← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

٨ - ﴿مَهِينٍ﴾ (١): حقير ذليل. ١٠ - ﴿ضَلَلْنا:﴾ أي: ضعنا وغبنا، يقال: ضلّ الماء في اللبن إذا صار مستهلكا فيه. ١١ - ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ:﴾ عزرائيل ﵇ يتوفّى الأنفس بحول الله وقوّته. ١٣ - ﴿كُلَّ نَفْسٍ هُداها:﴾ أي: الإيمان الاختياريّ الذي شاءه الله للمؤمنين، ويسّره لهم، لم يشأه للكفار، فعسّره عليهم، دون الضروريّ عند معاينة البأس. وفيها ردّ على القدرية. ١٦ - عن أنس بن مالك: أنّ قوله: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ نزلت في انتظار الصلاة، التي تدعى العتمة. (٢) أنس، عنه (٣) ﵇: «ما من إنسان يصلّي في بيت مظلم ركعتين بركوع تامّ وسجود تامّ إلا وجبت له الجنة بلا حساب ولا عذاب». (٤) وعن جابر، عنه ﵇: «أنّ في الليل ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه، وهي في كلّ ليلة». (٥) عن أسماء بنت يزيد (٦)، عنه ﵇ قال: «يحشر الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، ثمّ يقوم مناد ينادي: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، فيقولون: أين (٧) الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء؟ فيقومون، وهم قليل، فيدخلون الجنّة بغير حساب، ثمّ يقوم فينادى: أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون، وهم قليل، فيدخلون الجنّة بغير حساب (٨)، ثمّ ينادى: أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون، وهم قليل، فيدخلون الجنّة بغير حساب، ثمّ يؤمر بسائر الناس فيحاسبون». (٩) ﴿تَتَجافى:﴾ تتنحّى (١٠) وتتباعد.

стр. 1262

﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ. . .:﴾ عن أبي هريرة يبلغ به النبيّ ﵇ قال: «قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وتصديق [ذلك] (١) في كتاب الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ. . .﴾ الآية. (٢) ١٨ - ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً:﴾ ظاهرها عامّة، ولذلك قال: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ وقيل: إنّ الوليد بن عقبة قال لعليّ: أنا أفصح منك لسانا، وأحد سنانا (٣)، وأردّ للكتيبة منك. فقال عليّ: اسكت فإنّك فاسق، فأنزل الله (٤). وذلك لا يبطل مذهب العموم؛ لأنّ أكثر آي القرآن على هذا السبيل. ١٩ - ﴿فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً:﴾ المغيرة بن شعبة، عنه ﵇: (٢٦٠ ظ) «أنّ موسى ﵇ سأل ربّه أي رب، أيّ أهل الجنّة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنّة الجنّة (٥)، فيقال له: ادخل، فيقول: كيف أدخل، نزلوا منازلهم (٦)، وأخذوا أخذاتهم، فيقال: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم، أي رب قد رضيت، فيقال له (٧): إنّ لك هذا ومثله، فيقول: قد رضيت أي رب رضيت، فيقال له: إنّ لك هذا وعشرة أمثالها، فيقول: رضيت أي رب، فيقال له: فإنّ لك مع هذا ما اشتهت نفسك، ولذّت عينك». (٨) ٢١ - عن مسروق، عن عبد الله قال: ﴿الْعَذابِ الْأَدْنى﴾ يوم بدر. (٩) وقال إبراهيم النخعي: إنّه السنون. (١٠) ٢٣ - لقوله: ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعود إلى قوله:

стр. 1263

﴿بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة:١٠]، والثاني: أن يكون ملاقاة محمد رسول الله وموسى ﵉ ببيت المقدس ليلة الإسراء، والثالث: أن يكون المراد ملاقاتهما يوم السبت، وذلك يوم الجمع يوم لا ريب فيه. ويحتمل: أن يكون المراد به لقاء موسى الجبل الذي جعله الله دكّا، وتلقيه الكتاب من عند الله. ٢٦ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ:﴾ الهداية (١) مسندة إلى الكميّة تقديره: أفلم يبيّن لهم كمّية هلاك من أهلكنا، أولم يروا علمه في الظاهر. ٢٧ - وعن ابن عباس في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قال: «هي أرض باليمن». (٢) ٢٩ - ﴿هذَا الْفَتْحُ:﴾ فتح بدر (٣)، وقيل: فتح مكّة. (٤) وقيل: يوم القيامة. (٥) وهي ظرف حلّ محلّ الخبر المقدّم على المبتدأ، التقدير: هذا الفتح متى كان، أو متى يكون؛ لأنّ الظرف لا يصحّ أن يكون خبرا. ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ:﴾ نصب بالظرف، والعامل ﴿لا يَنْفَعُ،﴾ فإن حملنا الآية: الأوّل على يوم بدر فنفي النفع نفي العفو عنهم بغير فداء، وإن حملناه على فتح مكة فنفي النفع هي كونهم مهاجرين غير طلقاء. وذكر الكلبي: أنّ المراد بالفتح فتح مكة، وبنفي نفع الإيمان قتل خالد بن الوليد يومئذ جماعة من خزاعة بعد ما أسلموا لأحنة كانت بينه وبينهم في الجاهليّة، وكان أبو قتادة مع خالد يومئذ فاعتزل الحرب، ثمّ أخبر رسول الله ﷺ فوداهم (٦) من غنائم خيبر حتى أرضاهم. وإن حملنا على يوم القيامة، فنفي النّفع نفي دخولهم الجنّة وخلاصهم من النّار. عن أبيّ بن كعب، عن ﵇: «من قرأ سورة ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك كان له من الأجر كأنّما أحيا ليلة القدر». (٧)

стр. 1264

سورة الأحزاب مكيّة. (١) وهي ثلاث وسبعون آية. (٢) بسم الله الرّحمن الرّحيم عن زرّ قال: قال لي أبي بن كعب (٣): كأين تعدّ الأحزاب؟ قلت: اثنتين وسبعين، أو ثلاثا وسبعين، قال: فإنها تعدل سورة البقرة، كانت فيها آية الرّجم، قلت: وما آية الرّجم؟ فقال: الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله، والله عزيز (٢٦١ و) حكيم. (٤) وعن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تعدّ على عهد رسول الله مئتي آية، فإذا كتب المصحف لم يقدر منها (٥) إلا على ما هي الآن. (٦) قال أبو بكر الأنباريّ: اللّفظ المذكور في آية الرّجم ترجمة التّنزيل لا عين (٧) التنزيل؛ لأنّ عين التّنزيل (٨) معجز، وهذا غير معجز. قال ﵁: ولا يبعد أن يكون (٩) اللّفظ لفظ القرآن بعينه، لكنّه لمّا نسخت تلاوته نسخ إعجازه. ذكر الكلبيّ: أنّ أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلميّ قدموا على رسول الله المدينة (١٠) في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على ابن أبيّ بن سلول ومعتب بن قشير وجدّ بن قيس (١١)، فتكلّموا فيما بينهم، فلمّا أجمعوا أمرهم أتوا رسول الله ﷺ فعرضوا أشياء كرهها منهم، فهمّ بهم رسول الله والمسلمون أن يقتلوهم، فأنزل: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ.﴾ (١٢)

стр. 1265

٤ - ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ:﴾ في إحالة مجاز القوم، وذلك لنقلهم أحكام الحقائق إلى المجاز، كمن يسمّي إنسانا هابا، ثم يعتقده أنّه نار، فيرفع إليه فتيلة مستوقدا، ويعتقد [أنّ] (١) الشّهاب الحقيقيّ إنسان ويأمره وينهاه، واتصالها من حيث ﴿وَلا تُطِعِ،﴾ فإن النّفل كان من صنيعهم. وسئل ابن عباس عن (٢) هذه الآية فقال: قام نبي الله ﵇ يوما (٣) يصلّي، فخطر (٤) خطرة، فقال المنافقون الّذين يصلّون معه: ألا ترى له قلبين: قلبا معكم، وقلبا معهم، وأنزل، بمعنى قوله. (٥) وقال ابن جريج: هو رجل من بني فهر كان يقول: إنّ لي قلبين: أعقل بأحدهما ما يعقل محمد بقلبه، وكذّب. (٦) زاد الكلبيّ: بيان اسم الرّجل معمر بن أسد، قال: وتلقاه أبو سفيان بن حرب يوم بدر، وهو معلّق إحدى نعليه، والأخرى في رجليه، فقال: يا أبا معمر، ما يعمل الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: ما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما جميعا في رجلي، فعرفوا يومئذ جميعا أنّه ذو قلب واحد، ولو كان له قلبان لما نسي نعله في يده من شدّة الخوف. وهذا التأويل يروى عن مجاهد (٧) وابن بريدة (٨) وغيرهما. ويحتمل: نفي اجتماع عقيدتين مختلفين في قلب واحد، على سبيل الإنكار على المنافقين الذين كانوا يلقون رسول الله بوجه والكفار بوجه (٩). ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ:﴾ سنذكر (١٠) أحكامها في سورة المجادلة. ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ:﴾ فستذكر (١١) في قصّة زيد. والأدعياء: جمع دعيّ، وهذا (١٢) الذي يدّعيه على سبيل الاتّخاذ والاتّحاد، وسبيل الافتراء والإلحاد (١٣).

