← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

عباس (٢٢٩ ظ) فسلّمنا عليه، (١) فقال لصاحبي: من أنت؟ فانتسب له فعرفه (٢) فقال: يا أبا العباس، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، أيّ يوم هذا؟ فقال: إنّما سألتك لتخبرني، قال: فهي أيّام سمّاها الله تعالى في كتابه، وهو أعلم بها، أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر ضربة، فجلست إلى سعيد بن المسيّب، سئل عن المسألة، فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما شهدته من ابن عباس؟ ثمّ ذكرته له، فسرّى ذلك عنه (٣)، وقال: هذا ابن عباس قد اتّقى أن يقول فيها وهو أعلم منّي. (٤) ٥١ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ (٥): بالتكذيب أو التحريف (٦) والتبديل. ٥٣ - ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ:﴾ مثل ﴿ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة:١٠٢]. ٥٤ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ:﴾ الملهمون الراسخون (٧) في العلم. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ:﴾ الضمير عائد إلى نسخ ما ألقى الشيطان في أمنيّته. ٥٥ - ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ:﴾ أيس عن خيره، ويحتمل: يوم بدر في حقّ قريش، فإنّه أعقم نساءهم بقتل رجالهم. وقيل: المراد بالساعة انقراض الدنيا، وباليوم العقيم افتتاح الآخرة. ٦٠ - ﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ:﴾ في المقتصّ بالحقّ. ﴿ثُمَّ بُغِيَ:﴾ بعد اقتصاصه (٨). واتّصالها بما قبلها من حيث نعي الكفار على المؤمنين بعد انتصارهم بالحقّ والعدل والإنصاف، فقول الله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة:١٩٤]. وقوله: ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ:﴾ لازدواج الكلام.

стр. 1157

٦١ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى النصر الموعود، أي: ذلك باقتضاء قدرته وسمعه ونصره (١). وقيل: إشارة إلى الحكم، أي: هو بقضيّة حكمته الموجبة إيلاج اللّيل في النهار. ٦٣ - ﴿فَتُصْبِحُ:﴾ رفع؛ لأنّه خبر منفصل عمّا قبله، أو جواب شرط مضمر تقديره: أنّ الله أنزل الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرّة، وكذلك التقدير في قوله: ﴿فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج:٣١]. ٦٥ - وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ:﴾ دليل على أنّ إمساكه في الهواء على سبيل القهر والإلجاء، إمّا بوصل الإلحاد، وإما باصطدام الأجزاء، وإمّا بمعنى خفيّ، على آراء، ولم يذكر الله تعالى سقوطها إلا بعد انفطارها وانقلابها. ٦٧ - ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً:﴾ قال الكليم: نزلت في الأضحية، وفي مجادلة الكفّار في الذبيحة. ٧٢ - ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ:﴾ يبطشون، إشارة إلى سطوهم وبطشهم، وإشارة إلى ما يتلى. ﴿بِشَرٍّ:﴾ أي: مكروه، أي: النار، أبلغ في كراهتهم إيّاها ممّا يتلى عليكم. ٧٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ:﴾ متشابهة فوجب التماس حكمها من المحكمات. والذباب: طائر يشبه النملة. وذكر القتيبيّ: أنّ الذباب ثلاثة أجناس: القمعة والنّعرة واليراع، (٢) ويضرب المثل (٢٣٠ و) بالذباب، فيقال: فلان أجرأ من الذباب؛ لأنّه يقع على أنف وجفن الأسد ولا يبالي، (٣) ويقال: فلان كالذباب، إذا كان ذا وجهين، ونيمه (٤) على السواد بياض وعلى البياض سواد. ٧٥ - ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ اتّصالها من حيث قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ [الحج:٤٢]. وفيها ردّ على اليهود والروافض من حيث عداوتهم لجبريل ولأبي بكر وعمر. ٧٧ - ﴿اِرْكَعُوا وَاُسْجُدُوا:﴾ وتخصيصهما مع ذكر العبادة لتشريف الصلاة، وذكر فعل

стр. 1158

الخير بعد العبادة للتأكيد أو للتفعل المندوب إليه بعد الغرض المنصوص (١)، والآية مختصة بقريش وأمثالهم عند بعض الناس، عامّة في المؤمنين (٢) عند بعضهم. ٧٨ - ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ:﴾ نصب كانتصاب ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ [البقرة:١٣٨]، وقيل: لنزع الخافض، أي: في ملّة أبيكم. (٣) واختلفوا في المخاطبين بالبنوّة، قال بعضهم: ربيعة ومضر؛ لأنّهما من أولاد نزار بن معد. وقيل: جميع أولاد معد بن عدنان. وقيل: قضاعة وقنص وإياد ونزار وأربعة آخرون. وقيل: جميع أولاد عدنان بن أدد مثل: عك ومعد، واختلفوا في نسبة عدنان بن أدد. وقد روى ابن عباس: أنّ النبيّ ﵇ كان إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك، وقال: «كذب النسّابون، قال الله تعالى: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان:٣٨]». (٤) وقيل: المخاطبون بها عامّة المسلمين؛ لأنّهم أبناء لأزواج رسول الله ﷺ ، وأمّهات المؤمنين بنات إبراهيم لا شكّ، والجدّ أب الأمّ لا محالة. (٥) ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ:﴾ اللام عائدة إلى قوله: ﴿وَجاهِدُوا﴾ أو إلى قوله: ﴿هُوَ اِجْتَباكُمْ.﴾ وعن أبيّ بن كعب، عنه ﵇ أنّه قال: «من قرأ سورة الحجّ أعطي من الأجر حجّة وعمرة بعدد من حجّ واعتمر فيما مضى وفيما بقي». (٦)

стр. 1159

سورة المؤمنون مكية في قولهم. (١) وهي مئة وتسع عشرة (٢) آية في غير عدد أهل الكوفة. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ:﴾ وعن كعب قال: لم يخلق الله بيده إلا ثلاث أشياء: خطّ التوراة بيده، وخلق آدم بيده، وغرس الجنّة بيده، ثم قال: تزيّني، فتزيّنت، قالها ثلاث مرّات، ثمّ قال لها: تكلّمي، فتكلّمت، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.﴾ (٤) وعن عمر بن الخطاب قال: كان النبيّ ﵇ إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل، فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسرّي عنه، فاستقبل (٥) الكعبة، فرفع يديه وقال: «اللهمّ زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنّا»، ثمّ قال: «أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنّة (٦)» (٢٣٠ ظ) ثمّ قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم عشر آيات. (٧) قيل: الخبر محمول على أنّ الآيات قبل فرض الحجّ والصوم. (٨) وقيل: فرضها دخل في جملة قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المومنون:٨]. وعن أبي هريرة: رأى رسول الله رجلا يلعب بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه». (٩)

стр. 1160

٧ - ﴿فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما أبيح. ﴿العادُونَ:﴾ جمع عاد في قوله: ﴿باغٍ وَلا عادٍ﴾ [البقرة:١٧٣]. ﴿راعُونَ:﴾ رعايته: مراعاته ومحافظته. وعن مجاهد، عن ابن عمر قال: أوّل ما خلق الله من ابن آدم فرجه، قال: هذه أمانتي فأمسك عليها، وإنّ الفرج أمانة، والسمع أمانة، والبصر أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. (١) وقال ﵇ لأبي ذرّ: «الإمارة أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقّها، وأدّى [الذي] (٢) عليه فيها، وأنّى له ذلك يا أبا ذرّ». (٣) وعن ميمون بن مهران (٤) قال: ثلاث تؤدّى إلى البرّ والفاجر: العهد يوفّى إلى البرّ والفاجر، والأمانة تؤدّى إلى البرّ والفاجر (٥)، والرحم تصلها برّة كانت (٦) أو فاجرة. (٧) ابتدأ الله تعالى بذكر الخضوع في الصلاة، وانتهى بذكر المحافظة عليها؛ لتشريفها وتأكيدها. ١٢ - ﴿سُلالَةٍ:﴾ ما أنسل من الطين المبلول. وروي: الفعالة مختصّة بالقليل كالقلامة والفضالة. (٨) ١٣ - ﴿قَرارٍ:﴾ مكان مطمئنّ. ﴿مَكِينٍ:﴾ موضع التمكّن فيه. وقيل: متمكن في مكان آخر كتمكّن أوعية المنيّ فيما بين الصلب والترائب، وتمكّن الرحم في البطن. ١٤ - ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً:﴾ من الغذاء، ولذلك لا تحيض الحبلى. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ:﴾ أي: نسمة وجسدا (٩) مصورا (١٠).

