← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

في، أي ليس في الأعمى حرج، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج، يعني: في مؤاكلتهم. (١) و (العرج في الرجل): يمنع عن المشي المستوي. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ:﴾ حبيبكم ومؤاخيكم. ﴿أَوْ أَشْتاتاً:﴾ جمع شتّ، وهو المتفرّق. ﴿فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾ كان ابن عمر (٢) إذا دخل بيتا ليس فيها (٣) أحد أو (٤) بيته (٥)، وليس فيها أحد يقول: السّلام علينا، وعلى عباد الصالحين. (٦) وعن إبراهيم النخعيّ: مثله. (٧) وذكر سفيان، عن أبي سنان (٨)، عن باذان (٩)، قال: يقولون: السّلام علينا من ربّنا. (١٠) وقال مجاهد: إذا دخلت بيتا ليس فيها أحد فقل: بسم الله، والحمد لله، والسّلام علينا من ربّنا، وعلى عباد الله الصالحين. (١١) وقال الفرّاء: من دخل مسجدا ليس فيه أحد فليقل: السّلام على رسول الله، السّلام علينا من ربّنا، السّلام على عباد الله الصالحين. (١٢) ٦٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ عن ابن عباس قال: كان رسول الله إذا خطب يوم الجمعة عرّض بالمنافقين يعنيهم في خطبته، ويجولهم رجبا (١٣)، فإذا سمعوا ذلك منه عرفوا لمكانهم، ثمّ نظروا يمينا وشمالا، فإذا أبصرهم إنسان، لم يقوموا، ولبثوا حتى يصلّوا الجمعة معه، فإن لم يبصرهم أحد (٢٤٠ ظ) تسلّلوا فخرجوا من المسجد، ولم يصلّوا الجمعة معه (١٤)، فأنزل. (١٥)

стр. 1192

وكان دحية بن خليفة الكلبيّ يقدم المدينة إذا قدم كلّ ما يحتاج إليه الناس من بزّ ودقيق وغير ذلك، لا يبقى أحد إلا أتاه من بين ناظر وبين مبتاع، فكان المسلمون لا يخرجون بعد نزول هذه الآية حتى يستأذنوا رسول [الله] (١)، وأما المنافقون (٢) فكانوا يخرجون بغير إذن. (٣) ٦٣ - ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً:﴾ اتّصالها من حيث اعتبار توقير رسول الله. قيل: هو النداء من وراء الحجرات. (٤) وقيل: التصريح بمجرّد اسمه من غير ذكر الرسالة والنبوّة. (٥) وقيل: هو التسوية بينه وبين سائر الناس بالدعاء له. (٦) وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا ينبغي الصلاة (٧) على أحد إلا على النبيّ ﵇. (٨) ولذلك كرهنا إطلاق لفظة الصلاة على سبيل الابتداء في دعاء غير الأنبياء. ﴿يَتَسَلَّلُونَ:﴾ ينسلّون. ﴿لِواذاً:﴾ استتارا والتجاء، وذلك لأنّ بعض المنافقين كان يختفي وراء بعض. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ:﴾ دليل على وجوب الأمر، على جواز نسخ الكتاب بالسنّة، وإنّما قيل: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ لاعتبار المعنى، وهو الإعراض. ٦٤ - ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ:﴾ قد بينّا الكلام في العدول عن المغايبة إلى المخاطبة. ﴿وَيَوْمَ:﴾ معطوف على ﴿ما.﴾ وقيل: ظرف لمضمر. (٩) ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ:﴾ معطوف على ﴿يَعْلَمُ،﴾ أو على مضمر، والمضمر: يجمعهم، أو نحوه. وعن أبيّ بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ سورة النور كان له عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن ومؤمنة». (١٠) وعن أحمد بن حنبل قال: إذا روينا عن رسول الله في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا في الأسانيد، وإذا روينا في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد. (١١)

стр. 1193

سورة الفرقان مكية في أكثر الأقاويل. (١) وروى المعدّل عن ابن عباس: أنّ قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً (٢)﴾ آخَرَ [الفرقان:٦٨] إلى انتهاء ثلاث آيات نزلن بالمدينة. (٣) وهي سبع وسبعون آية بلا اختلاف. (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿تَبارَكَ:﴾ تفاعل من البركة، وهو للواحد كالتمالك والتماسك بخلاف التضاحك والتشارك. والتبارك: صفة ذووية؛ لأنّ العبارة عنه ثابتة لا تنافيها عبارة في وصف الله تعالى بوجه، فهو متبارك حميد مجيد، لم يزل ولا يزال، سبحانه من متبارك (٥) متفاعل. ٣ - ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً:﴾ الآية عامّة (٦) في المشركين من عبدة الأرواح والأشخاص، يدلّ عليه قوله في المائدة: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ [المائدة:٧٦]. وفي الآيتين ردّ على القدرية. ٤ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة. (٧) ٥ - ﴿اِكْتَتَبَها:﴾ من الكتابة، كالتقوّل من القول. وقيل: (٢٤١ و) استكتبها. (٨) ٦ - ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ:﴾ تخصيصه به هو التنبيه على الاستدلال بما في القرآن من الأحكام، تكون الكوائن في المستقبل، مثل اللّزام، (٩) وغلبة الروم، (١٠) والدخان، (١١) وكفاية

стр. 1194

المستهزئين، (١) وبما كان يخبر رسول الله من الغيب، مثل أخبار ليلة الإسراء، (٢) وأكل الأرضة صحيفة (٣) قريش لّما تكاتبت (٤) على بني هاشم حين أبوا أن يدفعوا رسول الله إليهم، وذلك أنّهم كانوا يتّهمون رسول الله أنّه يتعلّم من جبر ويسار وعائش، (٥) فبرّأه الله تعالى مرّة بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ ومرّة بقوله: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، فلمّا نبّههم على هذا رموه بالشعر والسحر والكهانة. وقوله: ﴿إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً:﴾ ترغيب وتعريض بقبول التوبة إن تابوا. ٧ - ﴿وَقالُوا (٦)﴾ مالِ هذَا الرَّسُولِ: عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنّ نفرا من قريش، وهم ستة عشر رجلا، وهم المقتسمون: ثلاثة نفر من بني عبد شمس: حنظلة (٧) بن أبي سفيان، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وسبعة (٨) من بني مخزوم: أبو جهل، والعاص بن وائل، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه (٩)، وزهير بن أبي أمية، وهلال بن الأسد، والسائب بن صيفي (١٠)، ورجلان من بني أسد: أبو البختريّ، وعبد الله بن أبي أمية، ورجل من بني عبد الدار وهو النضر بن الحارث، ورجل من بني سهم وهو نبيه بن الحجاج، ورجلان من بني (١١) جمح: أميّة بن خلف، وأوس بن المغيرة، اجتمعوا لرسول الله ﷺ عند الكعبة قد توافقوا على الكفر، وبعثوا إلى رسول الله ﷺ ليكلّموه، فجاءهم مسرعا، وهو يظنّ أنّه قد بدا (١٢) لهم فيه بداء، وكان حريصا عليهم يحبّ (١٣) رشدهم وهداهم، فلمّا جلس إليهم قالوا: يا محمد، قد بعثنا إليك

стр. 1195

لحاجة، فاستمع منّا، وأجبنا بالذي نسألك عنه، فقال لهم رسول الله: إن شاء الله، قال: فبدأ (١) أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد، أنت ابن عمّنا ومن عشيرتنا، وأنت فينا فقير عائل ضعيف، ولا نحبّ أن نقول لك إلا ما يعرف قومك، وقد أتيتنا بأمر لم يواطئك عليه (٢) أحد من عشيرتك [فيه خير] (٣)، ولا أحد (٤) ممّن سواهم معه غفلة، ونراك قلت قولا ما قاله أبوك، ولا أحد ممّن سواهم معه عقله، وقد تعلم أنّ الشياطين يحضرون سفهاء الناس، فلا تكن ممّن يضع قومه، وتسمّع بهم الناس، فيكون لنا ذلك (٥) وضيعة ما بقينا، وقد علمنا أنّ الله جليل عظيم لا ينبغي لرسوله أن يمشي بيننا فقيرا (٢٤١ ظ) عائلا، وهو ذا أنت تمشي في الطريق معنا، وتأكل الطعام كما نأكل، ولو شاء الله لجعل ملائكة من عنده، يقضون من أمره، إنّه على ذلك قدير. قال: ثمّ تكلّم عتبة بن ربيعة فقال: يا ابن عبد المطلب، انظر الذي تكلمت فيه، فراجعنا فيه (٦)، فإنّا لك ناصحون، وإن أنت مضيت على الذي أنت لم تضرّ بذلك إلا نفسك، ونحرّض الناس على قتلك، ونعلم أن قد عصيتنا وعصيت أمرنا، ورفضت نصيحتنا، فراجعنا، فإنّا قد علمنا أنّ الله ربّ كلّ شيء، فما لك لا تراجعنا؟ وما لكلامنا يغلب كلامك؟ وأنت تزعم، يا ابن عبد المطلب، أنّه كلام الله، أفكلامنا يغلب كلام الله؟ هذا لتعلم، يا محمد، أنّك مغرور مسحور، ألست تعلم أنّ الله يعلم غيب كلّ شيء؟ قال: بلى، حقا ويقينا، وأنا على ذلك من الشاهدين، قال: فإن كنت كما تزعم أنّك رسوله، فما منعه أن يخبرك أنّ قريشا سيقولون كذا وكذا، فردّ عليهم كذا وكذا؟ هذا لتعلم، يا محمد، أنّك قد أتيت بأمر عظيم باطل لا نصبر عليه، يا ابن عبد المطلب، ألست تعلم أنّ الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء؟ قال: بلى، حقا ويقينا، وأنا على ذلك من الشاهدين، قال: أفلا يليّن قلوبنا لنصدقك (٧) بما تقول فنؤمن لك؟ هذا لتعلم أنّك لتأتي (٨) بأمر عظيم، أفلا ألقي إليك كنز من ذهب، فتستغني به عن الناس؟ قال: ثمّ تكلّم أمية بن خلف الجمحيّ فقال (٩): يا ابن عبد المطلب، لا عليك، ألست تعلم أنّ الأرض والخلق والجبال كلّها لله؟ فقال رسول الله: بلى، حقا ويقينا، وأنا على ذلك من الشاهدين، قال: فهلمّ

