← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الثاني منهج التحقيق ١ - بعد أن حصلت على نسخ الكتاب المخطوطة شرعت في كتابة النسخة التي اتّخذتها أصلا، وهي نسخة مكتبة كوبريلي الأولى، على وفق قواعد الإملاء الحديثة، وقابلت النسخ الأخرى بها مثبتا في المتن ما رأيته صوابا مع التّنبيه على الفروق بين النّسخ في حواشي التحقيق. ٢ - وضعت ما زدته من النّسخ الأخرى بين معقوفتين، ولم أشر إلى ذلك في حواشي التحقيق إن كانت الزّيادة موجودة في سائر النّسخ غير الأصل، وبخلافه أشير إليها. ٣ - إذا اختلفت النسخ في ألفاظ نحو: (تعالى، وسبحانه، وعزّ وجلّ) بعد اسم الجلالة، أثبّت ما في الأصل، وتركت غيره، وإذا وجدت هذه الألفاظ في نسخ دون أخرى أثبّت ما هو مناسب منها، ولم أشر إلى ذلك في حواشي التحقيق؛ لأنّ مثل هذه الاختلافات من عمل النّساخ وليس هناك فائدة بإثقال الحواشي بها. ٤ - اختلفت النسخ أحيانا في صيغة الصّلاة على النّبيّ ﷺ ، ولأنّ هذه الاختلافات من عمل النّساخ أيضا فقد اخترت من هذه الصّيغ أكملها وهي صيغة ﷺ وتركت غيرها ولم أشر إلى ذلك في الحواشي. ٥ - اقتضى السّياق في مواضع قليلة جدّا زيادة كلمة أو أكثر لإقامة العبارة، فوضعتها بين معقوفتين، وأشرت إلى ذلك في الحواشي. ٦ - وضعت الآيات المفسّرة والآيات المستشهد بها ضمن أقواس مزهّرة، وراعيت في كتابتها رسم المصحف عند ورودها أول مرة فقط، فإذا تكرّرت وضعتها بين قوسين بالرّسم الإملائيّ. ٧ - ضبطت الآيات المفسّرة وفاقا لقراءة حفص، وإذا كانت الآية برسم مخالف في نسخ التّحقيق، كلّها أو بعضها، أشرت إلى ذلك في الحواشي. ٨ - ضبطت الآيات القرآنية المستشهد بها وفاقا لقراءة حفص أيضا، وأشرت إلى ما يخالفها في حواشي التّحقيق، وخرّجتها مشيرا إلى السّورة ورقم الآية بين معقوفتين في داخل النص. ٩ - وثّقت القراءات القرآنية بالرّجوع إلى المصادر المعتمد عليها في هذا الباب. ١٠ - خرّجت الأحاديث النّبويّة الشّريفة من كتب الحديث.

стр. 72

١١ - وثّقت أقوال المفسرين والنحويين واللغويين من مصادرها الأصلية، أو من المصادر التي ذكرت فيها، مبتدئا بمصنّفات المؤلفين أنفسهم ما أمكن. ١٢ - ضبطت الشّواهد الشّعريّة، وخرّجتها من مصادرها من كتب اللّغة والأدب، مبتدئا بدواوين الشّعراء، ثمّ المجموعات الشّعريّة، وكتب النحو واللغة والأدب والتفسير، وعزوت ما لم يعزه المؤلف منها ما أمكن، وصحّحت الخطأ في النّسبة إن وجد، ونبّهت على الصواب في حواشي التحقيق. وإن كان ما ورد في النّصّ جزءا من الشاهد أكملته في حواشي التّحقيق. ١٣ - ضبطت من النّصّ ما يمكن أن يشكل على الفهم. ١٤ - ترجمت للمغمورين من الأعلام الذين وردت أسماؤهم في النص من المفسّرين والمحدّثين واللّغويين والرّواة وغيرهم، أو من في ترجمته فائدة ما في إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف أو نفيها، أو من في اسمه إشكال، مراعيا الإيجاز في الترجمة، وأحلت على مصادر تراجمهم ملتزما عدم ذكر أكثر من ثلاثة مصادر. ١٥ - شرحت الألفاظ التي تحتاج إلى بيان، ويصعب على القرّاء معرفتها، وكذا المصطلحات التي وردت في النص. ١٦ - صححت الأخطاء النحوية القليلة التي وجدتها في نسخ التحقيق في المتن، وأشرت إلى الخطأ في الحواشي، وكذا ما يخصّ الآيات القرآنية، أما غير ذلك من الأخطاء، وهو قليل أيضا، فأثبتّه كما هو في المتن، وأشرت إلى الصواب في الحواشي. ١٧ - وضعت أرقام صفحات نسخة الأصل بين (قوسين) في داخل النص، ورمزت إلى وجه الورقة وظهرها بما هو مبيّن في مصطلحات التحقيق. ١٨ - حاولت التّيسير على القارئ للرّجوع إلى ما يبغي بوضع اسم كلّ سورة في أعلى كلّ صفحة من صفحاتها، ووضعت رقم كلّ آية مفسّرة على يمين الصفحة، ملتزما عدم تكرار الترقيم إلى أن تتغيّر الآية. ١٩ - وضعت أرقام صفحات المطبوع في أعلى الصّفحة، ليتّسق مع ما التزمته من وضع أرقام صفحات نسخة الأصل من المخطوطة في بداية كلّ صفحة. ٢٠ - ألحقت بالنص صور بعض صفحات نسخ الكتاب المخطوطة للتّوثيق. ٢١ - اتّبعت في التحقيق المنهج الذي يؤكّد عدم إثقال الهوامش، فالتزمت عدم ذكر أكثر من ثلاثة مصادر في تخريج أيّ مسألة من مسائل النص المحقّق.