стр. 1161

﴿فَتَبارَكَ:﴾ تعالى وتعظّم. وقال ابن عرفة (١): هي تفاعل من البركة، وهي كثرة الخير والسّعة. (٢) روي: أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٣) كان يكتب لرسول الله ﷺ هذه الآية فجرى على لسانه: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ،﴾ فقال ﵇: «اكتب ما جرى على لسانك»، فقال: إنّما هو كلامي (٤)، فقال ﵇: «كذلك أنزل عليّ»، فكتب، ثمّ ارتاب في أمر النبوّة، وكان ذلك سبب ارتداده. وقال القتيبيّ: كان يكتب مكان (٥) العزيز الحكيم الغفور الرحيم، وكان ذلك سبب ارتداده. (٦) ١٧ - ﴿سَبْعَ طَرائِقَ:﴾ قال أبو عبيد الهرويّ: الطرائق سماوات واحدتهنّ طريقة؛ لأنّها طرائق الملائكة والأنبياء. (٧) ١٩ - ﴿فَواكِهُ:﴾ جمع فاكهة، وهو ما يتعلّل به من الثمار على سبيل الاقتيات. ٢٠ - ﴿طُورِ سَيْناءَ:﴾ جبل بالشام، والشجرة الخارجة منها هي الزيتونة. ووجه التخصيص الاشتهار والغلبة. ﴿بِالدُّهْنِ:﴾ المائع الذي يعلو الماء، ولا يمتزج به. ﴿وَصِبْغٍ:﴾ إدام. ٢٤ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ:﴾ يتشرّف ويتمجّد (٨) عليكم. (٩) وإنّما أنكروا سماعهم، لدروس أثر إدريس ﵇ ومن تقدّمه، أو لظنّهم أنّهم لم يكونوا أمثال نوح ﵇، أو لوقاحتهم. ٣١ - ﴿قَرْناً﴾ (٢٣١ و) ﴿آخَرِينَ:﴾ قبل عاد ورسولهم هود ﵇. ويحتمل:

стр. 1162

غيرهم وغيره، يقول الله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ (١)﴾ إِلاَّ اللهُ [إبراهيم:٩]. ٣٦ - ذكر أهل اللغة في ﴿هَيْهاتَ﴾ سبع لغات: هيهات بالفتح بغير تنوين، وهيهاتا بالفتح والتنوين، وهيهات بالضمّ من غير تنوين، وهيهات بالضمّ والتنوين، وهيهات بالكسر من غير تنوين، وهيهات بالكسر والتنوين، وإيهات بإبدال الهمزة من الهاء الأولى، (٢) ومعناها النهي والنفي، وفيها شيء من معنى كلاّ. ٣٩ - ﴿بِما كَذَّبُونِ:﴾ أي: بسبب تكذيبهم. ٤١ - ﴿فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً:﴾ مذريّا، أي: شذاذا وعشيرته، قال الله تعالى: ﴿غُثاءً أَحْوى﴾ [الأعلى:٥]. ٤٤ - ﴿تَتْرا:﴾ من المتواترة والتواتر. ٤٧ - ﴿مِثْلِنا:﴾ وحّد لموازنته غيرا. ٥٠ - ﴿وَمَعِينٍ:﴾ ماء طاهر معيون، وهو المرئيّ بالعين. عن سعيد بن المسيّب في قوله: ﴿إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٣) أنّها دمشق. (٤) وقيل: إنّها مصر. (٥) وقيل (٦): إنّها ناصرة، وهذه هجرة من عيسى ﵇، وقال ﵇: «بشّر الفرّارين بدينهم إيمانا واحتسابا من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية أنّهم معي أو (٧) مع إبراهيم ﵇ يوم القيامة كهاتين»، وجمع بين أصبعيه الوسطى والتي تليها. (٨) ٥١ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: «إنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين (٩) فقال: ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ. . .﴾ الآية، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، قال: وذكر الرجل يطيل (١٠) السفر

стр. 1163

أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك». (١) ٥٢ - ﴿أُمَّةً:﴾ نصب على الحال، والمراد به: الأمة النبويّة الحنيفية (٢) المستمعة إلى الوحي الإلهيّ. ٥٣ - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ:﴾ إلى اليهود والنصارى والصابئون بعد أن كانوا حنفاء في الأصل. ﴿زُبُراً﴾ إن كان زبور [جمع] (٣) فهي كتبهم المختلقة من تلقاء أنفسهم، وإن كانت جمع زبرة فهو أنّهم صاروا فرقا (٤) وقطعا. ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ:﴾ لأنّ الله تعالى لم ييسر لهم ما يسره لهم إلا على سبيل الاختيار دون الاضطرار والإجبار. ٥٤ - ﴿غَمْرَتِهِمْ:﴾ غشوتهم وسكرتهم. ٥٦ - ﴿نُسارِعُ لَهُمْ:﴾ يعني: المسارعة في الخيرات بإمداد المال والبنين لكونهما على سبيل الوقف والمراعاة إلى مقابلتهما بشكر أو كفر. قال (٥): ﴿هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠]، فمن رآهما ابتلاء حسنا، واستوثق الله تعالى بلا صلاح (٦) فيهما (٧) تمحّضا خيرا، ومن كانا مبلغه من العلم كانا مبلغه من الغمّ، وكفر بهما كانا وبالا حينئذ. ٥٧ و٥٨ - (٨) وفي تأخير الإيمان عن الخشية دليل على وجود الإيمان بالعقل قبل وجوده بالسماع، ولولا ذلك لما تقدّم الإشفاق من خشية الله على الإيمان بالآيات، فإنّما تأخّر نفي الشرك عن إثبات الإشفاق (٢٣١ ظ) والإيمان لوجود الشرك في أهل الكتاب بعد ادعائهم الخشية والإيمان.

стр. 1164

٦٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ:﴾ صفة أولياء الله تعالى المعتقدين أنّه لا حول ولا قوّة إلا بالله، وأنّ موجب السعادة والشقاوة هو التقدير الأزلي (١) دون السبب العلميّ (٢)، وعلى هذا (٣) قال ﵇: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ». (٤) وقال ﵇: «أيّكم ينجّيه عمله؟» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله برحمته». (٥) وعن عائشة قالت: سألت رسول الله عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ فقلت: أهم الذين يشربون الخمور ويسترقون؟ قال: «لا يا بنت الصدّيق، ولكنّهم الذين يصومون، ويصلّون ويتصدقون، وهم يخافون لا يقبل منهم». (٦) ٦١ - ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ:﴾ وعن شقيق بن إبراهيم (٧): الزاهد العاقل لا يخرج من هذه الثلاثة الأخوف: أوّلها: أن يكون خائفا لما سلف منه من الذنوب، والثاني: لا يدري ما ينزل به ساعة بعد ساعة، والثالث: يخاف من إبهام العاقبة. ٦٣ - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ:﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب عن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧]. وقيل: مرتب على قوله: ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٦]. ﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ:﴾ من الأعمال الفاسدة القبيحة من دون الكفر والجهل. وقيل: أعمالهم المقدّرة عليهم أن يكسبوها في المستقبل من أعمارهم. (٨) ٦٤ - ﴿بِالْعَذابِ:﴾ قال مجاهد: هو يوم بدر. (٩) وقال الكلبي: هو القحط سبع سنين. (١٠) ويحتمل: معاينة البأس، ورفع الالتباس.

стр. 1165

﴿يَجْأَرُونَ:﴾ يرفعون أصواتهم. ٦٧ - و (الهجر): الهذيان، و (الإهجار): الإفحاش. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ (١): بالبيت العتيق. وقيل: الضمير عائد إلى نكوصهم إن كنتم مستكبرين بنكوصهم. (٢) ﴿سامِراً:﴾ جمع كالباقر والحامل، وفي حديث قيلة: إذا جاء زوجها من السامر، (٣) أي: من السّمّر. ٦٨ - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ:﴾ القرآن، فيعلموا أنّه ليس من جنس كلام الناس، بلى قد تدبّروه فسمّوه سحرا يؤثر. ﴿أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ:﴾ في معنى قوله: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩]. وقيل: في معنى قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام:٩١]. ٦٩ - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ:﴾ بالأبوّة والأمانة والمروءة والصيانة، ومجانبة الكتابة والكهانة. ٧١ - ﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ:﴾ عن الدين. وقيل: عن الديّان. (٤) ٧٤ - ﴿لَناكِبُونَ:﴾ لمائلون ومنحرفون، ومنه: تنكّب فلان عن الطريق، ومنه النكباء (٥) والمنكبّ. ٧٥ - ﴿وَلَوْ رَحِمْناهُمْ:﴾ أراد الرحمة الظاهرة، وما بعدها بيان لها [﴿لَلَجُّوا﴾] (٦): لتمادوا. ٧٦ - ﴿بِالْعَذابِ:﴾ بالجوع والخوف. ﴿فَمَا اِسْتَكانُوا:﴾ تضرّعوا وتذلّلوا.

стр. 1166

٨١ - ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ:﴾ إنّما يلامون على ما علموا أنّما حلّ بأولئك الماضين، ولا قدوة في الشعر. ٨٤ - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها:﴾ الاضطرار بالإقرار لعامّة الكفّار لإجماعهم أنّ العالم (٢٣٢ و) مستند إلى صانع (١) ما. ٩٤ - ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ:﴾ الاستعاذة من حيث ما أوهم (٢) قوله: ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]. ٩٧ - ﴿هَمَزاتِ:﴾ غمزات، وفي الحديث: «أمّا الهمزة فالموتة». (٣) قيل لأعرابيّ: من يهمز الفأرة؟ قال: السّنور يهمزها. (٤) ٩٨ - ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ:﴾ أن يتدنّوا منّي. ٩٩ - ﴿حَتّى:﴾ غاية لقولهم (٥): ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [المؤمنون:٩٠]. ١٠٠ - ﴿بَرْزَخٌ:﴾ حاجز لطيف بين الشيئين المجتمعين المتضايقين. ١٠١ - ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ:﴾ لأنّ ليوم القيامة أحوالا مختلفة، وأهوالا مؤتلفة، فإذا كانت النفخة الأولى لم يبق أحد إلا هلك (٦) ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ ولانقطاع الأنساب وجوه: أحدها: قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس:٣٤] إلى قوله: ﴿لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]. والثاني: قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اِتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦]، والثالث: انتقال التعريف يومئذ إلى الأعمال والملك. والرابع: كون كلّ واحد مبعوثا من التراب مثل آدم ﵇ غير متولّد من أحد، وقد قال ﵇: «كلّ سبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي». (٧) ١٠٤ - ﴿تَلْفَحُ:﴾ تصيب أشدّ من النفخ.

