← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

٢٠ - عن قتادة قال: إنّ الله تعالى يعطي على نيّة الآخرة ما يشاء من أمر الدّنيا، ولا يعطي على نيّة الدّنيا إلا الدّنيا، ثمّ قرأ: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ. . .﴾ الآية. (١) عن أبي هريرة، عنه ﵇: «يخرج في آخر الزّمان رجال يلبسون جلود الضّأن من اللّين، وألسنتهم أحلى من السّكّر، وقلوبهم قلوب الذّئاب، فيقول الله: أبي تغترون أم عليّ تجترؤون، فبي (٢) حلفت، لأبعثنّ على أولئك فتنة تدع الحليم فيهم حيران». (٣) ٢١ - إنّ ﴿كَلِمَةُ الْفَصْلِ:﴾ هي التي أوجب الله تأخيرها إلى يوم الفصل. (٤) ٢٢ - عن زرّ بن حبيش الأسديّ قال: قرأت على عليّ بن أبي طالب القرآن في المسجد الجامع بالكوفة، فلمّا بلغت رأس العشرين من حم عسق ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ. . .﴾ الآية، قال: بكى حتى ارتفع نحيبه، ثمّ رفع رأسه إلى السّماء، فقال: يا زرّ (٥) أمّن على دعائي، ثمّ قال: اللهم إنّي أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص المؤمنين، وموافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، ووجوب رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كلّ برّ، والسلامة من كلّ إثم، والفوز بالجنّة، والخلاص من النّار، يا زرّ، (٦) إذا ختمت القرآن فادع بهؤلاء الدّعوات، فإنّ حبيبي رسول الله أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن. (٧) ٢٣ - وعن أبي زكريا الفرّاء قال: إنّ الأنصار جمعوا نفقة، فأتوا بها إلى رسول الله وقالوا: إنّ الله قد هدانا بك، وأنت ابن أختنا، فاستغن بهذه النّفقة على ما ينوبك، فلم يقبلها النّبيّ ﵇، فأنزل الله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (٨) أي: في قرابتي من قريش. وعن أبي مالك قال: لم يكن فخذ من قريش إلا للنّبيّ ﵇ فيهم قرابة، فقال: «إن لم تتّبعوني على ما آتيكم فاحفظوا قرابتي فيكم» (٩). قيل: سئل ابن عباس عن هذه الآية، فقال سعيد بن جبير: القربى آل محمد، فقال ابن عباس: أعجلت؟! إنّ رسول الله ﷺ (١٠)

стр. 1367

(٢٩١ و) لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: «ألا تصلوا بيني وبينكم من القرابة» (١). ٢٤ - ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ:﴾ يصيّره غير سامع ولا قابل للوحي. (٢) والواو في قوله: ﴿وَيَمْحُ اللهُ﴾ لعطف (٣) الجملة لا للعطف على المجزوم، وسقوط الواو هاهنا كسقوطها من قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ﴾ [الإسراء:١١]، إذ لو كان معطوفا لما ذكر اسم الله تعالى، وإن محو الباطل واجب بالإجماع غير موقوف على جزاء وشرط. (٤) وعن عليّ قال: خصلتان حفظتهما من رسول الله ﷺ ، وأنا (٥) أحبّ أن تحفظوهما، قال رسول الله ﷺ : «ما عاقب الله عليه عبدا في الدّنيا من ذنب، فالله أرحم من أن يثنّي عليه عقوبته في الآخرة، وما عفا الله عن عبده في الدّنيا من ذنب (٦)، فالله أكرم من أن يعود في شيء عفا عنه». (٧) وعن أبي موسى الأشعريّ، عنه ﵇: «لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم قرأ: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]. (٨) ٣٢ - ﴿كَالْأَعْلامِ:﴾ الجبال. (٩) ٣٣ - ﴿فَيَظْلَلْنَ:﴾ في محلّ الجزم؛ لأنّه معطوف على مجزوم. (١٠) ﴿رَواكِدَ:﴾ سواكن. (١١) ٣٨ - ﴿شُورى:﴾ اسم من المشاورة، (١٢) ووجه المدح على كون الأمر شورى بينهم

стр. 1368

قبح الاستبداد والتّضادّ، كقول الله تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وقال عمر بن الخطّاب في بيعة أبي بكر الصديق ﵄: إنّها كانت فلتة (١)، وقد وقى الله شرّها، فلا تكون الإمارة من بعد إلا عن مشورة. (٢) ٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ:﴾ وجه المدح على الانتصار عند البغي كراهة الذّلّة والتّمسكن، وتمكين العدوّ من الأهل والنّفس. عن عليّ، عنه ﵇: «أنّ الله ليبغض من يدخل عليه بيته ولا يقاتل» (٣). وهذا محمول على من لم يقاتل فشلا وجبنا وخذلانا لأهله وعياله دون من سلّم الله أمره، وكره الفتنة كهابيل وعثمان والحسن بن عليّ ﵃، «المستبّان ما قالا من شيء فعلى [البادئ] حتى يعتدي المظلوم» (٤). ٤٥ - ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ:﴾ لأنّهم يحشرون على وجوههم فطمس على أعينهم، وإنّما ينظرون إلى العرش، أو إلى النّار. (٥) ٤٧ - ﴿مِنْ نَكِيرٍ:﴾ إنكار، أي: لا يستطيعون الإنكار يومئذ. (٦) ٥٠ - ﴿أَوْ (٧)﴾ يُزَوِّجُهُمْ: أي: يجعل الأولاد أزواجا (٨) ذكورا وإناثا. (٩) ٥١ - ﴿إِلاّ وَحْياً:﴾ إلهاما. (١٠) ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ:﴾ وهو إلقاء الكلام في مسامع البشر من غير واسطة. (١١) ﴿أَوْ يُرْسِلَ:﴾ من الملائكة ﴿رَسُولاً.﴾ (١٢)

стр. 1369

والكلام الذي هو ممتنع (١) عن إدراك البشر إيّاه كلام الله تعالى حالة مشاهدة العبد إيّاه، وذلك لوجوب الاضمحلال عند تجلّي ذي الجلال. ٥٢ - ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ:﴾ أي: لست تعرف إيمانا سماعيّا من جهة الكتاب، ولا إيمانا عقليا من جهة الاعتبار بحولك وقوّتك وقضيّة طبيعتك. (٢) ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً:﴾ ﴿رُوحاً مِنْ أَمْرِنا.﴾ ﴿نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ﴾ (٢٩١ ظ) ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ بالإلهام (٣) مرة، وبالرّسالة أخرى كما هديناك. وقيل: لم يكن فيما مضى من الزّمان يعرف القرآن، ولا الإيمان السّماعيّ. (٤)

стр. 1370

سورة حم الزخرف مكيّة. (١) وهي تسع وثمانون آية في غير عدد أهل الشّام. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥ - ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً:﴾ أفنعرض بالذّكر عنكم، تقول: ضربت عن فلان، وأضربت عنه إذا أعرضت عنه. (٣) ٨ - ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ:﴾ سنّتهم (٤)، وهي سنّة الله فيهم. ٩ - ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ:﴾ تقديره: ليسندنّ خلقهنّ إلى العزيز العليم (٥)، وإنّما يحتاج إلى هذا التّقدير إذا وصلنا التي تليها، وإذا (٦) فصلنا فالتّقدير في الثانية: أجل هو الذي جعل لكم. ١٣ - ﴿عَلى ظُهُورِهِ:﴾ إلى ضمير عائد إلى (ما) فيه، (٧) وإنما جمع الظّهور مع كونها مضافة إلى واحد لكون الواحد في معنى الجمع، كقولهم: كثر أوباش الجنود، وقلّت أوباشه. (٨) ﴿مُقْرِنِينَ:﴾ مستطيعين، والاقتران: الاستطاعة والإطاقة والاقتدار. (٩) ١٨ - ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ:﴾ يجوز أن يكون كلاما مبتدأ عن جهة الله على سبيل الإنكار، ويجوز أن يكون حكاية قوله: من بشّر بالأنثى من الكفّار. ٢١ - وليس في قوله: ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً﴾ ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ:﴾ ما يمهّد لليهود والنّصارى عذرا؛ لأنّهم محرّفون مبدّلون غير مستمسكين، ولو كانوا مستمسكين لكانوا مستسلمين في محوه وإثباته وتصريفه آياته. ٢٣ - ﴿عَلى أُمَّةٍ:﴾ سنّة وطريقة. (١٠)