стр. 73

المبحث الثالث مصطلحات التحقيق الأصل-نسخة مكتبة كوبريلي الأولى، وفي موضع النقص منها يكون الأصل هو نسخة كوبريلي الثانية. ك-نسخة مكتبة كوبريلي الثانية. ع-نسخة مكتبة نور عثمانية. ب-نسخة الأسكوريال. و-وجه الورقة في الأصل. ظ-ظهر الورقة في الأصل. النسخ الثلاث-النسخ المخطوطة كافة سوى الأصل. النسختان-النسخ المخطوطة كافة سوى الأصل، وهذا المصطلح مستعمل في موضع النقص من النسخة الأولى فقط. () -ما بينهما الآيات القرآنية المفسّرة والمستشهد بها. () -ما بينهما الكلمات القرآنية المفسّرة، والأحاديث النبوية الشريفة، وأرقام صفحات المخطوطة. «» -لحصر ما نقل من أقوال في المتن والهوامش. []-لحصر الزيادة من النّسخ الأخرى للمخطوطة غير الأصل، أو الزيادة التي يقتضيها السياق، أو تخريج الآيات القرآنية في المتن، أو بحور الشّعر.

стр. 74

صفحة العنوان من نسخة كوبريلي الأولى (الأصل)

стр. 75

الورقة الثانية من نسخة كوبريلي الأولى (الأصل)

стр. 76

نهاية سورة يونس في الورقة ١٥٨ من نسخة كوبريلي الأولى (الأصل)

стр. 77

الورقة الأخيرة من نسخة كوبريلي الأولى (الأصل)

стр. 78

صفحة العنوان من نسخة كوبريلي الثانية (ك)

стр. 79

الورقة الثانية من نسخة كوبريلي الثانية (ك)

стр. 80

نهاية سورة يونس في الورقة ١٤٩ من نسخة كوبريلي الثانية (ك)

стр. 81

الورقة الأخيرة من نسخة كوبريلي الثانية (ك)

стр. 82

صفحة العنوان من نسخة نور عثمانية (ع)

стр. 83

الورقة الثانية من نسخة نور عثمانية (ع)

стр. 84

نهاية سورة يونس في الورقة ١١٣ من نسخة نور عثمانية (ع)

стр. 85

الورقة الأخيرة من نسخة نور عثمانية (ع)

стр. 86

صفحة العنوان من نسخة الأسكوريال (ب)

стр. 87

الورقة الثانية من نسخة الأسكوريال (ب)

стр. 88

نهاية سورة يونس في الورقة ٢١٢ من نسخة الأسكوريال (ب)

стр. 89

الورقة الأخيرة من نسخة الأسكوريال (ب)

стр. 90

(١ ظ) بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر الحمد لله ربّ العالمين (١) والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين معنى قول القائل عند القراءة: أعوذ بالله، أي: ألوذ بالله، تقول: عذت، أي: لذت (٢). والأحسن أن وزن الشّيطان: (فيعال) كالبيطار، وهو من الشّطن، وهو البعد (٣). ويقال: هو الحبل الطّويل المضطرب، وكأنه (٤) سمّي بذلك؛ لأنّه تباعد عن الخير وطال واضطرب (٥). ويقال: (فعلان) من شاط السّمن، إذا نضج وكاد يحترق (٦). الرّحيم: بمعنى المرجوم، كالقتيل بمعنى المقتول، سمّي بذلك لأنّه يرجم بالشّهب، أو لأنّه يلعن ويشتم (٧). سورة الفاتحة (٨) ١ - ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ الباء مع الاسم آلة لفعل محذوف، وتقديره: أفتتح وأبتدئ بسم الله، وإنما حذف لدلالة الحال (٩)، كما يقال في اليمين: بالله (١٠)، أي: أحلف بالله. ويراد بالاسم التّسمية، وهي (١١) الذّكر، دون المسمّى وهو المذكور (١٢). الله: اسمه الذي لا يشركه في التّسمّي به غيره. وهو (١٣) غير مشتقّ عند محمّد بن

стр. 91

الحسن (١)، وقيل (٢): مشتق من وله يوله، وقيل (٣): من لاه يلوه. ومعناه: الرّبّ المحمود المستحقّ لأعلى مراتب العبادة (٤). الرحمن الرحيم: اسمان مشتقّان من الرّحمة (٥). والرّحمة منك إرادتك (٦) الخير بمن هو دونك في الرّتبة متّصلة بإنعامك عليه، وضدّه الفظاظة والجفاوة. وأحد الاسمين أرقّ (٧) من الآخر، ولهذا كرّر الاسمين، وقيل: للتّأكيد (٨). ٢ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ قال ابن عرفة (٩): الحمد: الرّضا تقول (١٠): حمدت الشّيء إذا رضيته، وأحمدته إذا وجدته مرضيا (١١). وقيل (١٢): الحمد: الثّناء، ونقيضه: الذمّ دون الكفران. والحمد أعمّ من الشكر (١٣)؛ لأنك تحمد من أنعم عليك أو على غيرك، ولا تشكر إلا من أنعم عليك.

