← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ويحتمل: أن يكون (١) مسموعا على سبيل الاستفاضة. ٢٢ - وقوله: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ:﴾ لأنّ سليمان ﵇ كان مصروفا عنه فيما (٢)، والصّرفة حقّ كاحتباس بني إسرائيل في التيه، وكونهم مصروفين عمّا حواليه أربعين سنة. ٢٥ - ﴿الْخَبْءَ:﴾ المخبوء، وهو المستور. وفائدته أن عبدة الشمس إنما يعبدونها لتبيينها المحسوسات، وإظهارها المستورات، والله تعالى هو المبيّن لكل محسوس ومعقول، فعبادته أولى. وعن معدان بن طلحة (٣) قال: لقيت ثوبان (٤) مولى رسول الله فقلت له: دلني على عمل ينفعني الله به، أو يدخلني الجنة، فسكت عني ثلاثا، ثم التفت إليّ فقال (٥): عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة» قال: معدان: فلقيت أبا الدرداء فسألته عما سألته ثوبان، فقال: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة». (٦) ٢٧ - ﴿سَنَنْظُرُ:﴾ سنمتحن ونختبر. ٢٨ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: اعتزلهم وتنحّ عنهم. وقيل: ما فيه تقديم (٧) وتأخير. ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. . . ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ:﴾ (٢٥١ و) عن ابن العباس، عن النبيّ ﵇ قال: «كرامة الكتاب ختمه». (٨) ٣٢ - وفي قوله: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ دليل على حسن المشاورة. وقولها: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً﴾ أي: ممضية حكما.

стр. 1227

٣٣ - وفي قولهم: ﴿نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ﴾ دليل على حسن إظهار الجند بأسهم. وفي قولهم: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ دليل على حسن طاعة الرعيّة للإمام. ٣٤ - وفي قولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ دليل (١) على وجود (٢) حسن النظر في عواقب الأمور، وتركهم قضية السّورة (٣) والفورة. ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ:﴾ يجوز أن يكون الكلام من بلقيس على سبيل التأكيد. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ من جهة الله على سبيل التصديق. وعن بعض الملوك: أنّها احتجّ بها على بعض النّسّاك فقال: اقرأ الآية التاسعة عشرة (٤) من هذه: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل:٥٢]. ٣٥ - ففي قوله: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ:﴾ أدلّة على صحة امتحان رجال الآخرة ورجال الدنيا بالدنيا. ٣٧ - ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ بِها:﴾ لا طاقة بها، ولا يقاتلونها بشدّة وبأس. ٣٩ - ﴿عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ:﴾ نافر (٥) قويّ مع خبث ودهاء، يقال: رجل عفر وعفريت. ٤١ - ﴿نَكِّرُوا:﴾ غيّروا، وإنّما يوجب نكره. وفائدة (٦) الامتحان ظهور الفطنة وذكاء القريحة، فإنّ (٧) من كان أخرق في معيشته وعاجلته، فأخلق به أن يكون أخرق في ديانته وآجلته، وليس يميّز السفيه بين البرهان والتمويه، وعلى هذا تأوّل الجاحظ (٨) قوله: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] في كتاب المعاش والمعاد (٩) غير أنّه فاسد؛ لأنّ من شغله الشعير عن الشعر، والآخرة عن الأولى، وأصبح متألّها لم يعرف

стр. 1228

قيم السلع في السوق، وله في التوحيد والفقه رتبة لا يدري مداها، ولا يبلغ أعلاها (١). ٤٣ - ﴿وَصَدَّها:﴾ يعني: من شؤم إشراكها صدّها عن صواب القول. وقيل: صدّ سليمان. (٢) وهذا خلاف الظّاهر. ٤٤ - ﴿الصَّرْحَ:﴾ البناء العالي كالقصر. ﴿مُمَرَّدٌ:﴾ مملّس. وقيل: مطوّل. (٣) ﴿مِنْ قَوارِيرَ:﴾ جمع قارورة، وهو الزجاج. ولو شاء سليمان ﵇ لاطّلع على ساقيها من غير هذه الكلفة لكن أمر بالاحتيال إكراما لها واحتراما إيّاها، وتنبيها لها على ما آتاه الله من البسطة والتمكين. وفي الآية دليل على جواز النظر إلى الأجنبية على نيّة النكاح. (٤) ٤٥ - ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ:﴾ المؤمنون والكافرون. ﴿يَخْتَصِمُونَ:﴾ يختلفون في أمر صالح ﵇. ٤٦ - ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ:﴾ بنزول العذاب قبل أن تتمّ العاقبة المقدرة في الكتاب. ٤٧ - ﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ (٥)﴾ مَعَكَ: كانوا يتطيرون بصالح والمؤمنين، ويسندون الأمراض والآفات إليهم لكراهتهم مكانهم، فأخبر صالح ﵇: أنّ الشؤم من عند الله تعالى كما أنّ البركة من عنده، لا خير إلا خيره، ولا طيرة إلا طيره، ولا إله غيره، بل (٦) ردّ عليهم، (٢٥١ ظ) أي: لستم تصابون بالشرّ من جهتنا. [﴿تُفْتَنُونَ﴾] (٧): تختبرون بالشرّ لشقوتكم. ٤٨ - ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ:﴾ قدار وأصحابه من بني عمير. ٤٩ - ﴿أَهْلَهُ:﴾ آله وهم المؤمنون. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ:﴾ عصبة الكافر المتعصّب له، مثل أبي طالب.

стр. 1229

﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ:﴾ مهلكه ومهلك أهله. ٥٠ - ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً:﴾ وقتلوا الناقة. ﴿وَمَكَرْنا:﴾ دمّرناهم. وقيل: مكرهم تقاسم هؤلاء التسعة رهط، ومكر الله إرسال الجبل عليهم، وهم في غار من الجبل. (١) قيل: هؤلاء التسعة غير قدار وأصحابه. ٥٢ - ﴿خاوِيَةً﴾ (٢): خالية. ٥٤ - ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ:﴾ كونها مخالفة الناس (٣) لفطرة الله تعالى. وقيل: إنّ بعضهم كان يأتي بعضا في الأندية. (٤) ٥٥ - ﴿بَلْ:﴾ للإضراب. ٥٩ - (أم:) مترتبة على الاستفهام، وفي (ما) بعدها بمعنى بل. ٦٠ - ﴿حَدائِقَ:﴾ جمع حديقة، وهي البستان الذي أحدق به البناء، والبناء الذي أحدقت به الأشجار. ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ:﴾ حسن ونضارة. ٦١ - ﴿الْأَرْضَ قَراراً:﴾ موضع (٥) قرار، كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة:٣٦]. وقيل: وجعل الأرض مستقرّة، كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥]. (٦) ٦٦ - ﴿بَلِ اِدّارَكَ:﴾ أم ادراك على سبيل الاستفهام، ثمّ الشكّ حقيقة حالهم، ثمّ العمى لنفي توهم الشك علما، فإن الشكّ جهل وليس بعلم. وقيل: هو كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، ثمّ الشكّ (٧) والعمى. وقيل: أدرك علمهم في الآخرة إيمان أكثرهم بها على سبيل الإجمال، والشكّ شك بعضهم والعمى عمى، وبل للإضراب دون الاستدراك. وقيل: الكلام على ظاهره، والتناقض في أحوالهم المخبر عنها دون الخبر؛ لأنّهم أيقنوا بانتهاء أيّام الدنيا في أوّل فكرهم ونظرهم على سبيل البديهة التي هي من قضية الفطرة، ثمّ شكوا فيها

стр. 1230

لتمكينهم الشبهات من قلوبهم، ثمّ عموا عنها باتباع الشهوات بقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ (١)﴾ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:١١٠]، وبل للإضراب. وقيل: أدرك علمهم في الآخرة حصل لهم بتواتر الأخبار والآيات النبويّة، يدلّ عليه قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ [النمل:٦٨]، وشكّهم يشككهم على سبيل المكابرة، وعماهم اعتقادهم خلاف العلم الضروريّ باعتقاد السوفسطائية (٢) في العالم، واعتقاد الروافض في القرآن. ٧٢ - ﴿رَدِفَ لَكُمْ:﴾ أي: ردفكم، (٣) واللام مقحمة كما في قوله: ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ [الأعراف:٤٥] (٤). ٧٤ - ﴿تُكِنُّ:﴾ تخفي. ٧٦ - ﴿يَخْتَلِفُونَ:﴾ أي: بنو إسرائيل أنّه من سليمان أنه كان نبيا مرضيّا أم ملكا مقارفا للمعصية، وقد زكّاه الله وأثنى عليه. ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى:﴾ ولكنّ الله أسمعهم كلامه على سبيل التقريع وهم في قليب بدر. (٥) ٨٠ - ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ:﴾ وجب العذاب الموعود عليهم، والضمير عائد إلى غاية المحجوجين المخالفين بكفر أم ببغي. ﴿دَابَّةً:﴾ جنس من الحيوان لم يعرف بعد. ﴿تُكَلِّمُهُمْ:﴾ بلسان معهود معروف فيما بين الناس. عن أنس بن مالك قال في دابّة الأرض: إنّ فيها من كلّ أمّة، سيماها من هذه الأمّة، إنّها تتكلّم بلسان عربيّ (٢٥٢ و) مبين (٦) قابل. (٧) والظاهر من هذه الدابّة أنّها آية ملجئة غير ملتبسة لاعتبار وقوع. عن أبي هريرة: أنّ النبيّ ﵇ قال: «تخرج الدابّة معها خاتم سليمان

