← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٢٩ - ﴿لِئَلاّ:﴾ (لا) (١) زائدة، (٢) (٣٠٥ و) وفي جزء عبد الله: (لكي يعلم). (٣) قال الفرّاء: تجعل العرب (لا) صلة في كلام فيه جحد، قال الله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢]، ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩] ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥]. (٤) ٢٩ - ﴿أَهْلُ الْكِتابِ. . .:﴾ (٥) بعضهم حالة الاختيار، أو كلّهم حالة الاضطرار.

стр. 1437

سورة المجادلة مدنيّة. (١) وهي اثنتان وعشرون آية في غير عدد أهل مكّة وإسماعيل. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ:﴾ روي: أنّ أوس بن (٣) الصّامت قال لامرأته خولة بنت ثعلبة الأنصارية: أنت عليّ كظهر أمّي، وكانت هذه الكلمة يطلّق (٤) بها أهل الجاهليّة، فأتت النّبيّ ﵇ فقالت: إنّ أوسا تزوّجني وأنا شابّة مرغوب فيّ (٥)، فلمّا خلا سني، ونثرت بطني جعلني عليه كأمّه، فقال ﵇: «ما أراك إلا حرمت عليه»، وروي: «ما عندي من أمرك شيء»، فقالت: زوجي وابن عمّي وأحبّ النّاس إليّ، وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يخدم، أشكو إلى الله تعالى، وقالت فيما قالت: إنّ لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وكانت عائشة تغسل رأس النّبيّ ﵇ فقالت: يا خويلة، أقصري حديثك ومجادلتك مع رسول الله ﷺ ، أما ترين إلى وجه النّبيّ ﵇ تربّد ليوحى (٦) إليه، فما تحوّلت عنه إلى جانب آخر حتى نزل جبريل ﵇ بآية الظّهار. (٧) فجعله تحريما مؤقّتا بالتكفير. (٨) أو شبّه امرأته بظهر أمّه أو بطنها أو فخذها أو فرجها، أو قال: رقبتك أو رأسك وفرجك يكون ظهارا. (٩) ولا يجوز الظّهار من الذميّ. (١٠) والأمة لا تدخل في الظّهار. (١١)

стр. 1438

٣ - وفي قوله: ﴿ثُمَّ (١)﴾ يَعُودُونَ لِما قالُوا أربعة أقوال: أحدها: اللاّم بمعنى من، أي: ممّا قالوا كقوله: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١]. والثّاني: ثمّ يعودون إلى إبطال أو رفع أو استدراك ما قالوا. (٢) والثّالث: المراد بالعود النّدامة، واللاّم بمعنى على، أي: يندمون على ما قالوا. والرابع: على التّقديم والتّأخير، تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون فتحرير رقبة لما قالوا (٣) ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا.﴾ (٤) وقد أخطأ من فسّر العود بتكرار لفظة الظّهار؛ لأنّه لم يرد فيه توقيف، ولا هو من قضيّة اللّغة، (٥) ولفظ (ثمّ) يدلّ على تأخّر العود عن الظّهار بزمان، فإن مسّها قبل الكفّارة فعليه الكفّارة (٦)؛ لما روي: أنّ سلمة بن صخر جاء إلى النّبيّ ﵇ فقال: تظاهرت من امرأتي فرأيتها في ليلة قمرا فأعجبتها، فواقعتها، فقال ﵇: «استغفر الله، ولا تعد حتى تكفّر» (٧)، وإن مسّها في أثناء الكفّارة فعليه الاستقبال؛ لأنّ إيجاب جميع الصّوم قبل المسيس أمر بإخلاء الشّهرين عن المسيس، وهو قادر على ذلك، والذي لا يستطيع شيئا من الكفّارات الثلاث، فلسنا نرى له أن يقرب امرأته بوجه من الوجوه. ٥ و ٢٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ الآيتان في الوعيد. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ كفّار بدر. (٨) وقيل: كفّار الخندق. (٩) ٧ - ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ﴾ (٣٠٥ ظ) من مجاز الكلام، وحقيقته استحالة اجتماعهم من غير أن يجمع، وتناجيهم من غير أن يسمع، فهو واحد قبلهم، وواحد معهم، وواحد بعدهم، تعالى عن كلّ اتّصال وانفصال وانعقاد وانحلال. ٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى:﴾ كان المنافقون يرجفون في المدينة على

стр. 1439

سبيل التّناجي إذا خرجت سريّة من المسلمين، فكان (١) يحزن من ذلك أولياء الغزاة، ويظنّون أنّهم سمعوا مكروها من جهة الغزاة، أو عندهم خبر سبق، فنهاهم الله عن ذلك، فلم ينتهوا، فأنزل الله. (٢) وعن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ يهود فقالوا (٣): السّام عليكم با أبا القاسم، قالت عائشة: فقلت: عليكم السّام ونلت منهم، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا يحبّ الفحش والتّفحّش»، قالت: أو ما سمعتهم يقولون: السّام عليك؟ قال ﵇: أو ما تسمعينني ما أقول؟ عليكم، فأنزل الله: ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ.﴾ (٤) ١١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ:﴾ نزلت فيمن لم يتفسّح لثابت بن قيس. (٥) التّفسّح: التّوسّع في المجلس، والفسحة: الوسعة. (٦) ﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ:﴾ قبوركم، (٧) أو يبارك لكم في مجلسكم. ﴿وَإِذا قِيلَ اُنْشُزُوا:﴾ انهضوا للعدوّ. (٨) وقيل: قيام الرّجل عن المجلس لمن هو أفضل منه قرآنا وعلما. ١٢ و ١٣ - وعن مجاهد في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ قال: نهوا عن مناجاة النّبيّ ﵇ إلا يقدّموا صدقة، فلم يناجه إلا عليّ بن أبي طالب قدّم دينارا، أو تصدّق به، ثمّ أنزل الله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ فشقّ ذلك على المسلمين، فوضعت، وأمر بمناجاته بغير صدقة. (٩) ١٤ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا. . .﴾ الآيات: نزلت الآيات في المنافقين الذين كانوا يتولّون اليهود والمشركين في الشّرّ. (١٠)

стр. 1440

١٦ - ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً:﴾ ترسا. (١) ٢٢ - ﴿لا تَجِدُ قَوْماً:﴾ نزلت في إبطال عذر حاطب بن أبي بلتعة حيث قال: لم أتقرّب إلى قريش إلا لمكان أهل بيتي منهم. (٢) ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى قوم مؤمنين. (٣) ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ:﴾ أوجده وأوجبه فيه (٤). ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ [الصف:٨].

стр. 1441

سورة الحشر مدنيّة. (١) وهي أربع وعشرون آية بلا خلاف. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿سَبَّحَ لِلّهِ:﴾ الآيات نزلت في بني قينقاع، أو في بني النّضر. (٣) والقصّة في (٤) ذلك: أنّ النّبيّ ﵇ هاجر إلى المدينة، صالحته اليهود على أن لا يكونوا له (٥) ولا عليه، فلمّا غزا رسول الله ﷺ بدرا، وظفر بالمشركين قالت: والله هذا النّبيّ الذي وجدنا لا تردّ له راية، ثمّ إنّ طائفة من اليهود، وهم بنو قينقاع، نقضوا العهد وحسدوا رسول الله ﵇، وخافوا على أنفسهم فقالوا للمسلمين: والله لو قاتلناكم لرأيتم منّا غير الذي رأيتم (٦) من أهل بدر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأرسل إليهم أن اخرجوا من جوارنا، فأبوا وتحصّنوا وتهيّؤوا للقتال، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا (٢٠٦ و) على حكمه، فغنم رسول الله ﷺ رقابهم وأموالهم، ولم تكن لهم نخل ولا مزارع، ثمّ استوهبهم ابن أبيّ بن سلول، فأرسلهم رسول الله ﷺ إلى أذرعات، وكانت هذه الغزوة في شوّال سنة اثنتين. (٧) وكان كعب بن الأشرف، وهو رجل من طي بن نبهان، ولكنّه من جهة أخواله، فإنّ أمّه كانت من بني النّضير، قد نقض العهد، وهجا رسول الله ﷺ ، ورثى قتلى بدر، وحرّض المشركين على المسلمين، ثمّ ارتحل إلى مكة، وحالف قريشا تحت أستار الكعبة، أن يكون معهم على عداوة رسول الله ﷺ ، فأرسل رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الأنصاريّ في أربعة من الأوس منهم عبّاد بن بشر وأبو نائلة (٨) سلكان بن سلامة والحارث بن أوس وأبو عبس (٩) بن جبر