стр. 92

والألف واللام للجنس (١). ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ الرّبّ: السيّد والمولى، قال يوسف ﵇: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف:٤٢]، وقال (٢): ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ [يوسف:٥٠]. وربما يراد به المالك، قال النبي ﷺ (٣): (أربّ إبل أنت أم ربّ غنم، فقال: من كلّ آتاني الله فأكثر وأطيب). ويدلّ على نوع تصرّف وتدبير وتعهّد، يقال للقائم بالعلم: ربّانيّا، ويقال: رببت الأديم والعودة (٤). فالله سيّد عباده، ومالك جميع الأشياء، ومدبّرها ومقدّرها (٥). العالمون: الإنس والجنّ عن ابن عبّاس ﵄، لقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١]، وهو جمع الجمع، ولا واحد له من لفظه (٦). وقيل (٧): العالم ما حواه (٨) الفلك، ثمّ كلّ جنس منه عالم على حدة عند التفصيل، وبيانه أنّ الجنّ عالم، والإنس عالم، والطير عالم، والمواشي عالم، ثمّ كلّ جماعة كثيرة من كلّ جنس عالم، وبيانه أنّ العرب عالم، والعجم عالم، (٢ و) وأهل كلّ عصر عالم، وأنشد العجّاج (٩): [من الرّجز] وخندف هامة هذا (١٠) العالم وإنّما جمع جمع العقلاء لتغليب العقلاء على غيرهم (١١)، كقوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ﴾ الآية [النور:٤٥]، وهذه الآية تعليم (١٢) من الله عباده كيف يدعونه. و (قولوا) مقدّر في الابتداء (١٣)، لما أشرنا إليه. ٤ - ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ:﴾ «قاضي يوم الجزاء» (١٤). وتخصيص ذلك اليوم لتعظيم

стр. 93

شأنه (١)، كما يقال: ربّ الكعبة، وإله إبراهيم. ٥ - ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ:﴾ تقديره: نعبدك ونستعينك، فلمّا قدّم الضمير لكون (٢) ذكره أهمّ من ذكر (٣) العبادة قيل كذلك، مثاله قولهم: [إيّاه] (٤) ضربت. وإنّما حسن العدول عن المغايبة إلى المخاطبة لدلالة الحال أنّ المعنى واحد، كقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً [مِمّا رَزَقْناهُمْ] (٥)﴾ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ [النحل:٥٦]. و (العبادة): الدّيانة، وهو التمسك بالطاعة في تذلّل وخضوع، منه قولهم: دانت له الرّقاب، ولا يعبد الله إلا من يطيعه (٦). و (الاستعانة): طلب العون، وهو في الأصل: نستعون، فنقلت كسرة الواو إلى الساكن قبلها (٧) فانكسر ما قبل الواو فانقلبت ياء، نحو: ميعاد وميزان (٨). ٦ - ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ:﴾ أي: أرشدنا الطريق الواضح الذي لا ينثني ولا يضطرب، ويؤدّيك إلى مقصدك (٩). وهو شريعة نوح، وملّة إبراهيم، وعلومهما عليهما (١٠) السّلام. والمراد بهذا السؤال التثبّت والاستدامة (١١) دون الاستئناف، كقولك للقائم (١٢): قم حتى أرجع. ٧ - ﴿صِراطَ:﴾ «بدل عن الصراط الأول» (١٣). ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم ناقص يحتاج إلى الصلة (١٤). والإنعام ههنا التوفيق والتثبيت والختم بالسعادة. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ:﴾ وهم اليهود لقوله تعالى في شأنهم: ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى﴾

стр. 94

﴿غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠]. ﴿وَلا الضّالِّينَ:﴾ النصارى لقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا (١)﴾ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة:٧٧] (٢). ويجوز أن يكون المراد بالآية جميع من لم ينعم عليهم بالهداية، لحصول الإجماع أنّ اليهود ضالّون مع كونهم مغضوبا عليهم، وأنّ (٣) النصارى مغضوب عليهم مع كونهم ضالّين. وقوله: (آمين)، قال الزجّاج (٤): معناه: اللهمّ اسمع واستجب. وفيه لغتان: المدّ والقصر، كلاهما بالتخفيف (٥).