стр. 1196

فاجعل في أرضنا زرعا وينبوعا، وإنّها أرض ضيّقة جدبة، شديد (١) عيشها، بعيد ماؤها، وإلا فاعطنا مالا نتبعك عليه، فإنّ المال يفتن الناس عن دينهم، فاعطنا مالا لعلّنا نفتتن عن ديننا، ونتّبع دينك، فإن لم تستطع ذلك فاسند لنا إلى السماء سلّما نكلّم الله ثمّ نراه، أو ائتنا بالملائكة، إن كنت من الصادقين، وإلا فإنّا تقدمنا إليك بالمعذرة، وإن نراك فقيرا ضعيفا، إن تعد لمقالتك نهلكك (٢)، أفعجز الله أن يجعل في الأرض نبيّا من خيرته، أو يبعث من الملائكة من يصطفي، أو يختار رجلا من القريتين عظيما، إمّا من مكة وإمّا من الطائف؟ لقد جئت قومك بأمر عظيم، أجبنا يا ابن عبد المطلب، فقال رسول الله: إنّي آمنت بربّي وربّكم، لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريؤون ممّا أعمل، وأنا بريء ممّا تعملون، ثمّ قال عبد الله بن أبي أميّة: با ابن عبد المطلب، أما تستطيع أن تأتي قومك بما يقولون لك؟ قال: لا، قال: فأتنا بالله والملائكة قبيلا حتى يشهدوا أنّك رسوله، فو الله لا أؤمن لك حتى تسند سلّما (٢٤٢ و) إلى السماء، ثمّ تصعد عليه وأنا أنظر، ثمّ تأتي بكتاب منشور من عند الله أقرؤه، وتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك أنّه من الله، وايم الله أن لو فعلت لظننت أنّي لا أصدقك، ثمّ قال العاص بن وائل السهميّ وقريش معه: قد تعلم، يا محمد، أنّه لا بلاد أضيق من بلادنا، ولا أقلّ أنهارا أو زروعا، ولا أشدّ عيشا، فادع ربّك أن يسيّر عنّا هذه الجبال التي في أرضنا، فقد ضيّقت علينا لتنفسخ بلادنا، فنعرف فضلك عند ربّك، وابعث لنا من مضى من آبائنا لنسألهم عمّا تقول، فيصدّقوك أو يكذّبوك، وليكن ممّن يبعث لنا قصيّ بن كلاب، وإنّه كان شيخا صدوقا، وقد جئتنا بذكر الرحمن، ونحن لا نعرف إلا الله، فأمّا الرحمن فقد علمنا أنّه كذّاب باليمامة يعلّمك هذه الأحاديث، فقال رسول الله ﷺ : الرحمن اسم من أسمائه (٣) كريم شريف، ولم أبعث بما سألتموني، وإنّما بعثت داعيا إلى الله، قالوا: فخذ لأهل بيتك بعض ما سألناك لنعرف فضلهم، أو فليكن لك جنّة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، قال: لا أقدر على ذلك، وليس ذلك إليّ، قال: فخذ حذرك فإنّا نراك يصيبك من الزلازل ما يصيبنا، ونراك تمشي في الأسواق معنا، تبتغي من يسير العيش (٤)، فسل ربك أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب، وليبعث معك من (٥) يصدّقك ويكلّمنا دونك، فقال رسول الله: ما ذاك إليّ، إنّما أدعو إلى الله يصنع فيه ما يشاء، قالوا: يا محمد، إنّا ناظروك بسحرك هذا ثلاث ليال، ففكّر بينك وبين نفسك، فلا تبقينّ إلا عليها، إمّا أن نتّخذك لنا عدوّا، وإمّا أن نجعلك من المهلكين، وإمّا أن تأتينا بأمر شاف

стр. 1197

نرضاه، فرجع رسول الله مهتمّا حزينا قد شقّ عليه ما قال قومه، وما ردّوا عليه من أمره، فأنزل. (١) ﴿يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ:﴾ جمع سوق، والسوق موضع البيع والشراء، يذكّر ويؤنّث. ٩ - ﴿ضَرَبُوا لَكَ (٢)﴾ الْأَمْثالَ: ضربهم الأمثال لرسول الله وصفهم إيّاه بأنّه ساحر ومسحور وشاعر وصنبور (٣). ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ:﴾ ضربت عليهم الضلالة، أي: ما داموا مصرّين على الضلالة لم يستطيعوا أن يصدقوا في وصفك، فقال: لا يستطيعون حيلة في أمرك، أي: في قهرك. ١٠ - ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً:﴾ عن خيثمة قال: قيل للنبيّ ﵇: نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها، لم نعطها أحدا قبلك، لا ينقصك ذلك عند الله شيئا، فقال: اجمعها لي في الآخرة، فقال الله: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ.﴾ (٤) (٢٤٢ ظ) وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله جالس وجبريل معه، قال جبريل: هذا ملك قد نزل من السماء لم ينزل قطّ، استأذن ربّه في زيارتك، فلم يمكث إلا قليلا حتى جاء الملك وقال: السّلام عليكم يا رسول الله، إنّ الله يخيّرك أن يعطيك خزائن كلّ شيء، ومفاتيح كلّ شيء لم يعطه أحدا (٥) قبلك، ولا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقص لك ممّا دخر (٦) لك شيئا، فقال النبيّ ﵇: بل يجمعها لي جميعا يوم القيامة، فنزلت. (٧) وعن ابن عباس قال: قال النبيّ ﵇: عرض عليّ جبريل بطحاء مكة ذهبا، فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات، وذلك أكثر لذكري (٨) (٩) مستجازه تقول: ذلك الجبل ينظر إلينا، ويحتمل: أنّ الله تعالى يحدث للنار رؤية كما يحدث لها نطقا. و (سماع التّغيّظ): لغليان صدر المتغيّظ واحتناقه، وتتابع أنفاسه. ١٣ - ﴿مَكاناً ضَيِّقاً﴾ أي: في مكان ضيّق.

стр. 1198

﴿مُقَرَّنِينَ:﴾ (١) مسلسلين، أيمانهم عند أعناقهم. وقيل: يجمع بين ناصية الكافر وعقبيه (٢). وقيل: يجمع بينه وبين شيطانه وقرينه. (٣) ﴿ثُبُوراً:﴾ هلاكا، وحرمانا من خير، ودعاؤهم واثبوراه، والثّبور مصدر، ولذلك لم يجمع. ١٦ - ﴿لَهُمْ (٤)﴾ فِيها ما يَشاؤُنَ: دليل على أهل الجنة مخيّرون في أنواع ما يخطر ببالهم من الخير. ١٨ - ﴿نَسُوا الذِّكْرَ:﴾ تغافلوا وأعرضوا عن الاتّعاظ بالموعظة. ﴿بُوراً:﴾ جمع بائر وهو الهالك. ١٩ - ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ:﴾ بالإصرار (٥) على الشركاء والزيادة على الكفر. وقيل: جحودهم يوم القيامة بقولهم: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، ليكون العذاب الكبير الختم على الأفواه، وإنطاق الجلود. (٦) ٢٠ - ﴿أَتَصْبِرُونَ:﴾ أمر كقوله: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤]. وقيل: على سبيل الاختصار، أي: فتصبرون فنقرّكم عليها أم لا تصبرون فنهلككم ونستخلف قوما غيركم. (٧) ٢١ - ﴿لا يَرْجُونَ:﴾ لا يخافون. ويحتمل: أنّه حقيقة الرجاء؛ لأنّ ضدّه الإياس، والإياس كفر. ٢٢ - ﴿يَوْمَ:﴾ نصب على الظرف (٨). ﴿لا بُشْرى:﴾ لكم بالأمن (٩) ودخول الجنّة. ﴿حِجْراً مَحْجُوراً:﴾ حراما محرما على سبيل الإيجاب والدعاء.

стр. 1199

٢٣ - عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا﴾ أي: وعهدنا إلى ما عملوا من عمل لغير الله في الدنيا، فجعلناه في الآخرة هباء، يقول: بطلت أعمالهم فلم تقبل، جعلت كالهباء المنثور. و (الهباء): ما يدخل من شعاع الشمس من الكوّة. ٢٤ - ﴿مَقِيلاً:﴾ وقت قيلولة في نصف النهار. ٢٥ - ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ:﴾ قال الفرّاء: بالغمام وعن الغمام كقولك: رميت بالقوس وعن القوس، فهذا الغمام فوق السماء. (١) ٢٧ - ﴿يَعَضُّ﴾ (٢): يمضغ (٣)، وهو الكدم (٤) من ذوي الخفّ، واللّسع من الحيّة، والمراد به: التأسّف. والمراد ب ﴿الظّالِمُ﴾ الجنس، أي: كلّ ظالم، كقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ﴾ (٥) [النبأ:٤٠]، وقال ابن عباس (٢٤٣ و) في رواية الكلبيّ: نزلت في عقبة بن أبي معيط، وذلك أنّه لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما، فدعا عليه جيرانه وأهل مكة كلّهم، قال: وكان (٦) يكثر مجالسة النبيّ ﵇، ويعجبه حديثه، ويغلب عليه الشقاء، فقدم ذات يوم من سفره، فصنع طعاما، ثمّ دعا رسول الله إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، فقال: اطعم يا أخي (٧)، فقال: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول، فشهد بذلك، قال: وطعم من طعامه، قال: وبلغ ذلك أبيّ بن خلف (٨)، فأتاه فقال له: صبوت يا عقبة، وكان خليله، فقال: لا والله ما صبوت، ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، واستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فقال أبيّ بن خلف: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدا حتى تأتيه فتبزق في وجهه، وتطأ على عنقه، قال: ففعل عقبة ذلك، وأخذ رهم دابة وألقى به (٩) بين كتفيه، فقال رسول الله: لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأنزل. ثمّ أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر، فقتله ثابت بن الأفلح صبرا، ولم يقتل من الأسارى يومئذ