стр. 1442

ليغتالوه، فأتوه في جوف اللّيل، واستنزله محمد بن سلمة من قصره، وشكا إليه رسول الله واستقرضه طعاما، ثمّ تشبّث برأسه، فكبّر، فخرج أصحابه من وراء الحائط وضربوه حتى برد، وفي ذلك يقول عبّاد بن بشر [من الوافر]: (١) صرخت به فلم يجعل لصوتي ... وأوفى طالعا من فوق قصر (٢) فعدت فقال: من هذا المنادي ... فقلت: أخوك عبّاد بن بشر وأقبل نحونا يهوي سريعا ... وقال لنا: قد جئتم لأمر فعانقه ابن مسلمة المرادى (٣) ... له الكفّار (٤) كاللّيث الهزبر وشدّ بسيفه صلتا عليه ... فقطّره أبو عبس بن جبر وصلت وصاحباي في مكان لّما ... قتلناه الخبيث كذبح عير وكان الله سادسنا فأبنا ... بأفضل نعمة وأعزّ نصر وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ثلاث، وبعث رسول الله ﷺ في سنة أربع جبر بن عتيك في ثلاثة من أصحابه إلى خيبر ليغتالوا لما فيه من خيبر، وهو [أبو] (٥) رافع بن سلام بن أبي الحقيق، فاغتالوه، وكانوا قد دخلوا عليه وهو سكران، والذي تولّى قتله عبد الله بن أنيس الأنصاريّ، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ سالمين. (٦) ثمّ انطلق رسول الله ﷺ إلى بني النّضير يستعينهم في دية رجلين من بني كلاب قتلهما عمرو بن أميّة، وكان لهما عهد، ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزّبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة، فاستقبلته اليهود، ورحّبوا به فقالوا: قد آن لك أن تزورنا يا أبا القاسم، ولك عندنا ما تحبّ، ولكن احتبس عندنا ساعة نطعمك، فاستنزل رسول الله ﷺ إلى بيت من بيوتهم، وجلس معه أصحابه، ورجعت اليهود بعضها إلى بعض يتآمرون في أمره، فأشار عليهم حييّ بن أخطب أن يلقوا عليه رحا من فوق السّطح، فأعلم الله نبيّه كيدهم، فوثب كأنّه يريد حاجة، وخرج حتى رجع إلى المدينة، وتبعه أصحابه من بعده، ثمّ أرسل إليهم رسول الله ﷺ يأمرهم بالخروج من جواره، وأجّلهم عشرة أيّام (٣٠٦ ظ) فأخذوا يتجهّزون للخروج، ثمّ

стр. 1443

أرسل إليهم ابن أبي [بن] (١) سلول المنافق أن لا تبرحوا مكانكم ننصركم، فاغترّوا بذلك، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ لسنا بخارجين عن ديارنا، فاصنع ما أنت صانع، فكبّر رسول الله ﷺ ، وسار بأصحابه نحوهم، وهم مشاة على أرجلهم على المقدّمة الفضل بن عبّاس، وعلى الميمنة عكاشة بن محصن، وعلى الميسرة ثابت بن أقرم الأنصاريّ، فصلّى العصر بفنائهم، وهم يرمون بالنّبل والحجارة إلى اللّيل، وانصرف (٢) رسول الله ﷺ إلى بيته في عشرة من أصحابه الدّرع، وهو على فرس، وقد استعمل عليّا ﵁ على العسكر، والمسلمون يكبّرون حتى أصبحوا، ثمّ سار النبيّ ﵇، وحمل معه قبّة من أديم ليبيت فيها، فحاصرهم خمسة عشر يوما، وسعد بن عبادة يحمل إليهم التّمر من المدينة، وبينهم وبين المدينة مقدار ميلين، وكان المسلمون يتّقون دورهم (٣) وهم بها على المسلمين، ففي ذلك قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وأمر رسول الله ﷺ بقطع نخلهم، وكانت خير أموالهم العجوة، فأخذوا يعيبون المسلمين على ذلك، ويقولون: إنّكم معشر المسلمين تزعمون أنّكم لا تحبّون الفساد في الأرض، فكيف تقطعون النّخيل، وإنّما هي لنا إن ظفرنا، ولكم إن ظفرتم؟ وطمع بعض المسلمين في ذلك فلم يقطع منها شيئا، ثمّ اختلفوا فيما بينهم بعد ما استولوا، فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ. . .﴾ الآية [الحشر:٥]؛ لأنّ من قطعها قطعها إضرارا باليهود، ومن تركها تركها نفعا للمسلمين، وأسلم من بني النّضير يامين بن عمير وأبو سعد (٤) بن وهب، فأحرزا أموالهما، وشرط النّبيّ ﵇ لليهود أن يخرجوا ولهم ما حملت إبلهم إلا الحلقة، وهي السلاح، فخرجوا على ذلك، وغنم رسول الله ﷺ سلاحهم وسائر أموالهم سوى ما حملت الإبل. (٥) ٢ - واختلفوا في قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فقال القتبيّ (٦): ﴿الْحَشْرِ:﴾ هو الجلاء. (٧) وهؤلاء اليهود أوّل قوم أجلوا عن ديارهم. وقال الأزهريّ: هو أوّل حشر إلى الشّام، ثمّ يحشر إليها يوم القيامة. (٨) وقد روى عكرمة، عن النّبيّ ﵇ قال: «من شكّ أنّ الحشر ليس بالشام فليقرأ: أوّل

стр. 1444

الحشر»، وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر:٢]، فلمّا قال لهم رسول الله ﷺ : «اخرجوا من المدينة»، قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» (١). وعن الحسن قال: لّما (٢) أجلى النّبيّ ﵇ بني النّضير [قال]: «هذا أوّل الحشر، وأنا على الأثر» (٣). ٦ - ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى﴾. . . ﴿رَسُولِهِ:﴾ الآية في قطع أطماع الصّحابة عن قسمة أرض بني النّضير على حكم الجاهليّة، وكان حكم الجاهليّة أنّ كلّ سريّة خرجت عن خيل أو ركاب وغنمت شيئا دفعوا (٣٠٧ و) المرباع إلى رئيسهم، وقسموا سائرها بينهم، فقالوا: هذا اليوم لك المرباع يا رسول الله، فخلّ بيننا وبين الباقي. (٤) فبين الله تعالى أنّهم لا يستحقّونها (٥) بحكم جاهليةو لا إسلام، أما حكم الجاهليّة فلأنّهم لم يكونوا أوجفوا عليه خيلا ولا ركابا، وأما حكم الإسلام فإنّ الأمر لله يحكم كيف يشاء، وقد حكم (٦) بالفرق بين الفيء وبين الغنيمة (٧). (إيجاف الخيل): كإيضاع الإبل، وذلك إسراعها، لكنّ الإيجاف أعمّ من الإيضاع (٨). ٧ - ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ:﴾ الآيات في صرف الأرضين المفتتحة إلى رأي رسول الله ﷺ ليحكم فيها خلاف حكمه في سائر الأموال المغنومة، فحبس رسول الله ﷺ بعضها لنفسه وقرابته ولفقراء المسلمين ولسائر مواليه (٩)، وقسم بعضها بين الغزاة، وكان ممّا قسم النّصف من خيبر جعلها على ثمانية عشر سهما، واستنّ عمر بن الخطّاب ﵁ بهذه السّنّة. ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً:﴾ شيئا متداولا. (١٠) ٩ - ﴿وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ:﴾ حاجة وفقر. (١١) ﴿مِمّا أُوتُوا:﴾ ممّا آتاهم الله من الرّضا والصّبر، أو بما أوتي المهاجرون من الغنيمة. (١٢)