стр. 1371

٢٦ - ﴿بَراءٌ:﴾ مصدر كالسّواء والخلاء، (١) والمعنى: إنّني (٢) بريء ممّا تعبدون، وأنّه سيهدين للإسلام. ٢٨ - ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ:﴾ بأنّه وضع في تلبية الحجّ لبّيك لا شريك لك (٣)، وبأنّه قال: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:﴾ أي: يعرضون عن الكفر ويعتزلونه. وقيل: جعلها كلمة باقية في عقبه، لعلّ عقبه يرجعون إلى قضية تلك الكلمة إذا اختلفت بهم الأهواء. (٤) ٣١ - ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ:﴾ نزل في الوليد بن المغيرة حيث قال: لولا أنزل هذا القرآن عليّ بمكة أو على [أبي] (٥) مسعود الثقفيّ بالطائف. (٦) ٣٣ - ﴿وَمَعارِجَ﴾ (٧): سلالم. (٨) ٣٤ - ﴿وَسُرُراً:﴾ جمع سرير، وهو مجلس يتّخذ من الألواح ونحوها في البيوت. (٩) وإنّما وجب صبّ هذه النّعم على الكفّار ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الزخرف:٣٣] بكرم الله ومحبّته أن لا يخلّي عبدا من إحسانه إمّا عاجلا وإمّا آجلا. وعن ابن عبّاس، عنه ﵇: «لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد، ولصببت الدّنيا عليه صبّا». (١٠) وعن كعب قال: إنّي لأجد في بعض الكتب: لولا أن يجزع عبدي المؤمن لكلّلت رأس الكافر بإكليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع. (١١) ٣٦ - ﴿وَمَنْ يَعْشُ:﴾ يميل، قال أبو الهيثم: يقال: عشوت إلى الشّيء (٢٩٢ و) إذا ملت إليه، وعشوت عنه إذا أعرضت عنه، وأصله تبيين الطّريق في اللّيل بضوء النّار في الظّلمة، ولا يكون ذلك إلا على ضعف. (١٢)

стр. 1372

٤٥ - وعن الزّهري: لّما أسري بالنّبيّ ﵇ صلّى خلفه كلّ نبيّ كان أرسل، فقال للنّبيّ ﵇: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا.﴾ (١) ويجوز أن يكون التّقدير: سل آل من أرسلنا، أو سل ذوي من أرسلنا. (٢) ٤٧ - ﴿يَضْحَكُونَ:﴾ يستهزؤون. (٣) ٥٢ - ﴿أَمْ:﴾ بمعنى بل، (٤) ويحتمل: أنّه مترتّب على ألف الاستفهام، كأنّه قال: أفلا تبصرون مزيّتي على موسى أم تبصرونها، فأنا خير منه عندكم. (٥) ٥٥ - ﴿آسَفُونا:﴾ أغضبونا. (٦) ٥٧ - ﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً:﴾ أي: وضع وخلق آية وعزّة. وقد سبق القول في كيفية جدال قريش، وكيفية الردّ عليهم. (٧) ٥٨ - عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال»، ثمّ تلا: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.﴾ (٨) ٦١ - وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن كان ما يقول أبو هريرة حقّا فهو عيسى بن مريم، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ،﴾ قال سفيان: يقول أبو هريرة: حقّا، أقرئوه منّي السّلام. (٩) عني في الحديث: نزول عيسى بن مريم لقتل الدّجال في آخر الزّمان. (١٠) ولكان يجوز أن يقول: الضّمير عائد إلى عيسى بن مريم قبل ما رفع [إلى] (١١) السماء، فإنّه لم يبعث إلا في آخر الزّمان، ولكان يجوز أن يقول: الضّمير عائد إلى القرآن، (١٢) أو إلى نبيّنا ﵇ (١٣).

стр. 1373

والقول عند قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾ مضمر، يدلّ عليه قوله (١): ﴿وَاِتَّبِعُونِ﴾ (٢). ٧١ - ﴿بِصِحافٍ:﴾ صحيفة، وهي القصعة المسلنطحة (٣). ﴿وَأَكْوابٍ:﴾ جمع كوب (٤)، وهو القدح الذي لا عروة له. (٥) ﴿تَلَذُّ الْأَعْيُنُ:﴾ تستطيب. ٧٥ - ﴿لا يُفَتَّرُ:﴾ لا يحدث الفتور فيه. ٧٧ - ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ:﴾ بالموت، (٦) كقولهم: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧]، ومالك: اسم خازن النّيران، (٧) وهو رئيس الزّبانية. وعن عبد الله بن عمرو (٨) قال: نادى أهل النّار: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ قال: فخلّى عنهم أربعين عاما، ثمّ أجابهم: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ فقالوا: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها﴾ [المؤمنون:١٠٧]، فخلّى عنهم مثلي الدنيا، ثمّ أجابهم: ﴿اِخْسَؤُا (٩)﴾ فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:١٠٨]، فأطبقت عليهم ثانية، فلم ينبس القوم بعد هذه بكلمة، فإن كان إلا الزفير والشهيق. (١٠) ٧٩ - ﴿أَمْ:﴾ بمعنى ألف الاستفهام. (١١) ﴿أَبْرَمُوا:﴾ أحكموا (١٢)، نزلت الآية في شأن الذين تشاوروا في كيد رسول الله ﷺ في دار النّدوة، أو في أمثالهم (١٣). (١٤) وهو استفهام بمعنى الإنكار يدلّ عليه قوله: ﴿فَإِنّا مُبْرِمُونَ،﴾ أي: لم تبرموا أمرا فإنّا مبرمون. ٧

стр. 1374

٨١ - ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ:﴾ قال الكلبيّ: إنّ النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدّار بن قصيّ، لعنه الله تعالى، كان يهزأ بالقرآن، وأنكر عليه عثمان بن مظعون وقال: اتق الله، فإنّ محمدا ما يقول إلا حقا، قال النّضر بن الحارث: وأنا والله (٢٩٢ ظ) ما أقول إلا حقا، قال النّضر بن حارث: وأنا، والله، فإنّي أقول: لا إله إلا الله، كما يقول محمد لا إله إلا الله، ولكنني أقول: إنهنّ بنات الله، أي: الأصنام، فأنزل، فلمّا سمعها النّضر بن الحارث فهم منها ما أعجبه، وقال: إنّ محمدا قد صدّقني، فقال الوليد بن المغيرة: ما صدّقك، ولكنّه كذّبك، فإنّه يقول: ما كان للرحمن ولد (١) لا يعني من أن يكون له ولد، فغضب النّضر بن الحارث عند ذلك، وقال: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ. . . عَلَيْنا﴾ الآية [الأنفال:٣٢]، فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج:١]. (٢) قال: ذهب إلى هذا أهل التّفسير والمعاني. وقال (٣) ابن عرفة: إنّما يقول: عبد يعبد، فهو عبد، وقلّ ما يقال: عابد، والتّقدير: عبده إن كان في أوهامكم وآرائكم للرحمن ولد، فأنا أول عابد لله بالتوحيد الخالص. (٤) وقيل: التّقدير: لو كان يجوز أن يكون للرحمن ولد، لكنت أول عابد لذلك الولد. (٥) وقد ذكرنا قضية لفظ أو، ولو كان هذا تقدير الآية فهي قريبة من قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ [الأنبياء:١٧]، ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر:٤]، وإنّما يكون مثل هذا الكلام للتّنبيه على غاية الاستحالة.

стр. 1375

سورة الدخان مكيّة. (١) وهي ست وخمسون آية في عدد أهل الحجاز والشّام. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣ - ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ:﴾ هي ليلة القدر. (٣) وعن عكرمة: أنّها ليلة النّصف من شعبان. (٤) ولا يصحّ هذا القول، إلا أن يكون ليلة القدر دوّارة في السّنة للتّفاوت الذي بين الحساب الشّمسيّ والقمريّ، أو لمعنى لطيف إلهيّ. وقال ابن مسعود: من يقم الحول يصب ليلة القدر. (٥) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: نزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان، ونزلت التّوراة لستّ ليال خلون من رمضان، والزّبور لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، والإنجيل نزلت لثلاث عشرة ليلة (٦) خلت من رمضان، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان. (٧) وعن ابن عبّاس: نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا، ثمّ كانت تنزل بعد كيف ما شاء الله، وذلك قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]. (٨) ٥ - ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا:﴾ نصب على أنّه حال للمنزّل، أي: أنزلناه أمرا من عندنا. (٩) ١٠ - ﴿بِدُخانٍ:﴾ وهي آية منتظرة من الآيات العشر. وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عبّاس فقال: لم أنم هذه اللّيلة، فقلت: لم؟ قال: طلع الكوكب ذو الذّنب، فخشيت أن يطرق الدّخان، وسلوني عن سورة (٢٩٣ و) البقرة، وعن سورة يوسف فإنّي قرأت القرآن وأنا صغير. (١٠) وعن مسروق قال: جاء رجل إلى عبد الله بن