стр. 1200

غيره، وغير النضر بن الحارث بن كلدة. (١) ذكر الواقديّ وعن ابن عباس قال: كان أميّة بن خلف صديقا لعقبة بن أبي معيط وخليلا، وكان قد غشي رسول الله حتى كاد يسلم (٢)، فلقيه أميّة بن خلف، فقال: بلغني أنّك صبوت واتّبعت دين محمد؟ فقال عقبة: ما فعلت، قال أميّة: وجهي من وجهك حرام إلا أن تأتيه فتتفل في وجهه، وتبرأ من دينه، وتعلم قومك أنّك عدوّ لمن عاداهم، وفرّق جماعتهم، قال: فخرج عقبة، فلمّا نظر في وجهه تفل في وجهه، فلم يصب وجه النبيّ ﵇، ثمّ رجع إلى أميّة فأخبره، فسرّ بذلك، فأنزل. (٣) ٢٨ - ﴿فُلاناً خَلِيلاً:﴾ أبيّ (٤) بن خلف، وقال الزجاج: أبيّ بن خلف (٥) على ما ذكره الواقديّ، والظاهر أنّ فلانا اسم مبهم ينطلق على كلّ قرين سوء مضلّ. ٢٩ - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ:﴾ أي: الشهادة بالتوحيد والرسالة. ٣٠ - ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ:﴾ قيل: قاله رسول الله حين أيس (٦) من قومه، فأخبر الله عنه. (٧) ﴿مَهْجُوراً:﴾ متروكا. وقال مجاهد: مهجورا فيه؛ (٨) لأنّه قال: ﴿وَاِلْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦]. ويحتمل: أنّه سيقوله رسول الله في القيامة حين يشهد على أمّته بالكفر والإيمان. ٣٢ - ﴿جُمْلَةً واحِدَةً:﴾ الجملة: تأليف الأجزاء المتفرّقة، تقديره: بل ننزّله متفرّقا، أو تقديره: لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة. ﴿كَذلِكَ:﴾ أي: كالتوراة بل ننزّله متفرّقا. و (رتّلنا): فصّلنا. ٣٣ - ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ:﴾ اتصالها من حيث اعتبارهم وصفهم ما يتمنونه من القرآن أنّ (٩) تنزّله جملة واحدة، واعتبار ردّ الله ذلك عليهم (٢٤٣ ظ) بعلّة (١٠) معقولة وهي

стр. 1201

تثبيت الفؤاد بحفظ القرآن؛ لأنّ التوراة أنزلت مكتوبة، ولم يكن إعجاز موسى في كونه أميّا، وكان هذا معجزة نبيّنا ﵇، فهيّأ الله له أسباب الحفظ منها: أن يتلقّن شيئا بعد شيء على سبيل التراخي. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (١): أي: كشف المراد عن اللفظ المشكل، مأخوذ من الفسر وهو الكشف. وقيل: مقلوب من قوله: سفرت البيت، أي: كنست. (٢) ٣٤ - ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً:﴾ وقع التفضيل على زعم الكفّار من إضافة الشرّ والضلالة إلى المؤمنين. ٣٦ - ﴿اِذْهَبا:﴾ يعني: أنت وأخوك. ٣٧ - ﴿وَقَوْمَ:﴾ نصب بالتدمير. وقيل: بالإغراق المضمر. (٣) ٣٨ - ﴿الرَّسِّ:﴾ البئر الذي لم يطو. وقال عكرمة: أصحاب الرسّ رسّوا نبيّهم في بئر. (٤) وقال الكلبي: قوم كانوا باليمامة بفلج. (٥) ٣٩ - ﴿وَكُلاًّ:﴾ نصب ب ﴿ضَرَبْنا.﴾ وقيل: على سبيل اتباع اللفظ. (٦) ٤٠ - ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ:﴾ أي: قرية لوط. ٤٣ - ﴿مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ:﴾ اتّخاذهم ذلك، عبادتهم للخواطر التي يتوهّمونها بالشّبهات، فيتمنّونها بالشهوات. ٤٥ - ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ:﴾ هو أن يمتلئ بالليل جوف كلّ واد، ويغيب الأفق، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً. . .﴾ الآية [القصص:٧١]. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً:﴾ هو انفلاق الصبح ليبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والصبح من مقدّمات ضياء الشمس لا محالة، فلا يزال ينبسط، وينتشر هذا، وينزوي ويستتر هذا إلى أن يفيض الليل كلّه فيضا سهلا رفيعا من غير فزع ولا خطر، وقد بدى الشمس على ظلال الأشخاص بالنهار أيضا.

стр. 1202

٤٦ - ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا:﴾ إلى حكمنا الغيب. ٤٧ - ﴿اللَّيْلَ لِباساً:﴾ التشبيه من حيث وقوع التّستّر به. ﴿سُباتاً:﴾ استراحة في استرخاء. ﴿نُشُوراً:﴾ أي: وقت نشور وانتشار. ٤٩ - ﴿مِمّا خَلَقْنا:﴾ مقدّم في اللفظ مؤخّر في المعنى؛ لاعتبار نظم رؤوس الآي. ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيراً:﴾ قال الفرّاء: أصل إنسان إنسيان؛ لأنّ (١) تصغيره أنيسيان، فالأناسيّ في الأصل أناسين أبدلوا [من] (٢) النون ياء كزبرقان وزباريق. (٣) وقيل: جمع إنسان كقرطاس وقراطيس. (٤) وقيل: جمع إنسيّ على النسبة ككرسيّ وكراسيّ. (٥) ٥٠ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ:﴾ أي: القرآن. وقيل: الماء الطهور. (٦) ٥٢ - ﴿وَجاهِدْهُمْ بِهِ:﴾ أي: بالقرآن، والكلام دون السيف؛ لأنّ الآية مكية. ٥٣ - ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ:﴾ مزج. ﴿هذا﴾ (٧): إشارة إلى ما يتصوّره المخاطب في قلبه (٨) كأنّه ينظر إليه، قال الله تعالى: ﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]. ﴿مِلْحٌ:﴾ ماء فيه ملوحة. ﴿أُجاجٌ:﴾ ماء في غاية الملوحة. و (العذب): الماء الطيّب. (الفرات): (٢٤٤ و) في غاية العذوبة. ﴿بَرْزَخاً:﴾ يعني: الجزائر الواسعة. ويحتمل: أنّ المراد بالبحرين بحر مجاور للساحل، وبحر كمين في الساحل. وقيل: بحر بحراء

стр. 1203

وبحر قلزم، فإنّ سواحلهما غير محاط بهما. وفيه إشارة إلى الدمع فيه ملوحة (١)، واللعاب فيه عذوبة، والمملوح التي فيه قراره، والالتحام الذي سنح لم يفسد شيء بمجاورة غيره، وإلى اللبن الحليب من بين فرث ودم. ٥٤ - ﴿نَسَباً وَصِهْراً﴾ أي: مناسبا ومصاهرا يناسب بعضه بعضا (٢)؛ لتبقية الإلفة وحفظ الأصل، وتصاهر بعضه بعضا (٣) لاستفادة الإلفة، وإنشاء النسل. ٥٥ - ﴿ظَهِيراً:﴾ معينا لمثله على إنكار ربّه، وتبديل دينه، ومعاداة نبيّه. ٥٧ - ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ:﴾ استثناء كقوله: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى:٢٣]؛ لأنّ ذلك يوجب حسن الظنّ به، وقوله: ﴿ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] أي: على زعمكم فهو مردود عليكم ما أريد منكم ذلك. وقيل: المودة في القربى هو لكم، أي: حظّكم ونصيبكم. وقيل: طالبهم بالمودة في القربى، ثمّ ترك واقتصر على المودة في الله. (٤) ٥٩ - ﴿الرَّحْمنُ:﴾ رفع بإسناد الاستواء إليه، أو لتقديره مبتدأ. ﴿فَسْئَلْ بِهِ:﴾ أي: عنه، والضمير عائد إلى السماوات والأرض، أو إلى الاستواء على العرش (٥)، أو اسم الرحمن. ٦٠ - قال ﵇: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: ويله، أمر ابن آدم بالسجود». (٦) محجلون من الوضوء. ٦١ - ﴿سِراجاً:﴾ مصباحا. ٦٢ - وفي قوله: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ دلالة على جواز قضاء صلاة الليل بالنهار، وقضاء صلاة النهار بالليل. ٦٣ - ﴿وَعِبادُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ:﴾ خبره، والمراد بهم أولياؤه وخاصّته.

стр. 1204

﴿هَوْناً:﴾ متواضعين. ﴿سَلاماً:﴾ أي: قولا يؤدّي إلى المسالمة والمتاركة. وقيل: منسوخة بآية السيف. (١) ٦٥ - ﴿غَراماً:﴾ لزوما. وقال بعضهم: هلاكا. (٢) وهو غير مشهور. ٦٧ - الإقتار والقتر والتّقتير: تضييق النفقة. وكان إنفاقهم ﴿بَيْنَ ذلِكَ قَواماً:﴾ عدلا. وقيل: قوام الأمر قوامه ونظامه وملاكه. (٣) ٦٨ - ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ:﴾ عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أي: وحشيّا، لمّا قتل حمزة مكث زمانا، ثمّ وقع في قلبه الإسلام، فأرسل إلى رسول الله يعلم أنّه وقع في قلبه الإسلام، ويقول: سمعتك تقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ. . .﴾ الآية، وإنّي فعلتهنّ فهل من رخصة؟ فنزل جبريل فقال: قل له يا محمد: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً. . .﴾ الآية، فأرسل إليه، فلمّا قرئت عليه قال: أرى في هذه الآية شروطا أخشى أن لا آتي بها، ولا أجدني أطيق أن أعمل صالحا، فهل عندك شيء ألين من هذا؟ فأنزل جبريل قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٢٤٤ ظ) ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فأرسل بها رسول الله إليه، فقرئت عليه، فقال: إنّه يقول: ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٤) وأنا لا يدرى لعلّي لا أكون ممّا يشاء؟ فنزل جبريل بقوله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ. . .﴾ الآية [الزمر:٥٣]، فأرسل بها رسول الله إليه، فقرئت عليه، فأسلم، وأرسل إلى رسول الله أنّي أسلمت، فأذن لي في إتيانك، فأرسل إليه أن وار وجهك، فإنّي لا أستطيع أن أملأ عيني من قاتل عمّي حمزة.