стр. 1445

١١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا:﴾ فهذا فصل آخر في ذمّ المنافقين وتوهين (١)، ووعظ المؤمنين (٢). ١٤ - ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ:﴾ أي: إذا قاتل بعضهم بعضا كان بأسهم بينهم شديد. (٣) ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى:﴾ تأنيث شتّ، وإنما كانت قلوبهم شتّى لكونهم على أديان مختلفة. (٤) ١٥ - و ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ كفّار بدر. (٥) ﴿قَرِيباً﴾ (٦): أي: من مكان قريب وزمان قريب (٧). وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: ذاقوا وبال أمرهم قريبا. (٨) ١٦ - والظّاهر من قول الشّيطان: ﴿لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ﴾ كقوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ [الأنفال:٤٨]. عن عبيد بن رفاعة، يرفعه: أنّ امرأة ابتليت فألقى الشّيطان (٩) بحنقها إلى أهلها أنّ شفاءها أن تأتوها إلى فلان الرّاهب، قال: فذهبوا بها إليه، فكلّموه أن يضعوها عنده في صومعته، فكره ذلك، فلم يزالوا به حتى فعل بمكثه (١٠) ما شاء الله عنده، ثمّ إنّ الشّيطان أوقعها في نفسه فوقع بها، فحملت، فلمّا حملت أتاه الشّيطان فقال: تفتضح الآن، اعمد إليها فاقتلها وادفنها، فإذا أتاك أهلها فسألوك، فقل: ماتت، فدفنتها، ففعل، فجاءها أهلها فأخبرهم أنّها ماتت فدفنتها، فصدّقوه، وانصرفوا، فأتاهم الشّيطان، فأوقع في أنفسهم أنّه قتلها، فأتوه ليقتلوه، فسبق إليه الشّيطان فقال: إنّ أهلها يأتوك ليقتلوك، وقد علمت أنّي صاحب هذا أوله وآخره، فأطعني أنحك منهم، اسجد لي سجدتين تنج منهم، ففعل، ففيه نزلت: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ﴾ (١١). (١٢)

стр. 1446

٢١ - ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ:﴾ هذا فصل من السّورة، اتصالها من حيث التّنبيه والوعظ السّابق في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ﴾ [الحشر:١٨]. ٢٢ - ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ (٣٠٧ ظ) هذا فصل آخر في الثّناء على الله، واتّصالها بذكر المؤمنين ليتجدّد إيمانهم، فينجع الوعظ السّابق في (١) قلوبهم. ٢٣ - ﴿الْقُدُّوسُ:﴾ اسم عظيم من أسماء الله تعالى، اشتقاقه من القدس. (٢) وقال أبو عليّ الفسويّ (٣): أصله من السّريانيّة قديس. ﴿الْمُؤْمِنُ:﴾ من أسماء الله تعالى لإيمانه المؤمنين ظلمه، وإيمانه الوحوش في الحرم، ونصبه بيتا في الدّنيا من دخله كان آمنا. و ﴿الْمُهَيْمِنُ:﴾ اسم من اسماء الله تعالى (٤) مشتقّ. ٢٤ - ﴿الْبارِئُ:﴾ الذي برئ النّسمة فهي البريّة، واشتقاقه من البرء، وهو الفصل، فالله (٥) تعالى فصل بين الحق والباطل، والحسن والقبح، والحيوان والجماد، (٦) وقد استوفينا الكلام في الأسماء في مفتاح (٧) الهدى.

стр. 1447

سورة الممتحنة مدنيّة. (١) وهي ثلاث عشرة آية بلا خلاف. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - عن عليّ بن أبي طالب قال: بعثنا (٣) رسول الله ﵇ أنا والزّبير والمقداد، قال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإنّ بها ظعينة معها كتاب، فخذوا منها»، فانطلقنا يتعادى بنا خيلنا حتى أتينا [الرّوضة، فإذا نحن بالظعينة] (٤)، فقلنا: لتخرجنّ (٥) الكتاب أو لنلقينّ الثياب، فأخرجت من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ [فإذا فيه] (٦) من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «يا حاطب، ما هذا؟» فقال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إنّي كنت أمرأ (٧) ملصقا من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون قراباتهم وأهليهم، ولم تكن لي قرابة أحمي بها أهلي، فأحببت [إذ فاتني] (٨) ذلك من النّسب أن أتّخذ منهم يدا يحمون بها قرابتي وأهلي، ما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، فقال النّبيّ ﵇: «إنّه قد صدق»، فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النّبيّ ﵇: «إنّه قد شهد بدرا وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم»، فأنزل الله تعالى (٩): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ.﴾ (١٠) ﴿بِالْمَوَدَّةِ:﴾ صفة للاسم المنكور، (١١) كقولك: لا تتخذوا (١٢) صديقا يفشي إليك

стр. 1448

سرّك (١)، والباء زائدة (٢). ﴿يُخْرِجُونَ:﴾ في معنى الحال للذين كفروا. (٣) ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا:﴾ تعليل لإخراجهم. (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ:﴾ شرط للنّهي. (٥) ٧ - ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ:﴾ الآية في الذين حسن (٦) إسلامهم من المؤلّفة قلوبهم، ومن سائر الطّلقاء. (٧) ٨ - وعن عبد الله بن الزّبير قال (٨): قدمت قتيلة بنت عبد العزّى بن أسيد (٢٠٨ و) على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا من صباب وسمن وقرظ، فلم تقبل هداياها، ولم تدخلها منزلها، فسألت لها عائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ.﴾ (٩) ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ أي: تحسنوا إليهم. (١٠) ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي: تؤمنوا إليهم عهودهم. (١١) ١٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ قال مقاتل (١٢) وغيره (١٣): نزلت الآية في سبيعة بنت الحارث الأسلميّة، وكانت تحت صيفيّ بن راهب، فهربت منه عام الحديبية بعد الموادعة، ولحقت بالمسلمين وهم بالحديبية، فجاء صيفيّ ليستردها وهو يقول: العهد بيننا وبينكم أن تردّوا علينا، من لحق بكم فلا تغدروا بنا قبل أن تجفّ طينة الكتاب، وشنّع، فقال النّبيّ ﵇: «ذلك الكتاب في الرّجال دون النّساء»، فأنزل الله الآية. ورضي الفريقان به جميعا. وقيل: لم يرض المشركون بشيء، (١٤) فأنزل الله تعالى

стр. 1449

على رسوله (١) بقوله: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا.﴾ ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ:﴾ قيل: استوصفوا الإيمان. وقيل: كان رسول الله ﷺ يستحلف المرأة بالله أنّها لم تخرج مغاضبة لبعض أهلها، ولا متعشّقة لبعض المسلمين، ولا طالبة للدّنيا، ولكنّها خرجت لوجه الله وحده لا شريك له. (٢) فإيمانهنّ إيمان القلب. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ:﴾ إيمان اللّسان. وحكم قوله: ﴿فَلا (٣)﴾ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ: باق. وحكم قوله: ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا:﴾ منسوخ. (٤) وحكم قوله: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا:﴾ منسوخ، والنّسخ بالسّنّة المتواترة بعد انتهاء الموادعة. وحكم قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ:﴾ باق (٥). وذهب الشيخ أبو جعفر إلى أنّ هذه الآية متأخرة عن قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ﴾ [البقرة:٢٢١]. ١١ - ولقوله (٦): ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ﴾ معنيان: أحدهما: أن تريد مسلمة (٧) أن تلحق بدار الحرب، ثمّ يغير المسلمون على الكفّار، ويسبوا تلك المرأة، فيجب عليهم أن يعطوا من القسمة زوجها الأوّل المسلم، مثل ما كان أنفق قبل ردّتها، ثمّ يسترقّوا، والثاني: أن تلحق مسلمة بالكفّار مرتدة، فيرونها المشركون، ويقابلهم المسلمون بإيواء مهاجرة من غير أن يسألوا ما أنفقوا، ويؤتوا ما أنفقوا، ويعطوا نفقة الكفّار، فلا يحلّ لهم نكاح تلك المهاجرة على سبيل المهاجرة، ولكنّ الواجب عليهم أن يسألوا ما أنفقوا، أي: يعطوا يوم (٨) الكفّار على ما سبق في الآية، وأيّ المعنيين (٩) صحّ فهو منسوخ بالسّنّة المتواترة. ١٢ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ:﴾ نزلت بعد فتح مكّة، وكانت هند بنت

