← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

﴿تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ [طه:١٠٩]، وقال ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي) (١). وإنّما لم يقل: (لا تجزي فيه نفس)؛ لأنّ اليوم إذا أضيف إلى الفعل حذف منه (٢) (فيه) كقوله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ﴾ (١٢ و) ﴿وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨]، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ [إبراهيم:٤١]، وهذا قول الأخفش (٣). وقيل: انتصاب الظرف يشبه بالمفعول، كقولك (٤): صمت يوما ويوما صمته، وقمت ليلة وليلة قمتها، فتقديره: واتّقوا يوما لا تجزيه نفس، ثمّ أسقط الضمير كما أسقط عن صلة الموصول كقوله: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ﴾ [البقرة:٤١]، وقوله: ﴿بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان:٤١] (٥). ﴿شَيْئاً:﴾ نفعا، مصدر (٦)، وقيل: قائم مقام اسم محذوف تقديره: جزى يجزي، أي: أسقط (٧) واجبا أو دينا أو حقّا (٨)، وعلى (٩) لغة تميم: أجزى يجزي عقابا أو ملاما أو وزرا. ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ:﴾ ولا (١٠) يشفع لها شافع (١١). ﴿وَلا يُؤْخَذُ:﴾ "لا يقبل" (١٢). ﴿مِنْها عَدْلٌ:﴾ فداء (١٣)، لو جاء الكافر بعدل نفسه لا يقبل منه (١٤). ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ:﴾ يمنعون ممّا نزل بهم من العذاب (١٥). (القبول): التمكين والارتضاء (١٦).

стр. 142

و (الشفاعة): الاستيهاب والاستعتاب. و (الشفيع): الذي يصير شفعا (١) للمجرم في الاستعتاب. "و (الأخذ): القبض" (٢). و (العدل): الفداء (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ [الأنعام:٧٠]. و (النصر): المنع (٤)، كقوله: ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ (٥)﴾ اللهِ [هود:٣٠]، وقد يكون بمعنى الإعانة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ [آل عمران:٥٢] (٦). ٤٩ - ﴿نَجَّيْناكُمْ:﴾ "خلّصناكم" (٧). ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ من عبوديّة فرعون وآله (٨)، كقوله: ﴿فَقَدْ (٩)﴾ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء:٥٤]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ (١٠)﴾ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر:٤٦]، وقال ﷺ : (إنّا آل محمّد لا تحلّ لنا الصّدقة) (١١)، وقال: (اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى) (١٢). وأصل (الآل): الأهل، فقلبت الهاء همزة كما في (هيّاك) و (هراق)، ثمّ أبدل من الهمزة الساكنة ألفا ك (آخر) و (آدم) (١٣). وتصغير الآل: أهيل إلا عند الكسائي فإنّ عنده: أويل (١٤). وآل الرجل: من يؤول إليه ويؤولون إليه، ويعتمد عليه ويعتمدون عليه من الذرّيّة والعشيرة والأتباع (١٥). و (فرعون): اسم (١٦) لأيّ ملك من ملوك العمالقة ك (قيصر) في الرّوم و (خاقان) في

стр. 143

التّرك، واسم المراد ههنا: الوليد بن مصعب (١). ﴿يَسُومُونَكُمْ:﴾ يولونكم (٢)، وقيل (٣): يعذّبونكم. وإن جعلت (يسومونكم) في موضع الحال يكون (٤) معناه: سائمين إيّاكم. ﴿سُوءَ الْعَذابِ:﴾ أي: أسوأ العذاب وأشدّ العذاب (٥). ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ:﴾ قطعا لنسلكم (٦). والأقرب أنّه ابتداء كلام (٧)، ألا ترى أنّه قال في موضع آخر: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ (٨)﴾ أَبْناءَكُمْ [إبراهيم:٦]، وقيل (٩): تفسير العذاب. وإنّما قال: (يذبّحون) على التكثير (١٠). "وأصل الذبّح: الشّقّ" (١١). وأصل (الابن): بنو، نحو: سمو، وقيل: بني، نحو: يدي، وقيل: بنو استدلالا بقولهم: بنون وبنين (١٢). وإنّما انقلب الواو والياء همزة (١٣) لوقوعهما طرفا وقبلهما ألف كالدعاء والعطاء (١٤)؛ لأنّ تقدّم الألف عليه كتقدّم الحرف (١٢ ظ) المفتوح فصار في التقدير ألفا فلمّا حرّكت انقلبت همزة. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ:﴾ يستبقون حياة إناثكم رجاء لخدمتهنّ (١٥)، وهو أشدّ العذاب لمكان ضياعهنّ وبقائهنّ أيامى بلا أكفاء (١٦).

стр. 144

وذلك أنّه (١) رأى في المنام أنّ نارا خرجت من قبل بيت المقدس فأحرقت بيوت القبط بمصر، ولم تتعرّض (٢) لبيوت بني إسرائيل، فاستفتى المعبّرين فأخبروه بخروج نبيّ من بني إسرائيل يولد في تلك الأيّام، فأخذ يقتل غلمانهم حتى خيف الفناء، فكان (٣) بعد ذلك يذبح سنة ويترك سنة ليقلّوا فلا يغلبوا، ويبقوا فيخدموا، فولد هارون ﵇ في السنة التي لم يكن يقتل فيها، وولد موسى في السنة الأخرى، فأوحى الله إلى أمّه إلهاما أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليمّ، وكان من أمره ما كان (٤). ﴿وَفِي ذلِكُمْ:﴾ إنجاء الله إيّاكم من عبوديّة آل فرعون (٥) ﴿بَلاءٌ:﴾ "نعمة عظيمة" (٦) ﴿مِنْ رَبِّكُمْ.﴾ وقيل (٧): وعذاب فرعون وذبحه الغلمان واستحياؤه النساء قهر من ربّكم ﴿عَظِيمٌ﴾ حيث سلّط عليكم. وأصل البلاء: الاختبار، والاختبار قد يكون بالخير والشرّ (٨)، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف:١٦٨]. وإنّما وصف بعظم لأنّه يصغر بجنبه غيره (٩). ٥٠ - ﴿وَإِذْ فَرَقْنا:﴾ فلقنا وفصلنا وشققنا (١٠). ﴿بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ بعبوركم (١١) أو لعبوركم بحر قلزوم (١٢)، فكان كلّ فرق كالطّود العظيم. ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ من فرعون ومن الغرق بعد قولكم: إنّا لمدركون (١٣). ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ:﴾ أهلكناه وآله حين التطم البحر (١٤). ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى التطامه عليهم بعد خروجكم منه (١٥)، وقيل (١٦): إلى أشخاصهم (١٧)

стр. 145

بعد ثلاثة أيّام حين لفظهم البحر. وحقيقة النّظر: تعمّد الرؤية، وهو مستعمل في العين والقلب، كالإبصار والرؤية والرأي (١). ٥١ - ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى:﴾ وحقيقة الوعد أن يكون للشيء، فإذا كان على الشيء فهو مجاز (٢)، والمراد به التخويف بالجائز الممكن، كقوله: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة:٢٦٨]، وقال ﷺ في دعائه: (يا من إذا وعد وفى وإذا توعّد عفا) (٣). و (موسى): اسم أعجميّ أصله: موشي، أي: الماء والشجر؛ لأنّهم التقطوه بين الماء والشجر، فعرّبته العرب (٤). والموعود ما كان ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ من المناجاة ومشاهدة الملكوت والآيات وإعطاء التوراة (٥). وقد صام ﵇ وتنزّه عن الشهوات مكان (٦) يوم يوما، ثمّ انطلق إلى الميقات بأمر ربّه. وفيه يقول الله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢] (٧). والدليل على أنّ المراد بالأربعين وقت المناجاة دون وقت صومه أنّ بني إسرائيل عدّوا بعده عشرين يوما وعشرين ليلة ثمّ اتّخذوا العجل (٨)، وفي ذلك قوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٥٠]، وفي التوراة: (أربوعين يوم أربوعين يوم أربوعين يوم) (٩)، فحمل بعضهم على إثبات ثلاث مواقيت (١٠)، وإنّما هو (١١) تكرار اللفظ للتأكيد (١٢). وحدّ الوعد في اللغة هو الضمان، يقال: هذا الغلام يعد رشدا، وهذه الغداة (١٣ و) تعد (١٣) بردا، إذا (١٤) كان مضمّنا ذلك، قال الله تعالى: ﴿بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ﴾ [التوبة:٧٧]، أي: ضمنوا له.