стр. 1205

﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى جميع ما تقدّم، أو إلى الإشراك، أو إلى فعل شيء متقدّم على سبيل الاستحلال. ﴿أَثاماً:﴾ جزاء الإثم، يقال: أثمه يأثمه إذا جازاه جزاء إثمه. (١) ٧٠ - ﴿يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ:﴾ لها وجوه منها إنابته (٢) الندامة مقام ما كانت الندامة منه، ومنها التوفيق للكفّارات والأعمال الصالحة، ومنها الابتلاء بالمصائب والمكاره الممحّصة للذنوب الموجبة للثواب، ومنها تقلب المباحات من أفعاله المقترنة بالكفر طاعات بعد التوبة كالأكل والشرب، ولهذا قال عليّ: بقية عمر المرء لا ثمن له، يصلح فيه ما أفسد، ويستدرك به ما فات. (٣) ٧١ - ﴿وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ:﴾ إنّما جزاء التوبة التوبة؛ لاتّصالها بزيادة وهي ذكر الله، كأنّه قيل: ومن يتب عن المعاصي فإنّما يتوب إلى الله. ٧٢ - ﴿الزُّورَ:﴾ الشرك، عن الضحّاك، (٤) وعن محمد بن الحنفية، (٥) وأبي الجحاف (٦). (٧) (اللّغو): الغناء. (٨) عن إبراهيم بن ميسرة (٩): أنّ ابن مسعود مرّ بلهو فلم يقف عليه، فقال رسول الله: «لقد أصبح ابن مسعود كريما، إذا مشى كريما» (١٠)، إذا لم يستقرّوا، ولم يصرّوا على تكذيبها. ٧٣ - ﴿صُمًّا وَعُمْياناً:﴾ لأنّ الاستقرار غاية السقوط، وقضيته كالوجوب. ٧٤ - ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ:﴾ عبارة عن المرضيّ، وضدّه سخنة العين، وسخين العين. ﴿وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً:﴾ أي: وفّقنا للتقوى، وأتبعنا ذرّيّاتنا بالتقوى، وإنّما لم يقل

стр. 1206

لاعتبار كلّ واحد من الراعين، أو لاعتبار المصدر، أو لاعتبار كون الاسم مشتقّا من الفعل، كقوله: ﴿إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦]. ٧٥ - ﴿الْغُرْفَةَ:﴾ العلّيّة، وهي المنزل الرفيع. ٧٧ - ﴿يَعْبَؤُا:﴾ يبالي، فكأنّه قيل: هل يبالي الله بكم؟ وهل يراعي جانبكم بإصلاح المعيشة، ورفع الآفات؟ ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ:﴾ دعاء بعضكم (١) (٢٤٥ و) يعني: المؤمنين. قال النبيّ ﵇: «لولا رجال خشّع، وصبيان رضّع، وبهائم رتّع لصبّ عليكم العذاب صبّا». (٢) وقيل: لولا دعاء بعضكم الذي ستدعون (٣) في علم الله أنّه سيؤمن. وقيل: لولا دعاؤه إيّاكم إلى التوحيد على سبيل الوعظ والتمكين من الاختيار، قاله الفراء. (٤) وقال القتيبي: معناه: ما يصنع الله بعذابكم لولا دعاؤكم من دونه شركاء. (٥) ﴿لِزاماً:﴾ هلاكا، أو العذاب لازما، يعني: يوم بدر. أبيّ بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو موقن أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، و (٦) دخل الجنّة بغير حساب». (٧)

стр. 1207

سورة الشعراء مكية. وعن ابن عباس: سوى أربع آيات من آخرها. (١) وهي مئتان (٢) وسبع وعشرون آية، كوفيّ شاميّ ومدنيّ أوّل (٣). (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿طسم:﴾ قال ابن عباس: عمي على العلماء (٥) علمه. (٦) وعن قتادة (٧) وأبي روق (٨): اسم من أسماء القرآن. (٩) وعن الأنماري: أنّه الظاهر المطلع على الغيوب، السميع الساتر للعيوب، المجيد بإعطاء السيوب (١٠). وقيل: هو «قسم بطول الله وسنائه وملكه». (١١) وقيل: قسم بطور سينين ومكة وهي البلد الأمين. (١٢) وقيل: أيّها الطاهر السعيد المجيد. (١٣) ٤ - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ:﴾ الشرط والجزاء على لفظ الاستقبال، والمنسوخ على لفظ الماضي لاعتبار المعنى، إذ المعنى واحد في نحو قولك: إن أكرمتني أكرمك. ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ:﴾ وجوههم وأشرافهم، عن مجاهد. (١٤) وقال الفرّاء: الطوائف العصائب، من قولهم: رأيت الناس إلا فلانا عنقا (١٥). وقال الكسائي (١٦): هي الأعضاء التي

стр. 1208

عليها الرؤوس، وإنّما جمعت بخاضعين لاعتبار الأعناق، أو لمّا وصفت العقلاء وهو الخضوع للآيات، جمعت جمع العقلاء. (١) ٧ - ﴿كَرِيمٍ:﴾ طيّب، يقال: نخلة كريمة (٢)، وشاة كريمة. ٨ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى القرآن، أو إلى الإنبات (٣). ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ أكثر المستمعين للذّكر (٤)، أو المشاهدين المذكورين. ٩ - ووصف الله بأنّه: ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ للدعوة على سبيل الترهيب والترغيب. ١١ - ﴿أَلا يَتَّقُونَ:﴾ (٥) استفهام بمعنى الإنكار على المستفهم عن حالهم، كقوله: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٧]. ١٣ - ﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ:﴾ أيضا ليؤازرني ويعينني، والرسول يقع على الواحد والجماعة كالعدوّ. ١٨ - ﴿نُرَبِّكَ﴾ (٦): ننمّيك ونصلحك. ﴿وَلِيداً:﴾ مولودا (٧) وهو الطفل المربّى. وقال القتيبيّ: التليد: الذي ولد في بلاد العجم، ونشأ في بلاد العرب، والمولّد: الذي ولد في الإسلام. (٨) وقال ابن شميل: هما واحد، وهو الذي ولد (٢٤٥ ظ) عندك. (٩) ١٩ - ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ أي: كفران النعمة. ٢٠ - ﴿فَعَلْتُها إِذاً:﴾ أي: يومئذ. ﴿وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ:﴾ الجاهلين، من الجهالة في شرائع دين الله، لا الجهالة في الله، ولا الجهالة في دين فرعون. ٢١ - ﴿خِفْتُكُمْ:﴾ أن تصيبوني بشرّ، ويكون سبب مكروه قضاء الله وقدره.

стр. 1209

٢٢ - ﴿وَتِلْكَ:﴾ إشارة إلى تربيته وليدا؛ لأنّه لم يكن يربّي أولاد بني إسرائيل إلا لتعبيدهم وإذلالهم، وهو على وجه الاستفهام تقديره: أو تلك. ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّها:﴾ المنّ: تذكير المنعم نعمته، ولا يحسن ذلك إلا من الله تعالى؛ لأنّه هو المنعم على الحقيقة، وأما غيره إذا منّ على أحد فقد تحلّى بما ليس له، إذ هو سبب في تلك النعمة، والمنعم في الحقيقة هو الله. سمّاه به (١) للزومه جوابا واحدا مع تفنّن فرعون في السؤال، وإنّما فعل موسى ذلك ليقرّر (٢) عندهم التسمية ويوقعها في قلوبهم بالمبالغة في التعريف. ٢٨ - ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تعريض بأنّهم أولى بصفة الجنون منه؛ لأنّهم لم يكونوا يعقلون ما ينبّئهم عليه من المشاهدات من الأفاعيل الإلهية، فلمّا فرّ فرعون من الجدال إلى التهديد، قابله موسى بالبرهان العتيد. ٣٢ - ﴿ثُعْبانٌ:﴾ حيّة بين الأفعوان والتنّين. ٣٩ - ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ:﴾ استفهام بمعنى الأمر. ٤٠ - ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ (٣)﴾ السَّحَرَةَ: في طاعة فرعون نتّبع السحرة (٤). ٤٤ - ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ:﴾ قسم السحرة، وعزته: قلّة إذنه للناس أن يدخلوا عليه، واحتجابه عنهم. ٥٠ - ﴿لا ضَيْرَ:﴾ لا بأس. ٥٤ - ﴿لَشِرْذِمَةٌ:﴾ لقطعة وفرقة، وثوب شراذم، أي: مقطع قطعا. ووجه الجمع بالقليلين حسن وصف كلّ بعض من أبعاض الجملة بالقليل. ٥٥ - ﴿لَغائِظُونَ:﴾ لمغضبون (٥). ٥٦ - ﴿حاذِرُونَ﴾ (٦): مخلوقون على صفة الحذر، والحاذر: حامل السلاح والذي يحذر في الحال. ٦٠ - ﴿مُشْرِقِينَ:﴾ مصبحين.

стр. 1210

٦٢ - ﴿كَلاّ:﴾ ردّ لكلام قومهم: ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (١) [الشعراء:٦١]. ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ إلى طريق النجاة. ٦٣ - ﴿فَانْفَلَقَ:﴾ فانشقّ. ﴿كَالطَّوْدِ:﴾ كالجبل. ٦٤ - ﴿وَأَزْلَفْنا:﴾ قرّبنا. ﴿ثَمَّ:﴾ إشارة إلى بقعة يتوهمها المقصوص عليه ضرورة. ٧٧ - ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ:﴾ استثناء متصل على اعتبار الظاهر وهو المجاز، أو منقطع على اعتبار الناظر وهو الحقيقة. ٨٠ و٨١ - وقوله: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ:﴾ فيه أدب حسن حيث لم يقل: والذي يمرّضني (٢)، وليس كذلك ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي؛﴾ لأنّ الإماتة قد تكون إراحة، وقد تكون إبادا. ٨٤ - ﴿لِسانَ صِدْقٍ:﴾ هو الذّكر الجميل، وإنّما تمنّى ذلك ليؤمنوا به، فيسعدوا، ويصلوا عليه، فيزاد بصلاتهم خيرا ورحمة. ٨٨ - ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ:﴾ أي: لا ينفع المال والبنون أحدا، والاستثناء يدلّ على هذا المضمر. (٢٤٦ و) ٨٩ - ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ:﴾ مخلص ليس فيه مرض الكفر والنفاق، ويسمّى المسلم الذي فيه بلاهة: سليم القلب؛ لبعده عن الجدال والشقاق والخبث وسوء الأخلاق، وإنّما ينفع سليم القلب وبنوه ليصرف ماله إلى الصدقات والقربات، وكون أولاده تابعين له بإيمان داعين له بخير. ٩٠ - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ:﴾ عطف على يوم، وهو ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ﴾ [الشعراء:٨٨]، ويجوز أن يكون استئنافا بتقدير يومئذ، أي: وأزلفت الجنّة يومئذ. ٩٤ - ﴿فَكُبْكِبُوا:﴾ فكبّوا على الوجوه، وتكرار الحرف للمبالغة كالذبذبة والحثحثة. ١٠١ - ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ:﴾ خليل خاصّ، وحامّة الرجل خاصّته. ١٠٢ - ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً:﴾ جواب لو (٣) مضمر، وتقديره: فنكون لكنّا مفلحين، والكرّة: الرجعة.