стр. 1376

مسعود قال: إنّ قاصّا يقصّ يقول: يخرج من الأرض الدّخان، فيأخذ بمسامع الكفّار، ويأخذ المؤمن كهيئة الزّكام، قال: فغضب، وكان متّكئا فجلس، ثمّ قال: إذا سئل أحدكم عمّا يعلم فليقل به، وإذا سئل عمّا لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنّ من علم الرّجل إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم (١)، وإنّ الله قال لنبيه: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، إنّ رسولّ الله لّما رأى قريشا استعصوا عليه قال: «اللهم أعنّي بسبع كسبع يوسف»، فأخذهم سنة، فأحصت كلّ شيء حتى أكلوا الجلود والميتة، ورويّ: العظام، قال: وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدّخان، قال: وأتاه أبو سفيان فقال: إنّ قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال: فهذا لقوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النّاسَ﴾ الآية. وقيل: هذا لقوله: ﴿رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ﴾ [الدخان:١٢]، قال: فهل يكشف عذاب الآخرة، وقد مضى البطشة، واللّزام يوم بدر، والدّخان؟ (٢) هذا مخالف لما تقدم، والله أعلم بالصحيح. ١٨ - ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ:﴾ في معنى قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي﴾ [الأعراف:١٠٥]. (٣) ٢٠ - ﴿تَرْجُمُونِ﴾ ﴿فَاعْتَزِلُونِ:﴾ فاتركوني واهجروني. (٤) ٢٤ - ﴿رَهْواً:﴾ سكونا (٥)، أو متتابعا (٦)، تقديره: اترك البحر ساكنا على حالته وعلى حالة الانفلاق غير مضطرب ولا ملتطم، أو اترك البحر متتابعة أمواجه في الهواء كلّ فرق كالطود العظيم. ٢٩ - ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ:﴾ أي: أهل السماء، ﴿وَالْأَرْضُ،﴾ أراد مبالغة وصفهم في الهوان. وسئل ابن عباس (٧): أتبكي السّماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنّه ليس من الخلائق أحد إلا وله باب من السّماء أو في السّماء يصعد فيه عمله، وينزل رزقه، فإذا مات المؤمن بكت عليه معادنه من الأرض التي يذكر الله فيها، ويصلّي، وبكى بابه الذي يصعد منه، وأما قوم فرعون فلم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم

стр. 1377

تبك عليهم السّماء والأرض. (١) وإنّما كان فرعون بدلا من العذاب المهين، لكون المراد ذا العذاب المهين، أو يكون فرعون نفسه عذابا من الله على بني إسرائيل. ٣٧ - ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ:﴾ التّبابعة ثلاثة من حمير: أوّلهم: تبّع بن الأقرن بن شمر، وهو الذي سار على جبلي (٢) طيء، ثمّ الأنبار، فأتى أذربيجان، وقاتل التّرك، فهزمهم، وسبا منهم، ثمّ إنّه غزا الصين بعد ذلك، فترك (٣) طائفة من قومه بأرض تبت. (٤) والثاني: تبّع بن كليلرب كان يغزو (٥) بالنّجوم، (٢٩٣ ظ) ويسير بها، ويمضي أموره بدلالتها (٦)، فطالت مدّته، واشتدّت وطأته، فملّته حمير، فقتلته، وملّكوا (٧) ابنه حسّانا على أنفسهم. وقيل: إنّ هذا التّبّع الثّاني كان مؤمنا بنبيّنا ﵇، ثمّ إنّ حسان بن تبّع سار إلى اليمامة لينصر طمسا على حديس وهو ظالم، فأهلكهم أجمعين، ووثب عليه قومه بعد ذلك، فقتلوه برضا أخيه. (٨) والثّالث: تبّع بن حسّان وهو الذي سلّط جدّ امرئ القيس على بني معد بن عدنان، وقتل من اليهود جماعة بيثرب، ثمّ تهوّد، وكسا الكعبة الأنطاع، وبقي الملك في أهل بيته (٩) إلى أن ملك ذا نوّاس، وهو صاحب الأخدود فيما زعموا. (١٠) ٤٧ - ﴿فَاعْتِلُوهُ:﴾ فادفعوه بشدّة. (١١)

стр. 1378

سورة حم الجاثية مكيّة. (١) وعن ابن عبّاس وقتادة: إلا آية نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآية [الجاثية:١٤]. (٢) وهي ستّ وثلاثون آية في غير عدد أهل الكوفة. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤ - ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ:﴾ معطوف على الضّمير المحذوف، التّقدير: وفي خلقكم وخلق ما يبث من دابّة. (٤) ٦ - ﴿بَعْدَ اللهِ﴾ (٥): بعد تسميته وذكره. ٧ - ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ:﴾ نزلت الآية في النّضر بن الحارث (٦) وأمثاله، والمبتدعون الذين يلازمون مجالس العلماء ليتحمّلوا بهم متّصفون بالآية الأولى، والذين يتعاظمون محاكاة العلماء والفقراء في أنفسهم متّصفون، أقلّ الله أعدادهم، وقطع أمدادهم منتقما لدينه وذويه. ١٢ - ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ:﴾ نزلت فيمن نزلت: ﴿كُفُّوا (٧)﴾ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء:٧٧]. وقيل: نزلت في عمر بن الخطّاب خاصّة حيث شتمه رجل من بني غفار. (٨) ١٤ - ﴿يَغْفِرُوا:﴾ يتركوا المجازاة إلى الله تعالى. ٢١ - ﴿سَواءً مَحْياهُمْ:﴾ وسواء محياهم (٩)؛ لأنّ المؤمن يعيش راضيا شاكرا، والكافر ساخطا كافرا، ومماتهم؛ لأنّ المؤمن يعرج به إلى العليين، والكفار يتسفّل إلى سجين. (١٠) ٢٣ - ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ:﴾ قال ابن عبّاس: كان أحدهم يعبد الحجر،

стр. 1379

فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به، وعبد الآخر من بعد الله (١)، من بعد ما فعل الله به هذا الفعل. (٢) ٢٤ - ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ:﴾ أي: كّل الزّمان. (٣) وفي حديث: «فإنّ ذا الدّهر أطوار دهارير» (٤). وقوله ﵇: «لا تسبّوا الدّهر فإنّ الدّهر هو الله» (٥). قيل: معناه لا تسبّوا فاعل الكون والفساد، وخالق الخير والشّر، فإنّ الله هو ذلك. (٦) وقيل: لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الله هو منشئ (٧) الدهر وخالقه، فكان سبّهم في الحقيقة يرجع إلى الله، (٨) فنهاهم النّبيّ ﵇ عن ذلك. ٢٩ - ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ:﴾ قال ابن عبّاس: كتاب في السّماء عليه ملائكة، والملائكة (٩) الذين مع بني آدم يستنسخون من ذلك الكتاب ما كان يعمل بنو آدم. (١٠) وروي: ينسخون في ذلك الكتاب ما يعمل بنو آدم. (١١) عن ابن عمر ﵁، عنه ﵇: «أنّ أوّل خلق الله القلم، فكتب ما يكون في الدّنيا من عمل معمول برّا وفجورا، ورطب أو يابس (٢٩٤ و) أو حصاه (١٢) في الذّكر، واقرؤوا إن شئتم: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهل تكون النّسخة إلا من شيء قد فرغ منه؟» (١٣). ٣٦ - ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ:﴾ دائما كان هذا الموضع موضع حمد لفرق الله بين المؤمنين والكافرين، وانتصافه (١٤) للمظلومين من الظّالمين. والله أعلم.

стр. 1380

سورة الأحقاف مكيّة. (١) وعن ابن عبّاس وقتادة: إلا آية نزلت في عبد الله بن سلام، وهي قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [الأحقاف:١٠]. (٢) وهي أربع وثلاثون آية في غير عدد أهل الكوفة. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤ - التقدير في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ:﴾ أرونيه. ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ:﴾ مصدر كالسّماحة والشّجاعة. (٤) سئل رسول الله ﵇ عن الخطّ؟ قال: «علمه نبي، فمن وافق علمه علم»، قال صفوان: فحدّثت به أبا سلمة بن عبد الرحمن، قال: فحدثت به ابن عبّاس، فقال: هو أثرة من علم. (٥) ٩ - ﴿ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ:﴾ أي: ما أنا أوّل رسول على سنّة الأولين. (٦) وقوله: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ:﴾ في الذين شكوا إلى رسول الله ﷺ أذى المشركين. (٧) والقصّة في ذلك: أنّ النّبيّ ﵇ كان قد رأى في منامه أنّه سيهاجر إلى أرض ذات نخل، فقصّ رؤياه على أصحابه، ثمّ مضى زمان ولم يهاجر، فاستعجلوه، فقال: «إنّما قصصت عليكم رؤيا رأيتها، ولم أقصّ عليكم وحيا لست أدري هل يؤذن لي في الهجرة أم لا؟» هكذا ذكر الكلبيّ وغيره. (٨) وفحوى الخطاب: أنّه متوجّه إلى المشركين في معنى قوله: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الآية [التوبة:٥٢]. ١٠ - ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ:﴾ وهو عبد الله بن سلام، (٩) شهد