стр. 1266

٥ - عن سالم بن أبي الجعد: لّما نزل: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ لم يعرف لسالم أب، فقال: سالم من الصالحين. (١) وعن ابن عمر: (٢٦١ ظ) ما كنّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ.﴾ (٢) ٦ - ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣): في تشريف رسول الله ﷺ والمجاوزة (٤) به من رتبة إلى رتبة الولاية، وكان (٥) أولى بنا لكونه في غاية الاتحاد بروح (٦) الله، وكون الشهادة به شطر الإيمان. وأزواجه أمهاتنا (٧)؛ لأنّ الأمومة غاية مراتب الحرمة والتّعظيم في حقّ النّساء. ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً:﴾ اللّوح المحفوظ. (٨) ﴿مَسْطُوراً﴾ (٩): مكتوبا في كتاب الوصيّة على سبيل اعتبار غالب أحوال الوصيّة. ٧ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ:﴾ عن قتادة: كان النّبي ﵇ آخرا وبدئ (١٠) به أوّلا. (١١) ٨ - ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ:﴾ عن تبليغهم وتأديتهم الصدق لوجه الله. (١٢) ٩ - ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ:﴾ عن مجاهد قال: كانت الصّبا تكبّ القدور على أفواهها، وتقطع الفسطاط حتى أظعنتهم. (١٣) وعنه ﵇ قال (١٤): «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد

стр. 1267

بالدّبور». (١) قال الأمير ﵁: كانت هذه الواقعة سنة خمس في غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق. وكان سببها: أنّ النّبيّ ﵇ لمّا أجلى بني النّضير ساروا إلى خيبر ورأسهم (٢) أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، فخرج حييّ بن أخطب وكنانة بن (٣) الربيع وأبو عمّار اليهوديّ في بضعة عشر رجلا إلى مكة، فدعوا قريشا إلى حرب رسول الله ﷺ ، ودعوا سائر القبائل كذلك، فسارت قريش وأتباعها في (٤) أربعة آلاف قائدهم أبو سفيان، وفيهم ثلاث مئة فرس، وألف وخمس مئة بعير، وسارت غطفان وفزارة في ألف يقودهم عيينة بن حصين الفزاريّ، وسارت سليم في تسع مئة يقودهم أبو الأعور السلميّ، وسارت بنو أسد في عدد كثير يقودهم طليحة [بن] (٥) خويلد، وسارت أشجع في أربع مئة يقودهم مسعر بن دحيلة، وأقبلت يهود في عدد كبير، فلما انتهوا إلى المدينة استعانوا ببني قريظة، فأعانوهم (٦)، وصاروا معهم إلى أن فرّق الله بينهم، وعسكر رسول الله ﵇ خارج المدينة نحوهم يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة، ثمّ شاور (٧) أصحابه بإذن الله، فأشار عليه سلمان الفارسيّ بحفر الخندق، فأعجب المسلمون (٨) رأيه، فجعل رسول الله ﷺ سلعا (٩) خلفه، وخندق بين يديه مقدار ما كان عورة، وكان سائر المدينة كالحصن من جهة البنيان، وأرسل النّسوان والصّبيان (١٠) إلى الآطام. (١١) وعن البراء بن عازب: كان النبيّ ﵊ ينقل معهم التراب يوم الخندق، وهو يقول: «اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة (١٢)» (١٣)

стр. 1268

ويقول: «اللهمّ (١) ... لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الأولى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا» ورفع بها صوته، (٢) بأبينا. وقتل عليّ (٢٦٢ و) ﵁ يومئذ عمرو بن عبدودّ، وقد أعطاه رسول الله ﷺ سيفه (٣)، فقتله، (٤) وقتل الزبير نوفل [بن] (٥) عبد الله المخزوميّ، ورمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ فقطع أكحله، (٦) ولم يمت حتى حكم (٧) حكمه في بني قريظة بإذن الله ، ثم سأل الله الشهادة، فانفجرت الجراحة. (٨) وجاء نعيم بن مسعود الأشجعيّ، فقال: يا رسول الله، إنّي قد أسلمت، وإنّ قومي لم (٩) يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له رسول الله: «إن استطعت أن تخذّل عنّا النّاس فافعل»، فأتى نعيم بن مسعود بني قريظة فأشار عليهم أن لا يقاتلوا مع قريش وغطفان حتى يأخذوا منهم رهائن يستوثقون بهم، فصوّبوا رأيه، ثمّ أتى أبا سفيان فأعلمه أنّ قريظة قد عزمت على أن تأخذ رهائن منكم، وتسلّمهم إلى محمّد ﵇، وحذّرهم أن يدفعوا إليهم الرّهائن، ثمّ أتى غطفان، فقال لهم مثل ذلك، فوقع بين القوم، وآيس بعضهم من بعض، وأرسل الله ريح الصّبا، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطناب فساطيطهم، وأظلم الجوّ عليهم بقسطل (١٠) سدّ الأفق، فكان الرّجل لا يهتدي إلى رحله، فارتحلوا منهزمين (١١). (١٢)

стр. 1269

وكان من دعاء رسول الله ﷺ يومئذ (١): «اللهمّ منزّل الكتاب، سريع الحساب اهزم أهل الأحزاب» (٢). وكان المشركون قد شغلوا رسول الله ﵊ يومئذ عن صلاة الظّهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كشفهم الله تعالى، فأمر ﵊ بلالا فأدّن، وأقام الظّهر، وأقام لكل صلاة بعدها، فقضاهنّ على التّرتيب، (٣) ورجع إلى المدينة، وقد استخلف عليها عبد الله بن أمّ مكتوم، (٤) وكان زيد بن حارثة يومئذ يحمل لواءه الأعظم لواء المهاجرين، وكان سعد بن عبادة صاحب لواء الأنصار. (٥) وكان حسّان بن ثابت قد التجأ إلى حصن مع جماعة من النّساء فيهم صفيّة بنت عبد المطلب، فقصده عشرة من اليهود يرمون، وصفيّة تقول: دونك يا أبا الوليد، وهو يأبى، ولا يتجانس عليهم، فدنا أحدهم من الباب يريد أن يدخل، وآيست صفيّة وسائر النّساء من حسّان، فاحتجزت صفيّة بثوبها، وأخذت خشبة، ونزلت إليه. (٦) غزوة الخندق على سبيل الاختصار. ١٠ - ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ:﴾ قال الكلبيّ: هذه في مجيء أبي الأعور السّلميّ من أسفل الوادي، واعترض إلى أبي سفيان من قبل الخندق. ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ:﴾ هما عبارتان عن شدّة الخوف. (٧) و (الحناجر): جمع حنجرة، وهي رأس الغلصمة. (٨) ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ قال الكلبيّ: هو رجل واحد معتب بن قشير، وإنّما قال ذلك حين أخبرهم (٢٦٢ ظ) بفتح فارس وملك الرّوم. (٩)

стр. 1270

١٣ - ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ (١): في المخلّفين (٢) عن المعسكر، والراجفين إلى الحصن، والمشيرين على أصحابهم بذلك، يريدون به خذلان رسول الله ﷺ ، فكانوا يعتذرون (٣) إلى رسول الله ﷺ بأنّ بيوتنا عورتنا (٤). ﴿عَوْرَةٌ:﴾ يخاف عليها السّرق، وهم كاذبون (٥) فيما يقولون. (٦) ﴿يَثْرِبَ:﴾ اسم المدينة في الجاهليّة، سمّاها رسول الله طيبة، (٧) فكانوا يلحدون إلى الاسم الأوّل لنفاقهم وبغضهم رسول الله ﷺ . ٢٤ - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ:﴾ أي: المدينة. (٨) ﴿مِنْ أَقْطارِها:﴾ أطرافها ونواحيها. (٩) ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ:﴾ أي: طلبوا الكفر. (١٠) ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً:﴾ أي: لو آتوا الفتنة لما مهلّهم (١١) الله إلا قليلا. ويحتمل: أنهم آتوها، ولم يتلبّثوا يروها وبالثّبات (١٢) على الإيمان إلا قليلا. ١٥ - ﴿عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ:﴾ يعني: بيعة العقبة قبل الهجرة، معقد عليهم ذلك العقد العبّاس (١٣) بن (١٤) عبد المطلب لرسول الله ﷺ بإذن الله تعالى. (١٥) ١٨ - ﴿الْمُعَوِّقِينَ:﴾ المثبّطين، والعائق: الصارف عن القصد. (١٦)

стр. 1271

﴿هَلُمَّ:﴾ كلمة دعوة، قيل: أصلها هل الاستفهام والأمر من أمّ يؤمّ. (١) ١٩ - ﴿أَشِحَّةً:﴾ الظّاهر أنّه الشّحّ يمنع الموالاة والنّصر. (٢) وذكر الكلبيّ: أنّه يمنعهم النّفقة عن إخوانهم الذين كانوا في المعسكر. ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ:﴾ في حماليقهم. ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ:﴾ للدّهش والحيرة. ﴿سَلَقُوكُمْ:﴾ سلخوكم، تقول: سلقته بالسّوط، وسلقت اللّحم عن العظم، ومنه السّلاق وهو يقشر جلد اللّسان، ولكنّه مستعار في الجهر بالقول السّيّئ ورفع الصّوت، ومنه خطيب مسلاق، (٣) وفي الحديث: «ليس منّا سلق أو حلق» (٤)، وفي الحديث: «لعن الله السّالقة» (٥). ﴿حِدادٍ﴾ (٦): جمع حديد، وهو ذا (٧) الحدّة. ٢٠ - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا:﴾ في الذين خبّتوا (٨) عن القتال، ولم يصدّقوا المؤمنين في انهزام الأحزاب. (٩) ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ:﴾ مرّة أخرى (١٠). يودّ (١١) هؤلاء المنافقون أن يكونوا متميّزين (١٢) عنكم. ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ:﴾ يستخبرون النّاس. ﴿عَنْ أَنْبائِكُمْ:﴾ كالأجانب. ٢١ - ﴿أُسْوَةٌ:﴾ قدوة، والتأسّي: الاقتداء. (١٣)

