← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والهاء في ﴿بِهِ﴾ (١) كناية عن الحديث (٢). ومحاجّة المؤمنين إيّاهم عند ربّهم مخاصمتهم إيّاهم على قضيّة حكم ربّهم في الدنيا للدعوة، وفي الآخرة للشهادة عليهم، كما تقول (٣): خاصمه عند القاضي. ﴿عِنْدَ:﴾ بمعنى (في) (٤)، وقيل (٥): تقديره: عند ذكر ربّكم. ٧٧ - ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ:﴾ ألف استفهام للتقريع واللّوم (٦). ﴿ما يُسِرُّونَ:﴾ [ما] (٧) يكتمون، والمراد به تلاومهم (٨). ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾ إقرارهم (٩). وفي الآية دلالة (١٠) أنّ الحجّة لازمة إيّاهم بعلمهم، كما أنّه لازمة (١١) بقولهم. ٧٨ - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ:﴾ نزلت في المقلّدين من أهل الكتاب (١٢). (١٩ ظ) و (أمّيّون): رفع على الابتداء عند البصريّين (١٣)، وعند الكوفيّين على أنّه خبر بحرف خافض وليس باسم بحرف (١٤). والأمّيّ: الذي لا يعرف الكتابة، وهو منسوب إلى الأمّ، والأمّ هو الأصل، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد:٣٩]، وإنّما نسب إلى الأصل لأنّه باق على أصل الفطرة (١٥). ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ:﴾ أي: معناه وكتابته (١٦). ﴿إِلاّ أَمانِيَّ:﴾ جمع أمنيّة، وهي القراءة، قال الله تعالى: ﴿إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي﴾

стр. 177

﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] (١). ونصب (الأمانيّ)؛ لأنّه مستثنى عن منصوب، كقولك: ما رأيت زيدا إلا وجهه (٢). ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ:﴾ أي: وما هم إلا ظانّين، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣] (٣). ٧٩ - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ:﴾ نزلت في أحبار اليهود (٤)، وفيها دلالة أنّهم أسوأ حالا، وأشدّ ذمّا من الأمّيّين. و (الويل): الحزن والبؤس ومشقّة العذاب (٥)، قال الفرّاء (٦): الأصل فيه (وي)، ثمّ وصلت به اللام وأعرب. وعن أبي سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ أنّ الويل واد في جهنّم يهوي الكافر أربعين خريفا لا يصل إلى قعره (٧). وعن ابن عبّاس (٨) وأبي عياض: الويل صهريج في النار (٩)، والصهريج كالحوض (١٠). وإنّما أكّد الكتابة باليد لأنّه أراد به (١١) كتابتهم أشياء من تلقاء أنفسهم في التوراة، كقوله (١٢): ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ [التوبة:٣٠]. ﴿مِمّا كَتَبَتْ:﴾ أي: من أجل ما. و (الأيدي): جمع يد، وأصله: يدي، وتصغيره: يديّة (١٣). و (الكسب) (١٤): قريب من الاجتلاب لا يوجد إلا مع الوسع (١٥).

стр. 178

٨٠ - ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ:﴾ نزلت في اليهود أيضا حيث زعموا أنّهم لا يعذّبون في النار إلا سبعة أيّام عند الله، وهي سبعة آلاف سنة من أيّام الدنيا، وهي مدّة الناس في الدنيا، عن ابن عبّاس (١). وعنه أنّهم زعموا أنّهم لا يعذّبون إلا سنين بعدد الأيّام التي عبدوا فيها العجل (٢). وكذلك يروى عن قتادة وعن أبي العالية أنّهم زعموا أنّ الله غضب عليهم في أمر فأقسم أن يعذّبهم في النار، فلا يعذّبهم إلا أيّاما قلائل لتحلّة القسم (٣). وقولهم هذا يحتمل وجوها أربعة: إمّا يعتقدون فناء النار كالدنيا (٤)، أو كانوا يظنّون أنّ أيّام الآخرة تداول بين الناس كأيّام الدنيا، أو كانوا يرون أنفسهم مؤمنين مجرمين فأثبتوا شفاعة الأنبياء والصالحين لأنفسهم كما نثبتها، أو كانوا وجدوا في كتبهم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ [مريم:٧١ - ٧٢] فعدّوا أنفسهم من المتّقين، فأنزل الله ردّا عليهم وتكذيبا لهم. و (المسّ): قريب من الإصابة، قال الله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء:٨٣]، ﴿مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف:٨٨] (٥). وحقيقة المسّ اللمس، وهو يكون بحس ولا يكون بحس (٦). و (الأيّام) (٧): جمع يوم، وأصله: أيوام، اجتمعت الياء والواو على ما قدّمنا (٨). و (العدد): اسم كميّة المجموع بين الواحد والعدم (٩)، وإنّما أعني بالواحد الجزء الذي لا يضمن العدد في نفسه، وبالعدم ما (١٠) لا يثبت معقولا موجودا. (٢٠ و) وقد حصل العرف بإطلاق العدد على الجمع القليل، قال الله تعالى: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، و ﴿أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠]، و ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف:٢٠]، و ﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ (١١) [هود:٨]، و ﴿لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٤]، وذلك لأنّ عدّ الجمع

стр. 179

القليل في مقدور العامّة بخلاف الجمع الكثير (١). وحرفا الاستفهام ههنا للتلجئة (٢) إلى أحد معنيين: إمّا إثبات الخلاف بإبراز الحجّة، أو الاعتراف بثبوت ما يدّعيه الخصم، نظيره قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات:٢٧]، وقوله: ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف:٥٨]. وقيل (٣): ألف الاستفهام ههنا للإنكار، و (أم) بمعنى (بل). وإنّما لم يقل: (أاتّخذتم)؛ لأنّ همزة الوصل للابتداء، وقد أمكن الابتداء ههنا بغيرها فلم تثبت (٤). وإخلاف الوعد والعهد تقليبهما عن وجوههما. و (المخالفة): المضادّة (٥). ٨١ - ﴿بَلى:﴾ نقيض (نعم)، وهو نفي لقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ (٦). و (بلى) (٧) موضوع على أصله مثل (على) عند البصريّين (٨)، وعند الكوفيّين أصله: (بل) ثمّ زيد الياء لمّا جعلوه مستقلا بنفسه فرقا بينه وبين ما لا يستقلّ بنفسه (٩). ﴿سَيِّئَةً:﴾ خصلة سيّئة، نقيض: خصلة (١٠) حسنة. ووزنها (فعيلة) في قياس قول الفرّاء وأهل الكوفة (١١). ﴿وَأَحاطَتْ:﴾ إحاطة الأعراض: عمومها، وإنّما يكون عموم الخطايا (١٢) عند عدم الإيمان، نعوذ بالله (١٣).

стр. 180

٨٣ - ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ (١): رفع عند الكسائي لحذف (٢) الناصب، تقديره: أن لا يعبدوا (٣)، وأنشد (٤): [من الطّويل] ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذّات هل أنت مخلد نظيره: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر:٦٤]، وقوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدّثر:٦] (٥). وفي أحد أقوال الفرّاء (٦) أنّه خبر بمعنى النهي، وكون الخبر بمعنى النهي (٧) ككونه بمعنى الأمر [في قوله تعالى] (٨): ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]، ولهذا قرأ أبيّ (٩): (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا (١٠) إلا الله). وفي قوله الآخر (١١): جواب القسم، إذ الميثاق هو العهد الموثّق (١٢) باليمين، يدلّ عليه قراءة ابن مسعود (١٣): (لا نعبد) بالنون، ومجازه: يعبدون الله؛ لأنّ الاستثناء مع المستثنى منه أحد اسمي الباقي. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً:﴾ أي: أمرناهم وأوصيناهم (١٤). والوالدان: الأب والأمّ، غلّب المذكّر على المؤنّث كقولهم: أبوان (١٥). وحقيقة الولادة إثمار الجوهر، وهو استحالة جزء منه بصفة معهودة (١٦)، والتّوليد: التّثمير. والحسن ضدّ السّوء (١٧). ﴿وَذِي الْقُرْبى:﴾ أي: ذي القرابة في النسب (١٨).