стр. 95

سورة البقرة وهي مئتان وخمس (١) وثمانون آية عند أهل المدينة بسم الله الرحمن الرحيم [ربّ يسّر] (٢) ١ - ﴿الم:﴾ قال ابن عبّاس ﵄ (٣): الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمّد، أي: بعث الله جبريل إلى محمّد بالقرآن. وعنه قال (٤): (٢ ظ) معناه: أنا الله أعلم. وقيل (٥): الألف من أنا (٦)، واللام من لي، والميم من منّي، أي: أنا الإله ولي الخلق والأمر ومنّي النّعمة والخير. وقيل (٧): الألف: آلاء الله، واللام: لطفه، والميم: مجده، فكأنّه أقسم بآلائه ولطفه ومجده. وقيل (٨): معناه: أنا الله اللطيف المجيد. وطريق الاختصار (٩) على حرف من الكلمة مشهورة في لغة (١٠) العرب، قال الشاعر (١١): [من الرّجز] نادوهم أن ألحموا ألا تا ... قالوا جميعا كلّهم ألا فا وقال آخر (١٢): [من الرّجز] بالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشّرّ إلاّ أن تا ٢ - ﴿ذلِكَ الْكِتابُ:﴾ أي: هذا القرآن، عن ابن عبّاس ومجاهد وعكرمة والسّدّي وابن جريج ومحمد بن جرير الطبري (١٣).

стр. 96

وإنّما سمّي القرآن كتابا لما جمع (١) فيه من الأمر والنّهي والقصص والمواعظ والوعد والوعيد، وكلّ شيء جمعته فقد كتبته (٢). ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شكّ فيه (٣). و (لا) مع ما بعدها جعلا كشيء واحد فبنيا على الفتحة ك (خمسة عشر) (٤). و (لا) النفي (٥) تدخل على الاسم بمعنى (ليس)، وعلى الفعل الماضي (٦) بمعنى (لم)، وعلى المضارع بمعنى (ما). ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ:﴾ رشدا لهم (٧). و (هدى) مصدر مثل التّقى والسّرى (٨)، يتعدّى إلى مفعولين (٩) بغير حرف، كقوله: ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات:١١٨]. (المتّقين) الذين يحذرون عن الشّرك والكفر والفواحش بالتّوحيد والإيمان والأعمال الصّالحة (١٠). ٣ - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ:﴾ يقرّون ويصدّقون بالله تعالى بظهر الغيب قبل المشاهدة والإلجاء (١١) لقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق:٣٣]. وقيل (١٢): الغيب ما جاء به النبيّ من أخبار ما لم يشاهد. ونقيض الإيمان: الإنكار، ونقيض الغيب: الشهادة. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ:﴾ إذا لم يعطّلوها (١٣). والصّلاة (١٤) في اللغة: الدّعاء. وفي الشّرع: اسم لعبادة معروفة، تشتمل على أفعال وأركان

стр. 97

معهودة، مقترنة بشرائط (١). ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ:﴾ أعطيناهم (٢). ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ "يتصدّقون" (٣)، والمراد به الزّكاة عن ابن عبّاس، وقيل: جميع ما يحمد (٤). ٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ:﴾ يعني القرآن والسّنّة (٥) لقوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ [النجم:٣]، وقوله: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]، وقوله ﷺ : (أوتيت القرآن ومثله مرّتين) (٦). ﴿وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ:﴾ ما أتى به النّبيون من قبل (٧). ﴿وَبِالْآخِرَةِ:﴾ أي: الحياة الآخرة (٨). ﴿هُمْ يُوقِنُونَ:﴾ يستيقنون (٩)، وضدّ الإيقان الشّك. ٥ - ﴿أُولئِكَ:﴾ أهل هذه الصفة (١٠) ﴿عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ.﴾ ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:﴾ [المفلحون] (١١) الناجون السعداء الباقون في الجنّة (١٢)، قال ابن عبّاس ﵄: هم الذين وجدوا ما طلبوا، ونجوا من شرّ ما منه هربوا (١٣). وقيل (١٤): المفلح: الظافر ببغيته المنجح بطلبته. وقيل (١٥): كلّ من أصاب خيرا فهو مفلح.

стр. 98

وقيل (١): الفلاح: البقاء ثمّ أخذ منه القطع. وقيل (٢): أصله القطع (٣) (٣ و) من قولهم: الحديد بالحديد يفلح (٤)، ويقال للأكّار والمكاري (٥) فلاحا ثمّ أخذ منه البقاء. ٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ نزلت في شأن شيبة وعتبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة الذين قتلهم يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (٦). وقيل (٧): نزلت في شأن سبعة نفر من اليهود؛ كعب بن الأشرف وحيي وجدي ابني أخطب وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وأبي لبابة ابن عبد المنذر وأبي ياسر (٨) بن أخطب. و (إنّ) حرف إثبات، وهي أداة (٩) القسم، واللام أختها تقول: والله إنّ زيدا لمنطلق، وهي لا تدخل إلا في الأسماء. و (الكفر) في اللغة: السّتر (١٠)، وفي الشرع: إنكار ما يجب الإيمان به (١١)، بدليل أنّ عليّا كرّم الله وجهه سمّى أهل الشام مؤمنين في كتاب القضية مع إنكارهم حقّه، وكفرانهم بعض نعم الله تعالى. و ﴿سَواءٌ:﴾ مصدر أقيم مقام الصفة، أي: مستو عندهم إنذارك إيّاهم وتركك إنذارهم (١٢)، كقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦]، وقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ [إبراهيم:٢١]. والإنذار إعلام فيه تخويف (١٣)، ويتعدّى إلى مفعولين. ﴿لا يُؤْمِنُونَ:﴾ البتة إن أجرينا على الثلاثة، وإن أجرينا على السبعة لا يؤمنون (١٤) في الحال؛ لأنّ بعضهم آمن من بعد.