стр. 1211

١٠٣ - و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى القرآن، أو إلى شأن إبراهيم ﵇. ١٠٥ - ﴿قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ:﴾ إنكارهم رسالة رسولهم المرسل إليهم تكذيب للجميع (١)، فإنّ سائر المرسلين يشهدون لا محالة برسالته، وهم ينكرونها، فهم مخالفون مكذّبون بهم أجمعين. ١٠٦ - ﴿أَخُوهُمْ:﴾ للتنبيه، أو لطول المجاورة. ١٠٧ - ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ:﴾ مأمون (٢) في نفسه بصفات يستحقّ بها أن يؤتمن من الأمارات الدالّة على صدقه، والبراهين الموجبة لدعواه. ١١٢ - ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ فيما مضى من أعمارهم قبل الإسلام والتوبة. ويحتمل: أنّ لفظة ﴿كانُوا﴾ صلة، أي: بما (٣) يعملون. ١١٩ - ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ:﴾ المملوء. ١٢١ - و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى القرآن، أو إلى شأن نوح ﵇. ١٢٨ - ﴿رِيعٍ:﴾ طريق مشرف، قال إبراهيم (٤). وقيل: ما ارتفع من الأرض. (٥) ١٢٩ - ﴿مَصانِعَ:﴾ جمع مصنع، وهو البناء المحكمة صنعته بتشييد الحجارة والتجصيص ونحوهما، يتّخذ للماء وغيره. ١٣٠ - ﴿بَطَشْتُمْ:﴾ أخذتم على سبيل القهر (٦). ١٣٢ - ﴿أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ:﴾ هو إلزام حجة، فإنّ التذكير لو وقع بإمدادهم بالهواء الذي فيه يتنفّسون، وأمّا بالقوى (٧) التي بها يتحرّكون، وبالحرّ والبرد اللذين بهما يتنعّمون، وبالليل والنهار اللذين فيهما يتقلّبون لما كادوا يفهمون. ١٣٧ - ﴿إِنْ هذا:﴾ إن كان إشارة إلى رسومهم وعاداتهم، فهو كقولهم: ﴿وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وإن كان إشارة إلى قول هود ﵇، فهو كقولهم: ﴿إِنْ﴾

стр. 1212

﴿هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام:٢٥]. ١٣٩ - و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى القرآن، أو إلى شأن هود ﵇. ١٤٦ - ﴿أَتُتْرَكُونَ:﴾ إنذار بعذاب الله إن لم يؤمنوا، أو تزهيد (١) في الدنيا (٢) والآخرة. ١٤٨ - ﴿طَلْعُها:﴾ طلع النخلة كفراها (٣)، وهو أوّل (٤) ما يبدو من ثمرها. ﴿هَضِيمٌ:﴾ منضمّ لم يتقشّر عنه جلده، يقال: أهضم الكشحين. وقيل: الذي يتهشهش. (٥) ١٥٨ - و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى القرآن، أو إلى شأن صالح ﵇. ١٦٨ - ﴿مِنَ الْقالِينَ:﴾ الكارهين الماقتين، قال الله: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ [الضحى:٣]، وفي حديث أبي الدرداء: «وجدت النّاس أخبر تقله» (٦). ١٦٩ - ﴿مِمّا يَعْمَلُونَ:﴾ أي: من عموم عذاب ما يعملون. وقيل: نجني (٧) من مشاهدة ما (٨) يعملون. ١٧٤ - و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى القرآن، أو إلى شأن لوط ﵇. ١٨٤ - ﴿الْجِبِلَّةَ:﴾ الخلق. ١٩٢ - ﴿وَإِنَّهُ:﴾ أي: القرآن. ١٩٣ - ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ:﴾ جبريل ﵇ ائتمنه الله على تبليغ رسالاته، ولم يأتمنه الروافض، لعنهم الله. ١٩٦ - ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ:﴾ دليل على أنّ القرآن (٢٤٦ ظ) هو هذا المعنى المنظوم المكتسى بلفظ موسوم، سواء كان عربيّا أو غير عربيّ، معجزا أو غير معجز، وإنّما أنزله

стр. 1213

الله في ألفاظ عربيّة، ليكون أبين للمخاطبين في عصر النزول، وإنّما جعله معجزا ليكون برهانا كاليد والعصا، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى. ١٩٧ - ﴿يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ لأنّهم وجدوه مصدّقا لما بين يديه من التوراة، وموعود على سبيل التعريض والتصريح. ١٩٨ - ﴿بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ:﴾ إن أراد الذين لا يحسنون تأدية حروف الهجاء، وإقامة الإعراب لآفة في ألسنتهم، فهو كقوله: ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام:١١١]، وإن أراد الأعجمين الذين لا يحسنون العربيّة والنطق بالحروف المختصّة بها، كالضاد وحروف الإطباق، فهو كقوله (١): ﴿إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام:١٥٦]. ٢٠٧ - ﴿ما أَغْنى:﴾ نفي على سبيل الاستفهام والسؤال. ٢٠٨ - ﴿إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ:﴾ يدلّ على أنّ مشارق الأرض ومغاربها لم تخل من منذر وحجة لله (٢) تعالى على خلقه إلى ختم النبوّة بمحمد ﵇، وجعل دعوة الإسلام شائعة سابقة مستفيضة. ٢٠٩ - ﴿ذِكْرى:﴾ في محلّ النصب، أي: منذرون (٣) تذكرة، أو في محلّ الرفع بإضمار مبتدأ. ٢١٠ - ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ:﴾ نفي الكهانة. ٢١١ - ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ (٤): في نفي استيهالهم (٥) استغواء محمد ﵇ لطهارته وأمانته وعفّته وصدق لهجته. ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ:﴾ في نفي قدرتهم، وذلك لعصمة الله تعالى، وكونها حائلة بينه وبينهم. ٢١٢ - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ:﴾ مصروفون بالرجم بالثواقب إذا أراد استراق السمع.

стр. 1214

٢١٤ - ﴿عَشِيرَتَكَ:﴾ عشيرة رسول الله ﷺ ولد عدنان (١)، ثمّ ولد مضر منهم، ثمّ خنذف أقرب، ثمّ الحمس، ثمّ قريش، ثمّ الأباطيح، ثمّ المطّلبيون، ثمّ بنو عبد مناف، ثمّ بنو هاشم لا أقرب منهم. وعن ابن عباس قال: لّما أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ أتى رسول الله الصّفا، فصعد عليه، ثمّ نادى: يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه، فبين رجل يجيء، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ : يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني. . أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلا بسفح هذا الجبل يريدون أن يغيروا عليكم مصدقيّ أنتم؟ قالوا: نعم، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّا لكم سائر اليوم، إنّما دعوتمونا لهذا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا (٢)﴾ أَبِي لَهَبٍ [المسد:١]. (٣) ٢١٨ - ﴿حِينَ تَقُومُ:﴾ للصلاة، كقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [المزمل:٢]، وقيامه للجهاد والجدال كقوله: ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف:٤]، وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:٢]، أو قيامه للدعاء والوعظ، كقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قائِماً﴾ [الجمعة:١١]، وفائدة التنبيه على رؤية قيامه هي البشارة بأنّ سعيه مقبول. ٢١٩ - ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ أي: في جملة المصلّين معه من حال إلى حال، ومن ركن (٤) إلى ركن، أو تقلّبه لمعاشه فيما بين المؤمنين بعد رجوعه عن مجاهدة (٥) المشركين ومجادلتهم (٢٤٧ و) وإنذارهم، وأراد حركاته في مدّة حياته، وأراد تقلّبه من صلب إلى صلب، وسجود آبائهم كسجود الظلال يصرفونها. ٢٢٤ - ﴿وَالشُّعَراءُ:﴾ جمع شاعر، كعلماء وعالم. ٢٢٥ - ﴿فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ:﴾ في كلّ فنّ من المدح والهجاء وغير ذلك. ﴿يَهِيمُونَ:﴾ يخوضون ولا يبالون، هام الرجل يهيم: إذا مضى على وجهه راكبا رأسه لا يثنيه شيء.

стр. 1215

٢٢٧ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا. . .:﴾ الآية في معنى قوله: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ. . .﴾ الآية [النساء:١٤٨]. روي أنّ عبد الله بن رواحة (١) وحسّان بن ثابت أتيا رسول الله حين نزلت: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤]، فقال ﵇ وهو يقرؤها عليهم: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ حتى إذا بلغ المقولة: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال: أنتم، ﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ قال: أنتم، ﴿وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ قال: أنتم (٢).

стр. 1216

سورة النمل مكيّة. (١) وهي خمس وتسعون آية في عدد أهل الحجاز. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨ - ﴿مَنْ فِي النّارِ:﴾ من في طلب النّار. وقيل: المراد به روح من أمر الله. (٣) وفي مصحف عبد الله وأبيّ بن كعب: (بوركت النّار ومن حولها). (٤) والعرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك. ٩ - ﴿يا مُوسى إِنَّهُ:﴾ عائد إلى المنادى، أو إلى جاعل النّار في الشجرة. وقال الفراء: هو عماد. (٥) ١٠ - ﴿لَمْ يُعَقِّبْ:﴾ أي: لم يكر (٦) على ما (٧) وراءه. قال شمر (٨): كلّ راجع معقب. (٩) وعن سفيان: «لم يمكث». (١٠) وفي الحديث: «من عقّب [في صلاة] فهو في صلاة» (١١)، أي: من أقام بعد ما يفرع من الصلاة في مجلسه. ﴿لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ:﴾ نفى (١٢) الخوف عنهم على سبيل الإطلاق لزوال قدرتهم واختيارهم والاتجائهم (١٣) بروح الله تعالى وبنزول (١٤) الوحي عليهم، أو لاستيفائهم الكرامة، وإرادة الخير كأهل الجنّة في الجنّة. ويحتمل: نفي الخوف عنهم على سبيل التقييد، أي:

стр. 1217

لا يهابون في مراقبته شيئا من مخلوقاته. ١١ - ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً:﴾ استثناء متصل، من المستثنيين آدم ﵇. وقيل: الاستثناء متصل (١)، والمراد بالظلم الخوف نفسه لا غير. وقيل: استثناء منقطع، والمراد به الأنبياء ﵈. (٢) وفائدة اللفظ تنبيه موسى ﵇ على الاستغفار من خطيئته. ١٢ - ﴿جَيْبِكَ:﴾ وهو الشقّ في القميص يخرج الإنسان منه (٣) رأسه. ١٤ - ﴿وَجَحَدُوا:﴾ والجحود ضدّ الإقرار، والتقدير: وجحدوا بها ظلما وعلوّا. ﴿وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ:﴾ عرفتها وتيقّنت بكونها معجزة الإلهية، ألا ترى قالوا: ﴿اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف:١٣٤]. ١٦ - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ:﴾ قيل: كان لداود ﵇ تسعة عشر ابنا، فلم يرته إلا سليمان ﵇. (٤) ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ:﴾ أخص من القول، وأعمّ من التّكلّم، فظاهر الاستعمال؛ لأنّ القول يوصف به الجماد، والنطق لا يوصف به إلا ذوات الأرواح، والتكلّم لا يوصف به إلا القادر على تضمينه مقولة حروف التهجّي. ١٧ - ﴿يُوزَعُونَ:﴾ يحبسون، (٢٤٧ ظ) يحبس أوّلهم على آخرهم لئلا ينقطع بعضهم عن بعض. (٥) وقيل: فهم يحبسون في طاعته، أي: يسخّرون له. ١٨ - ﴿وادِ النَّمْلِ:﴾ كان معروفا في ذلك الزمان، أو ذكره معروفا (٦) فيما بين العرب؛ لأنّ الله تعالى سلّط النمل على كثير من الأمم، فجلاهم عن ديارهم، وإنّما خاطبت خطاب [العقلاء] (٧) لتكليفها إياهن تكليف العقلاء. (مساكنهم): قراهنّ وحجرهنّ. ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ:﴾ لا يكسّرنّكم.

