← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، أي: فإذا أمنتم فاقضوا ما أحصرتم عنه. وقوله: (ذهب (١) الله بنورهم) في المنافقين دون المستوقد (٢)، وإنّما لم يذكر اقتباسهم النور أوّلا ثمّ الذهاب بنورهم؛ لأنّ المثل السابق دلّ عليه فاكتفي بتلك الدّلالة. وقيل (٣): الضمير في قوله (بنورهم) عائد إلى المستوقد وأصحابه والمعتقد في الجملة ما هو عند الله تعالى. ١٨ - ﴿صُمٌّ:﴾ من حيث لا يستمعون (٤) إلى الحق. ﴿بُكْمٌ:﴾ من حيث لا ينطقون بالحق (٥). ﴿عُمْيٌ:﴾ من حيث لا ينظرون إلى الحق، ولا يلتفتون إليه (٦). ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ:﴾ إلى الإخلاص في الحال (٧)؛ لأنّ بعضهم أخلص بعد ذلك. ١٩ - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ:﴾ (أو) ههنا للعطف (٨)، كقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان:٢٤]، قال جرير (٩): [من البسيط] نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر وقيل (١٠): (أو) للتخيير كما في كفّارة اليمين، وكأنّما (١١) خيّر المخاطب بين ضرب المثلين لهؤلاء (١٢) المنافقين، إذ كلّ واحد منهما يليق بحالهم. (كصيّب): كأصحاب صيّب (١٣)، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (١٤)، كقوله (١٥):

стр. 107

﴿هُمْ دَرَجاتٌ﴾ [آل عمران:١٦٣]، أي: ذوو (١) درجات. وإنّما سمّي المطر صيّبا لأنّه يصوب من نحو السماء (٢)، وقال الشاعر (٣): [من الطويل] فلست لإنسيّ ولكن لملأك ... تنزّل (٤) من جوّ السّماء يصوب وأصل الصيّب صيوب، وعند (٥) الفرّاء صويب. ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ:﴾ ظلمة (٦) السحاب والماء والليل. ﴿وَرَعْدٌ:﴾ صوت يسمع عند المطر من مصوّت تسبيحا لله تعالى (٧). ﴿وَبَرْقٌ:﴾ نور يلمع من صفاء الماء في الهواء (٨)، وقيل (٩): من نار. ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ:﴾ (٥ و) يصيّرون بنانهم في العضو المختصّ بالسمع (١٠). والصاعقة صوت فيه نار لا تأتي على شيء إلا أحرقته (١١). وقيل (١٢): اسم للعذاب على أيّ وجه كان؛ لأنّ عادا أهلكت بالريح، وثمود بالرجفة، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]. والمراد بالصواعق ههنا شدّة الظلمة، وشدّة صوت الرعد، وشدّة لمعان البرق، إذ كلّ واحد منها هائل. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ:﴾ أي: لحذر (١٣) الموت، كقولك: زرتك طمعا في برّك، وقال حاتم الطائيّ (١٤): [من الطويل] وأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما

стр. 108

أي: لادّخاره وللتكرّم. والموت ذهاب الحياة (١). ﴿مُحِيطٌ:﴾ عالم بأعمالهم (٢). وهذا عارض دخل في أثناء المثل (٣). ٢٠ - ﴿يَكادُ:﴾ فعل ليس له مصدر ولا اسم (٤). كاد يكاد إذا أوهم أن يفعل ولمّا يفعل (٥)، قال الله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ [مريم:٩٠]. ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور:٤٠] إذا أوهم أن لا يفعل ثمّ فعل (٦). وقيل (٧): يكاد يقرب، إلا أنّه يستعمل بغير حرف (أن) بخلاف (٨) لفظ المقاربة والمداناة. ﴿يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ:﴾ يستلب ويختلس أبصار المنافقين (٩)، نظيره: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ [النور:٤٣] (١٠). ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ:﴾ (كلما) ظرف زمان ماض في محلّ النصب، وعلّة الظرف إضمار (في) في المعنى دون اللفظ كالاسم بنزع الخافض، وهو مبهم يحتاج إلى الصلة، وصلته (أضاء) والعامل فيه ﴿مَشَوْا:﴾ مضوا في الضوء (١١). ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا:﴾ أي: صار (١٢) ذا ظلمة، كقولك: ليل مظلم، وبيت مظلم، وقوله تعالى: ﴿قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ [يونس:٢٧]، وقوله: ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]، أي: يخلصون في الظلمة. وإنّما قال: (عليهم)؛ لأنّ وبال الظلمة راجع إليهم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ:﴾ معنى (لو) كمعنى الشرط، وهو يكون في الماضي والمستقبل (١٣)، قال الله

стр. 109

تعالى: ﴿لَوْ يَشاءُ (١)﴾ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً [الرعد:٣١]. وأكثر جوابها باللام (٢). وعدم ما يليها من الفعل لعدم الفعل الذي هو جوابها. والموجب ممّا يليها ومن جوابها (٣) في اللفظ منفيّ في المعنى، والمنفيّ في اللفظ موجب في المعنى. والمشيئة إرادة تشتمل (٤) المكروه والمحبوب جميعا. ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ:﴾ إنّما وحّد السمع اكتفاء بجمع المضاف إليه من جمع المضاف (٥)، أو أراد الجنس (٦)، كقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ [الحاقّة:١٧]، وقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور:٣١]. ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ:﴾ (كلّ) اسم يتناول آحاد الجماعة على سبيل الإفراد، يضاف إلى جماعة وواحد منكر (٧). و (الشيء) اسم عام (٨). ﴿قَدِيرٌ:﴾ قادر (٩). وتقرير (١٠) مثل المنافقين من أصحاب الصّيّب من حيث إنّ القرآن نازل عليهم من نحو السماء كالصيّب، وفيه متشابهات ومحكمات، (٥ ظ) وبشارة وإنذار، كما أنّ في الصيّب رعدا وبرقا، والمنافقون يكرهون ذلك ويعرضون عنه، ويكبر ذلك عليهم، وتارة ينظرون إلى مبلّغه نظر المغشيّ عليه من الموت، كما أنّ أصحاب الصيّب يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، والقرآن يكاد يهديهم، أو يكاد يميتهم غيظا كما أنّ البرق يكاد (١١) يخطف أبصار أصحاب الصيّب، وهم كلّما رأوا دولة أو طمعوا في بشارة قصدوا الإخلاص، وإذا حدثت نكبة أو نزل تكليف بقوا (١٢) متحيّرين شاكّين، كما أنّ أصحاب الصيّب كلّما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا (١٣).

стр. 110

٢١ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ خطاب للجميع (١)؛ لأنّه ذكر فيه النعمة العامّة، وهي الخلق (٢) والرّزق. وقيل (٣): نزلت في المشركين بدليل قوله (٤): ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً.﴾ و (يا) حرف نداء، تقول: يا زيد (٥). و (أيّ) اسم مبهم (٦)، تقول: أعط أيّهم شئت. و (ها) حرف التنبيه (٧). و (الناس) كالوصف ل (أيّ) (٨)؛ لأنّك تقول: يا أيّها الفقيه، ولا تقول: يا أيّها زيد. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ وحّدوا وأخلصوا وأطيعوا (٩). ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ:﴾ ابتدأ تقديركم (١٠)، وقيل (١١): الخلق هو الإيجاد مقدرا. والواو في ﴿وَالَّذِينَ [مِنْ قَبْلِكُمْ]﴾ (١٢) واو عطف (١٣)، و (من) لابتداء الغاية (١٤). ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ:﴾ لكي تتّقوا مخالفة الخالق (١٥). وقال سيبويه: كلمة (لعلّ) للرجاء (١٦) والطمع. ٢٢ - ﴿الَّذِي:﴾ أي: هو الذي (١٧)، ويقال (١٨): اعبدوا الذي. ﴿جَعَلَ:﴾ صنع وخلق (١٩)، وقيل (٢٠): صيّر.

