. (٨) ٥٢ - ﴿التَّماثِيلُ:﴾ جمع واحدها تمثيل وتمثال، فالأوّل مصدر، والثاني الصّنم، بمثالة التمساح. عكرمة، عن ابن عباس قال: كان آزر يصنع أصناما يبيعها، يطبع عليها بطابعه، فكلّ صنم يوجد ليس عليه طابع آزر. روي: أنّه خلاف لما أمر به الملك وقبل عليه، فكان آزر يبعث بها، فيطاف بها في الأسواق والقرى التي حولهم، فيبيعون، ويرجعون إليه بالأثمان، ويبعث مع

стр. 1127

إبراهيم، فينادي بأعلى صوته: من يشتري ما يضرّه ولا ينفعه، ويضرب رؤوسها بقرّاعة معه، ويقول: يا لك غرورا، ثمّ يأتي بها إلى النهر، فينكّس رؤوسها، فيقول: ألا تشربن؟! ما رأيت كاليوم أمرا أعجب يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر، ولا ينطق، ولا يدري من عبده أو كفر به! فيقول بعض من يسمع إبراهيم ويقول هذا: أرأيت آزر وهو ثقة الملك على هذه الأصنام، كيف يبعث بها مع هذا المجنون يقول ما يقول من إظهار عيبها؟ فبعضهم يقولون: مجنون، وبعضهم يقولون: ضعيف، وبعضهم يقولون: هو صاحب نمرود، قال (١): وبلغ نمرود كلّ ما يقول واسمه، وحسب له ميلاده، فإذا هو يكون الشهر في الذي تخوّف، والذي (٢) ذبح عليه الولدان، وقد ذبح أكثر من ألف من الولدان، قال: فنظر إبراهيم ﵇ نظرة في النجوم ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، والسقيم عندهم المطعون، وعرف أنّهم يهربون من الطاعون فرقا من العدوى، فخرجوا من عنده هاربين. (٣) ٥٧ - ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ:﴾ عن الواقديّ، عن أشياخه قال: كان آلهتهم العظمى عشرة من نحاس على سرر من ذهب مكلّلة بالياقوت والزبرجد، أعينها حمر، لها لهب كلهب النار، لكلّ واحد منها (٤) عينان تتوقّدان في الظلمة، وساتر ملبس بصفائح الذهب، مكلّل (٥) بالياقوت، فلمّا دخل عليها إبراهيم ﵇ وجد عندها (٢٢٠ ظ) طعاما كثيرا قد وضعوه، وشرابا من خمر، فأقبل عليها ضربا باليمين، أي: بيمينه التي حلف بها لأكيدنّ أصنامكم، ويقال: بيمينه، أي: بيده، وجعل يقول: ألا تأكلون؟ ألا تشربون؟ وهراق ذلك الطعام، وجعل يكسرها بفأس، ثمّ عمد إلى أعظم العشرة الأصنام، يقال له: براح، فعلّق الفأس عليه، وتركه والفأس معلّقة عليه، وكان فعل إبراهيم هذا بهم وافق عيدا لهم يخرجون إليه، يقيمون فيه (٦) ثلاثا يعكفون، فلمّا رجعوا إلى مدينتهم، وكانوا إذا دخلوا من مغيب، أو خرجوا إلى مغيب سفر لم (٧) يدخل أحد بيتها حتى يسجد لها، وإذا خرجوا (٨) لم يخرجوا حتى يسجدوا لها، وإذا نزل بأحدهم أمر ذهب إليها.

стр. 1128

٥٨ - ﴿جُذاذاً:﴾ قطعا. ﴿إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ:﴾ الضمير راجع إلى الأصنام. وقيل: إلى الناس. ٥٩ - ﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا:﴾ قال: لّما رجعوا من عيدهم بدؤوا بها قبل بيوتهم، فرأوا ما فعل بها، فقال نمرود: من فعل هذا؟ قال رجل من خزّان آلهتهم سمع إبراهيم عند خروجهم يقول: لأكيدنّ أصنامكم، سمعت فتى يذكرهم يقال له: إبراهيم، يقول ذلك، فأخبر الملك، فدعا إبراهيم فقال له: أرأيت إلهك هذا الذي تعبده، وتدعو إلى عبادته، وتذكر من قدرته وعظمته وربوبيّته التي تعظّم بها على غيره، ما هي؟ صفها لي، قال إبراهيم (١) ﵇: إنّ ربّي يحيي ويميت، قال نمرود: فأنا أحيي وأميت، ثم ذكرنا في الحديث. (٢) ٦١ - ﴿عَلى أَعْيُنِ النّاسِ:﴾ أي: جهارا نهارا. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ:﴾ على إقراره. وقيل: يشهدون على الإنكار عليه، فيرتدعون (٣) عن الإقدام على مثل صنيعه. ٦٣ - ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ:﴾ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يكذب إبراهيم قطّ إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ،﴾ وقوله لسارة: أختي». (٤) قال: لهذا النوع من الكذب رتبة الصدق، قال ﵇: «لا كذب إلا في اثنتين: في إصلاح ذات البين، [و] (٥) في حديث الرجل لامرأته، وحديث المرأة لزوجها». (٦) ٦٥ - ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ:﴾ صرفوا بالخذلان على أدبارهم، فانصرفوا عن تلاومهم إلى جدال إبراهيم ﵇. و (المنكوس): المعكوس. ﴿ما هؤُلاءِ:﴾ للجحد، كقوله: ﴿ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود:٧٩]، ﴿وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت:٤٨].

стр. 1129

٦٨ - ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ:﴾ عن الواقديّ، عن شيوخه قالوا: أمر نمرود بإبراهيم إلى السجن أولا، فجلس سبع سنين، وجعل إبراهيم يدعو أهل السجن إلى الله وعبادته حتى فشا أمره، وأحبّه قوم على دينه، ولم يدخلوا معه، فجاء السجّان إلى الملك، فقال: إنّ الملك (٢٢١ و) كان قد غضب على قوم في جيشه خالفوه، فكانوا يطلبون رضاه، ويأبى الملك، فدخل إبراهيم السجن، فدعاهم إلى عبادة إلهه، فقد رأيتهم قد ركنوا إلى قوله وأحبوه، وأنا أخاف أن يتّبعوا دينه، ويتركوا دين الملك، ما يرى في السجن صنما إلا كسره حتى هانت عليهم موجدة (١) الملك، قالوا: ما نبالي لو قتلنا على هذا الدين، فبلغ نمرود من ذلك ما شقّ عليه، واغتاظ غيظا شديدا. وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال نمرود لإبراهيم ﵇: يا إبراهيم (٢)، أيّة قتلة أقتلك، وقد صنعت بآلهتنا ما صنعت؟ قال: فقال رجل من الأعراب، وهم أكراد (٣) الجبل: حرّقوه بالنار، قال نمرود: أصبت، أصبت ما في نفسي، ما رأيت كلمة أشفى لما أجد من كلمتك. وعن جابر، عن عبد الله قال: سمعت الهرمزان يحدّث في عهد عمر ﵁ قال: لّما أرادوا أن يحرقوا إبراهيم ﵇ جعلوا له جيرا خمسين (٤) في خمسين، وطوله ستون (٥) ذراعا، وعرضه عشرة أذرع، وله أساس في الأرض عشرون ذراعا، ثمّ نادى مناد: بعزيمة الملك على أهل مملكته أن يحملوا جزل الحطب (٦)، فيلقوه في الجير، فطرحوا فيه جزل الحطب خمس عشرة ليلة، فلم يبق أحد إلا ألقى في الحطب، فلما ساوى الحطب رأس الجيرة، وجعل له بابان من حديد: باب يدخل فيه، وباب يخرج منه لحمل الحطب، فلما بني كذلك، والبابان مسدودان أذاب عليهما النحاس، وأوقد النار في الحطب حتى غشي اللهب المدينة، وأظلم عليهم الدخان، فصار كالسحاب، وسمع للنار مثل وقع الحديد على الحديد، وارتفع في السماء لهبها، فلمّا أرادوا يلقونه (٧) فيها صاحت السماء والأرض وما بينهما إلا الثقلين: ربّنا ليس في أرضك هذه الواسعة سهلها وجبلها وبرّها وبحرها أحد يعبدك غيره يحرق بالنار؟ فأذن لنا في نصره، فقال ﵎: إن دعا أحدا منكم فأغيثوه، فإنّي قد أذنت لكم في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا

стр. 1130

وليّه، خلّوا بيني وبينه، وأقبل إبراهيم ﵇ على الدعاء يقول: ربّ أنت واحد في السماء، وأنا واحد في الأرض، لا يعبدك أحد غيري، يا أحد يا صمد، بك أستعين، وبك أستغيث، وعليك أتوكّل، حسبي الله، لا إله إلا هو، ونعم الوكيل، إنّك تعلم أنّما عداوتي قومي فيك، فانصرني عليهم، ونجّني اليوم من النار (١)، قال: فأوحى الله إلى النار أن كوني بردا وسلاما، فكانت (٢) كما قال الله تعالى (٣)، فمكث في النار سبعة أيّام، وبعث الله إليه ملك الظلّ في صورة إبراهيم، فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه، ثمّ إنّ عدوّ الله ركب مركبا له، فمرّ بالنار وقد خبت، وقد احترقت (٢٢١ ظ) الجدر، وذاب النحاس والحديد، وصار الوقد والبناء رمادا وأعاصير، وكان الوطاويط، يعني: الخطاطيف، يومئذ تطفئ عن إبراهيم النار، وكان الأوزاع تنتفخ عليه، وتلهب عليه، قال أصحاب الملك: ما بقي شيء قد أراحنا الله من عدوّنا، وأهلكه بأسوء قتلة، وشفى الملك منه، وشفانا منه، وصارت النار رمادا، فأنغض نمرود برأسه وقال: إنّي رأيت في المنام كأنّما هدّ الجير، وخرج إبراهيم من النار سليما، يجمر (٤) لم (٥) يكلم، وأنّا طلبناه فلم نقدر عليه، فانظروا، فإنّه سيخرج منها سليما لم يكلم، قال أصحابه: أين ذهب الملك؟ إنّ الحلم (٦) ليصدق ويكذب، ونظنّ (٧) ذلك يكذب، قال نمرود: فابنوا لي صرحا على أشرف النار، فأنظر في قعرها، ففعلوا، فأشرف عليها، ورأى أنّ إبراهيم ﵇ جالسا، ورأى رجلا مثله على صورته يروّح إبراهيم ﵇ فناداه نمرود: يا إبراهيم، الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين النار، هل تستطيع أن تخرج؟ قال إبراهيم: نعم (٨)، فخرج إبراهيم، فاجتمع الناس، فقالوا: من الرجل الذي كان معك؟ قال: ملك الظلّ، وهو الذي أيّدني ربّي به، وأوحى الله إلى النار فقال: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾ فكانت عليّ كما قال، ثمّ خرج إبراهيم إلى أمّه حتى قعد إلى جنبها، وهي في المجمع، فأقبلت سارة بنت هارون، وكانت أوّل من آمن بإبراهيم حتى جلست إلى جنبه إيمانا به، وتعجّبا لما صرف عنه، وقالت: إنّي آمنت بالذي جعل النار عليك بردا وسلاما، فقالت لها أمّ إبراهيم: احذري القتل على نفسك، قالت: وكيف

стр. 1131

أخاف شيئا وقد آمنت بربّ إبراهيم؟ إنّ الذي منع إبراهيم ممّا ترين لقادر على أن يمنعني، قال: وقال نمرود لأصحابه: قد أخبرتكم بالرؤيا التي رأيت مع ما كنّا نجد في النجوم من ذكر إبراهيم وخلافه، ما يبعد أنّه سيظهر، وكانت حول إبراهيم ﵇ حين خرج من النار جماعة من الناس لا يحصى عددهم، فهم يأتمرون به ليجدّدوا له عذابا آخر، فأرسل الله تعالى ريحا عاصفا، فنسفت رماد تلك النار عن وجه الأرض، ثمّ ذرّته في وجوههم، فخرجوا هاربين (١) مولّين، وأرسل نمرود إلى إبراهيم ﵇: أنّي مقرّب إلى ربّك قربانا لما رأيت (٢) من قدرته، ولما صرف عنك ممّا أردناه بك وصنعنا بك من أشدّ أصناف العذاب، وأهول (٣) القتل، فأذبح له أربعة ألاف بقرة، فقال إبراهيم: إذا لا يقبل منك شيئا ما كنت على دينك (٢٢٢ و) قال نمرود: يا إبراهيم، لا تطيّب نفسي بفراق ملكي، ولو أنّ قومي تركوا ملكي في يدي لتبعتك، ولكنّ قومي يأبون، وأنا أضنّ بملكي، ولك أن لا تؤذى ولا تهاج، فلم يهجه يومئذ، ولم يتعرّض له. (٤) وعن سفيان بن عيينة قال: لمّا وضع إبراهيم في المنجنيق جاءه جبريل ﵇ فقال: ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا، ليست لي حاجة إلا إلى الله تعالى، فأوحى الله تعالى إلى النار لئن نلت من إبراهيم أكثر من حلّ وثاقه لأعذبنّك عذابا لا أعذبه (٥) أحدا من خلقي. (٦) قال: البرد خلاف الحرّ، ويذكر ويراد به العافية والراحة، كقولهم في الدعاء: اللهمّ أذقنا برد عفوك. قال: لو قال للنار: كوني بردا، ولم يقل: سلاما لجمدت وأجمدت إبراهيم ﵇، ولو لم يقل: على إبراهيم لبطلت النار في الدنيا، ولم تحرق (٧) شيئا بعد ذلك. ٧٠ - ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ:﴾ خسارهم: بقاؤهم في الضلالة، وزوال ملكهم عند انقضاء آجالهم إلى بدل سوء. روى الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنّ إبراهيم لمّا خرج من النار سالما قال عمّه هارون (٨) أبو لوط: إنّما لم تحرقه النار لعبادتي إيّاها، فحفظته فيّ، فابنوا له أتونا، واهلكوه بالدخان، فإنّ الدخان لا وفاء له ولا حفاظ، فبنوا أتونا، وأوقدوا فيه نارا، وأدخلوا فيه إبراهيم

стр. 1132

ولوطا وسارة، فخرجت عنق من النار (١) وأصابت لحية هارون فاحترق بها، وفتح الله طريقا (٢) لإبراهيم ولوط وسارة، فخرجوا سالمين. (٣) ٧٢ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ:﴾ خصّه؛ لأنّ ولادته كانت بعد شيخوخة إبراهيم ويأس سارة، فكانت آية من آيات الله تعالى، وخصّ يعقوب لمكان نبوّته، وكونه إسرائيل الله. ﴿نافِلَةً:﴾ عطية زائدة. ٧٥ - ﴿وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا:﴾ نعمتنا، وهو مواساة إبراهيم إيّاه في الدنيا، والجنّة في العقبى. ٧٦ - ﴿وَنُوحاً:﴾ نصب بفعل مضمر، أي: ونجّينا نوحا. ﴿مِنَ الْكَرْبِ:﴾ شدة الحزن. ٧٨ - وانتصاب ﴿داوُدَ﴾ بفعل مضمر. و ﴿نَفَشَتْ:﴾ انتشرت السائمة، وأرتعت بالليل من غير راع (٤). واللام في ﴿الْقَوْمِ﴾ للتعريف؛ لأنّ القصّة معروفة عند أهل الكتاب، أو للتعويض (٥) عن الإضافة، أي: قومهما. ﴿لِحُكْمِهِمْ:﴾ أي: على حكمهم. ﴿شاهِدِينَ:﴾ مطّلعين، والضمير عائد إلى داود وسليمان وقومهما. ٧٩ - وقوله: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ دليل على أنّهما حكما (٦) باجتهاد الرأي لا بالنصّ، وللنبيّ أن يجتهد في حادثة علم أصولها بالوحي، والهاء عائد إلى القصة. وعن ابن عباس قال: إنّ غنم قوم وقعت في كرم قوم ليلا حين خرج عناقيده (٧) (٢٢٢ ظ) فأفسدتها، فاختصموا [إلى] (٨) داود بن أنشا النبيّ ﵇، فقوّم داود الغنم والكرم، فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم بما أفسدت، ولم يكن حمل الكرم

стр. 1133

كلّه، قال: فخرجوا من عند داود ﵇، فمرّوا على سليمان فقال: بم قضى بينكم الملك؟ فأخبروه، فقال: نعم ما قضى به، وغير هذا كان أوفق بالفريقين جميعا، فرجع أصحاب الغنم إلى داود ﵇ (١)، فأخبروه بما قال سليمان، فأرسل داود إلى سليمان، فقال: كيف رأيت قضائي بين هؤلاء؟ قال: نعم ما قضيت، قال: عزمت عليك بحقّ النبوّة، وبحقّ الملك، وبحقّ الوالد على ولده إلاّ ما أخبرتني، فقال سليمان: غير هذا كان أوفق بالفريقين جميعا، قال: ما هو؟ قال: يأخذ أهل الكرم الغنم بما أفسدت كرمهم، فينتفعون بألبانها وسمنها وأصوافها ونسلها، ويعمل أهل الغنم لأهل الكرم في كرمهم حتى يعود كهيئته يوم أفسدت، فقال داود ﵇: نعم ما قضيت، فقضى داود بينهم بذلك، فقوّموا بعد ذلك الكرم، وقوّموا ما أصاب أهل الكرم من الغنم (٢)، فوجدوه مثل ثمن الكرم، فقضى به داود ﵇، وحكم سليمان ﵇ وهو ابن أحدى عشرة (٣) سنة. قول سليمان: غير هذا كان أوفق، دليل على جواز مشاركة النبيّ والإمام في الاجتهاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وقول داود: عزمت عليك، دليل على وجوب طلب الأحسن ما أمكن، ولهذا رجع أبو حنيفة من قول إلى قول. وفي قضائه بقضاء سليمان دليل على أنّه كان على سبيل الفتوى، ولم يبرم قضاءه، أو كان من شريعته فسخ الاجتهاد (٤)، أو أوحى الله أنّ الحقّ ما قاله سليمان، فصار فسخ الاجتهاد بالنصّ. والحكم في شريعتنا على ما روى أبو هريرة، عنه ﵇: «العجماء جبار، والمعدن جبار» (٥)، وفي بعض الروايات: «جرح العجماء جبار» (٦)، فيستعمل الخبرين العامّ على عمومه، والخاصّ على خصوصه. ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً:﴾ دليل على حسن حكم داود، وإن كان حكم سليمان أحسن منه، وإنّ أقاويل المجتهدين كلّها دين لله تعالى. ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ (٧)﴾ وَالطَّيْرَ: لمحاومة داود كان خلاف العددة (٨)