стр. 1218

﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ:﴾ تمهيد لعذر سليمان وجنوده، أو تحقيق (١) للإنذار كي لا تقول واحدة: لا تظلمنا، وهو نهر، أو تقبيح لتركهنّ الحذر، فإنّ (٢) من تعرض لسهم غرب (٣) كان أجهل وأشدّ لوما ممّن (٤) تعرّض لمتعهّد القتال. وعن الشعبيّ: أنّ النملة التي فقّه سليمان ﵇ كلامها كانت ذات جناحين. (٥) ١٩ - ﴿فَتَبَسَّمَ:﴾ أظهر الضّواحك من الأسنان فرحا للشّكر على تفهيم الله إيّاه كلام النملة، أو على إلهام الله النملة عذر سليمان، أو لتعجيبه على قضيّة الطبيعة. ﴿أَوْزِعْنِي:﴾ ألهمني واجعلني مولعا بشكرك وبالعمل (٦) الصالح. وفي الحديث (٧): «كان موزعا بالسّواك» (٨)، أي: مولعا به. ٢٠ - ﴿وَتَفَقَّدَ:﴾ طلب المفقود، يجوز أن يكون مترتّبا على مقدار، أي: صرف (٩) عن رؤيته. ﴿أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ:﴾ وقيل: أم بمعنى الاستفهام (١٠). وقيل: بمعنى بل. (١١). وفي الآية دليل على وجوب (١٢) التفقّد والتيقّظ على الإمام والرئيس. والهدهد: جنس من الطير ملوّن في حجم الصّلصّلة، له عرف ورائحة منتنة، وكان الهدهد معجزة لسليمان كغراب نوح، وصرد إبراهيم، (١٣) وحمار عزير (١٤). روى الشعبيّ عن عبد الله بن سلام قال: أعطي سليمان ﵇ من عظيم الملك ما

стр. 1219

كان يخبز له في مطبخه كلّ يوم ستّ مئة كرّ (١) حنطة، ويذبح له كلّ غداة ستة آلاف ثور، وعشرون ألف شاة، فكان يطعم الناس، ويجلس معه على مائدته خاصّة اليتامى والمساكين وأبناء (٢) السبيل، ويقول: مسكين بين مساكين، قال: ولّما فرع سليمان من بناء بيت المقدس ومسجدها، تجهّز فسار تحمله وجنوده الريح، وتظلّهم الطير، فوغل في البادية حتّى جعل وراءه أرض تهامة، ووافى الحرم، فذبح للبيت طول مقامه بمكة كلّ يوم خمسة آلاف ناقة، وخمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، وقال لمن حوله من أشراف قومه: إنّ هذا مكان (٣) يخرج منه نبيّ عربيّ، صفته كذا وكذا يعطى النصر على جميع من ناوأه، ويكون سيفه سطوة على من خالفه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحقّ سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، ثمّ قالوا: فبأيّ دين يخرج؟ قال: بدين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدّقه، قالوا: وكم بيننا وبينه؟ قال: زهاء ألف عام، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب، فإنّه سيّد الأنبياء وخاتم الرسل، وإنّ اسمه لمكتوب (٢٤٨ و) في زبر الأنبياء الماضين ﵈. فأقام بمكة أيّاما حتى قضى حجّه، ثمّ سار نحو أرض اليمن يوم نجم سهيل، فخرج من مكة صباحا، فوافى أرض صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فتفقّد الطير التي كانت تظلّه، وجمع من كان معه من أصحابه، فرأى مكان الهدهد خاليا ليس فيه الهدهد، فقال (٤): ﴿ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ. . .﴾ إلى آخر الآيتين، قال: وكان تعذيبه الطير نتفه ريشه لئلا يقدر على الطيران، وكانت قصّة الهدهد أنّه نظر إلى هدهد ساقطا على شجرة، فانقضّ نحوه ليسأله عن خبر تلك الأرض، فقال له: أيّة أرض هذه؟ قال: هذه أرض سبأ، قال: فمن هذا الملك الذي سخّر له ما أرى من الريح والشياطين والطير؟ فإنّي لم أر من الناس أعطي مثل ما أعطي هذا؟ قال: هذا سليمان بن داود ﵉، قال: وإنّه لهو؟ قال: نعم، قال: فأين هو من ملكة هذه الأرض؟ قال هدهد سليمان (٥): ومن هي؟ قال: بلقيس بنت الهدهاد (٦) الحميريّة، فإنّها أعطيت من الملك والسلطان ما لم يعط أحد ممّن مضى من ملوك هذه الأرض، قال: فانطلق حتى ترينيها، فانطلق معه، فأراها (٧) إيّاها، وهي في قصر لها بصنعاء، أمرت ببنائه على رؤوس الأساطين من الرخام، كلّ أسطوانة طولها خمسون ذراعا قد نصبت فوق، وحملتها خمس مئة، وبين كلّ اسطوانتين عشرة أذرع، وعليها

стр. 1220

سقف من ألواح الرخام، ألحم (١) بعضها إلى بعض بالرصاص، والقصر فوق ذلك السقف الذي (٢) فيه مجالس مطلية بالذهب والفضّة، مفضضة بألوان الجواهر، وللقصر شرف مطلية بماء الذهب الأحمر (٣)، مفضضة بألوان الجواهر، وباب القصر ممّا يلي المدينة، وله درج من الرخام الأبيض والأخضر والأحمر، وكانت الشمس إذا طلعت على ذلك القصر التهب ذلك الذهب وتلك الجواهر كالتهاب النيران، تكاد تغشى العيون، وتحار منها الأبصار، وبني لها في أسفل التلّ من قرار الأرض حائط بالصخور المنحوتة حتى ارتفع ذلك الحائط إلى دروة التلّ، فكان ارتفاع باب القصر من القرار مئة ذراع، وبني حول التلّ قصر مشيد مقطّع بالحجر، ولكلّ قصر (٤) باب يشرع إلى التلّ، يسكن فيها أحراسها وخدمها، فكان إذا دخل عليها قوّادها ورؤساء أهل مملكتها من وراء حجاب، فإذا حزبها أمر أو حرب اسفرت لهم عن وجهها، وكان لها أربعة وعشرون قائدا، تحت كلّ قائد ثلاثون ألف رجل، وكان اثنان (٥) وعشرون وزيرا، فقالت لوزرائها: ما كان يعبد آبائي الماضين؟ قالوا: كانوا يعبدون إله السماء، قالت: وأين هو؟ قالوا: في السماء، وعلمه في جميع الأرض، فقالت: كيف أعبده وأنا لا أراه؟ ولست أعرف شيئا (٢٤٨ ظ) أنور من الشمس فهي أولى بالعبادة، ثم عبدت الشمس من دون الله، وحملت قومها على عبادتها، فكانوا يسجدون لها إذا طلعت وإذا غربت، فانصرف الهدهد إلى سليمان ﵇، فأخبره بأمرها، فكتب إليها: بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين، فحمل الهدهد الكتاب، وأقبل به حتى دخل عليها وهي في مجلسها بينها وبين قومها ستارة تكلّمهم من ورائها، فكان دخوله عليها من كوّة في جدار ذلك المجلس، فقذف الكتاب في حجرها، ففزعت منه، فلمّا قرأته قالت (٦) للهدهد: من أرسلك بهذا الكتاب؟ قال: أرسلني نبيّ الله سليمان بن داود ﵉، قالت: وأين هو؟ قال: معسكر بجنوده من الجنّ والإنس والطير على تخوم أرضك، فعندها قالت: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل:٣٢] إلى قوله: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، فأهدت (٧) سليمان ألفي فرس مجلّلة بالحرير، وألف وصيف، وألف وصيفة، وركبوا تلك الخيول، منها ألف فرس ذكور وعليها الوصفاء، وألف إناث وعليهن الوصائف، مسوّرين بإسورة الذهب، مكلّلين بالتيجان، وأرسلت

стр. 1221

إليه بحقّ مصمت لا ثقب فيه، وفي جوفها مئة ياقوتة، فانبرت للحقّ دودة تكون اليوم في الخشب فثقبته بأسنانها، وذلك أنّها قالت للرسل: سلوه أن يثقبه بغير حديد، وأهدت إليه درّة على عظم البيضة لم يكن في ذلك العصر مثلها، وكانت غير مثقوبة، فقالت للرسل (١): سلوه أن يثقبها بغير حديد، فانبرت دودة حمراء تكون في الماء، فقالت: يا نبي الله، أنا أثقبها على أن تسأل الله أن يجعل رزقي في الماء، قال: ذلك لك، فثقبتها بأسنانها، وأرسلت إليه بدرّة لها ثقب معوج، وقالت للرسل: سلوه أن يدخل في الثقب خيطا، فانبرت دودة فقالت: أنا أدخل فيها خيطا على أن تسأل الله أن يجعل رزقي في الفواكه، قال: ذلك لك، فلوت خيطا على رأسها، ودخلت في ذلك الذي في الدرّة تتخلّل حتى خرجت من الجانب الآخر، فلما أتته الهدية قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ. . .﴾ [النمل:٣٦] إلى قوله: ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧]، فلما ردّ عليها الهدية (٢) عزمت على إتيانه وقالت لقومها (٣): إنّي صائرة إليه، وممتحنة إيّاه بمسائل، فإن أصابها فهو نبيّ، ولا طاقة لنا به، وإن كان ملكا عزمنا على محاربته، فسارت إليه في مئة وعشرين رجلا من عظماء قومها، ومع كلّ واحد منهم مئة رجل من حشمه وغلمانه، وبلغ سليمان توجّهها إليه، فعند ذلك قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ [النمل:٣٨]. قال الشعبي: فسألت ابن عباس ﵁ عن الذي عنده علم الكتاب، قال: كان ذلك آصف، وكان يعرف اسم الله الأعظم، فقال سليمان: (٢٤٩ و) ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ [النمل:٤١]، فجعلوا مكان الذهب فضة، ومكان الفضة ذهبا، وكذلك بدّلوا الجواهر، ونزلت بلقيس على علوة من معسكر سليمان ﵇، ورأت ما أعطي سليمان من عظم الملك، فتقاصر إليها ملكها، وأقامت ثلاثة أيّام لا تبرح مكانها، فقال لها قومها: ألا تأتين هذا الملك فتنظري ما عنده؟ قالت: أنا صائرة إليه اليوم لأعرف كنه أمره، قالوا: وبم تعرفين ذلك؟ قالت: إنّ الملوك لا يجلس إليهم إلا بإذنهم، فإن أمرني بالجلوس إليه فإنّه ملك، وأمره هيّن، وإن لم يأمرني بالجلوس إليه، ولم ينهني عن القيام فهو نبيّ، ولا طاقة لي به، وسأمتحنه بثلاث مسائل، فإن أصابهنّ لم أشك في نبوّته، وإن لم يصبهنّ علمت أنّه ملك صاحب دولة، وإنّ سليمان ﵇ أمر الجنّ فبنوا عن يمين مجلسه وشماله رواقا بلبن الذهب، مفروشا به، وتركوا من فرشه موضع لبنة، ثم أقبلت ومعها خادم لها على عنقه لبنة من ذهب لتجلس بلقيس عليها، فلمّا دخلت الرّواق فأبصرت ما أبصرت، ونظرت إلى موضع اللّبنة التي ليست بمكانها، كرهت أن