стр. 1272

٢٢ - ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ:﴾ لأنّ النّبيّ ﵇ كان قد أخبرهم مجيء الأحزاب بسبع أو بتسع أنّهم يجيئون. (١) ٢٣ - عن أنس بن مالك: أن عمّه النضر بن أنس غاب عن قتال بدر، فقال: غبت عن أوّل قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين، لئن أشهدني قتالا للمشركين ليريّنّ الله كيف كيف (٢) أصنع؟ فلما كان يوم الأحد انكشف المسلمون، فقال: اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء، يعني: المشركين، وأعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني: أصحابه، ثمّ تقدّم فلقيه سعد، فقال: يا أخي، ما فعلت فأنا معك، (٢٦٣ و) قال: فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، قال: فكنّا نقول فيه وفي أصحابه نزلت قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ.﴾ (٣) وعن عائشة في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ:﴾ منهم طلحة بن عبيد الله، (٤) ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فأصيب (٥) فقال رسول الله ﷺ : «أوجب طلحة الجنّة». (٦) ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ:﴾ اللام عائدة إلى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً،﴾ [أو] (٧) إلى قوله: ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً.﴾ الأوّل أظهر؛ لأنّ الآية تليها: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأحزاب:٢٥] عائدة إلى أوّل القصّة على سبيل ردّ عجز الكلام على صدره. ٢٦ - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ:﴾ نزلت في غزوة بني قريظة. (٨) والسّبب في ذلك: أنّ النّبيّ ﵇ لمّا علم بقدوم (٩) الأحزاب أرسل إليهم سعد بن معاذ الأنصاريّ وخوّات بن جبير يستنصرهم على الأحزاب على قضيّة الصّلح الذي كان بينهم

стр. 1273

وبين المسلمين، فأبوا أن ينصروه، ونقضوا العهد، وشتموا الرّسول والمرسل، وأظهروا حقدهم وتعصّبهم لبني النّضير الذين كان رسول الله ﷺ أجلاهم إلى الشّام قبل ذلك بسنتين، فلما نزل المشركون بساحتهم استنصرهم حييّ بن أخطب، وكان من بني النّضير، فامتنعوا منه (١) بعض الامتناع، ثمّ أجابوه، وضمنوا إعانته على شريطة أن يدخل معهم الحصن، إن كانت الدائرة (٢) عليهم، ثمّ تخلّفت اليهود عن المشركين لمكان السبت، وغضب أبو سفيان بن حرب، فلم ينتظرهم، فهزم الله الأحزاب بما (٣) ذكرنا. (٤) ودخل حييّ بن أخطب الحصن مع بني قريظة، (٥) ورجع رسول الله إلى المدينة فجعل يغسل رأسه ممّا لقي يوم الخندق، فقالت عائشة يا رسول الله: إنّي لأرى دحية الكلبيّ عند المنبر، فنظر ﵇ فإذا هو جبريل يمسح الغبار عن وجهه، فقال له (٦) جبريل: والله، يا محمد، ما وضع أهل السماء أسلحتهم، وقد وضعتم أسلحتكم، اخرج إلى بني قريظة، فقال النّبيّ ﵇: كيف أصنع بهم وهم في حصنهم؟ قال: اخرج إليهم، والله لأدقّنّهم بالخيل والرّجال كما تدقّ البيضة على الصّفا، ولأخرجنّهم من حصنهم، فنادى رسول الله في النّاس يأمرهم بالخروج إلى بني قريظة، وخرج هو بنفسه، على مقدمته عليّ بن أبي طالب، وعلى الميمنة زيد بن حارثة، وعلى الميسرة ثابت بن أثرم الأنصاريّ، واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن الحصين (٢٦٣ ظ) الغفاريّ، فما انتهى إليهم استنزلهم، فقال: انزلوا على حكم الله ورسوله يا إخوة القردة، فنزل أسد وأسيد وثعلبة بنو شعبة بن عمرو مسلمين مؤمنين، وامتنع الباقون عن النّزول، فأرسل رسول الله ﷺ أبا لبابة بن عبد المنذر، وقال: قل لحلفائك (٧) ينزلون على حكم الله ورسوله، فأشار إليهم أبو لبابة ووضع يده على حلقه ينذرهم بالذّبح إن نزلوا، وقالوا: لا ننزل، فقال رسول الله: يا أبا لبابة، خنت الله ورسوله، قال: نعم يا رسول الله، وندم على صنيعه، فارتبط على سارية من سواري المسجد بضع عشرة ليلة حتى نزلت توبته، فلبثوا خمسا (٨) وعشرين ليلة، ثم استنزلهم على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا، وكان سعد بن معاذ حكما، فحكم بقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وقسّموا أموالهم، وقتل سراتهم، وكانوا

стр. 1274

تسع مئة وخمسين رجلا، وقيل: أربع مئة وخمسين، وجيئ بحييّ بن أخطب، وعليه معطفة (١) حمراء، فشقّها على نفسه مخافة أن يسلب، فأمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه، وكانت الخيل في هذه الغزوة في عسكر رسول الله ستة وثلاثين فرسا. (٢) وروي في بعض التّاريخ: أنّ النّبيّ ﵇ اصطفى من السّبي ريحانة بنت عمرو بن خنافة، (٣) وليس بمعروف. وكان يحمل رايته عليّ بن أبي طالب ﵁. (٤) وكانت امرأة من قريظة ألقت رحا من فوق الحصن فقتلت خلاّد بن سويد، فأمر رسول الله ﷺ بقتل تلك المرأة، فقتلت. (٥) ونهى في هذه الغزوة أن يفرّق بين الأمّ وولدها، وبين الأختين إذا كانتا صغيرتين، وبلغ عدد السّبي تسع مئة. (٦) ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ:﴾ جمع صيصية، وهي كلّ ما يقع به الامتناع والتّحصّن، وصياصيّ البقر قرونها، وصيصيتا الدّيك شوكتاه، (٧) وفي حديث أبي هريرة: «أصحاب الدّجال شواربهم كالصّياصيّ» (٨). ٢٧ - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ:﴾ مزارعهم وبساتينهم. (٩) ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها:﴾ بيوتهم وخزائنهم. وذكر الكلبيّ: أنّ الأرض التي لم يطؤوها خيبر. (١٠) أي: سيورّثكم. ويحتمل: أنّ الآية نزلت بعد فتح خيبر، وأراد بالأرض ممّا أفاء الله على رسوله من أهل القرى لم يوجفوا (١١) خيلا ولا ركابا (١٢). ٢٨ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ:﴾ جابر بن عبد الله قال: مكث رسول الله ﷺ يوما في بيته لم يخرج، فحضر النّاس في المسجد ينتظرونه، فجاء أبو بكر وعمر ﵄،

стр. 1275

وقالوا: لو أنّ أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ ، فاستأذن أبو بكر، فردّ، ثم استأذن عمر، فردّ، فجلسا مع النّاس ساعة، فقال القوم لأبي [بكر] (١): استأذن، فاستأذن، فأذن (٢٦٤ و) له، ثم استأذن عمر، فدخلا على رسول الله ﷺ ، ونساؤه كلّهن حوله وهو ناكس رأسه، ثم رفع رأسه، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد وقد سألتني النّفقة والكسوة، فقمت إليها، فوجأت رقبتها وجأة فخرّت (٢)، فضحك رسول الله حتّى بدا نواجذه، ثمّ قال: والله ما حبسني عنكم منذ اليوم إلا من تسألني النّفقة والكسوة، فقام أبو بكر إلى عائشة فضربها، فأمسكه رسول الله ﷺ ، وقام عمر إلى حفصة فقال: والله لا تسألين بعد هذا اليوم شيئا، ثمّ خرج رسول الله ﷺ فصلّى، ثمّ نزل التّخيير، فبدأ بعائشة، فقال: يا عائشة، إنّي عارض عليك أمرا فلا تعجلي حتى يأتيك أبوك وأمّك فتسأليهما، فلمّا عرض عليها (٣)، قالت: أنّى استشير فيك أبي وأمّي، أنا أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأحرّج (٤) عليك أن تخبر أحدا من صواحباتي ماذا قلت، فقال رسول الله ﷺ : معاذ الله من ذلك، إنّ الله لم يبعثني معنّفا ولا متعنّتا، ولكن بعثني معلّما ميسّرا، فلا تسألني امرأة إلا أخبرتها أنّك اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، فعرض عليهن، فقلن ما قالت عائشة؟ فأخبرهنّ (٥) ما قالت، فقلن: ونحن اخترنا الله ورسوله والدار الآخرة. (٦) ٣٠ - ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ:﴾ أزواجه وبناته وسائر الهاشميّات، والخطاب قد تناولهنّ (٧) جميعا. ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ:﴾ لأن المحنة على قدر النّعمة، (٨) بدليل اختلاف المحصن وغير المحصن (٩) في حكم الزّنا. ٣٢ - ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ:﴾ فلا تليّنّ الكلام، ولا تلطّفن الصوت. (١٠) ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً:﴾ لا تغنّج فيه ولا ريبة. ٣٢ - عن ابن عباس قال: ﴿الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ كانت بين إدريس ونوح ﵉،

стр. 1276

وكانت ألف سنة. (١) وقيل: إنّ الجاهلية الأولى كانت في أيّام نمرود. (٢) وعن عمر بن سلمة ربيب النّبيّ ﵇ قال: لمّا نزلت: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ كان في بيت أمّ سلمة فدعا فاطمة والحسن والحسين فجلّلهما (٣) بكساء، وعليّ خلف ظهره، فجلّلهم بكساء، ثمّ قال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا»، قالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا نبيّ الله، قال: «إنّك على مكانك، وأنت على خير». (٤) وفي بعض الروايات: قالت أمّ سلمة: ألست من أهل بيتك يا رسول الله؟ قال: بلى، فأدخلها معهم في كسائه. ولكن الرّواية الأولى أشهر، فإن لم يدخلها فلاستغنائها بظاهر الكتاب، فليطمئنّ قلبها، أو كونها متأخرة في تزوجه عن نزول الآية. ٣٥ - وعن أمّ سلمة (٢٦٤ ظ) قالت: قلت: يا رسول الله، تذكر الرّجال في كلّ شيء، ولا نذكر، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ. . .﴾ الآية. (٥) وإنما أحبّت أمّ سلمة إفراد النّساء بالذّكر على سبيل الإتباع والإجمال ليتشرفن بذلك ويتبركن، لا (٦) لأنّ ظاهر الخطاب لا يتناولهنّ، فإنّ طريقة العرب مشهورة أنّهم إذا جمعوا بين مذكّر ومؤنّث، وعاقل وغير عاقل، ومفرد ومضاف أن يغلّبوا المذكّر والمؤنّث والعاقل والمفرد. ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ:﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش (٧) بن رياب بن أعصر بن ضمرة بن مرّة بن كثير بن عثم بن داود بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر الأسديّة، وأمّها أميمة بنت عبد المطّلب عمّة رسول الله، توفّيت زينب في زمن عمر بن الخطّاب، فسترت على جنازتها بنعش، وهي أوّل من سترت بنعش، فشيّع الجنازة عمر ﵁، فلمّا رأى النّعش استحسن ذلك، وقال: نعم حنا الظّعينة. (٨) وكان السّبب في ذلك أنّ النّبيّ ﵇ أمرها أن تتزوّج بمولاه زيد بن (٩) حارثة بن