стр. 1134

متميزا لأولي الألباب بإذن الله. ٨٠ - ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ:﴾ ما يلبس كالرّكوب ما يركب، والسّحور ما يتسحّر به، يعني: الدّرع من الحديد. ٨١ - ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً:﴾ كانت ريحه ﵇ تجري مرّة رخاء، ومرّة عاصفة على مقدار المراد من مصلحة الحال، وذكروا في قوله: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] كان يقيل باصطخر (١) فارس، ثم يروح إلى كابل (٢)، ثم يرجع إلى بلاده، قالوا: وكان والي خراسان يومئذ كسرى بن سياوش بن (٢٢٣ و) كيقابوس تزحزح لسليمان عن ممالك العراق وفارس حتى انتهى إلى بلخ، فنزلها، ثم غاب غيبته، واستخلف لهراسف. وروي: أنّ سليمان ﵇ حجّ على سريره تحمله الريح. ٨٢ - ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ:﴾ إلى قعر الماء لاستخراج اللؤلؤ والياقوت ونحوهما. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ:﴾ من المحاريب والتماثيل والطواحين والحمّامات، وقد عملوا السيوف المعجونة السليمانيّة، وبنوا له تدمر (٣) بالشام. ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ أي: حابسين في طاعته وسلطانه، أو عاصمين من عاجل العقوبة والهلاك. ويحتمل: أنّ الضمير عائد إلى داود وسليمان وأوليائهما. ٨٣ - وذكر أبو الحسن أحمد بن محمد البلخيّ: أنّ أيوب هو ابن أموص بن زرح بن عيصو (٤) بن إسحاق، وامرأته رحمة بنت أفراييم بن يوسف، وكان بالبتنيّة، وهي أرض من ديار الشام، بين دمشق ورملة، فلبث في قومه سبع سنين يدعوهم إلى الله، فلم يجبه إلا ثلاثة نفر، وكان كثير المال والولد، مباركا عليه فيهما، يملك ألف رأس ثور للحراثة، مع كلّ رأس ثور أتان تحمل ألات الحراثة، خلف كلّ أتان جحشان وثلاثة، والفدّادون كلّهم كانوا عبيدا له، وكان يملك من الغنم ألف ألف، وكان الرعاة عبيدا له، وكانت أولاده عشرة من الذكور وسبعة من الإناث، وكان أعبد خلق الله وأشكر خلقه في زمانه، فحسده إبليس، واعتقد أنّ سبب

стр. 1135

عبادته وشكره هي (١) النعمة الظاهرة، فلو انتزعت منه لكفر بالله ، وأحبّ الله أن يبتلي عبده باستلاب النعمة الظاهرة ليجلّيه في حلية البؤس والفقر، كما جلاّه في حلية الثروة والغنى، ليظهر فساد اعتقاد عدوّه، فسلّطه الله على أمواله وأهله حتى أهلك الحرث والنسل شيئا بعد شيء، ثمّ سلطه على جسده، فمسّه ونفخ فيه، فمن شؤمه انفتخ جسد أيوب ﵇، وخرج منه الجدريّ، ثمّ تدوّدت قروحه بعد ذلك من داخل وخارج، ولم يسلم منه إلا قلبه ولسانه ودماغه، ولبث في ذلك البلاء (٢) سبع سنين، وكلّ ذلك من جهة إبليس بإذن الله وتخليته، وأيوب ﵇ في (٣) ذلك صابر شاكر بإذن الله ولطفه وحسن توفيقه، وكان لم يبق معه أحد من أصحابه وخوله إلا امرأته، كانت تطوف على أبواب الناس وتسأل، فبعضهم ينهرها، وبعضهم يتصدق عليها، فتجيء وتنفق عليه، فتراءى لها إبليس لعنه الله في صورة آدميّ شابّ صبيح مليح، وقال لها: أيّتها المرأة، أنت امرأة من أولاد الأنبياء، فما بالك تحت رجل من الأشقياء، قد قلاه الله وابتلاه، (٢٢٣ ظ) قالت: بل هو نبيّ الله وصفيّه، لست بمؤثرة عليه أحدا أبدا، ثمّ جاءت فذكرت ذلك لأيوب، فقال أيوب: إنّما ذلك الشيطان فلا تكلّميه، ولا تجيبيه بشيء، ثمّ تراءى لها بعد ذلك، وكلّمها بمثل كلامه (٤) الأوّل، وأجابته بمثل جوابها الأوّل، فأخبرت بذلك أيوب، فقال: إنّما ذلك الشيطان فلا تكلّميه، ولا تجيبيه بشيء، ثمّ تراءى لها بعد ذلك وكلّمها، وأجابته كذلك، وأخبرت بذلك أيوب، فقال: أما قلت لك مرّة بعد مرّة: إنّه الشيطان لا تكلّميه، ولا تجيبيه، وحلف (٥) بالله تعالى أن يضربها (٦) مئة جلدة إن شفاه الله تعالى. وعن ابن عباس قال: قال أيوب ﵇: كان الركض (٧) برجلي أشدّ عليّ من البلاء الذي كنت فيه، فأتاه جبريل ﵇ وقال: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ [ص:٤٢]، ففعل، ففجرّت له عين، فاغتسل منها، فصحّ جسده، ثمّ قيل له: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، ففجرت له عين (٨)، فشرب فالتأم ما في جوفه، وبرئ قدمه.

стр. 1136

٨٤ - قوله: ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ يقول: برأنا ما به من وجع شديد في جسده. ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ:﴾ فكانت امرأته ولدت له سبع بنين وسبع بنات، فنشروا له ما كان قد مات (١) في ذلك البلاء. ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ:﴾ وضعفهم معهم (٢)، ولدت له امرأته سبع بنين وسبع بنات. ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي: عظة للمتّقين، وهذه الرجعة ليست بأعجب من رجعة عزير وعاميل والسبعين والألوف. وعن أبي حنيفة ﵁ قال: ردّ الله على أيوب أهله، وولده من صلبه، ومثل أمور ولده. (٣) ٨٥ - وذو الكفل نبيّ من بني إسرائيل بعثه الله تعالى إلى ملك يقال له: كنعان، فدعاه إلى الإيمان، وكفل له بالجنّة، وكتب له كتابا (٤) ذكر حق (٥) الله، وآمن الملك، وأوصى بأن يدرج ذلك الكتاب معه في طيّ أكفانه، ففعلوا، ودفنوا ذلك الملك، فردّ الكتاب إلى ذي الكفل، وقيل له: إنّ الله يقرئك السّلام، وقد أوفى الملك (٦) ما وكدت (٧) في عنقك (٨). وذكر الكلبيّ: أنّ إلياس ﵇ كان في أربع مئة من الأنبياء، فقتل الملك منهم ثلاث مئة نبيّ، فكفل ذو الكفل في مئة نبيّ، فكفلهم وخبّأهم عنده يطعمهم، ويسقيهم حتى خرجوا من عنده، فسمّي ذو الكفل؛ لكفالة طعامهم وشرابهم حتى أفلتوا. (٩) وذكر الحدادي: أنّ اسم ذي الكفل عايوذا. وكان نبيّا، عند الحسن. (١٠) ورجلا صالحا كفل لنبيّ عبادته، عند قتادة. (١١) ٨٧ - ﴿وَذَا النُّونِ:﴾ قال النبيّ ﵇: لّما بدا ليونس ﵇ أن يدعو الله بالكلمات حين نادى وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحت العرش، فقال الملائكة: (٢٢٤ و) يا (١٢) ربّ هذا صوت