стр. 1167

وعن أبي سعيد الخدريّ، عنه ﵇ قال (١): ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ قال: تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ (٢) وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرّته». (٣) قال عبد الله: مثل الرأس النضيج. (٤) ١١٠ - ﴿سِخْرِيًّا:﴾ أي: شيئا سخريا. ١١٢ - وفائدة السؤال من قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ. . .﴾ هو التنبيه على الحيرة. ١١٣ - ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ:﴾ قيل: الكرام الكاتبين. (٥) وقيل: ﴿فَسْئَلِ﴾ معطوف على قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون:١١٢] دون جوابهم. ١١٥ - ﴿عَبَثاً:﴾ لعبا. ١١٦ - ﴿فَتَعالَى:﴾ الفاء للعطف على معنى الاستفهام، وهو إنكار العبث (٦)، تعالى عن الاتصاف بالعبث. عن أبي بكر الصدّيق، عنه ﵇ قال (٧): «لم يصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة». (٨) ينبغي أن يكون استغفاره على الحقيقة غفر الله له، لقوله ﵇ لما روي في الخبر: «أنّ (٩) المستغفر المصرّ كالمستهزئ بربّه» (١٠)، وإن ندم على الحقيقة غفر له، لقوله ﵇: «من ساءه ذنبه غفر له وإن لم يستغفر». (١١) وعن أبيّ بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ سورة المؤمنون بشّره الملائكة بروح وريحان، وتقرّ به عينه عند نزول ملك الموت». (١٢)

стр. 1168

سورة النور مدنية. (١) وهي اثنتان وستون (٢) آية في عدد أهل الحجاز. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿سُورَةٌ:﴾ رفع بتقدير مبتدأ محذوف، أي: هذه سورة. عن أبي عطية (٤) قال: كتب عمر: علّموا نساءكم سورة النور. (٥) ٢ - ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي:﴾ مجملة محتملة موقوفة على التفسير كآية السرقة. ﴿فَاجْلِدُوا:﴾ فاضربوا بالسياط. عن عمر بن الخطاب قال: ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإنّ الإمام أن يخطئ في العفو (٢٣٢ ظ) خير من أن يخطئ في العقوبة، فإذا وجدتم للمسلم مخرجا فادرؤوا عنه. (٦) وقال ابن مسعود في البكر يفجر بالبكر: إنّهما (٧) يجلدان، وينفيان (٨) سنة. (٩) وقال عليّ: نفيهما فتنة. (١٠) ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ (١١)﴾ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ أي: لا تمنعكم الرأفة عن إقامة الحدّ عليهما في طاعة الله. ﴿طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ رجل فما فوقه. ٣ - ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً. . .:﴾ الآية مجملة محتملة كالأولى موقوفة (١٢) على

стр. 1169

التفسير. عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد (١) يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت (٢) امرأة بغيّ بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، فذهب مرثد ليحمل رجلا من أسراء مكة، فعرفته، فقالت: مرثد؟ قال: مرثد، قالت: مرحبا وأهلا، هلمّ فبت عندنا الليلة، قال: يا عناق، حرّم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم، فتبعه (٣) ثمانية إلى غار، فعمّاهم الله عنه، ثمّ ذهب وحمل الرجل حتى قدم المدينة، فأتى رسول الله فقال: أنكح عناقا؟ فسكت رسول الله حتى نزلت الآية (٤). وعن ابن عباس: أنّ المهاجرين لمّا قدموا المدينة نزل في صفّة مسجد رسول الله ﵇ أناس من المهاجرين، لم يكن لهم مساكن في المدينة ينزلون بها، ولا عشائر يأتونوهم، وكانوا نحوا من أربع مئة رجل يلتمسون (٥) الرزق بالنهار، فإذا أمسوا رجعوا إلى المسجد، فكانوا فيه، وكان المسلمون من أراد أن يأتيهم بشيء أتاهم به، وكان في المدينة بغايا يبغين بأنفسهنّ متعالمات بالفجور، لهنّ علامات كعلامات البياطرة، تصبن الطعام والشراب والكسوة، فقال أولئك الذين ليس لهم مساكن ولا عشائر من المهاجرين: لو أنّا تزوجنا من هؤلاء، فسكّنّنا معهنّ في منازلهن، وأصبنا من طعامهنّ وكسوتهنّ، فإذا ارتحلنا من المدينة خلينا سبيلهنّ، قال: فأتوا رسول الله فذكروا ذلك من شأنهم، فنزل فيها نهي عن البغايا المعروفات. (٦) وعن ابن عباس قال: الزاني لا يجامع إلا زانية أو مشركة. (٧) وسئل ابن عباس عن رجل ألمّ بامرأة، فأتى منها ما حرّم الله، فرزقه الله تعالى من تلك توبة، فأراد أن يتزوّجها؟ فقال له ناس: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً،﴾ فقال ابن عباس: ليست هذه الآية في ذلك، انكحها، فما كان في ذلك من إثم فعليّ. (٨) وعن سعيد بن المسيب: أنّ الآية منسوخة بقوله (٩): ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢]. (١٠)

стр. 1170

٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ:﴾ يقذفون بصريح الزنا. ﴿الْمُحْصَناتِ:﴾ الحرائر المسلمات العفائف، وليس لها أن تطالب بالحدّ حتى تثبت حرّيتها، وهذا الحدّ يسقط بعفو الخصم. وفي الآية دليل على إباحة (١) (٢٣٣ و) تعمّد النظر إلى فرج المسافحين لتحمّل الشهادة، واجتماع الشهود الأربعة قبل إذ الشهادة شرط. وضرب القاذف دون ضرب الزاني، (٢) واستيفاء الحدود إلى السلطان، ولا اعتبار لعدد (٣) المقذوفات، ونفي قبول شهادة القاذف المحدود على التأبيد. (٤) ٥ - ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ:﴾ يغفر فسقهم. ﴿رَحِيمٌ:﴾ يرحمهم بالتوبة عليهم. ٦ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ:﴾ المحصنات. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ:﴾ دليل على أنّ حكم اللعان إنّما يجب على من هو من جنس الشهداء دون المحدودين والعبيد ونحوهم. (٥) وعن ابن عمر: أنّ رجلا سأل النبيّ ﵇ فقال: يا رسول الله، أرأيت لو أنّ أحدنا رأى امرأته (٦) على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلّم تكلّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت عن أمر عظيم! فسكت النبيّ ﵇ ولم يجبه، فلمّا كان بعد الأيّام، فأتى النبيّ ﵇ فقال: إنّ الذي سألتك عنه ابتليت به، فأنزل الله الآيات، فدعاه، فتلاهنّ عليه، ووعظه وذكّره، وأخبره أنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحقّ ما كذبت عليها، ثمّ ثنّى بالمرأة، ووعظها وذكّرها، وأخبرها أنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحقّ، قال: فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصادقين، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثمّ ثنّى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين، والخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثمّ فرّق بينهما. (٧) وفيه حديث سهل بن

стр. 1171

سعد الساعديّ في عويمر العجلانيّ وامرأته. (١) ١١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ:﴾ مسطح (٢)، وحسان بن ثابت (٣)، وعبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق (٤)، وحمنة بنت جحش (٥). روي: أنّ عائشة قالت: كان رسول الله ﵇ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج، وأنزل فيه (٦)، فسرنا حتى فرغ رسول الله من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حتى آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت، فالتمست، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يحملونني، فحملوا هودجي، (٢٣٣ ظ) فرحّلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أنّي فيه، قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن، ولم يغشهنّ اللّحم، إنّما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه ورحّلوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل، وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع ولا مجيب، فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه، وظننت (٧) أنّ القوم سيفقدونني، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذكوانيّ قد عرّس (٨) من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب عليّ الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني،

стр. 1172

وخمّرت وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلّمني بكلمة، ولا سمعت منه غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي (١) الراحلة حتى أتينا (٢) الجيش بعد ما نزلوا موغرين في بحر الظهيرة، فهلك من هلك فيّ، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ بن (٣) سلول، فاشتكيت حين قدمتها شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أنّي لأعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين كنت أشتكي، إنّما يدخل رسول الله فيسلم، ثمّ يقول: كيف تيكم؟ فذلك يحزنني، ولا أعرف بالشرّ حتى خرجت بعد ما نقهت (٤)، وخرجت معي أمّ مسطح (٥) قبل المناصع، وهو متبرّزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى الليل، وذلك قبل أن تتّخذ الكنف (٦) قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأوّل في التبرّز، وكنّا نتأدّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمّ مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطّلب بن عبد مناف، وأمّها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن عبد المطلب، فأقبلت وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطح فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي فدخل عليّ رسول الله فسلّم، ثمّ قال: كيف تيكم؟ قلت: تأذن لي أن آتي أبويّ؟ قال: نعم، قالت: وأنا أريد أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله، فجئت أبويّ، فقلت لأمّي: يا أمّه، ما يتحدّث الناس؟ قالت: أي بنيّة، هوّني عليك فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها (٢٣٤ و) ولها ضرائر إلا كثّرن، قالت: قلت: سبحان الله، وقد يحدّث الناس بهذا، قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأمّا أسامة فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم من نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرا، وأما عليّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وأن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله بريرة فقال: يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك من عائشة؟