стр. 1231

وعصا موسى ﵉، فتجلو وجه المؤمن، وتختم أنف الكافر بالخاتم حتى إنّ أهل الخوان (١) يجتمعون، فتقول (٢): هذا ها يا مؤمن، وتقول: هذا ها يا كافر». (٣) قال أبو عيسى: هذا حسن صحيح (٤). قال إبراهيم: تخرج دابّة الأرض من مكة. (٥) وقال ابن عباس: الدابّة التي يخرج الله تعالى للناس تكلّمهم أنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، هو الثعبان الذي كان في البيت، فأرسل الله عقابا فاختطفه. (٦) وقال مجاهد: اختطف العقاب الثعبان، فألقاه بحراء (٧) بمخسف العماليق بقية عاد. وقال مجاهد: عن ابن عباس: ألقاه العقاب بأجياد، فمن أجياد تخرج الدابّة (٨). وعن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: تخرج الدابّة من تحت الصفا، فتستقبل المشرق، فتصرخ صرخة يبلغ صوتها منقطع الأرض من المشرق، ثمّ تستقبل المغرب، فتصرخ صرخة يبلغ صوتها منقطع الأرض من المغرب، ثمّ تستقبل اليمن فتصرخ صرخة كذلك، ثمّ تستقبل الشام وكذلك، ثم تغدو فتقيل بعسفان. (٩) عكرمة، عن ابن عباس: إنّما جعل المسبق من أجل الدابّة، فإنّها تخرج قبل التروية بيوم، أو يوم التروية، أو يوم عرفة، أو يوم النحر، أو الغد من يوم النحر. (١٠) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس يبدرن السّاعة لا أدري أيّتهنّ قبل، وأيّتهنّ جاءت لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: الدابّة، ويأجوج ومأجوج، والدجّال، وطلوع الشمس من مغربها، وعيسى بن مريم». (١١) ٨٣ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ:﴾ واذكر يوم نحشر يوم جماعة. ٨٧ - ﴿داخِرِينَ:﴾ صاغرين. ٨٨ - ﴿جامِدَةً:﴾ ضدّ سائلة، والجماد ضدّ الحيوان، تكون هذه يوم القيامة، كقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣]، ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٥]، وذلك الحسبان لقصور الرؤية عن الاحتواء بأطرافها.

стр. 1232

٩٣ - و ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ أي: الملجئة. وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ طس سليمان أعطاه الله عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات، ورفع له عشر (١) درجات بعدد كلّ من كذّب موسى وصدّقه، وداود وسليمان وصالحا ولوطا، وخرج يوم القيامة وهو ينادي بشهادة أن لا إله إلا الله». (٢)

стр. 1233

سورة القصص مكية. وروى المعدل عن ابن عباس: أنّ آية واحدة نزلت بالجحفة، ورسول الله مهاجر إلى المدينة، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ [القصص:٨٥]. (١) وهي ثمان وثمانون آية. (٢) (٢٥٢ ظ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨ - ﴿هامانَ:﴾ رجل من آل فرعون، كان (٣) عزيز مصر في زمانه، مثل فوطيفر، ولم يبلغنا في نسبته ما نعتمد عليه. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ:﴾ جواريه. واللام لام العاقبة. (٤) ﴿وَحَزَناً﴾ أي: سبب حزن امرأة فرعون آسية (٥)، ولم يبلغنا أنّها كانت من العمالقة أم من القبطة، أوزعها الله محبة موسى ﵇، وأكرمها بالإيمان، ورزقها الشهادة، وهي التي قالت: ﴿رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١]، وكانت لها ماشطة إسرائيلية، فهي التي كانت توحي إليها علم التوحيد والإسلام فيما يروى، وهي امرأة حزبيل (٦) النجّار مؤمن آل فرعون. قيل: وصلت آسية كهنة فرعون صلات عظيمة ليلبسوا أمر موسى على فرعون. ١٠ - ﴿فارِغاً:﴾ ضدّ شاغل، وإنّما فرغ قلبها بعد التقاطهم، وإنّما كادت تبدي به حين ألقته في اليمّ، أو حين دعت لتكفله وترضعه، واسم أمّ موسى يوخابذ بنت لاوي، واسم أخته مريم. ١٥ - عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ قال: وهم قائلون. (٧) قيل: المدينة عين الشمس. (٨) وقال مقاتل: هي قرية تدعا حابين على

стр. 1234

فرسخين من مصر. (١) ﴿فَوَكَزَهُ:﴾ فضربه بجميع (٢) كفّه. ﴿فَقَضى عَلَيْهِ:﴾ فأمضى موسى ﵇ القتل بوكزه. ﴿قالَ هذا:﴾ إشارة إلى قتل النفس بغير إذن الله. ﴿فَاغْفِرْ لِي:﴾ أي: استر الخيانة على آل فرعون؛ لئلا يؤاخذوني عاجلا. ١٧ - ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ:﴾ أراد إنشاؤه في حجر عدوّه. وقيل: ستر الخيانة، وترك المؤاخذة عاجلا عليّ. ﴿أَكُونَ:﴾ معطوف على مقدّر (٣)، أي: تبت فلن أكون. قال ابن عباس: إنّ موسى ﵇ لم يستثن في كلامه، فابتلي بالبطش ثانيا. (٤) ١٨ - ﴿بِالْأَمْسِ:﴾ اليوم الماضي، مبنيّ على كسرة آخره. قال الكسائي: بني على الأمر من أمسى يمسي، فإذا دخلته لام التعريف أعرب. (٥) وإنّما قال للمستصرخ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ لاستنصاره موسى ﵇، وتركه التقية والرفق، وهو يعلم ما ابتلي به موسى ﵇ بالأمس من جهته. ١٩ - ﴿فَلَمّا (٦)﴾ أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما: بوجوب إغاثة الملهوف، والذبّ عن المؤمنين. وإنّما قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ لخوفه بجهله وحماقته. وقيل: الصديق الجاهل شرّ من العدوّ العاقل. ٢٠ - ﴿وَجاءَ رَجُلٌ:﴾ أي: حزبيل النجار مؤمن آل فرعون من الجانب الآخر من المدينة، من جهة باب فرعون. ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ:﴾ لأنّ القبطيّ حيث سمع قول الإسرائيليّ خلاّه، ومضى على وجهه يخبر فرعون بالقصة.

стр. 1235

٢٣ - ﴿اِمْرَأَتَيْنِ:﴾ هما ابنتا شعيب ﵇. وقال الكلبي: هما ابنتا يثرون ابن أخي شعيب، رجل صالح شاخ وعمي في آخر عمره (١). ﴿تَذُودانِ:﴾ تحبسان (٢٥٣ و) عن الماء. ﴿الرِّعاءُ﴾ (٢): جمع راع (٣)، وليس بالقياس. ٢٤ - عكرمة عن ابن عباس: وقوله: ﴿إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال: ما سأل إلا الطعام. (٤) ٢٥ - ﴿تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ:﴾ متستّرة بكمّها وذيلها. ٢٦ - وإنما قالت: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ لاستقائه وحده بدلو ما كان يطيقها إلا عشرة (٥) من الرجال أو أربعون (٦)، ولغضّه البصر، فإنّه قال للمرأة: تخلّفي عنّي فإن ضللت الطريق فناديني من ورائي. (٧) شرط المنفعة لوليّ المرأة غير المهر، وجعل ما يستحقّ على الوليّ مهرا للمرأة. ٢٧ - ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً:﴾ دليل على جواز الزيادة بالمهر. ٢٨ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى كلامه جملة، أو إلى (٨) قوله: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ.﴾ ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ:﴾ سئل ابن عباس: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أكثرهما. (٩) وعن النبي ﵇ قال: «سألت جبريل: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أتّمهما وأكملهما». (١٠)