стр. 146

﴿ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ:﴾ من حليّكم (١). وإنّما عرّفه لأنّه يعرف بالوصف في سورة طه (٢)، وقيل (٣): الألف واللام للمعهود. وإنّما سمّاه عجلا مجازا (٤). "والعجل ولد البقرة" (٥). ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ من بعد انطلاقه إلى الجبل (٦). ٥٢ - ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ:﴾ محونا الذنب عنكم (٧) من قولك: عفت الريح الأثر (٨)، وقيل (٩): تركناكم ولم نستأصلكم بالقتل. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ "من بعد اتّخاذكم العجل إلها" (١٠). والكاف في ذلك موحّد؛ لأنّه علامة للخطاب، وليس باسم، ألا ترى لو قال: من ذا، جاز، فإذا جاز إسقاطه جاز توحيده (١١). ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ لكي تظهروا ثناء الله وتحمدوه على عفوه عنكم، إذ الشكر قضيّة الإحسان سواء أريد أو لم يرد، فما أراد الله كان وما لم يرد لم يكن وهو على كلّ شيء قدير (١٢). ٥٣ - ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ:﴾ يعني: التوراة، عن مجاهد، ذكرها باسمين كما يقال: سحقا وبعدا (١٣). ويقال (١٤): الكتاب: التوراة، والفرقان: نعته، والواو زائدة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨]. وقيل (١٥): الفرقان: النصرة على فرعون، كقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ [الأنفال:٤١]،

стр. 147

يعني: يوم (١) بدر. وقيل (٢): الفرقان: فرق البحر. وهو مصدر كالخسران والرّجحان (٣). وقال قطرب (٤): أعطينا موسى التوراة كما أعطينا محمّدا الفرقان، كأنّه خاطب عبد الله بن سلام فقال: قد أعطيناكم علم موسى ومحمّد. وقيل (٥): أعطينا موسى التوراة (٦) والفرقان، يعني صحفا كان قبل التوراة وفيه تبيان الحلال والحرام، والأمر والنهي، وغير ذلك. ٥٤ - ثمّ عدل إلى المغايبة فقال: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ بني إسرائيل (٧). والقوم: اسم للجماعة لا واحد له من لفظه، يطلق على العقلاء خاصّة (٨). ﴿يا قَوْمِ:﴾ تقديره: يا قومي، إلا أنّه اكتفى بكسرة الميم عن الياء، كما تقول: يا ربّ (٩). ﴿ظَلَمْتُمْ:﴾ ضررتم بأنفسكم في المآل بسلوك طريق الجور، فقالوا لموسى: فماذا تأمرنا؟ فقال لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ:﴾ خالقكم (١٠) من اتّخاذكم العجل إلها (١١)، قالوا: وما توبتنا؟ قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ ليقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين عبدوا العجل (١٢). والقتل: إبطال البنية (١٣) ونقضها. وقيل (١٤): المراد به سلّموا أنفسكم للقتل، فكان الرجل يجلس بفنائه محتبيا لتضرب عنقه، فإن حلّ حبوته أو دافع لم تقبل توبته، وإلا كان كفّارة له، فلمّا كان وقت العشيّة نسخ الله ذلك الحكم ودفع عنهم الإصر. ﴿ذلِكُمْ:﴾ القتل والتوبة (١٥)، أو أحدهما (١٦).

стр. 148

﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الإباء والعناد (١). ﴿عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ أي: في حكمه، كما يقال: عند أبي حنيفة (٢). ويقال بالعبرانيّة (٣) مكان قولنا: برأ الله: بوروا (٤) إيلوهيم. والبريّة في الأصل مهموزة، وهي الخليقة (٥). ٥٥ - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى:﴾ خطاب (١٣ ظ) للسبعين الذين اختارهم موسى للميقات (٦) فقالوا: لن نشهد لك (٧) بالحقّ عند بني إسرائيل إلى أن نرى الله ﴿جَهْرَةً:﴾ معاينة (٨). وإنّما قالوا: جهرة ليؤكّدوا قولهم، وينفوا إيهام الرؤيا والرؤية بالقلب (٩). ﴿فَأَخَذَتْكُمُ:﴾ أحرقتكم (١٠). ﴿الصّاعِقَةُ:﴾ العذاب الذي فيه هلاك (١١). وإنّما عوقبوا لتمرّدهم وامتناعهم عن الشهادة إلى تحصيل منيتهم. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ:﴾ إلى الصاعقة حين نزلت، أي: ينظر بعضكم إلى هلاك بعض (١٢). ٥٦ - ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ:﴾ "أحييناكم" (١٣) ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ:﴾ حرقكم وهلاككم (١٤). وهذه الرّجعة مثل رجعة الطيور الأربعة لإبراهيم، ورجعة (عاميل) في قصّة البقرة، ورجعة الذين قال لهم الله: موتوا ثمّ أحياهم (١٥)، ورجعة عزير وحماره، ورجعة الموتى لعيسى، خلاف قول المتناسخة.

стр. 149

٥٧ - ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ:﴾ أي: وجعلنا (١) عليهم الغمام ظلّة. والظّلّ: الستر، والظّلّة: السترة، والفرق بينهما أنّ الشيء يكون تحت الظلّ (٢) دون الستر، إلا أنّه يقال: الشمس مستظلّة، إذا كانت محتجبة بالسحاب، وفرق آخر أنّ الرائي يتخيّل الظلّ ولا يتخيّل الستر. وجمع الظلّ: ظلال، وجمع الظّلّة: ظلل. والظّليل هو الطيّب، قال الله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ (٣)﴾ ظِلاًّ ظَلِيلاً [النساء:٥٧]، وقال في ضدّه: ﴿لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣١]. وأظلّك الطائر: إذا حاذاك وقرب منك وألقى ظلّه عليك، أعني ما يتخيّل. ويستعار للشهر والزمان فيقال: أظلّ الشهر والزمان (٤). والغمام: غيم أبيض، وإنّما سمّي غماما لأنّه يغمّ السماء (٥) ويسترها، وللقاحه بالماء لأنّه يغمّ الماء في جوفه. وغمغمة السّحاب: صوته. والغمام واحد وجماعة، قال الحطيئة (٦) يمدح رجلا: [من الطويل] إذا غبت عنّا غاب عنّا ربيعنا ... ونسقى الغمام الغرّ حين (٧) تؤوب و (المنّ) (٨) كان شيئا من جنس التّرنجبين، و (السّلوى) كان طيرا يشبه السّمانى (٩)، ولا واحد له من لفظه عند الأخفش (١٠)، وقال الخليل (١١): الواحد: سلواة، ويقال (١٢): السّلوى: العسل، وقال (١٣): [من الطويل] وقاسمها بالله (١٤) ... جهدا لأنتم ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها

стр. 150

وإنّما أنعم عليهم بهذه في التّيه حين احتاجوا إلى الطعام وتأدّوا من حرّ الشمس (١). والقول (٢) ههنا مضمر، وتقديره: (وقلنا: كلوا من طيّبات) (٣)، كقوله: ﴿كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا﴾ [البقرة:٦٠]، وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، [وقوله:] (٤) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦] (٥)، وقال امرؤ القيس (٦): [من الطويل] أفاطم مهلا بعض (٧) ... هذا التدلّل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي و" (من) للتبعيض" (٨). والطّيّب: ما لا تعافه طبعا، ولا تكرهه شرعا (٩)، وكان غير الطيّب من رزقهم ما رفعوا للغد؛ لأنّهم كانوا منهيّين عنه إلا في يوم الجمعة للسبت (١٠). (١٤ و) وههنا اختصار وتقديره: فعصوا ﴿وَما ظَلَمُونا:﴾ بعصيانهم (١١). وإنّما لم يقل: ولكن كانوا يظلمون أنفسهم (١٢)؛ لأنّ ذكر (١٣) المظلوم كان أهمّ (١٤). ٥٨ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا:﴾ الوحي كان إلى يوشع بن نون، وهو ابن أخت موسى، ووزيره (١٥) بعد هارون، وهو أحد النّقباء الذين قال الله تعالى [فيهم] (١٦): ﴿وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة:١٢]. وجملة قصّة بني إسرائيل أنّ الله تعالى لمّا أنجاهم من فرعون، وفرق بهم البحر أتوا على قوم