стр. 1173

فقالت بريرة: والذي بعثك بالحقّ، إن رأيت عليها أمرا (١) قط اغمضه عليها من أنّها جارية حديثة السنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول الله فاستعذر من عبد الله بن أبيّ بن سلول (٢)، فقالت: قال رسول الله وهو على المنبر: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فو الله ما علمت عليها إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ الأنصاريّ فقال: أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن اجتلبته الحميّة، قال لسعد: لعمر الله لا تقتله (٣) ولا تقدر على قتله، فقام سعد بن حضير وابن سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنّك منافق يجادل (٤) عن المنافقين، فثار الحيّان الأوس والخزرج، وهمّوا أن يقتتلوا ورسول الله على المنبر، ولم يزل رسول الله يخفّضهم (٥) حتى سكتوا وسكت. قالت (٦): وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم (٧)، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي، قالت: فبينا هما جالسان عندي، وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله، فسلّم، ثمّ جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، ولقد لبثت شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهّد رسول الله حين جلس، ثمّ قال: أمّا بعد، يا عائشة، فإنّه (٨) بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب، تاب الله عليه، قالت: فلمّا قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منها، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ (٢٣٤ ظ) فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ كثيرا من القرآن: والله لقد عرفت أنّكم سمعتم هذا حتى استقرّ في أنفسكم، وصدّقتم به، فلئن (٩) قلت لكم: إنّي بريئة، والله يعلم أنّي بريئة، لا تصدقونني بذلك،

стр. 1174

ولئن اعترفت لكم بأمر (١)، والله يعلم أنّي بريئة، لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو (٢) يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]، قالت: ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة، والله يبرّئني ببراءتي، ولشأني أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله ﷻ فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرّئني الله بها، قالت: فو الله ما رام رسول الله مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيّه ﵇، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، إنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت (٣): فلمّا سرّي عن رسول الله، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلّم بها أن قال: أبشري يا عائشة، أما والله فقد برّأك الله، فقالت لي أمّي: فقومي إليه، فقلت: والله لا أقوم ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، قالت: فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشر آيات، فأنزل جلّ ذكره هذه الآيات براءتي، وقال أبو بكر، كان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، فقال أبو بكر: والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا، قالت عائشة (٤): وكان رسول الله سأل زينب بنت جحش، زوج النبيّ ﵇، عن أمري ما علمت، أو ما رأيت، قالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبيّ ﵇، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. (٥) وهذا الحديث أتمّ من سائر الأحاديث. ٢٦ - ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ:﴾ من الرجال. ﴿وَالْخَبِيثُونَ:﴾ من الرجال (٦). ﴿لِلْخَبِيثاتِ:﴾ من النساء.

стр. 1175

﴿وَالطَّيِّباتُ:﴾ من النساء. ﴿لِلطَّيِّبِينَ:﴾ من الرجال. ﴿وَالطَّيِّبُونَ:﴾ من الرجال. ﴿لِلطَّيِّباتِ:﴾ من النساء. ١٢ - ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ﴾ (٢٣٥ و) ﴿بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ أي: ظنّ بعضهم ببعض خيرا، والبعض هاهنا الصدّيقة بنت الصدّيق أمّ المؤمنين، وصفوان بن المعطل الذي زكّاه رسول الله، وقال: «ما علمت عليه من سوء قط، ولا غبت في سفر إلا غاب معي». وقال: ما كشفت كنف أنثى قط (١). وأكرمه الله بالشهادة في سبيله، وإنّما توجّه عليهم الملام بتركهم قولهم: ﴿هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ على سبيل الظنّ مع كون الخبر ممكنا متصوّرا موهوما لتواتر أدلة الكذب. ١٣ - ﴿فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ:﴾ أي: في دين الله وحكمه، ولولا ذلك لما كان كونهم (٢) كاذبين في علم الله موقوفا على عدم إتيانهم بأربعة شهداء. وفي الآية دليل على أنّهم كانوا مطالبين بأربعة شهداء (٣)، ولولا (٤) الإعجاز الإلهيّ لكان يمكنهم أن يأتوا بعد المطالبة بشهداء الزور مع كثرة المنافقين، وفرط عصبيّتهم. وعن عروة، عن عائشة قالت: لّما نزل عذري قام رسول الله على المنبر، وتلا القرآن، فلمّا نزل، أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدّهم. (٥) ١٤ - يحتمل أنّ قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ على سبيل التكرار. وأنّ قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ جواب لما تقدّم. ١٩ - ﴿تَشِيعَ الْفاحِشَةُ:﴾ تستفيض، وأراد هاهنا الزنا والقذف، وإنّما كانوا يحبّون ذلك من حيث إرادتهم الترخّص والتساهل في هذا الباب، فلمّا كانوا متلوّثين أحبّوا أن يلوّثوا بالتهمة غيرهم، كقوم قال الله فيهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء:٨٩].

стр. 1176

٢١ - وقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ﴾ معطوفة على نظيرها قبل الجواب، ويجوز أن يكون الجواب مضمرا، ويجوز أن يكون جوابه: ﴿ما زَكى.﴾ ٢٣ - عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ﴾ نزلت في عائشة خاصّة، (١) واللعنة في المنافقين عامّة. ٢٥ - ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ:﴾ أي: جزاؤهم الحقّ. ﴿وَيَعْلَمُونَ:﴾ على الضرورة والمشاهدة. ٢٦ - ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ:﴾ يجوز أن يكون لفظها خبرا، ومعناها أمرا وحكما، كما في قوله: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً﴾ [النور:٣]، ويجوز أن يكون المراد بالخبث الكفر، وبالطّيب الإيمان، وبالطيبات الكلمات الطيّبة. ٢٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً:﴾ روي: أنّ امرأة جاءت إلى رسول الله، فقالت: يا رسول الله (٢)، إنّي أكون في بيتي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد، والد ولا ولد، فيأتيني الأب فيدخل عليّ، فكيف أصنع؟ فقال: ارجعي، فنزل، فأرسل إليها، فقرأها عليها. (٣) ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا:﴾ تستعلموا إذن صاحب البيت. وجوابه: ﴿لَكُمْ.﴾ وكان عبد الله إذا دخل داره استأنس وتكلّم. (٤) وعن ابن عباس: تستأذنوا. (٥) وفيه تقديم وتأخير، أي: حتى تسلّموا و (٦) تستأنسوا، السّلام عليكم أأدخل؟ (٢٣٥ ظ) وقال عبد الله بن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على أمّهاتكم. (٧) وقال جابر: استأذن على أمّك، وإن كانت عجوزا. (٨) وعن أبي سعيد الخدريّ قال: استأذن أبو موسى على عمر، فلم يؤذن له، فانصرف، فقال عمر: مالك لم تأتني؟ قال: قد جئت، فاستأذنت ثلاثا (٩)، فلم يؤذن لي (١٠)، فرجعت، وقد قال رسول الله: «من

стр. 1177

استأذن ثلاثا، فلم يؤذن له، فليرجع»، فقال له: أقم بيّنة وإلا أوجعتك، فقال أبو سعيد: فأتانا أبو موسى وهو مذعور فزع، قال: جئت أستشهدكم، فقال أبيّ بن كعب: اجلس، لا يقوم معك إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: فكنت أصغر القوم، فشهدت له عند عمر: أنّ رسول الله ﵇ قال: «من استأذن ثلاثا فلم يؤذن له، فليرجع (١)». (٢) ٢٨ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً:﴾ أي: فإن تؤنسوا، ولم تحسّوا صوت أحد. ﴿هُوَ أَزْكى لَكُمْ:﴾ أي: الأخذ بهذا الحكم أزكى. ٢٩ - عن محمد بن الحنفية في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ:﴾ قال (٣): هي الخانات تكون على الطريق ينزلها الناس، وبيوت السوق. (٤) وقالت عائشة: هي بيوت التجّار لا إذن فيها. (٥) وقال جابر بن زيد: لم يعن بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من حاجة، إمّا منزل ينزله قوم في ليل أو نهار، أو دار ينظر إليها رجل، أو خربة يدخلها رجل لحاجة، فهذا المتاع الذي ذكر الله ، وكلّ منافع الدنيا متاع. (٦) ٣٠ - ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ:﴾ الغضّ في اللغة: النقص، وغض الطرف: خفضه وتقليل الالتفات، وغضّ الصوت: خفضه وتقليله. (٧) وعن عليّ: أنّ النبيّ ﵇ قال له: «يا عليّ، إنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تتبعنّ النظرة الأولى». (٨) ﴿ذلِكَ:﴾ أي: العفاف. ٣١ - ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها:﴾ قال ابن عمر: ما ظهر منها: الكفّان والوجه (٩). وقال ابن عباس: الوجه والكفّ والخاتم. (١٠) وقال ابن مسعود: هي القرط والدملج والخلخال والقلادة. (١١) يعني: مواضع هذه الزينة، ولهذا قلنا: لا بأس للرجل أن ينظر إلى ذوات المحارم إلى