стр. 1236

٢٩ - ﴿بِخَبَرٍ:﴾ أي: خبر الطريق، فإنّهم كانوا محتاجين إليه. ﴿أَوْ جَذْوَةٍ:﴾ خشبة يشعل فيها النار. ٣٠ - ﴿شاطِئِ الْوادِ:﴾ وشطّه شقّيه (١). ﴿الْأَيْمَنِ:﴾ ضدّ الأشأم، وهو نعت (الشاطئ)، وأيمن الوادي من يسلكه ويعبره. ﴿الْبُقْعَةِ:﴾ القطعة المتميزة من الأرض، جمعها بقع، كتحفة وتحف، ونطفة ونطف، والبقاع جمع بقعة، بفتح الباء، كقصعة وقصاع. ٣٢ - ﴿وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ:﴾ يحتمل معنيين: التجمع والنقيض؛ لاستدراك القوة، وإزالة الرهبة من الحيّة، والثاني: التضاؤل والتواضع من رهب الله تعالى. يحتمل قوله: ﴿وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ﴾ متصلا بقوله: ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ (٢) [القصص:٣٢]. وقوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ عائد إلى قوله: ﴿وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ.﴾ وعن مقاتل: ﴿الرَّهْبِ﴾ الكمّ، قال: وضعت الشيء في الرهب (٣)، أي: في الكمّ (٤)، وهذا تأويل بعيد. ٣٤ - ﴿أَفْصَحُ:﴾ أقدر على البيان. ٣٦ - ﴿بِآياتِنا:﴾ يجوز أن يتّصل بما قبله، وأن يتّصل بما بعده. ٣٨ - ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ:﴾ لتتّخذ آجرّا فتبني الصّرح منه. وتعدية الاطلاع (٥) تجوز بعلى وإلى. أراد أن يلبّس الأمر على الجهّال من قومه، أو لجهالته وسفهه (٦)، وكأنّه كان يتوهّم كون السماء مقرونة بالسحاب دون الأفلاك ودون النار. ٤٢ - ﴿الْمَقْبُوحِينَ:﴾ المطرودين المبعدين، وفي حديث عمار (٧): «اسكت مقبوحا

стр. 1237

مشقوحا منبوحا». (١) ٤٤ - ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ:﴾ فائدة النفي التنبيه على كونه ﵇ مخبرا عن الغيب الذي لا يعلمه مثله إلا بوحي إلهيّ. ﴿وَلكِنّا كُنّا:﴾ وجه العطف تبعيد ما بين موسى ونبيّنا ﵉ باعتداد الزمان، وتطاول العمر، واستطالته وطوله (٢)، بمعنى قال الله تعالى: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد:١٦]. ٤٥ - ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ:﴾ أي: ما أنت بالذي كان فيما بينهم. ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا:﴾ فرجعت إلى عادتك. ﴿وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ:﴾ إيّاه كما أرسلناك (٣). ٤٦ - عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ قال: لمّا أخذ موسى الألواح ونظر فيها قال: إلهي (٢٥٣ ظ) لقد أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا من قبلي، فأوحى الله: يا موسى، إنّي اطّلعت على قلوب عبادي فلم أجد أشدّ تواضعا من قلبك ﴿اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ [الأعراف:١٤٤] بجدّ ومحافظة، وكن من الشاكرين، يعني: شهادة أن لا إله إلا الله، ومت على التوحيد، يعني: حبّ محمد ﵇، قال موسى: إلهي، وما محمد؟ فأوحى الله تعالى إليه: محمد مكتوب على ساق العرش من قبل أن أخلق السماء والأرض بألفي عام، إنّه نبيّي وصفيّي وخيرتي من خلقي، وهو أحبّ إليّ من جميع خلقي ومن (٤) ملائكتي، فقال موسى: إلهي إن كان محمد أكرم عليك من جميع خلقك، وجميع ملائكتك، فهل خلقت أمّة أكرم من أمّتي؟ ظلّلت عليهم الغمام، وأنزلت عليهم المنّ والسلوى، فأوحى الله ﵎: يا موسى، إنّ فضل أمّة محمد ﵇ على سائر الأمم كفضلي على خلقي، قال موسى: يا ليتني رأيت أمّة محمد ﵇، قال: يا موسى، لن تراهم، ولكن تحبّ أن تسمع كلامهم، قال: نعم يا ربّ، فنادى ربّنا : يا أمّة محمد، فأجابوه بالتلبية، لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك، إنّ الحمد

стр. 1238

والنعمة لك والملك، لا شريك لك، فجعل ذلك إجابة (١) شعائر الحجّ، ثم نادى: يا أمّة محمد، إنّ رحمتي سبقت غضبي، قد غفرت لكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني، وغفرت لكم من قبل أن تعصوني، فمن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه أدخله (٢) الجنّة وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر. (٣) ﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ:﴾ أي: ولكن أخبرناك بالغيب رحمة عليك وعلى المتذكرين من قومك. ٤٧ - ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ:﴾ جواب مضمر في آخر الآية: لما أرسلناك إليهم. ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ:﴾ هلا أرسلت. ٤٨ - ﴿قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى:﴾ المراد بالكتابين التوراة والقرآن، وبالنبيين موسى ومحمد ﵉، وقيل: التوراة والإنجيل، (٤) وموسى وعيسى ﵉، (٥) وقيل: إنّه موسى وهارون (٦) والنبيين هما ﵉. (٧) ٤٩ - ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ المراد بالكتاب الذي وقع به (٨) التحدّي بالإتيان به كتاب مخالف لهما غير كتاب مصدق لهما، وفحوى الخطاب دالة عليه. ٥٢ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ:﴾ هم مؤمنو أهل الكتاب يؤتون أجرهم مرّتين لإيمانهم (٩). ٥٤ - ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ:﴾ يدفعون الكفر بالإيمان، والإنكار بالإقرار. ٥٦ - عن أبي هريرة (١٠) قال: قال رسول الله ﵇ لعمّه: «قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة»، قال: لولا أن تعيّرني قريش، إنّما يحمله عليه الجزع لأقررت بها عينك،

стр. 1239

فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ.﴾ (١) وعن ابن (٢) عمر قال: نزلت ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٣) (٢٥٤ و) في أبي طالب. وعن سعيد بن المسيّب، عن أبيه (٤) قال: لمّا حضرت أبا (٥) طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة، قال: أي عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه، ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال رسول الله: لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣]، فأنزل الله بأبي طالب، فقال لرسول (٦) الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ إيمانه، مثل أبي طالب، لكنّ الله يهدي من يشاء، مثل حمزة والعباس وأروى وصفيّة وعاتكة. ٥٧ - ﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ:﴾ كانوا يعتذرون إلى رسول الله بأنّهم لا يقاومون العرب قاطبة حواليهم إن خالفوا دينهم، فردّ الله عليهم عذرهم بأنّه هيّأ أسباب الحرمة، وهم (٧) كفّار جهّال، فكيف لو اعتصموا بالعروة الوثقى. ﴿يُجْبى:﴾ يجمع ويحمل. ٥٨ - ﴿إِلاّ قَلِيلاً:﴾ إلا سكونا قليلا. ٦١ - ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ:﴾ في النار (٨). ٦٣ - ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ:﴾ المتبوعين في الضلالة دون المعبودين. ٦٤ - ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ:﴾ وودوا، أي: وتمنّوا أنّهم كانوا يهتدون. ويحتمل: أنّ المراد به

стр. 1240

رؤية العذاب عن الذين يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصمّا. ٦٨ - ﴿وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ:﴾ الخيرة والخيرة كالطيرة والطيرة. والآية في ردّ قولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]. فيها دلالة أنّ المختار للإمامة من ميّزه الله تعالى بالتوفيق دون من ميّزه بالتخليق، وعلى فساد اختيار الناس إماما غير موافق للسنّة والجماعة. ٧١ - ﴿سَرْمَداً:﴾ دائما أبديّا. ٧٥ - ﴿شَهِيداً:﴾ أي: يشهد عليهم. ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ:﴾ يجوز أن يكون خطابا للشهداء على سبيل التوفيق، ويجوز أن يكون خطابا للمشهود عليه على سبيل التحدّي والتقريع. ٧٦ - ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى:﴾ ذكر الحدادي (١) في تاريخه: أنّ قارون ابن عمّ موسى، وكان فرعون قد ملّكه على بني إسرائيل حين كان بمصر، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون، وأغرق (٢) الله فرعون وجنوده، وجعلت الحبورة لهارون، وهو الرئيس الذي يقرّب القربان وبيده المذبح، وجعلت الرسالة لموسى ﵇، وجد قارون في ذلك من نفسه، فلم يزل كذلك حتى دخل التيه، فقال قارون لموسى: يا موسى، لك الرسالة، ولهارون الحبورة، ولست في شيء من ذلك، لا أصبر على هذا، قال موسى: (٢٥٤ ظ) والله ما أنا صنعت (٣) ذلك لهارون بل جعله الله له، قال: لا، والله لا أصدّقك أبدا حتى تريني آية أعرف بها أنّ الله جعل ذلك لهارون، قال: فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كلّ رجل منهم بعصا، ثم يحزمها، ثمّ ألقى في القبّة التي كان يوحى إليه فيها، ودعا موسى ربّه أن يريهم بيان ذلك، فباتوا يحرسون عصيّهم، فأصبحت عصا هارون تهتزّ لها ورق، وكان من شجرة اللّوز، قال موسى: يا قارون، أترى أنّ الله صنعه لهارون، قال قارون لموسى: ما هذا بأعجب ممّا يصنع من السحر؟ واعتزل قارون (٤) على حدة، وولّي هارون الحبورة، فكان معه القربان والمذبح، فكان بنو (٥) إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعها إلى المذبح، فتنزل نار من السماء فتأكلها، فقال قارون: والله ما هذه النار إلا مثل نارنا، فإن (٦) شئت، يا موسى، جئتك بنار، فإن لم تفعل