стр. 1277

شراحيل بعد وفاة أمّ أيمن مولاة رسول الله ﷺ ، أو أسامة بن زيد (١)، وزيد هذا هو الذي ابتلاه الله تعالى بنفي نسبه عن رسول الله ﷺ بعد ثبوته، وابتلاه الله بمزاجّة رسوله إيّاه وامرأته على ما سنذكره، وكان راضيا عن الله تعالى مطمئنا بقلبه على الإيمان، فعوّضه الله من مجاز النّسبة والمرأة الفاتنة ذكرا مخلّدا، وهو أن صرّح باسمه ووصفه بالجميل في كتابه المعجز، وهو حيّ مكلّف يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، وهذه رتبة كانت مختصة برسول الله ﷺ قبل ذلك، لم ينلها حمزة وعباس وعليّ، ولا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولا فاطمة والحسن والحسين، ولا خديجة وعائشة وحفصة. وسئل الزّهريّ: من أوّل من أسلم؟ قال: من النّساء خديجة، ومن الرّجال زيد بن حارثة. (٢) وعن سليمان بن يسار قال: أوّل من أسلم زيد بن حارثة. (٣) روي: أنّ حارثة (٤) تزوج إلى طيء بامرأة من بني نبهان (٥)، فأولدها جبلة وزيدا وأسماء، فتوفّيت أمّهم، وبقوا في حجر جدّهم (٦) لأمّهم، وأراد أبوهم حملهم، فأبى عليه جدّهم، ثمّ تراضوا على أن حمل جبلة وأسماء، وترك زيدا عند جدّه، فجاءت خيل من تهامة، فأغارت على طيء، فسبت زيدا، وطاروا به إلى سوق عكاظ، فرآه النّبيّ (٧) ﵇ من قبل أن يبعث، فقال لخديجة: «يا خديجة، رأيت في السّوق غلاما صفته كيت وكيت، يصف عقلا وأدبا وجمالا (٨)، (٢٦٥ و) لو أنّ لي مالا لاشتريته»، فأمرت خديجة ورقة بن نوفل، فاشتراه من مالها، فقال لها النّبيّ ﵇: «يا خديجة، هذا الغلام بطيبة من نفسك»، فقال: يا محمد، إني رأيت غلاما رضيّا، وأحبّ أن أتبنّاه، وأخاف أن تبيعه، أو تهبه، فقال: «يا موفّقة، ما أردت إلا أن أتبنّاه»، فقالت له (٩): خذه يا محمد، فربّاه وتبنّاه، وكان يقال له: زيد بن محمد، فجاء رجل من الحيّ فرأى زيدا، فعرفه، فقال: ألست زيد بن حارثة؟ قال: لا، أنا زيد بن محمد، قال: بلى أنت زيد بن حارثة، نسبة أبيك وعميك (١٠) وإخوتك كيت وكيت، وقد أتعبوا الأبدان، وأنفقوا

стр. 1278

الأموال في سبيلك، فقال (١): ألكني إليّ قومي وإن كنت نائيا ... يأبى قطين البيت عند المشاعر فكفّوا عن الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعلموا في الأرض نصّ الأباعر فإنّي بحمد الله في خير أسرة ... خيار معد كابر بعد كابر وإنّي مولى للنّبيّ (٢) ... محمد حويت بهم سهم القريع المفاخر فمضى الرجل وأخبر حارثة، ولحارثة في ذلك شعر [من الطويل]: (٣) بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ يرجى أم أتى دونه الأجل فو الله ما أدري وإنّي لسائل ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لك (٤) ... الدّهر رجعة فخير من الدّنيا رجوعك لي بجل سأعمل نصّ العيس في الأرض جاهدا (٥) ... ولا نسأم التّطواف إذ تسأم الإبل وإن هبّت الأرياح هيّج ذكره ... فيا طول أحزاني عليه ويا وجل تذكّرنيه الشّمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا عسعس الطفل حياتي أو تأتي عليّ منيّتي ... وكلّ أمرئ (٦) فان وإن غرّه الأمل ثمّ إن حارثة أقبل مكة وأخواه وولده وبعض عشيرته، فإذا النّبيّ ﵇ في فناء الكعبة في نفر من أصحابه، وزيد فيهم، فلمّا نظروا إليه عرفوه وعرفهم، فقالوا: يا زيد، فلم يجبهم انتظارا منه لرأي رسول الله ﵇، فقال له رسول الله ﷺ : من هؤلاء يا زيد؟ فقال: يا رسول الله، هذا أبي وهذان عمّاي، وهذا أخي، وهؤلاء عشيرتي، فقال له: قم يا زيد، فسلّم عليهم، وسلّموا عليه، فقال (٧): امض معنا يا زيد، فقال: ما أريد برسول الله بدلا، (٢٦٥ ظ) ولا أوثر عليه أحدا، قالوا: يا محمد، إنّا معطوك بهذا الغلام ديّات، فسمّ ما شئت، فإنّا حاملوه إليك، فقال: أسألكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّي خاتم أنبيائه ورسله (٨)، فأبوا وتلكؤوا (٩)،

стр. 1279

وتلجلجوا، وقالوا: نعطي ما عرضنا عليك يا محمد، قالوا: هاهنا (١) خصلة غير هذه، قد جعلت الأمر إليه، إن شاء فليرحل، قالوا: يا محمد، ما بقي، قضيت ما عليك، يا زيد (٢) فانطلق معنا، قال: هيهات هيهات، ما أريد برسول الله بدلا، ولا أوثر عليه أحدا، قال أبوه: يا نبيّ الله، أمّا أنا (٣) فأقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله، فآمن حارثة، وأبى الباقون، ورجعوا إلى البريّة. والحديث مختصر. (٤) وعن أبي عمرو الشيبانيّ: أنّ جبلة بن حارثة قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله، ابعث معي أخي زيدا، قال: هو ذا، فإن انطلق معك لم أمنعه، قال زيد: يا رسول الله، والله لا أختار عليك أحدا، قال جبلة بن حارثة: فرأيت رأي أخي أفضل. (٥) وعن عمر: أنّه فرض لأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمس مئة، وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف، فقال عبد الله لأبيه: لم فضّلت أسامة عليّ، فوالله ما سبقني إلى مشهد، قال: لأنّ زيدا كان أحبّ إلى رسول الله من أبيك، وكان أسامة أحبّ إلى رسول الله (٦) منك، فآثرت حبّ رسول الله على حبّي. (٧) وعن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ بعث بعثا وأمّر عليهم أسامة بن زيد، وطعن (٨) النّاس في إمرته (٩)، فقال: إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله، إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ، وإنّ هذا من أحبّ النّاس إليّ بعده. (١٠) فلمّا كان زيد من رسول الله ﷺ بهذه المنزلة أحبّ إكرامه وتشريفه بأن تزوّج منه بنت عمّته، فترفعت المرأة عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فسلّمت لحكم الله، وتزوّجت بزيد بن حارثة. ٣٧ - ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ:﴾ إنعام الله توفيقه للإيمان، وإنعام رسول الله هو عتقه وتزويجه. (١١)

стр. 1280

﴿وَاِتَّقِ اللهَ:﴾ من كلام رسول الله له. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ:﴾ معطوف على بلغ (١). والسّبب في نزولها: أنّ المرأة مكثت عند زيد ما شاء الله، ثمّ إنّ رسول الله أتى بيت زيد ذات يوم وهو غائب عن بيته، فوقع بصره على المرأة وهي قائمة في درع وخمار، فألقى الله حبها في حبه (٢)، فأعرض عنها مدبرا وهو يقول: سبحان الله (٣) مقلّب القلوب، (٢٦٦ و) فلمّا سمعت المرأة تلك اللّفظة علمت بما ابتلي به رسول الله ﷺ ، فجلست متستّرة، ولم تكلّم رسول الله ﷺ ، ورجع رسول الله ﷺ إلى بيته، ورجع زيد إلى بيته (٤)، فأخبرته المرأة بالقصّة، فلم يثبت زيد أن جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يشكو زينب بأنّها متكبّرة ذات نخوة، ما تطيعه في أمر، ولا تبرّ قسمه، وأنّه (٥) يريد أن يطلّقها، فزجره النّبيّ ﵇ تمسّكا بالنّصيحة الشّرعيّة، وفي قلبه ما في قلبه، فأظهر الله ذلك عليه. (٦) وعن عائشة ﵂ قالت: لو كان النّبيّ كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية. (٧) فلمّا نزلت الآية (٨) أذن النّبيّ ﵇ لزيد في طلاقها، وفي أن خطبها بعد ذلك لرسول الله ﷺ ، فرجع زيد وأخبر المرأة بأنّه شكا منها إلى رسول (٩) الله ﷺ ، فاستأذن في طلاقها، فأذن له في ذلك، ثمّ قال لها: جزاك الله خيرا إن كنت لتطيعيني (١٠) وتبرّين قسمي، فبكت المرأة، ثمّ أخبرها بأنّه وكيل من جهة رسول الله ﷺ في أن يخطبها له، فضحكت. (١١) ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً:﴾ أي: استوفى حاجته من النّظر والمفاكهة والملاعبة إلى ما وراء ذلك من المسيس وغيرها. الوطر: الأرب والحاجة. (١٢)