стр. 99

٧ - ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ طبع الله على قلوبهم، والختم والطبع: الاستيثاق من المختوم حتى لا يخرج منه شيء ولا يدخله شيء، من ذلك (١) ختم الصّرّة والكتاب. والقلوب جمع قلب، وهو أول الأعضاء الرئيسة (٢)، سمّي قلبا لكثرة تقلّبه بالخواطر والمعاني (٣). ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ:﴾ أراد (٤) بالسمع الأذن، وبالأبصار العيون، إذ العرب تسمّي الشيء باسم الشيء إذا كان قريبا منه، وإنّما لم يقل: على أسماعهم؛ لأنّ العرب تكتفي من جمع المضاف بجمع المضاف إليه (٥). (غشاوة): "غطاء" (٦). وهذه الغشاوة تمنع رؤية الاعتبار لا رؤية الاختيار (٧). ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ:﴾ إيذاء مستمر (٨). ﴿عَظِيمٌ:﴾ يعظم عليهم، فيصغر (٩) عندهم بجنبه كلّ عذاب. والمراد به في الآخرة (١٠)، وقيل (١١): المراد به قتلهم وأسرهم يوم بدر. ٨ - ﴿وَمِنَ النّاسِ:﴾ نزلت (١٢) في المنافقين: عبد الله بن أبيّ بن (١٣) سلول وجدّ بن قيس ومعتب ابن قشير ومن تابعهم (١٤). وسمّي الإنس إنسا لظهورهم (١٥)، وهم ضدّ الجنّ. وأنست السر، بغير مد إذا أظهرته. وإنّما وحّد الفعل في أول الآية وجمع الضمير في آخرها؛ لأنّ (من) لفظه [لفظ] (١٦)

стр. 100

الوحدان، ولإبهامه يصلح أن يكون اسما للمذكّر والمؤنّث والاثنين (١) والجماعة، يعدل تارة إلى اللفظ وتارة إلى المعنى، كقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً﴾ [الأحزاب:٣١] (٢). (واليوم الآخر): الذي لا زمان بعده لعدم انتهائه، وسمّي يوما لأنّ الليل معدوم فيه، وهو يشمل على الساعة (٣). والباء في قوله: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لتأكيد النفي (٤). وفي الآية دليل أنّ مفرد الإقرار ليس بمؤمن عند الله تعالى، لما في قلبه من المرض والشك (٥). ٩ - ﴿يُخادِعُونَ اللهَ:﴾ يظنون أنهم يخادعون (٦). والمخادعة فعل الخدع من اثنين على وجه المقابلة (٧). وهو إظهار المحبوب مع إبطان المكروه (٨). ﴿وَما يَشْعُرُونَ:﴾ بأنّ خداعهم راجع إلى أنفسهم (٩). والشعر هو العلم الدقيق الذي يتولّد من الفطنة، وهو من شعار القلب، ومنه سمّي الشاعر شاعرا (١٠). ١٠ - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ والمرض في القلب ظلمة فيه، وقال ابن عرفة: مرض القلب فتوره عن الحق (١١)، وقيل: علّة فيه تمنعه عن الصواب. ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً:﴾ "على مرضهم" (١٢). وإنّما نكّر الثاني (١٣) لأنّه غير الأوّل. ﴿أَلِيمٌ:﴾ مؤلم (١٤)، وقال ابن عرفة: ذو الألم.

стр. 101

﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ:﴾ أي: بسبب كونهم كاذبين، أو مكذّبين (١). ١١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ نزلت في المنافقين عند أكثر العلماء (٢). (وإذا) للتوقيت في المستقبل يحلّ محلّ الظرف (٣). وقيل: لا يليها (٤) إلاّ فعل على صيغة الماضي. ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ:﴾ أي: لا تعملوا (٥) بالعمل الفاسد فيها. وفساد الشيء تغيّره عن استقامة الحال (٦). و (الأرض) مأخوذة من الإراض وهو البساط، والإراض (٧) مأخوذ منهما. ﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ:﴾ بأن نأتي (٨) كلّ قوم بوجه ونتذبذب فيما بينهم بقية (٩) على أنفسنا. و (ما) في (إنّما) (ما) الكافّة (١٠)، ولو لاها لنصب (إنّ) الضمير بعدها، فلمّا دخلت هي قبض (إنّ) عن العمل، تقول: إنّك، وإنّما أنت. و (نحن) جمع (أنا) من غير لفظه؛ لأنّ (أنا) لمّا لم يجمع مفكوكا لم (١١) يجمع مسبوكا بخلاف (أنت) (١٢) و (هو). ١٢ - ﴿أَلا:﴾ كلمة وضعت للتنبيه والإعلام قبل الكلام. وهي مركّبة من ألف الاستفهام و (لا) النفي (١٣). ﴿وَلكِنْ:﴾ حرف عطف خصّت لاستدراك بعد نفي، أو ترك جملة إلى جملة (١٤).