стр. 1241

مثل ما (١) تفعل (٢) هذه النار فأنا كذّاب، فقال موسى: فابعث إذا بنار، فانتدب لقارون خمسون ومئتا (٣) رجل يأخذون نارا من أوّل نارهم، ثمّ يجعلونها في مجامرهم، فجاؤوا بها إلى القربان، فلمّا انتهوا إلى القربان (٤) نزلت نار من السماء، فأكلتهم كلّهم، فجعل ابنان لقارون يسكّنان النار، فلما انتهيا إلى النار أحرقتهما (٥)، فقيل لأبيهما: إنّي قد قضيت أن لا يجيء رجل بنار غريبة إلا أحرقته، وإنّي قد جعلتهما شهيدين. فاعتزل (٦) قارون ومن تبعه، وكان كثير المال والتبع من بني إسرائيل، فاعتزل موسى، فلم يكن يأتيه ولا يجالسه، فقال موسى: يا رب، إنّ قارون قد أفسد عليّ بني إسرائيل، فمر الأرض أن تطيعني فيه وفيمن معه، فأمرت أن تطيعه، فأقبل موسى إلى قارون ومن معه حتى انتهى إليهم، قال: يا بني إسرائيل، إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى (٧) فرعون، فإن مات بغير ما يموت الناس (٨)، أو تغيّرت به الأرض عن حالها، فإنّي صادق فيما قلت، فمن كان معي فليعتزل، ومن كان معه فيلثبت مكانه، فلمّا سمعوا ذلك عرفوا أنّ موسى صادق، فاعتزلوا غير رجلين من بني روبيل، فقال موسى ﵇: يا أرض التقميهم (٩) فابتلعتهم، فقال: يا موسى أنشدك الله والرحم، فلم يرقّ بهم (١٠)، فقال الله: أما وعزّتي لو إيّاي دعا لنجّيته، ثم دعا أيضا موسى على ماله (١١)، فخسف به، قال: فهو يتجلجل (١٢) بها كلّ يوم قدر قامته إلى أن تقوم الساعة. وعن الحسن البصري قال: أوّل من شرّف الشرف قارون، وإنّه لّما بنى داره وفرغ منها وشرّفها صنع للناس طعاما سبعة أيام، يجمعهم كلّ يوم فيطعمهم، ثمّ (١٣) أرسل إلى بغيّ من بني إسرائيل لم تكن في بني إسرائيل امرأة أجمل منها، فقال لها قارون: لك عندي كلّ (٢٥٥ و) شيء نطقت به وأردته على أن تفعلي ما آمرك، فقالت له: وما (١٤) هو؟ قال: أنا (١٥)

стр. 1242

إذا جلست (١) للناس غدا، وأذنت له، فأتيني فاستعدي على موسى، وقولي: إنّه أرادني على نفسي (٢)، قالت: نعم، فلمّا كان الغد، واجتمع الناس في داره حتى ملؤوها أبطأت عليه، فلم تجئه، فأرسل إليها، فجيء بها، ثمّ أرسل إلى موسى، فجيء به (٣)، فقال له قارون: ما لهذه المرأة تشكوك؟ قال له موسى: ما أدري ما لها؟ قال لها قارون: أخبريه، فقالت المرأة: يا موسى، إنّ هذا جعل لي ما نطقت به وما أردته على أن أزعم على رؤوس الناس أنّك تراودني عن نفسي، وإنّي، والله، ما كنت لأفعل، معاذ الله، لقد برّأك الله من ذلك، فغضب موسى ﵇، واشتدّ غضبه، ثمّ قال: يا عدوّ الله، قد بلغ جرأتك على هذا، وقال له قولا غليظا، فخرج من عنده مغضبا، فدعا الله تعالى، فقال: عبدك قارون الذي عبد دونك وجحدك، وأنكر ربوبيّتك، ثمّ قد أراد أن يرميني به (٤) حتى متى تمهله، يا رب، فأوحى الله إلى موسى: أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت، فجاء موسى وهو فرح، فدخل على قارون حين اجتمع الناس في داره وملؤوها، فقال: يا عدوّ الله، كربتني، وجحدت الله، وعبدت من دونه في كلام غليظ حتى غضب قارون، وأقبل عليه بكلام شديد، وهمّ به، فلمّا رأى ذلك موسى ﵇ فقال: يا أرض خذيهم، وكان قارون على فرش على سرير مرتفع في السماء، فأخذت الأرض بأقدامهم، وغاب سريره ومجلسه في الأرض، وأخذت الأرض بقدميه، وقد دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها، وأقبل موسى يوبّخهم، ويغلظ لهم المقالة، فلمّا رأى القوم ما نزل بهم عرفوا أنّ هذا أمر ليس لهم به قوة، قال: فنادوا يا موسى، ارحمنا وكفّ عنّا، وجعلوا يتضرّعون، ويطلبون إليه، وهو لا يزداد إلا غضبا وتوبيخا لهم، ثمّ قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أوراكهم، فجعلوا يتضرّعون إليه ويسألونه، ثمّ قال: يا أرض خذيهم (٥)، فأخذتهم الى أوساطهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى (٦) آباطهم، فمدوا أيديهم على وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها، ثمّ قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فلم يبق على وجه الأرض إلا رؤوسهم، ولم يبق من الدار إلا شرفها، وكانت الأرض تأخذ من الدار كلّ مرّة مثل ما تأخذه منهم، وهم يتضرّعون في ذلك إلى موسى ﵇ ويسألونه، ثمّ قال: يا أرض خذيهم، فاستوت عليهم وعلى الدار، فانطلق موسى وهو فرح بذلك (٢٥٥ ظ) فأوحى الله إليه أن يا موسى تضرّع عبادي إليك ودعوك وسألوك فلم ترحمهم،

стр. 1243

أما وعزّتي وجلالي وكرمي لو أنّ إيّاي دعوا واستغاثوا لأخرجتهم (١) منها، ولكنهم تركوا أن يجعلوا رغبتهم ودعاءهم (٢) إليّ، ومسألتهم منّي، وجعلوها إليك فتركتهم. (٣) ﴿لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ:﴾ لا تنوء إلا بالعصبة، أي: لا تنهض إلا بنهوضهم. وقيل: لتميل بهم من ثقلها. (٤) وذكر الكلبي (٥): أنّ خزائنه (٦) كانت أربع مئة ألف يحملها أربعون رجلا. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ:﴾ بما يلهي عن الحقّ. ٧٧ - ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ﴾ (٧): في معنى قوله: «يقول ابن آدم: مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت؟». (٨) وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ﴾ في معنى قوله ﵇: «إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبّ أن يرى أثرها عليه». (٩) ٧٨ - ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي:﴾ قيل: إنّ قارون كان يقرأ التوراة كلّها، فادّعى أنّه إنّما أوتي ما أوتي كرامة له على علمه. (١٠) وقيل: إنّه كان يقول: فيّ علم وشيء، فلذلك أكرمني بهذا المال. وقيل: إنّ الله تعالى علّم موسى ﵇ الكيمياء، فعلّم موسى ثلث ذلك العلم هارون ﵇، وثلثه يوشع ﵇، وثلثه قارون لعنه الله لا يقدر أحد الثلاثة إلا بإعانة صاحبيه، فاحتال قارون في تحصيل العلم، فذلك العلم الذي أدّعاه. (١١) ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾ أي: ولا يسأل المجرمون عن ذنوبهم (١٢)، ولكنّهم يعرفون بسيماهم. وهذه إحدى حالتيهم يوم القيامة.

стр. 1244

٧٩ - ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ:﴾ ركوبه الخيل الشهب في ثلاث مئة من الجواري والغلمان، لباسهم الأرجوانيّ، وتحت كلّ واحد منهم قطيفة حمراء. ٨٢ - ﴿وَيْكَأَنَّ:﴾ معناه: ويلك إنّ الله، أي: اعلم أنّ الله. وأنكر الفراء (١) وقال: لا يجوز إضمار الأعلام في أوّل الكلام، وليس ببعيد كون لفظة ويلك قائمة مقام قوله: اعلم؛ لما في الدعاء بالويل من التنبيه؟ وقيل: وي منفصلة من كأنّ على سبيل التعجّب والتخمين. (٢) وقيل: ويكأنّ كلمة على حدتها، (٣) ومعناها التقدير إلى معاد. ﴿الدّارُ الْآخِرَةُ:﴾ وهي الفردوس منها خرج وإليها عاد. قال العباس (٤) [من الوافر]: من قبلنا (٥) ... طبت في الظّلال وفي مستودع حيث يخصف الورق ٨٥ - وقال ابن عباس: أراد بالمعاد (٦) مكة. هاجر منها مختفيا، ثم عاد إليها يوم الفتح ظاهرا مستوليا بفضل من الله ورحمته. ٨٦ - ﴿إِلاّ رَحْمَةً﴾ (٧): استثناء منقطع. ٨٨ - ﴿إِلاّ وَجْهَهُ:﴾ من الأعمال الصالحة، كقوله: ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ [الكهف:٤٦]. وقيل: كلّ شيء يجوز عليه الهلاك والفساد إلا هو. (٨) ويجوز دخول الآخرة في عموم هذه الآية؛ لأنّها ممّا يتوهم هلاكها، لولا تبقية الله إيّاها، فالبقاء (٩) في الحقيقة لله الذي يبقيهما. عن أبيّ بن كعب، عنه (٢٥٦ و) ﵇: «من قرأ طسم القصص كان له من الأجر بعدد من صدّق موسى وكذّبه، ولم يبق ملك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]». (١٠)