стр. 1450

عتبة امرأة أبي سفيان، أمّ معاوية، في جملة المبايعات، فلمّا بلغ رسول الله ﵇ إلى قوله: ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ قالت: إنّ أبا سفيان رجل شحيح، فهل (١) لي في الأخذ من ماله مقدار ما يكفيني ويكفي أولادي، فأذن لها رسول الله ﷺ بالمعروف، لا وكس ولا شطط، فلمّا بلغ إلى قوله: ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ قالت: وهل (٢) تزني الحرّة؟ فتبسم عمر بن الخطّاب ﵁، (٢٠٨ ظ) ثمّ قال: لا، والله، لا تزني الحرّة، فلمّا بلغ قوله: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ قالت: ربّيناهم صغارا، فقلتموهم كبارا (٣) فضحك عمر حتى استلقى على قفاه. (٤) ﴿بِبُهْتانٍ:﴾ لقيط. (٥) وعن أمّ سلمة الأنصاريّة قالت: قالت امرأة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: لا تنحن، قلت: يا رسول الله، إنّ بني فلان قد أسعدوني على عمّي، ولا بدّ لي من قضائهن، فأبى عليّ، فعاتبته مرارا، فأمر لي في قضائهن، فلم أنح بعد في قضائهن ولا غيره حتى السّاعة، ولم يبق من النّسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري. (٦) قال طاوس: ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة يملكها. (٧) ١٣ - ﴿قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ:﴾ قيل: اليهود. (٨) ﴿يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ:﴾ بسحرهم وكهانتهم وتحريفاتهم. كما يئس المشركون من موتاهم. (٩) وقيل: المشركون يئسوا من خير (١٠) الآخرة لإيثارهم البعث، كما يئس الذين سبقوهم بالكفر، وماتوا عليه لمشاهدتهم العذاب. (١١) ونزلت الآية ردا لعجز الكلام على صدره. والله أعلم.

стр. 1451

سورة الصف مكيّة (١)، عن عطاء. (٢) مدنيّة، عن الحسن وعكرمة وقتادة. (٣) وهي أربع عشرة آية بلا خلاف. (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢ - ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ:﴾ هم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ﴾ [النساء:٧٧] (٥)، تولّوا إلا قليلا منهم، والشّعراء الذين يقولون ما لا يفعلون. ٣ - (٦) قيل لميمون بن مهران: أهو الذي يقرّظ نفسه، أو هو الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وفيه تقصير؟ قال: كلاهما ممقوت. (٧) ٥ - ﴿فَلَمّا زاغُوا:﴾ تهيؤوا للزّيغ مختارين له بخذلان الله تعالى، خلق الله فيهم الزّيغ. (٨) ٦ - وعن عطاء ومقاتل والضّحّاك، عن ابن عبّاس: اسمه في التوراة أحمد الضّحوك القتّال، يركب البعير، ويلبس الشّملة، ويجتزئ بالكسرة، سيفه على عائقه. (٩) ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ:﴾ عيسى أو نبيّنا ﵉. (١٠) ١١ - ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَتُجاهِدُونَ:﴾ رفع بحذف النّاصبة (١١)، تقديره: هو أن تؤمنوا وتجاهدوا، (١٢) ويحتمل: أنّه خبر بمعنى الأمر. (١٣) والله أعلم.

стр. 1452

سورة الجمعة مدنيّة. (١) وهي إحدى عشرة آية بلا خلاف. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣ - عن أبي هريرة قال: كنّا جلوسا عند رسول الله ﷺ فقرأ علينا سورة الجمعة، فلمّا قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ وفينا سلمان قال: فوضع يده على سلمان، ثمّ قال: «لو كان الإيمان عند الثّريّا لنالته رجال من موالي». (٣) ٥ - ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ:﴾ كلّفوا حملها قهرا بنتق الجبل فوقهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها:﴾ حقّ حملها. (٤) ﴿أَسْفاراً:﴾ جمع سفر (٥)، وهو الكتاب. (٦) ٨ - ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ:﴾ صفة الموت (٧)، أو بدل منه، وليس بالخبر، والخبر مضمون فيه لن يعجزوه. وقيل: ﴿فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ خبر، وإنّما دخلت الفاء لأنّ الاسم الموصول (٢٢٠ و) كالشّرط، فكان الخبر كأنّه الجزاء. (٨) ٩ - وعن جابر قال: بينما النّبيّ ﵇ يخطب يوم الجمعة قائما إذا قدمت (٩) عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا فيهم أبو بكر وعمر، فنزلت. (١٠)

стр. 1453

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ والخطاب لجماعة سوى ذاكر (١) الله يسعون إليه، وأقل الجمع الصحيح ثلاثة. (٢) ﴿نُودِيَ:﴾ أدّن بعد زوال الشمس يوم الجمعة. (٣) والجمعة العروبة بين الخميس والسبت، سميت جمعة؛ لاجتماع الناس فيه. (٤) (السعي): المضيّ دون العدو، (٥) كقوله: ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس:٨]. و ﴿ذِكْرِ اللهِ:﴾ الخطبة. (٦) وظاهر الآية يدل على جواز الاقتصار على تسبيحة. (٧) ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ:﴾ اتركوا التبايع في الأسواق حالة النداء لتدركوا الخطبة والصلاة. والبيع منهيّ عنه ساعتئذ (٨)، وجائز؛ لأن النهي لمعنى في غيره. (٩) ١٠ - ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ ﴿وَاِبْتَغُوا:﴾ أمر إباحة. (١٠) ﴿مِنْ فَضْلِ اللهِ:﴾ التجارة. (١١) وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﵇ يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم. (١٢)

стр. 1454

سورة المنافقين مدنيّة. (١) وهي إحدى عشرة آية بلا خلاف. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - عند قوله: ﴿لَرَسُولُ اللهِ﴾ وقف حسن؛ لأنّ قوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ (٣) ليس من كلام المنافقين. (٤) ٤ - ﴿خُشُبٌ:﴾ جمع خشبة (٥)، وهو ما صلب من نبات الأرض، (٦) والمراد به الأصنام المنحوتة من الخشب. (٧) ﴿مُسَنَّدَةٌ:﴾ مردودة إلى الجدار ليعتمد عليها، فلا تخرّ. وفائدة التّشبيه إثبات صورة حسنة لا خير فيها. وعن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ، وكان معنا أناس من الأعراب، وكنّا نبتدر الماء، والأعراب يسبقوننا إليه، فيسبق الأعرابيّ (٨) أصحابه، فيملأ الحوض، ويجعل حوله (٩) حجارة، ويجعل النّطع (١٠) عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيّا، فأرخى زمام ناقته ليشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع [حجرا] (١١) فغاض (١٢) الماء، فرفع الأعرابيّ خشبة فضرب بها [رأس الأنصاريّ] (١٣)، فشجّه، فأتى عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، فأخبره (١٤)، وكان من أصحابه، فغضب عبد الله، فقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى

стр. 1455

ينفضّوا من حوله، يعني: الأعراب، فكانوا (١) يحضرون عند النّبيّ ﵇ عند الطّعام، قال عبد الله: إذا انفضّوا من عند محمد، فأتوا محمدا بالطعام ليأكله هو وأصحابه، ثمّ قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعزّ منكم الأذلّ، قال زيد: وأنا أردف رسول الله ﷺ ، قال: فسمعت عبد الله، فأخبرت عمّي، فانطلق، فأخبر رسول الله ﵇، فحلف وجحد، قال: فصدّقه رسول الله ﷺ وكذّبني، قال: فجاء عمّي إليّ فقال: ما أردت (٣٠٩ ظ) إلا مقت (٢) رسول الله وكذّبك المسلمون، قال: فوقع عليّ من أقوالهم ما لم يقع على أحد قال: فبينما أنا مع النّبي ﵇ في سفر قد خفقت رأسي من الهمّ إذا أتى رسول الله ﷺ فعرّك أدني، ثمّ ضحك في وجهي، فما كان يسرّني أنّ لي بها الخلد في الدّنيا، ثمّ إنّ أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ ، قلت: ما قال شيئا إلا أنّه عرّك أدني وضحك في وجهي، فقال: أبشر، ثمّ لحق عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلمّا أصبحنا قرأ النّبيّ ﵇ سورة المنافقين. (٣) وعن أبي هارون المدنيّ قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة حتى تقول: رسول الله الأعزّ، وأنا الأذلّ، قال: وجاء النّبيّ ﵇ فقال: إنّه بلغني أنّك تريد أن تقتل أبي، والذي بعثك بالحقّ ما تأملت في وجهه قطّ هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه لآتينّك به، فإنّي أكره أرى قاتل أبي، فتركه النّبيّ ﵇. (٤) ٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ فصل آخر، اتّصالها من حيث سبق ذكر النّفقة، وفحوى الخطاب: أنّ المراد بالصالحين المتصدّقون أو الصّدّيقون أو المصدّقون (٥). ١٠ - وعن الضّحّاك، عن ابن عبّاس قال: من أخذ يموت ولم يحجّ، ولم يؤدّ زكاة ماله ممّن وجب عليه الحجّ إلا سأل الرّجعة، فقالوا: يا أبا عبّاس، ما نزال نسمع منك الشّيء لا نذر ما هو، قال: ما هو؟ قال: فأنا أقرأه عليكم قرآنا، فقرأ عليهم: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾ قال: أحجّ. (٦)