стр. 1381

على مثل القرآن، وهو التّوراة: أنّها ناطقة برسالة رسول الله ﷺ ، وشهد أنّ القرآن من عند الله على مثل ما شهد به رسول الله ﷺ ، وإنّما دخلت شهادته في حيّز التّواتر، وهو رجل واحد لأسباب مجتمعة، أحدها: ما نطقت به أحبار اليهود وعلماء النّصارى والكهّان برسالة رسول الله قبل مبعثه، والثاني: اعتراف عامّة أحبار اليهود بأنّ عبد الله بن سلام أفضلهم علما، وأصدقهم حديثا، فكانوا صدّقوه في شهادته هذه، والثّالثة: فحامة (١) غيره عند قراءته بعث نبيّنا ﵇، وآية الرّجم من التّوراة في المصحف، والرّابع: كونه غير دافع ضررا عاجلا عن (٢) نفسه، وغير جارّ منفعة إلى نفسه بشهادته (٣) هذه إلا ابتغاء وجه الله، والخامس: استقامته على شهادته في تقلّب أحواله. وقيل: إنّ شهادته لم تكن حجة، ولم توجب علما إلا بعد تزكية الله إيّاه بالقرآن المعجز. ١١ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤): قال الكلبيّ: نزلت في اليهود حيث قال لهم عبد الله بن سلام: لم لا تؤمنون بهذا النّبيّ؟ فقالوا: لو كان خيرا ما سبقونا إليه رعاة الشّاة. وقال الفرّاء: (٢٩٤ ظ) نزل في بني عامر وغطفان وأشجع حيث قالوا: هذا في مدينة وغفار وجهينة (٥). ١٥ - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ:﴾ قال الكلبيّ: نزلت في أبي بكر الصّدّيق ﵁. (٦) ١٧ - ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ﴾ (٧): قال الكلبيّ: نزلت الآيتان في عبد الرحمن بن أبي بكر حالة كفره، وهو بمكة يومئذ. (٨) ﴿أَنْ أُخْرَجَ:﴾ أن أبعث من قبري. (٩)

стр. 1382

٢١ - ﴿بِالْأَحْقافِ:﴾ [الأحقاف: جمع حقف، وهو رمل مستطيل مرتفع، فيه انحناء، من احقوقف الشيء إذا اعوج، وكانت عادة أصحاب العمد يسكنون بين رمال، مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشّحر، من بلاد اليمن، وقيل: بين عمان ومهرة. (١)] (٢) قال الأزهريّ (٣): الأحقاف رمال (٤) مستطيلة بناحية شجر. (٥) وقال ابن عرفة: يقال للرّمل العظيم المستدير: حقف. (٦) وعن عليّ ﵁ قال: خير واديين في النّاس: وادي مكّة، وواد نزل به آدم ﵇ بالهند، وشرّ واديين بين النّاس: وادي الأحقاف، وواد بحضرموت يدعى برهوت يلقى فيه أرواح الكفّار، وخير بئر في النّاس زمزم، وشرّ بئر (٧) في النّاس ملهوت وهو في ذلك الوادي. (٨) ٢٤ - وعن عائشة قالت: كان النبيّ ﵇ إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرى عنه، فقلت له، قال: وما أدري لعلّه كما قال : ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا.﴾ (٩) ٢٩ - ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ:﴾ عن كعب الأحبار قال: لّما انصرف رسول الله ﷺ من الطّائف انصرف النّفر السبعة من أهل نصيبين من بطن نخلة، وهم: حسا ومسا وشاصر وناصر والأردنيان والأحقب، جاؤوا قومهم منذرين، فخرجوا وافدين على رسول الله ﷺ ، وهم ثلاث مئة، فانتهوا إلى الحجون، فجاء الأحقب وسلّم على رسول الله ﷺ فقال: إنّ قومنا قد حضروا الحجون، يلقونك، فواعده رسول الله لساعة من اللّيل الحجون (١٠). (١١) وعن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﵇ ليلة صرف إليه النّفر من الجنّ إذ جاءه عفريت من الجنّ بشعلة من نار يريد بها رسول الله ﵇، فقال له جبريل ﵇:

стр. 1383

ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن طفئت شعلته وانكبّ لنحره (١)؟ قال: قل: أعوذ بوجه الله الكريم، وكلمة الله التّامّة التي لا يجاوزها برّ ولا فاجر من شرّ ما نزل من السّماء، ومن شرّ ما يعرج، ومن شرّ ما ذرأ في الأرض، ومن شرّ ما يخرج منها، ومن شرّ فتن (٢) اللّيل والنّهار، ومن شرّ طوارق اللّيل والنّهار إلا طارقا يطرق بخير، يا رحمن، فطفئت شعلته، وانكبّ لنحره، ولم يعي، ولم يكلّ. (٣) ٣٥ - ﴿بَلاغٌ:﴾ أي: هذا بلاغ. (٤) ﴿يُهْلَكُ:﴾ يمات، على سبيل الإهانة والعذاب. (٥)

стр. 1384

سورة محمد ﵇ مدنيّة. (١) وروي عن ابن عباس: إلا آية (٢) نزلت عليه وهو يريد التّوجّه من مكة إلى المدينة، وهو قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [محمد:١٣]. (٣) وهي تسع وثلاثون آية في عدد أهل الحجاز والشّام. (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ نزلت الآيات في غزوة بدر. (٥) ٤ - ﴿فَإِمّا﴾ (٢٩٥ و) ﴿مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً:﴾ للتّخيير، (٦) وليست بمتناقضة لقوله: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ [الأنفال:٦٧] لأنّ (٧) هذه أفادت الحكم بعد الإثخان، وتلك تثبت الحكم قبل الإثخان، ولكنّه منسوخ عند [. . .] (٨) بقوله: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. وعن السّدي وابن جريج: أنّه منسوخ بآية السّيف. (٩) ﴿حَتّى تَضَعَ:﴾ لامتداد الحكم إلى الغاية المذكورة وقت وضع أهل (١٠) الحرب أسلحتهم، والألف واللاّم في ﴿الْحَرْبُ﴾ للتّعريف والمعهود. وقيل: للجنس. (١١) وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ. . .﴾ الآية [الأنفال:٣٩]. وقال سعيد بن جبير: إنّما يكون هذا الوقت عند نزول المسيح، وهلاك الدّجّال. (١٢)

стр. 1385

٦ - ﴿عَرَّفَها:﴾ أي: جعلها معروفة لهم بما جعل الله بينها وبينهم من المناسبة الطّبيعيّة. (١) ٨ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ:﴾ جملة متركّبة من شرط وجزاء، الجزاء دعاء. وتعس الرّجل: إذا سقط. (٢) ١٠ - ﴿وَلِلْكافِرِينَ:﴾ من أهل مكة ونحوها. (٣) ﴿أَمْثالُها:﴾ أمثال عاقبة الذين من قبلهم. (٤) ١٥ - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ:﴾ قيل: الاستفهام معروفة، فكأنّه قيل: مثل المتّقين فيما وعدوا من الجنّة الموصوفة بهذه الصّفات كمثل من هو خالد في النّار. (٥) ﴿آسِنٍ:﴾ آجن، وهو المتغيّر. (٦) ﴿لَبَنٍ (٧)﴾ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ: إنّما وصفه به (٨) لكون الحليب أحبّ إلى العرب من الفارض (٩)، أو للدّلالة على طيب الهواء، فإنّ الشّيء لا يتغيّر في الهواء الطّيب، أو لكون الحليب أوفق لطبائع الحيوان على العموم. ﴿لَذَّةٍ:﴾ ذات لذّة، وشراب لذّ ولذيذ بمعنى. (١٠) ﴿عَسَلٍ:﴾ ما رزقنا الله في الدّنيا من بطون النّحل. ﴿مُصَفًّى:﴾ لا شمع فيه. (١١) ﴿فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ:﴾ واحدها معى، وهو مجرى الطّعام والشّراب في البطن، وزبن المعدة. ١٦ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ:﴾ قيل: إنّ جماعة من المنافقين كانوا يستمعون إلى

стр. 1386

رسول الله ﷺ ابتغاء هفوة منه، فإذا لم يجدوها وسمعوا الموعظة (١) تصامموا عنها كأنّهم لم يسمعوها، وسألوا المؤمنين: ﴿ماذا قالَ آنِفاً.﴾ (٢) فمن جملة المنافقين رفاعة (٣) بن زيد والحارث بن عمرو، وفي جملة الذين أوتوا العلم عبد الله (٤). ﴿آنِفاً:﴾ أي: الإيمان، مأخوذ من استئناف. ١٧ - ﴿زادَهُمْ:﴾ قول النّبيّ ﵇ ﴿هُدىً.﴾ (٥) ١٨ - ﴿أَشْراطُها:﴾ علاماتها. (٦) قال الأصمعيّ: ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض النّاس على بعض، إنّما هي علامات بينهم. (٧) قال: هذا بيان للاشتقاق، فأمّا (٨) حقيقة الشّرط، فالخصلة الموجبة للحكم. ١٩ - ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ:﴾ إنّه الأمر للاستقامة (٩) على العلم. (١٠) ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ:﴾ وعن الأعمش قال: ما قعدت إلى أحد أكثر استغفارا من أبي صالح، وقال أبو صالح: ما قعدت إلى أحد كان أكثر استغفارا من أبي هريرة، وقال أبو هريرة: ما قعدت إلى أحد كان أكثر استغفارا من النّبيّ ﵇، قلت: فكم كان يستغفر؟ قال: كان يستغفر الله (١١) في اليوم واللّيلة مئة مرّة. (٢٩٥ و) ٢٠ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ذكر الكلبيّ وغيره: أنّ المؤمنين كانوا يشتهون (١٢) نزول آيات من القرآن، وكان المنافقون من جملة المؤمنين يكرهون نزول آي القتال، ويشكّكون فيها، فتوعّدهم الله على ذلك.