стр. 1222

يظنّ القوم أنّ اللبنة المنزوعة التي هي معها، وأمرت الخادم بوضع اللّبنة التي كانت معها في ذلك الموضع، فاستوى فرش الرحبة بتلك اللّبنة، ثمّ وقفت أمام (١) سليمان، فحيّته بتحية الملوك، وقامت ساعة لا يأمرها بالجلوس، ولا ينهاها عن القيام، ثم رفع طرفه إليها، وقال: يا هذه، إنّ الأرض بساط الله، وإنّ العباد عباد الله، فمن شاء فليقم، ومن شاء فليقعد، فقعدت أمامه على كرسيّ من ذهب، والإنس على يمين سليمان والجنّ على شماله، ما يلفظ أحد منهم بكلمة، ونظرت إلى عرشها، فأنكرته، فقيل لها: ﴿أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢]، فقال لها سليمان: أمة الله، أدعوك إلى توحيد الله وتعظيمه، وخلع ما تعبدين من دونه ليكون لك ما لنا وعليك ما علينا، فإن أبيت فأذني بحرب من الله ورسوله، ولن تعجزيهما، فقالت: قد فهمت مقالتك أيّها الملك، ولست أعرف كنه (٢) أمرك أنك نبيّ أم ملك؟ وإنّي سائلتك عن ثلاثة (٣) أمور، فإن أخبرتني بها علمت أنك نبيّ، ودخلت في دينك، وإن لم تعرفها علمت أنك ملك ثم أنظر في محاربتك ومسالمتك، قال: سلي ما بدا لك لأخبرك بما يوحي إليّ فيه ربّي، قالت: أخبرني عن شبه الولد بأبيه وآخر بأمّه، وائتني بماء ليس من أرض ولا سماء (٤)، وصف لي صفة ربّك لأعرفه؟ فقال: أما صفة الولد وشبهه فإنّ نطفة المرأة إذا سبقت نطفة الرجل أشبه الولد أمّه، (٢٤٩ ظ) وإذا سبقت نطفة الرجل نطفة المرأة أشبه الولد أباه، وأمّا الذي سألت أن ليس من أرض ولا سماء، فإنّي آتيك به الساعة، فأمر رضّة (٥) الخيل، فأجروا الخيل حتى عرقت، فملؤوا من ذلك العرق قلّة، فأتوها بها، فأمّا الثالثة، قالت: فأخبرني عن المسألة، قال: حتى يوحى إليّ فيها، فأوحى الله تعالى إليه أنّي قد أنسيتها المسألة الثالثة، فقل لها: ما كانت مسألتك الثالثة؟ قالت: ما سألتك غير هاتين المسألتين، وقد أجبت عنهما، وأنا ناظرة يومي هذا في أمري، وعادية (٦) عليك غدا بما أرى (٧)، ثم قامت فيمن كان معها من عظماء قومها، فانصرفت إلى معسكرها، فجمعت إليها من كان معها فقالت: إنّ هذا الرجل نبيّ مكرّم، فما الذي ترون؟ قالوا: أنت أفضلنا رأيا، فافعلي (٨) ما بدا لك وفيه صلاحك وصلاح قومك، قالت: قد رأيت أن أسأله وأدخل في طاعته؛ لئلا يستبيح بلدتي، ولا يسبي الذراري، ولا يقتل

стр. 1223

المقاتلين، قالوا: الرأي ما رأيت، قالوا (١): ثم إنّ الجنّ الذي كانوا مع سليمان كرهوا أن يتزوجها سليمان؛ لأنّها كانت منتسبة من جهة أمها إلى الجنّ، واحتالوا وقالوا لسليمان: يا نبيّ الله، إنّ هذه المرأة من جنيّة، وإنّ الجنيّة لم تلد إنسيّة [إلا] (٢) وكان قدم الولد كحافر الحمار، فأمر سليمان الجنّ فاتخذوا أمام مجلسه صرحا من قوارير تحته الماء، وفي الماء (٣) سمك، ففعلوا ذلك، واعتذروا إلى سليمان ممّا قالوا في بلقيس، وأقرّوا أنّهم كذبوا عليها، فأعجب سليمان ذلك الصرح، وقال لهم: أحسنتم قد عفوتكم عمّا قلتم، فلا تعودوا إلى مثله، قال: وأقبلت بلقيس حتى قربت من الصرح، وسليمان قاعد من ذلك الجانب من الصرح، فنظرت إليه وقالت لقومها: هذا الرجل إنّما دعانا ليغرقنا في هذه اللّجة، فقال لها قومها: مرينا بأمرك فإنّا لا نبالي أفي الماء غرقنا أم بالسيوف قتلنا؟ ثم سلّ القوم سيوفهم، فقال آصف لبعض العفاريت: صح بهم صيحة، فصاح بهم ذلك العفريت، فخرّوا على وجوههم، ثمّ وثبوا وهم فزعون، قال: وتقدمت بلقيس إلى الصرح لتعبر، وهي تظنّ أنّه ماء جار، قال الله تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ (٤) كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ [النمل:٤٤] لتخوضه، ونظر إلى قدميها، فإذا هما أحسن قدم تكون على امرأة، فأمر مناديا فناداها: أن غطّ (٤) ساقيك، فإنّه صرح ممرد من قوارير، فاستحيت (٥) بلقيس، وأرسلت ثوبها على ساقيها، ثم قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]، وأقبلت حتى جلست على كرسي أمام سرير سليمان، وقالت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وحملت الريح صوتها إلى قومها، قالوا بأجمعهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: ونظر سليمان إليها وتأمّلها لحسنها وجمالها فقال لها: ويحك يا بلقيس، (٢٥٠ و) أفنيت شبابك في عبادة الشمس من دون الله، قالت: يا نبيّ الله، دع ما مضى، فالآن قد دخلت في دينك، وقلت بمقالتك، وشهدت بشهادتك غير أنّي أرى خاتمك (٦) منوقشا بلا حفر ولا كتابة، فما الذي على خاتمك؟ قال سليمان ﵇: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قالت بلقيس: من محمد؟ قال سليمان: محمد رسول الله يكون في آخر الزمان، قالت بلقيس: فلم صار اسمه على خاتمك دون اسمك؟ فقال: لأنّه أكرم على الله منّي،

стр. 1224

ولن ينفعك الإيمان، ولن يقبل الله منك صرفا ولا عدلا حتى تؤمني بمحمد ﷺ فآمنت بلقيس ومن معها بنبيّنا محمد ﵇ من قبل أن يولد بدهر طويل، قال: وهمّ سليمان بتزوجها، وكره ما رأى من تلك الشعر، وعرفت ذلك منه، فقالت: يا نبيّ الله، إنّ الرمانة لا تدري ما طعمها حتى تكسر، فقال سليمان: ما لا يحلو في العين لا يحلو في القلب، فقال بعضهم من نصحاء سليمان من الجنّ: يا نبيّ الله، هل كرهت منها إلا هذا الشعر، أنا أحتال لها حتى تكون كالفضّة البيضاء، قال: دونك، فعمل لها عند ذلك النورة، فتنوّرت، فخرجت بيضاء نقيّة، وكان ذلك أوّل ما اتّخذت النورة، فأمّا الحمامات فقد كانت قبل ذلك بزمان ودهر طويل في ملك جم بن نونجهان (١)، وكان قد سخّر له الجنّ والشياطين، ولم يسخّر له الريح والطير، قال: فتزوج بها سليمان ووقعت من قلبه موضع محبّته، فأقرّها على ملكها، وأمر الجنّ فابتنوا له بأرض اليمن ثلاثة (٢) حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا ومجالس وقبابا، ما نظر من الخلق في سالف الدهر إلى مثلها، قال: وجعلوا لهذه البنيان وهذه (٣) القباب أبوابا من ألوان الجواهر، واتخذوا بين تلك (٤) الأبينة نخيلا وأشجارا وكروما من الذهب والفضّة، ثمرها الزبرجد والياقوت، قال: ونظرت بلقيس إلى ذلك البنيان، فبقيت متحيّرة لا تقدر على الكلام ساعة، ثم قالت: إنّ هذه القدرة لقدرة جبار عظيم لا تدركه (٥) العيون، ولا تصفه الألسن، ولكنّه له الملك والقدرة والسلطان، لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفكار والأقطار، ثم أقبلت على سليمان، فقالت: يا نبيّ الله، أشهد لقد فضّلك (٦) ربّ السماء والأرض على جميع خلقه فضيلة لا يطفأ نورها، ولا يبيد ذكرها آخر الأبد، ولن أصلح إلا لمثلك، وكان أسامي ما كانت تتولاه بأرض اليمن: سليجين وبينون و (٧) غمدان، فكان سليمان ﵇ يزورها في كلّ شهر مرّة، فيقيم عندها ثلاثا، ثم يتنكّر فيمشي بالشام. قال الشعبي: وحكي لنا أنّ بلقيس ﵂ لم تجلس على سرير الملك بعد إيمانها بالله، ولا لبست حريرا ولا ديباجا، ولا تحلّت بالذهب، وكانت تقول: حسبي من الحسن والجمال والنور (٢٥٠ ظ) والبهاء توحيدي وإسلامي وإيماني بربي وسجودي له، وحسبي من الفخر تزويجي لسليمان نبيّ الله ورسوله، لا جلست إلا مثل