стр. 151

يعكفون على أصنام لهم، فقالوا (١): يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: أغير الله أبغيكم إلها، ثمّ كان انطلاق موسى إلى الميقات، ثمّ اتّخاذهم العجل، ثمّ التوبة، ثمّ رجوعهم إلى ما أورثهم (٢) الله تعالى ممّا أخرج منه آل فرعون من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم، وهناك حديث حادثة البقرة (٣)، والخرجة إلى مجمع البحرين مع يوشع، وخسف قارون في إحدى الرّوايتين. ثمّ خرج بهم موسى ﵇ إلى قتال الجبابرة وقال لقومه: ادخلوا الأرض المقدّسة، فقالوا (٤): ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ الآية [المائدة:٢٤]، فغضب عليهم، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي،﴾ الآية [المائدة:٢٥]، ثمّ أخذ عصاه وتشمر وخرج من بينهم، فلقي عوج بن عنق، فوثب وثبة وضربه بعصاه فأصاب كعبه، فخرّ (٥) عوج ميتا، ففرح موسى، ورجع إلى قومه وبشّرهم بذلك، وحرّضهم على الإقدام، فإذا الله تعالى حرّمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، ثمّ إنّ الله تعالى ظلّل عليهم الغمام في التّيه، وأنزل عليهم المنّ والسّلوى، وفجّر لهم من الحجر اثني عشر عينا، ثمّ عادوا إلى الكفران والطغيان، وقالوا: ﴿[يا مُوسى] (٦)﴾ لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [البقرة:٦١]، فقال موسى تهديدا وتقريعا: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً (٧)﴾ فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ [البقرة:٦١]، وليس لهم إلى (٨) ذلك سبيل لحبس الله إيّاهم في التّيه إلى أن توفّى الله هارون وموسى ﵉، واستأثر (٩) بهما وهم في التّيه بعد، ثمّ (١٠) قادهم يوشع بن نون بعد ذلك من التّيه إلى قتال الجبابرة، وأخذ الأرض المقدّسة، وفتح (١١) الله له أريحا ثمّ إيليا ثمّ بلقاء وهي العظمى، وكان بالق ملك الجبابرة (١٢) وبلعم بن باعورا صاحب الاسم الأعظم فيها، فخذلهما (١٣) الله ، وفيها أنزلت: ﴿وَاُدْخُلُوا الْبابَ﴾

стр. 152

﴿سُجَّداً وَقُولُوا،﴾ وقيل (١): نزلت في إيليا وهي آخر بيت المقدس، وباب (حطّة) (٢) معروفة بها. وفتح الله على يديه بعد ذلك الجبال وسائر بلاد العواصم. و (الدخول) هو الولوج (٣). و ﴿هذِهِ:﴾ تأنيث. و ﴿الْقَرْيَةَ:﴾ بقعة يجتمع الناس فيها، ويقال للحوض: المقراة والمقرى (٤)؛ لأنّ الماء يجمع فيه (٥)، وقرية النمل: جحرها، والمراد بها بلده (٦). و (الأكل) (٧) حقيقة: التّلقّف والاستراط (٨)، ويستعمل في الإنفاق مثل: أكل الدراهم والدنانير، ويستعمل في الاستيلاء قال ﷺ : (أمرت (١٤ ظ) بقرية تأكل القرى) (٩)، يعني المدينة. و [إن] (١٠) أراد ههنا الإنفاق والتّوسعة. وقوله: (سجّدا): منحنين (١١) متواضعين لله (١٢). وروي أنّه ﷺ دخل يوم الفتح مكّة وقد بلغ عثنونه سرجه تواضعا لربّه (١٣). و (حطّة) لفظة تعبّدهم الله تعالى بالتلفظ بها، ومعناها: لا إله إلا الله (١٤)، ورفعت (١٥): ليكن منك حطّة لذنوبنا (١٦)، أو فقلنا: هذا حطّة لذنوبنا (١٧)، مأخوذ من حطّ يحطّ، أي: وضع (١٨).

стр. 153

والغفر (١): ستر الذنب، وقيل (٢): إلباس الغفر (٣). و (خطايا): جمع خطيئة، كهديّة وهدايا، ومطيّة ومطايا (٤)، وأصله: (خطائئ) بكسر ك (قلائل) و (طرائق) (٥)، فلمّا اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء، ثمّ فتحت الأولى طلبا للخفّة (٦). والخطيئة والخطأ اسمان للإثم، وخطئ الرجل، إذا تعمّد غير الصواب، وأخطأ، إذا لم يتعمّد (٧). و (الزّيادة): المدّ والإنماء (٨). و (المحسن): ضدّ المسيء (٩). ٥٩ - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا (١٠)﴾: التبديل: تصيير الشيء بدلا عن شيء (١١) إمّا بالصرف مثل فرس من فرس أو بالتقليب مثل قميص من عمامة. و (الظلم) ههنا الكفر، كما في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. والمراد ب (القول) (١٢): المقول، كإطلاق اسم العلم للمعلوم، وهو ذكر لا يضادّه النّسيان. و (الرّجز): "العذاب" (١٣)، وقيل (١٤): الطاعون، وهو الموتان، وفي (١٥) اللغة: اسم لمعنى (١٦) غير

стр. 154

مرضيّ، وإنّما كان رجزا لأنّ الإنسان إذا مات في سخط الله قيل: أهلكه (١) الله ودمّره، وإذا (٢) مات في مرضاته قيل: توفّاه الله واستأثر به. ﴿بِما كانُوا:﴾ بسبب كونهم فاسقين (٣). ويروى (٤) أنّ السفهاء منهم والمستهزئين قالوا: (حطا (٥) سمقاثا) يعنون: حنطة سمراء التي يخالطها الشّعير، فسلّط الله عليهم الطاعون أربعين (٦) يوما جزاء (٧) لفعلهم. ٦٠ - ﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ:﴾ كسرة الذال (٨) لالتقاء الساكنين. وفي الآية حروف مضمرة: واذكروا إذ استسقى موسى (٩). و (الاستسقاء): طلب السقي (١٠)، وهو إنالة (١١) الشراب أو الشرب (١٢)، ولم يتحقّق ما لم يكن إشرابا. (لقومه): أي: لأجل قومه. و (الضّرب) (١٣) بالعصا كالجلد بالسّوط والقرع بالمقرعة. و (العصا): قضيب طوله على قامة الرجل يتّخذه رعاء (١٤) الغنم والرجالة من المسافرين، قال موسى: ﴿أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ [طه:١٨]، فجعلها آية له (١٥). وقيل: طوله كان عشرة أذرع،

стр. 155

على قامة موسى، كانت من آس الجنّة، أعطاه (١) شعيب ﵇. و (الحجر): ما تحجّر من أجزاء (٢) الأرض. قيل: كان حجرا مربعا عليه اثنا (٣) عشر ثقبا. وروي أنّ موسى ﵇ كان يعمد (٤) إلى أقرب حجر يجده حيثما نزل فيضربه بالعصا، فينفجر بالماء، فقالت بنو إسرائيل: لئن فقد موسى عصاه لمتنا عطشا، فكان يكلّم الحجر بعد ذلك فينفجر بالماء بأمر الله تعالى، فقالوا (٥): لئن نزلنا في الرمل يوما (٦) لمتنا عطشا، فرفع موسى حجرا فحيثما نزلوا ألقاه (٧). وقال ابن عبّاس (٨): هو حجر خفيف مثل (١٥ و) رأس الإنسان لمّا نزلوا وعطشوا أمره الله أن يأخذه ويضعه في المخلاة ثمّ يضربه. وروي أنّه كان يضربه اثنتي عشرة ضربة فيتفجّر (٩) بالماء من (١٠) موضع الضربات. و (العين): اسم يشتمل [على] (١١) معان كثيرة، والمراد ههنا الينبوع (١٢). "و (الانفجار): الانشقاق" (١٣)، قال الله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً﴾ [الكهف:٣٣]، ومنه سمّي الفجر لشقّه الظلام، والفاجر لشقّه غطاء (١٤) المسلمين، وقيل: الانفجار: الانتشار. و ﴿اِثْنَتا عَشْرَةَ:﴾ اسمان (١٥) جعلا اسما واحدا. [﴿عَيْناً:﴾] (١٦) نصب على التمييز. و ﴿كُلُّ:﴾ اسم جامع يتناول كلّ واحد على سبيل الإفراد.