стр. 111

﴿فَرْشاً:﴾ بساطا ووطاء (١). ﴿وَالسَّماءَ بِناءً:﴾ سقفا (٢)، مأخوذ (٣) من السموّ، وأراد به السماء المعروفة، ذات البروج، المزيّنة بالكواكب. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ:﴾ من السحاب مطرا (٤). والماء هو الجسم اللطيف المضادّ للنار بانحداره ورطوبته وبرودته (٥)، وهو في الأصل: موه؛ لأنّك تقول في الجمع والتصغير: أمواه ومويه (٦). ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ:﴾ فأنبت وأبرز بالمطر من التراب من ألوان الثمرات (٧)، كما في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج:٣٠]. ﴿رِزْقاً:﴾ طعاما (٨). ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً:﴾ أي: لا تصفوا لله أمثالا ونظراء (٩). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ أنّهم مخلوقون ومرزوقون لواحد قديم (١٠). ٢٣ - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ:﴾ قال (١١) ابن عبّاس: نزلت في اليهود. وهي تحتمل العموم أيضا (١٢). وفي ترتيب إثبات النبوّة على إثبات التوحيد دليل على أنّ الرسول يعرف من قبل الله تعالى، وأنّ وجوب (١٣) معرفة الله تعالى (١٤) مقدّم على وجوب معرفة الرسول. (إن) حرف شرط (١٥)، والشرط قوله: (كنتم في ريب)، ثمّ هذا الشرط معلّق بشرط آخر في آخر الآية وهو قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ،﴾ وجوابهما قوله: ﴿فَأْتُوا،﴾ وهذا كمن قال لعبده:

стр. 112

إن دخلت الدار فأنت حرّ إن قعدت فيها (١). (٦ و) ﴿مِمّا نَزَّلْنا:﴾ يعني القرآن (٢). والتنزيل والإنزال: الإرسال (٣) من علو إلى سفل. وفي قوله: (نزّلنا) ضمير محذوف، وتقديره: نزّلناه (٤)، إلا أنّ الضمير في صلة الاسم الناقص المبهم يجوز حذفه لدلالة الحال عليه، كقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان:٤١]. ﴿عَلى عَبْدِنا:﴾ محمد ﷺ (٥). وقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ تحذير وإعجاز، كقوله: ﴿إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ (٦)، الآية [الرحمن:٣٣]. وحدّ الإعجاز هو الإتيان بناقض العادة، الخارج عن طوق من هو مثل صاحب المعجزة في الخلقة، وذلك الشيء يزينه ولا يشينه، ويكون برهانا على صحّة دعوى النبوّة (٧). وإنّما وقع التحدّي (٨) ههنا بنظم عجيب بديع، تضمّن (٩) معنى صحيحا غير متناقض ولا هزل، فيسمّيه (١٠) الفصحاء لطيبه وذوقه وبدوّ أحكامه شعرا وسحرا، ولا يكون كذلك (١١)، ونظائره: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [النجم:٣٤]، وقوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود:١٣]، وقوله: ﴿لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية [الإسراء:٨٨]. و (من) (١٢) زائدة بدليل النظائر. و (السورة): اسم لقطعة من القرآن تشتمل (١٣) على آيات وقف عليها بتوقيف من جهة

стр. 113

النبيّ ﷺ ، مأخوذة (١) من سور البناء، وقيل (٢): من السّؤر في الإناء، وهو القطعة الباقية منه، وهو بالهمز (٣) إلا أنّ لغة النبيّ ﷺ ترك الهمز. ﴿وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ:﴾ استعينوا بآلهتكم (٤). وإنّما سمّوا شهداء لزعمهم أنّهم يشهدون ما قدر لهم من الخير والشر فيقدرون على تغييره، أو يشهدونهم عند احتياجهم إليهم فينصرونهم (٥)، كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [القصص:٦٢] على زعمهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ في زعمكم أنّ القرآن ليس من عند الله (٦). ٢٤ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا:﴾ شرط، وجوابه ﴿فَاتَّقُوا،﴾ وقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ عارض دخل بين الشرط والجواب (٧). و (لم) حرف نفي في الماضي جازم (٨)، و (لن) (٩) نفي في المستقبل ناصب. معناه: إن لم تأتوا (١٠) بمثله ولن تأتوا أبدا فاتّقوا النار التي تحذرون (١١) عنها بترك موجبها وهو الرّيب والتكذيب على ما سبق. ﴿وَقُودُهَا النّاسُ:﴾ ولم يقل الكفّار لئلا يأمن العصاة من أهل الإيمان. ﴿وَالْحِجارَةُ:﴾ حجارة الكبريت عن ابن عبّاس وابن مسعود وابن جريج وغيرهم (١٢). وقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هيّئت وخلقت، دليل على أنّها موجودة مخلوقة (١٣).

стр. 114

وإنّما خصّ الكافرين (١)؛ لأنّهم هم المخاطبون بقوله: ﴿وَإِنْ (٢)﴾ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ لا أنّ (٣) النار لا تصيب المؤمن الفاسق، كتخصيص (٤) المؤمنين بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ﴾ الآية [الأعراف:٣٢] (٥). ٢٥ - فلمّا ذكر مآل الكافرين أعقبه مقر المؤمنين، جمعا بين الإنذار والتبشير على قضية قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ الآية [الكهف:٢]، فقال (٦): (بشّر)، أي: فرّح قلوب الذين (٧). والبشارة اسم للخبر الذي يقع به التبشير، وقد يستعمل في ما يسوء (٨)، قال الله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١]، وهو على المجاز (٩)، كقوله: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩]، وقيل (١٠): هو على الحقيقة؛ لأنّ ما يسوء من الخبر يؤثّر في بشرة الوجه أيضا. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ الطاعات (١١). (٦ ظ) ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ:﴾ أي: بساتين كثيرة (١٢) الشجر، سمّي جنّة لاستتار بقاعه واجتنانها (١٣) بالأشجار والأنوار. ﴿تَجْرِي:﴾ تنسكب. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ تحت شجرها (١٤).

стр. 115

﴿الْأَنْهارُ:﴾ الأخدود الذي يجري فيه الماء (١). وإنّما أسند إلى الأنهار مجازا (٢)، كقوله: ﴿فَما (٣)﴾ رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة:١٦]، وكما في قصّة فرعون: ﴿وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]. ﴿كُلَّما رُزِقُوا:﴾ أطعموا من الجنّة من ألوان الثمرات (٤). ﴿رِزْقاً:﴾ طعاما (٥). ﴿قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ:﴾ أي: من نوع ما رزقنا من قبل، كقولك لإنسان: إنّ فلانا أعدّ لك طبيخا وشواء، فيقول (٦): هذا من طعامي في منزلي كلّ يوم، يريد نوعه لا عينه (٧). وعن ابن عبّاس وابن (٨) مسعود وقتادة ومجاهد (٩): (من قبل)، أي: في الدنيا. وقال يحيى بن كثير (١٠): ثمار الجنّة كلّما نزع منها شيء عاد كما كان، فلذلك يقولون: هذا الذي رزقنا من قبل. وارتفع (قبل) على (١١) الغاية، كقوله: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤]، وتفسير الغاية أنّه ظرف قطع عن الإضافة التي هي غايته، فصار كبعض الاسم في استحقاق البناء على الحركة لالتقاء الساكنين، وضمّت لأنّها تضمّ في حال (١٢) الإضافة، فكانت أدلّ على البناء. ﴿وَأُتُوا بِهِ:﴾ بالرزق (١٣). ﴿مُتَشابِهاً:﴾ متجانسا، دون مشتبه، إذ الإنسان على الشي المألوف أقدم، وإذا وجد فيه فضل لذّة كان أسرّ (١٤).