стр. 1137

ضعيف معروف من مكان غريب، فقال: ما تعرفون؟ ذلك عبدي يونس الذي لم يزل يرفع له (١) عمل متقبّل، ودعوة مجابة، قالوا: يا ربّ، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، فتنجيه من البلاء، فأمرت الحوت وطرحته بالعراء. (٢) ٨٨ - وعن سعد قال: قال النبيّ ﵇: «من دعا بدعاء يونس استجيب له» (٣)، قال (٤): يريد ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.﴾ ٩٠ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى:﴾ عن ابن عباس قال: بعث عيسى ﵇ يحيى بن زكريا ﵉ في اثني عشر من الحواريين يعلّمون الناس، فكان فيما يعلّمونهم أن ينهوهم عن نكاح ابنة الأخت، وكان لملكهم ابنة أخت تعجبه، وكان يريد أن يتزوّجها، وكان لها كلّ يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمّها أنّهم نهوا عن نكاح ابنة الأخت، فقالت لها: إذا دخلت على الملك، فقال: لك حاجة؟ فقولي: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا (٥)، فلما دخلت عليه، فسألها حاجتها، فقالت: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا، فقال: سليني سوى هذا، قالت: ما أسألك إلا هذا، فلما أبت عليه دعا بطست، ودعا به، فذبحه، فبدرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم، فألقى في نفسه أن يقتل على ذلك منهم حتى تسكن نفسه، فقتل عليه منهم سبعين ألفا. (٦) وعن شهر بن حوشب قال: لّما قتله رفع رأسه، فجعلته في طست من ذهب، فأهدته إلى أمّها، فجعل الرأس يتكلّم في الطست، أنّها لا تحلّ له ولا يحلّ لها، ثلاث مرات، فلمّا رأت الرأس فقالت (٧): اليوم قرّت عيني، وأمنت على ملكي، فلبست درعا من حرير، وخمارا من حرير، وملحفة من حرير، ثمّ صعدت قصرا لها، وكانت لها كلاب تضرّيها بلحوم الناس، فجعلت تمشي على قصرها، فبعث الله تعالى عليها ريحا عاصفا، فلفّتها في ثيابها، فالقتها إلى كلابها، فجعلن (٨) ينهشنها، وهي تنظر، وكان آخر ما أكلن منها عينيها (٩). (١٠)

стр. 1138

٩١ - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها:﴾ عورتها. ﴿فَنَفَخْنا فِيها:﴾ قيل: إنّ جبريل ﵇ نفخ في جيبها. (١) وقيل: في كمّها. وقيل: في ذيلها. (٢) وفي التحريم ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ﴾ [التحريم:١٢] هاهنا راجع إلى العورة، وهناك إلى لفظ الفرج. وقيل: التأنيث راجع إلى الوالدة، والتذكير إلى الولد. ﴿وَجَعَلْناها وَاِبْنَها آيَةً:﴾ وهما اثنان؛ لأنّ كرامة مريم كانت معجزة ولدها، كقوله: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [البقرة:٦١]. ٩٢ - والقول مضمر في قوله: ﴿إِنَّ هذِهِ (٣)﴾ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يعني: قوم عيسى ﵇. ٩٣ - ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ (٢٢٤ ظ) ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ قيل: إنّ الله تعالى لّما رفع (٤) عيسى بن مريم ﵇، وزعمت اليهود أنّهم قتلوه وصلبوه، وشكّ فيه كثير ممّن اتّبعه أيضا إلا نفر من الحواريين وأربعة من تلامذته، والخمسة النفر ويهودا بن نبي، فإنّهم لم يشكّوا أنّ الله رفعه، وكان ﵇ قد أوصى تلامذته أن يخرجوا دعاة إلى الله تعالى، وسمّى لكلّ رجل بلدة، وقال: إذا أتى الرجل منكم البلدة التي سمّيت له، فليقل: إنّي رسول المسيح عيسى بن مريم رسول الله، أدعوكم إلى توحيد الله وعبادته، وإنّ آية كلّ رجل منكم أن ينطق الله لسانه بلغة القوم الذين أرسل إليهم، فلمّا رفعه الله إليه خرج كلّ رجل إلى البلدة التي سمّيت له داعيا إلى توحيد الله وعبادته، وأقام بقية الحواريين والتلامذة على منهاج عيسى ﵇ وشريعته حتى مات خيارهم من أولئك الرسل وغيرهم من الحواريين والتلامذة، ومات أهل الدين والورع منهم، وبقي أتباع الحواريين وتلامذة التلامذة، فاختلفوا (٥)، وتنازعوا الرئاسة فيما بينهم، وابتدع كلّ رجل منهم بدعة ضلال، فضلّوا وأضلّوا. ٩٤ - (كفران السّعي): تركه بلا ثواب، كما أنّ كفران النعمة تركها بلا ثناء. ٩٥ - ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ:﴾ كالترجمة للتحريم، إذ التحريم في معنى القول كقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١]، والتحريم قد يكون تحريم إلجاء، وقد يكون تحريم ابتلاء، والرجوع قد يكون توبة كقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء:٨]، وقد يكون

стр. 1139

موتا كقوله: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١] وقد يكون رجعة إلى الدنيا، كقوله: ﴿قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩]، فإن كان تحريم إلجاء فمجازه مع رجوع التوبة: كانوا محرومين مخذولين عن التوفيق للتوبة، ومجازه مع رجوع الموت: كان حراما عليهم في قضائنا، وتقديرنا أن يخلّدوا ولا يموتوا كقوله (١): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، ومجازه مع الرجوع إلى الدنيا: كان حراما (٢) على القرى التي أهلكناها أن لا يرجعوا إلى الدنيا، أي: سيرجعون، وهذا باطل لقوله: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها. . .﴾ الآية [المؤمنون:١٠٠]. والثاني: أن يكون ترجمة للتحريم، أمّا التحريم في معنى القول، أي: تحريمنا عليهم هو أنّهم لا يرجعون إلى الدنيا، وإن كان تحريم ابتلاء فمجازه مع تحريم رجوع التوبة: كان حراما على القرى التي أهلكناها أن يصرّوا ولا يتوبوا، ومع رجوع الموت لم يمنعني الكلام إلى الدنيا، لم يمنعني الكلام أيضا. ٩٦ - ﴿حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ:﴾ يعني: ردمهم. عن زينب بنت جحش (٣) قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من النوم محمرّا وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله، يردّدها ثلاثا، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا»، (٢٢٥ و) وعقد عشرا، وقالت زينب: قلت: يا رسول الله، أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». (٤) ويحمل الفتح والظفر بغنائمهم (٥) وأموالهم إذا هلكوا، كقولنا: فتحنا الهند والسند، وسنفتح قسطنطينية بإذن الله. ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ:﴾ مرتفع من الأرض. ﴿يَنْسِلُونَ:﴾ يخرّبون (٦). ٩٧ - ﴿فَإِذا هِيَ:﴾ كناية عن الإبصار في محلّ الرفع بالابتداء، وخبرها ﴿شاخِصَةٌ﴾ ﴿أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ بيان لها، كقوله: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ﴾ [الحج:٤٦]. وقيل:

стр. 1140

عماد، وعائدة إلى الحالة الخصلة. (١) ٩٨ - ﴿حَصَبُ:﴾ ما يرمى، تقول: حصبته بكذا. وقال قتادة: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ:﴾ حطب جهنّم، وقال: هو بالحبشيّة. (٢) ٩٩ - ﴿لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً:﴾ يعني: الشياطين والأصنام. ١٠١ - وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى:﴾ مخصّصة لما قبلها. وقيل: ردّ على المحتجّ بعمومها. (٣) وقيل: ناقلة للعموم عن المجاز إلى الحقيقة. وعن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ أتى قريشا وهم في المسجد مجتمعون، وثلاث مئة وستون صنما مصفوفة في الحجر، كلّ قوم بحيالهم، فقال: «إنّكم وما تعبدون من دون الله من هذه الأصنام في النار»، ثمّ انصرف عنهم، فشقّ ذلك عليهم مشقّة شديدة، وأتاهم عبد الله (٤) بن الزبعريّ السهميّ، وكان شاعرا، فقال: ما لي أراكم بحال لم أركم عليها قبل؟ فقالوا: إنّ محمدا يزعم أنّا وما نعبد في النار، فقال: أنا والذي جعلها بيته أن لو كنت هاهنا لخاصمته، قالوا: فهل لك أن نرسل إليه؟ فبعثوا إليه، فأتاهم، فقال له عبد الله بن الزبعريّ: أرأيت، يا محمد، ما قلت لقومك آنفا خاصّ أم عامّ؟ قال: «بل عامّ لمن عبد من دون الله، فهو وما يعبد في النار»، قال: أرأيت عيسى بن مريم؟ هذه النصارى تعبده (٥)، فعيسى والنصارى في النار، وهذا عزير يعبده اليهود، فعزير واليهود في النار، وهذا حيّ من العرب يقال لهم: بنو مليح يعبدون الملائكة، فالملائكة (٦) وهي في النار، ما آلهتنا خير من هؤلاء، قال: فسكت ولم يجبهم، قال ابن الزّبعريّ: خصمتك وربّ الكعبة، وضجّ أصحابه وضحكوا، فقال الحارث بن قيس: حسبك يا محمد، إي والذي جعلها بيته، فنزل قوله: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾ [الزخرف:٥٧ - ٥٨]، يقول: هم أجدل قوم بالباطل ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] بالباطل، ونزل في