стр. 1178

ما فوق سرّتهن، ودون ركبتهنّ إذا أمن الشهوة. والمراد ب ﴿نِسائِهِنَّ:﴾ المؤمنات دون الكتابيّات. ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ:﴾ من المتشابه المختلف في تأويله، وكذلك (التابعون). ويجوز أن يكون ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ صفة الفريقين، أو استثناء منهما. وقال الحسن (١) والسفيانان (٢): يكره أن ينظر العبد إلى شعر مولاته. وقال مجاهد: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ:﴾ الذين لا يهمّهم إلا بطونهم، ولا يخافون على عورات النساء، ولا يدرون ما هنّ من الصغر قبل الحلم. (٣) قال أبو مالك في قوله: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ:﴾ كنّ نساء الجاهلية يجعلن في أرجلهن خرزا، فإذا مررن بالمجالس حرّكنه. (٤) ﴿الْإِرْبَةِ:﴾ المأربة. (٢٣٦ و) ٣٢ - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى:﴾ وهو جمع أيّم، وهي التي لا زوج لها، سواء كانت بكرا أو ثيّبا مات عنها زوجها، أو لم تتزوج، ومنه قوله: «الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها» (٥)، فقال عمر: ما رأيت (٦) من قعد أيّما بعد هذه الآية. وقال عمر: ابتغوا الغنى في النكاح. (٧) وكان بعض الكبار يكثر النكاح والطلاق، فسئل عنه قال: ألتمس الغنى في هاتين الخصلتين، لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ،﴾ ولقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٨) [النساء:١٣٠]. ٣٣ - وفي قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً﴾ دليل على أنّ الإنسان لا يفتقر ولا يضطرّ إلى الفاحشة، كافتقاره إلى أكل الميتة. ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ:﴾ إمّا يرزقه زوجة أو جارية، وإمّا يرفع الشهوة. قال (٩) الكلبيّ: قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ نزل في غلام

стр. 1179

لحويطب بن عبد العزّى، (١) وقوله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ نزل في مسيكة وعائذ ومعوّذة، ثلاث جوار لعبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، لعنه الله. (٢) ﴿فَكاتِبُوهُمْ:﴾ أمر ندب وإرشاد. ﴿فِيهِمْ خَيْراً:﴾ قال إبراهيم النخعيّ: صدقا. (٣) وقال الحسن: دينا وأمانة. (٤) عبيدة السلماني (٥): إقامة الصلاة. (٦) سعيد بن جبير: إرادة الخير. (٧) مجاهد وعطاء: المال. (٨) وهذا القول محمول على استفادته المال بعد عقد الكتابة. والمراد بالعلم (٩) غلبة الظنّ قبل عقد (١٠) الكتابة جائز معجّلا ومؤجّلا؛ لأنّه عقد على موجود مشار إليه كالبيع والخلع بخلاف السلم. والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء، قال ﵇: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابه درهم». (١١) روى معبد (١٢) الجهنيّ عن عمر بن الخطّاب. (١٣) مجاهد، عن زيد بن ثابت (١٤): كذلك. (١٥) ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ:﴾ يعني: من الصدقات، كما قال: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ [التوبة:٦٠]، أو يدفع مولاه بضاعة يستعين بها على أداء الكتابة، والحطّ عندنا على سبيل الندب

стр. 1180

والاستحباب دون الوجوب. وعن عائشة: وقعت جويريّة بنت الحارث بن المصطلق (١) في سهم ثابت بن قيس بن شماس (٢)، أو ابن عمّ له، فكاتبت على نفسها، وكانت ملاحة (٣) تأخذها العين، فجاءت تسأل رسول الله في كتابتها، فلمّا قامت على الباب فرأيتها كرهت مكانها، وعرفت أنّ رسول الله سيرى ذلك منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله، أنا جويريّة بنت الحارث، وكان من أمري ما لا يخفى، وإنّي وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وإنّي كاتبت على نفسي، فجئت أسألك في كتابتي، فقال رسول الله: هل لك إلى ما هو خير منه؟ قالت: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: أأدّي عنك كتابتك وأتزوّجك، قالت: قد فعلت، (٢٣٦ ظ) قالت: فتسامع الناس أنّ رسول الله قد تزوّج جويريّة، فأرسلوا ما في أيديهم من السبي، فأعتقوهم، فقالوا: أصهار رسول الله، فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق في سببها مئة أهل بيت من بني المصطلق. (٤) وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً:﴾ لاعتبار حال من نزلت فيه لا لتعليق الحكم بالشرط. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ:﴾ اتصالها من حيث اعتبار بيان الأحكام والزجر عن الآثام. ﴿مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ الذين قصصهم في القرآن. ٣٥ - ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ وصفه بها من المتشابهات التي لا ينبغي تأويلها بعد الاعتقاد بأنّه متعال عن مجانسة الشمس والقمر وما في معناهما لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، والنور في اللّغة: ما يبيّن المحسوس أو المعقول، وليس من شرط الضياء والشعاع، قال ﵇ مخبرا عن الله: «الشيب نوري». (٥) وقال: «اللهمّ اجعل النور في بصري». (٦) وقال: «من أراد أن ينظر إلى رجل نوّر الله قلبه، فلينظر إلى حارثة». (٧)

стр. 1181

فالله نور لا كسائر الأنوار مبيّن كلّ محسوس ومعقول، ونوره غيره، ألا ترى أنّه قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ،﴾ ولم يقل: مثل نوره. وقال الكلبيّ وغيره: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ﴾ هادي أهل السماوات، لأنّه قال: ﴿يَهْدِي اللهُ (١)﴾ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ. (٢) وقال ابن عرفة: نور، أي: منوّر السماوات، ألا ترى ذكر المصباح والكواكب، وقوله: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ [النور:٤٣]. (٣) وقال: الأزهريّ: ﴿نُورُ السَّماواتِ:﴾ مدبّر أمرها لحكمة بالغة، وحجة نيّرة، ألا ترى ﴿أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً﴾ الآية [النور:٤٣]. وقال: ﴿وَاللهُ خَلَقَ (٤)﴾ كُلَّ دَابَّةٍ [النور:٤٥]. وقيل: الله جاعل نور السماوات والأرض، حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ألا ترى قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. ثمّ اختلاف الفريقين (٥) في النور المضاف (٦). قيل: إنّه محمد ﵇. (٧) وقيل: هو القرآن. (٨) وقيل: هو المعرفة. (٩) ﴿كَمِشْكاةٍ:﴾ ككوّة لا منفذ لها. وقيل: موضع الفتيلة. (١٠) ﴿مِصْباحٌ:﴾ سراج. ﴿فِي زُجاجَةٍ:﴾ وهي خلاصة شفّافة من الرمل والحجّر. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ:﴾ زيت. ﴿زَيْتُونَةٍ:﴾ شجرة بالشام ثمرتها كالتوت إلا أنّها (١١) تنعصر دهنا، والزيت هذا الدهن. ﴿لا شَرْقِيَّةٍ:﴾ فتزول عنها الشمس بعد الزوال. ﴿وَلا غَرْبِيَّةٍ:﴾ فلا تصل إليها الشمس قبل الزوال، ولكنّها شجرة في ربوة من الأرض

стр. 1182

لا تفارقها الشمس من أوّل النهار إلى آخره، وزيتونة هذه الشجرة ألطف وأنضج. وقيل: هي التي لا تصيبها الشمس قبل الزوال ولا بعد الزوال، فيغلظ زيتها، وتتغيّر رائحتها، ولكنّها في الظلّ، وزيتها دقيق لطيف، ورائحتها طيّبة. (١) ويحتمل: أنّها التي لا تكون في ديار الشرق ولا في ديار الغرب، ولكنّها في وسط الأرض في الشام، فإنّ الشام منبت الزيتون (٢٣٧ و) وموضعه. ﴿كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ:﴾ تشبيه التشبيه، وتمثيل التمثيل، كقولك: مثل زيد مثل زينب العذراء التي كأنّها الشمس في بيوت مطروفة. ﴿الزُّجاجَةُ:﴾ والمشكاة، أو ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ أو ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ،﴾ أو ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ [النور:٣٦] ﴿أَذِنَ اللهُ:﴾ أمر الله ووفقه. وعن ابن بريدة قال: هي أربعة (٢) مساجد لم يبنهنّ إلا نبيّ: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ﵉، فجعلاها (٣) قبلة، وبيت أريحا بيت المقدس بناها داود وسليمان ﵉، ومسجد المدينة بناه محمد ﵇، ومسجد قباء أسّس على التقوى بناه رسول الله ﵇. ٣٧ - ﴿لا تُلْهِيهِمْ:﴾ لا تشغلهم. وقيل: هم (٤) قوم في بيوعهم وتجاراتهم يقومون للصلاة عند مواقيت الصلاة. ﴿يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ:﴾ في الجوف، فلا تقدر تخرج حتى تقع في الحنجرة لقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ﴾ [غافر:١٨]. وقيل: نقلها (٥) عن طبائعها ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ الآية [المائدة:١٠٩]. (٦) و (تقلّب الأبصار): شخوص أبصارهم، أو نظرهم في طرف خفيّ. ٣٩ - ﴿كَسَرابٍ:﴾ شعاع منعكس من وجه الأرض يتلألأ (٧) كالماء. ﴿الظَّمْآنُ:﴾ كالعطشان من العطش، وإنّما تكون أعمالهم كذلك لاعتمادهم عليها دون فضل الله ورحمته.