стр. 116

﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو للاستئناف (١). ﴿فِيها أَزْواجٌ:﴾ جواري (٢). واسم الزوج يشتمل على الذكر والأنثى (٣)، قال الله تعالى: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]. ﴿مُطَهَّرَةٌ:﴾ من الحيض والنّفاس والأخلاق الرديّة والآفات (٤). والوصف بالطّهر أبلغ من الوصف بالحسن؛ لأنّ الحسن (٥) ربّما يتضمّن خبثا، قال ﷺ : (إيّاكم وخضراء الدّمن (٦)). ﴿خالِدُونَ:﴾ دائمون مقيمون لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا (٧). ٢٦ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي:﴾ نزلت في المنافقين، قال ابن عبّاس وابن مسعود: إنّ الله تعالى لمّا ضرب المثلين اللّذين سبق ذكرهما قالوا (٨): إنّ الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله الآية (٩). وقال الحسن وقتادة ومقاتل وغيرهم: إنّ الله تعالى ضرب للأوثان المثل بالذّباب، وللكفّار المثل بالعنكبوت، فقال المشركون: إنّ ربّ محمّد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فأنزل الله الآية (١٠). الاستحياء امتناع يقضيه (١١) الكرم، وقد ورد وصفه تعالى به، قال ﷺ مخبرا عن الله تعالى: (الشّيب نوري، وأنا أستحيي أن أحرق نوري بناري) (١٢)، وقال ابن عبّاس: إنّ الله حييّ (١٣) كريم. والكرم ههنا لا يقتضي الامتناع عن وصف ما اقتضت الحكمة إيجاده وتدبيره وحفظه.

стр. 117

﴿مَثَلاً ما بَعُوضَةً:﴾ (ما) صلة (١)، كقوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. ﴿فَما فَوْقَها:﴾ أكبر (٢) منها مثل (٣) الذباب والعنكبوت، وقيل (٤): فما فوقها في الصّغر. والفاء (٧ و) لإسقاط (إلى) أو العطف (٥). ﴿فَأَمَّا:﴾ يقتضي جوابا بالفاء كالشرط (٦)، ولا عمل له، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت:١٧]. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ:﴾ أنّ المثل واجب كونه ووجوده (٧). ﴿ماذا:﴾ أيّ شيء (٨)، وقيل (٩): ما الذي. و (ما) استفهام، و (ذا) إشارة إلى المراد (١٠). ﴿بِهذا:﴾ "بذكر البعوضة والذباب" (١١). ﴿مَثَلاً:﴾ انتصب على القطع، فكأنّه قال: بهذا المثل، فلمّا قطعت الألف واللام انتصب (١٢). وعند البصريين انتصب على الحال (١٣)، كقوله: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود:٧٢]. قال الله: قل يا محمّد: ﴿يُضِلُّ:﴾ يخذل ويهلك (١٤) ﴿بِهِ:﴾ بالمثل (١٥). والإضلال هو الإيقاع في الضلالة (١٦) على وجه التمكين والتقوية والمدّ في ما يستلهوا (١٧) به، على قضية العلم والتقدير الأزليّ لا على معنى الإجبار والخداع.

стр. 118

﴿الْفاسِقِينَ:﴾ الخارجين من الطاعة (١)، قال الكلبيّ (٢): عنى به اليهود. وأصل الفسق يقال: فسقت الرطبة من قشرها (٣). ٢٧ - ثمّ نعت الفاسقين (٤) فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ:﴾ ينكثون وصيّة الله وأمره، وهو ما أخذه الله على النبيّين ومن اتّبعهم أن لا يكفروا بالنبيّ ﷺ ، ويبيّنوا نعته وصفته، دليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران:٨١] (٥). والميثاق (٦) اسم لعقد من عقود الأحكام بالثقة والإحكام. ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ:﴾ يعني الأرحام (٧). ﴿الْخاسِرُونَ:﴾ المغبونون (٨) في الآخرة. ٢٨ - ﴿كَيْفَ:﴾ استفهام بمعنى الإنكار، وفيه تبيين أنّه موضع لتعجّب (٩) المتعجّب حيث يكفرون بمن تولّى إنشاءهم وحفظهم وإفناءهم وإعادتهم من النشأة الآخرة، ويخالفون قضيّة اللّبّ، ويكابرون العقل. ﴿وَكُنْتُمْ:﴾ الواو [فيه] (١٠) للحال، و (قد) فيه مضمرة (١١). ﴿أَمْواتاً:﴾ ترابا غير منتفع به عن الضحّاك عن ابن عبّاس (١٢)، وقيل: أجسادا لا روح (١٣) فيها، يعني في الأرحام. ﴿فَأَحْياكُمْ:﴾ بنفخ الروح (١٤).

стр. 119

﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ:﴾ بنزع الروح وإذهاب الحياة (١). ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ:﴾ عند البعث بنفخ الروح (٢). ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ عند (٣) البعث للمجازاة (٤). وقيل: ثمّ يحييكم وقت السؤال في القبر ثمّ إليه ترجعون عند البعث للمجازاة (٥). (ثمّ) حرف عطف على سبيل المهلة والتراخي (٦). ٢٩ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً:﴾ يدلّ على (٧) أنّ جميع ما في الأرض من الأجساد مخلوق الله تعالى، ويدلّ على أنّ الأشياء على الإباحة في الأصل ما لم يكن في تناوله إضرار بخلق الله تعالى، والتحريم يثبت (٨) بالشرع. ﴿ثُمَّ اِسْتَوى:﴾ عمد وقصد (٩)، كما يقال: فرغ الأمير من بلد كذا واستوى إلى بلد كذا (١٠). قال ابن عبّاس (١١): صعد أمره. ﴿السَّماءِ:﴾ لفظه لفظ الوحدان ومعناه معنى الجمع، فجمع (١٢) ما بعده على المعنى. ويجوز أن يكون واحدا يراد به الجنس، كما يقال: كثر الدّرهم والدّينار (١٣) في أيدي الناس. ويجوز أنّه أراد بالجمع نواحيها، كما يقال: ثوب أخلاق (١٤). (٧ ظ) ويحتمل أنّه كنّى عمّا لم (١٥) يسبق ذكره، كقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ [القدر:٣١].

стр. 120

وفي الآية دليل أنّ خلق الأرض وما فيها من الجماد مقدّم على تسوية السموات (١). وعن النبيّ ﷺ أنّ الله خلق (٢) الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة وآدم ﵈ (٣). وأمّا قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [عبس:٣٠] لا ينقض هذه الآية، يجوز أنّه بسطها بعد ما كانت ربوة مجتمعة الأجزاء، مضمّنة الأشياء (٤)، وقال مجاهد (٥): (بعد ذلك دحاها) أي: مع ذلك دحاها، كقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم:١٣]، ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]. وقيل (٦): (ثمّ) لا تقتضي تأخّر خلق السماء عن خلق الأرض؛ لأنّها تقتضي التراخي في الإخبار لا في المخبر عنها كقوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف:١١]. ﴿عَلِيمٌ﴾ (٧): عالم بخلقهنّ وغير ذلك (٨). والعلم رؤية تنفي الجهالة. ٣٠ - ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ:﴾ نزلت في خزان الجنان، وهم ملائكة خلقوا من نار السّموم، وكان إبليس معهم، وكانوا يسمون (٩) الجن، وهذا في رواية الضحّاك والسّدّي عن ابن عبّاس، وأحدهما يزيد على الآخر (١٠). ويحتمل في شأن جميع الملائكة (١١). [التقدير:] (١٢) واذكر إذ قال (١٣)، وابتدأ خلقكم إذ قال (١٤). والألف واللام في الملائكة للجنس، وعن ابن عبّاس للمعهود؛ لأنّ ذكر (١٥) هؤلاء كان متقدّما في الكتب المتقدّمة.

стр. 121

وواحد الملائكة: ملك، وفي الأصل: ملأك، مقلوب من: مألك، فقلبت (١) الهمزة استخفافا فقيل: ملك، مأخوذ من المألكة وهي الرسالة (٢). وقوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ دليل على ثبوت صفات الفعل قبل المفاعيل. (خليفة): آدم وذرّيّته (٣)، والهاء للمبالغة والتأكيد (٤). وهذا اسم لمن يخلف الغير ويقوم مقامه في ما أسند إليه (٥)، وآدم خلف الملائكة في اتّخاذ الأرض مسكنا (٦). ﴿قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها:﴾ أتخلف (٧) فيها. والألف ألف الإيجاب (٨)، كما قال جرير (٩): [من الوافر] ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح (١٠) واستخبارهم على وجه الاستسلام والتعرّف دون الإنكار، كأنّهم قالوا: يا رب إن كان هذا ظنّنا (١١) فعرّفنا وجه الحكمة فيه (١٢). وإنّما علموا الفساد وسفك الدماء بإخبار الله تعالى في رواية السدّي (١٣)، وبالقياس (١٤) على الجانّ في رواية الضحّاك. وقيل (١٥): إنّ إبليس كان منهم في الخلقة ومن (١٦) الملائكة في الرتبة (١٧)، فسلّطه الله بمن معه من الملائكة عليهم حتى أفسدوا وسفكوا الدماء فأجلوهم إلى الجزائر والخراب من الأرض. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ:﴾ (١٨) يصبّ (١٩).