стр. 1141

عيسى وعزير (١) والملائكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فقالوا: فهلاّ قلت هذا إذ سألناك؟ ولكنّك تذكر إذ خلوت. ١٠٣ - ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ:﴾ الموت (٢)، لأنّهم مستعدون له، والدنيا (٢٢٥ ظ) سجنهم. وقال الكلبيّ: الأطباق (٣) على النار بعد خروج المؤمنين منها، وذبح الموت بين الجنّة والنار في صورة كبش أملح. ١٠٤ - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ:﴾ ندرجها. و ﴿السِّجِلِّ:﴾ الصكّ يطوى. وقيل: ﴿السِّجِلِّ:﴾ الوراق اكاتب. وعن أبي الجوزاء قال: ﴿السِّجِلِّ:﴾ كاتب للنبيّ ﵇. (٤) وذكر أبو عبيد الهروي: أنّه اسم ملك من الملائكة. (٥) وعن ابن عباس قال: قام رسول الله ﷺ بالموعظة، فقال: «أيّها الناس، إنّكم محشورون إلى الله تعالى عراة غرلا»، ثمّ قرأ: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ. . .﴾ الآية، قال: «أوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنّه سيؤتى برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: ربّ أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما (٦) أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:١١٧] إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، فيقال: هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم». (٧) ١٠٥ - وعن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها:﴾ الجنّة. ﴿فِي الزَّبُورِ:﴾ زبور داود ﵇. ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ:﴾ التسبيح والتهليل والوعظ. ويحتمل: أنّ المراد بالذكر التوراة،

стр. 1142

وبالزبور كتاب داود. ويحتمل: أنّ المراد (١) بالذكر اللوح المحفوظ، و (٢) بالزبور كتاب يعلمه الله. ١٠٧ - ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ:﴾ كونه رحمة لنا شيء لا يخفى، ولكفار قريش فمن حيث قوله: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، ولأهل الذمّة فإيجابه حمايتهم والذبّ عنهم، ولأهل العرب وأئمة الضلال فمن حيث تخفيفه عنهم بمحو سنّتهم السيئة، ومحوها لولا هو ودعوته (٣) تتضاعف عليهم أوزارهم بإضلالهم الناس كافّة. ١٠٩ - ﴿آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ:﴾ أخبرتكم بخبر يقع لكم به علم إن تفكرتم، كما وقع علمي وعلم من آمن بي. ﴿أَقَرِيبٌ:﴾ أقرب ما يتصوّر. ﴿أَمْ بَعِيدٌ:﴾ دونه، لعلّه: الضمير عائد إلى كتمان الموعود وتأخيره. ١١٢ - أراد بقوله: ﴿اُحْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ استنجاز الوعد، كقوله: ﴿آتِنا ما وَعَدْتَنا﴾ [آل عمران:١٩٤]، وقوله: ﴿وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠]. عن أبيّ، عنه ﵇ (٤): «من قرأ سورة الأنبياء حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلّم عليه كلّ نبيّ اسمه فيها». (٥)

стр. 1143

سورة الحج مكية. وعن عطاء: إلا ثلاث آيات نزلن في ثلاثة من المؤمنين: حمزة وعليّ وعبيدة، وثلاثة من الكافرين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، من قوله: ﴿هذانِ خَصْمانِ. . .﴾ [الحج:١٩]. (١) وعن ابن المبارك: الآيات قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ. . .﴾ [الحج:١١] الآيتان، وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا. . .﴾ [الحج:٧٧]. وعن الحسن وهمام، وعن قتادة والمعدّل: أنّها مدنية إلا بعضها نزل في السفر. (٢) وقيل: بين مكة والمدينة. وهي ست وسبعون آية في عدد أهل الحجاز. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ عن جابر بن عبد الله (٤) الأنصاري قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ في بعض المسير إذ نزلت عليه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ،﴾ فتفاجّت ناقة رسول الله ﵇ من ثقلها، فنادى بها رسول الله ﷺ ثلاث مرّات، ثم قال: يا أيّها الناس، أتدرون أيّ يوم ذلك؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، فقال (٥): ذلك يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، ويسكر فيه الكبير من غير شراب، وتضع الحوامل ما في بطونها، وينادي مناد (٦): يا آدم، ابعث بعثا من ذريّتك إلى النار، فيقول آدم: من كلّ كم كم؟ فيقال: من كلّ ألف تسع مئة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنّة، قال: فشقّ ذلك على أصحابه مشقّة شديدة، وحزنوا له، فلمّا نزلوا راحوا إلى النبيّ ﵇ كأنّما على رؤوسهم الطير من هول ما سمعوا في مسيرهم، فقالوا: يا رسول الله، ما نزل فيما مضى أشدّ ممّا نزل عليك في مسيرك هذا، فلمّا رأى رسول الله مشقّة ذلك عليهم قال: أيسرّكم أن تكونوا

стр. 1144

ثلث أهل الجنّة؟ قالوا: نعم يا رسول الله، ثمّ قال: أيسرّكم أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فقال لهم: إنّي لأرجو أن تكونوا أكثر من شطر أهل الجنّة، إنّ معكم أمّتين لا تكونان مع قوم إلا كثّرتاهما يأجوج ومأجوج سوى من أهلك الله قبلهم، وسوى من هو مهلك بعدهم، ثمّ قال: بينا [أنا] (١) بين النائم واليقظان إذ عرضت (٢) عليّ الأمم، فرأيت النبيّ يأتي في الواحد من قومه، وهو ياسين، ورأيت النبيّ يأتي في الأربعة من قومه، ورأيت النبيّ يجيء في أقلّ من ذلك وأكثر، حتى رأيت أمّة أعجبتني، فقلت: أي ربّ، أمّتي هذه؟ فقيل لي: هذه أمة عيسى ابن مريم (٣)، ثمّ رأيت أمّة أعجبتني كثرتها، فقلت: أي ربّ، أمّتي هذه؟ فقيل لي: هذه أمّة موسى بن عمران (٤)، ثمّ رأيت أمّة أعجبتني، فقلت: أي ربّ، أمّتي هذه؟ فقيل لي: هذه أمة يونس بن متى، ثمّ قيل لي: انظر، فنظرت قبل مكّة فإذا سواد كثير، ثمّ قيل لي: انظر قبل الشام، فنظرت فإذا هو سواد كثير، ثمّ قيل لي: انظر، فنظرت قبل العراق، فإذا هو سواد كثير، ثمّ قيل لي: انظر، فنظرت تحتي، فإذا هو شيء ينتعش كثيرة، فقيل لي: هؤلاء أمّتك، وسبعين ألفا يدخلون الجنّة بغير حساب، قال: فقام عكاشة بن محصن الأسديّ، أحد بني غنم بن دودان (٥)، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا له رسول الله (٦)، ثمّ قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «سبقك بها عكاشة» (٢٢٦ ظ)، قال جابر بن عبد الله الأنصاريّ: وظننّا (٧) أنّ الأنصاريّ كان منافقا، فقالوا: لولا ذلك لم يسأله أحد إلا قال: نعم، ثمّ دخل رسول الله والمسلمون يخوضون في السبعين الألف، فقال بعضهم: هؤلاء قوم أدركوا النبيّ ﵇، وآمنوا به، وجاهدوا معه، وقال بعضهم: هؤلاء قوم ولدوا في الإسلام، وماتوا عليه، وقال بعضهم: هؤلاء قوم آمنوا به ولم يروه، قال: فأكثرنا في ذلك، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن نخوض في ذلك، ما قلتم في هؤلاء السبعين الألف؟ قالوا: يا رسول الله، قال بعضنا: كذا، وبعضنا كذا، فقصّوا عليه القصّة، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1145

«بل هم قوم لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». (١) فيه بيان نزول الآية أنّها نزلت يومئذ، وهكذا الحسن، عن عمران بن حصين. (٢) وعن (٣) علقمة قال: إنّ الزّلزلة قبل (٤) الساعة، وهو الاضطراب الشديد، وأصله من الزّلل. (٥) ٢ - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها:﴾ أراد التخيّل والحسبان (٦). ﴿تَذْهَلُ:﴾ تسلي عمّا لا يتسلّى عنه. و (الحمل) بالفتح: ما اتّصل من الثمار، والحمل بالكسر: ما أحمل من الأوزار. (٧) ٣ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ:﴾ قال ابن عباس: إنّ النضر بن الحارث بن كلدة يقول: ما يأتيكم محمد إلا بمثل ما كنت آتيكم به، فنزلت. (٨) فتقديرها: من يجادل في آيات الله وفي كتابه. ٥ - ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ:﴾ من جواز البعث وإمكانه. ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ:﴾ أنّ البعث جائز ممكن متصوّر غير مستحيل، وقد وجب لاتّصاله بوعد الله. وفي الاية دليل أنّ الخبر المتواتر يفيد العلم الضروريّ كالمشاهدة. ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ:﴾ مصوّرة وغير مصوّرة. وقيل: مصورة خلقا بعد خلق، وغير المخلقة ما لم يكن ترابا ولا نطفة. (٩) وعن عامر الشعبيّ، عن عبد الله قال: النطفة إذا استقرّت في الرحم أخذها ملك بكفّه فقال: أي ربّ، أمخلّقة أم غير مخلّقة؟ فإن قيل: غير مخلّقة لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دما، وإن قيل: مخلّقة، قال: أي ربّ، أذكر أم أنثى؟ شقيّ أم سعيد؟ وما