стр. 1183

﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ:﴾ في المثل دون الممثّل به. ٤٠ - ﴿لُجِّيٍّ:﴾ منسوب إلى اللّجّة، وهي قاموس (١) البحر. ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ:﴾ مسند إلى ﴿الظَّمْآنُ﴾ [النور:٣٩]، كأنّه ابتلي بالسّراب مرّة، وبالظلام أخرى. وقيل: مسند إلى مضمر. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور إذا أخرج يده لم يكد يراها. عن عبد الله بن المسور (٢) قال: تلا رسول الله ﵇: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، قالوا: يا رسول الله، ما هذا الشرح؟ قال: «يقذف به في القلب»، قالوا: يا رسول الله (٣)، هل لذلك من (٤) أمارة يعرف بها؟ قال: «نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت». (٥) ٤١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ:﴾ اتصالها من حيث اعتبار ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ. . .﴾. ﴿وَالطَّيْرُ:﴾ معطوف على ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ رفع بالتسبيح. ﴿صَافّاتٍ:﴾ نصب على الحال، وصفّ الطائر: إذا بسط (٢٣٧ ظ) جناحه وحلّق، ولم يقبضها، وتخصيص هذه الحالة لقرار الطائر عليها في مكان واحد من الجوّ، أو لحسنه عليها في رأي العين. وقيل: المراد بها الاصطفاف والانتظام في خطّ كالكركيّ ونحوها. والهاء في ﴿صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ عائد إلى الله تعالى. وقيل: إلى ﴿كُلٌّ.﴾ (٦) ٤٣ - ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ:﴾ أي: بين أجزائه، فيجعله ركاما. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ:﴾ المطر. ﴿مِنْ بَرَدٍ:﴾ هو القطر الجامد. قيل: ينزّل من السماء بردا من جبال في السماء الدنيا. (٧) من جبال من برد قد فنينا، وجبل باق إلى يوم القيامة

стр. 1184

وقال ابن عمر: جبال السماء أكثر من جبال الأرض، ثم تلا الآية. بعد هذه الأقاويل يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أراد بالجبال السحاب، فإنّها تشبه الجبال، والثاني: أراد الرياح الشديدة التي اعتمد بعض أجزائها على بعض، وتلوّنت بالغبار (١)، والثالث: أراد نفس البرد، أي: وينزّل من السحاب جبالا من برد، والرابع: أراد الشواهق التي كانت رؤوسها في السماء لشدة ارتفاعها، وطول سمكها، وهذه الشواهق قلّ ما تخلو من الثلج والسحاب. ٤٥ - والذي يعوم في الماء داخل في جملة من يمشي على بطنه، والطير داخلة في جملة من يمشي على رجلين، والذي يزحف على أرجل كثيرة داخل في جملة من يمشي على أربع، وإنّما قيل: من ومنهم لتغليب العقلاء. ٤٦ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ:﴾ وجه تكراره حسن ردّ الكلام على صدره، فإنّ الفضل كان فضلا واحدا (٢) في بيان المحسوسات والمعقولات والموهومات على مقدار الحاجة في تعمية بعضها على بعض على سبيل الابتلاء. ٤٧ - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا:﴾ فصل مبتدأ، واتصالها من حيث اعتبار الأئمة أهل الإفك، فإنّهم كانوا جماعة من المنافقين والفاسقين، فكذلك (٢٣٨ و) هذا الفصل في جماعة المنافقين. وعن ابن عباس قال: لّما قدم رسول الله المدينة، سأل الأنصار بور أرضهم التي لا تزرع للمهاجرين، قال: فدفعوها إليه، وقالوا: هي لك يا رسول الله، فاصنع بها ما شئت، قال: فجعل يقسّمها بين المهاجرين، فجعل يعطي الرجل الأرض، ويعطي الرجلين يعتملانها ويزرعانها، ويقومان عليها، فأعطى (٣) عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب أرضا بينهما، فاقتسماها بينهما، فوقع نصيب عثمان في عمارتها وجيّد أرضها، ووقع لعليّ في مكان منها لا يصيبه الماء إلا بمشقّة ونفقة وعلاج، لا يكاد ينالها الماء، فقال عثمان لعليّ: بعني أرضك، فباعها إيّاه، فقبض الثمن، وسلّم الأرض، قال: فندّم عثمان قومه، وقالوا: أيّ (٤) شيء صنعت؟ عمدت إلى أرض سبخة لا ينالها الماء فاشتريتها، ردّها (٥) عليه، فلم يزالوا به حتى أتاه فقال: اقبض منّي أرضك، فإنّي قد اشتريتها، فلم أرضها على أرض لا ينالها الماء، فقال عليّ: بل اشتريتها، ورضيتها، وقبضتها منّي (٦)، وأنت تعرفها،

стр. 1185

وتعلم ما هي، فلا أقبلها منك، فدعاه عليّ أن يخاصمه إلى رسول الله، فقال قوم عثمان: لا تخاصمه إلى رسول الله (١)، فإنّك إن خاصمته إليه قضى له عليك، فهو ابن عمّه، وأكرم عليه منك، ثمّ اختصما إلى رسول الله، وقصّا عليه القصة، فقضى لعليّ على عثمان ﵄، وألزمه الأرض، ونزل في قوم عثمان: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ. . .﴾ الآية. (٢) ٤٨ - ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ:﴾ الرسول (٣). ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ بالقرآن. قال الفراء: الحكم للرسول، وذكر الله للتعظيم. (٤) ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ:﴾ عن رسول الله والقرآن. ٤٩ - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ:﴾ القضاء. ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ﴾ (٢٣٨ ظ) ﴿مُذْعِنِينَ:﴾ طائعين، والإذعان: الإسراع مع الطاعة. وقال الفراء: «مطيعين غير مستكرهين». (٥) ٥٠ - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ:﴾ نفاق. ﴿أَمِ اِرْتابُوا:﴾ شكّوا في الله ورسوله والقرآن وإيمانهم. ﴿أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ:﴾ يجور (٦) الله عليهم ورسوله في الحكم. ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾ وإنما حسن الجمع بألف الاستفهام، وأم المترتبة عليها بين شيئين متغايرين، كقولك: إنّها لإبل أم (٧) شاء، لتصوّر المغايرة بين المعاني هاهنا، فإنّ مرض القلب يتصوّر بالحيرة المتولّدة من السّفه، ومجرّد الجهل دون الشبهات، وباليأس عن روح (٨) الله، والمقت له من غير ارتياب وخوف حيف، ويتصوّر الارتياب في أمر القرآن والنبوّة من غير حيرة

стр. 1186

في ظاهر التوحيد، ويأس عمّن هو الخالق الرازق، ومقت له، ويتصور خوف الحيف بالتسخّط على قضاء الله وقدره من غير حيرة ويأس ومقت وارتياب في الظاهر. وقيل: مرض القلب: أن يضمر الرجل خلاف ما يظهره، ويعتقد نقيض ما (١) يعلنه. والارتياب: أن يرتاب في حقّ أو باطل من غير اعتقاد. وخوف الحيف: أن يعتقد جواز كون الظلم من صفاته. وقيل: تقدير الآية: أفي قلوبهم مرض سابق باق أم ارتابوا آنفا أم يخافون ظلم الله من غير هذين. ويحتمل: أنّ الآية الأولى في شأن المنافقين من قوم عثمان (٢)، وهذه الآية في شأن الفاسقين منهم. ٥١ - ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي (٣): إلى كتاب الله ورسوله. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ:﴾ ليقضي بينهم (٤). وقيل: هذه الآية متأخرة عن قول عثمان، وأنّها (٥) مدح له، وثناء عليه. ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا:﴾ أجبنا. ﴿وَأَطَعْنا:﴾ ما أمرنا به، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.﴾ ٥٢ و٥٣ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ. . .﴾ الآية، فلمّا نزلت (٦) فيهم أقبل عثمان بن عفان إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، لئن شئت، والله، لأخرجنّ من أرضي كلّها، ولأدفعنّها إليه، فأنزل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ ﴿لَيَخْرُجُنَّ. . .:﴾ من أرضهم (٧). ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا:﴾ لا تحلفوا فإنّ الله لو بلغ منكم الجهد لم تبلغوه. ثم (٨) قال: ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: أطيعوه وقولوا له المعروف، أي: الائتمار بأمر رسول الله. ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ:﴾ غير منكرة، أو عليكم طاعة معروفة، لا إصر ولا تقل فيها، أو طاعتكم معروفة مقبولة، (٢٣٩ و) هذا في المؤمنين المصلحين خاصّة.