стр. 102

وإنّما جمع بين حرفي (١) العطف لأنّ الواو أمّ حروف العطف فجاز إدخالها على حرف عطف لقوّتها، كما أنّ الألف أمّ حروف (٢) الاستفهام، فجاز أن يقال: أهل رأيت زيدا؟ ١٣ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ نزلت في المنافقين الذين سبق ذكرهم (٣). ﴿آمِنُوا:﴾ أي: أيقنوا. الإيمان ههنا هو الإيقان دون الإقرار (٤). ﴿كَما آمَنَ النّاسُ:﴾ أبو بكر مع المهاجرين والأنصار (٥). ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ:﴾ على وجه التعجّب والإنكار (٦)، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ﴾ [الشعراء:١٦٥]. ﴿كَما آمَنَ السُّفَهاءُ:﴾ الجهّال (٧). والسّفيه: الخفيف (٨) العقل، يقال: تسفّهت الرّياح الشّيء (٩) إذا استخفّته وحرّكته (١٠). وقيل: نزلت الآية في كعب بن الأشرف وأصحابه، والمراد بالناس عبد الله بن سلام وأصحابه (١١). ١٤ - ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ (٤ و) نزلت في ابن أبي بن سلول (١٢) وأصحابه، استقبل ذات يوم أبا بكر وعمر وعليّا ﵃ فأخذ بيد أبي بكر وقال: مرحبا بسيّد بني تيم، خير الناس بعد رسول الله، ثاني اثنين معه في الغار، الباذل نفسه وماله له (١٣)، ثمّ أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيّد بني عديّ، خير الناس بعد رسول الله، الشديد في دين الله، القائل بالحقّ، ثمّ أخذ بيد (١٤) عليّ فقال: مرحبا بسيّد بني هاشم ما خلا رسول الله، أخيه وابن عمّه وختنه، فقال له عليّ: يا عبد الله لا تنافق فإنّ المنافقين شرّ خليقة الله في الأرض، فقال: مه يا علي فإنّي آمنت مثل

стр. 103

إيمانكم، ثمّ مضى ومضوا، فلمّا انفرد بأصحابه قال لهم: كيف رأيتم ودي (١) هؤلاء السفهاء عنكم؟ قالوا: لا نزال بخير ما عشت لنا، فأنزل الله (٢). واللقاء رؤية تقتضي مصادفة ومعاينة (٣)، ويستعار لإصابة الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:١١]. ﴿وَإِذا خَلَوْا:﴾ مضوا (٤). ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ:﴾ كهنتهم (٥)، قيل: إنّهم كانوا خمسة نفر: كعب بن الأشرف وأبو بردة الأسلميّ وعبد الدار الجهنيّ وعوف بن عامر الأسديّ وابن السوداء (٦). ﴿إِنّا:﴾ مركّبة من (إنّ) التي هي للإثبات (٧) و (نا) كناية للجمع الذين المتكلّم منهم، فلمّا اجتمعت النونات اكتفي بنون مشدّدة (٨). ﴿مَعَكُمْ:﴾ بالقلوب. وقيل: في التكذيب سرّا (٩). ﴿مُسْتَهْزِؤُنَ:﴾ بأصحاب محمد بإظهار قول: لا إله إلا الله (١٠). ١٥ - ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ:﴾ "يجازيهم على استهزائهم" (١١)، كقوله: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى:٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال الشاعر (١٢): [من الوافر] ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا وفي الخبر [أنّ] (١٣) جزاء استهزائهم أنّهم يدعون إلى الجنّة وهم في النّار فيسيحون أحقابا

стр. 104

حتى يقتربوا من أبوابها، فتغلق الأبواب دونهم، فيرجعون بحسرة (١). ﴿وَيَمُدُّهُمْ:﴾ "يمهلهم" (٢). وفي اللغة قريب من البسط والتطويل (٣). ﴿طُغْيانِهِمْ:﴾ تماديهم ومجاوزتهم الحدّ (٤). ﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتردّدون ويتحيّرون (٥). ١٦ - ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى:﴾ اختاروا الكفر على الإيمان (٦)، وقيل (٧): استبدلوه به، وقيل (٨): إنّها في شأن اليهود، إذ هم قبلوا التحريف، وتركوا التوراة بعد تحصيلها. ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ:﴾ أي: "فما ربحوا في تجارتهم" (٩). والرّبح ضدّ الخسران. ﴿وَما كانُوا:﴾ للجحد والكينونة، إذا اقتضت جوابا فهي بمعنى الصيرورة كما هي ههنا، إذ الاهتداء خبر لها. والاهتداء يقرب من البصارة والإصابة (١٠). ١٧ - ﴿مَثَلُهُمْ:﴾ شبه المنافقين (١١). والمثل صفة يوجد لها المثل على وجه المقاربة والموافقة (١٢) دون المشاكلة والمجانسة، ثمّ تؤول هي ومثلها جميعا إلى مدح أو ذمّ. والكلام الذي يسمّى مثلا هو قول سائر يتلفّظ به عند شبه حال الثاني بالأوّل (١٣)، وضرب المثل وضعه (١٤). ﴿اِسْتَوْقَدَ:﴾ أي: أوقد (١٥)، وهي ضدّ أطفأ.