стр. 1387

﴿فَأَوْلى لَهُمْ:﴾ تهديد، ومثله قوله: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ [القيامة:٣٤]. (١) وقال الأصمعيّ: أولى له: قاربه ما يهلكه. (٢) أي: نزل به. وقيل: أولى: تحسّر. ٢١ - ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ:﴾ أي: ظاهر المنافقين طاعة وقول معروف. (٣) ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ:﴾ أي: جدّ. (٤) ٢٢ - ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ:﴾ كدتم. ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ:﴾ إن أعرضتم عن الإسلام، (٥) ألا ترى (٦) قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا﴾ [محمد:٢٥] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. والمراد بقوله: ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ ما كان بين الأوس والخزرج قبل الإسلام. ٢٤ - ﴿أَقْفالُها:﴾ جمع قفل، مثل جزء وأجزاء (٧)، وقرص وأقراص، وهو آلة من الحديد ونحوه (٨) يغلق به الباب، فلان منقفل (٩) اليدين إذا كان بخيلا. (١٠) ٣١ - ﴿وَنَبْلُوَا:﴾ عطف على قوله: ﴿حَتّى (١١)﴾ نَعْلَمَ، وإنّما حسن العطف عليه لكون البلاء الأوّل مسندا إلى الله في اللّفظ والمعنى، والبلاء الثّاني مسند إلى الله في اللّفظ وإلى أوليائه في المعنى (١٢)، أو المراد بالأوّل: الإصابة بالبلايا والمكاره، والثاني: الاختيار. ٢٩ - ﴿أَضْغانَهُمْ﴾ (١٣): حقدهم. (١٤)

стр. 1388

٣٠ - ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ:﴾ صرف الكلام عن ظاهره (١) قصدا أو خطأ. (٢) ٣٥ - ﴿لَنْ يَتِرَكُمْ:﴾ لن ينقصكم، (٣) وفي الحديث: «من فاتته العصر فإنّما وتر أهله وماله» (٤). ٣٧ - ﴿فَيُحْفِكُمْ:﴾ يبالغوا في السّؤال عنكم. (٥) وعن أبي هريرة قال: قال أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : من هؤلاء الذين ذكرهم الله إن تولينا يستبدلوا، ثمّ لم يكونوا أمثالنا؟ وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ ، فضرب رسول الله فخذ سلمان قال: «هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثّريا لتناوله رجال من فارس». وروي: «معلّقا بالثّريا». (٦) وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله ﵇: «الأبدال من الموالي» (٧).

стр. 1389

سورة الفتح مدنيّة. (١) وهي تسع وعشرون آية بلا خلاف. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿إِنّا فَتَحْنا:﴾ عن عمر: أنّه كان يساير رسول الله في بعض أسفاره فسأله عن شيء، فلم يجبه، قال: قلت: ثكلتك أمّك يا عمر، سألت رسول الله ﷺ ثلاث مرّات كلّ ذلك لا يجيبك، فحرّكت بعيري، وتقدّمت بين يدي، فلم ألبث أن سمعت صارخا ينادي، فأتيت رسول الله، وقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، فقال رسول الله ﷺ : «قد أنزلت عليّ سورة هي أحبّ [إليّ] (٣) ممّا طلعت عليه الشّمس» ثمّ قرأ: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.﴾ (٤) ٢ - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ:﴾ وعن المغيرة بن شعبة: أنّ النّبيّ ﵇ صلّى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلّف هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» (٥). قيل: المراد بالفتح هو حكم الموادعة بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عام الحديبية، (٦) ويحتمل: أنّه معنى قوله: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر:٢]. وعن أنس قال: أنزل على النّبيّ ﵇: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية، وقال النّبيّ ﵇: «لقد نزلت عليّ آية أحبّ إليّ ممّا على الأرض»، ثمّ قرأها ﵇ عليهم، فقالوا: هنيئا مريئا، قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ [الفتح:٥] حتى بلغ: ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الفتح:٥]. (٧) وذكر الكلبيّ: أنّ الله تعالى لّما أنزل في المؤمنين من كتابه ما أنزل، وذلك في الحديبية قبل رجوع

стр. 1390

رسول الله ﷺ إلى المدينة بلغ ذلك ابن أبيّ بن سلول، فقال لأصحابه: هيهات، ما نحن إلا كهيئتهم، فأنزل الله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾ [الفتح:٦]. وعن معاذ بن جبل قال: قال النّبيّ ﵇: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلّى، وزعم أنّه مؤمن: إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف» (١)، فقيل: يا رسول الله، هذا للمسلمين؟ قال: «إنّما حدثت عن رجال من المنافقين، حدّثوا أنّهم أسلموا، فكذبوا، وائتمنتهم عليّ فخانوا، ووعدوا الله فأخلفوا». ٦ - ﴿ظَنَّ السَّوْءِ:﴾ ظنّ أسد وغطفان (٢) أنّه ﴿لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ [الفتح:١٢] سالمين. (٣) ٩ - ﴿وَتُسَبِّحُوهُ:﴾ الضّمير عائد إلى الله تعالى. (٤) ١٠ - ﴿فَمَنْ نَكَثَ:﴾ ذكر الكلبيّ: أنّ جدّ بن قيس كان من الذين نكثوا العهد، وكان قد توارى تحت إبط بعيره، ولم يسر مع القوم. (٥) قال جابر بن عبد الله ﵁: بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشّجرة على الموت وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحد منّا العهد إلا جدّ بن قيس، وكان منافقا، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع القوم. (٦) ١١ - ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ:﴾ الآيات نزلن في مزينة وجهينة وغطفان وأمثالهم. (٧) ١٥ - ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ (٨)﴾ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ: فلن تتبعونا (٩). أراد بنفي خروجهم بعد ذلك نفي تكليفهم وتشريكهم في الغنائم، فخرج جماعة منهم إلى خيبر متبرّعين لا غنيمة لهم. وقيل: لم تكن غنيمة خيبر إلا لأهل الحديبية خاصّة. (١٠)

стр. 1391

١٦ - ﴿سَتُدْعَوْنَ:﴾ قد سبق في سورة التوراة (١). قيل: المراد بالدعاء دعاء رسول الله ﷺ النّاس إلى فتح مكة بعد غزوة خيبر، وإنّما يصحّ هذا التأويل بعد أن يكون المخلّفون عن الحديبية غير المخلّفين عن تبوك. ١٨ - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ كان السّبب في بيعة الرّضوان. ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ:﴾ أنّ النّبيّ ﵇ خرج من المدينة يريد العمرة، وتجهّز معه ناس كثير من أصحابه، ومعهم هدي، فهم يسوقون الهدي معهم، فبلغ ذلك قريشا، فاستعدّوا ليصدّوه وأصحابه، وبعثوا خالد بن الوليد في عصابة لذلك، فلما بلغ النّبيّ ﵇ (٢٩٦ ظ) مسير خالد بن الوليد، أحبّ أن يأخذ طريقا لا يعلم به أحد من المشركين، فقال: أيّ رجل منكم يأخذ بنا نحو السّيف؛ لعلّنا نطوى مسلحة القوم؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، قال: امض على بركة الله، فنزل الرّجل عن راحلته، فلمّا نزل لم يثق النّبيّ ﵇ بهدايته، ثمّ عاد فقال: أيّ رجل يأخذ بنا الطّريق نحو السّيف؛ لعلّنا نطوي مسلحة القوم؟ فقال رجل آخر: أنا يا رسول الله، قال: امض على بركة الله (٢)، فمضى على راحلته، وطوى برسول الله خالدا وأصحابه، فلم تشعر بهم قريش حتى نزلوا الحديبية، ففزع المشركون لنزول النّبيّ ﵇ الحديبية فجأة، فاستعدوا ليصدّوه، فأراد النّبيّ ﷺ أن يبعث عمر بن الخطّاب ﵁، فقال عمر: يا رسول الله، لو بعثت عثمان بن عفّان ﵁ كانوا له أرقّ منهم لي، فبعث النّبيّ ﵇ عثمان، فسار إليهم، فتلقّاه أبان بن سعيد بن العاص، فأجاره، وحمله بين يديه على الفرس (٣)، فلم يقربه أحد بأذى، ثمّ إنّ قريشا بعثوا عروة بن مسعود إلى النّبيّ ﵇ وأصحابه ليأتيهم بالخبر، فلمّا أتاهم عروة أبصر قوما عمّارا لم يأتوا للقتال، فرجع إلى قريش، فقال لهم: لم أر قوما مثل قوم صدّوا هؤلاء عن الكعبة، فشتموه واتّهموه، ثمّ بعثوا بديل بن ورقاء الخزاعيّ ورباب بن الحليس أخا بني الحارث بن عبد مناة، فلمّا قدما قال: النّبيّ ﵇ لأصحابه: ابعثوا الهدي في وجوههما، ولبّوا، فلمّا فعلوا ذلك رجع بديل وصاحبه إلى قريش، فقالا لهم مثل مقالة عروة بن مسعود، فآذوهما واتّهموهما وشتموهما، ثمّ بعثوا سهيل بن عمرو، فقال رسول الله ﷺ عند ما أبصر سهيلا: هذا رجل فاجر وما أرى (٤) إلا وقد سهّل