стр. 1146

الأثر؟ وما الرزق؟ وبأيّ أرض تموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربّك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال للملك: اذهب إلى الكتاب فإنّك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق، فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها حتى [إذا] (١) جاء أجلها ماتت، فدفنت في ذلك المكان، (٢) ثمّ تلا عامر: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ،﴾ فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع، فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلّقة قذفتها الرحم دما، (٢٢٧ و) وإن كانت مخلّقة نكست نسمة. وعن أبي سعيد الخدريّ قال: بلغ رسول الله ﷺ أنّ اليهود يقولون: إنّ العزل هو الموءودة الصغرى، فقال: كذبت يهود، وقال: لو أفضيت لم يكن إلا بقدر. (٣) وقال: لا يكون موءودة حتى تمرّ بالتارات السبع، ثمّ تلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية [المؤمنون:١٢]. (٤) ﴿وَنُقِرُّ:﴾ واو الاستئناف. ﴿طِفْلاً:﴾ أي: أطفالا. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ:﴾ اللامّ لمضمر (٥)، أي: ثمّ يحييكم لتبلغوا، أي: ثم يبقّيكم لتبلغوا. ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ:﴾ حالة الخرف (٦). ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ:﴾ الواو لعطف الجملة، وهي تدلّ على جواز البعث. ﴿هامِدَةً:﴾ جامدة خامدة. ﴿بَهِيجٍ:﴾ اسم من البهجة، وهي الطراوة والنضارة. ٩ - ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ:﴾ أي: ثانيا عطفه، والثّني بالفتح العطف، وعطفا الإنسان: جانباه، يقال: ثنى فلان عطفه، وثنى جيده، وصعّر ولوى عنقه إذا تكبّر. ١١ - وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قال: نزل في بني

стр. 1147

الحلاّف من بني أسد بن خزيمة، والحلاّف هو الحارث بن سعد منهم: سوادة بن الحارث، ومرّة بن الحارث، وصنة بن الحارث، ومالك بن الحراث من بني (١) سعد بن ثعلبة أصابتهم سنة شديدة، فأجدبوا فيها وقحطوا، فاحتملوا بالعيال حتى قدموا على رسول الله، ثمّ جعلوا يغدون على رسول الله ﷺ ويروحون، فأغلوا الأسعار، وأفسدوا طرق المدينة، وجعلوا يمنّون على رسول الله ﷺ بإسلامهم، فيقولون: أتتك العرب بأنفسها فآمنت، ونحن أتيناك بالأنفس والذراري والأثقال فاعطنا، فإن أعطوا من الصدقة، وولدت نساؤهم الغلمان، ونتجت خيولهم المهور، قالوا: نعم الدين هذا، ما رأينا منذ دخلنا فيه إلا ما نسرّ به، وإن لم يعطوا (٢) من الصدقة ما يرضيهم، وولدت نساؤهم الجواري، وأزلفت خيولهم، وسقمت أجسامهم قالوا: بئس الدين هذا، ما رأينا منذ دخلنا فيه ما نسرّ به، فأنزل (٣). ﴿حَرْفٍ:﴾ جهة، وفي الحديث: «أنّ اليهود يأتون النساء على حرف واحد»، (٤) ومنه قوله ﵇: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف» (٥). ١٣ - ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ:﴾ ضرّ الأصنام أقرب من نفعها؛ لأنّ الله تعالى خلقها أسبابا للمنافع. و ﴿الْعَشِيرُ:﴾ الخليط، من (٦) المعاشرة. ١٤ - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ:﴾ اتصالها من حيث اعتبار مزيّة داعي الله على داعي الأصنام. ١٥ - قال ابن عباس: ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ﴾ برزقه (٧)، فليأخذ حبلا يربطه في سماء بيته فليختنق به، فلينظر هل ينفعه ذلك، أو يأتيه رزقه؟ (٨) وهذا تأويل ممكن؛ لأنّ

стр. 1148

النصر قد يكون بمعنى إيصال المنفعة. ﴿ثُمَّ (١)﴾ لْيَقْطَعْ: ثمّ ليهلك (٢). و [عدم] (٣) الاستراحة من ضنك المعيشة (٤) (٢٢٧ ظ) مما يغيظ. وذكر الكلبيّ: أنّها نزلت في المنافقين الذين يظنّون أنّ الله لا ينصر (٥) رسوله في الدنيا والآخرة. (٦) وذلك تأويل ممكن؛ لأنّهم كانوا يتغيّظون على رسول الله وعلى أنفسهم، ويتأسّفون على إيمانهم به لما يرون من الفقر والمصائب، ويحتمل: أنّها لقوله: ﴿فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ﴾ [الأنعام:٣٥] حقيقة، وفيها الرزق إن استطاع، ثمّ ليقطع ذلك إن استطاع، فلينظر هل ينفعه أحدها؟ (٧) ١٧ - ﴿وَالْمَجُوسَ:﴾ عبدة النيران، واحدهم مجوسيّ، وهم الذين ينكحون الأمهات والأخوات، نسبوا إلى رئيس لهم يسمّى: موكوش، فعرّبته العرب فجعلته مجوس. ١٨ - وعن ابن عباس قال في سجود الحجّ: الأولى عزيمة (٨) والأخرى تعليم. (٩) ١٩ - عن قيس بن عبّاد قال: ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا﴾ الذين تبارزوا يوم بدر. (١٠) ٢٠ - ﴿يُصْهَرُ:﴾ يذاب. ٢١ - ﴿مَقامِعُ:﴾ واحدها مقمعة، وهي كالهراوة العظيمة، تسمّى: جرزا (١١). وقيل: مشتقّ من قولهم: قمعته فانقمع، أي: أدللته فذلّ. (١٢) ٢٣ - ﴿وَلُؤْلُؤاً:﴾ ما يحجر من القطر في جوف الصّدف في البحر، سمّي لتلألئه (١٣)

стр. 1149

وبراقته، ويسمّى الكبار دون الصغار مرجانا. ﴿حَرِيرٌ:﴾ ما رقّ من ثياب الأبرسيم. ٢٤ - ﴿وَهُدُوا:﴾ معطوف على قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الحج:٢٣]. ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ:﴾ الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله. ﴿صِراطِ الْحَمِيدِ:﴾ الإسلام. ٢٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ عن ابن عباس: أنّها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه، منعوا رسول الله عن الحجّ والمسجد الحرام أن يدخلوا زمن الحديبية، وأن ينحروا الهدي في المنحر، قال: فبعث رسول الله إليهم عثمان بن عفّان أن يخلّوا بينهم وبين دخول مكة، فأبوا ذلك فكره النبيّ ﵇ قتالهم وهو محرم بعمرة، فسألوه أن يرجع عامه ذلك على بدئه على أن يخلّوا عاما قابلا ثلاثة أيّام، فلمّا كان من العام القابل أخليت له مكة، وخرجت قريش منها كهيئة البداء مثقلة، فطافوا بالبيت، وقضوا المناسك، ثمّ انصرف رسول الله، ورجع قريش إلى الحرم. (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: وهم يصدّون، أو أنّ الذين يكفرون ويصدّون. وقيل: الواو مقحمة. (٢) وقيل: التقدير: إنّ الذين كفروا وفي عزمهم أن يصدّوا. ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ:﴾ يدلّ على أنّ المقيم برباع مكّة ليس بأولى من الحاجّ. عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيّ ﵇ قال: «حرّم مكة فحرام بيع رباعها، وأكل ثمنها». (٣) وفي رواية: «وحرام أجر بيوتها». (٤) ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ:﴾ يعتقد ويصرّ. ﴿بِإِلْحادٍ (٥)﴾ بِظُلْمٍ أي: إلحاد ظلما، فالباء مقحمة، والظلم: بدل من الإلحاد وبيان له، وتخصيص المسجد الحرام كتخصيص الأشهر الحرام بقوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦].