стр. 181

و (القربى) يحتمل أنّه (١) اسم كاليسرى والعسرى (٢)، ويحتمل أنّه فعل كالرّجعى. ﴿وَالْيَتامى:﴾ جمع يتيم ك (ندامى) جمع نديم (٣)، وقيل: إنّه مقلوب ك (الخطايا). وقد يجمع اليتيم أيتاما كاليمين والأيمان، والشّريف والأشراف (٤). والمصدر منه: يتم (٥)، وفي الحديث: (لا يتم بعد البلوغ) (٦). واليتيم من البهائم ما لا أمّ له، ومن الناس من لا أب له (٧). (٢٠ ظ) ﴿وَالْمَساكِينِ:﴾ جمع مسكين، وهو ذو المسكنة، والمسكنة (٨) حالة تؤدّي إلى السّكون والقعود (٩) عن التّجارة والكسب. وإنّما جمع (١٠) بين التّولّي والإعراض (١١) لأنّ المراد بالتّولّي ما سبق، وبالإعراض إعراضهم في الحال إذ الواو للحال (١٢). ويحتمل أنّه للتّوكيد (١٣). وعرض الشيء ناحيته، فكأنّ الإعراض هو التّنحّي (١٤). ٨٤ - ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ:﴾ والدم هو النّفس السائل (١٥). والأصل: دمي (١٦)؛ لأنّ تصغيره: دميّ، وفي النسبة: دمويّ، والفعل: دمى، وربّما ردّت الياء في التّثنية (١٧)، قال الشاعر (١٨): [من الوافر] فلو أنّا على حجر ذبحنا ... جرى الدّميان بالخبر اليقين

стр. 182

﴿مِنْ دِيارِكُمْ:﴾ وهو جمع الدار، والدار: الناحية والربع، والدّور لغة كالنّياق والنّوق (١). ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ:﴾ اعترفتم (٢) وكأنّه أخذ من تقرير الدّعوى. والخطاب فيه متحقّق إلى الموجودين في الحال (٣). ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ:﴾ على آبائكم، بأخذ الميثاق عليهم (٤). وقيل (٥): تشهدون على أنفسكم بتوجيه الخطاب عليكم. والشّهادة هي إخبار عن ثبوت الشيء لأحد أو على أحد، كأنّها من شهود البيّنة حالة وقوع الأمر، أو شهودهم عند القاضي (٦). ٨٥ - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ:﴾ نزلت في طائفة من اليهود، قريظة حلفاء (٧) الأوس، والنّضير حلفاء الخزرج، بني أخوين من اليهود نزلا يثرب انتظارا للمبعث، فكأنّهم يعينون حلفاءهم (٨) المشركين على بني أعمامهم في القتل والأسر والإجلاء والشرّ كلّه، ثمّ يفدي بعضهم أسارى بعض تمسّكا بعهد الله تعالى في هذه الخصلة الواحدة وصلة الرحم وكراهة لرقّ أولاد يعقوب عليه (٩) السّلام، فأنزل الله هذه الآية ذمّا (١٠) لهم في عداوتهم، وتناقض صنيعهم وآرائهم. و ﴿(أَنْتُمْ)﴾: كناية عن المخاطبين (١١). و ﴿(هؤُلاءِ)﴾: مرفوع في التقدير، وتقديره الخبر أو النّعت أو النّداء، أمّا الخبر فكأنّه قال: أنتم الذين تقتلون أنفسكم (١٢)، ويجوز إقامة المبهم التامّ مقام المنصوص كقوله: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه:١٧]، أي: وما التي بيمينك (١٣)، والنّعت فكقولك (١٤): ها هو ذا، ثمّ يكون

стр. 183

النّعت والمنعوت بمنزلة اسم واحد كما في التأكيد، والنّداء فكأنّه قال: أنتم يا هؤلاء (١). ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ:﴾ تعاونون عليهم (٢)، قال الله تعالى: ﴿سِحْرانِ (٣)﴾ تَظاهَرا [القصص:٤٨]. ﴿بِالْإِثْمِ:﴾ أي: الفجور (٤). ولقّن ابن مسعود رجلا: ﴿طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٤]: طعام الفاجر (٥). ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ:﴾ (الأسر): أخذ العدوّ وربطه (٦). و (الفداء): فكّ الأسير، وإبدال الشيء مكان الشيء في الإتلاف وإلحاق المشقّة (٧). ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ:﴾ ﴿(وَهُوَ)﴾: عماد جاءت لتعذّر صلة (٨) هذه الواو، وإنّما هو فعل في التقدير ألا ترى لو أسقطت (هو) لم يقل: ومحرم عليكم إخراجهم، ولقلت: وقد حرّمنا عليكم إخراجهم (٩). وقيل (١٠): (هو) كاسم مبهم، و (إخراجهم) بيانه، كقولك: هذا على الباب زيد. وقيل (١١): هو ضمير الأمر والشأن. (٢١ و) والحرمان: منع إلجاء، والتحريم قد يكون منع إلجاء كقوله: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ﴾ [القصص:١٢]، وقد يكون منع ابتلاء كقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١]، وهو الحظر. ﴿فَما جَزاءُ:﴾ (ما) يحتمل للنّفي، ويحتمل للاستفهام، والمراد به النفي (١٢). و (الجزاء): فعل يقتضيه فعل الآخر من خير أو شرّ (١٣).

стр. 184

﴿مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ:﴾ (من): بمعنى الذين، فعدّي (يفعل) إلى اللفظ و ﴿يُرَدُّونَ﴾ إلى المعنى. (ذلك): إشارة إلى الأخذ ببعض الكتاب دون بعض. ﴿إِلاّ خِزْيٌ:﴾ هوان وفضيحة (١). والمراد به الإخزاء، وإنّما ذكر الخزي دون الإخزاء لكي لا يوهم (٢) الخزاية وهي الاستحياء. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ العيش الأدنى، والدّنوّ هو القرب (٣). وإنّما أبدلت الياء من الواو في (الدنيا)؛ [لأن] (٤) الألف في حالة التذكير مقرّبة من الياء بدلالة أنّها تمال، وقد تنقلب ياء محضة في التثنية، فقلبت الياء في التأنيث ياء أيضا لئلا تختلف الياءات (٥) بين ذوات الواو وذوات الياء (٦)، نحو: السقيا، والفتيا أمثلة معدودة على الأصل لتدلّ عليه نحو: القصوى (٧). ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ يوم البعث (٨). وهو فعل كالعبارة والعبادة والكتابة. ﴿يُرَدُّونَ:﴾ يرجعون (٩). وإنّما ذكر الرّدّ لأنّهم ينصرفون من الموقف إلى العذاب، أو لأنّ كتاب الشقاء سابق عليهم فكأنّه صدروا عنه فردّوا إليه. ﴿إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ:﴾ لأنّه أشدّ من عذاب الدنيا والقبر (١٠). ٨٦ - ﴿فَلا يُخَفَّفُ:﴾ لا يرفّه، والتخفيف: التّرفيه (١١)، قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦]. والخفّة ضدّ الثقل (١٢). ٨٧ - ﴿وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ:﴾ أتبعنا وأردفنا (١٣)، يقال: قفّيت الشيء، بالتشديد،

стр. 185

وقفوته، بالتخفيف، بمعنى، وهو الإتباع. والتّقفية بالشيء: إردافه وإتباعه، ولهذا سمّيت القافية قافية (١). و (الرّسل): جمع رسول (٢)، كالزّبور والزّبر. والرسالة: المألكة، والإرسال: إنفاذ، وقد يكون إطلاقا. ﴿وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ:﴾ عيسى هو الذي أنزل عليه الإنجيل. ومريم هي ابنة عمران المحرّرة الحبيسة لعبادة الله، التي أرسل الله إليها روحه، فتمثّل لها بشرا سويّا، ونفخ في ما أحصنت (٣)، فحبلت العذراء البتول بالمسيح الرسول. و (البيّنات): جمع بيّنة، وهي ما يشهد من المعاني لثبوت حقّ. وبيّنات عيسى إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، والإنباء بما يأكلون وما يدّخرون (٤) في بيوتهم. ﴿وَأَيَّدْناهُ:﴾ "قوّيناه" (٥)، والتأييد هو جعل الشيء ذا (٦) الأيد والقوّة. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ:﴾ والرّوح من أمر الله تعالى، ويسمّى (٧) ما يحيا به الجسد والنفس روحا، ويعبّر به عن القرآن أيضا (٨)، وعن الملك النازل بالقرآن كذلك أعني: جبريل ﵇ (٩)؛ لأنّ حياة القلب وهو الإيمان بسببهما. وكان عيسى ﵇ روح الله (١٠)، والملائكة يسمّون الروحانيّين (١١). والفلاسفة يسندون (١٢) علم النبوّة والتّنسّك (٢١ ظ) وعلم المصالح والكهانة إلى روح القدس، وعلم السّحر والنيرنجات إلى الأرواح الخبيثة، والكهانة عندنا من الخبر (١٣) النوع الثاني. ومثال روح القدس من الأسماء: زيد الخيل وامرؤ القيس وملك الموت. وفي الحديث:

стр. 186

(اللهمّ أيّده بروح القدس) (١)، يعني حسّان بن ثابت في منافحته عن الله ورسوله. ﴿أَفَكُلَّما﴾ (٢): استفهام للإنكار (٣)، والفاء لتعقب الاستنكار عن مجيء الرسل ﵈. ﴿بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ:﴾ يعني تحليل ما تعوّدوا تحريمه، وتحريم ما تعوّدوا تحليله، وما يشبهه (٤) من الابتلاء. و (الهوى): داعية النفس إلى لذّة عاجلة، وهو ضدّ الحكمة؛ لأنّها داعية العقل إلى ذخيرة آجلة. ﴿فَفَرِيقاً:﴾ منصوب ب ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ (٥). والمكذّب مثل سليمان وأرميا وعزير وعيسى (٦) ومحمّد ﵈ (٧). ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ:﴾ مثل زكريّا ويحيى ﵉ (٨). (تقتلون): مستقبل (٩) بمعنى الماضي، كقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]. ٨٨ - ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ:﴾ جمع أغلف كمرد وأمرد (١٠). والأغلف والأقلف لأنّ بعضه (١١) في غلاف وغطاء، وهذا كقول غيرهم: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت:٥] (١٢). وإنّما أرادوا به الصّون (١٣) والحفظ، وأرادوا بذلك إياس الناس عن إيمانهم (١٤). وقيل: ال (غلف) في الأصل: غلف بضمّة اللام، وهو جمع غلاف كحمار وحمر (١٥)، وعنوا

стр. 187

به إحاطتهم بالعلوم (١). وكلاهما محتملان. فكذّبهم الله تعالى وقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ،﴾ أي: طردهم وخذلهم (٢). ومن تحيّة الملوك: أبيت اللّعن، ومجازه: لا لعنتنا، أو نعوذ بك من لعنك (٣). ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ:﴾ أي: قليلا يؤمنون، فيكون القليل نعت اسم محذوف، و (ما) صلة لنوع تأكيد (٤). وقيل (٥): (ما) للنفي، أي: لا يؤمنون إيمانا قليلا. وقيل (٦): قليلا ما وقلّما معدولان إلى حيّز الحروف، والمراد بهما نفي كالنفي في (لمّا) و (لا يكاد). وإن (٧) أخذنا بالقولين الأوّلين (قليلا): نصب لوقوع الفعل عليه (٨)، وإن أخذنا بالقول الثالث فيكون (قليلا) مسموعا غير محل للإعراب (٩). ٨٩ - ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ:﴾ نزلت في ذكر استفتاح اليهود من الله تعالى على العرب في (١٠) وقائعهم مع حمير وبني كهلان باسم محمّد ﷺ ، وذلك أنّهم كانوا ينشدون الله باسمه، ويرون أنّهم أنصاره وأعوانه لما ينتظرون من (١١) مبعثه، فلمّا رأوه حسدوه وحسدوا العرب بكونه منهم لا عرق فيه من اليهود، ولم تطاوعهم أنفسهم في ترك ما اعتادوه، فكفروا به وحرّفوا التأويل (١٢). والمراد بالفتح في ﴿يَسْتَفْتِحُونَ:﴾ الظّفر والنّصرة (١٣). ٩٠ - ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ:﴾ (بئس) و (نعم) فعلان ماضيان مثل: لعب وشهد فمنعا الصرف، وكلّ واحد منهما يقتضي اسمين غالبا، ويكون الأوّل عامّا لعموم المدح والذّمّ،

стр. 188

والثاني خاصّا لأنّ المقصود مخصوص، ثمّ الاسم الأوّل (٢٢ و) إمّا اسم (١) جنس فيرتفع بالفعل (٢)، وإمّا نكرة فينتصب على التفسير، والاسم الثاني مرفوع أبدا؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف (٣). والاسم الأوّل ههنا: ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ والثاني: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا،﴾ وهذا قول البصريّين (٤). وعند الكوفيّين هما حرفان يشبهان الفعل، وفيهما معنى الصّفة، والدليل على كونهما حرفين لزومهما صورة واحدة في التذكير والتأنيث والجمع والخطاب والحكاية عن النفس والغائب، ولأنّهما لو كانا فعلين لدخلهما (قد)، والدليل على أنّهما يشبهان الأفعال جواز قولك: بئس وبئست، ونعم ونعمت، والدليل على أنّ فيهما معنى الصفة استقلال قولك: بئس الرجل زيد، ونعم الرجل عمرو، وأيّ مذموم زيد ومحمود عمرو (٥). وعلى هذا (ما اشتروا به أنفسهم) ههنا اسم (٦)، و (الكفر) مشترى به، و (الأنفس) مشترى لها فانتصب بنزع الخافض. ﴿بَغْياً:﴾ حسدا (٧)، حسدوا ﴿أَنْ يُنَزِّلَ (٨)﴾ اللهُ تعالى فضله، وهو وحيه ورحمته ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ،﴾ يعني نبيّنا ﷺ (٩). والعباد جمع عبد، والعبد من هو مملوك الرّقبة (١٠). ﴿مُهِينٌ:﴾ يهانون فيه" (١١). والإهانة قريبة من الإذلال (١٢). ٩١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ نزلت (١٣) في من تكبّر من اليهود أن يقول عند الدعوة: نعم، وتحرّج (١٤) أن يقول: بلى، فكانوا يعدلون عن الجواب إلى قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا،﴾ يعنون التوراة، ويظنّون أنّ جوابهم مخلّص عن الكفر، كما أنّ المؤمنين يقولون عند الشّكّ: آمنّا بجميع ما أنزل الله على رسله (١٥)، فخطّأ الله اليهود وحكم بكفرهم إذ قال: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما﴾

стр. 189

﴿وَراءَهُ﴾ يعني القرآن (١). ونصب ﴿(وَراءَهُ)﴾ على الظرف (٢). وكلّ شيئين أحدهما (٣) أقرب منك فهو دون الآخر، والآخر وراءه، وإن شئت كلّ مشغول عنه وراء الشاغل. ﴿وَهُوَ:﴾ راجع إلى (ما)، و (ما) قائم (٤) مقام القرآن. و ﴿مُصَدِّقاً:﴾ نصب على القطع كوفيّا (٥)، وعلى الحال بصريّا (٦). و (لم) (٧) أداة لطلب الحجّة، وهو في الأصل (لماذا)، وتقديره: لأجل أيّ شيء ذلك الفعل وذلك القول، ونظيره في الاختصار: (عمّ) و (ممّ) (٨). ﴿تَقْتُلُونَ:﴾ مستقبل بمعنى الماضي بدلالة قوله: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] (٩). ٩٢ - وكرّر اتّخاذ العجل (١٠). والتّكرار ربّما (١١) اتّصل بزيادة فائدة وربّما (١٢) لم يتّصل، فما يتّصل ثلاثة أنواع: أحدها: مثل هذا، إذ الأولى لإلزام الحجّة وتذكير النّعم بدلالة أنّه أتبعها: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا﴾ [البقرة:٥٢]، والثانية لتكذيبهم في دعواهم بدلالة قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ﴾ [البقرة:٩١] (١٣). والنوع الثاني: مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ وقال في موضع: ﴿وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٦٣]، وقال في

стр. 190

الموضع الثاني: ﴿وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ [البقرة:٩٣]، وكلّ واحدة من الآيتين تتضمّن من المعنى [ما] (١) لا تتضمّنه الأخرى لا محالة (٢). والثالث: وصف الجنّة والنّار، وفائدة (٢٢ ظ) التّكرار (٣) تجديد الحثّ والإنذار (٤). وما لا يتّصل بفائدة نوع واحد، وهو ما يوجد في سورتين. والوجه في الأنواع الثلاثة أنّ تضمّن (٥) الفوائد كلّها لا يجب في قصّة واحدة، ثمّ إذا وقعت (٦) الحاجة إلى ذكر فائدة لم تذكر في القصّة فالأحسن تكرار القصّة لاستدراك ذكر الفائدة في محلّها، وربّما لا يتصوّر غير ذلك. والوجه في هذا النوع الواحد أنّ السورتين بمنزلة كتابين، والله يقول: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البيّنة:٣]، ووجود قصّة واحدة في كتابين معروف واجب، وذلك لا يسمّى تكرارا (٧) إذ كلّ كتاب في الحاجة إليها كمثله، وكذلك تضمين قصّة واحدة في قصيدتين أو خطبتين. وقيل: الفائدة في هذا النوع موجودة، وهي شهود قوم نزول الثانية لم يشهدوا نزول الأولى. ٩٣ - وتكرار قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ أيضا على وجه اللّوم والتّكذيب (٨)، ألا ترى أنّه أعاد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.﴾ و (السّمع) (٩): الإجابة، ومنه قول المصلّي: سمع الله (١٠) لمن حمده، وقال الشاعر (١١): [من الوافر] دعوت الله حتّى خفت ألاّ ... يكون الله يسمع ما أقول واختلف في قوله: ﴿سَمِعْنا وَعَصَيْنا،﴾ فحمله بعض المفسّرين على الاعتراف والاستعتاب. وبعضهم جعل (١٢) ﴿(سَمِعْنا)﴾ من إدراك المسموع لا من (١٣) الإجابة، وقوله:

стр. 191

﴿(عَصَيْنا)﴾ تمرد وإباء (١). وحمل بعضهم قولهم: (سمعنا) في وقت، (وعصينا) في وقت آخر (٢). ﴿وَأُشْرِبُوا:﴾ سقوا (٣)، والإشراب قريب من السّقي حقيقة، ومن المزج مجازا، يقال: وجه مشرب حمرة ودما (٤). وروي عن بعضهم ما يدلّ على حقيقة الشّرب، قال: أنكر بعضهم عبادة العجل فلمّا نسف العجل في اليمّ نسفا أمروا بشرب ذلك الماء، فتشرب قلوب المنافقين وظهرت العلامة على وجوههم فأخذوا وقتلوا (٥). والواو في (٦) ﴿(أُشْرِبُوا)﴾ ضمير ذوي القلوب، وهم الذين قالوا: سمعنا وعصينا. وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ كنوع من إبدال (٧) البعض من الكلّ، كقولك: ضربت زيدا على صدره. و ﴿الْعِجْلَ﴾ قائم مقام المضاف إليه، وتقديره: حبّ العجل (٨)، وعلى القول الآخر: أجزاء العجل ممّا نسف مع الماء الذي شربوه (٩). ﴿بِكُفْرِهِمْ:﴾ بشؤم كفرهم (١٠)، وهو قولهم السابق: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، وغيره من الإباء والعناد والتهمة (١١). ﴿قُلْ:﴾ أمر من القول، لمّا حذفت الواو وأعطيت القاف حركتها، وقع الاستغناء عن همزة الوصل (١٢). ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ:﴾ كقولك لسفيه متعاقل: بئسما يأمرك عقلك شتم الناس (١٣)، أو لغاش يدّعي الأمانة: بئسما تأمرك (١٤) الأمانة إن كنت أمينا (١٥).

стр. 192

﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ والكون في مثل هذا الموضع للإثبات في الحال دون الماضي من الزمان، وتقديره: إن أنتم مؤمنون. ٩٤ - ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ:﴾ (٢٣ و) نزلت في اليهود حيث زعموا أنّهم يبعثون ويثابون، وسائر الناس لا بعث لهم ولا نشور. والمراد بالدار الآخرة الجنّة (١). وإنّما توجّه عليهم تمنّي الموت (٢) بهذه الدعوى لمعنيين: أحدهما مجمع عليه؛ لأنّهم لو باينوا سائر الناس في حكم البعث والنشور لباينوا في حكم كراهية الموت وتمنّيه (٣)، دليله رجلان في حبس حكم أحدهما أن يخرج فيقتل، وحكم الآخر أن يخرج فيطلق. والآخر مختلف فيه، وهو جواز التمنّي لمن يرجو ثواب الله وعفوه، من العلماء من يجيزه، ومنهم (٤) من لا يجيزه. و (من) في قوله: ﴿مِنْ دُونِ النّاسِ﴾ (٥) صلة، كما في قولك: من فوق، ويحتمل أنّها في الموضعين مكان (في) أو (على). والشيء الخالص هو المتفرّد عن غيره المتمحّص في نفسه (٦). و (تمنّي) الشيء: تشهّيه (٧)، وهو إرادة غير المقدور (٨)، ومن أدواته (ليت) (٩). ٩٥ - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً:﴾ كان حكم هذا التحدّي في الآية السابقة حكم التحدّي للمباهلة مع النصارى (١٠)، قال ﷺ : (والذي نفسي بيده لو تمنّى أحدهم لغصّ بريقه) (١١). و (الأبد) هو الأمد البعيد، وقد يطلق على بعيد دون بعيد، ومن ذلك قولهم: إلى أبد الأبيد، وأبد الآباد، ويطلق على بعيد للأبعد (١٢) منه، وهو آخر جزء من أجزاء حياة الرجل أو مدّة الدنيا، وإيّاه عنى فتية الكهف بقولهم (١٣): ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠] (١٤). وهو

стр. 193

منصوب على الظرف (١). والمراد به آخر جزء من أجزاء حياتهم الدنيا (٢) بدلالة أنّهم يقولون في النار: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقّة:٢٧] (٣). والباء في ﴿بِما﴾ للسبب (٤). وقوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ على التهديد (٥). ٩٦ - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ:﴾ اللام للقسم، تقديره: والله لتحدنّهم (٦)، أي: لتلفينّهم (٧). وهو يقتضي مفعولين، وقوله: ﴿أَحْرَصَ﴾ مفعول ثان ههنا، كقولك: وجدت الرجل صالحا (٨). والحرص: شدّة التمنّي (٩). ووزن (أفعل) للتفضيل ههنا، والتفضيل على الجنس لا يحتاج إلى (من)، كقولك: الياقوت أفضل الجواهر، وإن (١٠) وقع على غير الجنس لم يجز إلا بإدخال (من)، تقول: الياقوت أفضل من الزجاج، والدهن ألين من الماء (١١). ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا:﴾ هم المجوس (١٢). ويحتمل وجوها أربعة: أحدها: أنّه معطوف على (الناس) فجيء ب (من)؛ لأنّ المجوس غير جنس اليهود، كقولك: الإنسان أحسن الخلائق ومن الحور العين، فالخلائق (١٣) اسم جنس والحور العين غير جنس (١٤). والثاني: أن تقدّر (١٥) التّكرار فتجعل في التقدير: أحرص الناس وأحرص من الذين أشركوا (١٦).

стр. 194

والثالث: أن تجعل الواو للاستئناف، وتجعل في التقدير: ومن الذين أشركوا من يودّ أن يعمّر ألف سنة، كأنّه وقع العدول من قصّة إلى قصّة ليتبيّن أنّ من الناس من يودّ عمر ألف سنة ومع ذلك فإنّ اليهود أحرص منهم، ويجوز حذف (من) إذا ذكر قبله (من)، قال الله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافّات:١٦٤]، أي: إلا من له، وقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ (٢٣ ظ) ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [النساء:٤٦] (١). والرابع: أنّه معطوف على كناية الجمع، تقديره: ولتجدنّهم والذين أشركوا أحرص الناس على حياة، و (من) (٢) صلة. وقيل (٣): المراد بالمشركين مشركو العرب. والشركة: اجتماع الحقّين في محلّ واحد، والإشراك نصب الشريك (٤). ﴿يَوَدُّ:﴾ يحبّ (٥). ﴿أَحَدُهُمْ:﴾ أحد الجمع اسم عام يتناول الكلّ على سبيل الإفراد، قال الله تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، وتقول العرب: يلبث أحدنا أيّاما لا يأكل ولا يشرب (٦). وربّما تميّز وصار بمعنى الأوّل في إثبات، قال الله تعالى: ﴿أَمّا أَحَدُكُما (٧)﴾ فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ [يوسف:٤١]، والآخر الآخر لا محالة (٨). ويسمّى اليوم الذي بعد السبت يوم الأحد، وهو في العربيّة الأولى (٩) اليوم الأوّل، وهو في الأصل: وحد فقلبت الواو همزة كما في (أناة) (١٠). وجملة قوله: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ في محلّ النصب لوقوع الودّ عليها (١١).

стр. 195

و (التعمير): إطالة (١) العمر، والعمر المدّة، والعمر بقاء الحيوان (٢). و (الألف): آخر أسماء العدد (٣)، وللعدد أحد عشر اسما موضوعا، فالثمانية الأولى للآحاد وهي تعرض للاشتقاق (٤) وكذلك التاسع وهو العشرة، والعاشر المئة، والحادي عشر الألف. وإنّما انتصب (الألف) على معنى الظرف (٥)، وخفض (السّنة)؛ لأنّها مضافة إليها. و (السّنة): اسم لاثني عشر شهرا (٦). ﴿وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ:﴾ و (ما) للنفي (٧). والزحزحة هي التّنحية (٨). و (البصير): المبصر إلا أنّ البصير أبلغ في الوصف؛ لأنّه أشدّ عدولا عن الفعل (٩). ٩٧ - ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ:﴾ نزلت في اليهود، وعن قتادة والشّعبيّ أنّ السبب في ذلك أنّ عمر ﵁ قال (١٠) لليهود ذات يوم: بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى أتجدون محمّدا في كتابكم؟ فتمسكوا ثمّ قالوا: نعم، ولكنّ صاحبه جبريل عدوّنا، وهو صاحب كلّ عذاب، ولو كان مكانه ميكائيل لآمنّا به فإنّه صاحب كلّ رحمة، فقال عمر: وأين مكانهما، أي: مكانتهما، من الله ؟ قالوا: أحدهما، أي: كأنّ أحدهما، عن يمينه، والآخر عن يساره (١١)، قال عمر: أشهد أنّ من كان عدوّا لهما كان عدوّا لله تعالى، وانصرف إلى رسول الله ﷺ ليخبره الخبر فإذا جبريل (١٢) ﵇ قد سبقه بالوحي، وقرأ النبيّ ﷺ القرآن، فقال: والذي بعثك بالحقّ ما جئت إلا لأخبرك، قال ﷺ : لقد وافقك ربّك (١٣) يا عمر، قال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك في دين الله أصلب من الحجر (١٤). وقيل: زعم (١٥) ابن صوريا أنّ جبريل