стр. 1281

وعن الشّعبيّ: أنّ زينب بنت جحش قالت للنّبيّ ﵇: إنّي لأدلّ عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدلّ بهن: إحداهنّ: أنّ جدّي وجدّك واحد، والثاني: أنّ الله تعالى زوجنيك من السماء، والثالث: أنّ السفير جبريل (١) ﵇. (٢) ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ:﴾ يبين أنّ فعل النّبيّ ﵇ كان فعلا طاهرا يدلّ على جوازه لأمّته ما لم تقم دلالة لتخصيص فيها فرض الله له، وفي استباحة ما خصّه الله بالإباحة (٣) له ممّا يراه النّاس محظورا عليه بعقولهم أو بأوهامهم. ٣٨ - ﴿سُنَّةَ اللهِ:﴾ نصب على المصدر، أي: سنّ الله فيك سنّته. (٤) ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً (٥)﴾ مَقْدُوراً: أي: كان قضاؤه مقدّرا. (٦) ٣٩ - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ:﴾ في محلّ الخفض بدلا من ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ (٧) [الأحزاب:٣٨]. ٤٠ - ﴿مِنْ رِجالِكُمْ:﴾ أي: من رجال الدّنيا، فإنّ الله استأثر نبيّه أطفالا لم يبلغوا مبلغ الرّجال. (٨) وقال الشّعبيّ: ما كان ليعيش فيكم له ولد ذكر (٩). (١٠) وتسمية الفاطميّة بني رسول الله على المجاز، كقوله ﵇ لأغيلمة (١١) ليلة الجمع حين قدّم ضعفة أهله: «أبنيني لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشّمس» (١٢). ٤١ - ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً:﴾ عن عبد الله بن بسر (٢٦٦ ظ) أنّ رجلا قال: يا رسول الله، إنّ شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبّث به، فقال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله» (١٣)، وعن أنس قال: قال رسول الله ﵇: «ذكر الله علم

стр. 1282

الإيمان (١)، وبراءة من النّفاق، وحصن من الشّيطان، وحرز من النّار» (٢). ٤٤ - ﴿تَحِيَّتُهُمْ:﴾ من عند الله. (٣) فكفى للجيفة البالية فخرا بأن يحيّيها محيّيها، وينجّيها منجّيها. ٤٦ - ﴿إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ:﴾ يحتمل: الوحي فرقا للنّبيّ ﵇. ويحتمل: التّوفيق (٤). ٤٨ - ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ:﴾ واترك مراعاة جانبهم والتودّد إليهم باحتمال مشقّتهم، (٥) وإنّما أمره بذلك لأنّ النّبيّ ﵇ ما كان يحتمل أذاهم إلا لوجه الله تعالى. ٥٠ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ:﴾ فيه دليل على أنّ جواز الجمع بين الحقيقة في لفظ إذا تجانسا (٦)، ولم يتنافيا؛ لأنّ قوله: ﴿أَحْلَلْنا:﴾ حقيقة في حقّ أزواجه في غيرهنّ إذ هو في معنى قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ.﴾ فأمّا أزواجه (٧) اللّواتي آتاهنّ أجورهنّ: فخديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب توفّيت قبل الهجرة، وسودة بنت زمعة (٨)، ومعه من مهاجري الحبشة، تزوجها بمكة، وطلقها بالمدينة، فسألته لوجه الله أن يراجعها بمكة، وبنى (٩) بها بالمدينة، وحفصة بنت عمر تزوّج بها بالمدينة بعد موت خنيس بن حذافة، وكان رسول الله أرسله إلى كسرى، وزينب بنت خزيمة من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة توفّيت قبل رسول الله، وكانت تدعى أمّ المساكين، وزينب بنت جحش الأسدية، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان الأمويّة، وأمّ سلمة بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة أمّ الفضل التي هي أمّ الخلفاء ﵃، وصفية بنت حييّ النضيرية أعتقها، ثمّ تزوّج بها، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة، فهؤلاء إحدى عشرة (١٠) امرأة أمّهات المؤمنين، توفّيت ثنتان قبله، ومات عن تسع منهن. (١١)

стр. 1283

وروي: أنّه ﵇ تزوّج بحمنة بنت ذي اللّحية من بني بكر بن كلاب، فدخل بها ليلة، فطلّقها، فخبّر أنّها تظلع فطلّقها. وتزوّج بأميمة (١) بنت النّعمان الكندية، فقالت: ملكة تحت سوقة، فلم يطأها، وطلّقها. (٢) وتزوّج بامرأة فلمّا دخل عليها وبسط يده إليها قالت: أعوذ بالله منك، فقال ﵇: لقد عذت بمعاذ، فطلّقها. (٣) وأما ما ملكت يمينه من السّواري فمارية القبطية أمّ إبراهيم احتجبت بعد نزول آية الحجاب، وريحانة بنت شمعون (٢٦٧ و) القرظيّة، قيل: إنّها احتجبت بعد نزول آية الحجاب. ﴿مِمّا (٤)﴾ أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ: الإفاء في اللّغة الرّدّ، (٥) وإنّما سمّيت الغنيمة فيئا؛ لأنّ النّعمة يستحقها المؤمنون، فكأنّ الكفّار اغتصبوها، أو جميع ما في الأرض للمؤمنين في عصر آدم ﵇ وبنيه فما يغنمه المسلمون، فكأنهم يرتجعونه. ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ:﴾ فضباعة بنت الزبير بن عبد المطّلب كانت تحت المقداد (٦)، وأمّ الحكم بنت الزبير بن عبد المطّلب كانت تحت الرّبيعة بن الحارث بن عبد المطّلب (٧)، وأمّ هانئ فاختة بنت أبي طالب (٨)، وجمانة (٩) بنت أبي طالب لا نعرف لهما زوجا (١٠)، وأمّ حبيب بنت عبّاس من أمّ الفضل، وآمنة وصفية ابنتا (١١) عبّاس من أمهات الأولاد لا نعرف أزواج بنات عبّاس، وأمّ أبيها بنت حمزة لا نعرف زوجها، وهند بنت المقدم بن عبد المطّلب كان تحت عبد الله بن أبي مسروح أخي بنتي سعد بن بكر بن هوازن، وبنات لأبي لهب، وأروى بنت الحارث بن عبد المطّلب لم يتزوج رسول الله بواحدة من هؤلاء فيما مضى، ولا فيما استقبل من عمره، وأما بنات عمّاته فغير مسمّيات في المعارف والتّاريخ ما خلا زينب بنت جحش فإنّها ابنة عمّة رسول الله ﵇، وأما بنات خاله فغير مسمّيات، لا يعرف لوالدة رسول الله ﷺ ولا لمرضعته أخ

стр. 1284

من أروام، ولكن (١) بني زهرة أخوال رسول الله ﷺ على طريق الإجمال لمكانة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة، وبنو سعد بن بكر بن هوازن أخواله لمكان مرضعته حليمة بنت أبي ذويب السعديّة، وأما بنات خالاته فغير مسمّيات، ولا تعرف أخت لوالدة رسول الله ﷺ ولا لمرضعته، ولكنّ الزهريّات والسّعديات خالاته على طريق الإجمال لمكان آمنة وحليمة. والظاهر من قوله: ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ:﴾ وصف لبنات الخالات. (٢) وروي: ﴿أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي. .﴾ الآية، فلم أكن أحلّ له؛ لأنّي لم أهاجر، كنت من الطلقاء. (٣) فالظاهر من قوله: ﴿وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً:﴾ أنّه عامّ في جميع المؤمنات مهاجرات وغير مهاجرات (٤). وقال ابن عباس: نهي رسول الله ﷺ عن أصناف النّساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات. (٥) وقوله: ﴿خالِصَةً لَكَ:﴾ منصوبة بمضمر، أي: جعلنا هذه الخصلة (٦)، أو هذه الفريضة خالصة لك، (٧) والتّخصيص هو عدم العوض؛ لأنّ (٨) الواهبة معطوفة على ذوات الأجور، والمعطوف عليه في الظاهر يدلّ عليه ما روي: أنّ خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنّبيّ ﷺ (٢٦٧ ظ) وكانت من المهاجرات الأول. (٩) قالت عائشة: كنت إذا ذكرت [قلت:] (١٠) استحيي امرأة تهب نفسها لرجل بغير مهر، وكانت من أغير النّاس، وفيها نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ،﴾ قلت: يا رسول الله، إنّ ربّك ليسارع في هواك. (١١)

стр. 1285

وعن ابن عباس قال: ألقى الله في قلب أمّ شريك بنت جابر الإسلام، فأسلمت وهي بمكّة، وهي إحدى نساء قريش، ثمّ إحدى بني عامر بن لؤيّ، وكانت تحت أبي الغلواء (١) الدّوسيّ، فأسلمت وجعلت تدخل على نساء قريش سرّا تدعوهنّ، وترغبهنّ في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكّة، فأخذوها فقالوا: لولا قومك لفعلنا بك، ولفعلنا، لكن سنؤدّك إليهم، قالت (٢): فحملوني على بعير ليس تحتي شيء من (٣) وطاء ولا غيره، ثمّ تركوني ثلاثا لا يطعمونني ولا يسقونني، قالت: فما أتت عليّ ثلاث صرما (٤) في الأرض شيء أسمعه، قالت: فنزلوا، وكانوا إذا نزلوا منزلا أوثقوني في الشّمس، ثمّ استظلوا، فهم فيها حتى يرتحلوا، قالت: فبيناهم قد نزلوا منزلا، وأوثقوني في الشّمس إذ أتي ببرد على صدري فتناولته، فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلا، قال: فصنع بي ذلك مرارا، ثمّ تركت فشربت منه حتى رويت، ثمّ أفضت سائره على جسدي وثيابي، فإذا استيقظوا إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: أتحلّلت فأخذت سقانا فشربت منه حتى رويت؟ قلت: ما فعلت، ولكنّه من الأمر كذا وكذا، قالوا: إن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فلمّا نظروا إلى أسقيتهم وجدوها كما تركوها، فأسلموا عند ذلك، قال: فأقبلت إلى النّبيّ ﵇ ووهبت نفسها للنّبيّ ﵇ بغير مهر، فقبلها، ودخل بها فرآها قد علتها كبرة فطلّقها. (٥) وفي وقوله: ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ دليل على أنّ لفظة الهبة من ألفاظ النّكاح. (٦) ٥١ - والظاهر من قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ:﴾ إرجاء الواهبات أنفسهنّ ليبقين موقوفات غير مقبولات ولا مردودات، وذكر الخردادنهى (٧) في تاريخه: أنّ النّبيّ ﵇ أرجى سودة وصفيّة وجويريّة وأمّ حبيبة وميمونة، وآوى عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأمّ سلمة. (٨) فالإرجاء على هذا القول الإخراج من القسمة والنّوبة من غير طلاق، فإن كان كذلك لم