стр. 1456

سورة التغابن مدنيّة. (١) وعن ابن عبّاس مكيّة إلا ثلاث آيات من قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ﴾ [التغابن:١٤]، نزلن في عوف بن مالك. (٢) وهي ثماني عشرة آية بلا خلاف. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٩ - ﴿ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ:﴾ أي: يوم ظهور التّغابن، وإنّما كان التّغابن في يوم القيامة بترك مزاحمة المصلحين المفسدين في شهواتهم في الدّنيا، واغتنامهم العبادة الموجبة للدّرجات الجنّويّة مسلّمة لهم عند الله. وقيل: أراد بالتّغابن أخذ بعض الخصماء حسنات بعض من المظلمة. وأصل الغبن النّقص. (٤) وعن الضّحّاك: أنّ التّغابن من أسماء القيامة. (٥) وعن الضّحّاك قال: قال عبد الله: ما أحد بأكسب من أحد (٦)، قسم الله المصيبة والأجل، وقسم المعيشة والعمل، والنّاس يجرون إلى منتهى. (٧) ١٤ - وعن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ رجلا سأله عن قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ قال: هؤلاء رجال من أهل مكّة أرادوا أن يأتوا النّبيّ ﵇، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله ﷺ ، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ رأوا النّاس قد فقهوا في الدّين فهمّوا في (٨) الذين [منعوهم] (٩) أن يعاقبوهم، فأنزل الله الآية. (١٠)

стр. 1457

سورة الطلاق مدنيّة. (١) وهي اثنتا عشرة آية في غير عدد أهل البصرة (٢). (٣) بسم الله الرّحمن الرّحيم (٢١٠ و) ١ - ﴿لِعِدَّتِهِنَّ:﴾ اللاّم للتّاريخ، أي: طلّقوهنّ لوقت يحتسبنه من عدّتهنّ، وهو الطّلاق في طهر لا جماع (٤) فيه. (٥) وعن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: طاهرا من غير جماع. (٦) و ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ:﴾ في غير المبتوتات، (٧) بدليل قوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢]، ولكنّ المبتوتات دخلن من وجه آخر وهو أنّه لو طلّق امرأته بطلقتين فيما مضى، وأمسكها سنون، وولدت أولادا، ثمّ عزم على طلاقها لا شكّ أن يطلّقها للعدّة. عن الأسود: أنّ عمر بن الخطّاب و (٨) عبد الله بن مسعود قالا في المطّلقة ثلاثا: لها السّكنى والنّفقة. (٩) وعن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم ومعنا الشّعبيّ، فذكروا المطلّقة ثلاثا، فقال الشّعبيّ: حدثتني فاطمة بنت قيس: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا سكن لك ولا نفقة»، قال: فرمى الأسود بحصى، ثمّ قال: ويلك أتحدّث بمثل هذا، قد رفع ذلك إلى عمر بن الخطّاب فقال: لسنا بتاركي كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا [لقول] (١٠) امرأة لا ندري لعلّها

стр. 1458

كذبت، قال الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ.﴾ (١) وعن الأسود قال: ذكر لعائشة أمر فاطمة بنت قيس فقالت: إنّما أمرها رسول الله ﷺ أن تعتدّ في بيت ابن أمّ مكتوم لسوء خلقها. وعن ابن عبّاس قال: الفاحشة المبيّنة أن تبذو على أهلها. (٢) وعن عكرمة، عنه: الفاحشة المبيّنة أن تفحش على أهل الرّجل وتؤذيهم. (٣) وعن ابن مسعود: أن تزني فيخرجوها لإقامة الحدود. (٤) قال أبو يوسف: وعن ابن عمر: أنّها تعصي فتخرج بنفسها. (٥) والاستثناء على هذا منقطع، وبه أخذ إبراهيم النّخعي، وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀. والمراد بقوله: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً:﴾ مودة المطلّقة (٦)، والنّدامة عن (٧) الطّلاق ليرتجعها (٨). ٢ - ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ:﴾ أمر للأخذ بالاحتياط كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وفائدته قطع أسباب التّجاحد. وعن ابن سيرين، عن (٩) عمران بن حصين في رجل طلّق امرأته، ولم يشهد، وراجع ولم يشهد (١٠)، قال: بئس ما صنع طلّق في عدّة (١١)، وراجع في غير سنّة، ليشهدوا (١٢) على ما صنع. (١٣) ولا يخالف له من (١٤) الصحابة. ٢ و ٣ - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٣) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ:﴾ في أمر النّكاح والطّلاق. وعن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: أسر المشركون ابن رجل من المسلمين، فشكا ذلك إلى النّبيّ ﵇ قال: «أرسل إليه فليكثر من قول: لا حول ولا قوّة

стр. 1459

إلا بالله»، ففعل، فغفلوا عنه، فركب فحلا لهم، وأتبعته الإبل، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٣) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.﴾ (١) ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً:﴾ لكلّ مخلوق مقدارا. (٢) ٤ - ﴿يَئِسْنَ:﴾ الآيسات (٣) القواعد اللاّتي انقطع دم حيضهنّ. (٤) ﴿إِنِ اِرْتَبْتُمْ﴾ (٣١٠ ظ): في فراغ أرحامهن لاعتبار غالب (٥) الأحوال. والأصحّ إن ارتبتم في حكمهن فاعلموا أنّ أرحامهنّ. ﴿ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ:﴾ إن كان معطوفا على ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ﴾ (٦) فالارتياب فيهنّ كالارتياب في الآيسات، وإن كان معطوفا على الضّمير المجرور في قوله: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ فلا ارتياب فيهنّ. وعن عمر بن الخطّاب: إن وضعت ما في بطنها وزوجها على السّرير قبل أن يدلّى في حفرته فقد انقضت عدّتها. (٧) وروي: أنّ سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة، فأتت النّبيّ ﷺ فأمرها أن تتزوّج. (٨) ٦ - ﴿أَسْكِنُوهُنَّ:﴾ خطاب للأزواج (٩). ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ:﴾ ما تملكونه، ويبطل ذلك عدّتهم لانتقال الملك إلى الورثة. ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ:﴾ شرط لامتداد نفقتهنّ إلى وضع الحمل وانقطاعها بالوضع، طالت أو قصرت، أو لبيان حكم النّفقة قبل الوضع أنّه مخالف لحكم النّفقة بعد الوضع من الأولى نفقة عدّة يلزم الأزواج، ويلزم سائر الورثة، وهذا الشّرط لا يدلّ على سقوط نفقة سائر المعتدّات، لقول عمر ﵁ وابن مسعود ﵁، وردّهما حديث فاطمة بنت قيس. وعن ابن عبّاس: إذا مات عن المرأة زوجها وهي حبلى أو غير حبلى، فنفقتها من

стр. 1460

نصيبها. (١) وعن جابر بن عبد الله: ليس للمتوفّى عنها زوجها نفقة، حسبها الميراث. (٢) ﴿تَعاسَرْتُمْ:﴾ تضايقتم في نفقة الرّضاع، وهو أن لا ترضى الوالدة بنفقة ترضى بها مثلها. (٣) ١٠ و ١١ - ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً:﴾ قال الحسن البصريّ: الذّكر هو الرّسول. (٤) مصدر بمعنى الاسم، أي: ذاكرا أو مذكرا. ١١ - ﴿رَسُولاً:﴾ نصب على البدل، (٥) ويحتمل: بفعل مضمر، أي: أنزلنا ذكرا وأرسلنا رسولا، (٦) سقط الواو؛ لأنّه رأس آية. ١٢ - ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ:﴾ أي: خلق من الأرض مثلهنّ (٧)، والمماثلة في الكمّيّة. (٨) وقيل: في الطبيعة. وقيل: في كون بعضهن فوق بعض. (٩) وقيل: في كون بعضهنّ منفصلا عن بعض بالهواء المتخلّل بينهنّ. وقيل: بالتدوير. وقيل: بالتسطيح. وقيل: في كون كلّ جنس منهنّ محلاّ للحيوان، وللأمر والنّهي. (١٠) وعن ابن عباس قال: مثل السّماوات والأرضين، وبما وراءهن من الهواء حيث لا سماء ولا أرض إلا كمثل فسطاط ضربته بصحراء من الأرض. وعن مجاهد، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال: لو أخبرتكم تفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم. (١١)