стр. 1150

٢٦ - ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ:﴾ عن ابن عباس قال: لّما كان بعد الطوفان الذي أغرق الله (٢٢٨ و) قوم نوح، ورفع البيت المعمور إلى السماء السادسة الذي كان بناه آدم ﵇، أمر إبراهيم ﵇ أن يأتي موضع البيت، فيبني على أساسه، فانطلق، فلم ير له أثرا، وأخفي له مكانه، فبعث الله تعالى سحابة على قدر البيت الحرام في العرض والطول، فيها رأس يتكلّم له لسان وعينان، فقامت على ظهر البيت بحياله، ثمّ قالت (١): يا إبراهيم، ابن (٢) على قدري وحيالي، فأخذ إبراهيم ﵇ قدرها وحيالها، فأسّس عليه البيت الحرام، وذهبت السحابة، ثمّ بناه حتى فرغ، وطاف به أسبوعا، وأوحى الله تعالى إليه أن يا إبراهيم لا تشرك (٣) بي (٤) شيئا. (٥) ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ:﴾ أي: مسجدي من عبادة الأوثان. ﴿لِلطّائِفِينَ:﴾ بالبيت من غير أهل مكة. ﴿وَالْقائِمِينَ:﴾ أي: المقيمين من أهل مكّة. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ:﴾ من أهل الصلاة من كلّ وجه. وقيل: إنّه ترجمة للوحي في فحوى قوله: ﴿بَوَّأْنا.﴾ ٢٧ - ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ:﴾ قال مجاهد: هو إبراهيم ﵇، فلمّا أذّن لم يبق شيء سمع صوته إلا أقبل ملبّيّا. (٦) وقال عطاء: هو إبراهيم ومحمد ﵉. (٧) وعن ابن عباس قال: لّما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قال: يا ربّ، قد فرغت من بنائه، وهو أعلم، قال: ﴿أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ على أرجلهم، ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ ركبانا، يأتون من كلّ فجّ عميق، قال: ربّ، لا أسمع أحدا، قال: أذّن وعليّ البلاغ، فصعد الصفا، فقال: أيّها الناس، عليكم حجّ البيت العتيق، فسمعه ما بين السماء والأرض، فما بقي من سمع صوته إلا أقبل يلبّي: اللهمّ لبيك، ألا ترى أنّهم يجيئون من كلّ فجّ عميق؟ يقولون:

стр. 1151

لبّيك اللهمّ لبّيك. (١) ﴿ضامِرٍ:﴾ ضدّ البطين من الإبل والخيل. ﴿فَجٍّ:﴾ فضاء بين الجبال. ﴿عَمِيقٍ:﴾ بعيد، وإنّما عبّر عنه لارتفاع شأن مكة، كقولك: رفعت حاجتي إلى المجلس العالي، وإن كنت أعلى منه في رأي العين. ٢٨ - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ:﴾ قال مجاهد: التجارة، وما رضي الله من أمر الدنيا. (٢) وقيل: المغفرة. وقال ابن عباس: أسواق كانت لهم، ما ذكر الله منافع إلا للدنيا. (٣) ﴿وَيَذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ﴾ (٤): التحميد (٥) والتهليل والثناء عليه، والشكر ما على رزقهم من السوائم والهدي، أو البسملة عند الذبح. ﴿فَكُلُوا مِنْها:﴾ قال إبراهيم النخعي: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخّص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء ترك. (٦) ﴿الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٧): الذي يبسط يده، مشتقّ من البؤس وهو شدّة الفقر. ٢٩ - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ:﴾ دليل على أنّ قضاء التفث والنّذر والطواف بالبيت مترتبة على ذكر اسم الله تعالى في الأيّام المعلومات، لا يجوز شيء منها إلا بعد ذلك، وهو يوم النحر. وقال ابن عباس: (٢٢٨ ظ) التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب واللّحية والأظفار. (٨) وقال ابن عرفة: التفث: الدرن. (٩) وقال النضر بن شميل: قضاء التفث: إزالة الشعث. (١٠) ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ:﴾ وهو ما أوجبه الإنسان على نفسه من الهدي.

стр. 1152

﴿وَلْيَطَّوَّفُوا:﴾ طواف الزيارة يوم النحر. وإنما قيل: البيت العتيق لقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ [آل عمران:٩٦]، أو لأنّه أعتق من تملّك الناس إيّاه، وفي الحديث: «لأنّه أعتق من الجبابرة، ولم يدّعه جبار قط [يقدر]» (١). ٣٠ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما تقدم، أي: الأمر أو الحكم. ﴿ذلِكَ وَمَنْ:﴾ الواو لعطف الجملة. وعن النبيّ ﵇ قال: «لن يزال (٢) هذا الأمر بخير ما عظّموا هذه الحرمة حقّ تعظيمها»، يعني: مكة. (٣) وقال عمر بن الخطاب: لخطيئة أصبتها بمكة أعزّ عليّ من سبعين خطيئة أصبتها بركبة (٤). (٥) واتصال قوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ﴾ بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ [الحج:٢٨]. ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: في سورة المائدة (٦). وعن عبد الله قال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله [ثم قرأ] (٧) قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا (٨)﴾ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. (٩) ٣١ - ﴿سَحِيقٍ:﴾ بعيد، ومنه سحقا للشيطان. وإنّما وقع تشبيه المشرك بهذا المثال؛ لأنّه انحطّ عن درجة السعداء، وتعرّض للسيف

стр. 1153

والجلاد وأنواع البلاء، فإن سلم فلا بدّ من أن ينتهي به عمره إلى البوار ودخول النار. ٣٢ - ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ:﴾ قال محمد بن أبي موسى (١): الوقوف بعرفة من شعائر الله، ومن يعظمها فإنّها من تقوى القلوب. (٢) ٣٣ - ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ إلى حالة تعيينها وتقليدها من غير كراهة ولا ضرورة. وللمضطر أن ينتفع بها بعد التعيين والتقليد والإشعار. عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة قد جهد، قال: «اركبها»، قال: يا رسول الله، إنّها بدنة، قال: «اركبها»، (٣) قال: قال ﵇: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرا». (٤) ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ:﴾ يعني: حريم البيت العتيق، وهو الحرم كلّه، وكان المشركون ينحرون عند زمزم، وهي اليوم في المسجد الحرام، والمسجد ينزّه عن القاذورات. ٣٤ - ﴿جَعَلْنا مَنْسَكاً:﴾ قال الكلبيّ: المراد به الأضاحي، وذلك يدلّ على وجوبها. ﴿الْمُخْبِتِينَ:﴾ المتواضعين والساكنين، والخبت: المكان المطمئنّ من الأرض، والإخبات: التواضع والسكون. ٣٥ - ﴿إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ:﴾ وهذا صفة أوليائه على بساط الغيب، فإذا أكرموا بالمشاهدة اطمأنّوا، وقد جمع الصفتين في قوله: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر:٢٣]. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ:﴾ [الألف و] (٥) اللام لكون إضافة الصلاة (٦) غير محضة (٧) بدليل حسن دخول النون أو التنوين في المضاف، وانتصاب المضاف إليه.

стр. 1154

٣٦ - ﴿وَالْبُدْنَ:﴾ (٢٢٩ و) جمع بدنة، والبدنة: البعير أو البقرة، واللّفظ لا يدلّ على اختصاصه بمكة بخلاف الهدي. ﴿صَوافَّ:﴾ جمع صافّة كالدابّة والدوابّ، والحاسّة والحواسّ. ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها:﴾ سقطت فلصقت بالأرض بعد الذبح والنحر وسكنت. ﴿فَكُلُوا:﴾ أمر إباحة، وهو عامّ في كلّ بدنة بلغت محلّها، وكانت دم فدية (١)، ولم يكن دم جناية. ﴿وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ:﴾ عامّ في أهل مكة وغيرهم. قال مجاهد: القانع: جارك وإن كان غنيا. (٢) وقال مرة: القانع أهل مكة، والمعترّ: الذي يعتريك ولا يسألك. (٣) ٣٧ - ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها:﴾ لن ينال ثواب الله وفضله ونعمته لحوم الهدايا ودماؤها. ﴿وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ:﴾ وفي زبور داود ﵇: ليس الأعمال أعمال الجوارح، إنّما الأعمال أعمال القلوب وعين الفؤاد (٤). وقال النبيّ ﵇: «إنّ الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم». (٥) وقال: «إنّما الأعمال بالنيّات، ولكل (٦) امرئ ما نوى». (٧) وعن الكلبي (٨) والفراء (٩): أنّ الكفّار كانوا ينضحون البيت (١٠) بالدماء، ويقولون: اللهمّ تقبلها منّا، وقصد المسلمون بمثل ذلك، فأنزل الله تعالى. يدفع (١١) اتصالها من حيث الأمر بالمناسك، وذلك لا يتصوّر وجوده إلا بعد تمكين المأمورين والذبّ عنهم. ٣٩ - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ:﴾ في القتال.