стр. 196

عدوّهم؛ لأنّه حال بينهم وبين قتل بختنصر إذ هو صبيّ ليتمّ أمر الله فيه وفيهم، فأنزل الله هذه الآية (١). وبعد الشرط إضمار وتقديره: من كان عدوّا لجبريل كان عدوّا لله، وقد أظهر هذا المعنى في الشرط (٢٤ و) الثاني (٢). ويجوز أن تجعل ﴿فَإِنَّهُ﴾ جوابا للشرط مجازا (٣) من غير تقدير إضمار، كقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]. وفي ضمير الهاء في (فإنّه) ثلاثة أقوال: راجع إلى المضمر وهو اسم الله تعالى (٤)، أو إلى (إيل) وهو اسم الله أيضا (٥) بالعبرانيّة، أو إلى جبريل (٦). وفي ضمير الهاء في ﴿نَزَّلَهُ﴾ قولان (٧): راجع إلى جبريل، أو إلى القرآن (٨). و (الإذن) (٩): يتناول معاني كثيرة: أحدها: إباحة المطلوب (١٠)، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي﴾ [التوبة:٤٩]، وقال: ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]. والثاني: التّمكين (١١)، قال الله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. والثالث: المشيئة (١٢)، قال الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران:١٤٥]، وقال: ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [يونس:١٠٠]. ﴿وَبُشْرى:﴾ الخبر السارّ خاصّة (١٣)، قال الله تعالى: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾

стр. 197

[الفرقان:٢٢]، وقال في المؤمنين: ﴿[لَهُمُ الْبُشْرى] (١)﴾ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:٦٤]. و (جبر) و (ميك) اسما عبد، و (إيل) اسم الله (٢). ٩٨ - وإنّما ذكرهما (٣) بعد دخولهما في عموم الملائكة تشريفا لهما (٤)، كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]. وإنّما أجاب بقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ،﴾ ولم يقل: فهو كافر؛ لأنّ الكفر مقدّر (٥) في نفس العداوة، فصار كالمنطوق به في الشرط، ومثاله قولك: إن غصبت حقّي فإنّ الله لا يحبّ الظالمين، وإن أنجيتني فإنّ الله يجزي المحسنين (٦). ٩٩ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ:﴾ الآية كأنّها (٧) تعزية للنبيّ ﷺ لما ساءه من قول اليهود: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ [البقرة:٩١]. ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ:﴾ هذا الكلام المعجز، وتبيين النبيّ ﷺ لهم كثيرا ممّا يخفون من الكتاب، واستجماعه خصال (٨) الأنبياء كلّها في سمته (٩) وهديه وحركته وسكونه، مع ما خصّه الله به من نعوت نعته بها في الصحف الأولى (١٠). ١٠٠ - ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً:﴾ نزلت في اليهود (١١). واختلف في نقضهم (١٢) العهود، قيل: هو عهود أنبيائهم من طاعة هارون عند الميقات، ومحافظة السبت، وأن لا يرفعوا طعام يومين في التّيه، وأن يتوبوا، وأن يؤمنوا بعيسى ونبيّنا ﵉ (١٣). وقيل: هو همّهم بقتل

стр. 198

النبيّ ﷺ ، وشتمهم إيّاه، وإرجافهم في المدينة (١)، وإيمانهم وجه النهار مع كفرهم في آخره، ومعاونتهم الأحزاب (٢) يوم أحد. والاستفهام للإنكار (٣)، كأنّهم تبرّؤوا من النّقض (٤) وقالوا: إنّما نقض فريق منّا، فكذّبهم الله في تبرّئهم وقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥). وقيل (٦): أنكروا على فريق منهم نقض العهد، فأتى بقوله: (بل (٧) أكثرهم لا يؤمنون) لئلا يوهم أنّ كلّ من لم ينقض العهد منهم محمود. والواو للاستئناف، ويحتمل العطف (٨) على ما سبق من قصّة اليهود. وإنّما جوّز (٢٤ ظ) دخول ألف (٩) الاستفهام على الواو؛ لأنّها أبدا تلي صدر الكلام سواء وليها اسم أو فعل أو حرف، فكذلك مع الواو (١٠). و (النّبذ): هو الطّرح (١١)، والانتباذ: التّنحّي، والمنبوذ: اللّقيط (١٢). ١٠١ - ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ:﴾ نزلت في اليهود أيضا (١٣). والعرب تقول (١٤) لكلّ من أعرض عن شيء: نبذه وراء ظهره (١٥). و (الظهر): هو المتن. و (كأنّ): حرف التشبيه، وإنّما ينصب لأنّه يفيد التشبيه (١٦). والتشبيه: فعل واقع على المشبّه، ويستعمل عند الظنّ والحسبان (١٧) أيضا، وذلك لأنّ (١٨) الظانّ يشبّه المحسوس بالموهوم.

стр. 199

وفي الآية دلالة على امتياز الخبر المتواتر عن غيره. ١٠٢ - ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ:﴾ نزلت في ذمّ اليهود، وبيان أصل السحر (١)، وتزكية سليمان ﵇ (٢). ونحن نقدّم قصصا يحتاج إلى علمها، وشواهد لا بدّ من ذكرها، وأحكاما يجب (٣) إحصاؤها، ثمّ نأخذ في التفسير إن شاء الله تعالى. اعلم أنّ هاروت وماروت ملكان من الملائكة ببابل الكوفة، من أتاهما من الوجه المقدّر سمع كلامهما ولم يرهما، هكذا روي عن عائشة (٤)، وعن عليّ في حديث المسوخ (٥)، وعن ابن عمر (٦). وسئل الضحّاك بن مزاحم فقال: كانا علجين (٧). والحسن البصريّ أخذ بقول عائشة مرّة (٨) وبقول الضحّاك أخرى (٩)، وكان يقرأ: (الملكين) بكسر اللام (١٠)، وهو شاذ، وإن صحّ فيجوز أن يكون: (ملكين ملكين)، كما في حديث المسوخ (١١). وقيل: إنّهما شيطانان (١٢)، وذلك لا يدلّ على نفي كونهما ملكين من قبل كإبليس لعنه الله. وأحسن ما قيل فيهما: إنّهما ملكان لا يعصيان الله في ما أمرهما بتبيان السحر، ويحذّران منه بأمر الله تعالى، وهذا غير مستنكف كقوله (١٣) تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [الشمس:٨]، وقال لآدم ﵇: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥]، ولو شاء لصرفهما عنها وحال بينهما وبينها ولم يمكّنهما من التناول، إلا أنّه فعل ذلك للابتلاء، ولأنّ الثواب إنّما يجب بالامتناع بعد القدرة (١٤). وسحر البابليين شيء فاش، وقد عرف الضحاك ذو الحيتين (١٥) بذلك في سابق الدهر.

стр. 200

ويروى عن فريدون أيضا أنّه أرسل بنيه (١) إلى ملك مصر ليخطبوا منه (٢) بناته، فلمّا رجعوا استقبلهم فريدون في الطريق متمثّلا ثعبانا يبتليهم بذلك، ففرّ (سلم) وحمل (٣) عليه (طوش) وانذار (إيرج) (٤)، فلمّا رأى ذلك قسم الملك بينهم على قضيّة (٥) ما رأى، وقال الشاعر (٦): [من الطويل] يعقّد سحر البابليّين طرفها ... مرارا وتسقينا سلافا من الخمر وقول (٧) من يزعم أنّ قوله: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ للنفي منتقض بقوله (٨): ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا (٩)﴾ إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما (١٠). ثمّ (١١) يحتمل أنّهما باقيان بعد، ولكنّ الله تعالى صرف أكثر الناس عنهما لنوع من المصالح (١٢)، ويحتمل أنّه قد انقرض أمرهما. فإن قيل: زهرة أحد الكواكب (٢٥ و) السبعة التي ركّب الله فيها مصالح الدنيا، وقد روي في حديث المسوخ (١٣) ما روي، وهو محال فلا يجوز قبوله والاستدلال به، قلنا: ومن يسلّم بأنّ مصالح الدنيا متعلّقة بالكواكب، وأنّها سبعة منذ خلقت الدنيا، وإن صحّ أنّها (١٤) لم تزل سبعة، فيحمل أنّ الكوكب (١٥) لم يكن يسمّى زهرة، فلمّا مسخ الله تلك المرأة وأودعها هذا الكوكب تعذيبا لها سمّي الكوكب باسمها (١٦). واعلم أنّ الجنّ أمّة (١٧) كالإنس، قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ﴾