стр. 156

و (الأناس): جمع، تقديره: كلّ حزب أو جماعة (١). و (المشرب): موضع الشرب (٢)، كالمذبح والمشهد، وأكثر هذا الوزن في المصادر كالمقتل. وعثي يعثى وعاث يعيث: أفسد (٣). وجمع اللفظين في معنى (٤) واحد نهاية في البلاغة، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ،﴾ الآية [الحج:٣٠]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨]، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ [الزخرف:٨٠]، وقال ذو الرّمّة (٥): [من البسيط] لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثات وفي أنيابها شنب و ﴿مُفْسِدِينَ:﴾ نصب على الحال (٦). ٦١ - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ:﴾ " (الطعام): اسم لما يطعم" (٧)، والمراد به المنّ والسّلوى (٨)، وإنّما سمّوهما واحدا؛ لأنّهما كانا سماويّين، فكانا (٩) من جنس واحد، وقيل (١٠): إنّهم كانوا يعجنونهما، وهذا كتسميتك الخبيص طعاما واحدا وإن جمع الحلاوة والسّمن والدّقيق. و (الواحد): اسم (١١) لعماد الأعداد. و (الدّعاء) (١٢): نظير النّدبة، ودعاؤك من فوقك بمعنى الاستنجاد والاستعانة (١٣). واللام في (لنا) أي (١٤): لأجلنا. و (يخرج): جزم على جواب الأمر (١٥).

стр. 157

واللام في ﴿(لَنا)﴾ للتخصيص كقولك: الثوب لعبدي. و (من) في (ممّا) صلة (١)، أو قائم مقام اسم يتضمّنه (٢). و (الإنبات): تنمية وتربية على بنية قابلة للنّماء (٣). و ﴿(مِنْ)﴾ في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ للتفسير (٤). و (البقل): اسم شامل أجناس الخضراوات من رطاب الأرض (٥)، واحدها: بقلة (٦). و (القثّاء): "الخيار" (٧). و (الفوم) والثّوم: كالجدث والجدف (٨)، ويقال: زيد فمّ عمرو، أي: ثمّ، قال (٩): [من المتقارب] وأنتم عبيد لئام الأصول ... طعامكم الفوم (١٠) والحوقل وقيل (١١): الفوم: الحنطة، يقال: فوّموا الناس، أي: اختبزوا، وقيل (١٢): الفوم: اسم للحبوب، قال الشاعر (١٣): [من الكامل] قد كنت أحسبني كأغنى واحد ... ورد المدينة عن زراعة فومي و (العدس): حبه يستوي كيله ووزنه، ويقال له: البلسن (١٤). و (البصل): الحوقل، والبرّيّ: العنصل (١٥). و (الأدنى): الأدنأ (١٦)، حذفت الهمزة تخفيفا (١٧)، وقيل (١٨): الأدنى: الأقرب متناولا ووجوب

стр. 158

وذلك الوصف ينبئ عن الكساد والهوان (١). وقوله: ﴿اِهْبِطُوا﴾ على التّقريع (٢). وصرف ﴿مِصْراً﴾ لأنّها غير معرّفة، يعني مصرا من الأمصار، وهو اسم للمدينة (٣). وأصل المصر (٤) الحدّ، ومصور الدار: حدودها (٥)، وقال الشاعر (٦): [من البسيط] وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ:﴾ (١٥ ظ) أي: سؤلكم (٧) بها إن هبطتم. والسؤال ههنا بمعنى الاستنالة دون الاستخبار. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ:﴾ ألزموها (٨)، ومنه الضرائب. وكان ابتداء ذلّتهم من وقت (بختنصر) فإذا هي تتزايد (٩) كلّ يوم. والذّلّة: "الصّغار" (١٠). ﴿وَالْمَسْكَنَةُ:﴾ ذهاب العزّ والملك وفقر القلب (١١). ﴿وَباؤُ:﴾ حادوا عن درجة السعداء ورتبة المفلحين، وقد صحبهم موجبات غضب الله (١٢). ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة فعلهم باؤوا (١٣). ﴿بِآياتِ اللهِ:﴾ آيات أرميا (١٤) النبي وآيات عيسى وغيرهما ﵉ (١٥). ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ:﴾ زكريّا ويحيى ﵉ (١٦)، وقاتلوا داود، وقصدوا عيسى ﵇.

стр. 159

وإنّما قال: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ على وجه التأكيد (١)، أو لاستوائهم مع (٢) غيرهم في حكم القصاص وسائر الأحكام وإن كانوا معصومين. و (العصيان) (٣): ترك الأمر عمدا أو إباء أو زلّة (٤). و (الاعتداء): مجاوزة الحدّ (٥). ٦٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا:﴾ عارضة في خطاب بني إسرائيل حثّا على الإيمان والعمل الصالح، إذ المقصود ذلك. تقدير الآية: إنّ المؤمنين واليهود والنّصارى. وإنّما جمع بين المؤمنين وهؤلاء في الذّكر لما جمع بين الإيمان والعمل الصالح في الشرط. اليهود: جمع يهوديّ، مثل: عربيّ وعجميّ، من قول موسى والسبعين: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ (٦) [الأعراف:١٥٦]. وقيل (٧): نسبوا إلى يهوذا بن يعقوب، وهذا لا يصحّ؛ لأنّه سبط واحد ولا يشملهم، ولأنّ إسلامهم يزيل الاسم عنهم، والنسبة لم تزل (٨) بالإسلام، وفيه إبدال حرف بلا (٩) فائدة. وقيل (١٠): لتهوّدهم، أي: تحرّكهم عند (١١) القراءة. ويحتمل أنّه متأخّر موضوع (١٢) لأجلهم. وقيل: اسم عجميّ معرّب، فلمّا عرّب جعل كأنّه اشتقّ من (١٣) هاد يهود. ﴿وَالنَّصارى:﴾ جمع نصران، مثل: حيران وحيارى (١٤)، أو جمع نصريّ، مثل: بعير مهريّ وإبل مهارى (١٥)، مأخوذ من نصرهم عيسى إذ ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ [آل عمران:٥٢] (١٦)،

стр. 160

ويقال (١): لنسبتهم إلى قرية ناصرة. ويجوز أن يكون للمعنيين جميعا. والصّابئون (٢): أهل كتاب عند أبي حنيفة تحلّ (٣) مناكحتهم وذبائحهم، ووافقه السدّي (٤). وقيل (٥): هم قوم يؤمنون بإدريس ﵇، ويوحّدون، ويعظّمون الكواكب السيّارة كتعظيم القبلة. ويحتمل أنّه عنى الفلاحين من نصارى بني تغلب الذين (٦) لا يمسكون بجميع شرائع النصارى. وقال ابن عبّاس: هم قوم من النصارى ألين (٧) منهم قلوبا. ويحتمل أنّه عنى المتهوّد أو المتنصّر من المجوس وعبدة الأوثان؛ لأنّهم يقرّون (٨) على ما ينتقلون إليه عندنا بخلاف المرتدّين. ويحتمل أنّه عنى قوما وقد انقرضوا (٩). وقال صاحباه (١٠): هم عبدة الكواكب، ووافقهما قتادة (١١). و (الأجر) (١٢): الخير الموجب على السعي. (عند ربّه): في حكمه وعلمه ورأيه (١٣)، وفلان (١٤) عند فلان، أي: بيديه، والشيء عند فلان، أي: في قبضته. (١٦ و) وعن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس أنّ الآية كانت في شأن من آمن بالله واليوم الآخر فقط، وهو ثابت على ملّته محسن (١٥) فيها، فصارت منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً﴾ [آل عمران:٨٥] (١٦)، وهذا التأويل محمول على قوم لم يتكلّفوا على الإيمان بنبيّ آخر وكتاب آخر حتى ماتوا (١٧).

стр. 161

وفي هذه الرواية دلالة على جواز نسخ الجزاء في المستقبل عند الإسلام (١)، كنسخ الواجبات من الأمر والنهي بخلاف الواقعات من الأخبار، إذ نسخ الأخبار غير متصوّر. ٦٣ - ثمّ عاد إلى خطاب بني إسرائيل فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ (٢): وأخذه: عقده وإحكامه، قال في المنافقين: ﴿قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا (٣)﴾ مِنْ قَبْلُ [التوبة:٥٠]، وقد يكون بمعنى الأسر (٤) كقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وبمعنى الغصب (٥) كقوله: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩]، وبمعنى القبول والتّمسّك كقوله: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]. ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ [الطُّورَ] (٦)﴾: أي: قلعنا وحبسنا (٧) فوق رؤوسكم. وذلك أنّ الله لمّا أنزل التوراة على موسى فأبى قومه أن يقبلوه، فأمر الله تعالى بملائكة فنتقت الجبل فوقهم، ونودوا (٨) أن اقبلوا التوراة وإلا رضختم (٩) به، فخرّوا لله ساجدين على شقّ وجوههم يلاحظون الجبل، وقبلوا التوراة مكرهين (١٠). وفي رواية عطاء وابن عبّاس: رفع الله الطّور فوقهم، وبعث نارا من قبل وجوههم، وأتاهم البحر الملح (١١) من خلفهم، فقال لهم موسى: إن لم تقبلوا التوراة أحرقكم الله بهذه النار، وغرقكم في هذا البحر، وأطبق عليكم هذا الجبل، فأخذوا كارهين (١٢). و (الرّفع): نقيض الوضع (١٣). و (فوق) الشيء: ما لم يلحقه لعلوّه وارتفاعه من حدّ أو حال أو محلّ كها (١٤) هنا.