стр. 1286

يكن إلا برضاهن على سبيل المصالحة (١)، كما في قصّة سودة بنت زمعة. (٢) ﴿وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ:﴾ إيواءها (٣). ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ:﴾ في إيوائها (٤). و ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ﴾ (٥) (٢٦٨ و) ﴿أَعْيُنُهُنَّ:﴾ أي: الإيواء بعد الإرجاء أقرب من مسرّتهنّ (٦). ﴿كُلُّهُنَّ:﴾ تأكيد للضّمير المكتسبي بقوله: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ (٧) دون الضّمير في قوله: ﴿آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ.﴾ ٥٢ - ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ:﴾ في (٨) تحريم ذوات المهور في المستقبل من غير الأصناف المذكورة دون الواهبات أنفسهن، وما تملكه يمينه في باقي عمره، إن رزقه الله تعالى. (٩) ولم يبلغنا أنه قبل نفس واهبة، أو ملك سرية (١٠) ملك اليمين بعد هذه الآية، ما كان فعل شيئا من ذلك. وفائدة الآية استعمالها، وإلا فائدتها اعتقادها. وعن مجاهد: ﴿لا يَحِلُّ (١١)﴾ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ: أي: من بعد ما سمّى لك من يهوديّة ولا كافرة. (١٢) ويمنع كون الذّميّة في رتبة المؤمنين، أو (١٣) تحريم عسيلته على أهل النّار، فإنّ أبا طيبة شرب دمه وحرّمت عليه النّار. (١٤) وعن عائشة قالت: ما مات رسول الله حتى أحلّ له النّساء. (١٥) فقد فهمت

стр. 1287

من الآية تحريم الحرائر بعد التّسع، ثمّ شاهدت من سنّته ما استدلّت (١) به على نسخ الآية بالسّنة. ٥٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ:﴾ عن أنس بن مالك قال: تزوّج رسول الله ﷺ فدخل بأهله، فصنعت، أي: أمّ سليم، حيسا، فجعلته في تور، فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ فقل له: وجّهت بهذا إليك أمّي، وهي تقرئك السّلام، وتقول: إنّ هذا لك منّا قليل، قال: فذهبت إلى رسول الله ﷺ فقلت: إنّ أمّي تقرئك السّلام، وتقول: إنّ هذا لك منّا قليل، فقال: «ضعه»، ثمّ قال: «اذهب فادع فلانا وفلانا ومن لقيت»، وسمّى رجالا، فدعوت من سمّى ومن لقيت، قال: قلت لأنس: كم عددا كانوا؟ قال: زهاء ثلاث مئة، قال: فقال رسول الله: «يا أنس، هات التّور»، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصّفّة والحجرة، فقال رسول الله: «ليتحلّق عشرة عشرة، وليأكل كلّ إنسان ممّا يليه»، قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلّهم، قال: قال: «يا أنس، ارفع»، قال: رفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس طوائف منهم يتحدّثون في بيت رسول الله ﷺ ، ورسول الله (٢) جالس وزوجته مولّية وجهها إلى [الحائط] (٣)، فثقلوا على رسول الله، فخرج رسول الله ﷺ فسلّم على نسائه، ثمّ رجع، فلمّا رأوا رسول الله ﷺ قد رجع (٤) ظنّوا أنّهم ثقّلوا عليه، قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلّهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى السّتر ودخل، فأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج عليّ، وأنزلت عليه هذه الآية، فخرج رسول الله ﷺ وقرأها على النّاس، قال أنس: (٢٦٨ ظ) أنا أحدث النّاس عهدا بهذه الآيات، وحجبن نساء النّبيّ. (٥) ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ:﴾ في محلّ الخفض معطوفا على قوله: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ وعن عائشة قالت: كنت آكل أنا ورسول الله ﷺ حيسا في قعب، فمرّ عمر بن (٦) [الخطاب] (٧)، فدعاه رسول الله ﷺ ، فأكل معنا، فأصابت أصبعه أصبعي، فقال: أوّه لو أطاع فيكون ما رأتكنّ عين، فنزل الحجاب (٨).

стр. 1288

وعن الشّعبيّ: أنّ نبيّ الله ﵇ تزوّج قتيلة بنت قيس، ومات عنها، ثمّ تزوّجها عكرمة بن أبي جهل، فأراد أبو بكر أن يقتله، فقال له عمر: إنّ النّبيّ ﵇ لم يحجبها، ولم يقسم لها (١)، ولم يدخل بها، وارتدّت مع أخيها عن الإسلام، وبرئت من الله ورسوله، فلم يزل به حتى تركه. (٢) وما روي عن طلحة في عائشة، لا نراه إلا فرية بعض روافض أهل الكوفة، أخذ الكلبيّ منهم، ثمّ تابعه عليه مقاتل (٣)، ثمّ أخذه الفرّاء (٤) من تفاسيرهما. وكلّ تحريم ثبت بالنّسب يثبت (٥) بالرّضاع لقوله ﵇: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب» (٦)، لما روى عن عائشة قالت (٧): جاء عمّي من الرّضاع بعد ما ضرب علينا الحجاب، فقلت: والله لا آذن لك حتى يأتي رسول الله ﷺ ، فأستأذنه، فجاء رسول الله ﷺ فقلت: جاء عمّي من الرّضاعة، فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، قال: «فليلج عليك عمّك»، قالت: قلت: إنّما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرّجل، فقال ﵇: «إنّه (٨) عمّك فليلج عليك». (٩) ٥٦ - ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ:﴾ ﵇، عن كعب بن عجرة قال: لمّا نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله، [كيف] (١٠) الصّلاة عليك، قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم (١١)، إنّك حميد مجيد» (١٢). وعن ابن عبّاس، عنه ﵇ قال: «من قال: جزى الله عنّا محمدا ما هو أهله أتعب سبعين كاتبا ألف صباح» (١٣). وقال ﵇: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فقد خطئ (١٤) طريق الجنّة» (١٥).

стр. 1289

٥٧ - ﴿يُؤْذُونَ اللهَ:﴾ إيذاء الله على سبيل المجاز، كخداع الله. (١) ٥٩ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ. . .﴾ الآية: قيل: كانت الحرائر والإماء يخرجن من بيوتهنّ في زيّ واحد، وكانت السّفهاء يتعرّضون للحرائر والنّظر إلى وجوههنّ، كما يتعرّضون للإماء لا يميزون (٢) بينهنّ، فيتأدّى الحرائر بذلك، فأنزل. (٣) ﴿جَلابِيبِهِنَّ:﴾ جمع جلباب، وهي الإزار. (٤) ٦٠ - ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ:﴾ المولّدون للأقوال المضطربة التي لا قرار لها، ولا حقيقة، وأرجف الناس في الشّيء: إذا خاضوا فيه واضطربوا. ﴿إِلاّ قَلِيلاً:﴾ إلا قليلين، أو إلا زمانا قليلا. (٥) ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا:﴾ فعلى قوله: إلا قليلين، أو إلا زمانا قليلا، نصب على الحال أو البدل (٦)، وعلى قوله: إلا زمانا قليلا نصب على الذمّ (٢٦٩ و) والشّتم (٧) كقوله: ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤]. وفي الآية دليل على جواز قتل المنافق إذا أظهر (٨) نفاقه. ٦٢ - ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ:﴾ أنبياء الله الذين نصرهم على من آذاهم. (٩) وقيل: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ:﴾ بني قريظة والنّضير. ٦٣ - ﴿يَسْئَلُكَ (١٠)﴾ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ: كان النّاس يكثرون السؤال عن الساعة متى هي؟ فلذلك كثر الجواب. ٦٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى:﴾ لم يذكر سبب نزول الآية، والظّاهر أنّ سبب نزولها قول السّفهاء: تزوّج رسول الله بامرأة ابنه، أو قول المنافقين: هو ذو قلبين في جوفه، أو كراهة من كره الحجاب.