стр. 105

والنار (٤ ظ) هي الجسم اللطيف المحرق (١)، والنور عرض فيه. ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ:﴾ و (لمّا) ظرف زمان ماض؛ لا يتمّ إلا بصلته، وصلته أوّل العاملين (٢)، ولا يستقيم إلا بالعامل الثاني، تقول: لمّا دعوتك أجبتني (٣). و (حول) الشيء موضع حركته، ومبدأ تحوّله (٤). ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ:﴾ أي: أذهب الله نورهم (٥). ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ:﴾ شدائد جهنّم (٦). ﴿لا يُبْصِرُونَ:﴾ لا يرون وجه الرجاء والفرج. (النور) ما بين المحسوس والمعقول (٧)، و (الظلمة) عرض ينسخه النور وينافيه (٨). وتمثيل مثل المنافقين بمثل المستوقد (٩) من حيث إنّ المستوقد [قد] (١٠) طفيت ناره، وحبط عمله لمّا طفيت، فكذلك المنافقون افتضحوا، وحبط إظهارهم الإيمان لما ستروا (١١) به نفاقا وتقية. وقيل (١٢): إنّها نزلت في أولئك المنافقين الذين أخلصوا ثمّ ارتابوا، وهذا أقرب من الأوّل. وقيل (١٣): نزلت في اليهود؛ لأنّهم نزلوا يثرب انتظار المبعث، وكانوا يستنصرون باسم النبيّ ﷺ في وقائعهم، فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به (١٤)، فإن صحّ هذا القول فإنّها في المنافقين منهم (١٥) دون الكل؛ لأنّ دلالات النفاق ظاهرة فيما تقدّم. تقدير (١٦) الآية: فلمّا أضاءت النار ما حول (١٧) المستوقد طفيت، كقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ﴾

стр. 106

﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، أي: فإذا أمنتم فاقضوا ما أحصرتم عنه. وقوله: (ذهب (١) الله بنورهم) في المنافقين دون المستوقد (٢)، وإنّما لم يذكر اقتباسهم النور أوّلا ثمّ الذهاب بنورهم؛ لأنّ المثل السابق دلّ عليه فاكتفي بتلك الدّلالة. وقيل (٣): الضمير في قوله (بنورهم) عائد إلى المستوقد وأصحابه والمعتقد في الجملة ما هو عند الله تعالى. ١٨ - ﴿صُمٌّ:﴾ من حيث لا يستمعون (٤) إلى الحق. ﴿بُكْمٌ:﴾ من حيث لا ينطقون بالحق (٥). ﴿عُمْيٌ:﴾ من حيث لا ينظرون إلى الحق، ولا يلتفتون إليه (٦). ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ:﴾ إلى الإخلاص في الحال (٧)؛ لأنّ بعضهم أخلص بعد ذلك. ١٩ - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ:﴾ (أو) ههنا للعطف (٨)، كقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان:٢٤]، قال جرير (٩): [من البسيط] نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر وقيل (١٠): (أو) للتخيير كما في كفّارة اليمين، وكأنّما (١١) خيّر المخاطب بين ضرب المثلين لهؤلاء (١٢) المنافقين، إذ كلّ واحد منهما يليق بحالهم. (كصيّب): كأصحاب صيّب (١٣)، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (١٤)، كقوله (١٥):

стр. 107

﴿هُمْ دَرَجاتٌ﴾ [آل عمران:١٦٣]، أي: ذوو (١) درجات. وإنّما سمّي المطر صيّبا لأنّه يصوب من نحو السماء (٢)، وقال الشاعر (٣): [من الطويل] فلست لإنسيّ ولكن لملأك ... تنزّل (٤) من جوّ السّماء يصوب وأصل الصيّب صيوب، وعند (٥) الفرّاء صويب. ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ:﴾ ظلمة (٦) السحاب والماء والليل. ﴿وَرَعْدٌ:﴾ صوت يسمع عند المطر من مصوّت تسبيحا لله تعالى (٧). ﴿وَبَرْقٌ:﴾ نور يلمع من صفاء الماء في الهواء (٨)، وقيل (٩): من نار. ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ:﴾ (٥ و) يصيّرون بنانهم في العضو المختصّ بالسمع (١٠). والصاعقة صوت فيه نار لا تأتي على شيء إلا أحرقته (١١). وقيل (١٢): اسم للعذاب على أيّ وجه كان؛ لأنّ عادا أهلكت بالريح، وثمود بالرجفة، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]. والمراد بالصواعق ههنا شدّة الظلمة، وشدّة صوت الرعد، وشدّة لمعان البرق، إذ كلّ واحد منها هائل. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ:﴾ أي: لحذر (١٣) الموت، كقولك: زرتك طمعا في برّك، وقال حاتم الطائيّ (١٤): [من الطويل] وأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما

стр. 108

أي: لادّخاره وللتكرّم. والموت ذهاب الحياة (١). ﴿مُحِيطٌ:﴾ عالم بأعمالهم (٢). وهذا عارض دخل في أثناء المثل (٣). ٢٠ - ﴿يَكادُ:﴾ فعل ليس له مصدر ولا اسم (٤). كاد يكاد إذا أوهم أن يفعل ولمّا يفعل (٥)، قال الله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ [مريم:٩٠]. ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور:٤٠] إذا أوهم أن لا يفعل ثمّ فعل (٦). وقيل (٧): يكاد يقرب، إلا أنّه يستعمل بغير حرف (أن) بخلاف (٨) لفظ المقاربة والمداناة. ﴿يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ:﴾ يستلب ويختلس أبصار المنافقين (٩)، نظيره: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ [النور:٤٣] (١٠). ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ:﴾ (كلما) ظرف زمان ماض في محلّ النصب، وعلّة الظرف إضمار (في) في المعنى دون اللفظ كالاسم بنزع الخافض، وهو مبهم يحتاج إلى الصلة، وصلته (أضاء) والعامل فيه ﴿مَشَوْا:﴾ مضوا في الضوء (١١). ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا:﴾ أي: صار (١٢) ذا ظلمة، كقولك: ليل مظلم، وبيت مظلم، وقوله تعالى: ﴿قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ [يونس:٢٧]، وقوله: ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]، أي: يخلصون في الظلمة. وإنّما قال: (عليهم)؛ لأنّ وبال الظلمة راجع إليهم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ:﴾ معنى (لو) كمعنى الشرط، وهو يكون في الماضي والمستقبل (١٣)، قال الله

стр. 109

تعالى: ﴿لَوْ يَشاءُ (١)﴾ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً [الرعد:٣١]. وأكثر جوابها باللام (٢). وعدم ما يليها من الفعل لعدم الفعل الذي هو جوابها. والموجب ممّا يليها ومن جوابها (٣) في اللفظ منفيّ في المعنى، والمنفيّ في اللفظ موجب في المعنى. والمشيئة إرادة تشتمل (٤) المكروه والمحبوب جميعا. ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ:﴾ إنّما وحّد السمع اكتفاء بجمع المضاف إليه من جمع المضاف (٥)، أو أراد الجنس (٦)، كقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ [الحاقّة:١٧]، وقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور:٣١]. ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ:﴾ (كلّ) اسم يتناول آحاد الجماعة على سبيل الإفراد، يضاف إلى جماعة وواحد منكر (٧). و (الشيء) اسم عام (٨). ﴿قَدِيرٌ:﴾ قادر (٩). وتقرير (١٠) مثل المنافقين من أصحاب الصّيّب من حيث إنّ القرآن نازل عليهم من نحو السماء كالصيّب، وفيه متشابهات ومحكمات، (٥ ظ) وبشارة وإنذار، كما أنّ في الصيّب رعدا وبرقا، والمنافقون يكرهون ذلك ويعرضون عنه، ويكبر ذلك عليهم، وتارة ينظرون إلى مبلّغه نظر المغشيّ عليه من الموت، كما أنّ أصحاب الصيّب يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، والقرآن يكاد يهديهم، أو يكاد يميتهم غيظا كما أنّ البرق يكاد (١١) يخطف أبصار أصحاب الصيّب، وهم كلّما رأوا دولة أو طمعوا في بشارة قصدوا الإخلاص، وإذا حدثت نكبة أو نزل تكليف بقوا (١٢) متحيّرين شاكّين، كما أنّ أصحاب الصيّب كلّما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا (١٣).

стр. 110

٢١ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ خطاب للجميع (١)؛ لأنّه ذكر فيه النعمة العامّة، وهي الخلق (٢) والرّزق. وقيل (٣): نزلت في المشركين بدليل قوله (٤): ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً.﴾ و (يا) حرف نداء، تقول: يا زيد (٥). و (أيّ) اسم مبهم (٦)، تقول: أعط أيّهم شئت. و (ها) حرف التنبيه (٧). و (الناس) كالوصف ل (أيّ) (٨)؛ لأنّك تقول: يا أيّها الفقيه، ولا تقول: يا أيّها زيد. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ وحّدوا وأخلصوا وأطيعوا (٩). ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ:﴾ ابتدأ تقديركم (١٠)، وقيل (١١): الخلق هو الإيجاد مقدرا. والواو في ﴿وَالَّذِينَ [مِنْ قَبْلِكُمْ]﴾ (١٢) واو عطف (١٣)، و (من) لابتداء الغاية (١٤). ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ:﴾ لكي تتّقوا مخالفة الخالق (١٥). وقال سيبويه: كلمة (لعلّ) للرجاء (١٦) والطمع. ٢٢ - ﴿الَّذِي:﴾ أي: هو الذي (١٧)، ويقال (١٨): اعبدوا الذي. ﴿جَعَلَ:﴾ صنع وخلق (١٩)، وقيل (٢٠): صيّر.
следующие страницы →