стр. 162

و (الطّور): الجبل (١)، وقيل (٢): الجبل المنبت. قال ابن عبّاس (٣): هو طور سيناء. و (القوّة) (٤): شدّة تنافي الانثناء (٥) والانكسار. وأراد ههنا القوّة في القبول (٦) والإقبال. و (الذّكر) ههنا المحافظة والتذكّر والاعتبار (٧). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ راجع إلى قوله: ﴿أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ،﴾ وقيل (٨): إلى قوله: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ.﴾ ٦٤ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ أعرضتم (٩)، كقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ [عبس:١]. والمراد به إعراضهم عمّا أخذ عليهم الميثاق لأجله (١٠). و (لولا): لفظة شرط تقتضي توهّم عدم المحيل لتوهّم وجود المحال، وفائدتها التنبيه على تأثير المحيل، ويليها اسم مرفوع، وجوابها باللام فعل مثبت باللفظ أو منفيّ (١١). ﴿فَضْلُ اللهِ:﴾ تفضّل الله، وهو زيادة ما يستحقّونه من الملادّ والمهلة (١٢). أو زيادة الدعوة والاستتابة (١٣) مع التمكين من الإجابة (١٤). وإنّما قال: ﴿عَلَيْكُمْ؛﴾ لأنّه رجع إلى المعنى، أعني التّفضّل (١٥)، أو لأنّه نعمة عليهم. ٦٥ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا:﴾ نزلت في شأن هؤلاء اليهود أيضا، يذكّرهم قصّة قوم منهم كانوا يسكنون (أيلة) (١٦) على ساحل البحر، ابتلاهم (١٦ ظ) بإتيان الحيتان آمنة يوم سبتهم شرّعا، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم مخافة الاصطياد، وذلك بإلهام الله تعالى الحيتان كإلهامه

стр. 163

الصيد في الحرم فلا ينفر، فاعتدوا في سبتهم حرصا وشرها، فمسخهم الله قردة خاسئين (١). قال ابن عبّاس: اعتداؤهم حقيقة الاصطياد في يوم السبت (٢). وقال الحسن: كانوا يرسلون (٣) الشصوص في آخر يوم الجمعة، وكانت الحيتان تعلق بها يوم السبت، فيأخذون يوم الأحد (٤)، وكانوا منهيين عن الحيل، ثمّ وضع الإصر عن هذه الأمّة وأباح الحيل في ما لا يستقبح. وفي لفظة (٥) (قد) نوع (٦) تأكيد لإثباته الفعل الواقع حيثما كان، ولا يدخل على الأفعال المجزومة؛ لأنّها ليست بواقعة، ولا (٧) على الأفعال التي أكّدت بالنون لاستثقال التأكيدين (٨). والقسم مقدّر فيه فكأنّه قيل: والله لقد علمتم (٩). و (العلم): رؤية تنفي الجهالة، أو رؤية تعمّ (١٠) الغيب والشهادة. ويتعدّى (١١) إلى مفعول واحد كقولك: علمت (١٢) الخير والشرّ (١٣)، وإلى مفعولين كقولك: علمته (١٤) كذا. ﴿فِي السَّبْتِ:﴾ أي: في يوم السبت (١٥)، وقيل (١٦): في استخفاف شأن السبت. والسبت: الذي يلي الجمعة (١٧)، وهو مصدر (١٨) لقوله: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ [الأعراف:١٦٣]، وهو عبارة عن الفراغ والاستراحة، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً﴾ [النبأ:٩] (١٩). ﴿فَقُلْنا لَهُمْ:﴾ حقيقة القول عند أهل السنّة.

стр. 164

﴿كُونُوا:﴾ أمر تكوين وإيجاد (١)، كقوله: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ﴾ (٢) الآية [النحل:٤٠]، وقوله: ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً﴾ الآية [فصلت:١١]. وقول الله تعالى حقيقة، وقد أكّد بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤]، والتأكيد لنفي إيهام الاستعارة، وفي فحوى قوله: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً،﴾ الآية [الشورى:٥١] ما يدلّ على أنّ القول صفته حقيقة (٣)، والأدلّة عليه موجودة في سائر قصصه وأخباره وأوامره ونواهيه ووعده وإيعاده، وقول الجماد؛ فلأنّ الله تعالى قد (٤) أنشأ النطق في الأجزاء المؤلّفة على بنية حيوانيّة، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء:٧٩] فلولا أنّ تسبيح الجبال بالقول حقيقة وإلا لم يكن لتخصيصه معنى. ﴿قِرَدَةً:﴾ واحده (٥) قرد، كالفيل والفيلة، وهو ضرب (٦) من الوحوش يأتلف كالدّبّ، وتسمّى الأنثى: قشّة (٧). والأمّة الممسوخة لا تتناسل عند أكثرهم؛ لأنّهم لم يعيشوا فوق ثلاث (٨). وقيل: إنّ هذه القردة منهم، ويجوز تناسل الممسوخ وبقاؤه (٩)، وقد روي أنّ النبيّ ﷺ تحرّج عن أكل الضّبّ (١٠) وقال: (إنّ أمّة من بني إسرائيل مسخت دوابّ في الأرض ولا أدري أيّ الدوابّ هي) (١١). ﴿خاسِئِينَ:﴾ متباعدين على الذّلّ والصّغار (١٢)، وتقديره: خاسئين قردة، وإلا يقال: قردة خاسئة، لكن التقديم والتأخير لوفق رؤوس الآي (١٣). ٦٦ - ﴿فَجَعَلْناها:﴾ أي: القرية، أو القردة، أو الأمّة، أو العقوبة (١٤).

стр. 165

﴿نَكالاً:﴾ (١٧ و) عقوبة تنكل الناس عن الإقدام على مثل جريمة حلّت لأجلها (١)، ويطلق على المعاقب أيضا. وهو (٢) اسم كالسّحاب والشّراب (٣). ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها:﴾ قدّامها. وبين الشيئين ما توسّطهما من المكان أو الحال. و (اليد): اسم للجارحة التي هي بمنزلة الجناح، ويطلق على معنى النعمة والقدرة والقضيّة (٤) وغيرها. والأصل: يدي (٥)، والجمع: الأيدي (٦). و (خلف) الشيء: المكان الذي هو يعرض عنه (٧). والمراد ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها:﴾ من وراءها من الأمم والقرى (٨). وقيل (٩): من شاهدها ومن سمع بها. و (الموعظة) (١٠): مصدر كالموحدة (١١)، ولم يلحق الهاء بالأكثر كالموعد والموثق. وهو قريب من النصيحة والإنذار (١٢). وتخصيص (المتّقين)؛ لأنّهم هم المرادون بالاتّعاظ وإن لزمت الحجّة الكافّة كقوله: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] (١٣). ٦٧ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ إلى ستّ آيات أو سبع: نزلت في قصّة (عاميل) المقتول في بني إسرائيل بعد رجوع موسى ﵇ بهم إلى مصر، قتله ابنا عمّ له ليرثاه، فطرحاه (١٤) بين قريتين عظيمتين (١٥). وروي أنّ ابن أخ له قتله لينكح ابنته (١٦). وروي