стр. 201

﴿وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ (١) [النمل:١٧]، وقال: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:٦]، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١]. ثمّ يجوز رؤيتهم أجمعين؛ لأنّهم مركّبون من روح وجسد لا محالة غير أنّ نصيب الروح لهم أكثر، وفي الحديث أنّ الحمار والكلب يريان الشيطان، ولذلك أمرنا بالاستعاذة عند نهيق الحمار (٢). وعن عمر أنّه صارع جنّيّا (٣)، وعن أبي أيّوب الأنصاريّ أنّه أسر جنّيّا (٤). غير أنّ الله تعالى صرف أبصارنا عنهم كما صرف أبصار قريش عن نبيّنا ﷺ حين أرادوا أن يغتالوه، وهذا شيء لا يمكن تواطؤهم عليه، فمن أنكر هذا فقد أنكر العيان. ثمّ منهم شياطين ومن الإنس شياطين ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢]، وهؤلاء وضعوا (٥) كثيرا من علم السحر وأسندوا إلى سليمان صلوات الله عليه للترويج (٦). واعلم أنّ بعض الناس أفرط في إثبات السحر، وزعم أنّهم يقدرون على تقليب العين، والإيجاد من العدم (٧)، وقصّر بعض فأنكر تأثير الرقى (٨) والعقد والتمائم، وحمل تأثيرها على نوع من التخويف والتطميع بالتمويه (٩). وقولنا على قضيّة اللغة (١٠) وما سبق من القواعد هو (١١) أنّ علم السحر يسمّى سحرا لصرفه عن جهة الحقّ، قال الله تعالى: ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩]، أي: تؤفكون وتصرفون (١٢)، ولأنّه سبب لكثير من العلل، والشيء المسحّر: المعلّل (١٣)، قال لبيد (١٤): [من الطويل] فإن تسحرينا فيم (١٥) ... نحن فإنّنا عصافير من هذا الأنام المسحّر

стр. 202

ثمّ هو أربعة أنواع (١): النوع الأوّل: تلبيس على الأفهام (٢)، وهو اللحن المذموم، والمعاريض المذمومة، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمّد:٣٠]، وقال ﷺ : (إنّ من البيان لسحرا) (٣)، وكذلك (٤) ذمّ المتفيهقين (٥) المتشدّقين. والنوع الثاني: تلبيس على الإحساس بالنيرنجات والتمويهات قال الله تعالى: ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه:٦٦] (٦). والنوع الثالث: تأثير في الأجساد بالفساد، وهو بالطبّ أو بمطاوعة (٧) الجنّ، (٢٥ ظ) قال الشاعر (٨): [من الوافر] وإنّك لا تبالي بعد حول (٩) ... أسحرا كان طبّك أم جنونا وفي حديث بئر أروان (١٠) قال أحد الملكين: طبّ الرجل، فقال آخر: من طبّه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهوديّ (١١). وممّا يختصّ به من علم الأطبّاء علم الخواصّ. وكذلك الجنّيّ يمس فيضرّ (١٢) بالنفس في طاعة وليّه من الإنس، كما قال ﷺ في الطاعون: (هو وخز أعدائكم من الجنّ) (١٣)، وقال في دم الاستحاضة: (هو (١٤) ركضة من الشيطان) (١٥). فهذه الأنواع الثلاثة ممّا يجوز أن

стр. 203

يبتلى بها كلّ أحد من الناس، الأنبياء وغيرهم، إذ (١) النبيّ يفارق غيره في حكم العقل والقلب دون النفس. والنوع الرابع: تأثير في العقول والصدور بالخيال (٢) والعرف، وهو بالطبّ أو بمطاوعة الجنّ أيضا، والأنبياء مصونون عن هذا النوع، معصومون بعصمة الله، لا يضرّهم منه شيء. والكلّ لا يؤثّر إلا بإذن الله تعالى ومشيئته. وحكم الساحر أن يقتل إن كان يقتل بسحره (٣)، وهذا الشرط مرويّ عن أبي يوسف (٤)، وكذلك إن كان سحره كلمة كفر أو اتّخاذ معبود (٥)، وكذلك إن استحلّ شيئا من السحر قليلا أو كثيرا إمّا هو كفر في نفسه أو غير كفر؛ لأنّه مقطوع الحكم (٦) بتحريمه لا يسوغ الاجتهاد فيه، فإذا (٧) استحلّه كفر فوجب قتله (٨). والحكم فيما عدا (٩) هذه الأوجه الثلاثة الإنذار والنكال (١٠). و (اتّبعوا): افتعال من تبع يتبع. (ما تتلو): مستقبل بمعنى الماضي (١١). ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ:﴾ (على) بمعنى (في) (١٢)، كانت الشياطين تقرأ السحر فيتلقّى منهم مردة الإنس. وقيل (١٣): تقديره: على عهد ملك سليمان. وزعموا أنّه كان يضبط أمره بالسحر، واستخرجوا من تحت سريره كتابا من السحر كتبوها بأيديهم، ويروى أنّ سليمان ﵇ دفنه توهينا وإبطالا فسمّوه كنزا، فبرّأه الله ممّا قالوا على لسان نبيّنا ﷺ (١٤). وهو سليمان بن داود بن إيشا الذي فهّمه الله حكم الغنم والحرث وهو صبيّ، وآتاه النبوّة

стр. 204

والملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده (١). وظاهر الآية يقتضي أنّ الشياطين كانوا يعلّمون الناس نوعين من السحر: ما هو من تلقاء أنفسهم، وما أخذوه من هاروت وماروت (٢). [وهاروت وماروت] (٣): اسمان أعجميّان مثل: طالوت وجالوت (٤). وقيل: هاروت من الهرت، وماروت من المرت، والهريت الفصيح (٥)، قال الشاعر (٦): [من البسيط] عاد الأذلّة في دار وكان بها ... هرت الشّقاشق ظلاّمون للجند والمرت مفازة لا ماء فيها ولا كلأ (٧)، قال الشاعر (٨): [من البسيط] أنّى طربت ولا تلحي (٩) ... على طرب ودون إلفك أمرات أماليس ﴿وَما يُعَلِّمانِ:﴾ للنفي (١٠). ﴿حَتّى يَقُولا:﴾ للغاية (١١)، تجرّ الاسم، وتنصب الفعل بتقدير (أن)، وربّما لا تنصب (١٢). و (الفتنة) (١٣): الامتحان (١٤)، وقد تكون الفتنة إيقاعا في الشيء. ويحتمل أن (٢٦ و) يكون الفعل في قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ للشياطين (١٥)، فيكون معطوفا على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ (١٦)، وتعليمهم السحر كاستراقهم السمع أو نحوه (١٧). ويحتمل أن يكون الفعل للاثنين، فيكون معطوفا على مضمر وتقديره: فيأبون (١٨) فيعلمان فيتعلمون.

стр. 205

و ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ:﴾ البغضاء والتّأخيذ (١). ومرء وامرؤ لغتان، وفي التأنيث: مرأة وامرأة، وكأنّ همزة الوصل إنّما عوّضت من الهمزة الأخيرة إذ لا صورة لها (٢)، فسكّنت الميم وهي فاء الفعل (٣) وابتدئ بهمزة الوصل كما في الاسم والابن. وقيل: إنّما سكّنت فاء الفعل في مثل هذه الأسماء وابتدئ بهمزة الوصل؛ لأنّها أسماء (٤) كثر دورها على الألسنة، فشبّهت بالأفعال التي على صيغة الأمر. ومثل هذه العلل واه (٥)، واللغة بالسماع. وكأنّ المرء موضوع غير مشتقّ، والتثنية: مرءان وامرؤان ومرأتان وامرأتان، وهي في التأنيث أكثر استعمالا، وأمّا الجمع فلم يرو إلا في حديث: (أحسنوا ملأكم أيّها المرؤون) (٦)، وقال رؤبة لطائفة رآهم: أين يريد (٧) المرؤون؟ وهذا جمع سلامة جائز بالقياس. ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ:﴾ والضّرّ: إلحاق (٨) الضّرّ والضّرر بالشّيء، وهما البؤس والمكروه، وفيهما معنى النقصان، ونقيضهما: النّفع (٩). والهاء في ﴿بِهِ﴾ كناية عن السّحر (١٠)، أو عمّا يفرّقون به (١١). وتقديره: وما هم بضارّين به أحدا، إلا أنّه أدخل [من] (١٢) للتأكيد كما قال: ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [التوبة:١٢٧]، وقال الشاعر (١٣): [من البسيط] وقفت فيها أصيلانا (١٤) ... أسائلها أعيت جوابا وما بالرّبع (١٥) من أحد