стр. 1245

سورة العنكبوت مكية. (١) وعن الحسن: أنّ عشر آيات من أوّلها مدنيّات. (٢) وعن المعدّل، عن ابن عباس: أنّ هذه السورة مدنيّة. (٣) وهي تسع وستون آية. (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢ - ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنّا:﴾ بيان للترك الذي حسبوه، وهذه كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ. .﴾ الآية [البقرة:٢١٤]. ٣ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ ما ذكر في أثناء القرآن من الأقاصيص العجيبة. عن عبد الله، عنه ﵇: «يكون في هذه الأمة أربع فتن في آخرها الفناء». (٥) عبد الله بن عمر: كنّا قعودا عند رسول الله فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الاحلاس، فقال قائل (٦): وما فتنة الأحلاس يا رسول الله؟ قال: «هي هرب وحرب، ثم فتنة السّرّاء دخنها من تحت (٧) قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنّه منّي (٨) وليس منّي، إنّما أوليائي المتّقون، ثمّ يصلح (٩) الناس على رجل كورك على ضلع، ثمّ فتنة الدّهيماء (١٠)، لا تدع (١١) أحدا من هذه الأمّة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنا، ويمسي كافرا حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، إذا كان ذلكم فانتظروا الدّجال من يومه أو من غد (١٢)» (١٣).

стр. 1246

٤ - ﴿أَمْ حَسِبَ:﴾ مترتّبة على ألف الاستفهام. وفي الآية ما يدلّ على وجوب الرهبة والرغبة جميعا. وذكر الكلبيّ: أنّ الآية نزلت في عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة (١). وهي عامّة. ٥ - ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ:﴾ بشارة لأولياء الله خاصّة ولأهل السنّة والجماعة. واتصالها (٢) من حيث اعتذار صبر المؤمنين على الفتنة ابتغاء وجه ربّهم. ٨ - مصعب بن سعد يحدّث عن أبيه سعد قال: أنزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصّته، فقالت أمّ سعد: أليس قد أمر الله بالبرّ؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا (٣) فاها، فنزلت: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً.﴾ (٤) ١٠ - عن عمرو بن دينار (٥)، عن عكرمة: خرج من مكة ناس يريدون المدينة، فأدركهم المشركون يفتنوهم، فأعطوهم الفتنة، فنزلت: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا.﴾ (٦) وذكر الكلبيّ: أنّها نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ، وهو ابن عمّ أبي جهل والحارث بن هشام وأخوهما (٢٥٦ ظ) لأمّهما، وكان قد أسلم مع النبيّ ﵇، فخرج من مكة هاربا منهم إلى المدينة، وذلك قبل قدوم النبي ﵇ المدينة، وبلغ أمّهم الخبر، فجزعت من ذلك جزعا شديدا، فقالت لأبي جهل والحارث: لا والله لا يؤيني بيت، ولا يدخل بطني طعام ولا شراب حتى تأتوني به، فخرجوا في طلبه، فظفروا به، فلم يزالوا به حتى تابعهم، فحملوا به إلى أمّه، فعهدت إليه وقيدته، وقالت: لا أحلّك من وثاقك حتى تكفر بمحمد ﵇، ثمّ أقبلت تجلده بالسياط وتعذّبه حتى كفر بمحمد ﵇ جزعا من ضرب أمّه، فنزلت. (٧) وبقي محبوسا هو ورهط من المسلمين إلى أن هاجر رسول الله، فلما بلغهم نزول هذه الآية أظهروا الإيمان، وناصحوا الله ورسوله، وكان رسول الله دعا لهم ليالي، كلما قنت، فقال: «اللهمّ نجّ المستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك (٨) على مضر، اللهمّ سنين

стр. 1247

كسنيّ يوسف». (١) ثم هاجر عيّاش بن أبي ربيعة، وحسن (٢) إسلامه، إنّما لم يكونوا معذورين في التقية؛ لأنّهم لا يخافون بذلك التلف على أنفسهم. ١٢ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ وذكر (٣) الكلبيّ: أنّ أبا سفيان بن حرب وأمية بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة هم الذين قالوا هذه المقالة لعمر بن الخطاب وخبّاب بن الأرت وجماعة من المؤمنين، فمنهم من لم يقبل قولهم، وثبت على دينه، ومنهم من افتتن بقولهم ورجع عن الإسلام. (٤) ﴿وَلْنَحْمِلْ:﴾ أمر منهم لأنفسهم. ﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ:﴾ نفى عزمهم وقدرتهم، أو نفى تخفيفهم عن تابعيهم. ١٣ - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ:﴾ في معنى قوله ﵇: «من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». (٥) ﴿وَأَثْقالاً:﴾ جمع ثقل، وهو الوزر. ١٧ - ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ ما الكافّة. ٢٩ - ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ:﴾ يحتمل: إغارتهم على مارّة الطريق، ويحتمل: الطريق، ويحتمل: قطع سبيل الولادة باللواطة. عن أمّ هانئ، عنه ﵇ في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: «كانوا يحذفون أهل الأرض، ويسخرون منهم». (٦) ونادي القوم: مجلسهم الذي يجتمعون فيه. ٣٨ - ﴿مِنْ مَساكِنِهِمْ:﴾ (من) قائمة مقام [بعض] (٧)، كما تقدّم. ﴿مُسْتَبْصِرِينَ:﴾ مستيقنين. وقال قتادة: متعجّبين بضلالتهم يرون أنّها بصيرة. (٨)

стр. 1248

٤١ - ﴿الْعَنْكَبُوتِ:﴾ بوزن فعللوت (١)، كالعنزروت والعضرفوط، وتصغيره: عنيكب، و [جمعه] (٢): عناكب، والعنكبوت: دويبة تنسج نسجا طبيعيا، وتنصب الحبائل للذباب. وإن كان بيته أوهن البيوت لمعان خمسة (٣): إمّا لكونه (٤) شيئا طبيعيا غير كسبيّ ليس فيه من (٥) أمارات الفطنة والذكاء (٢٥٧ و) شيء، [و] (٦) إمّا لخسّة صورته كالهباء، وإمّا لخسّة قيمته وقلّة من فعته، فإنّه لا يساوي شيئا، وإمّا لسوء (٧) اختيارها مواضع البناء، وسوء تهذّبها في ذلك، وإمّا لكون بيته غير ظلّ ظليل ولا كنّ (٨) كنين، ولا حصن حصين. ٤٥ - ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ:﴾ كونها منافية لهما وجودها فإنّها موقوفة على شرائط، فيها الإيمان المضادّ للكفر، والعقد مضادّ للكسر، والطهارة المضادّة للجنابة المتصوّرة من الزنا واللّواطة، والإنصات للكلام المتصوّر بهتانا (٩) وغيبة وشتما وجدالا، وترك الأكل المتصور حراما، والسّترة المضادّة للكشف، وترك الفعل المتصوّر قتالا. وفيما راعني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزد صلاته عند الله إلا مقتا». (١٠) قيل لسلمان (١١): أيّ العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر. وعن ابن عباس قال: ذكر الله عند طعامك ومنامك، فقيل له: أي فلانا يقول عنّي ذلك؟ قال: فأيّ شيء يقول؟ قال (١٢): قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، فلذكر الله أكبر من ذكرنا إيّاه، قال: صدق. (١٣) عن عبد الله بن ربيعة (١٤)، قال: سأل من ابن عباس عن قول الله : ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ؟﴾ فقلت: هو التسبيح والتهليل والتقديس، فقالوا: لو قلت شيئا عجيبا،

стр. 1249

قال: وإنّما ذكر الله العباد أكبر من ذكر (١) العباد إيّاه. (٢) ٤٨ - ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ:﴾ هو بيان البيان، وهو تقييد العلم بالقلم، والعرب تسمّي كلّ أثر طويل خطا. ٥١ - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ:﴾ عن يحيى بن جعدة (٣): أنّ النبيّ ﵇ أتي بكتاب في كتف، فقال: «كفى بقوم حمقا أو ضلالا أن يرغبوا عمّا جاء به نبيّهم إلى نبيّ غير نبيّهم، أو كتاب غير كتابهم»، فنزلت. (٤) وإنّما الاشتغال بسائر الكتب مكروها؛ لأنّ علم القرآن فريضة، والاشتعال بسائر الكتب يمنع عن القيام بالفريضة، ولاستغنائهم به عنها. ٥٥ - ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ:﴾ تشبيه بغشي السحاب الشمس، أو لاعتبار الإحاطة. عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا، استوجب الجنّة، وكان رفيق أبيه إبراهيم». (٥) ٦٠ - وفي قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ ردّ (٦) على القدرية. ٦٤ - ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ:﴾ واجب لأنّ اعتدال طبائعها على ضعف، وتفاوتها إلى حتف، ومسارّها مضارّها، وانتظامها اخترامها، قال: يبشّرني الهلال بهدم عمري ... وأفرح كلّما طلع الهلال والمراد ب ﴿الْحَيَوانُ﴾ (٧) الحياة. قال الفراء: كلّ فعل فيه ذهاب ومجيء أو حركة، فأنت في إثبات الألف والنون في مصدره بالخيار كالضّربان واللهيان والحدثان. ٦٩ - ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا:﴾ المجاهدة افتقرت إلى (٢٥٧ ظ) التوفيق، كالاهتداء يفتقر إلى الهداية، والجهد غير متقدّم عن التوفيق، ولا متأخّر عنه. وعن أبيّ بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين». (٨)