стр. 166

أنّه طرح (١) على باب من أبواب المسجد، وكان لمسجدهم اثنا عشر بابا، لكلّ سبط باب، فتخاصم الناس وتحاكموا إلى موسى ﵇، فحكم بحكم القسامة (٢)، وهو في التوراة على نحو ما في شريعتنا، غير أنّهم كانوا متعبّدين (٣) في ما يروى بأن يضعوا أيديهم على بقرة مذبوحة، ثمّ يحلفوا بالله الذي لا إله إلا هو إله بني إسرائيل ما قتلناه وما علمنا قاتله، فلمّا وقعت هذه الواقعة أبوا إلا تعيين القاتل، ولم يدفنوا المقتول أيّاما، وآل بهم الأمر إلى الاختلاف والاقتتال، فلمّا طال الشرّ شكوا إلى موسى ﵇، فوعدهم الله تعالى إحياء المقتول على شريطة ذكرها في هذه الآي لتبيين القاتل، ويكون ذلك آية على البعث والنّشور، فاتّهموا نبيّ الله، وغلوا في دين الله، وما كادوا يأتون بالشريطة لكثرة تمرّدهم وتردّدهم، ثمّ قست قلوبهم من بعد مشاهدة الآية، أو وقوع العلم بها، فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، على ما وصفه الله تعالى (٤). و (إذ): ظرف على ما تقدّم، ويحتمل أن يكون العامل فيه ﴿قالُوا.﴾ ويحتمل أن يكون التقدير في (قالوا): فقالوا، إلا أنّه أسقط حرف العطف لاستقامة الجواب بذاته كما في قوله: ﴿قالَ [فِرْعَوْنُ] (٥)﴾ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، الآيات [الشعراء:٢٣ - ٢٤] (٦). ﴿بَقَرَةً:﴾ واحدة البقر (٧). "والبقر: اسم الجنس" (٨)، والجمع: باقر وبقور (٩). وفي الآية دليل على ثبوت العموم؛ لأنّ تقديرها: أن تذبحوا بقرة ما (١٠)، كما تقول للغلام: ناولني حصاة، وادع لي رجلا، فحملوه على طريق الإجمال، ولم يتسارعوا إلى الائتمار والإقبال، فزلّوا وأضلّوا (١١). وقال ﷺ : (والذي نفس محمّد بيده لو اعترضوا على أيّة بقرة كانت فذبحوها

стр. 167

لأجزأت عنهم، ولكن شدّدوا فشدّد الله (١٧ ظ) على أنفسهم) (١). و (الهزو) (٢): مصدر أقيم مقام المفعول، كقوله: ﴿وَالسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة:٢٢]، يعني: مستهزأ به (٣). "و (الجهل): نقيض العلم" (٤)، والشيء المجهول ما لا يثبت معلوما مفعولا. وقد (٥) يكون بمعنى الاعتداء (٦)، قال الشاعر (٧): [من الوافر] ألا لا يجهلن (٨) ... أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا والوجهان محتملان ههنا؛ لأنّ من استهزأ في غير (٩) موضع الاستهزاء كان جاهلا بقبحه، متعدّيّا في أمره. ٦٨ - ﴿يُبَيِّنْ لَنا:﴾ تبيينك الشيء: تصييرك إيّاه بيّنا. والبيان والإبانة والاستبانة بمعنى (١٠). وهو الامتياز والاتّضاح. والتمييز والإيضاح (١١) والتّبيين: نقيض التّلبيس، وغير التبيين. ﴿ما هِيَ:﴾ استفهام عن صفة (١٢) البقرة. والاستفهام عن الصفة (١٣) قد يكون تارة بلفظ (أيش) وتارة بلفظ (ما) وتارة بلفظ (من)، تقول (١٤): أيش هذا، وما هذا، ومن هذا. والاستفهام عن (١٥) الحال والهيئة يكون بلفظ (كيف). وفيه دليل على أنّ الصّفة لا تباين الذّات بخلاف الحال والهيئة (١٦). وقوله: ﴿إِنَّها﴾ يدلّ على أنّ تخصيص العموم لا يكون نسخا وإلا لما صحّت الكناية عن الأوّل؛ لأنّ النسخ عبارة عن الرفع والإزالة، والتخصيص عبارة عن النصّ والإفراد (١٧).

стр. 168

﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ:﴾ ليست بمسنّة ولا التي لم تنتج (١)، وقيل (٢): البكر: التي لم تحمل إلا بطنا واحدا. ﴿عَوانٌ:﴾ دون المسنّة وفوق البكر (٣). ورفع لأنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي (٤) عوان. ﴿بَيْنَ ذلِكَ:﴾ اختصار، وتقديره: بين ذلك وذلك (٥)، قال الله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ [النساء:١٤٣]، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ [الفرقان:٦٧]. وقيل: معناه: بين ذلك الوصف في الآيتين، بين فعلهم وبين فعله. وقوله: ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ يدلّ على أنّ الأمر غير مجمل، وأنّهم لم يكونوا محتاجين إلى التفسير، ولكن شدّدوا وتكلّفوا ممّا لم يكن عليهم (٦). ٦٩ - ﴿ما لَوْنُها:﴾ اللون اسم يعمّ أعراضا يتبيّن به الجوهر لحاسّة العين (٧). ﴿صَفْراءُ:﴾ أي: لون اليرقان والزعفران، إلا أنّ الصفراء قد يكون نعتا (٨) للسود من الإبل، وذلك لأنّ سوادها لا يخلو من صفرة (٩). والدليل على أنّه لم يرد ههنا السواد تأكيده ب ﴿فاقِعٌ؛﴾ لأنّه يقال: أسود حالك، وأصفر فاقع (١٠). ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ:﴾ صفة للبقرة (١١). والسرور: نقيض الحزن (١٢). ويدلّ على أنّ المراد به الصفرة؛ لأنّ الصفرة هي التي تسرّ الناظرين (١٣). ٧٠ - ﴿تَشابَهَ:﴾ اشتبه والتبس (١٤). وإنّما لم يقل: تشابهت؛ لأنّ البقر اسم الجنس (١٥).

стр. 169

قال ﷺ : (لولا أنّهم استثنوا (١) لما اطّلعوا على قاتله). وفي هذا ونظائره دليل على أنّ الأمور (٢)، خيرها وشرّها، بمشيئة الله (٣). ٧١ - ﴿لا ذَلُولٌ:﴾ إنّما ارتفع لأنّه صفة معيّنة وليس بجنس (٤)، ومن حقّ (لا) أن تبنى مع الأجناس، فكأنّه قال: ليس بذلول لإثارة الأرض (٥). والذّلول: المسخّر (٦). وإثارة الأرض: حرثها (٧) وقلبها. وقيل (٨): ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ مستأنف غير متّصل (٩) بما قبله، واستحسن (١٠) الوقف (١٨ و) على قوله: (لا ذلول). وقيل: (لا ذلول)، أي: ليس بذّلول للحمل والرّكوب. و ﴿الْحَرْثَ﴾ اسم ههنا، ويجوز أن يكون مصدرا كالحراثة (١١). وهو يطلق على ما لم ينبت من البذر فإذا نبت فهو زرع (١٢). ويجوز تبقية اسم الحرث ولا يجوز تقديم اسم الزرع. وإنّما تسقي البقر الأرض بالدّوالي إذا كانت مرتفعة. ﴿مُسَلَّمَةٌ:﴾ صفة للبقرة (١٣)، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف (١٤). ومعناه: مصونة عن الآفات، وهي (١٥) العيوب والتسخير (١٦). ﴿لا شِيَةَ:﴾ "لا لمعة" (١٧). وعن سعيد بن جبير والحسن: كانت صفراء الظّلف والقرن (١٨).

стр. 170

و ﴿الْآنَ:﴾ اسم للوقت الموجود، أعني: الحال (١). وهو منتصب على الظرف، والعامل فيه ﴿جِئْتَ.﴾ و"المجيء: الإتيان" (٢). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ أي: ما لا يندفع بالدفع، ولا يلتبس (٣). وههنا اختصار، وتقديره: فوجدوها واشتروها فذبحوها (٤). جاء في التفسير أنّهم وجدوها عند غلام، قال ابن عبّاس: كان أبوه استودع الله تعالى هذه البقرة، وهي عجل، فشبّت في الغيضة (٥) كالوحش، فلمّا كبر الغلام مكّنته من نفسها فأتى بها أمّه، فلمّا ساوموا بها اليتيم قالت أمّه: لا تبعها حتى تشاورني، وكان حينئذ (٦) ثمن البقرة [يساوي] (٧) ثلاثة دنانير، فأبى الغلام وأمّه بيعها إلا بملء مسكها ذهبا، فاشتروا بذلك (٨). وقال السدّي: كان الغلام بارّا بأبيه، جاءه رجل بلؤلؤ فابتاعه منه بسبعين ألفا، وكان في اللؤلؤ فضل، فقال: إنّ أبي نائم والمفتاح تحت وسادته، فأنظرني ولك عشرة آلاف زيادة (٩)، فقال الرجل: وأنا أحطّ عشرة آلاف على (١٠) أن توقظ أباك، قال الغلام: وأنا أزيد عشرين على أن تنظرني ساعة، فلم يزل يزيد هذا ويحطّ ذلك حتى استيقظ أبوه، فأعقبه الله ببرّه بأبيه نفاسة تلك البقرة حتى اشتروها بوزنها عشر مرّات ذهبا (١١). قال وهب (١٢): كانت البقرة للقاتل. وعن أبي العالية: كانت لعجوز قيّمة على أيتام (١٣). ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ:﴾ على الذمّ لكثرة تردّدهم (١٤).