стр. 122

﴿[وَنَحْنُ] (١)﴾ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ: نبرّئك من السوء ونصلّي لك (٢). وقيل: نعبدك بالتحميد، أو نسبّحك مع حمدك (٣). وقيل: نسبّحك بتوفيقك المستوجب حمدك (٤). ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ:﴾ نطهّر أنفسنا أو الأرض لك، أو لابتغاء مرضاتك (٥). وفي قوله: (٨ و) ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ زجر (٦) لهم عن السؤال، ودلالة أنّ المعلوم المقدّر كائن لا محالة. ٣١ - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ:﴾ ألهم ووفّق (٧) لا أنّه أخبر ولقّن؛ لأنّه لو لقّنه لما كان له مزيّة على الملائكة. و (آدم) مشتقّ من أديم الأرض، أو أدمة اللون (٨). ﴿الْأَسْماءَ كُلَّها:﴾ قال ابن عبّاس (٩): أسماء جميع المخلوقات حتى القصعة والسكرجة، وعن الربيع بن أنس (١٠): أسماء الملائكة، وعن ابن زيد (١١): أسماء ذرّيّته، وقيل (١٢): أسماء آحاد الجنس دون المشتركة والمبهمة والمضمرة وأسماء الإشارة. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ:﴾ يعني أصحاب الأسماء (١٣)، ولم يقل: عرضها، لتغليب العقلاء، كالعالمين (١٤). وفي الآية دليل أنّ أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمّياتها بحال، إذ لو انتفى لما قدر على تعيين المسمّيات في الأشخاص، ودليل على أنّ المعدوم لا ينطلق عليه اسم الشيء حقيقة

стр. 123

لاستحالة عرض المعدوم، ودليل (١) على فضل النطق والعلم (٢). ﴿فَقالَ أَنْبِئُونِي:﴾ أخبروني (٣). ﴿صادِقِينَ:﴾ في مقالتكم (٤). والصدق هو الخبر الحقّ (٥). ٣٢ - ﴿قالُوا سُبْحانَكَ:﴾ قالت الملائكة عند التحدّي: ما أنزهك (٦). و (سبحان) مصدر حقيقي عند أهل الكوفة كالغفران والحمران (٧)، ولذلك انتصب (٨)، وعند البصريين هو كالمصدر (٩). وهو في محلّ الخفض (١٠). ﴿لا عِلْمَ لَنا:﴾ بأسماء هؤلاء. ﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا:﴾ استثناء منقطع، معناه: لكن ما علّمتنا فذلك علمناه (١١)، وقيل: استثناء متصل، تقديره: لا علم لنا إلا العلم الذي علّمتنا (١٢). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ:﴾ بعواقب الأمور (١٣). ﴿الْحَكِيمُ:﴾ المحقّق المتقن في صنعه، البعيد عن الهزل والخسائس (١٤). ٣٣ - ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ:﴾ هذا وحي من الله إليه، وفيه (١٥) دلالة على بعثه بالنبوّة إلى الملائكة، كقوله: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ [الحجر:٤٩]، وقوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ [الحجر:٥١]، ويدلّ علمه (١٦) قبل الزلّة والتوبة عنها سبق التحدّي والإعجاز له،

стр. 124

وسبق العهد إليه بغير واسطة حيث قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ﴾ [طه:١١٥]، وأنّ زلّته لم تقدح في نبوّته كما لم يقدح في نبوّة نوح سؤاله عمّا ليس له به علم، وفي نبوّة موسى سؤاله الرؤية، وفي نبوّة داود ما خطر بقلبه وفتن، وفي نبوّة نبيّنا ﷺ إذن القاعدين عن الجهاد، فعفا الله عنها. وإذا ثبتت نبوّته إليهم كانت أعظم دليل على فضله على الملائكة. ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ:﴾ أي: قلت لكم، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ [الأعراف:١٧٢] (١)، فإن قيل: ثم متى قال (٢) لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ قلنا: هذا الإطناب في إيجاز قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) [البقرة:٣٠]. ﴿غَيْبَ السَّماواتِ:﴾ مكنوناتها (٤). ﴿ما تُبْدُونَ:﴾ تظهرون (٥). ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ:﴾ تخفون وتسرّون (٦). وإنّما لم يقل: (ما كنتم تبدون)، وقال (٧): (ما كنتم تكتمون)؛ لأنّه أراد إبداءهم العجز في الحال وكتمانهم من قبل كراهة الخليفة وحبّ (٨) المكث في الدّنيا (٨ ظ) على وجه الأرض، وقيل (٩): أراد به كتمان إبليس من قبل عزم العصيان والطّغيان والإنكار على ربّه، وقد يسند فعل الواحد إلى الجماعة مجازا، كقوله: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠]. ٣٤ - ﴿وَإِذْ قُلْنا:﴾ واو الاستئناف، أو لعطف (١٠) قصّة على قصّة. و (إذ): صلة على قول أبي (١١) عبيدة، وظرف على قول غيره (١٢).

стр. 125

والسّجود (١): ميل القامة إلى الأرض، قال حميد (٢): [من المتقارب] فضول أزمّتها أسجدت ... سجود النّصارى لأربابها وفي الشّرع: عبارة عن وضع الجبهة على الأرض تواضعا لله تعالى، وخضوعا بين يديه، منهيّ عنه لغير الله، وكان غير منهيّ عنه في القديم تحيّة للأنبياء (٣) أو بعضهم ﵈، كما في قصّة آدم، وقصّة يوسف: ﴿وَخَرُّوا (٤)﴾ لَهُ سُجَّداً [يوسف:١٠٠] (٥). ﴿فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ:﴾ قيل (٦): استثناء منقطع؛ لأنّ إبليس لم يكن من الملائكة لقوله تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾ [الكهف:٥٠]، ولأنّه (٧) مخلوق من النار وله نسل وذرّيّة (٨). ومتّصل على قول الآخرين (٩) لقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فلو لم يكن منهم لم يتوجّه عليه الخطاب، ولو لم يتوجّه عليه الخطاب (١٠) لما لزمه الذمّ والتكبّر، ولما كان (١١) أبيّا أمر ربّه، وإنّما قال: (كان من الجنّ)؛ لأنّه كان من (١٢) خزان الجنان، فاشتقّ لهم اسم من الجنّة (١٣)، وأمّا الذرّيّة فقد حصلت له بعد المسخ، ويجوز تناسل الممسوخ عند أكثر النّاس (١٤). وهو (إفعيل) من: أبلس (١٥)، أي: يئس من رحمة الله (١٦)، وقيل (١٧): إنّه اسم أعجميّ لذلك لا ينصرف.