стр. 1187

٥٤ - ونزل ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ تتولّوا. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا:﴾ أي: وإن تطيعوا الله ورسوله تهتدوا من الضلالة. ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ﴾ (١): محمد. ﴿إِلاَّ الْبَلاغُ:﴾ بالرسالة. ﴿الْمُبِينُ:﴾ يبيّن لكم. وذكر الضحاك: أنّ هذه الخصومة كانت بين عليّ وبين المغيرة بن وائل. (٢) ٥٥ - ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ قال الكلبيّ: إنّ عثمان في جملة الموعود لهم الاستخلاف. ﴿وَمَنْ كَفَرَ:﴾ أي: كفر النعمة التي ضدّه الشكر، ولا شكّ أنّ عثمان من جملة الخلفاء الراشدين. وقيل: أراد بالكفر الشرك الذي هو ضدّ الإيمان، وكذلك المراد بالفسق (٣)، كما في قصة إبليس. وأوّل من نقض عهد الخلافة وغيّرها وبدّلها قوم عثمان حين استحوذوا عليه، واستضعفوه، وتسلّطوا على عباد الله، وصدقت فراسة عمر بن الخطاب، فزوّدوا مروان بن الحكم كتابا، وختمه بخاتمه، وبعث به غلامه على ناقته إلى أن تمّ سعيه في دمه، وما الله بغافل عمّا يعمل الظالمون. وعن عليّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعثمان: «لو أنّ لي أربعين بنتا لزوّجتك (٤) واحدة بعد واحدة». (٥) وسأل قوم الحسن بن عليّ (٦) عن عثمان بن عفان؟ فقال: اجلسوا حتى يخرج أمير المؤمنين، فخرج عليّ ﵁، فسألوه، فقال: كان عثمان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثمّ اتّقوا وآمنوا، ثم اتّقوا وأحسنوا. (٧) وعن عبد خير (٨) قال: وضّأت

стр. 1188

عليّ بن أبي طالب برحبة الكوفة، فقال: يا عبد خير، سلني، فقلت: عمّا أسألك يا أمير المؤمنين، فضحك، ثمّ قال: وضّأت رسول الله ﷺ كما وضّأتني، فقلت: يا رسول الله، من أوّل من يدعى إلى الحساب؟ فقال: «أقف بين يدي ربّي يوم القيامة ما شاء الله، ثمّ أخرج وقد غفر لي»، قلت: ثمّ (١) من يا رسول الله؟ قال: «ثمّ أبو بكر يقف مثل ما وقفت مرّتين، أو كما وقفت، ثمّ يخرج وقد غفر له» (٢)، قلت (٣): ثمّ من يا رسول الله؟ قال: «ثمّ عمر بن الخطاب يقف كما يقف أبو بكر مرّتين (٤)، ثمّ يخرج وقد غفر الله ثمّ قلت: ثمّ من يا رسول الله؟ قال: «ثمّ أنت يا عليّ»، قلت: يا رسول الله (٥)، فأين عثمان بن عفان؟ قال: عثمان رجل ذو حياء، سألت ربّي أن لا يوقفه للحساب، فشفّعني. (٦) ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ (٢٣٩ ظ) ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً:﴾ قال مجاهد: عن ابن عباس: يعبدونني ولا يخافون غيري. (٧) ٥٧ - ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ نزلت في المذكورين بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ. . .﴾ [النور:٥٥]، ولا يبعد كون يزيد بن معاوية وأشياعه والقداحين وأتباعهم مرادين به. ٥٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ قال ابن عباس: بعث رسول الله ﷺ غلاما من الأنصار يقال له: مدلج، [إلى عمر] (٨) ظهيرة ليدعوه، فانطلق الغلام إليه، فوجده نائما قد أغلق على نفسه الباب، فسأل الغلام عنه، فأخبر أنّه في البيت، قال: فدفع الغلام الباب على عمر، وسلّم، فلم يستيقظ، فرجع الغلام، وردّ الباب، فقام من خلفه وحرّكه، فاستيقظ عمر، فجلس وانكشف منه شيء، فرآه الغلام، وعرف عمر أنّ الغلام قد رأى ذلك منه، فقال: وددت، والله، أنّ الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا (٩) هذه الساعة علينا إلا بإذن، ثمّ انطلق معه إلى رسول الله، فوجده وقد نزل عليه الآية، فحمد الله عمر، فقال رسول الله: وما ذاك يا عمر؟ فقال: يا رسول الله، الغلام عندك فسله، فسأله، فأخبره كيف أتاه، قال: فعجب رسول الله من صنع الغلام، فقال: «ممّن أنت يا غلام؟» فقال: يا

стр. 1189

رسول الله، اسمي مدلج، وأنا غلام من الأنصار، فقال رسول الله: «أنت مدلج تلج الجنّة في طاعة الله وطاعة رسوله، وأنت ممّن يلج الجنّة، لئن كنت استحييت من عمر إنك لمن قوم شديد حياؤهم، رفقاء في أمرهم، يسبق صغيرهم كبيرهم»، (١) ثمّ قال رسول الله: «إنّ الله يحبّ الحليم المتعفّف، ويبغض البذيّ الجريء السائل الملحف». وسأل رجلان ابن عباس عن الاستئذان في الثلاث العورات؟ قال: إنّ الله ستّير يحبّ الستر، وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم، وربّما فاجأ الرجل ولده وخادمه، أو يتيم في حجره، وهو مع أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في الثلاث (٢) الساعات التي سمّى الله ، ثمّ جاء الله باليسر، وبسط عليهم الرزق، فاتّخذوا الستور والحجاب، فرأى الناس أنّ ذلك قد كفاهم عن الاستئذان الذي أمروا. (٣) وسئل الشعبيّ عن قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ قال: لم (٤) تنسخ؛ لأنّ ابن عباس ذكر ما يجزئ من الاستئذان، ولم يخبر عن نسخ الآية. (٥) ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ:﴾ الساعات المعورة التي يفترضها ويتحيّنها المفسدون، فإنّهنّ من الأيام والليالي كالحلل في الدور، يقال: داره عورة معورة. وأراد بالمماليك الصغار؛ لأنّ (٦) العادة أنّ الناس يستخدمون الغلمان دون الفحول. (الظهيرة): الهاجرة. ٥٩ - ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ:﴾ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (٧) ﵇: «رسول الرجل إلى الرجل إذنه». (٨) ٦٠ - ﴿وَالْقَواعِدُ:﴾ اللّوازم. ﴿اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً:﴾ لكبرهنّ، واحدتهنّ قاعد، كحائض وطامث. ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ:﴾ خمارهنّ. (٢٤٠ و)

стр. 1190

﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ:﴾ متبرّزات، والمعنى: في نهيهنّ كون الزينة مشهية (١) للناظرين فيما لا يشتهى. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ:﴾ عن وضع (٢) الثياب. ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ:﴾ للاحتياط. ٦١ - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ:﴾ وعن سعيد بن المسيّب، وعبيد (٣) الله بن عبد الله بن عتبة بن [مسعود] (٤): أنّ المسلمين كانوا يرغبون في النّفر مع رسول الله ﷺ ، فيعطون متاعهم رجالا يتخلّفون من أهل العلّة، ومن كان لا يستطيع الخروج مع رسول الله ﵇، ويستخلفونهم عليها مالا، فقدموا من بعض أسفارهم، فشكوا إليهم الحاجة، وما أصابهم بعدهم، قالوا: فهلاّ أصبتم ممّا في بيوتنا إذا أصابكم مثل ذلك، قال: فأصابوا منها، فضاقت من ذلك (٥)، وقالوا: نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة وإن قالوا بألسنتهم ما قالوا، فنزلت. (٦) وعن مقسم (٧): كانوا يكرهون الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض؛ لأنّهم لا ينالون كما ينال الصحيح، فإنّ الأعمى لا يبصر جيد الطعام والمختار، والأعرج ربّما لا يتمكّن من الجلوس متهيّئا للاستيفاء، والمريض لا يقدر على سرعة الأكل، ولا على أكل ممتدّ لما يعرض له من الألم والعلّة، فنزلت. (٨) فعلى هذين الآية عامّة. وعن مجاهد: كان رجال زمنى (٩) عمي عرج، أولو حاجة، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا لهم طعاما ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وسائر المعدودين في الآية، فكره ذلك المستتبعون، فأنزل هذه الآية مختصة بالمتبسّطين في بيوت أهل المعروف والسماحة. (١٠) وقال الفراء: ﴿عَلَى﴾ هاهنا مكان

стр. 1191

في، أي ليس في الأعمى حرج، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج، يعني: في مؤاكلتهم. (١) و (العرج في الرجل): يمنع عن المشي المستوي. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ:﴾ حبيبكم ومؤاخيكم. ﴿أَوْ أَشْتاتاً:﴾ جمع شتّ، وهو المتفرّق. ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾ كان ابن عمر (٢) إذا دخل بيتا ليس فيها (٣) أحد أو (٤) بيته (٥)، وليس فيها أحد يقول: السّلام علينا، وعلى عباد الصالحين. (٦) وعن إبراهيم النخعيّ: مثله. (٧) وذكر سفيان، عن أبي سنان (٨)، عن باذان (٩)، قال: يقولون: السّلام علينا من ربّنا. (١٠) وقال مجاهد: إذا دخلت بيتا ليس فيها أحد فقل: بسم الله، والحمد لله، والسّلام علينا من ربّنا، وعلى عباد الله الصالحين. (١١) وقال الفرّاء: من دخل مسجدا ليس فيه أحد فليقل: السّلام على رسول الله، السّلام علينا من ربّنا، السّلام على عباد الله الصالحين. (١٢) ٦٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ عن ابن عباس قال: كان رسول الله إذا خطب يوم الجمعة عرّض بالمنافقين يعنيهم في خطبته، ويجولهم رجبا (١٣)، فإذا سمعوا ذلك منه عرفوا لمكانهم، ثمّ نظروا يمينا وشمالا، فإذا أبصرهم إنسان، لم يقوموا، ولبثوا حتى يصلّوا الجمعة معه، فإن لم يبصرهم أحد (٢٤٠ ظ) تسلّلوا فخرجوا من المسجد، ولم يصلّوا الجمعة معه (١٤)، فأنزل. (١٥)