стр. 171

٧٢ - ﴿فَادّارَأْتُمْ﴾ (١): تدافعتم. صيّرت التاء دالا وأدغمت في الدّال، فصارت المدغمة ساكنة، فابتدئ بها بهمزة الوصل (٢)، نظيره: ﴿اِثّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة:٣٨] و ﴿تَسائَلُونَ﴾ (٣) [النّساء:١]. والدّرء: الدفع (٤). ﴿مُخْرِجٌ:﴾ مظهر (٥)، والإخراج: الإبراز والإظهار (٦). ٧٣ - ﴿اِضْرِبُوهُ:﴾ الهاء كناية عن الميّت أو المقتول (٧) أو الشخص أو الإنسان أو الرجل (٨). ﴿بِبَعْضِها:﴾ ببعض البقرة (٩)، قال ابن عبّاس (١٠): إنّه العظم الذي يلي الغضروف، وعن الضحّاك أنّه لسانها (١١)، وعن قتادة وعكرمة أنّه فخذها (١٢)، وخصّ الكلبيّ الفخذ اليمنى (١٣)، وعن سعيد ابن جبير أنّه عجب ذنبها الذي تركّب عليه الخلق ولا تأكله الأرض (١٤)، وعن السدّي أنّه المضغة التي بين كتفيها (١٥)، وقيل (١٦): هو الأذن. والكاف (١٧) للتشبيه. و (ذلك): إشارة إلى إحياء عاميل (١٨).

стр. 172

والإحياء ههنا (١٨ ظ) تركيب الروح في الجسد. و (الموتى): جمع ميّت (١)، وأصله عند الفرّاء: مويت، كصريع وصرعى، وجريح وجرحى، فاستثقلت الكسرة على الواو والخروج من الواو إلى الياء، فجعل ياء، فأدغمت الياء في الياء (٢). وقيل (٣): أصله: ميوت. ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ:﴾ والرؤية: حقيقة المشاهدة، واراءتك الشيء شيئا تحصيلك رؤيته إياه (٤). قيل: المخاطبون (٥) هم اليهود، والمراد آباؤهم، والآيات إحياء عاميل وغيره ممّا كان في بني إسرائيل (٦). وقيل: هم اليهود والعرب، والآيات إخبار النبيّ ﷺ عمّا لم يشهده ولم يسمع به من الثّقلين (٧). ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تفقهون (٨)، والمراد ههنا استعماله والانتفاع به (٩). ٧٤ - ﴿قَسَتْ:﴾ جفت وصلبت، وهي صلابة مذمومة (١٠)، يقال: درهم قسيّ على وزن شقيّ، وهو الرّديّ المغشوش، وذلك لأنّه أشدّ صلابة من الفضّة المحضة. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ:﴾ أي: بعد إحياء عاميل (١١). ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ:﴾ أي: مثل الحجارة (١٢). و ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو (١٣). وقيل (١٤): بمعنى (بل) إلا أنّه (١٥) في مثل هذا الموضع لاستدراك الصواب بالأصوب.

стр. 173

﴿أَشَدُّ:﴾ أي: أغلظ (١). وإنّما ارتفع (أشدّ) عطفا على الخبر وهو الكاف (٢)، ويجوز أن تكون (٣) كاف التشبيه في محلّ الإعراب، قال الشاعر (٤): [من البسيط] أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط ... كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل فأخبر عن الكاف، والإخبار عن الاسم لا غير دلّ على أنّه يقبل الإعراب في التقدير. ولفظة (أشدّ) ههنا للمبالغة في التفضيل (٥)، يقال: اليوم أشدّ بردا من أمس. ونصب ﴿قَسْوَةً﴾ على التفسير (٦). والألف واللام في ﴿الْحِجارَةِ﴾ لاستغراق الجنس (٧). و (ما) (٨): بمعنى الذي (٩)، وهو في محلّ النصب لمكان (إنّ) (١٠). والهاء في ﴿مِنْهُ﴾ كناية عن (ما) (١١). ﴿يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ:﴾ أي: ماء الأنهار (١٢)، كقولهم: سال الميزاب أو الوادي. ﴿يَشَّقَّقُ:﴾ يتشقّق (١٣) وينفلق فيخرج منه بلل وماء لا يبلغ الأنهار (١٤). وهذا يدلّ على جواز التضمين والتوليد. ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللهِ:﴾ أي: من سبب رهبة الله (١٥). وهذا يدلّ على أنّ الجوهر محلّ للمعاني من الإرادة والتمييز والخشية والنطق والألم واللذّة إن أوجد الله فيه، سواء كانت فيه الحياة والقدرة أو لم تكن، ولأنّه لا تعلّق لهذه المعاني بالحياة والقدرة (١٦) كالظهور والخفاء والقيام والبقاء، بخلاف الكسب والاختيار لأنّهما مختصّان بالحياة،

стр. 174

لأنّا نشاهد (١) الجماد واهتزازه ونضارته ودبوله، وتعرّي الحيوان عن هذه المعاني كلّها أو بعضها (٢). وهذه المسألة يمكن أن تبنى على مسألة عذاب القبر، أو تبنى مسألة عذاب القبر عليها. و (الغافل) (٣): نقيض الخبير، وقد يكون نقيض المشغول، يقال: غفل عنه، أي: شغل عنه (٤). ٧٥ - وقوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ:﴾ نزلت شأن المؤمنين [من] (٥) حيث طمعوا في شهادة اليهود لهم، ورجوا نصرهم إيّاهم على مشركي العرب (٦). والطمع قريب من الرجاء والتوقّع (٧)، قال إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء:٨٢]. وهذا يقتضي تفخيم الطمع وتبعيد ما طمعوا فيه (٨). ثمّ بيّن جهة التفخيم (٩) والتبعيد (١٩ و) فقال: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: طائفة وقطعة منهم، وهم الأحبار يسمعون كلام الله من رسلهم ثمّ يحرّفونه؛ يعوجونه باللحن كقولهم (١٠): حطا مكان حطّة. أو التأويل كتوجيههم الخطاب في التوراة بقوله: تمسّكوا بهذه الشريعة أبدا ما دامت رؤوسكم على أبدانكم أو ما دامت السموات والأرض إلى المكلّفين بشريعة صاحب الحمار وصاحب الجمل، المذكورين في التوراة، المرسلين بالإعجاز، وهما عيسى ابن مريم ومحمّد خاتم النبيّين صلوات الله عليهما وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، فهذا ونحوه تحريفهم (١١). ﴿مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ:﴾ أي: فهموه (١٢). ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ معناه وقت التفهم (١٣)، أو يعلمون أنهم محرّفون (١٤).

стр. 175

ويروى أنّ المراد بال (فريق) من حرّف كلام الله من جملة السبعين الذين كانوا مع موسى ﵇، وذلك أنّهم سمعوا كلام الله: (أنا الله (١) ربّكم لا إله إلا أنا الحيّ القيّوم، فلا تعبدوا إلها غيري، ولا تشركوا بي شيئا، ولا تجعلوا لي شبها)، فلمّا سمعوا ذلك خرجت أرواحهم (٢) من أجسادهم ثمّ عادت إليهم، فقالوا وهم سجود: إنّا لا نستطيع كلام ربّنا، فكن أنت يا موسى بيننا وبين ربّنا، فكانوا يسمعون بوساطة (٣) موسى ﵇ بعد ذلك، فلمّا رجعوا إلى قومهم سألهم قومهم فصدقوهم (٤) المقال إلا الذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم فإنّهم حرّفوا وقالوا: إنّ الله أتبع أوامره ونواهيه قوله: (إن لم (٥) تستطيعوا فلا عليكم وافعلوا كذا وكذا)، فعيّر الله تعالى كفرة بني إسرائيل في وقت النبيّ ﷺ بمتقدّميهم أولئك (٦). ٧٦ - ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نزلت في منافقي أهل التوراة (٧). ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ:﴾ ألف الاستفهام للتقريع واللّوم (٨). والتحديث (٩) كالتّكليم، والحديث هو الكلام. و (ما): في محلّ الجرّ بالباء، وتقديره: بحديث (١٠). ﴿بِما فَتَحَ اللهُ:﴾ قال مجاهد والسدّي (١١): بما حكم الله عليكم من المسخ والعذاب، أو الإيمان والنّصرة. وعن ابن عبّاس والحسن وأبي العالية وقتادة (١٢): هو حلّ ما ينعقد وينغلق، أي: بما كشف الله عليكم من نعت خاتم النبيّين، عن الكلبيّ. ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ:﴾ "ليخاصموكم" (١٣). والمحاجّة هي المخاصمة بالحجّة، والحجّة: معنى تثبت به الدّعوى، وتقام (١٤) مقام البيّنة، والحجّ هو الغلبة بالحجّة (١٥).