стр. 126

﴿أَبى وَاِسْتَكْبَرَ:﴾ امتنع وتعظم في نفسه (١). ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ حين عزم (٢) على العصيان والطغيان والإنكار على ربّه، وقيل (٣): صار من الكافرين، وقيل: إنّه لم يزل في رتبة الكافرين لمقت الله عينه. ٣٥ - ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ:﴾ نداء مفرد مبنيّ على الضمّ لمشابهته (قبل) و (بعد) (٤). ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ:﴾ أي: انزلها (٥) واتّخذها مسكنا وأقم بها، كقوله: ﴿وَقُلْنا [مِنْ بَعْدِهِ] (٦)﴾ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اُسْكُنُوا الْأَرْضَ [الإسراء:١٠٤]، ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف:١٦١]. وحقيقة السكون ما يضادّ الحركة (٧). و (أنت) للتّأكيد (٨)، كقوله: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ [طه:٤٢]، وقوله: ﴿فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨]. وإنّما اقتضى هذا التّوكيد عطف الظّاهر المرفوع على الضّمير المرفوع في الفعل، إذ ليس يجوز ذلك عند البصريين إلا بالتّأكيد بضمير مرفوع منفصل، أو بنوع فاصل كقوله: ﴿لَوْ (٩)﴾ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [الأنعام:١٤٨]، ولم يقل: وآباؤنا (١٠). (وزوجك): حوّاء، سمّيت حوّاء؛ لأنّها خلقت من شيء حيّ (١١). وسمّيت جنّة الثواب (١٢) جنّة؛ لأنّها أخفيت، أو لأنّ الغالب فيها الجنان والأشجار، فدخلت الأقضية في الاسم تبعا (١٣). ﴿رَغَداً:﴾ واسعا من النعم التي لا تقدير (١٤) فيه.

стр. 127

﴿حَيْثُ:﴾ اسم ظرف ينطلق على الزمان والمكان، وههنا للمكان تقديره: من حيث شئتما الأكل منه (١). وبني على الضمّ لتضمّنه معنى الجمع (٩ و) لإبهامه وتعرّيه عن الاستفهام ك (نحن)، بخلاف (٢) (أين) و (كيف). ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ:﴾ وهي شجرة السنبلة عن ابن عبّاس وأبي مالك وعطيّة ووهب وقتادة (٣)، وشجرة العنب عن ابن مسعود والسدّي وجعدة (٤) بن هبيرة وإحدى الروايات عن ابن عبّاس، وشجرة العلم عن الكلبيّ (٥)، يعني علم الخير والشرّ (٦). ﴿فَتَكُونا:﴾ نصب على جواب النهي بالفاء (٧)، ويجوز أن يكون جزما على العطف (٨) على قوله: (ولا تقربا هذه الشجرة). وإنّما اقتضى النهي جوابا مع استعماله بنفسه، وكذلك الأمر، لوجوب الجزاء عند ارتكاب النهي والائتمار بالأمر، فصارا من هذا الوجه كالشرط (٩). وإنّما لم يقل: ظالمين، لوفق رؤوس الآي. والظلم: العدول عن الصواب (١٠). ٣٦ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ:﴾ أوقعهما في الزّلل وحملهما عليه (١١). وقرئ (١٢): (فأزالهما

стр. 128

الشيطان)، أي: نحّاهما (١). والشيطان ههنا هو إبليس لعنه الله (٢). ﴿عَنْها:﴾ عن الوصيّة على (٣) القراءة الأولى، وعن الجنّة على القراءة الأخرى (٤). ﴿فَأَخْرَجَهُما:﴾ خلّى المكان عنهما. ولم يكن إبليس قادرا على الإخراج، ولكن لمّا حصل خروجهما بسبب وسوسته أسند إليه، كما يقال: نفع الدّواء، وقتل السّمّ (٥). ﴿مِمّا كانا فِيهِ:﴾ من النعيم (٦). ﴿وَقُلْنَا:﴾ واو العطف. ﴿اِهْبِطُوا:﴾ انزلوا (٧). والهبوط ضدّ الصعود (٨). ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ:﴾ خطاب لآدم وحوّاء والحيّة (٩) وإبليس وطاووس؛ لأنّ حيّة دخلت بإبليس في الجنّة، وهي كانت تخدم آدم وحوّاء في الجنّة، ولها قوائم وصورة حسنة. ويروى أنّ إبليس طلب الوصول إلى آدم من خزان الجنّة (١٠) فأبوا عليه إلا الطاووس فإنّه دلّه إلى الحيّة، فأتاها وطلب منها الوصول فمكّنته حتى اختفى في لحييها (١١) فدخلت به إليهما، ولم يشعر به سائر الخزنة، فمسخ الله الحيّة وسلب قوائمها، وجعل أكلها التراب، وأخرجها والطاووس من الجنّة، وقال للجميع: اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ (١٢). وقيل (١٣): خطاب لآدم وحوّاء ومن في صلبه، كقولك لإنسان: كأنّي بك وقد تزوّجت وولد أولاد وكثرتم، إذا فيدخل أولاده في الخطاب ولم يكونوا بعد. ثمّ إنّ أكل آدم إنّما كان طمعا في القرب من الله تعالى بالبقاء في جواره، أو (١٤) القدرة على عبادة الله كملائكة الله، وكان ذلك عند غلبة الحرص وزوال التمالك، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾

стр. 129

﴿لَهُ عَزْماً﴾ [طه:١١٥]. فإن قيل: هل يجوز أن يعتقد نبيّ بأنّ الله (١) تعالى نهاه عمّا فيه صلاحه؟ قلنا: يجوز بأن يعتقد أنّ (٢) الله تعالى نهاه عمّا فيه صلاح من وجه وفساد من وجه، كقتل موسى القبطيّ حيث صار سببا لملاقاته شعيبا ومفارقته فرعون، وكشرب أبي طيبة الحجّام دم النبيّ ﷺ صار سببا لحرمة جسمه (٣) على النار، والله تعالى قال: ﴿فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩]، فكذلك ظنّ آدم ﵇ نوع صلاح في المنهيّ عنه بغرور إبليس عليه اللعنة من غير أن ظنّ (٤) المحال بالله. ﴿عَدُوٌّ:﴾ مبغض (٥). ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ:﴾ موضع قرار واستقرار (٦). ﴿وَمَتاعٌ:﴾ منفعة (٧). وهو اسم لما يتمتّع وينتفع به من حياة أو ملبوس أو مطعوم أو مشروب أو غير ذلك (٨). ﴿إِلى حِينٍ:﴾ منتهى الآجال وقيام الساعة (٩). وإنّما ذكر ذلك لينبّههم بالتوقيت على زوال الدنيا، فلا يركنوا إليها (١٠). ٣٧ - ﴿فَتَلَقّى:﴾ تلقّى: أخذ (١١) وأصاب، وفي اللغة قريب من الاستقبال، نهى ﷺ عن تلقّي الركبان (١٢)، أي: عن استقبالهم. واختلفوا في الكلمات، فعن ابن عبّاس والسدّي وأبي العالية وقتادة أنّ آدم (١٣) قال: يا ربّ ألم تخلقني بيدك؟ قال الله تعالى: بلى، قال: يا ربّ ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم

стр. 130

تسكنّي جنّتك؟ قال: بلى، قال: يا ربّ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى، قال: أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنّة؟ قال: بلى، وهو قوله: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ (١). وعن عبيد بن عمير هي قوله: يا ربّ خطيئتي التي أخطأتها أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني أم شي ابتدعته من قبل نفسي؟ فقال الله : بل (٢) شيء كتبته عليك قبل أن خلقتك (٣)، قال: فكما كتبته عليّ فاغفر لي (٤). وعن الحسن وقتادة وابن زيد أنّها قوله: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا،﴾ الآية [الأعراف:٢٣] (٥). وعن مجاهد هي قوله: اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي فإنّك أنت خير الغافرين، اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي فارحمني فإنّك أنت خير الراحمين، اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي فتب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم (٦). وقيل (٧): هي قوله حين عطس فحمد: يرحمك ربّك. وقيل: هي قوله: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ، (٨)﴾ الآية [البقرة:٣٨]. وقيل: إنّها قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ،﴾ الآية [الصافات:١٧١]. وقيل: إنّها قوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]. وقيل: إنّها جميع ما ذكرنا. ﴿فَتابَ عَلَيْهِ:﴾ قبل توبته، والتّوب: العود والرّجوع (٩). وإنّما لم يقل: عليهما؛ لأنّ آدم (١٠) استغفر لنفسه ولحوّاء، فإذا ثبت استجابة دعوته ثبت غفران حوّاء. و ﴿التَّوّابُ:﴾ كثير المراجعة، أي (١١): قبول توبة التائبين.