стр. 1250

سورة الروم مكية. وعن الحسن إلا آية، وهي قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧]. (١) وهي ستّون آية، وغير المكيّ والمدنيّ الأخير. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ و ٢ - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ قال: غلبت، وغلبت. (٣) كان المشركون يحبّون أن يظهر أهل فارس (٤) على الروم؛ لأنّهم وآباءهم أهل الأوثان، وكان المسلمون يحبّون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنّهم أهل الكتاب، فذكروه (٥) لأبي بكر، فذكر أبو بكر لرسول الله فقال: «أما إنّهم سيغلبون»، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل الأجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك لرسول الله فقال: «ألا جعلته إلى دون»، قال: «أراه العشرة». قال: قال سعيد: والبضع: ما دون العشرة. ثمّ ظهرت الروم بعده، فذلك قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ.﴾ قال سفيان: سمعت أنّهم ظهروا عليهم يوم بدر. (٦) ٣ - ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ:﴾ قال الفراء: غلبتهم، سقطت الهاء للإضافة. (٧) ٤ - ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ:﴾ في معنى قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]. ويحتمل: أنّ معناه لتمكين دين الله كلا الأمرين، فإنّه شغل (٨) بعضهم بعضهم (٩) ليظهر الإسلام على الدين كلّه ولو كره المشركون. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده،

стр. 1251

والذي نفسي بيده لينفقنّ كنوزهما في سبيل الله». (١) يتفرّقون و (٢) يتميّزون. ١٥ - ﴿رَوْضَةٍ:﴾ مرج، وهي البقعة التي قلّ ما يفارقها الماء والعشب. وقيل: للحوض روضة، قال (٣) [من الرجز]: وروضة سقيت فيها نضوتي (٤) .... . . واستراض المكان أي: اتسع. ﴿يُحْبَرُونَ﴾ (٥): تسرّون، رجل محبور ويحبور (٦): مسرور. ١٧ - ﴿فَسُبْحانَ:﴾ نصب على المصدر، وأراد بالتسبيح الصلاة المكتوبة. سأل نافع بن الأزرق ابن عباس فقال: أخبرني (٧) بالصلوات الخمس في القرآن، قال ابن عباس: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ:﴾ المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ:﴾ الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم:١٨]: العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٨]: الظهر، قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨]. دلّ أنّ لكلّ صلاة وقتا (٨). (٩) وقيل: المراد بالتسبيح في أدبار الصلوات الخمس على سبيل الندب. عن عبد الله بن عمرو (١٠) قال: قال رسول الله: «خلقان هما يسير، ومن يعمل بهما قليل، ولا يواظب عليها مسلم إلا دخل الجنّة، يسبّح دبر كلّ صلاة عشرا، ويكبّر عشرا، ويحمد عشرا، فذلك خمسون ومئة على اللسان، وألف وخمس مئة في الميزان، وإذا آوى إلى فراشه حمد الله وسبّحه وكبّره مئة، فذلك مئة على اللسان، وألف في الميزان»، قال عبد لله بن عمرو: (٢٥٨ و) فلقد (١١) رأيت رسول الله ﷺ يعقدهنّ ويقول: «أيّكم يعمل في اليوم

стр. 1252

والليلة ألفين (١) وخمس مئة سيئة». (٢) ١٨ - ﴿وَعَشِيًّا:﴾ معطوفا على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧]. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ كالعارض في أثناء الكلام. ٢٠ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ:﴾ أقام خلقنا من تراب مقام المشاهدات في كونه آية الإلهيّة بعلمنا الضروريّ، أي: أنفسنا هي خلاصة أجسادنا، وأجسادنا خلاصة الأرض من الأرض (٣). ٢٥ - ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ:﴾ أقام الخروج مقام المشاهدات؛ لاعتبار كونه مشاهدا يومئذ، أو لاعتبار ما دخل في حيّز المشاهدات، أو من رجعة الطيور، وعاميل وقوم حزقيل، ومن أحياه عيسى بإذن الله. ٢٧ - ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ:﴾ أي: هيّن عليه، قال الشاعر (٤) [من الطويل]: تمنّى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد والضمير عائد إلى الأبد أو الإعادة جميعا. وقيل: إلى الإعادة أهون عليه، أي: أيسر من البداءة في خواطركم وأوهامكم، وإن كلا الأمرين عنده واحد. (٥) وقيل: الضمير عائد إلى الخلق الذي هو المخلوق، (٦) وأهون من الهوان. أي: المخلوق أهون على الله من أن يعتديه (٧) في صفاته العلى، ويتعرّف به إلى من قدّر له الهدى. ٢٨ - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً:﴾ في مجادلة العرب، وهم يقولون: العبد يقرع بالعصا، والحرّ تكفيه الملامة، (٨) وفي مجادلة سائر الأقوياء. ﴿فَأَنْتُمْ﴾ أي: أنتم [و] (٩) عبيدكم سواء، أي: بالتملّك والتصرّف دون الاستمتاع.

стр. 1253

٢٨ - ﴿تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ:﴾ أي: تخافون العيب عليهم كخوفكم العيب على أنفسكم. ٣٠ - ﴿فِطْرَتَ:﴾ انتصابه كانتصاب ﴿صِبْغَةَ﴾ [البقرة:١٣٨]، (١) والفطرة: الخلقة المستوية والطبيعة المعتدلة التي فطر الله عليها آدم وحوّاء وأولادهما إلى أن أفسد قابيل ما أفسد (٢). ٣٥ - ﴿أَمْ أَنْزَلْنا:﴾ بمعنى الاستفهام. ﴿سُلْطاناً:﴾ كتابا معجزا ناطقا بإباحة الشرك المضادّ للقرآن وسائر الكتب المنزّلة على الأنبياء عليهم (٣) السّلام وهكذا، عن الضحاك. ٣٩ - ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً:﴾ مجازه: من يؤت منكم ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله، ومن يؤت منكم زكاة يريد بها وجه الله، ولا اعتبار هذا المجاز. قيل: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.﴾ ٤١ - ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ:﴾ الظاهر من فساد البرّ خرابه، وغور مياهه، وقلة نباته وخيره، وكثرة السباع العادية، والحشرات المؤذية فيه، والظاهر من فساد البحر كثرة الرياح القاصفة، وقلة السلامة، وكثرة الحيوان العادية فيه، وكلا الفسادين بشؤم ما كسبت أيدي الناس من المعاصي والذنوب. وقيل: المراد بالفساد المعاصي والذنوب ظهر في الأرض بكسب الناس إيّاها. (٤) وقيل: بالبرّ: البوادي، وبالبحر: الأمصار. (٥) ٤٣ - ﴿لا مَرَدَّ:﴾ لا ردّ، له معنيان: أحدهما: يأتي يوم قضاه الله وأمضاه وأنفذه (٢٥٨ ظ) ليس في حكمه ردّ لذلك اليوم، والثاني: يأتي يوم من حكم الله وقضائه وقدره لا مردّ له عند واحد، ولا تنافي بين المعنيين، فإنّ ما ردّه الله لم ينفذه أحد، وما نفذه الله لم يرده أحد. ﴿يَصَّدَّعُونَ:﴾ يتصدّعون ويتفرّقون. ٤٤ - ﴿يَمْهَدُونَ:﴾ المهد والتمهيد بمعنى، وهي توطئة المسير، وأصله من توثير الفراش.