стр. 1290

وأما الذين آذوا موسى ﵇ إنّهم (١) الذين اتّهموه بقتل هارون ﵇، فأراهم الله هارون مضطجعا على سريره من أسرّة الجنّة، انشقّ عنه قبره، ثمّ عاد إلى مكانه. وقيل: اتّهموه بالطّمع في مال قارون، فخسف الله به وبداره وبماله (٢) الأرض. وعن أبي هريرة، عنه ﵇: «أنّ موسى ﵇ كان حييّا ما يرى من جلده شيء (٣) استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، قالوا: ما تستّر هذا التّستّر إلا من عيب بجلده، إمّا برص، وإمّا أدرة، وإمّا آفة، وإنّ الله تعالى أراد تبرئته ممّا قالوا، فخلا موسى يوما وحده، فوضع ثيابه على حجر ثمّ اغتسل، فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها (٤)، وإنّ الحجر عدا بثيابه فطلب موسى [الحجر] (٥)، فانتهى إلى ملأ (٦) من بني إسرائيل فرأوه أحسن النّاس خلقا، وأبرأه ممّا كانوا يقولون، قال: وقام الحجر فأخذ ثوبه ولبسه (٧)». (٨) الذين آذوه هم الذين اتّهموه في التّوراة، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]. ٧٠ - ﴿قَوْلاً سَدِيداً:﴾ لا خلل فيه لصدقه ومتانته، وأسدّ الأقوال قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، (٩) ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٧١ - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ:﴾ تبديل سيئاتنا حسنات، أو قبوله صالح أعمالنا بعد الشّهادتين. ٧٢ - ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ:﴾ إن كان المراد أهلوها وسكانها العقلاء من الملائكة والجنّ فالعرض على سبيل التّخيير، والإباء والإشفاق على سبيل الاجتهاد، وإن كان المراد سائر الحيوان فالعرض ابتلاء طبائعها، والإباء والإشفاق على سبيل الكراهة الطبيعيّة، وإن كان المراد أعيانها التي هي جماد، فالعرض على سبيل الإخبار والاضطرار، والإباء والإشفاق كذلك. فائدة العرض الأوّل: بيان اجتهاد. وفائدة (١٠) العرض الثّاني: بيان التّفاوت بين الطّبائع لا

стр. 1291

يحملها الحرص على المخاطر، وطبائع يحملها (١) الحرص عليها. وفائدة العرض الثّالث: تفخيم الأمر. والظاهر من الأمانة في هذه الأقوال كلّها: أنّها الذّمة الصحيحة التي يتعلق بها الحقوق، والظّاهر من حملها: اعتذار الإنسان (٢٦٩ ظ) بصحّة (٢) ذمّته أنّها فضيلة لا يرضى بعدمها البتة، فأوّل ما ثبت ذمّة الإنسان اعتزال الشّجرة، لم يتضرّع إلى الله ليحول بينه وبينها، ثمّ ثبت في ذمته رعاية امرأته، لم يتضرّع (٣) إلى الله ليكفيه أمرها، فأكل من الشّجرة، وقصّر في رعاية المرأة حتى أكلت من الشّجرة، فسرى شؤم المعصية إلى [بني آدم] (٤) في صلبه. ٧٣ - ﴿الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ:﴾ وعن ابن عبّاس قال: الأمانة المعترض على العباد عرض ذلك على السّماوات والأرض والجبال فقلن: و (٥) ما هي؟ قيل: إن أحسنتنّ جزيتنّ، وإن أسأتنّ عوقبتنّ. (٦) ٧٢ - ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ (٧): يعني: آدم ﵇. (٨) وقال قتادة في قوله: ﴿ظَلُوماً﴾ أي: لنفسه، ﴿جَهُولاً﴾ بما حمل. (٩) أي: جهولا (١٠) بثقل ما (١١) حمل. اللاّم في قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ لتنسيب العرض أو الحمل، (١٢) أو كينونة الإنسان ظلوما جهولا. (١٣) وعن أبي حاتم السّجستانيّ: أنّه لام قسم سقطت نونها فانكسرت. (١٤) وعن أبيّ بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ سورة الأحزاب، وعلّمها (١٥) أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب والجواز على الصّراط» (١٦).

стр. 1292

سورة سبأ مكيّة. (١) وهي أربع وخمسون آية في غير عدد أهل الشّام. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦ - الواو في: ﴿وَيَرَى:﴾ للاستئناف، (٣) وهو عطف الجملة. (٤) و ﴿الَّذِينَ:﴾ في محلّ الرّفع؛ لأنّه مفعول ما لم يسمّ فاعله. و (٥) ﴿الْعِلْمَ:﴾ نصب لأنّه مفعول (٦) ثان (٧). و ﴿الَّذِي أُنْزِلَ:﴾ في محلّ النّصب لوقوع الرّؤية عليه، وكذلك ﴿الْحَقَّ؛﴾ (٨) لأنّ الرّؤية إذا كانت في معنى العلم أو الظنّ اقتضت مفعولين. ٧ - ﴿مُزِّقْتُمْ:﴾ بلي أجسامكم. (٩) والتّمزيق: تفريق الأجزاء، وفسخ التآليف. (١٠) ﴿إِنَّكُمْ:﴾ بالكسر؛ لأنّ قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ في معنى القول. (١١) ﴿أَفْتَرى:﴾ لم يدخل المدّ؛ فلأن (١٢) الهمزتين (١٣) مختلفتان، وفي قوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] متّفقتان. (١٤) ١٠ - ﴿أَوِّبِي:﴾ سبّحي معه كلّ النّهار إلى اللّيل، ورجّعي بالتّسبيح. (١٥)

стр. 1293

﴿وَأَلَنّا:﴾ والإلانة: تصييره سهل المشي، سهل الثني (١)، سهل الاستعمال، ضدّه الخشن والصّعب والشّديد (٢). ١١ - و ﴿السَّرْدِ:﴾ تنسيق حلقها، وتمييزها (٣). ١٢ - ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ:﴾ أي: عين الصّفر، فسالت ثلاثة أيام يعمل بها ما أحبّ، كما يعمل بالطين. (٤) هكذا ذكر الكلبي لا أبو (٥) عبيد (٦) الهروي: أنّ القطر النحاس. (٧) ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ:﴾ حكاية (٨) أحوالهم التي كانوا عليهما. ١٣ - ﴿وَجِفانٍ:﴾ جمع جفنة، وهي شيء أعظم من الصّحفة يجتمع عليها جماعة. (٩) ﴿كَالْجَوابِ:﴾ جمع جابية. (١٠) وقال مجاهد: الجابية حوض الإبل. (١١) وقال ابن عرفة: الجابية كالحوض. (١٢) وعن (٢٧٠ و) مسعر (١٣) بن كدام قال: إنّه لّما قيل: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ لم يأت عليهم ساعة من ليل ولا (١٤) نهار إلا ومنهم مصل يصلّي. (١٥) ١٤ - ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ:﴾ وعن ابن عباس: أنّ سليمان ﵇ كان لا يصلّي صلاة إلا وجد شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا وكذا، فيقول:

стр. 1294

لما (١) أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، وإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء علم ذلك الدّواء، قال: فصلّى ذات يوم، فإذا شجرة بين يديه نابتة (٢)، فقال: ما اسمك؟ قالت: الخرنوب، قال: لما (٣) أتيت؟ قالت: لخراب (٤) هذا البيت، يعني: بيت المقدس، فقال سليمان: اللهمّ غيّب الجنّ موتي حتى يعلم الإنس أنّهم كانوا لا يعلمون الغيب، قال: فنحتها عصى، فتوكّأ عليها حولا [ميتا] (٥)، ثمّ أكلتها الأرضة، فسقط، فعلموا عند ذلك بموته، فشكرت الشّياطين ذلك الأرضة، وأينما كانت الأرضة جاءها الشّياطين، قال: قدّروا مقدار أكل العصا فكان سنة. (٦) والأرضة: دويبة تأكل الخشب. (٧) ﴿الْعَذابِ الْمُهِينِ:﴾ سخره سليمان ﵇، وتكليفه بإذن الله. ١٥ - ﴿آيَةٌ:﴾ اسم كان، وخبره في الجار والمجرور. (٨) ﴿جَنَّتانِ:﴾ رفع على أنّهما بيان الآية. (٩) ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ:﴾ يدلّ على كون حجة الله فيهم من رسول الله أو نبيّ أو صديقّ أو صالح أو عاقل يذكّرهم بآلاء الله ونعمائه. وذكر الكلبيّ: أنّ الله تعالى بعث إليهم ثلاثة عشر نبيا، وكانوا في ثلاث عشرة قرية. (١٠) ﴿بَلْدَةٌ:﴾ أي: هذه بلدة طيّبة الطّين. (١١) ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ:﴾ أي: ولكم رب غفور إن شكرتموه. (١٢) ١٦ - ﴿فَأَعْرَضُوا:﴾ عن الشّكر. (١٣) ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ:﴾ سيل مصدر قائم مقام الاسم. و ﴿الْعَرِمِ:﴾ المسنّاة التي هي السدّ

стр. 1295

والسّكر (١). وقيل: ﴿الْعَرِمِ:﴾ اسم واد. (٢) وقال ابن الأعرابيّ: العرم والبرّ من أسماء الفأرة. (٣) وقيل: ﴿الْعَرِمِ:﴾ المطر الشديد. (٤) ذكروا في الاريخ: أنّ الله تعالى لما هيّأ أسباب سيل العرم (٥)، وذلك في ملك ذي الأذغار بن ذي جيشان، أقبلت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر بن أمّ أخيه عمران بن عامر بن حارثة بن امرئ (٦) القيس بن ثعلبة، وكان بينه وبين كهلان (٧) بن سبأ، وكان جالسا في نادي قومه، فوقفت على رأسه، ثمّ قالت: والظّلمة والضّياء ليقبلنّ إليكم الماء كالبحر إذا طما، فيدع أرضكم يسفي عليها الصّبا، قالوا: ومتى يكون؟ قالت: بعد سنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد، فيأتيكم السّيل (٨) (٢٧٠ ظ) بغيض هميل، وخطب جليل، وأمر وبيل، فتخرب الديار، ويضمحلّ القرار، قال لها عمران: ويحك يا طريفة، لقد أفجعتنا بأموالنا، فبيّني مقالك، فقالت: آتيكم بأمر (٩) عظيم، وسيل ركيم، ودهر وخيم، وخطب جسيم، فاحرسوا السّدّ لئلا يمتدّ، وإن كان لا بدّ من الأمر المعدّ، فانطلقوا إلى رأس الوادي، فسترون العادي يجرّ كلّ حجر صيخاد، بأنياب له حداد. فانطلق عمران بن عامر في نفر من قومه حتى أتوا رأس الوادي، فإذا بجرذ يحفر الجبل بأنيابه، ويدفع برجله الحجر الذي يستثقله مئة رجل، فيسدّ مسيل الوادي ممّا يلي البحر، ويفتح ممّا يلي البلاد، فاستشار (١٠) عمران عظماء بني كهلان، فأجمعوا أن يكتموا الأمر إخوانهم من أولاد حمير؛ ليبيعوا منهم حدائقهم وضياعهم، ثمّ يرتحلوا عن تلك، ففضّلوا ذلك، ثمّ جاء السّيل (١١). (١٢) ﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ:﴾ وهم الذين بقوا في ديارهم. وقيل: الذين نزلوا الحجاز وأرض تهامة وسائر البوادي المتاخمة لهذه الدّيار.