стр. 1392

من أمركم، فلمّا أتاهم سهيل ذاكرهم الهديّة والمواعدة، فاطمأنّ النّبيّ ﵇، وانطلق أناس من المسلمين إلى عشائرهم بمكة، فحبسوهم عندهم بمكة، فلمّا كان من أوسط النّهار، والقوم في الرّحال، أمر النّبيّ ﵇ بأخذ البيعة، فنادى منادي رسول الله ﵇ في القوم ألا إنّ روح القدس جبريل ﵇ منزل على رسول الله ﷺ يأمره بأخذ البيعة، فأتوا رسول الله فبايعوه، وكبرت تلك البيعة في صدور المشركين، وعهد أناس من المسلمين كانوا ببطن النّخلة، فأتوا عصابة من المشركين ووجدوهم جلوسا، فأخذوهم حتى أتوهم الرّحال رهائن من أصحابهم الذين في أيدي المشركين، فأمسوا وهم على ذلك، فرمى رجل من المشركين من تحت اللّيل في أصحاب رسول الله، فثار المسلمون عليهم بالحجارة، فرموا أعداء الله بها حتى أدخلوهم البيوت، وهزموهم بإذن الله، فأقبل أشرافهم إلى النّبيّ ﵇ فقالوا: يا محمد، لم يكن من رضى منّا، وإنّما فعله سفهاؤنا، وعرضوا الصّلح عليه، فقبله بعد، قهر المسلمون المشركين بالحجارة، فأرسل كلّ واحد من الفريقين من كان في أيديهم، (٢٩٧ و) وكتبوا القضيّة بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وكان (١) سهيل (٢) بن عمرو أمير المشركين على قضيّتهم، وكتبوا: إنّا نتوادع سنتين، بعضنا لبعض آمن، فمن لحق بالنّبيّ ﵇ لم يقبله حتى تنقضي المدّة، ومن لحق بالمشركين من أصحابه فهو منهم، وإنّكم لتسوقون الهدي، فإذا حبسناه نحرتموه، ليس لكم أن تجاوزوا موضعا نحبسه، وإنّكم إن شئتم اعتمرتم عاما قابلا في هذا الشّهر الذي حبسناكم فيه، ولا تحملوا (٣) بأرضنا سلاحا إلا سلاحا في قراب، وهو القوس والسّيف، فأجابهم النّبيّ إلى ذلك، ووجد رجال من المسلمين من ذلك الشّرط وجدا شديدا، فقال النّبيّ ﵇: أمّا من لحق بهم فأبعده الله، فهم أولى بمن (٤) كفر، وأمّا من أراد أن يلحق بنا منهم فسيجعل الله [له] (٥) مخرجا، وكان الكاتب عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فكان قد كتب في أوّل الصّحيفة: هذا ما قضى عليه رسول الله، فأبت قريش ذلك وقالوا: إن علمنا أنّك رسول الله لم نمنعك عن بيت الله، بل أنت محمد بن عبد الله، فقال رسول الله: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله (٦)، فاكتب، يا عليّ، محمد بن عبد الله، وامح ما كتبت، فعظم (٧) على عليّ ﵁ أن يمحو

стр. 1393

اسم رسول الله، فمحاه النّبيّ ﵇ بيده، فلمّا فرغوا من كتاب الموادعة، وختموا عليه أقبل أبو جندل بن سهيل (١) وهو يرسف في قيوده كان قد أسلم وقيّده أبوه، فقال: إنّي مسلم، وإنّي أعوذ بالله أن ترجعوني إلى الكفّار، فتحرّك عند ذلك رجال من المسلمين، وكاد يكون شر، فقال النّبيّ ﵇: خلّوا بينه وبينهم، فإن يعلم الله من أبي جندل الصّدق يجعل له مخرجا، فانطلق به أبوه، وساق النّبيّ ﵇ وأصحابه الهدي حتى قال المشركون جلب الهدي، ونحر عند ذلك، وحلق النّبيّ ﵇ رأسه، وحلّ من إحرامه، وعهد (٢) أناس من أصحابه فقصروا، أو كرهوا أن يحلقوا، ولم يطوفوا بالبيت، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأخرج رأسه من القبّة قد حلقه، فقال: اغفر اللهمّ (٣) للمحلّقين، فقيل: يا رسول الله، وللمقصّرين، فقال: اللهمّ اغفر للمحلّقين، فقيل: يا رسول الله، وللمقصّرين، فقال: اللهمّ اغفر للمحلّقين، ثمّ استغفر للمقصّرين بعد ثلاث مرّات، فلبث رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية شهرا ونصف، فوعدهم خيبر أن يفتحها لهم، ثمّ رجع النّبيّ ﵇ إلى المدينة، ونزل عليه القرآن: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨]. (٤) وعن جابر في هذه الآية قال: بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نفرّ، ولم نبايعه على الموت. (٥) وعن يزيد بن أبي عبيدة قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أيّ شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت. (٦) وعن ابن عمر قال: كنّا نبايع رسول الله ﷺ على السّمع والطّاعة (٢٩٧ ظ) في العسر واليسر والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر (٧) أهله، وأن نقوم بالحقّ حيث ما كنّا، وأن لا نخاف في الله لومة لائم، يقول (٨) النّبيّ ﵇: فيما استطعتم. (٩) ثمّ إنّ الله تعالى جعل لأبي جندل بن سهيل مخرجا، فهرب من قومه، ولم يأت رسول الله

стр. 1394

صلّى الله عليه وسلّم مخافة أن يردّه إليهم على شرط، ولكنّه عمد إلى ذي عروة، فكان به، واجتمع إليه قريب من سبعين رجلا (١) من المسلمين فعمدوا إلى عير لقريش مقبلة من الشّام، أو ذاهبة إليها فأخذوها، وجعلوا يقطعون الطّريق على المشركين، فأرسل المشركون (٢) إلى النّبيّ ﵇ يناشدونه، فيضمهم ويأويهم (٣)، وأنّه في حلّ من كتاب (٤) الموادعة، فكتب إليهم رسول الله، فلحقوا به، وعلم الذين كرهوا كتاب القضّية كيف صنع الله لرسوله (٥) وللمستضعفين من المؤمنين. ٢٢ - ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ:﴾ أسد وغطفان حيث اعترضوا لرسول الله ﷺ في مسيره إلى خيبر، فناصبهم رسول الله ﷺ دون خيبر، فعلموا أنّه لا طاقة لهم به، فألقوا إليه السّلم أن لا يكونوا معه ولا عليه. (٦) ٢٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ. . .:﴾ الآية نزلت في الوقعة بين المسلمين والمشركين (٧) بالحديبية. (٨) والحديبية على أربعة أميال (٩) من مكة. ٢٥ - ﴿رِجالٌ مُؤْمِنُونَ:﴾ الوليد بن المغيرة وسلمة بن هشام وعباس بن ربيعة وأبو جندل بن سهيل وغيرهم كانوا بمكة. ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا:﴾ لو تخلّص المؤمنون منهم، وتميّزوا. (١٠) ٢٦ - ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى:﴾ عن عليّ ﵁: كلمة التّقوى لا إله إلا الله. (١١) وعن ابن عمر: أنّ الكلمة التي ألزمناها ليلة الحديبية كلمة التّقوى لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير. ٢٧ - ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا:﴾ كان النّبيّ ﷺ قد رأى في منامه أنّه دخل المسجد الحرام مع أصحابه ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ،﴾ وكان رؤياه هذه قبل الحديبية، فخرج إلى الحديبية، وهو يطمع في تأويل رؤياه، والمؤمنون كذلك، وكان تأويل الرّؤيا

стр. 1395

عند الله مؤجلا إلى سنة بعد ذلك، فلما صدّهم المشركون دخل (١) في قلوب أناس من المؤمنين، فأنزل الله، ووعدهم عمرة القضاء على نحو ما رأى رسول الله ﷺ في منامه. (٢) ٢٧ - ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً:﴾ وهو فتح خيبر. (٣) ٢٩ - والواو في قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ لعطف الجملة. (٤) ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ:﴾ خشوعهم وخضوعهم. (٥) وقيل: بياض في وجوههم يوم القيامة. (٦) وقيل: هو الذي ينعقد على أكفّهم وجباههم وركبهم كنفثات البعير، ولهذا سمّي زين العابدين ذا النّفثات (٧). ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ:﴾ أي: هذا الذي ذكرنا صفتهم. (٨) ﴿شَطْأَهُ:﴾ فرخ الزّرع، وهو ما ينبت من الزّرع أصغر منه، وهذا (٩) الفرع يؤازر الزّرع ليقوم على سوقه، (١٠) ف (الزرع) رسول الله ﷺ ، و (الشّطء) أصحابه، (١١) و (الكفّار) هم الذين يقاتلون المؤمنين.