стр. 131

٣٨ - ﴿قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها:﴾ كرّر الهبوط؛ لأنّ الأوّل كان من الجنّة إلى السماء في ما يروى، والثاني من السماء إلى الأرض (١). وقيل (٢): لتبيين الحال التي يقع عليها الهبوط؛ هذا الهبوط على أنّ من ﴿تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ،﴾ والهبوط الأوّل على عداوة بعضهم لبعض، فلمّا كان لهم حالتان عند الهبوط (١٠ و) ذكر الهبوط مرّتين، كقولك: اذهب إلى فلان سريعا وقل له كذا وكذا اذهب مخفيا. وقيل (٣): للتوكيد. وقيل (٤): لأنّه خطاب خاصّة؛ لأنّه يعقبه (٥) قوله: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً.﴾ وهو خطاب لهما والمراد ذرّيّتهما (٦). (فإن يأتكم) (٧): ودخول النون في الشرط للتأكيد لمراعاة اللفظ؛ لأنّ حرف (ما) يشبه حروف القسم؛ لأنّ له حظّا في القسم بدليل أنّه يجاب به عن القسم فيقال: والله ما قام زيد (٨). وقيل (٩): الجزاء إذا جاء في الفعل معها (١٠) النون الثقيلة أو الخفيفة لزمتها (ما) للتأكيد. وفتحت الياء لالتقاء الساكنين عند سيبويه (١١)، وعند غيره كاسمين ركبا مثل: خمسة عشر. ﴿مِنِّي هُدىً:﴾ كتاب ورسول (١٢)، وقيل (١٣): وحي وشريعة. قال القتبي: في التوراة: أنزل الله على آدم ﵇ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة هو أوّل كتاب كان في الدنيا حذا (١٤) الله عليه الألسنة كلّها. ﴿فَمَنْ تَبِعَ:﴾ شرط ثان جوابه ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ،﴾ فصار الجملة جزاء للشرط الأوّل (١٥).

стр. 132

و (تبع) و (اتّبع) بمعنى (١). ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ:﴾ في ما يستقبلهم من العذاب (٢)، وقيل (٣): إذا ذبح الموت. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ:﴾ بالدوام على ما خلفوا من أهوال الدنيا (٤)، وقيل (٥): إذا طبقت النار. ويقال: لا خوف عليهم أن يحشروا يوم القيامة في طاعة الله ولا هم يحزنون يوم تكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة (٦). والحزن نقيض السرور (٧). ٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا:﴾ جمع بين الكفر والتكذيب للتأكيد (٨). ﴿بِآياتِنا:﴾ بمحمّد والقرآن (٩). ثمّ ذكر منّته على بني إسرائيل. ٤٠ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ "يا أولاد يعقوب" (١٠)، يعني: بني قريظة والنّضير (١١). وسمّي إسرائيل؛ لأنّه كان أساسا للأسباط ومن بعدهم إلى عيسى ﵇، و (إسرو) (١٢) بالعبرانيّة هو الأساس (١٣)، و (إيل) اسم الله، وكذلك (إيلوهيم)، يعنون: أساس الله تعالى تشريفا له وتعظيما ك: ﴿كِتابَ (١٤)﴾ اللهِ [النساء:٢٤]، و ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ [الشمس:١٣]، ثمّ لم يكن في لغة العرب ضمّة مشبعة معجمة منحوّا فيها نحو الألف، كما قالوا مكان (إشموئيل): إسماعيل. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ واشكروا واحفظوا (١٥)، أي: كونوا ذاكرين شاكرين ولا تتركوا طاعتي (١٦).

стр. 133

والذّكر ما يضادّ النّسيان، وقد يكون ضدّ السكوت (١). وظاهر (٢) الأمر يقتضي الوجوب لجواز انتفاء لفظ الأمر عن (٣) غير الواجب. ولفظ (افعل) (٤) يحتمل عشرة معان منها: الإيجاب كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] (٥)، والإرشاد كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]، والإباحة كقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠]، والإعجاز كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] (٦)، والتّهديد كقوله: ﴿اِعْمَلُوا (٧)﴾ ما شِئْتُمْ [فصّلت:٤٠] (٨)، والسّؤال كقوله: ﴿وَاُعْفُ (٩)﴾ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا [البقرة:٢٨٦] (١٠)، والنّدب كقوله: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]، والحثّ على الاعتبار كقوله: ﴿فَانْظُرْ (١١)﴾ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف:٢٥]، والإكرام كقوله: (١٠ ظ) ﴿اُدْخُلُوا (١٢)﴾ الْجَنَّةَ [الأعراف:٤٩]، والامتنان كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ [الملك:١٥]. والظاهر من الجميع الإيجاب، وإنّما يحمل على غيره بدليل، ثمّ (١٣) هذا اللفظ يكون أمرا لمن هو دونه في الرّتبة لصيغته (١٤) ولا يشترط إرادة الأمر؛ لأنّ الله تعالى أمر بذبح ابن إبراهيم ولم يرده، ولأنّ الإرادة انفصلت (١٥) عن الأمر، يقال: أريد أن تفعل (١٦) كذا ولكن لا آمرك به، فيفيد الإيجاب دون كونه مرادا لعدم الإرادة في النهي. ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ:﴾ منّتي التي مننت على آبائكم بالكتاب والرسول والمنّ

стр. 134

والسلوى والنجاة من فرعون والغرق، ورزقتهم (١) من الطيّبات، وفضّلتهم على عالمي زمانهم (٢). ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي:﴾ أتمّوا عهدي الذي أخذت عليكم في هذا النبيّ الأمّيّ (٣)، وقيل (٤): فرائضي التي فرضت عليكم. والإيفاء والوفاء بمعنى (٥). والعهد: الوصيّة (٦). (أوف): مجزوم لأنّه جواب الأمر (٧). ﴿فَارْهَبُونِ:﴾ "فخافون في نقض العهد" (٨)، وقيل (٩): فاخشوا من عذابي في كتمان نعت محمّد ﷺ وصفته. وسقطت الياء لتساوي الفواصل (١٠). ٤١ - ﴿بِما أَنْزَلْتُ:﴾ بالكتاب الذي أنزلت جبريل به (١١). ﴿مُصَدِّقاً:﴾ موافقا بالتوحيد وصفة محمّد ﷺ وببعض الشرائع لما معكم من التوراة (١٢). و ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف يقتضي المقارنة في الغالب، وهو صلة (١٣) ل (ما). ﴿وَلا تَكُونُوا:﴾ معشر قريظة والنّضير (١٤) ﴿أَوَّلَ:﴾ حزب أو قبيل (١٥) أو فريق ﴿كافِرٍ بِهِ:﴾ بمحمّد والقرآن (١٦). وقال الفرّاء (١٧): تقديره: أوّل من كفر به.

стр. 135

وعن أبي حاتم أنّه اقتصر بالتأكيد الذي في لفظة (أوّل) عن تثنية اللفظة وجمعها، كقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران:٩٦]. فإن قيل: كيف نهاهم عن أن يكونوا أوّل كافر به وقد كفرت به (١) قريش من قبل؟ قلنا: المراد به أوّل من كفر من بعدهم متابعا لهم كقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣] (٢)، ويحتمل عند حادثة بعينها. ﴿وَلا تَشْتَرُوا:﴾ تختاروا (٣). ﴿بِآياتِي﴾ بكتمان نعت محمّد وصفته (٤). ﴿ثَمَناً قَلِيلاً:﴾ عوضا يسيرا من المأكل والهدايا من أهل اليسار (٥)، وقيل (٦): حبّ الرّياسة؛ لأنّهم كانوا متبوعين ولو آمنوا لصاروا أتباعا. و (الآيات): علامات خروج نبيّنا ﷺ في التوراة. و (الثّمن): اسم للبدل في البيع (٧). و (القليل): ضدّ الكثير (٨). ٤٢ - ﴿وَلا تَلْبِسُوا:﴾ ولا تخلطوا (٩)، كقوله: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ [آل عمران:٧١]، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ﴾ [الأنعام:٨٢]، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام:٦٥]. ﴿الْحَقَّ بِالْباطِلِ:﴾ "الصدق بالكذب" (١٠). وهو صفة النبيّ ﷺ بصفة الدجّال (١١)، وتحرّفون التوراة عن مواضعه (١٢). وإنّما سمّى الصدق حقّا والكذب باطلا؛ لأنّ معنى الصدق ما تحقّق كونه، ومعنى الكذب