стр. 206

﴿ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ:﴾ أي: في الآخرة (١). ويحتمل أنّه نفى النّفع وأثبت الضرّ؛ لأنّ الضرّ في نفسه على معنى الطبيعة والنّفع بالتقدير (٢). ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا:﴾ يعني اليهود (٣). ﴿مِنْ خَلاقٍ:﴾ نصيب جميل (٤)، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ (٥)﴾ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ [التوبة:٦٩]. و ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ منصوبة لنزع الخافض، فهي مشترى لها والآخرة مشترى بها والسحر مشترى. ويحتمل أنّ (أنفسهم) (٦) مشترى بها، فيكون حينئذ ﴿شَرَوْا﴾ بمعنى: باعوا (٧)، وإنّما باعوا (٨) أنفسهم بتفويت حظّها من الآخرة. وفعلهم مذموم سواء علموا أو لم يعلموا، إلا أنّ المراد به كونه مذموما عندهم، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا﴾ [العنكبوت:٤١]. وإنّما قال (٩): ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا،﴾ ثمّ قال: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛﴾ لأنّ العلم الأوّل راجع إلى فوات المعاد فهو مثبت، والعلم الثاني راجع إلى قبح الصّنيع (١٠) وهو منفيّ، إذ كلّ أمّة زيّن لهم سوء عملهم (١١). ١٠٣ - ﴿لَمَثُوبَةٌ:﴾ لثواب (١٢)، وهو الجزاء (١٣)، وأكثر استعماله في الخير. ووزنه (مفعلة) عند بعضهم، و (مفعولة) عند الآخرين (١٤). و (الخير) (١٥): اسم عامّ للمحمود كلّه، ونقيضه: الشرّ، يقال (١٦): فلان خير من فلان،

стр. 207

أو شرّ منه. والمراد به التفضيل (١)، وإنّما وقع التفضيل ههنا على المتاع القليل من العاجلة. ١٠٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا:﴾ (٢٦ ظ) نزلت في النهي (٢) عن لفظة كان المسلمون يتلفّظون بها، ويلحن (٣) فيها اليهود ليّا بألسنتهم يريدون الشتم (٤)، وهي لفظة (راعنا) (٥). قال ابن عرفة: هو من المراعاة (٦)، والعرب تقول: راعني، أي: تعهّدني، وافهم عنّي وأفهمني. وقال الأزهري: ظاهرها: أرعنا سمعك (٧). وكانت اليهود تذهب بها إلى الرعونة (٨)، والأرعن: الأحمق (٩). وقيل (١٠): كانوا يقولون: راعينا، يعنون راعي السائمة. فنسخ الله تعالى تلك الكلمة بقوله: ﴿اُنْظُرْنا،﴾ أي: انتظر وارتقب ما يكون منّا من سؤال أو نحوه (١١). والإنظار: التمهيل، والنّظرة: المهلة، ونظرت (١٢) الشيء، أي: انتظرته، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر:٤٣]، وقال: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] (١٣). وقرأ الحسن (١٤): (راعنا) منوّنا؛ لأنّه ظنّ أنّها لفظة كالأسماء، فنصبها بوقوع (١٥) القول عليه، كنصب من نصب: (وقولوا حطّة) (١٦). ١٠٥ - ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ نزلت في الإخبار عن حسد الكفرة، وما يضمرونه من

стр. 208

الضغن (١) ليفتضحوا به، ويزداد الذين آمنوا شكرا لله تعالى، وشدّة على الكفّار (٢). و (ما): للنفي (٣). ﴿مِنْ:﴾ للتنويع (٤)، وهي مقدّرة في قوله (٥): ﴿وَلا الْمُشْرِكِينَ،﴾ عنوا به (٦): وقع الاكتفاء بالأولى. ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ:﴾ الجملة في موضع النصب لوقوع الفعل المنفيّ عليها (٧). ﴿مِنْ:﴾ للتفسير (٨). ﴿خَيْرٍ:﴾ نصرة ووحي ونحوهما (٩). ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ " (من): لابتداء الغاية" (١٠). ومجازه: أن ينزّل الله عليكم من خير من عنده (١١). واسم الله (١٢) مرتفع بالابتداء، أو بالفعل. ﴿يَخْتَصُّ:﴾ تخصيص الشيء: اقتطاعه من جنسه (١٣). والعموم ضدّ الخصوص (١٤). ﴿مَنْ يَشاءُ:﴾ (من) (١٥): في محلّ النصب لوقوع الاختصاص عليه، [أي:] (١٦) من يشاء اختصاصه (١٧).

стр. 209

﴿وَاللهُ:﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ذُو:﴾ خبره. وذو الشيء: من له الشيء على وجه التخصيص أو التمليك، وقد يجعل الشيء ذا معناه: وهو نفسه، كقولهم: الإنسان ذو روح وجسد، والأمر ذو بال. وهو يشبه الأخ والأب في التوحيد والتثنية، والجمع: دوو مثل: أولو وسنو (١). وذات الشيء: نفسه، وقد تجعل التاء فيه من نسج (٢) الكلمة فتثبت في (٣) النسبة. ١٠٦ - ﴿ما نَنْسَخْ:﴾ (ما): بمعنى الذي، إلا أنّ فيه معنى الشرط بدلالة جزم الفعل، نظيره: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ [البقرة:١١٠] (٤). والنّسخ في اللغة: الإزالة والإزاحة، يقال: نسخت الشمس الظلّ، والريح الأثر (٥). وتسمّى كتابة ما هو في كتاب سابق نسخا مجازا، وكذلك تسمّى نقلا، وحقيقة النقل ما يكون به فراغ محلّ لشغل محلّ (٦). واعلم أنّ نسخ الشريعة يأباه اليهود (٧) والإماميّة من الشّيعة، ولا يفرّقون بينه وبين البداء، فحجّة اليهود قول موسى ﵇: من جاءكم بخلاف ما أتيتكم به فلا تقبلوه، وحجّة الإماميّة قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ [الشورى:١٣]، وقوله: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]. ويجعلون ما تجده (٨) منسوخا من الأحكام مؤقّتا بوقت معيّن (٢٧ و) مقدّر (٩) يعلمه النبيّ أو الوصيّ من بعده، فينتهي بانتهاء وقته من غير نسخ، ويفسّرون هذه الآية بانتساخ القرآن (١٠) من اللوح المحفوظ. قلت (١١): أمّا قول موسى ﵇ فمعناه: من جاءكم مكذّبا بي مخطّئا إيّاي فلا تصدّقوه، ولم يرد به من يبتني على المعلوم الأوّل إذ هذا لا يكون مخالفا، ألا ترى أنّك إذا تيقّنت الخبر ثمّ جاء إنسان وقال: إنّ ما علمت لم يكن، فإنّك تكذّبه (١٢) لا محالة، ولو أخبرك بزواله بعد كونه لم تكذّبه، ولكنّك طالبته بالبيّنة والبرهان.

стр. 210

والمراد بالآية ما بقي من شرائعهم غير منسوخ، والآية الأخرى على ما قال الله تعالى لكنّه في تبديل على وجه البداء دون النسخ بدلالة قوله: ﴿بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل:١٠١]. وتأويل النسخ ههنا بالانتساخ خطأ (١) بدليل ما تلونا من قوله: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩] (٣). ولو كان توقيت أمر القبلة يعلمه النبيّ ﷺ لما كان لتقلّب وجهه في السماء معنى (٤). والدليل على جواز النسخ قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، ثمّ نسخ الخلق بالخلق لا يؤدّي إلى البداء فكذلك نسخ الأمر بالأمر، ولأنّ النسخ يثبت بالعقل (٥)، ألا ترى أنّ قطع العضو محظور، ثمّ إذا أصابته آفة يرجو صاحبه السلامة بالقطع كان له أن يقطعه. وإذا ثبت النسخ بالعقل ثبت بالوحي إذ هما معنيان موجبان، ولأنّه ثبت بالنقل العامّ الذي لا يمكن دفعه تزويج آدم أولاد صلبه بعضهم من بعض، وثبت بالعقل أيضا لأنّ إثبات النسل الأوّل إذ أمكن برجل وامرأة فلا بدّ في إثبات النسل في الدرجة الثانية إلا بتزويج ذوي الأرحام، وقد ثبت المحسوس على ذلك إلى اليوم (٦). وثبت بالنقل العامّ أيضا جمع يعقوب ﵇ بين أختين، لايان وراحيل (٧) ابنتا خاله، ثمّ حرم ذلك التوراة، وأحدث حكم القربان لا بني آدم، وحكم الختان لإبراهيم، والسبت، وتحريم طبخ الجدي بلبن، وصوم مدّة معيّنة، والإفطار في يوم معلوم لموسى ﵇ لم يتقدّمها إيجاب من أحد، ولا لزوم في عقل فثبت جواز النسخ (٨). والفرق بين النّسخ والبداء أنّ النسخ إزالة ما سبق العلم في كونه صلاحا في وقت دون وقت بما سبق العلم في كونه (٩) غير صلاح في الوقت الأوّل صلاحا في الوقت الثاني. والبداء هو الاستدراك عند اتّضاح الملتبس، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا (١٠). فإن قيل: قولكم في بيان النّسخ يؤدّي إلى الشكّ في الأوامر المطلقة، هل بقي كونها صلاحا