стр. 1396

سورة الحجرات مدنيّة. (١) وهي ثماني عشرة آية بلا خلاف. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - (٢٩٨ و) ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا:﴾ عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة: أنّ عبد الله بن الزّبير أخبرهم: أنّه قدم ركب من بني تميم على النّبيّ ﵇، فقال أبو بكر: بل أمّر القعقاع بن معبد (٣) بن زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت (٤) إلا خلافي، فقال: ما أردت إلاّ (٥) خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا﴾ الآية. (٦) وعن مسروق بن الأجدع قال: كنّا عند عائشة أمّ المؤمنين يوم عرفة، والنّاس يشكّون، يرون أنّه يوم النّحر، فقالت لجارية لها: أخرجي لمسروق سويقا وحلّيه، فلولا أنّي صائمة لذقته، قال: قلت: ما بك صمت هذا اليوم وهو يشك فيه؟ فقالت: نزلت هذه (٧) الآية في مثل هذا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ كان قوم يتقدّمون رسول الله ﷺ في الصّوم وما أشبهه، فنهوا عن ذلك. (٨) وعن الحسن: أنّ قوما ذبحوا قبل أن يصلّي النّبيّ ﵇ يوم النّحر، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يذبحوا ذبحا آخر، فأنزل الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.﴾ (٩) وعن الكلبيّ: أنّ الآية نزلت في المنذر بن عمرو السّاعديّ وأصحابه حين قتلوا رجلين من أهل الميثاق، فوداهما رسول الله ﷺ . (١٠)

стр. 1397

وإنّما اختلفوا في سبب نزول الآية لعمومها، واشتمالها على هذه المعاني كلّها، وتلاوة رسول الله ﵇ إيّاها عند كلّ حادثة في هذه الحوادث، فمن سمعها عند حادثة ظنّ أنّها نزلت فيها خاصّة، وقد جمع مجاهد هذه الأقوال وقال: لا تقدّموا بين يدي الله، أي: لا تفتاتوا (١) على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. (٢) ٣ - ﴿اِمْتَحَنَ اللهُ:﴾ ابتلى الله. ٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ:﴾ الآيتان نزلتا في حيّ من بني العنبر وهم من بني عمرو بن تميم كان قد أغار عليهم عيينة بن حصن الفزاريّ بأمر رسول الله ﷺ ، وسبى منهم سلبا كثيرا، فحضروا المدينة وقت الهاجرة، فوجدوا رسول الله ﷺ قد دخل إلى أهله للقيلولة، فجعلوا ينادونه من المسجد: يا محمد، يا محمد، حتى أيقظوه، فخرج إليهم وهو يمسح النّوم عن وجهه، فجعل حكمهم إلى سبرة بن عمرو (٣)، وهو رجل منهم وعلى دينهم، فحكم بفداء نصف السّبي وعتق النّصف، ولو كانوا صبروا حتى يخرج إليهم رسول الله ﷺ لأعتق جميعهم، وكان ذلك خيرا لهم. (٤) ٦ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ:﴾ السّبب في نزول هذه الآية: أنّ النّبيّ ﵇ استعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو الفاسق، على صدقات بني المصطلق، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهليّة، فلمّا توجّه إليهم استقبلوه بالطّاعة لوجه الله تعالى ولرسوله ﵇، فظنّ الفاسق أنّهم استقبلوه ليقتلوه، فانهزم إلى رسول الله ﷺ ، وزعم أنّهم خرجوا من الطّاعة، فهمّ النّبيّ ﵇ أن يغزوهم، فقدموا عليه معتذرين، فلم يصدّقهم رسول الله ﷺ حتى نزلت الآية. (٥) ٧ - قرأ أبو سعيد الخدريّ: (٢٩٨ ظ) ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ قال: هذا نبيّكم يوحى إليه، وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا، فكيف بكم اليوم؟ (٦) [. . .] (٧)

стр. 1398

٩ - ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا:﴾ عن أنس قال: قيل للنّبيّ ﵇: لو أتيت عبد الله بن أبيّ، فانطلق إليه فركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلمّا أتاه وثار الغبار قال: إليك عنّي فو الله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: لحمار رسول الله ﵇ أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكلّ واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنّعال، فأنزل الله هذه الآية. (١) [عن ابن عبّاس ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار، فبال الحمار، فأمسك عبد الله بن أبيّ بأنفه، وقال: خلّ مسك حمارك، فقد آذانا نتن حمارك، فقال عبد الله بن رواحة، والله، إنّ بول حماره لأطيب من مسكك، وروي: حماره أفضل منك، وبول حماره أفضل من مسكك، ومضى رسول الله، وطال الخوض بينهما حتى استبّا [وتجالدا] (٢) وجاء قومهما، وهما الأوس والخزرج، فتجالدوا بالعصيّ، وقيل: بالأيدي، والنّعال والسّعف، فرجع إليهم رسول الله ﵇، فأصلح بينهم، ونزلت الآية. (٣) وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.] (٤) وعن أبي مالك قال: حيّان من الأنصار بينهم تلاحي وقتال بغير سلاح، فأمر الله أن يصلح بينهما. وعن أبي مالك قال: اقتتل رجلان، فأقبل حيّاهما، فاقتتلوا بالنّعال والعصيّ، فأنزل الله فيهم. (٥) قال: هذه الآية أصل في قتال أهل البغي، وقد أقتتلت طائفتان من المؤمنين بعد رسول الله إحداهما أصحاب والأخرى أهل مصر، فجاء الحسين بن عليّ ليصلح بينهما، فلم يقدر، فغلب أهل مصر (٦)، وقتلوا عثمان ﵁، ثمّ إنّهم تركوا البغي، وبايعوا عليّ بن أبي طالب ﵁، فثارت فتنة أخرى، ثمّ أخرى، ثمّ أخرى، حتى صار عليّ ﵁ إماما في معرفة قتال أهل البغي؛ لأنّه قتل الناكثين والباغين والمارقين، وقد قال أبو حنيفة ﵀: لولا علي بن أبي طالب لما عرفنا قتال أهل البغي. ١١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ:﴾ قيل: حضر ثابت بن قيس

стр. 1399

مجلس رسول الله ﷺ بعد امتلاء المجلس بالنّاس، فلم يمر بأحد إلا يفسح له إلا رجلا واحدا قال له: أصبت مكانك فاجلس، فذكر ثابت أمّه، وكان يعيّر بها. (١) وشبّهت إحدى أمهات المؤمنين طرف إزار الأخرى بلسان الكلب، فأنزل الله الآية. وعن أبي جبيرة بن الضّحّاك قال: نزلت الآية فينا ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ جاءنا رسول الله ﷺ وللرّجل الاسمان والثلاثة، فجعل يدعو الرّجل فيقول (٢): يا رسول الله، إنّه ليغضب منه، فنزلت. (٣) [وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالمنطق، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا. (٤) وفي قراءة عبد الله: (عسوا أن يكونوا وعسين أن يكنّ). (٥)] (٦) [فقال: النّبز والنّزب: اللّقب السّوء، والتّلقيب المنهيّ عنه، فما ما يحبه المدعو به فلا بأس، (٧) لما روي عن النّبيّ ﵇: «من حقّ المؤمن على أخيه: تسميته بأحبّ أسمائه إليه» (٨)، ولهذا كانت التّكنية من السّنّة، ولقد لقّب أبو بكر بالصّديق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله [. . .] (٩)، وخالد بسيف الله.] (١٠) ١٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا:﴾ قال الكلبيّ: نزلت الآية في رجلين من أصحاب رسول الله ﵇ قد ضمّ كلّ واحد من الفقراء إلى رجلين من الأغنياء ليخدمهما ولينفقا عليه، فهذان الرّجلان قدّما صاحبهما (١١) في سفر ليهيّئ لهما المنزل والطّعام، فغلبه النّوم، فلم يفعل شيئا ممّا أمراه به، فأرسلاه إلى النّبيّ ﵇ ليسأله فضل طعام، فلمّا غاب قال