стр. 136

ما عدم كونه، وتحقيق الشيء إثباته (١) وإبطاله نفيه. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ:﴾ معطوف على النهي مجزوم (٢)، وإن شئت جعلته منصوبا على الصّرف (٣). "و (الكتمان): الإخفاء" (٤). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ تحريفه (٥) وكتمانه. وقيل: تعلمون الذي (١١ و) بشّر به موسى وعيسى والنبيّون من قبل (٦). قال قتادة (٧): تعلمون أنّ الإسلام دين الله. ٤٣ - ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ أعطوها إذا وجبت عليكم (٨). والزّكاة في اللغة: نموّ الخير، يقال: زكا (٩) الزرع، إذا نما، وفي الشرع: عبارة عن جزء معهود من النّصاب يعتبر فيه الحول. وإنّما سمّي زكاة لأنّ الله تعالى يكثر وينمي ثواب مؤدّيها (١٠)، وقيل (١١): لوقوع التزكية بها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة:١٠٣]. ﴿وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ:﴾ أي: صلّوا الصلوات الخمس مع محمّد وأصحابه في الجماعات (١٢). والركوع في اللغة: الانحناء (١٣)، وفي الشرع (١٤): انحناء معهود في الصلاة. وفي الآية دليل أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع بشرط تقديم الإيمان، وإليه ذهب كثير من

стр. 137

أصحابنا (١)، فإن قيل: لو كانوا مخاطبين لما سقط القضاء عنهم كالمسلمين، قلنا: القضاء فرض مبتدأ لا يتبع المقضيّ كفوت الجمعة وفوت صلاة الحائض لا إلى قضاء (٢). ومن قال: الكفّار غير مخاطبين بالشرائع (٣)، قال: نزلت الآية في شأن المؤمنين من بني إسرائيل، ويجوز أن يقول للمؤمنين: آمنوا. ٤٤ - ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ:﴾ السّفلة. ﴿بِالْبِرِّ:﴾ بالتّوحيد واتّباع محمّد (٤). ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (٥)﴾: تتركون، فلا تتّبعونه. ﴿تَتْلُونَ:﴾ تقرؤون (٦). ﴿الْكِتابَ:﴾ التوراة والإنجيل (٧). ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون أنّه حقّ فتؤمنوا به (٨). " (البرّ): ضدّ الفجور" (٩). و (النّسيان) ههنا التّرك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] (١٠). و (النّفس): الذّات (١١). و (التّلاوة): القراءة (١٢)، وسمّي بذلك لأنّ القارئ يتلو الحروف المنتظمة في الكلام، أي: يتبعها (١٣). و (العقل): نوع فهم يقع به التمييز والاستدلال بالمشاهدة على ما لم يشاهد، وموضعه القلب،

стр. 138

ونظامه بالدّماغ (١)، وبه تعلّق الأمر والنّهي، والثّواب والعقاب إذا انضمّت إليه القدرة (٢). ٤٥ - ﴿وَاِسْتَعِينُوا:﴾ واسألوا الله التوفيق والإعانة على أداء الفرائض ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على كفّ المعاصي بأداء الفرائض، وكثرة الصلوات على تمحيص (٣) الذنوب. ﴿وَإِنَّها:﴾ يعني: الاستعانة (٤)، وقيل: الصلاة (٥). ﴿لَكَبِيرَةٌ:﴾ لثقيلة (٦)، كقوله: ﴿إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي﴾ [يونس:٧١]، وقال: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]. ﴿إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ:﴾ المتواضعين (٧). (الاستعانة): طلب العون (٨)، ولا بدّ من مستعين ومستعان به ومستعان عليه. و (الصبر): الحبس (٩) على المكاره، أو عن الشهوات (١٠). والكناية قد ترجع (١١) إلى المذكورين حقيقة، كقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما﴾ [النساء:١٣٥]، ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما﴾ [النساء:١] (١٢). وقد ترجع (١٣) إلى أحدهما مجازا، كقوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة:٣٤]، ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْها﴾ [الجمعة:١١] (١٤). والحقيقة ما لا إشكال في وجهه، ولم يصرف عن ظاهره (١٥). والمجاز ما توسّع الناس فيه

стр. 139

لفظا، واصطلحوا عليه، واستجازوه (١١ ظ) إمّا ضرورة كتسمية الرجل كلبا أو أسدا، وإمّا اختيارا للتخفيف والعادة كقولهم: طلع الفجر، وأظلم الليل، ونبت الشجر (١). والإطناب (٢) كقولنا في المصائب: انكسر الصّلب، وفي العشق: تقطّع القلب، وفي السرور: قرّت العين. والتفاؤل (٣) كتسمية الغلام يمنا وسعدا. وهو من البلاغة في الرسائل والخطب والقصائد إذا عري عن التأكيد وعرف منه مراد المريد. ٤٦ - ثمّ نعت (الخاشعين) (٤): ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ:﴾ يعلمون ويستيقنون (٥)، كقوله: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ﴾ [الجنّ:١٢]، و ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقّة:٢٠]. ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ:﴾ في الآخرة للمجازاة (٦)، وقيل (٧): إلى حكمه عائدون، يعني: حال (٨) التعرّي عن المكاسب والدعاوى والمعذرة، وحال التسليم والاستسلام. والظنّ من الأضداد يطلق على معنى اليقين وحقيقة العلم، ويطلق على معنى الحسبان (٩) وهو مجاوزة الشكّ قليلا والميل إلى أحد النقيضين (١٠). ٤٧ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا:﴾ للإطناب والتأكيد (١١). ومن البلاغة عند العرب العدول عن الإطناب إلى الإيجاز، وعن الإيجاز إلى الإطناب، وعن التجنيس إلى الإطباق، وعن الإطباق إلى التجنيس، وعن التصريح إلى التعريض، وعن التعريض إلى التصريح، وترك (١٢) لزوم الفنّ الواحد من هذه الفنون. والله تعالى أنزل القرآن على نظم هو غاية الفصاحة عندهم على ما تعارفوه واعتادوه، بلسان عربيّ مبين. ونظائر التّكرار قوله في الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٣) [الرحمن:١٣]، وقوله

стр. 140

في القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) [القمر:١٧]، وقوله في المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢) [المرسلات:١٥]، وقوله: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ (٣) [القيامة:٣٤ - ٣٥]، وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦]، وقوله: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) [التكاثر:٣ - ٤]، وقوله: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (٥) [الكافرون:٢]. ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ بالكتاب والرسول والإسلام على عالمي زمانكم (٦). وقيل (٧): فضّلتكم بإنزال المنّ والسّلوى، وتتابع الأنبياء، وفرق البحر، والملك العظيم. وقيل (٨): تفضيلهم على سائر الحيوانات كقوله: ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً،﴾ الآية [آل عمران:٣٣]، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ،﴾ الآية [الإسراء:٧٠]، وتخصيصهم ههنا؛ لأنّهم هم المخاطبون بهذا الخطاب. والتفضيل هو التصيير ذا فضيلة، والفضيلة (٩) هي الخصلة التي يترجّح بها الشيء على غيره (١٠). ٤٨ - ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً:﴾ عذاب يوم (١١)، أو (١٢) حساب يوم. ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ:﴾ لا تشفع (١٣) نفس كافرة ولا نفس مؤمنة لنفس كافرة (١٤)، لقوله (١٥): ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧]، ﴿يَوْمَئِذٍ لا﴾

стр. 141

﴿تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ [طه:١٠٩]، وقال ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي) (١). وإنّما لم يقل: (لا تجزي فيه نفس)؛ لأنّ اليوم إذا أضيف إلى الفعل حذف منه (٢) (فيه) كقوله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾ (١٢ و) ﴿وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨]، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ [إبراهيم:٤١]، وهذا قول الأخفش (٣). وقيل: انتصاب الظرف يشبه بالمفعول، كقولك (٤): صمت يوما ويوما صمته، وقمت ليلة وليلة قمتها، فتقديره: واتّقوا يوما لا تجزيه نفس، ثمّ أسقط الضمير كما أسقط عن صلة الموصول كقوله: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ﴾ [البقرة:٤١]، وقوله: ﴿بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان:٤١] (٥). ﴿شَيْئاً:﴾ نفعا، مصدر (٦)، وقيل: قائم مقام اسم محذوف تقديره: جزى يجزي، أي: أسقط (٧) واجبا أو دينا أو حقّا (٨)، وعلى (٩) لغة تميم: أجزى يجزي عقابا أو ملاما أو وزرا. ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ:﴾ ولا (١٠) يشفع لها شافع (١١). ﴿وَلا يُؤْخَذُ:﴾ "لا يقبل" (١٢). ﴿مِنْها عَدْلٌ:﴾ فداء (١٣)، لو جاء الكافر بعدل نفسه لا يقبل منه (١٤). ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ:﴾ يمنعون ممّا نزل بهم من العذاب (١٥). (القبول): التمكين والارتضاء (١٦).