стр. 1192

وكان دحية بن خليفة الكلبيّ يقدم المدينة إذا قدم كلّ ما يحتاج إليه الناس من بزّ ودقيق وغير ذلك، لا يبقى أحد إلا أتاه من بين ناظر وبين مبتاع، فكان المسلمون لا يخرجون بعد نزول هذه الآية حتى يستأذنوا رسول [الله] (١)، وأما المنافقون (٢) فكانوا يخرجون بغير إذن. (٣) ٦٣ - ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً:﴾ اتّصالها من حيث اعتبار توقير رسول الله. قيل: هو النداء من وراء الحجرات. (٤) وقيل: التصريح بمجرّد اسمه من غير ذكر الرسالة والنبوّة. (٥) وقيل: هو التسوية بينه وبين سائر الناس بالدعاء له. (٦) وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا ينبغي الصلاة (٧) على أحد إلا على النبيّ ﵇. (٨) ولذلك كرهنا إطلاق لفظة الصلاة على سبيل الابتداء في دعاء غير الأنبياء. ﴿يَتَسَلَّلُونَ:﴾ ينسلّون. ﴿لِواذاً:﴾ استتارا والتجاء، وذلك لأنّ بعض المنافقين كان يختفي وراء بعض. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ:﴾ دليل على وجوب الأمر، على جواز نسخ الكتاب بالسنّة، وإنّما قيل: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ لاعتبار المعنى، وهو الإعراض. ٦٤ - ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ:﴾ قد بينّا الكلام في العدول عن المغايبة إلى المخاطبة. ﴿وَيَوْمَ:﴾ معطوف على ﴿ما.﴾ وقيل: ظرف لمضمر. (٩) ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ:﴾ معطوف على ﴿يَعْلَمُ،﴾ أو على مضمر، والمضمر: يجمعهم، أو نحوه. وعن أبيّ بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ سورة النور كان له عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن ومؤمنة». (١٠) وعن أحمد بن حنبل قال: إذا روينا عن رسول الله في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا في الأسانيد، وإذا روينا في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد. (١١)

стр. 1193

سورة الفرقان مكية في أكثر الأقاويل. (١) وروى المعدّل عن ابن عباس: أنّ قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً (٢)﴾ آخَرَ [الفرقان:٦٨] إلى انتهاء ثلاث آيات نزلن بالمدينة. (٣) وهي سبع وسبعون آية بلا اختلاف. (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿تَبارَكَ:﴾ تفاعل من البركة، وهو للواحد كالتمالك والتماسك بخلاف التضاحك والتشارك. والتبارك: صفة ذووية؛ لأنّ العبارة عنه ثابتة لا تنافيها عبارة في وصف الله تعالى بوجه، فهو متبارك حميد مجيد، لم يزل ولا يزال، سبحانه من متبارك (٥) متفاعل. ٣ - ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:﴾ الآية عامّة (٦) في المشركين من عبدة الأرواح والأشخاص، يدلّ عليه قوله في المائدة: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ [المائدة:٧٦]. وفي الآيتين ردّ على القدرية. ٤ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة. (٧) ٥ - ﴿اِكْتَتَبَها:﴾ من الكتابة، كالتقوّل من القول. وقيل: (٢٤١ و) استكتبها. (٨) ٦ - ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ:﴾ تخصيصه به هو التنبيه على الاستدلال بما في القرآن من الأحكام، تكون الكوائن في المستقبل، مثل اللّزام، (٩) وغلبة الروم، (١٠) والدخان، (١١) وكفاية

стр. 1194

المستهزئين، (١) وبما كان يخبر رسول الله من الغيب، مثل أخبار ليلة الإسراء، (٢) وأكل الأرضة صحيفة (٣) قريش لّما تكاتبت (٤) على بني هاشم حين أبوا أن يدفعوا رسول الله إليهم، وذلك أنّهم كانوا يتّهمون رسول الله أنّه يتعلّم من جبر ويسار وعائش، (٥) فبرّأه الله تعالى مرّة بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ ومرّة بقوله: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، فلمّا نبّههم على هذا رموه بالشعر والسحر والكهانة. وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً:﴾ ترغيب وتعريض بقبول التوبة إن تابوا. ٧ - ﴿وَقالُوا (٦)﴾ مالِ هذَا الرَّسُولِ: عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنّ نفرا من قريش، وهم ستة عشر رجلا، وهم المقتسمون: ثلاثة نفر من بني عبد شمس: حنظلة (٧) بن أبي سفيان، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وسبعة (٨) من بني مخزوم: أبو جهل، والعاص بن وائل، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه (٩)، وزهير بن أبي أمية، وهلال بن الأسد، والسائب بن صيفي (١٠)، ورجلان من بني أسد: أبو البختريّ، وعبد الله بن أبي أمية، ورجل من بني عبد الدار وهو النضر بن الحارث، ورجل من بني سهم وهو نبيه بن الحجاج، ورجلان من بني (١١) جمح: أميّة بن خلف، وأوس بن المغيرة، اجتمعوا لرسول الله ﷺ عند الكعبة قد توافقوا على الكفر، وبعثوا إلى رسول الله ﷺ ليكلّموه، فجاءهم مسرعا، وهو يظنّ أنّه قد بدا (١٢) لهم فيه بداء، وكان حريصا عليهم يحبّ (١٣) رشدهم وهداهم، فلمّا جلس إليهم قالوا: يا محمد، قد بعثنا إليك

стр. 1195

لحاجة، فاستمع منّا، وأجبنا بالذي نسألك عنه، فقال لهم رسول الله: إن شاء الله، قال: فبدأ (١) أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد، أنت ابن عمّنا ومن عشيرتنا، وأنت فينا فقير عائل ضعيف، ولا نحبّ أن نقول لك إلا ما يعرف قومك، وقد أتيتنا بأمر لم يواطئك عليه (٢) أحد من عشيرتك [فيه خير] (٣)، ولا أحد (٤) ممّن سواهم معه غفلة، ونراك قلت قولا ما قاله أبوك، ولا أحد ممّن سواهم معه عقله، وقد تعلم أنّ الشياطين يحضرون سفهاء الناس، فلا تكن ممّن يضع قومه، وتسمّع بهم الناس، فيكون لنا ذلك (٥) وضيعة ما بقينا، وقد علمنا أنّ الله جليل عظيم لا ينبغي لرسوله أن يمشي بيننا فقيرا (٢٤١ ظ) عائلا، وهو ذا أنت تمشي في الطريق معنا، وتأكل الطعام كما نأكل، ولو شاء الله لجعل ملائكة من عنده، يقضون من أمره، إنّه على ذلك قدير. قال: ثمّ تكلّم عتبة بن ربيعة فقال: يا ابن عبد المطلب، انظر الذي تكلمت فيه، فراجعنا فيه (٦)، فإنّا لك ناصحون، وإن أنت مضيت على الذي أنت لم تضرّ بذلك إلا نفسك، ونحرّض الناس على قتلك، ونعلم أن قد عصيتنا وعصيت أمرنا، ورفضت نصيحتنا، فراجعنا، فإنّا قد علمنا أنّ الله ربّ كلّ شيء، فما لك لا تراجعنا؟ وما لكلامنا يغلب كلامك؟ وأنت تزعم، يا ابن عبد المطلب، أنّه كلام الله، أفكلامنا يغلب كلام الله؟ هذا لتعلم، يا محمد، أنّك مغرور مسحور، ألست تعلم أنّ الله يعلم غيب كلّ شيء؟ قال: بلى، حقا ويقينا، وأنا على ذلك من الشاهدين، قال: فإن كنت كما تزعم أنّك رسوله، فما منعه أن يخبرك أنّ قريشا سيقولون كذا وكذا، فردّ عليهم كذا وكذا؟ هذا لتعلم، يا محمد، أنّك قد أتيت بأمر عظيم باطل لا نصبر عليه، يا ابن عبد المطلب، ألست تعلم أنّ الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء؟ قال: بلى، حقا ويقينا، وأنا على ذلك من الشاهدين، قال: أفلا يليّن قلوبنا لنصدقك (٧) بما تقول فنؤمن لك؟ هذا لتعلم أنّك لتأتي (٨) بأمر عظيم، أفلا ألقي إليك كنز من ذهب، فتستغني به عن الناس؟ قال: ثمّ تكلّم أمية بن خلف الجمحيّ فقال (٩): يا ابن عبد المطلب، لا عليك، ألست تعلم أنّ الأرض والخلق والجبال كلّها لله؟ فقال رسول الله: بلى، حقا ويقينا، وأنا على ذلك من الشاهدين، قال: فهلمّ
следующие страницы →