стр. 1400

أحدهما للآخر: والله لو أرسلناه إلى سميحة أو سميحة، وهي بئر ذات ماء كثير، لقال: ليس فيها ماء، فهذه عيبتهما، ثمّ إنّ الفقير أتى رسول الله ﷺ وأدّى الرّسالة، فقال رسول الله ﷺ : انطلق (١) إلى أسامة بن زيد، وكان أسامة يحفظ طعام رسول الله ﷺ ، فأتاه فلم يجد عنده شيئا، فرجع إلى صاحبيه وأخبرهما بالقصّة، فاتّهما أسامة بن زيد وقالا: هو رجل بخيل، (٢٩٩ و) أمره رسول الله ﷺ ولم يعط، فهذا ظنّهما الذي هو الإثم، ثمّ إن الرجلين راحا إلى رسول الله ﷺ وقد أنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ،﴾ (٢) لحلوله محلّ الاعتقاد الفاسد. ﴿أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً:﴾ لأنّ المغتاب ينال من أخيه في حال لا يمكنه الامتناع كالذي يأكل لحم أخيه ميتا. (٣) ١٣ - ﴿شُعُوباً:﴾ وهي الأجيال التي تشعّبت من أولاد نوح ﵇. [والشّعب: الطّبقة الأولى من الطّبقات السّتّ التي عليها العرب، وهي: الشّعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، فالشّعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاد، والفخذ يجمع الفضائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصيّ بطن، وهاشم فخذ، والعبّاس فصيلة، وسمّيت الشّعوب قبائل؛ لأنّ القبائل تشعّبت منها. (٤)] (٥) ﴿وَقَبائِلَ:﴾ هي البيوت من كلّ جيل. والآية نزلت في ثابت بن قيس. (٦) وعن ابن عبّاس قال: ما تعدّون الكرام فيكم وقد بيّن الله: ﴿أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ وما تعدّون الحسب فيكم؟ أحسنكم أخلاقا أكرمكم إحسانا، فقال ﵇: «لينتهينّ رجال يفتخرون برجال من الجاهليّة قد صاروا حمما في النّار، أو ليجعلنّهم الله أذلّ من الجعل يدفع النّتن بأنفه» (٧). وقيل: الفخر بالهمم العالية لا

стр. 1401

بالرّمم البالية. (١) ١٤ - ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا:﴾ أراد به نفي الإيمان. ﴿وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا:﴾ أبيت (٢) الدّخول في ظاهر عقد الإسلام بظاهر التّصديق على سبيل النّفاق. والآية نزلت في نفر من بني الحلاّف، والحلاّف: مرّة بن الحارث بن سعد، أجدبت (٣) بلادهم، فحضروا المدينة بذراريهم، ونزلوا في طريق المدينة، وأفسدوا الطّرق بالنّجاسة، وأغلوا الأسعار، ولم يزالوا يأتون رسول الله ﷺ ويقولون: اعطنا يا محمد اعطنا، فإنّا آمنّا بك إيمانا (٤) لم يؤمن به أحد من العرب؛ لأنّهم أتوك مثنى وثلاث، ونحن انتقلنا إليك بالأهل والذّرّيّة حتى أنزل الله فيهم. (٥)

стр. 1402

سورة ق مكيّة. (١) وعن ابن عبّاس: إلا آية (٢) نزلت بالمدينة، وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ [ق:٣٨]. (٣) وهي خمس وأربعون آية بلا خلاف. (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ و ٢ - ﴿ق:﴾ جواب قسم مقدّم عليه، تقديره: قرب الأمر والقرآن المجيد. وقيل: جوابه ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ مرتّب على كلام سابق، (٥) تقديره: أنّ (٦) النّبيّ ﵇ قال قبل نزول السّورة (٧): اللهمّ اهد قومي، أو المؤمنين قالوا قبل نزولها (٨): والله لو جاءتهم آية ليؤمننّ بها، أو المشركين قالوا قبل نزولها: لئن جاءتنا آية لنؤمننّ بها ليكون قوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ جملة متركّبة من قسم وجواب، وتلك الجملة ردّا لكلام سابق أو إضرابا عن كلام سابق (٩). وقيل: جواب القسم في آخر السّورة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ (١٠)﴾ لَذِكْرى [ق:٣٧]. (١١) وعن عبد الله بن بريدة قال: ﴿ق:﴾ جبل محيط بالأرض من زمرّدة عليه كنفا (١٢) السّماء. (١٣)

стр. 1403

٥ - ﴿مَرِيجٍ:﴾ مختلط ملتبس. (١) ٩ - ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ:﴾ أضيف إلى نفسه، ويجوز أن يكون الزّرع هو الحصيد. (٢) ١٠ - ﴿باسِقاتٍ:﴾ طوال (٣)، وفي حديث ابن عبّاس: أنّ عبد المطّلب قال لسيف بن ذي يزن: ثبت أصله، وبسق فرعه. (٤) ١١ - وإنّما قال: ﴿مَيْتاً﴾ لاعتبار المعنى، وهو البلد أو المكان. (٥) ١٥ - ﴿أَفَعَيِينا:﴾ الاستفهام للإلزام، (٦) (٢٩٩ ظ) والعياء: الكلال. ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ:﴾ نشأة الآخرة. (٧) ١٦ - قال الفرّاء: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ مضاف إلى نفسه، والوريد: عرق من الحلقوم والعلباوين. (٨) والله تعالى أقرب إلى كلّ نفس منها إليها، قائمة بأمره لا بنفسها. ١٧ - ﴿قَعِيدٌ:﴾ قال ابن عبّاس: قعود. وقال الفرّاء (٩): ويجوز إرادة الجمع بلفظ واحد، كقول موسى: ﴿إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦]، ويجوز أن يكون واحدا اكتفي به عن صاحبه، أي: قعيدان، كقوله (١٠): نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأي مختلف ١٩ - ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ:﴾ أي: بالموت، والدّليل عليه قراءة عبد الله: (وجاءت [سكرة] الحقّ بالموت) (١١). ﴿تَحِيدُ:﴾ تميل (١٢) وتحذر.

стр. 1404

٢١ - ﴿سائِقٌ وَشَهِيدٌ:﴾ ﴿سائِقٌ:﴾ يسوقها إلى الله، ﴿وَشَهِيدٌ﴾ (١): شاهد عليها بعملها (٢). وقال أبو هريرة: السّائق الملك، والشهيد العمل. (٣) وقيل: السائق العمل، والشهيد الأعضاء. (٤) ٢٣ - ﴿وَقالَ قَرِينُهُ:﴾ تابعته من الشّياطين. (٥) ﴿هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ:﴾ لمخافة أن يؤخذ أحد الكفيل. ٢٤ - ﴿أَلْقِيا:﴾ أمر للملكين. (٦) وقيل: لملك واحد، أي: ألقين بنون خفيفة. (٧) ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ:﴾ كليهما (٨) إيّاه وقرينه. ٢٨ - ﴿لا تَخْتَصِمُوا:﴾ بعد وجود الاختصام لا يدلّ على نفيه كالنّهي عن الكفر. وقيل: قوله: ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ في الكفّار، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] في المؤمنين. (٩) ٢٩ - ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: لا مردّ لقولي: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]. (١٠) ٣٠ - ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ:﴾ قال ابن عبّاس: ما امتلأت؟ تقول: وهل (١١) في مكان يزاد فيّ. (١٢) ٣٦ - ﴿فَنَقَّبُوا:﴾ مشوا في النّقوب، وهي الطّرق، وواحده (١٣) نقب. (١٤)

стр. 1405

٣٧ - و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى القرآن. ﴿قَلْبٌ:﴾ سليم غير مريض. ﴿أَوْ﴾ (١): بمعنى الواو، أي: لمن كان له قلب وألقى (٢) السّمع وهو شهيد. وقيل: أراد بذي القلب من استنارت أعشار قلبه، فلم يبق فيه لغير الله حظ، وبمن ألقى السّمع وهو شهيد: من يستمع إلى روح الله وندائه، وهو يشاهد بروق التّوحيد بسويدائه. ٣٨ - ﴿مِنْ لُغُوبٍ:﴾ عياء وتعب. (٣) والآية ردّ على اليهود قولهم في السّبت. (٤) ٤٠ و ٤٩ - وعن عمر قال: (إدبار النجوم): الركعتان قبل الفجر، ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ:﴾ الركعتان بعد المغرب. (٥) وعن عليّ: ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ:﴾ الركعتان بعد المغرب. (٦)
следующие страницы →