стр. 142

و (الشفاعة): الاستيهاب والاستعتاب. و (الشفيع): الذي يصير شفعا (١) للمجرم في الاستعتاب. "و (الأخذ): القبض" (٢). و (العدل): الفداء (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ [الأنعام:٧٠]. و (النصر): المنع (٤)، كقوله: ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ (٥)﴾ اللهِ [هود:٣٠]، وقد يكون بمعنى الإعانة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ [آل عمران:٥٢] (٦). ٤٩ - ﴿نَجَّيْناكُمْ:﴾ "خلّصناكم" (٧). ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ من عبوديّة فرعون وآله (٨)، كقوله: ﴿فَقَدْ (٩)﴾ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء:٥٤]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ (١٠)﴾ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر:٤٦]، وقال ﷺ : (إنّا آل محمّد لا تحلّ لنا الصّدقة) (١١)، وقال: (اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى) (١٢). وأصل (الآل): الأهل، فقلبت الهاء همزة كما في (هيّاك) و (هراق)، ثمّ أبدل من الهمزة الساكنة ألفا ك (آخر) و (آدم) (١٣). وتصغير الآل: أهيل إلا عند الكسائي فإنّ عنده: أويل (١٤). وآل الرجل: من يؤول إليه ويؤولون إليه، ويعتمد عليه ويعتمدون عليه من الذرّيّة والعشيرة والأتباع (١٥). و (فرعون): اسم (١٦) لأيّ ملك من ملوك العمالقة ك (قيصر) في الرّوم و (خاقان) في

стр. 143

التّرك، واسم المراد ههنا: الوليد بن مصعب (١). ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾ يولونكم (٢)، وقيل (٣): يعذّبونكم. وإن جعلت (يسومونكم) في موضع الحال يكون (٤) معناه: سائمين إيّاكم. ﴿سُوءَ الْعَذابِ:﴾ أي: أسوأ العذاب وأشدّ العذاب (٥). ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ:﴾ قطعا لنسلكم (٦). والأقرب أنّه ابتداء كلام (٧)، ألا ترى أنّه قال في موضع آخر: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ (٨)﴾ أَبْناءَكُمْ [إبراهيم:٦]، وقيل (٩): تفسير العذاب. وإنّما قال: (يذبّحون) على التكثير (١٠). "وأصل الذبّح: الشّقّ" (١١). وأصل (الابن): بنو، نحو: سمو، وقيل: بني، نحو: يدي، وقيل: بنو استدلالا بقولهم: بنون وبنين (١٢). وإنّما انقلب الواو والياء همزة (١٣) لوقوعهما طرفا وقبلهما ألف كالدعاء والعطاء (١٤)؛ لأنّ تقدّم الألف عليه كتقدّم الحرف (١٢ ظ) المفتوح فصار في التقدير ألفا فلمّا حرّكت انقلبت همزة. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ:﴾ يستبقون حياة إناثكم رجاء لخدمتهنّ (١٥)، وهو أشدّ العذاب لمكان ضياعهنّ وبقائهنّ أيامى بلا أكفاء (١٦).

стр. 144

وذلك أنّه (١) رأى في المنام أنّ نارا خرجت من قبل بيت المقدس فأحرقت بيوت القبط بمصر، ولم تتعرّض (٢) لبيوت بني إسرائيل، فاستفتى المعبّرين فأخبروه بخروج نبيّ من بني إسرائيل يولد في تلك الأيّام، فأخذ يقتل غلمانهم حتى خيف الفناء، فكان (٣) بعد ذلك يذبح سنة ويترك سنة ليقلّوا فلا يغلبوا، ويبقوا فيخدموا، فولد هارون ﵇ في السنة التي لم يكن يقتل فيها، وولد موسى في السنة الأخرى، فأوحى الله إلى أمّه إلهاما أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليمّ، وكان من أمره ما كان (٤). ﴿وَفِي ذلِكُمْ:﴾ إنجاء الله إيّاكم من عبوديّة آل فرعون (٥) ﴿بَلاءٌ:﴾ "نعمة عظيمة" (٦) ﴿مِنْ رَبِّكُمْ.﴾ وقيل (٧): وعذاب فرعون وذبحه الغلمان واستحياؤه النساء قهر من ربّكم ﴿عَظِيمٌ﴾ حيث سلّط عليكم. وأصل البلاء: الاختبار، والاختبار قد يكون بالخير والشرّ (٨)، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف:١٦٨]. وإنّما وصف بعظم لأنّه يصغر بجنبه غيره (٩). ٥٠ - ﴿وَإِذْ فَرَقْنا:﴾ فلقنا وفصلنا وشققنا (١٠). ﴿بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ بعبوركم (١١) أو لعبوركم بحر قلزوم (١٢)، فكان كلّ فرق كالطّود العظيم. ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ من فرعون ومن الغرق بعد قولكم: إنّا لمدركون (١٣). ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ:﴾ أهلكناه وآله حين التطم البحر (١٤). ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى التطامه عليهم بعد خروجكم منه (١٥)، وقيل (١٦): إلى أشخاصهم (١٧)

стр. 145

بعد ثلاثة أيّام حين لفظهم البحر. وحقيقة النّظر: تعمّد الرؤية، وهو مستعمل في العين والقلب، كالإبصار والرؤية والرأي (١). ٥١ - ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى:﴾ وحقيقة الوعد أن يكون للشيء، فإذا كان على الشيء فهو مجاز (٢)، والمراد به التخويف بالجائز الممكن، كقوله: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة:٢٦٨]، وقال ﷺ في دعائه: (يا من إذا وعد وفى وإذا توعّد عفا) (٣). و (موسى): اسم أعجميّ أصله: موشي، أي: الماء والشجر؛ لأنّهم التقطوه بين الماء والشجر، فعرّبته العرب (٤). والموعود ما كان ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ من المناجاة ومشاهدة الملكوت والآيات وإعطاء التوراة (٥). وقد صام ﵇ وتنزّه عن الشهوات مكان (٦) يوم يوما، ثمّ انطلق إلى الميقات بأمر ربّه. وفيه يقول الله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] (٧). والدليل على أنّ المراد بالأربعين وقت المناجاة دون وقت صومه أنّ بني إسرائيل عدّوا بعده عشرين يوما وعشرين ليلة ثمّ اتّخذوا العجل (٨)، وفي ذلك قوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٥٠]، وفي التوراة: (أربوعين يوم أربوعين يوم أربوعين يوم) (٩)، فحمل بعضهم على إثبات ثلاث مواقيت (١٠)، وإنّما هو (١١) تكرار اللفظ للتأكيد (١٢). وحدّ الوعد في اللغة هو الضمان، يقال: هذا الغلام يعد رشدا، وهذه الغداة (١٣ و) تعد (١٣) بردا، إذا (١٤) كان مضمّنا ذلك، قال الله تعالى: ﴿بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ﴾ [التوبة:٧٧]، أي: ضمنوا له.
следующие страницы →