стр. 176

والهاء في ﴿بِهِ﴾ (١) كناية عن الحديث (٢). ومحاجّة المؤمنين إيّاهم عند ربّهم مخاصمتهم إيّاهم على قضيّة حكم ربّهم في الدنيا للدعوة، وفي الآخرة للشهادة عليهم، كما تقول (٣): خاصمه عند القاضي. ﴿عِنْدَ:﴾ بمعنى (في) (٤)، وقيل (٥): تقديره: عند ذكر ربّكم. ٧٧ - ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ:﴾ ألف استفهام للتقريع واللّوم (٦). ﴿ما يُسِرُّونَ:﴾ [ما] (٧) يكتمون، والمراد به تلاومهم (٨). ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾ إقرارهم (٩). وفي الآية دلالة (١٠) أنّ الحجّة لازمة إيّاهم بعلمهم، كما أنّه لازمة (١١) بقولهم. ٧٨ - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ:﴾ نزلت في المقلّدين من أهل الكتاب (١٢). (١٩ ظ) و (أمّيّون): رفع على الابتداء عند البصريّين (١٣)، وعند الكوفيّين على أنّه خبر بحرف خافض وليس باسم بحرف (١٤). والأمّيّ: الذي لا يعرف الكتابة، وهو منسوب إلى الأمّ، والأمّ هو الأصل، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد:٣٩]، وإنّما نسب إلى الأصل لأنّه باق على أصل الفطرة (١٥). ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ:﴾ أي: معناه وكتابته (١٦). ﴿إِلاّ أَمانِيَّ:﴾ جمع أمنيّة، وهي القراءة، قال الله تعالى: ﴿إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي﴾

стр. 177

﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] (١). ونصب (الأمانيّ)؛ لأنّه مستثنى عن منصوب، كقولك: ما رأيت زيدا إلا وجهه (٢). ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ:﴾ أي: وما هم إلا ظانّين، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣] (٣). ٧٩ - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ:﴾ نزلت في أحبار اليهود (٤)، وفيها دلالة أنّهم أسوأ حالا، وأشدّ ذمّا من الأمّيّين. و (الويل): الحزن والبؤس ومشقّة العذاب (٥)، قال الفرّاء (٦): الأصل فيه (وي)، ثمّ وصلت به اللام وأعرب. وعن أبي سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ أنّ الويل واد في جهنّم يهوي الكافر أربعين خريفا لا يصل إلى قعره (٧). وعن ابن عبّاس (٨) وأبي عياض: الويل صهريج في النار (٩)، والصهريج كالحوض (١٠). وإنّما أكّد الكتابة باليد لأنّه أراد به (١١) كتابتهم أشياء من تلقاء أنفسهم في التوراة، كقوله (١٢): ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [التوبة:٣٠]. ﴿مِمّا كَتَبَتْ:﴾ أي: من أجل ما. و (الأيدي): جمع يد، وأصله: يدي، وتصغيره: يديّة (١٣). و (الكسب) (١٤): قريب من الاجتلاب لا يوجد إلا مع الوسع (١٥).

стр. 178

٨٠ - ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ:﴾ نزلت في اليهود أيضا حيث زعموا أنّهم لا يعذّبون في النار إلا سبعة أيّام عند الله، وهي سبعة آلاف سنة من أيّام الدنيا، وهي مدّة الناس في الدنيا، عن ابن عبّاس (١). وعنه أنّهم زعموا أنّهم لا يعذّبون إلا سنين بعدد الأيّام التي عبدوا فيها العجل (٢). وكذلك يروى عن قتادة وعن أبي العالية أنّهم زعموا أنّ الله غضب عليهم في أمر فأقسم أن يعذّبهم في النار، فلا يعذّبهم إلا أيّاما قلائل لتحلّة القسم (٣). وقولهم هذا يحتمل وجوها أربعة: إمّا يعتقدون فناء النار كالدنيا (٤)، أو كانوا يظنّون أنّ أيّام الآخرة تداول بين الناس كأيّام الدنيا، أو كانوا يرون أنفسهم مؤمنين مجرمين فأثبتوا شفاعة الأنبياء والصالحين لأنفسهم كما نثبتها، أو كانوا وجدوا في كتبهم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ [مريم:٧١ - ٧٢] فعدّوا أنفسهم من المتّقين، فأنزل الله ردّا عليهم وتكذيبا لهم. و (المسّ): قريب من الإصابة، قال الله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء:٨٣]، ﴿مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف:٨٨] (٥). وحقيقة المسّ اللمس، وهو يكون بحس ولا يكون بحس (٦). و (الأيّام) (٧): جمع يوم، وأصله: أيوام، اجتمعت الياء والواو على ما قدّمنا (٨). و (العدد): اسم كميّة المجموع بين الواحد والعدم (٩)، وإنّما أعني بالواحد الجزء الذي لا يضمن العدد في نفسه، وبالعدم ما (١٠) لا يثبت معقولا موجودا. (٢٠ و) وقد حصل العرف بإطلاق العدد على الجمع القليل، قال الله تعالى: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، و ﴿أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠]، و ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف:٢٠]، و ﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ (١١) [هود:٨]، و ﴿لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٤]، وذلك لأنّ عدّ الجمع

стр. 179

القليل في مقدور العامّة بخلاف الجمع الكثير (١). وحرفا الاستفهام ههنا للتلجئة (٢) إلى أحد معنيين: إمّا إثبات الخلاف بإبراز الحجّة، أو الاعتراف بثبوت ما يدّعيه الخصم، نظيره قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات:٢٧]، وقوله: ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف:٥٨]. وقيل (٣): ألف الاستفهام ههنا للإنكار، و (أم) بمعنى (بل). وإنّما لم يقل: (أاتّخذتم)؛ لأنّ همزة الوصل للابتداء، وقد أمكن الابتداء ههنا بغيرها فلم تثبت (٤). وإخلاف الوعد والعهد تقليبهما عن وجوههما. و (المخالفة): المضادّة (٥). ٨١ - ﴿بَلى:﴾ نقيض (نعم)، وهو نفي لقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ (٦). و (بلى) (٧) موضوع على أصله مثل (على) عند البصريّين (٨)، وعند الكوفيّين أصله: (بل) ثمّ زيد الياء لمّا جعلوه مستقلا بنفسه فرقا بينه وبين ما لا يستقلّ بنفسه (٩). ﴿سَيِّئَةً:﴾ خصلة سيّئة، نقيض: خصلة (١٠) حسنة. ووزنها (فعيلة) في قياس قول الفرّاء وأهل الكوفة (١١). ﴿وَأَحاطَتْ:﴾ إحاطة الأعراض: عمومها، وإنّما يكون عموم الخطايا (١٢) عند عدم الإيمان، نعوذ بالله (١٣).

стр. 180

٨٣ - ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ (١): رفع عند الكسائي لحذف (٢) الناصب، تقديره: أن لا يعبدوا (٣)، وأنشد (٤): [من الطّويل] ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذّات هل أنت مخلد نظيره: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر:٦٤]، وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدّثر:٦] (٥). وفي أحد أقوال الفرّاء (٦) أنّه خبر بمعنى النهي، وكون الخبر بمعنى النهي (٧) ككونه بمعنى الأمر [في قوله تعالى] (٨): ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]، ولهذا قرأ أبيّ (٩): (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا (١٠) إلا الله). وفي قوله الآخر (١١): جواب القسم، إذ الميثاق هو العهد الموثّق (١٢) باليمين، يدلّ عليه قراءة ابن مسعود (١٣): (لا نعبد) بالنون، ومجازه: يعبدون الله؛ لأنّ الاستثناء مع المستثنى منه أحد اسمي الباقي. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً:﴾ أي: أمرناهم وأوصيناهم (١٤). والوالدان: الأب والأمّ، غلّب المذكّر على المؤنّث كقولهم: أبوان (١٥). وحقيقة الولادة إثمار الجوهر، وهو استحالة جزء منه بصفة معهودة (١٦)، والتّوليد: التّثمير. والحسن ضدّ السّوء (١٧). ﴿وَذِي الْقُرْبى:﴾ أي: ذي القرابة في النسب (١٨).
следующие страницы →