стр. 1225

جلوس سليمان، ولا أكلت إلا مثل أكله، ولا لبست إلا مثل لباسه، ولا نظرت [إلى] (١) السماء حياء من ربّي إذ عبدت الشمس من دونه، قال: وكانت كذلك حتى قرأت التوراة والإنجيل (٢)، وكانت مع ذلك لا تفتر من القنوت والسجود في الليل والنهار. ٢١ - وفي قوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً﴾ دليل على كون (٣) ذلك الهدهد عاقلا مخاطبا مكلّفا. (٤) وفي قوله: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ دليل وجوب قبول العذر على الإمام والرئيس. (٥) وعن فروة بن مسيك المرادي (٦) قال: أتيت (٧) النبي ﵇، فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من أهل اليمن بمن (٨) أقبل منهم، فأذن لي في قتالهم، فأمّرني عليهم، فلمّا خرجت من عنده سأل عنّي ما سأل الغطيفي؟ فأخبر أنّي قد سرت، فأرسل في إثري، فردّني، فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: «ادع القوم، فمن أسلم فاقبل، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث لك»، قال: وأنزل في سبأ ما نزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ أرض أم امرأة؟ قال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنّه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأمّا الذين تشاءموا: فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا: فالأزد والأشعريون (٩) وحمير وكندة ومذحج وأنمار»، فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم وبجيلة». قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب (١٠). وروي عن النبيّ نحوه. وقوله: «منهم خثعم وبجيلة» يحتمل: النسبة (١١) الحقيقية، ويحتمل: الموالاة، كما في قوله: «سلمان منّا أهل البيت (١٢)»، و (١٣) يحتمل: أن يكون وحيا،

стр. 1226

ويحتمل: أن يكون (١) مسموعا على سبيل الاستفاضة. ٢٢ - وقوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ:﴾ لأنّ سليمان ﵇ كان مصروفا عنه فيما (٢)، والصّرفة حقّ كاحتباس بني إسرائيل في التيه، وكونهم مصروفين عمّا حواليه أربعين سنة. ٢٥ - ﴿الْخَبْءَ:﴾ المخبوء، وهو المستور. وفائدته أن عبدة الشمس إنما يعبدونها لتبيينها المحسوسات، وإظهارها المستورات، والله تعالى هو المبيّن لكل محسوس ومعقول، فعبادته أولى. وعن معدان بن طلحة (٣) قال: لقيت ثوبان (٤) مولى رسول الله فقلت له: دلني على عمل ينفعني الله به، أو يدخلني الجنة، فسكت عني ثلاثا، ثم التفت إليّ فقال (٥): عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة» قال: معدان: فلقيت أبا الدرداء فسألته عما سألته ثوبان، فقال: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة». (٦) ٢٧ - ﴿سَنَنْظُرُ:﴾ سنمتحن ونختبر. ٢٨ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: اعتزلهم وتنحّ عنهم. وقيل: ما فيه تقديم (٧) وتأخير. ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. . . ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ:﴾ (٢٥١ و) عن ابن العباس، عن النبيّ ﵇ قال: «كرامة الكتاب ختمه». (٨) ٣٢ - وفي قوله: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ دليل على حسن المشاورة. وقولها: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً﴾ أي: ممضية حكما.

стр. 1227

٣٣ - وفي قولهم: ﴿نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ﴾ دليل على حسن إظهار الجند بأسهم. وفي قولهم: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ دليل على حسن طاعة الرعيّة للإمام. ٣٤ - وفي قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ دليل (١) على وجود (٢) حسن النظر في عواقب الأمور، وتركهم قضية السّورة (٣) والفورة. ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ:﴾ يجوز أن يكون الكلام من بلقيس على سبيل التأكيد. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ من جهة الله على سبيل التصديق. وعن بعض الملوك: أنّها احتجّ بها على بعض النّسّاك فقال: اقرأ الآية التاسعة عشرة (٤) من هذه: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل:٥٢]. ٣٥ - ففي قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ:﴾ أدلّة على صحة امتحان رجال الآخرة ورجال الدنيا بالدنيا. ٣٧ - ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ بِها:﴾ لا طاقة بها، ولا يقاتلونها بشدّة وبأس. ٣٩ - ﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ:﴾ نافر (٥) قويّ مع خبث ودهاء، يقال: رجل عفر وعفريت. ٤١ - ﴿نَكِّرُوا:﴾ غيّروا، وإنّما يوجب نكره. وفائدة (٦) الامتحان ظهور الفطنة وذكاء القريحة، فإنّ (٧) من كان أخرق في معيشته وعاجلته، فأخلق به أن يكون أخرق في ديانته وآجلته، وليس يميّز السفيه بين البرهان والتمويه، وعلى هذا تأوّل الجاحظ (٨) قوله: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] في كتاب المعاش والمعاد (٩) غير أنّه فاسد؛ لأنّ من شغله الشعير عن الشعر، والآخرة عن الأولى، وأصبح متألّها لم يعرف

стр. 1228

قيم السلع في السوق، وله في التوحيد والفقه رتبة لا يدري مداها، ولا يبلغ أعلاها (١). ٤٣ - ﴿وَصَدَّها:﴾ يعني: من شؤم إشراكها صدّها عن صواب القول. وقيل: صدّ سليمان. (٢) وهذا خلاف الظّاهر. ٤٤ - ﴿الصَّرْحَ:﴾ البناء العالي كالقصر. ﴿مُمَرَّدٌ:﴾ مملّس. وقيل: مطوّل. (٣) ﴿مِنْ قَوارِيرَ:﴾ جمع قارورة، وهو الزجاج. ولو شاء سليمان ﵇ لاطّلع على ساقيها من غير هذه الكلفة لكن أمر بالاحتيال إكراما لها واحتراما إيّاها، وتنبيها لها على ما آتاه الله من البسطة والتمكين. وفي الآية دليل على جواز النظر إلى الأجنبية على نيّة النكاح. (٤) ٤٥ - ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ:﴾ المؤمنون والكافرون. ﴿يَخْتَصِمُونَ:﴾ يختلفون في أمر صالح ﵇. ٤٦ - ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ:﴾ بنزول العذاب قبل أن تتمّ العاقبة المقدرة في الكتاب. ٤٧ - ﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ (٥)﴾ مَعَكَ: كانوا يتطيرون بصالح والمؤمنين، ويسندون الأمراض والآفات إليهم لكراهتهم مكانهم، فأخبر صالح ﵇: أنّ الشؤم من عند الله تعالى كما أنّ البركة من عنده، لا خير إلا خيره، ولا طيرة إلا طيره، ولا إله غيره، بل (٦) ردّ عليهم، (٢٥١ ظ) أي: لستم تصابون بالشرّ من جهتنا. [﴿تُفْتَنُونَ﴾] (٧): تختبرون بالشرّ لشقوتكم. ٤٨ - ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ:﴾ قدار وأصحابه من بني عمير. ٤٩ - ﴿أَهْلَهُ:﴾ آله وهم المؤمنون. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ:﴾ عصبة الكافر المتعصّب له، مثل أبي طالب.

стр. 1229

﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ:﴾ مهلكه ومهلك أهله. ٥٠ - ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً:﴾ وقتلوا الناقة. ﴿وَمَكَرْنا:﴾ دمّرناهم. وقيل: مكرهم تقاسم هؤلاء التسعة رهط، ومكر الله إرسال الجبل عليهم، وهم في غار من الجبل. (١) قيل: هؤلاء التسعة غير قدار وأصحابه. ٥٢ - ﴿خاوِيَةً﴾ (٢): خالية. ٥٤ - ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ:﴾ كونها مخالفة الناس (٣) لفطرة الله تعالى. وقيل: إنّ بعضهم كان يأتي بعضا في الأندية. (٤) ٥٥ - ﴿بَلْ:﴾ للإضراب. ٥٩ - (أم:) مترتبة على الاستفهام، وفي (ما) بعدها بمعنى بل. ٦٠ - ﴿حَدائِقَ:﴾ جمع حديقة، وهي البستان الذي أحدق به البناء، والبناء الذي أحدقت به الأشجار. ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ:﴾ حسن ونضارة. ٦١ - ﴿الْأَرْضَ قَراراً:﴾ موضع (٥) قرار، كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة:٣٦]. وقيل: وجعل الأرض مستقرّة، كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥]. (٦) ٦٦ - ﴿بَلِ اِدّارَكَ:﴾ أم ادراك على سبيل الاستفهام، ثمّ الشكّ حقيقة حالهم، ثمّ العمى لنفي توهم الشك علما، فإن الشكّ جهل وليس بعلم. وقيل: هو كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، ثمّ الشكّ (٧) والعمى. وقيل: أدرك علمهم في الآخرة إيمان أكثرهم بها على سبيل الإجمال، والشكّ شك بعضهم والعمى عمى، وبل للإضراب دون الاستدراك. وقيل: الكلام على ظاهره، والتناقض في أحوالهم المخبر عنها دون الخبر؛ لأنّهم أيقنوا بانتهاء أيّام الدنيا في أوّل فكرهم ونظرهم على سبيل البديهة التي هي من قضية الفطرة، ثمّ شكوا فيها

стр. 1230

لتمكينهم الشبهات من قلوبهم، ثمّ عموا عنها باتباع الشهوات بقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ (١)﴾ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:١١٠]، وبل للإضراب. وقيل: أدرك علمهم في الآخرة حصل لهم بتواتر الأخبار والآيات النبويّة، يدلّ عليه قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ [النمل:٦٨]، وشكّهم يشككهم على سبيل المكابرة، وعماهم اعتقادهم خلاف العلم الضروريّ باعتقاد السوفسطائية (٢) في العالم، واعتقاد الروافض في القرآن. ٧٢ - ﴿رَدِفَ لَكُمْ:﴾ أي: ردفكم، (٣) واللام مقحمة كما في قوله: ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ [الأعراف:٤٥] (٤). ٧٤ - ﴿تُكِنُّ:﴾ تخفي. ٧٦ - ﴿يَخْتَلِفُونَ:﴾ أي: بنو إسرائيل أنّه من سليمان أنه كان نبيا مرضيّا أم ملكا مقارفا للمعصية، وقد زكّاه الله وأثنى عليه. ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى:﴾ ولكنّ الله أسمعهم كلامه على سبيل التقريع وهم في قليب بدر. (٥) ٨٠ - ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ:﴾ وجب العذاب الموعود عليهم، والضمير عائد إلى غاية المحجوجين المخالفين بكفر أم ببغي. ﴿دَابَّةً:﴾ جنس من الحيوان لم يعرف بعد. ﴿تُكَلِّمُهُمْ:﴾ بلسان معهود معروف فيما بين الناس. عن أنس بن مالك قال في دابّة الأرض: إنّ فيها من كلّ أمّة، سيماها من هذه الأمّة، إنّها تتكلّم بلسان عربيّ (٢٥٢ و) مبين (٦) قابل. (٧) والظاهر من هذه الدابّة أنّها آية ملجئة غير ملتبسة لاعتبار وقوع. عن أبي هريرة: أنّ النبيّ ﵇ قال: «تخرج الدابّة معها خاتم سليمان
следующие страницы →