стр. 1155

﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا:﴾ تعليل وتسبيب للإباحة، وذلك لأنّ أهل مكة كانوا يستضعفون المؤمنين، وينالون منهم، وهم يستأذنون في القتال. ٤٠ - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا:﴾ في محلّ الخفض بدلا من الذين ظلموا. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ:﴾ بغير (١) سبب أو علّة، فعلى هذا الاستثناء متّصل (٢). وقيل: بغير عدل، وعلى هذا الاستثناء منقطع، ومثله قوله: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ (٢٠) [الليل:١٩ - ٢٠]. ﴿صَوامِعُ:﴾ جمع صومعة. ﴿وَبِيَعٌ:﴾ جمع بيعة، وهي المدرسة. ﴿وَصَلَواتٌ:﴾ جمع صلاة. وقيل: صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات كنائس اليهود، ومساجد المسلمين. (٣) وهذه المواضع أشرف وأعظم حرمة من غيرها، يدلّ عليه إجماع المسلمين على استحباب أن يتّخذوا هذه البقاع من ديار الكفار مساجد إذا فتحها (٤) الله لهم. ٤١ - والمراد ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥) أمة محمد ﵇، وقد اختصت بها الخلفاء الأربعة وبنو عمه الأئمة المهديون. ٤٥ - ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ:﴾ فارغة مهملة، التي باد أهلها المستقون منها. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ:﴾ حصن حصين، وهما معطوفان على القرية، فيكون نصب؛ لأنّها جواب الاستفهام بالفاء، والمعنى: استفادة التجارب والعبر بالسياحة في الأرض. ٤٦ - ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ:﴾ وهو (٦) الذي لا يغني عنه شيء. ٤٧ - ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ:﴾ ذكر لنفي الاستعجال عمّن شأنه الحلم والإمهال. وعن ابن أبي مليكة (٧) قال: مررت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن

стр. 1156

عباس (٢٢٩ ظ) فسلّمنا عليه، (١) فقال لصاحبي: من أنت؟ فانتسب له فعرفه (٢) فقال: يا أبا العباس، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، أيّ يوم هذا؟ فقال: إنّما سألتك لتخبرني، قال: فهي أيّام سمّاها الله تعالى في كتابه، وهو أعلم بها، أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر ضربة، فجلست إلى سعيد بن المسيّب، سئل عن المسألة، فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما شهدته من ابن عباس؟ ثمّ ذكرته له، فسرّى ذلك عنه (٣)، وقال: هذا ابن عباس قد اتّقى أن يقول فيها وهو أعلم منّي. (٤) ٥١ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ (٥): بالتكذيب أو التحريف (٦) والتبديل. ٥٣ - ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ:﴾ مثل ﴿ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة:١٠٢]. ٥٤ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ:﴾ الملهمون الراسخون (٧) في العلم. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ:﴾ الضمير عائد إلى نسخ ما ألقى الشيطان في أمنيّته. ٥٥ - ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ:﴾ أيس عن خيره، ويحتمل: يوم بدر في حقّ قريش، فإنّه أعقم نساءهم بقتل رجالهم. وقيل: المراد بالساعة انقراض الدنيا، وباليوم العقيم افتتاح الآخرة. ٦٠ - ﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ:﴾ في المقتصّ بالحقّ. ﴿ثُمَّ بُغِيَ:﴾ بعد اقتصاصه (٨). واتّصالها بما قبلها من حيث نعي الكفار على المؤمنين بعد انتصارهم بالحقّ والعدل والإنصاف، فقول الله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة:١٩٤]. وقوله: ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ:﴾ لازدواج الكلام.

стр. 1157

٦١ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى النصر الموعود، أي: ذلك باقتضاء قدرته وسمعه ونصره (١). وقيل: إشارة إلى الحكم، أي: هو بقضيّة حكمته الموجبة إيلاج اللّيل في النهار. ٦٣ - ﴿فَتُصْبِحُ:﴾ رفع؛ لأنّه خبر منفصل عمّا قبله، أو جواب شرط مضمر تقديره: أنّ الله أنزل الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرّة، وكذلك التقدير في قوله: ﴿فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج:٣١]. ٦٥ - وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ:﴾ دليل على أنّ إمساكه في الهواء على سبيل القهر والإلجاء، إمّا بوصل الإلحاد، وإما باصطدام الأجزاء، وإمّا بمعنى خفيّ، على آراء، ولم يذكر الله تعالى سقوطها إلا بعد انفطارها وانقلابها. ٦٧ - ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً:﴾ قال الكليم: نزلت في الأضحية، وفي مجادلة الكفّار في الذبيحة. ٧٢ - ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ:﴾ يبطشون، إشارة إلى سطوهم وبطشهم، وإشارة إلى ما يتلى. ﴿بِشَرٍّ:﴾ أي: مكروه، أي: النار، أبلغ في كراهتهم إيّاها ممّا يتلى عليكم. ٧٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ:﴾ متشابهة فوجب التماس حكمها من المحكمات. والذباب: طائر يشبه النملة. وذكر القتيبيّ: أنّ الذباب ثلاثة أجناس: القمعة والنّعرة واليراع، (٢) ويضرب المثل (٢٣٠ و) بالذباب، فيقال: فلان أجرأ من الذباب؛ لأنّه يقع على أنف وجفن الأسد ولا يبالي، (٣) ويقال: فلان كالذباب، إذا كان ذا وجهين، ونيمه (٤) على السواد بياض وعلى البياض سواد. ٧٥ - ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ اتّصالها من حيث قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ [الحج:٤٢]. وفيها ردّ على اليهود والروافض من حيث عداوتهم لجبريل ولأبي بكر وعمر. ٧٧ - ﴿اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا:﴾ وتخصيصهما مع ذكر العبادة لتشريف الصلاة، وذكر فعل

стр. 1158

الخير بعد العبادة للتأكيد أو للتفعل المندوب إليه بعد الغرض المنصوص (١)، والآية مختصة بقريش وأمثالهم عند بعض الناس، عامّة في المؤمنين (٢) عند بعضهم. ٧٨ - ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ:﴾ نصب كانتصاب ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ [البقرة:١٣٨]، وقيل: لنزع الخافض، أي: في ملّة أبيكم. (٣) واختلفوا في المخاطبين بالبنوّة، قال بعضهم: ربيعة ومضر؛ لأنّهما من أولاد نزار بن معد. وقيل: جميع أولاد معد بن عدنان. وقيل: قضاعة وقنص وإياد ونزار وأربعة آخرون. وقيل: جميع أولاد عدنان بن أدد مثل: عك ومعد، واختلفوا في نسبة عدنان بن أدد. وقد روى ابن عباس: أنّ النبيّ ﵇ كان إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك، وقال: «كذب النسّابون، قال الله تعالى: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان:٣٨]». (٤) وقيل: المخاطبون بها عامّة المسلمين؛ لأنّهم أبناء لأزواج رسول الله ﷺ ، وأمّهات المؤمنين بنات إبراهيم لا شكّ، والجدّ أب الأمّ لا محالة. (٥) ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ:﴾ اللام عائدة إلى قوله: ﴿وَجاهِدُوا﴾ أو إلى قوله: ﴿هُوَ اِجْتَباكُمْ.﴾ وعن أبيّ بن كعب، عنه ﵇ أنّه قال: «من قرأ سورة الحجّ أعطي من الأجر حجّة وعمرة بعدد من حجّ واعتمر فيما مضى وفيما بقي». (٦)

стр. 1159

سورة المؤمنون مكية في قولهم. (١) وهي مئة وتسع عشرة (٢) آية في غير عدد أهل الكوفة. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ:﴾ وعن كعب قال: لم يخلق الله بيده إلا ثلاث أشياء: خطّ التوراة بيده، وخلق آدم بيده، وغرس الجنّة بيده، ثم قال: تزيّني، فتزيّنت، قالها ثلاث مرّات، ثمّ قال لها: تكلّمي، فتكلّمت، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.﴾ (٤) وعن عمر بن الخطاب قال: كان النبيّ ﵇ إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل، فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسرّي عنه، فاستقبل (٥) الكعبة، فرفع يديه وقال: «اللهمّ زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنّا»، ثمّ قال: «أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنّة (٦)» (٢٣٠ ظ) ثمّ قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم عشر آيات. (٧) قيل: الخبر محمول على أنّ الآيات قبل فرض الحجّ والصوم. (٨) وقيل: فرضها دخل في جملة قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المومنون:٨]. وعن أبي هريرة: رأى رسول الله رجلا يلعب بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه». (٩)

стр. 1160

٧ - ﴿فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما أبيح. ﴿العادُونَ:﴾ جمع عاد في قوله: ﴿باغٍ وَلا عادٍ﴾ [البقرة:١٧٣]. ﴿راعُونَ:﴾ رعايته: مراعاته ومحافظته. وعن مجاهد، عن ابن عمر قال: أوّل ما خلق الله من ابن آدم فرجه، قال: هذه أمانتي فأمسك عليها، وإنّ الفرج أمانة، والسمع أمانة، والبصر أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. (١) وقال ﵇ لأبي ذرّ: «الإمارة أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقّها، وأدّى [الذي] (٢) عليه فيها، وأنّى له ذلك يا أبا ذرّ». (٣) وعن ميمون بن مهران (٤) قال: ثلاث تؤدّى إلى البرّ والفاجر: العهد يوفّى إلى البرّ والفاجر، والأمانة تؤدّى إلى البرّ والفاجر (٥)، والرحم تصلها برّة كانت (٦) أو فاجرة. (٧) ابتدأ الله تعالى بذكر الخضوع في الصلاة، وانتهى بذكر المحافظة عليها؛ لتشريفها وتأكيدها. ١٢ - ﴿سُلالَةٍ:﴾ ما أنسل من الطين المبلول. وروي: الفعالة مختصّة بالقليل كالقلامة والفضالة. (٨) ١٣ - ﴿قَرارٍ:﴾ مكان مطمئنّ. ﴿مَكِينٍ:﴾ موضع التمكّن فيه. وقيل: متمكن في مكان آخر كتمكّن أوعية المنيّ فيما بين الصلب والترائب، وتمكّن الرحم في البطن. ١٤ - ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً:﴾ من الغذاء، ولذلك لا تحيض الحبلى. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ:﴾ أي: نسمة وجسدا (٩) مصورا (١٠).
следующие страницы →