стр. 211

أم لا؟ قلنا: لا يؤدّي إلى ذلك لأنّا علمنا أنّ صلاحها إمّا يرتفع بأمر حادث وإمّا بتعذّر (١) الإتيان (٢٧ ظ) بها، وقد فات حدوث الأمر بانقطاع الوحي، والتّعذّر معدوم في الحال فلا وجه للشكّ، ثمّ إن وحد التّعذّر وقع اليقين بارتفاع الصلاح حالة التّعذّر (٢). فإن قيل: قولكم هذا يؤدّي إلى أنّ الصحابة لم يعتقدوا في الأوامر المطلقة وجوبا على التأبيد، قلنا: الواجب على السامعين اعتقاد الوجوب على شريطة بقاء الحكم دون اعتقاد الوجوب على التأبيد؛ لأنّهم لا يدرون لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا (٣). وإذا ثبت جواز النّسخ على طريق الإجمال فلنا (٤) أن نقتصر على ذكر مذهبنا فيه. اعلم أنّ ما لا يجوز نسخه ستّة أنواع: أحدها: نسخ ما يستحيل نسخه بغير جحد أو اعتراف بالكذب، كنسخ قصّة عاد وثمود وغيرهم، وكالإخبار عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠]، وعن قول الشيطان ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ [وَعْدَ الْحَقِّ]﴾ [إبراهيم:٢٢]، وعن قول الضعفاء والمستكبرين في النار وقول الملائكة لهم (٥). والثاني: نسخ ما لا يجيز العقل نسخه، كنسخ الإحسان والإذعان والإيمان (٦). والثالث: نسخ يؤدّي إلى اللوم والغرور، كنسخ ما أوجب الله تعالى من جزاء الإحسان. والرابع: نسخ يؤدّي إلى الحنث، كنسخ قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ،﴾ الآية [الأعراف:١٨]، وقوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢]، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ الآية [مريم:٧١]. ولو لم يكن للقسم مزيّة على الوعد والوعيد لما ذكر القسم. والخامس: نسخ حكم لم يفد شيئا، كنسخ ما لم ينزله جبريل ﵇ بعد، إذ هو يؤدّي إلى البداء. والسادس: نسخ (٧) لم يبيّن؛ لأنّه محال إذ ترك تبيين النسخ إبقاء للحكم الأوّل، فلا يجتمعان. وما يجوز نسخه ستّة أنواع:

стр. 212

[الأوّل:] (١) الأثقل بالأخفّ، كنسخ تحريم الرّفث ليالي الصوم بالإباحة (٢). والثاني: نسخ المثل بالمثل، كنسخ التّوجّه إلى قبلة بإيجاب التّوجّه إلى قبلة (٣). والثالث: نسخ ما هو أقلّ ثوابا بما هو أكثر ثوابا (٤)، كنسخ صوم يوم عاشوراء بصوم شهر رمضان (٥). والرابع: نسخ ما أفاد معنى قبل نسخه، كنسخ خمسين صلاة ليلة المعراج بخمس صلوات (٦). وفائدة الحكم الأوّل اعتقاد نبيّنا ﷺ وجوبها، وإكرام الله إيّاه بالتّشفيع (٧) وإمضاء ثواب خمسين صلاة بخمس صلوات (٨). وهذا النوع (٩) يأباه بعض المتكلّمين من المعتزلة وغيرهم. والخامس: نسخ ما يحمد، كنسخ ما أوجب الله تعالى أهل (١٠) الارتكاب من العذاب بالعفو، وإنّما جاز لوقوعه محمودا حسنا، لأنّه (١١) تعالى شرط لنفسه المشيئة فيه. وهذا النوع يأباه فريق من المعتزلة أيضا، ويجعلونه من حيّز الأخبار. والسادس (١٢): نسخ التلاوة مع بقاء المعنى؛ لأنّ التلاوة وحدها تتفرّد (١٣) بحكم غير حكم المعنى، وهو ترك مسّه محدثا، وإقامة التحريم (١٤) بها، فلم يقف نسخها على نسخه (١٥). وهذا النوع يأباه الزجّاج في ما روي عنه (١٦). وقد زعم بعض الزّيديّة أنّه لا ينسخ الحكم مع بقاء التلاوة، (٢٨ و) وهو غير صحيح لما بيّنّا أنّ نسخ أحدهما لا يقف على نسخ (١٧) الآخر، وقد أجمع أهل الإسلام أنّ قوله: ﴿لَكُمْ﴾

стр. 213

﴿دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (١) [الكافرون:٦] منسوخ بآية السيف (٢). وخلق النسيان جائز في الأنواع الاثني عشر كلّها، وهو مثل نسخ وليس بنسخ. ولا يختلف عندنا الحكم بين نسخ القرآن بالقرآن (٣)، ونسخ السنّة بالسنّة، ونسخ أحدهما بالآخر؛ لأنّ الكلّ من عند الله، والرسول أمين ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ [النجم:٣] (٤). وزعم بعض المخالفين أنّ نسخ القرآن بالسنّة لا يجوز (٥)، ويتعيّن في بعض الأحكام على ما نذكره إن شاء الله تعالى (٦). ١٠٧ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ:﴾ بمعنى الإثبات، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] (٧)، قال الشاعر (٨): [من الوافر] ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ:﴾ من حقّ اسم (أنّ) أن (٩) يكون في محلّ الخبر (١٠) مجرورا باللام، كقوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ﴾ [الأعراف:١٢٨]، فلمّا وقع الابتداء باسمه تعالى لكونه أهمّ وجب ذكر (١١) ضمير عائد إليه وهو الهاء في (له) (١٢)، كقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]. إن فسّر (الوليّ) (١٣) بالذي يلي الأمر حلاّ وعقدا بغير إذن من جهة من يلي أمره (١٤)، فالخطاب عامّ، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ [الشورى:٩]، وإن فسّر بالودود، نقيض: العدوّ (١٥)، فالخطاب متوجّه إلى المؤمنين خاصّة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ﴾

стр. 214

﴿آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]. و (النّصير): النّاصر، على طريق المبالغة، كالشّهيد والقعيد (١). ١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ:﴾ اختلف في سبب نزولها، قيل (٢): إنّها نزلت حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ (٩٠). . . ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٣]، وهذا بعيد؛ لأنّ ظاهر الخطاب ههنا للمؤمنين دون الكافرين. وقيل: سأل (٣) النبيّ ﷺ قوم ممّن حدث إسلامهم أن يتّخذوا عيدا (٤) عند شجرة أنواط كما كانت الكفّار تتّخذ، فقال ﷺ : (إن تريدون منّي إلا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]) (٥)، وهذا أقرب إلى الصواب. ويحتمل أنّهم كانوا يقولون: (راعنا) متابعة لليهود، ويظنّون أنّه أحسن للخطاب، ويستدلّون بكون اليهود أعرف بخطاب الأنبياء منهم لقراءتهم الكتب، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأعلمهم قبح موافقة اليهود، وما يؤدّون إليه من الكفر والضّلال، إذ هم الذين (٦) قالوا: ﴿أَرِنَا اللهَ [جَهْرَةً]﴾ (٧) [النساء:١٥٣]، و ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ [فَقاتِلا]﴾ (٨) [المائدة:٢٤]، و ﴿آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب:٦٩]. و (أم) ههنا بمعنى (بل)، كقولك: إنّها لإبل أم شاء (٩). والدليل على أنّه منقطع لم يسبقه في بابه استفهام فيكون بمعنى (أو) (١٠) على جهة النسق. إلا أنّ بين (بل) وبين (أم) فرقا (١١)؛ لأنّ ما يلي (بل) يقع مقطوعا به (١٢)، وما يلي (أم) يقع موهوما (١٣). ويحتمل أنّ المراد بقوله (١٤): ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ:﴾

стр. 215

ألم تعلموا؟ فيكون (أم) متّصلا (٢٨ ظ) مردودا على ألف الاستفهام (١). ﴿وَمَنْ:﴾ بمعنى (الذي)، وفيه معنى الشرط؛ لأنّه جزم الفعل واقتضى الجزاء، نظيره: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب:٣١]، و ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [طه:٧٤] (٢). ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ:﴾ [بعد الإيمان] (٣)، والتّبدّل: اتّخاذ البدل (٤)، كما أنّ التّزوّد اتّخاذ الزّاد. ﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ قصدها (٥). والمراد بالسّبيل النّهج (٦). ١٠٩ - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ قيل (٧): سبب نزولها قول حيي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب وكعب بن الأشرف لحذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر بعد يوم أحد شامتين: أما رأيتم ما أصابكم فارجعا (٨) إلى دينكما الأوّل، قال أحدهما: إنّي عاهدت الله أن لا أكفر بمحمّد، وقال الآخر (٩): الله ربّي والقرآن إمامي ومحمّد رسولي. وقيل: هي عامّ. والكثير ضدّ القليل (١٠). ﴿كُفّاراً:﴾ نصب على القطع؛ لأنّه جاء بعد تمام الكلام (١١)، وعند البصريّين نصب على الحال (١٢). ﴿حَسَداً:﴾ "مفعول له" (١٣)، فانتصب بنزع الخافض. والحسد أن لا تؤهل ذا نعمة لها (١٤). وإنّما قال: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لتأكيد وصفهم بالعدوان، وأنّه لا وجه لحسدهم عند غيرهم (١٥).
следующие страницы →