стр. 1461

سورة التحريم مدنيّة. (١) وهي اثنتا عشرة آية بلا خلاف. (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ذكر الكلبيّ: أنّ النّبيّ ﵇ دخل بيت حفصة ذات يوم، واليوم يوم عائشة، فوجد (٣) البيت خاليا، وحفصة خارجة إلى بيت أبيها زائرة، فاغتنم ذلك مارية القبطيّة، وجلس معها خاليا، فرجعت حفصة بعد ساعة (٤)، وأبصرت الجارية، وأخذت (٣١١ و) تعاتبه، وتقول: قد رأيت من (٥) كانت عندك، فقال لها النّبيّ ﷺ : حرّمت هذه الجارية على نفسي، فاكتمي على هذا الحديث، ولا تخبري عائشة، ولك عندي بشارة، قالت: وما هي؟ قال: إنّ أبا بكر وأباك سيملكان هذه الأمة بعدي، ولا تخبري هذه البشارة أحدا، فلم تصبر حفصة حتى أخبرت عائشة بالأمرين جميعا، فأظهر الله نبيّه على إفشائها، فعاتبها رسول الله ﷺ على حديث مارية؛ لأنّه لم يبال بإظهاره وتكراره، ولم يتعرّض بحديث (٦) البشارة منعا، فلاعنها؛ لأنّه لم يحب إظهارها (٧) وتكرارها، ثمّ اعتزل نساءه جميعا شهرا، وظنّ بعض النّاس (٨) أنّه طلقهنّ، فدخل عمر بن الخطّاب على ابنته حفصة، وبالغ في لومها والإنكار عليها، وقال لها: والله لئن كان رسول الله ﷺ قد طلّقك تطليقة لما كلّمتك أبدا، فقالت: لم يطلقني، وإنّي لعلى شرف ذلك، وهي تبكي، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ. . . تُحَرِّمُ﴾ الآيات. واختار رسول الله ﷺ لكفارة يمينه عتق رقبة. واليمين هي تحريم ما أحلّ الله له من صحبة مارية القبطيّة، فأعتق رقبة ورجع إلى مارية، وهي أمّ إبراهيم بن محمد رسول الله ﷺ . وعن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن عمر بن الخطّاب: أنّ النّبيّ ﵇ طلّق حفصة، ثمّ راجعها. (٩) وصححه الطّحّاويّ في

стр. 1462

تأويل مشكل الأخبار (١)، وهذا يصدّق قصّة الكلبيّ من قول عمر. وعن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة زوج النبي ﵇: أن النبي ﵇ كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أيّتنا ما دخل عليها النبيّ ﷺ فلتقل: إني لأجد منك مغافير، فدخل ﷺ على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزلت (٢): ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ.﴾ (٣) ٤ - ﴿إِنْ تَتُوبا:﴾ لعائشة وحفصة. (٤) وعن ابن عبّاس قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النّبيّ ﵇، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ حتى حجّ عمر، وحججت معه، فصببت عليه من الإداوة، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان (٥) من أزواج النبي ﵇ اللّتان قال الله: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ؟﴾ فقال لي: وا عجبا لك يا ابن عبّاس، قال الزهري: وكره والله، ما سأل عنه، ولم يكتمه، فقال: هي عائشة وحفصة، ثمّ أنشأ يحدّثني الحديث، قال: كنّا معشر قريش نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، وطفق (٦) نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فتغضّبت على امرأتي يوما، فإذا هي تراجعني، فأنكرت من أن تراجعني، فقالت: ما تنكر ذلك؟ فو الله إنّ أزواج النّبيّ ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل، (٣١١ ظ) قال: فقلت في نفسي قد خابت مّن فعل ذلك منهنّ وخسرت، قال: وكان منزلي بالعوالي في بني أميّة، وكان لي (٧) جار من الأنصار كنّا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ قال: فينزل يوما، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وأنزل يوما، فآتيه بمثل ذلك، قال: فكنّا نحدّث أنّ غسّان تنقل الخيل (٨) لتغزونا، قال: فجاء يوما عشاء، وهو يضرب عليّ الباب، فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، قلت: أجاءت غسّان؟ قال: أعظم من ذلك، طلّق

стр. 1463

رسول الله ﷺ نساءه، فقلت في نفسي: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظنّ أنّ هذا كائن، فلمّا صلّيت الصبح شددت عليّ ثيابي، ثمّ انطلقت حتى دخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: أطلقكنّ رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري، هو ذا (١) معتزل في هذه المشربة، قال: فانطلقت إليه، فأتيت غلاما أسودا (٢)، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثمّ خرج إليّ قال: فذكرتك له، فلم يقل شيئا، فانطلقت إلى المسجد، فإذا حول المنبر نفر يبكون، فجلست إليهم، ثمّ غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثمّ خرج قال: فذكرتك له، فلم يقل شيئا، قال: فانطلقت إلى المسجد أيضا، فجلست، ثمّ غلبني (٣) ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثمّ خرج إليّ قال: فذكرتك فلم يقل شيئا، فولّيت منطلقا، فإذا الغلام يدعوني قال: ادخل قد أذن لك، فدخلت فإذا النّبيّ ﵇ يتكئ على رمل حصير رأيت أثره في جنبه، فقلت: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ قال: لا، قلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنّا معشر قريش نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فتغضّبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت ذلك، فقالت: ماذا تنكر؟ فو الله إنّ أزواج النّبيّ ﵇ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل، قال: فقلت: لحفصة تراجعين رسول الله ﷺ ، قالت: نعم، تهجره إحدانا اليوم إلى اللّيل، قال: فقلت (٤): قد خابت من فعل ذلك منكنّ وخسرت، أتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها بغضب رسول (٥) الله ﷺ ، فإذا هي قد هلكت، فتبسّم النّبيّ ﵇، قال: فقلت لحفصة: لا تراجعي رسول الله، ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، فلا يغرّنّك أنّ صاحبتك أوسم منك، وأحبّ إلى رسول الله ﷺ ، قال: فتبسّم أخرى، قلت: يا رسول الله، أستأنس، قال: نعم، قال فرفعت رأسي فما رأيت إلا أهبة بيته، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يوسّع على أمّتك، فقد وسّع على فارس والرّوم، وهم لا يعبدونه، فاستوى جالسا فقال: أو في شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدّنيا، (٣١٢ و) قال: وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرا، فعاتبه الله في ذلك، فجعل له كفّارة اليمين. قال الزهري: حدثني عروة عن عائشة قال: فلمّا مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ بدأ بي، قال (٦): عائشة، إنّي ذاكر لك شيئا، فلا

стр. 1464

تعجلي حتى تستأمري أبويك، ثمّ قرأ: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ [الأحزاب:٢٨]، على ما سبق. (١) ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ (٢): مالت قلوبكما عن الحقّ، (٣) وجزاؤه مضمر، (٤) تقديره: إن تتوبا إلى الله توبا أو فأسرعا. ﴿وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ أبو بكر وعمر وعليّ، (٥) فتقديره: ومن صلح من المؤمنين. ﴿ظَهِيرٌ:﴾ كالقعيد. ٥ - وعن عمر بن الخطّاب: وافقت الله في ثلاث، ووافقني (٦) في ثلاث (٧)، قلت: يا رسول الله، لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فأنزل الله: ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، فقلت: يا رسول الله، إنّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين، فأنزل الله آية الحجاب، وبلغني بعض معاتبة النّبيّ ﵇ نساءه، فاستقريت أمّهات المؤمنين، فدخلت عليهنّ، فجعلت أستقريهنّ واحدة واحدة، فقلت: لئن (٨) انتهيتنّ أو ليبدلنّ الله رسوله أزواجا خيرا منكنّ حتى انتهيت إلى زينب، أو بعض أزواجه، فقالت: يا عمر، أما في رسول الله ما يعظ (٩) أزواجه حتى تعظهنّ أنت، فأنزل الله: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ.﴾ (١٠) ﴿سائِحاتٍ:﴾ مهاجرات (١١) إلى الله ورسوله. وقيل: صائمات. (١٢) وقيل: حاجّات ومعتمرات. وقيل: سائحات بقلوبهنّ في ملكوت الله تعالى.