стр. 1254

٤٩ - ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ:﴾ قال قطرب (١): ﴿قَبْلِ﴾ التنزيل، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للمطر (٢). وقيل: تكرار للتأكيد. ﴿فَرَأَوْهُ:﴾ أي: أثر رحمة الله وهو الزرع والثمر. ٥١ - ﴿مُصْفَرًّا:﴾ جافّا قبل أوانه. وقيل: مصفرّا: مدركا. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ يزرعون. ٥٤ - ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٣): من ضعيف كقوله: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠]. وقيل: هو كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨]، وضعف الطرفين دليل على الحدوث والفناء والابتداء والانتهاء. ٦٠ - ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ:﴾ كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣]، واستخفاف الإنسان ضدّ توقيره. عن أبيّ بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ (٤) سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ من يسبّح الله بين السماء والأرض، وأدرك ما صنع من ليلته». (٥)

стр. 1255

سورة لقمان مكية. (١) وعن ابن عباس: ما خلا ثلاث آيات، وهنّ قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ. . .﴾ [لقمان:٢٧] الآيات. (٢) وهي ثلاث وثلاثون آية في عدد أهل الحجاز. (٣) بسم الله الرّحمن الرّحيم ٦ - عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء. (٤) وزاد ابن فضيل: الاستماع إليه. (٥) عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهنّ، ولا تعلّموهنّ، ولا خير في التجارة فيهنّ، وثمنهنّ حرام، في مثل هذا نزلت: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ. .﴾ الآية» (٦). ومن قرأ قوله ﵇: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه (٧) خير له من أن يمتلئ شعرا». (٨) وكلّ شعر مله (٩) عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لأنّ النّبيّ ﵇ استمع الشّعر وقال: «إنّ من الشّعر حكمة». (١٠) ١٠ - ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها:﴾ كما خلقها الله تعالى. ١٢ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ:﴾ كان لقمان عبدا حبشيّا لرجل من بني إسرائيل، فأعتقه وأعطاه مالا، واسم ابنه ثاران، ولم يكن نبيّا في قول أكثرهم. (١١) وعن سعيد بن

стр. 1256

المسيّب: كان لقمان النبيّ ﵇ خيّاطا. قال طاوس (١): الحكمة التي أوتيها [العقل] (٢)، فمن كان عاقلا فهو عند الله حكيم. (٣) عن أنس: أنّ النبيّ ﵇ قال: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى الناس». (٤) وعن أنس، عنه ﵇ أنّه قال: «من أعطي أربع خصال فقد أعطي الدنيا والآخرة: قلب شاكر، ولسان ذاكر، وبدن صابر، وزوجة صالحة». (٥) إنّما خصّ لقمان ابنه من بين سائر الناس لاعتبار الأهمّ فالأهمّ ألا ترى قال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، وقال ﵇: «ما نحل والد ولدا أحسن من أدب حسن». (٦) وقال ﵇: «لأن يؤدّب [الرجل] (٧) ولده خير (٢٥٩ و) من أن يتصدّق كلّ يوم بصاع». (٨) ١٣ - وعن علقمة (٩)، عن عبد الله قال: لّما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] شقّ ذلك على أصحاب النبيّ ﵇، فقالوا: أيّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس كما تظنّون، إنّما قال لقمان لابنه: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ».﴾ (١٠) كفى برسول الله، فإنّ الشرك أخفى في هذه الأمّة من أثر النملة في الصخرة الصمّاء، ولهذا كره (١١) للإمام الراكع إذا سمع خفق نعل أن ينتظره. ١٤ - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ:﴾ نزلت في شأن سعد بن أبي وقّاص، (١٢) وحسن كونه

стр. 1257

عارضا في أثناء الكلام من ثلاثة أوجه: أحدها: اعتبار ما يجري بين لقمان الوالد وولده، والثاني: اعتبار النهي عن الشكّ، والثالث: الأمر بالشكر الذي هو حكمة لقمان. وإنّما لم يكن للوالدين إلا حق المصاحبة في الدنيا بمعروف؛ لأنّ الولد ليس يفزع للوالدين (١) إلا على حكم المشاهدة فأمّا في المعقول: فكلّ مخلوق مفرد بالإنشاء، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]. ١٦ - الضمير في ﴿إِنَّها﴾ عماد كما في قوله: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ﴾ [الحج:٤٦]. وما تبت قوله: ﴿إِنْ تَكُ﴾ لاعتبار الحبّة، وهذه الآية كقوله: ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة:١٤٨]. ﴿فِي صَخْرَةٍ:﴾ من الصخور، وفي التفسير المراد بالصخرة: السجّين، وهي تحت، وفيها تنسخ أعمال الفجّار. (٢) ١٧ - ﴿وَأْمُرْ (٣)﴾ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ: حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند (٤) العلماء بالقول ألا ترى: أنّ نوحا وهودا وصالحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ولوطا وشعيبا وغيرهم من الأنبياء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بألسنتهم. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه». (٥) ولأنّهم لو لم يفعلوا إلا أن يهذّبوا أنفسهم لتعطّلت الأحكام، وخربت دار الإسلام. ١٨ - ﴿لا تُصَعِّرْ:﴾ لا تتكبّر على الناس، ولا تعرض عنهم تكبّرا. ﴿خَدَّكَ﴾ يعني: ما تحت الوجنة العارض. ﴿مَرَحاً:﴾ أشرا (٦) وبطرا. ١٩ - (٧) كون صوت الحمير أنكر؛ لأنّه يكلّف خلقه من الصوت ما يختنق به. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المؤمن بالطعّان (٨) ولا اللعّان ولا الفحّاش

стр. 1258

ولا البذيء». (١) وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: «إنّ هذه الأخلاق منائح، فإذا أحبّ عبدا منحه خلقا حسنا، وإذا أبغض عبدا منحه خلقا (٢) سيّئا». (٣) ٢٠ - ﴿وَأَسْبَغَ:﴾ أتمّ. قال: كانت الآية عامّة، فالنعمة الظاهرة صحّة الجسد وكثر العدد والعدد، والنعمة الباطنة تيسير اعتبار، والاختيار والتمكين من الاختيار. وإن كانت خاصّة فالنعمة الظاهرة هو التوفيق لإذلال الطبيعة على استعمال الشريعة، والنعمة الباطنة هو التوفيق للاتّحاد بعد حسن الاعتقاد. ٢٧ - ﴿وَلَوْ أَنَّ ما (٤)﴾ فِي الْأَرْضِ (٢٥٩ ظ) ﴿مِنْ شَجَرَةٍ:﴾ قال ابن عباس: هذه الآية مدنيّة. (٥) والسبب في نزولها: أنّ النبيّ ﵇ لّما (٦) قرأ قوله: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٧) أتته أحبار اليهود فقالت (٨): إنّك إن عنيت بها قومك فأنت أعلم (٩) بهم، وإن عنيتنا فكيف تقول ذلك وأنت تعلم أنّ الله أنزل التوراة على موسى وفيها أنباء كلّ شيء، وخلّفها موسى فينا، وهي معنا؟ فقال النبي ﵇ لليهود: «التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله »، فأنزل. (١٠) وذكر الكلبيّ: أنّ السبب في نزولهنّ دعوى المشركين التناقض بين قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ وقوله: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ فبيّن بهذه (١١) الآية أنّ الحكمة خير كثير في جنب علم العالمين، وهي قليل في جنب كلمات الله. ٢٨ - ﴿إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ (١٢) قال الفراء (١٣): التشبيه واقع بمضاف مضمر تقديره (١٤): كخلق نفس واحدة وبعثها.

стр. 1259

ووجه الاتصال من حيث ذكر الكلمات التي هي علم الله. ٢٩ - ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ وهو وقت استقرار (١) الطوالع. ٣٢ - ﴿خَتّارٍ كَفُورٍ:﴾ قال ابن عرفة: «الختر: الفساد، يكون ذلك في الغدر (٢) وغيره، يقال: ختره الشراب إذا فسد نفسه». (٣) قال الأزهريّ: الختر أقبح الغدر. (٤) قال أحمد بن فارس (٥): الختر: الغدر، والتّختّر: مشية الكسلان. (٦) ٣٣ - ﴿الْغَرُورُ:﴾ الشيطان. ٣٤ - ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ:﴾ قال مقاتل: أتى وارث بن عمرو المحاربيّ (٧) رسول الله ﷺ فسأله عن هذه المسائل، فأنزل. (٨) واتصال الآية من حيث قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ،﴾ و (٩) من حيث قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ.﴾ عن ابن عمر، قال النبيّ ﵇: «مفاتيح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إلى آخر الآية». (١٠) وعن ابن مسعود قال: من (١١) كلّ شيء أوتي نبيّكم علما إلا من خمس: قول الله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ.﴾ (١٢) «من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقا يوم القيامة، وأعطي من الحسنات بعدد (١٣) من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر». (١٤)

стр. 1260

سورة السجدة مكية (١). وقيل: عن ابن عباس (٢) وعطاء (٣) والكلبيّ (٤): إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في عليّ والوليد بن عقبة بن أبي معيط، ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً. . .﴾ الآيات [السجدة:١٨]. وهي ثلاثون آية في غير عدد أهل البصرة. (٥) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥ - ذكر الكلبيّ عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: في يوم من أيّام الدنيا (٦)، ولو سار أحد من بني آدم لم يسره في ألف سنة. (٧) وهذه الرواية (٨) مخالفة لما سبق عن ابن عباس في هذا الباب، فإن صحّت فيحمتل: أنّه فسّر هذه الآية لتوقيف، أو لدلالة قامت له. ويحتمل: أنّ ما سبق قوله (٢٦٠ و) الأوّل، وهذه قوله الثاني استفاده من عليّ أو أبيّ أو غيرهما، أو فتح عليه بالإلهام، وأدركته دعوة النبيّ ﵇: «اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل». (٩) ﴿مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ:﴾ ويحتمل: أنّ كلّ من يحدث في العالم ما بين السماء والأرض، كقولك: فلان يسوس الرعية من جيحون إلى فرات. ٧ - ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ:﴾ عند صيانة شكله إليه، ويعطف مثله إليه، وإن كان قبيحا من وجه كما قيل: القرنبى (١٠) في عين أمّها حسنة.