стр. 1296

و ﴿خَمْطٍ:﴾ ثمر الأراك (١)، وكلّ شجر لا شوك له، (٢) ويقال له: البرير (٣). وقيل: البرير ثمر الإثل. (٤) و (الإثل): شجر يشبه الطّرفاء، (٥) يصنع منه النّضار، والنّضار: القدح المتّخذ من شجر الإثل. (٦) و ﴿سِدْرٍ:﴾ شجر (٧) يستظلّ به، ويؤكل ثمره. وذكر الفرّاء عن بعضهم: أنّه السّمر. (٨) ولا تبعد ألطاف الله لهؤلاء المعاقبين بأن يكونوا رزقوا من هذه الأشجار في أيّامهم رزقا صالحا يتبلّغ به، كما رزق بني إسرائيل في التّيه من المنّ، والمواضع (٩) التي ينبت فيها هذه الأشجار في أيّامنا المفاوز دون البساتين. ١٧ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ،﴾ وتبديل الذي هو خير بالذي هو أدنى. ﴿جَزَيْناهُمْ:﴾ الجزاء والمجازاة بمعنى، والجزاء يتعدّى (١٠) إلى مفعولين، قال تعالى: ﴿يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ [النجم:٤١]. ١٨ - قال: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ (١١)﴾ الْقُرَى: قال الكلبيّ: إنّهم ندموا على صنيعهم ومقاومتهم الرياح، فوعدوا الرّسل أن يؤمنوا إن كشف الله عنهم الشّرّ، فدعت لهم الرّسل، فكشف الله عنهم، وجعل من أرض سبأ إلى أرض فلسطين قرى متّصلة يبيتون بقرية ويقيلون بقرية، لا يحلّ المسافر عقدة حتى يرجع إلى أهله، وكان مقدار سيرهم شهرا في أمن وسلامة، يمتارون الميرة إلى أهليهم حتى نكثوا العهد، ورجعوا إلى الكفر والطّغيان. (١٢) ١٩ - ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا:﴾ لسؤالهم معنيان: أحدهما: أنّهم سألوا ذلك

стр. 1297

على سبيل الاستهزاء وقلّة المبالاة، كقول آخرين: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٢٢]، وقال: ﴿إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ﴾ (٢٧١ و) ﴿مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ (١)﴾. . . الآية [الأنفال:٣٢]. والثاني: أنّهم تبرّموا بالعافية، فحملهم السّفاهة على أن يشتهوا البلاء، كقول بني إسرائيل: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ. . .﴾ الآية [البقرة:٦١]. (٢) ﴿فَجَعَلْناهُمْ (٣)﴾ أَحادِيثَ: له معنيان على سبيل المجاز: أحدهما: أنّ الله جعل أخبارهم مستفيضة يتحدّث النّاس على سبيل الاعتبار. (٤) والثاني: أنّ الله تعالى خرّب ديارهم ومحا آثارهم وأبقى أخبارهم، فكأنّهم صاروا أحاديث، يعني (٥): على الحقيقة، وهو تقليب الجوهر عرضا، وبقاء العرب من سبيل هؤلاء، ليس يخالف الآية؛ لأنّ الله تعالى إذا أهلك قوما أنشأ من ذرّيّتهم قوما آخرين، هذه سنّة الله في عباده. ٢٠ - ﴿وَلَقَدْ (٦)﴾ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ: الظاهر أنّهم في شأن آل سبأ. (٧) ويحتمل: في شأن جميع النّاس. (٨) ٢١ - ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ:﴾ له معنيان: أحدهما: التّمكّن من غرورهم ووسوستهم (٩) بتمكين. (١٠) والثاني (١١): الشّبهة التي خلقها الله تعالى ليستدلّ بها الشّيطان فيما يوسوس به النّاس، فيريه (١٢) أنّها البرهان. ٢٢ - ﴿زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ:﴾ أنّهم آلهة (١٣)، فبيّن الله تعالى أنّهم لا يملكون شيئا، وهم

стр. 1298

مملكون (١)، ولا يعينون الله على شيء، وهم معانون. (٢) ٢٣ - عن (٣) أبي هريرة ﵁، عنه ﵇ قال: «إذا قضى الله [في السّماء] أمرا [ضربت] الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنّها سلسلة على صفوان، فإذا (٤) فزّع عن قلوبهم قالوا (٥): ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحقّ وهو العليّ الكبير، قال: والشّياطين بعضهم فوق بعض، فإذا سمع الأعلى منهم الكلمة رمى بها إلى الذي تحته، وربّما أدرك الشّهاب قبل أن يذبذبها (٦) [وربّما ألقاها] (٧) قبل أن يدركه، فينبذها بعضهم إلى بعض حتى تنتهي إلى الأرض، فيلقى على لسان الكاهن أو السّاحر، فيكذب، فيصدق بالكلمة التي يسمع من السماء» (٨). ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ:﴾ غاية للحالة الغائبة (٩) المتقدّمة عليها، (١٠) والغاية لا تدلّ على مخالفة حكم ما وراءها. ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ:﴾ يعنى: خلا الفزع عن قلوبهم. (١١) ﴿قالُوا:﴾ يعني: ملك الملائكة دون الملأ الأعلى. (١٢) ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا:﴾ جواب الملأ الأعلى (١٣) للذين يلونهم. ﴿الْحَقَّ:﴾ يحتمل: الإجمال لقطع السّؤال، ويحتمل (١٤): البيان لاستراق الشّيطان، ويحتمل: أنّهم يجهلون الجواب مرّة، ويفسرونه بإذن الله. ٢٤ - ﴿قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ:﴾ على سبيل الإيجاز، تقديرها: وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين، وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، وهذا كقولك لخصمك: الله يعلم أن

стр. 1299

أحدنا لكاذب. (١) ٢٥ - ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا:﴾ المراد بالسّؤال: الأخذ والمطالبة. ٢٧ - ﴿أَلْحَقْتُمْ بِهِ:﴾ أي: بالله (٢). ﴿شُرَكاءَ:﴾ على زعمكم أنّ الملائكة (٢٧١ ظ) متولّدة منه، وأنّ الانفعال قديم بقدم الفعل، وأنّ المعدوم شيء لا أوّل له، وأنّ المكان قديم بقدم الآنيّة، وأن الإيجاد واقع بين الله والعباد. ﴿كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ:﴾ الذي عزّ فلا يطاق، وعزّ فلا يناله الإلحاق. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي تعالى بحكمته عن تمكين المخاذيل من صفته. ٢٨ - ﴿إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً:﴾ أي: إلا جامعة للنّاس بالبشارة والإنذار، والهاء في كافّة: للمبالغة، (٣) كما هي في النسّابة والعلاّمة والرّاوية. ٣٣ - ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ:﴾ في أوّل أمرهم، وحسرتهم بعد ذلك. (٤) ﴿الْأَغْلالَ:﴾ جمع غلّ، (٥) وهو طوق ذلّ وصغار. ٣٦ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ في ردّ استدلالهم بكثرة الأموال والأولاد على نفي العذاب في المعاد. ٣٧ - ﴿بِالَّتِي﴾ (٦): إشارة إلى الأشياء، (٧) إن شاء الله، أو إلى الخصلة (٨)، أو إلى الحسنة. ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ:﴾ إن كان الاستثناء متصلا، فالتقدير فيه: الأموال للذين عملوا الصالحات وأولادهم، وذلك لكون أموالهم منفقة في سبيل الله، وكون أولادهم تابعة بإيمان، وإن كان الاستثناء منقطعا لمن آمن وعمل صالحا شرط، وقوله: ﴿فَأُولئِكَ﴾ (٩) جزاء.

стр. 1300

عن أنس، عن النّبيّ ﵇ قال: «ينادي مناد (١) كلّ ليلة: لدوا للموت، وينادي آخر: ابنوا للخراب، ونادى مناد: اللهمّ هب للمنفق خلفا، وينادي آخر: اللهمّ وللممسك تلفا، وينادي مناد: ليت الخلق لم يخلقوا معشار عشير، وقيل: عشير العشير» (٢)، وهذه الآية في معنى قوله: ﴿مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام:٦]. ٤٦ - ﴿بِواحِدَةٍ:﴾ بخصلة واحدة. (٣) ﴿أَنْ تَقُومُوا:﴾ بيان لتلك الخصلة. (٤) ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا:﴾ أي: في محمد هل هو مجنون أم ليس بمجنون؟ وقوله: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ:﴾ كلام مبتدأ على هذا التقدير، وهو تزكية (٥) من الله تعالى لمحمد ﵇، ويحتمل: أنّ التقدير فيه: ثمّ تتفكروا أيّ شيء بصاحبكم من جنون، فإن كان التقدير هكذا لم يحسن الوقف على قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا.﴾ ٤٨ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ:﴾ على الباطل فيدمغه. ٤٩ - الواو في ﴿وَما يُبْدِئُ﴾ لعطف الجملة، (٦) وهذه الآية في معنى قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ [يونس:٣٤]. ٥٠ - ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي:﴾ أي: إن سلكت طريق الشّرّ ودعوتكم إلى الشّرّ فأنا شريككم فيه. ﴿وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ:﴾ أي: إن سلكت طريق الخير، ودعوتكم إلى الخير فبوحي الله وإذنه، وإن كان تلك من جهة الله تعالى لزمكم قبوله. ٥١ - ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا:﴾ تذكير وقت إحساس اليأس، واليأس عن النّاس وانقطاع الأنفاس، وذلك حين ينخفض الصّوت (٢٧٢ و) ويتقرّب الموت (٧)، ويتعذّر الفوت. عن سمرة قال: قال ﵇: «مثل الذي يفرّ من الموت كالثّعلب، فطالبته الأرض بدين
следующие страницы →