стр. 1465

﴿ثَيِّباتٍ:﴾ اللّواتي (١) كانت لهنّ أزواج. (٢) ﴿وَأَبْكاراً:﴾ اللّواتي لم يكن لهنّ أزواج. (٣) ٦ - وكان عليّ ﵁ إذا قرأ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ يقول: علّموهم وأدّبوهم. (٤) وعن ابن مسعود: ﴿وَالْحِجارَةُ:﴾ حجارة من كبريت خلقه الله كبريتا كما شاء. (٥) والقول مضمر عند قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يقال لهم. ٨ - ابن عبّاس في قوله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ قال: النّدم بالقلب، والاستغفار باللّسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود. (٦) وقال عمر: يتوب من الذّنب، ثمّ لا يعود فيه. (٧) ١٠ و ١١ - وفائدة ضرب هذين المثلين هو الإعلام أنّه ﴿لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر:١٨]، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم:٣٩] الآيات.

стр. 1466

سورة الملك مكيّة. (١) وهي ثلاثون آية في غير عدد أهل مكّة والمدنيّ الأخير. (٢) بسم الله الرّحمن الرّحيم وعن ابن (٣) بريدة، عن أبيه قال: السّماء الدّنيا موج مكفوف (٤)، والثّانية مرمرة بيضاء، والثّالثة حديد، والرّابعة صفر، والخامسة نحاس، والسّادسة فضّة، والسّابعة ذهب، وما بين السّماء السّابعة إلى الحجب صحارى من نور. (٥) (٣١٢ ظ) وعن كعب: كذلك، غير أنّه قال: السّماء السّابعة من ياقوتة حمراء. (٦) ٣ - ﴿مِنْ تَفاوُتٍ:﴾ أن يفوت كلّ واحد من شيئين صاحبه في الإنفاق والانتظام، فتختلفا. (٧) ﴿ما تَرى:﴾ أن أبصر ما ترى. ﴿فُطُورٍ:﴾ شقوق. (٨) ٤ - ﴿كَرَّتَيْنِ:﴾ رجعتين. (٩) ٧ - ﴿تَفُورُ:﴾ تغلي، وتشتدّ حركته. (١٠) ٨ - ﴿تَمَيَّزُ:﴾ تفرق وتشتت. (١١)

стр. 1467

١١ - وإنّما لم يجمع الذّنب؛ لأنّه فعل. (١) ﴿فَسُحْقاً:﴾ وبعدا (٢) إهلاكا (٣). ١٥ - ﴿مَناكِبِها:﴾ جبال الأرض. (٤) وقيل: طرقها. (٥) ١٦ - ﴿مَنْ (٦)﴾ فِي السَّماءِ: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل:١]، ينزّل الأمر من السّماء إلى الأرض. وعن ابن غنم قال: سيكون حيّان متجاورين يشقّ بينهما نهر، يستقيان (٧) منه قبسهم واحدة، فيصبحان يوما من الأيّام قد خسف بأحدهما والآخر حيّ، ويوشك أن تقعد أمتان على ثفال (٨) رحا يطحنان، يخسف بأحدهما، والأخرى تنظر. (٩) ٢٠ - ﴿هذَا الَّذِي:﴾ إشارة إلى موهوم لا شيء، كقولك للّذي نطق أنّه محترم: من هذا الذي يحترمك، وهو من مجاز الكلام. ٢١ - ﴿لَجُّوا:﴾ من اللّجاجة، وهو الإصرار. (١٠) ٢٢ - ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا:﴾ قال الكلبيّ: نزلت الآية في نبيّنا ﵇ وفي أبي جهل. (١١) ٢٨ - ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ:﴾ في تربّصهم الدّوائر بالمؤمنين، يقول النّبيّ ﵇: هب كأنّما هلكنا، فهل للمجرمين من عذاب الله نجاة. (١٢)

стр. 1468

٣٠ - ﴿غَوْراً:﴾ مصدر من معنى الجمع كالصّيف والدور. (١) ﴿بِماءٍ مَعِينٍ:﴾ قال ابن عبّاس: بماء ظاهر. (٢) وعن عليّ، عن النّبيّ ﵇ قال لعليّ: «يا عليّ، من قرأ سورة ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ جاء يوم القيامة راكبا أجنحة الملائكة ووجهه في الحسن كوجه يوسف الصّدّيق عليه (٣) السّلام، وله بكلّ آية قرأها مثل ثواب شعيب ﵇». وعن ابن مسعود قال: من قرأ سورة ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ كلّ ليلة عصم من فتنة القبر، يؤتى من قبل رأسه فتقول: لا سبيل لكم إليه كان يقرأني، ثم يؤتى من قبل رجله فتقول: لا سبيل لكم إليه قد كان يقرأني. (٤)

стр. 1469

سورة القلم مكيّة. (١) وعن ابن عبّاس وقتادة: الفصل الأوّل إلى ﴿الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٦] مكيّ، والفصل الثّاني إلى قوله: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٣٣] مدنيّ، والفصل الثّالث إلى قوله: ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧] مكيّ، والفصل الرّابع إلى قوله: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم:٥٠] مدنيّ، والفصل الخامس مكيّ. (٢) وهي اثنتان وخمسون آية بلا خلاف. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - عن أبي الضّحى، عن ابن عبّاس قال: أول شيء خلق ربّي القلم، ثمّ قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم السّاعة، ثمّ خلق النّون فوق الماء، ثمّ كبس الأرض عليه. (٤) وعن ابن عبّاس قال: الأرض على النّون، وهو الذي ذكره الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ،﴾ والنّون على بحر، والبحر على صخرة خضراء، فخضرة ما ترون من السّماء من خضرة تلك الصّخرة التي ذكر الله تعالى في القرآن: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ [لقمان:١٦]. (٥) والنّون إشارة إلى اسم الحوت. (٣١٣ و) وعن ابن عبّاس: النّون: الدّواة (٦). وعن قتادة ومجاهد: أنّها اسم للسّورة. وعن سهل التّستريّ: أنّها اسم من أسماء الله. (٧) وعن عبادة (٨) بن الصّامت، عنه ﵇: «أنّ أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» (٩).

стр. 1470

٤ - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ:﴾ وعن سعد (١) بن هشام بن عامر قال: أتيت عائشة فقلت: يا أمّ المؤمنين، أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: أما تقرأ القرآن ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ،﴾ قالت: كان خلقه القرآن. (٢) وعن أبي سعيد الخدريّ: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها، فكان إذا كره الشّيء عرفنا في وجهه. (٣) وعن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما ولا امرأة. (٤) ٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ:﴾ أي: يحبّون أن تكفّ عن ذكر آلهتهم وكفرهم، فيكفّوا عنك. ١٠ - ﴿حَلاّفٍ:﴾ كثير الحلف في الجدّ والهزل، (٥) وهو عيب؛ لأنّه إن كان باسم الله ، فاسم الله لا يذكر بالهزل، وإن كان باسم من دونه فالحلف به [. . .] (٦)، إذ قريب منه، ولا شكّ فيمن كثر حلفه أن يكثر حنثه. ﴿مَهِينٍ:﴾ حقير (٧) عند الله أو عند النّاس (٨). ١١ - ﴿هَمّازٍ:﴾ غمّاز (٩)، كأنّه يغمز بغمز جفنه، يهمز حدقته، أي: يضغطها، وهو اللّمّاز. وقيل: الهمز بظهر الغيب، واللّمز في حضرة الرّجل. (١٠) ﴿بِنَمِيمٍ:﴾ بنميمة، (١١) وهو الحديث المنقول المسوق من مجلس إلى مجلس، والنّمام: القتّات، (١٢) وفي الحديث: «لا يدخل الجنّة قتّات» (١٣).