стр. 1261

٨ - ﴿مَهِينٍ﴾ (١): حقير ذليل. ١٠ - ﴿ضَلَلْنا:﴾ أي: ضعنا وغبنا، يقال: ضلّ الماء في اللبن إذا صار مستهلكا فيه. ١١ - ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ:﴾ عزرائيل ﵇ يتوفّى الأنفس بحول الله وقوّته. ١٣ - ﴿كُلَّ نَفْسٍ هُداها:﴾ أي: الإيمان الاختياريّ الذي شاءه الله للمؤمنين، ويسّره لهم، لم يشأه للكفار، فعسّره عليهم، دون الضروريّ عند معاينة البأس. وفيها ردّ على القدرية. ١٦ - عن أنس بن مالك: أنّ قوله: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ نزلت في انتظار الصلاة، التي تدعى العتمة. (٢) أنس، عنه (٣) ﵇: «ما من إنسان يصلّي في بيت مظلم ركعتين بركوع تامّ وسجود تامّ إلا وجبت له الجنة بلا حساب ولا عذاب». (٤) وعن جابر، عنه ﵇: «أنّ في الليل ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه، وهي في كلّ ليلة». (٥) عن أسماء بنت يزيد (٦)، عنه ﵇ قال: «يحشر الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، ثمّ يقوم مناد ينادي: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، فيقولون: أين (٧) الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء؟ فيقومون، وهم قليل، فيدخلون الجنّة بغير حساب، ثمّ يقوم فينادى: أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون، وهم قليل، فيدخلون الجنّة بغير حساب (٨)، ثمّ ينادى: أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون، وهم قليل، فيدخلون الجنّة بغير حساب، ثمّ يؤمر بسائر الناس فيحاسبون». (٩) ﴿تَتَجافى:﴾ تتنحّى (١٠) وتتباعد.

стр. 1262

﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ. . .:﴾ عن أبي هريرة يبلغ به النبيّ ﵇ قال: «قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وتصديق [ذلك] (١) في كتاب الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ. . .﴾ الآية. (٢) ١٨ - ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً:﴾ ظاهرها عامّة، ولذلك قال: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ وقيل: إنّ الوليد بن عقبة قال لعليّ: أنا أفصح منك لسانا، وأحد سنانا (٣)، وأردّ للكتيبة منك. فقال عليّ: اسكت فإنّك فاسق، فأنزل الله (٤). وذلك لا يبطل مذهب العموم؛ لأنّ أكثر آي القرآن على هذا السبيل. ١٩ - ﴿فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً:﴾ المغيرة بن شعبة، عنه ﵇: (٢٦٠ ظ) «أنّ موسى ﵇ سأل ربّه أي رب، أيّ أهل الجنّة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنّة الجنّة (٥)، فيقال له: ادخل، فيقول: كيف أدخل، نزلوا منازلهم (٦)، وأخذوا أخذاتهم، فيقال: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم، أي رب قد رضيت، فيقال له (٧): إنّ لك هذا ومثله، فيقول: قد رضيت أي رب رضيت، فيقال له: إنّ لك هذا وعشرة أمثالها، فيقول: رضيت أي رب، فيقال له: فإنّ لك مع هذا ما اشتهت نفسك، ولذّت عينك». (٨) ٢١ - عن مسروق، عن عبد الله قال: ﴿الْعَذابِ الْأَدْنى﴾ يوم بدر. (٩) وقال إبراهيم النخعي: إنّه السنون. (١٠) ٢٣ - لقوله: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعود إلى قوله:

стр. 1263

﴿بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة:١٠]، والثاني: أن يكون ملاقاة محمد رسول الله وموسى ﵉ ببيت المقدس ليلة الإسراء، والثالث: أن يكون المراد ملاقاتهما يوم السبت، وذلك يوم الجمع يوم لا ريب فيه. ويحتمل: أن يكون المراد به لقاء موسى الجبل الذي جعله الله دكّا، وتلقيه الكتاب من عند الله. ٢٦ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ:﴾ الهداية (١) مسندة إلى الكميّة تقديره: أفلم يبيّن لهم كمّية هلاك من أهلكنا، أولم يروا علمه في الظاهر. ٢٧ - وعن ابن عباس في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: «هي أرض باليمن». (٢) ٢٩ - ﴿هذَا الْفَتْحُ:﴾ فتح بدر (٣)، وقيل: فتح مكّة. (٤) وقيل: يوم القيامة. (٥) وهي ظرف حلّ محلّ الخبر المقدّم على المبتدأ، التقدير: هذا الفتح متى كان، أو متى يكون؛ لأنّ الظرف لا يصحّ أن يكون خبرا. ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ:﴾ نصب بالظرف، والعامل ﴿لا يَنْفَعُ،﴾ فإن حملنا الآية: الأوّل على يوم بدر فنفي النفع نفي العفو عنهم بغير فداء، وإن حملناه على فتح مكة فنفي النفع هي كونهم مهاجرين غير طلقاء. وذكر الكلبي: أنّ المراد بالفتح فتح مكة، وبنفي نفع الإيمان قتل خالد بن الوليد يومئذ جماعة من خزاعة بعد ما أسلموا لأحنة كانت بينه وبينهم في الجاهليّة، وكان أبو قتادة مع خالد يومئذ فاعتزل الحرب، ثمّ أخبر رسول الله ﷺ فوداهم (٦) من غنائم خيبر حتى أرضاهم. وإن حملنا على يوم القيامة، فنفي النّفع نفي دخولهم الجنّة وخلاصهم من النّار. عن أبيّ بن كعب، عن ﵇: «من قرأ سورة ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك كان له من الأجر كأنّما أحيا ليلة القدر». (٧)

стр. 1264

سورة الأحزاب مكيّة. (١) وهي ثلاث وسبعون آية. (٢) بسم الله الرّحمن الرّحيم عن زرّ قال: قال لي أبي بن كعب (٣): كأين تعدّ الأحزاب؟ قلت: اثنتين وسبعين، أو ثلاثا وسبعين، قال: فإنها تعدل سورة البقرة، كانت فيها آية الرّجم، قلت: وما آية الرّجم؟ فقال: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله، والله عزيز (٢٦١ و) حكيم. (٤) وعن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تعدّ على عهد رسول الله مئتي آية، فإذا كتب المصحف لم يقدر منها (٥) إلا على ما هي الآن. (٦) قال أبو بكر الأنباريّ: اللّفظ المذكور في آية الرّجم ترجمة التّنزيل لا عين (٧) التنزيل؛ لأنّ عين التّنزيل (٨) معجز، وهذا غير معجز. قال ﵁: ولا يبعد أن يكون (٩) اللّفظ لفظ القرآن بعينه، لكنّه لمّا نسخت تلاوته نسخ إعجازه. ذكر الكلبيّ: أنّ أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلميّ قدموا على رسول الله المدينة (١٠) في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على ابن أبيّ بن سلول ومعتب بن قشير وجدّ بن قيس (١١)، فتكلّموا فيما بينهم، فلمّا أجمعوا أمرهم أتوا رسول الله ﷺ فعرضوا أشياء كرهها منهم، فهمّ بهم رسول الله والمسلمون أن يقتلوهم، فأنزل: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ.﴾ (١٢)

стр. 1265

٤ - ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ:﴾ في إحالة مجاز القوم، وذلك لنقلهم أحكام الحقائق إلى المجاز، كمن يسمّي إنسانا هابا، ثم يعتقده أنّه نار، فيرفع إليه فتيلة مستوقدا، ويعتقد [أنّ] (١) الشّهاب الحقيقيّ إنسان ويأمره وينهاه، واتصالها من حيث ﴿وَلا تُطِعِ،﴾ فإن النّفل كان من صنيعهم. وسئل ابن عباس عن (٢) هذه الآية فقال: قام نبي الله ﵇ يوما (٣) يصلّي، فخطر (٤) خطرة، فقال المنافقون الّذين يصلّون معه: ألا ترى له قلبين: قلبا معكم، وقلبا معهم، وأنزل، بمعنى قوله. (٥) وقال ابن جريج: هو رجل من بني فهر كان يقول: إنّ لي قلبين: أعقل بأحدهما ما يعقل محمد بقلبه، وكذّب. (٦) زاد الكلبيّ: بيان اسم الرّجل معمر بن أسد، قال: وتلقاه أبو سفيان بن حرب يوم بدر، وهو معلّق إحدى نعليه، والأخرى في رجليه، فقال: يا أبا معمر، ما يعمل الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: ما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما جميعا في رجلي، فعرفوا يومئذ جميعا أنّه ذو قلب واحد، ولو كان له قلبان لما نسي نعله في يده من شدّة الخوف. وهذا التأويل يروى عن مجاهد (٧) وابن بريدة (٨) وغيرهما. ويحتمل: نفي اجتماع عقيدتين مختلفين في قلب واحد، على سبيل الإنكار على المنافقين الذين كانوا يلقون رسول الله بوجه والكفار بوجه (٩). ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ:﴾ سنذكر (١٠) أحكامها في سورة المجادلة. ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ:﴾ فستذكر (١١) في قصّة زيد. والأدعياء: جمع دعيّ، وهذا (١٢) الذي يدّعيه على سبيل الاتّخاذ والاتّحاد، وسبيل الافتراء والإلحاد (١٣).
следующие страницы →