стр. 1471

١٣ - ﴿عُتُلٍّ:﴾ الذي هو كالمنتفخ من سعة جوفه، يقال (١): رمح عتلّ إذا كان كذلك. (٢) ﴿زَنِيمٍ:﴾ الذي في نسبه خلل. (٣) وهذه الآيات عامّة في قضيّة الظّاهر، وروي: أنّها نزلت في الوليد بن المغيرة، (٤) وستأتي قصّته في سورة المدّثر، إن شاء الله. ١٦ - ﴿سَنَسِمُهُ:﴾ الوسم: الكيّ والعلامة. (٥) ﴿الْخُرْطُومِ:﴾ الأنف (٦)، ولا يكاد يطلق هذا اللّفظ إلا على أنف فاحش وحش مثل الكلب والخنزير والفيل والبعوضة، والمراد بالوسم معنى يتميّز به الموسوم عن سائر المعذّبين. ١٧ - ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ:﴾ نزلت الآيات في سنوات الدّخان حين دعا رسول الله على قريش بسبع كسبع يوسف ﵇، أكلوا العلهز (٧) والرّمّة من الحمير والمجاعة. (٨) ضرب الله مثلا (٩) أصحاب الجنّة، وهم ثلاثة إخوة باليمن في قرية (١٠) تسمّى صروان، وكان أبوهم قد رسم للفقراء كلّ ما أخطأ المنجل من الزّرع، وكلّ ما سقط عنش البسط من النّخل (١١)، وكلّ ما أخطأه القطّاف من الكرم، فكانوا يتعيّشون به، فلما مات أبوهم ورثه هؤلاء البنون الثلاثة، بخلوا بما رسمه أبوهم، وقالوا: كانت يد أبينا يدا واحدة، وفي العيال قلّة حين رسم هذا الرّسم، وأما اليوم فلا نفعل، وتواعدوا وتقاسموا ليصرمنّها مصبحين، ولم يقولوا: إن شاء الله، والصّرام (١٢) الحصاد، فأرسل الله على أموالهم (٣١٣ ظ) باللّيل آفة، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:٢٠]، وهو الحصيد، وأصبحت الإخوة باكرين (١٣) من بيوتهم يتنادون: ﴿أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم:٢٢ - ٢٣]، أن لا تخلّوا

стр. 1472

مسكينا يدخل عليكم اليوم. (١) ٢٥ - ﴿عَلى حَرْدٍ:﴾ قصد (٢). ﴿قادِرِينَ:﴾ مستطيعين للصّرام، (٣) أن أدركوا. ٢٦ - ﴿فَلَمّا رَأَوْها:﴾ كالحصيد. (٤) ﴿قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ:﴾ الطّريق خاطئين جنّتنا. (٥) ٢٧ - ثمّ تيقّنوا أنّها جنّتهم أرسل الله عليها آفة فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ.﴾ (٦) ٢٨ - ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ:﴾ أعدلهم قولا (٧). ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ:﴾ هلاّ تقولون إن شاء الله. (٨) ورجعوا إلى تسبيح الله واعترفوا بالطّغيان، وأحسنوا الظّنّ بالله في التّعويض. (٩) ٣٣ - يقول الله تعالى: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ:﴾ لو كانت قريش تعلم. ٤٢ - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ:﴾ عبارة عن شدّة الأمر. (١٠) ٤٩ - ﴿لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ:﴾ غير مغفور له، (١١) فلما سبقت الرّحمة، وغفرت له الزّلّة نبذ بالعراء وهو سقيم غير مذموم. ٥١ - ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ:﴾ أطلق قريش اسم الجنون على رسول الله ﷺ لمعنيين: أحدهما: أنّهم استبعدوا سيرته من قضيّة عقولهم الفاسدة، والثّاني: أنّهم رأوه كاهنا تأتيه الجنّ بالأسجاع العجميّة، فبرأه الله ممّا قالوا من الوجهين.

стр. 1473

سورة الحاقة مكيّة. (١) وهي اثنتان وخمسون آية في غير عدد (٢) أهل الشّام والبصرة. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿الْحَاقَّةُ:﴾ هي السّاعة، سمّيت حاقّة؛ لأنّها تحقّ لا محالة، (٤) ورفع بالابتداء، والاستفهام قائم مقام الخبر، (٥) تقديره: الحاقّة ما هي (٦)؟ وذلك لتضمّنه معنى الخبر. ٣ - ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ:﴾ للتّعجّب وتفخيم الأمر. (٧) ما (٨) القارعة؟ والحاقة (٩) سمّيت قارعة؛ لأنّها تقرع الجبابرة. (١٠) ٥ - ﴿بِالطّاغِيَةِ:﴾ بالصّيحة المجاوزة عن الحدّ. (١١) ٦ - ﴿عاتِيَةٍ:﴾ ريح مجاوزة عن الحدّ المعهود (١٢)، سخّرها الله للهبوب. (١٣) ﴿حُسُوماً:﴾ متتابعة (١٤)، لا واحد لها. وعن ابن مسعود: ﴿حُسُوماً:﴾ متتابعات. (١٥) ١١ - ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ:﴾ زمان طوفان نوح ﵇. (١٦)

стр. 1474

١٢ - ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ:﴾ بين الحفظ والإدراك والتّحصيل. ١٦ - ﴿واهِيَةٌ:﴾ الوهي: زوال التماسك، واقتراب التأليف من الانفساخ، يقال: سقاء واه (١) إذا انفتق خرزه. (٢) ١٧ - ﴿أَرْجائِها:﴾ نواحيها (٣)، واحدها رجى (٤). ١٨ - وعن عبد الله بن قيس قال: يعرض النّاس ثلاث عرضات: فأمّا عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثّالثة: فتطاير الكتب، فآخذ باليمين وآخذ بشماله. (٥) ١٩ - ﴿هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ:﴾ أي: خذوا (٦)، ومن العرب من يقول: هايا رجل، وهاؤما للاثنين، وهاؤم للجماعة، ومنهم من يقول: هاك وهاكما وهاكم. (٧) ٢١ - ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ:﴾ أي: مرضيّة. (٨) عن سلمان الفارسيّ، عنه ﵇: «يعطى المؤمن جوازا على الصّراط ببسم الله الرّحمن الرّحيم هذا الكتاب من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلان أدخلوه جنّة عالية» (٩). ٢٣ - ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ:﴾ والقطف كالصّرم والجزّ، والقطوف: ما يقطف من عنقود. (١٠) ٢٤ - وعن ابن عبّاس: (٣١٤ و) أنّ قوله: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ قال: نزلت في الصّائم خاصّة. قال [رسول الله ﷺ ]: «من صام يوما تطوّعا لا يطّلع عليه (١١) إلا الله لم يرض الله له ثوابا دون الجنّة» (١٢).

стр. 1475

والهاءات المتّصلة بياء المتكلّم هاءات التّنفّس. (١) ٢٧ - ﴿يا لَيْتَها:﴾ أي: النّفخة، يقول: يا ليتها نفخة إماتة، ولم (٢) تكن نفخة بعث. ٣٢ - ﴿ذَرْعُها:﴾ مقدارها، والذّرع: التقدير بالذّراع. (٣) ٣٦ - عن ابن عبّاس: ما أدري ما ﴿غِسْلِينٍ.﴾ (٤) وذكر أحمد بن فارس (٥) وأبو عبيد الهرويّ (٦): أنّ ﴿غِسْلِينٍ﴾ ما ينغسل من أبدان الكفّار من النّار، وهو الصّديد المضاف إلى الزّقوم ليكونا طعاما واحدا كالمنّ (٧) والسّلوى. ٣٨ - ﴿فَلا (٨)﴾ أُقْسِمُ: القسم بالمحسوس والمعقول، والمراد خلقها. ٤٠ - و ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ:﴾ وهو جبريل ﵇، (٩) أو نفس نطقت بالقرآن وصدرت حروفه من صدرها. ٤٣ - ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ لأنّه إنشاؤه إيّاه قولا من غير فعل، ثمّ ألقاه في مسامع جبريل ﵇. ٤٤ - ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا:﴾ يعني: محمد ﵇. (١٠) وقيل: جبريل. ٤٦ - قال أحمد بن فارس: ﴿الْوَتِينَ:﴾ عرق يسقي القلب. (١١) وقيل: ﴿الْوَتِينَ﴾ النّياط. (١٢) وقال صاحب الدّيوان: ﴿الْوَتِينَ:﴾ عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. وأراد إماتة متميّزة عن المعهود على سبيل النّكال. ٥٠ - ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ:﴾ أي: القرآن حسرة عليهم يوم القيامة من حيث لم يؤمنوا به. (١٣)
следующие страницы →