← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أم لا؟ قلنا: لا يؤدّي إلى ذلك لأنّا علمنا أنّ صلاحها إمّا يرتفع بأمر حادث وإمّا بتعذّر (١) الإتيان (٢٧ ظ) بها، وقد فات حدوث الأمر بانقطاع الوحي، والتّعذّر معدوم في الحال فلا وجه للشكّ، ثمّ إن وحد التّعذّر وقع اليقين بارتفاع الصلاح حالة التّعذّر (٢). فإن قيل: قولكم هذا يؤدّي إلى أنّ الصحابة لم يعتقدوا في الأوامر المطلقة وجوبا على التأبيد، قلنا: الواجب على السامعين اعتقاد الوجوب على شريطة بقاء الحكم دون اعتقاد الوجوب على التأبيد؛ لأنّهم لا يدرون لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا (٣). وإذا ثبت جواز النّسخ على طريق الإجمال فلنا (٤) أن نقتصر على ذكر مذهبنا فيه. اعلم أنّ ما لا يجوز نسخه ستّة أنواع: أحدها: نسخ ما يستحيل نسخه بغير جحد أو اعتراف بالكذب، كنسخ قصّة عاد وثمود وغيرهم، وكالإخبار عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠]، وعن قول الشيطان ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ [وَعْدَ الْحَقِّ]﴾ [إبراهيم:٢٢]، وعن قول الضعفاء والمستكبرين في النار وقول الملائكة لهم (٥). والثاني: نسخ ما لا يجيز العقل نسخه، كنسخ الإحسان والإذعان والإيمان (٦). والثالث: نسخ يؤدّي إلى اللوم والغرور، كنسخ ما أوجب الله تعالى من جزاء الإحسان. والرابع: نسخ يؤدّي إلى الحنث، كنسخ قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ،﴾ الآية [الأعراف:١٨]، وقوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢]، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ الآية [مريم:٧١]. ولو لم يكن للقسم مزيّة على الوعد والوعيد لما ذكر القسم. والخامس: نسخ حكم لم يفد شيئا، كنسخ ما لم ينزله جبريل ﵇ بعد، إذ هو يؤدّي إلى البداء. والسادس: نسخ (٧) لم يبيّن؛ لأنّه محال إذ ترك تبيين النسخ إبقاء للحكم الأوّل، فلا يجتمعان. وما يجوز نسخه ستّة أنواع:

стр. 212

[الأوّل:] (١) الأثقل بالأخفّ، كنسخ تحريم الرّفث ليالي الصوم بالإباحة (٢). والثاني: نسخ المثل بالمثل، كنسخ التّوجّه إلى قبلة بإيجاب التّوجّه إلى قبلة (٣). والثالث: نسخ ما هو أقلّ ثوابا بما هو أكثر ثوابا (٤)، كنسخ صوم يوم عاشوراء بصوم شهر رمضان (٥). والرابع: نسخ ما أفاد معنى قبل نسخه، كنسخ خمسين صلاة ليلة المعراج بخمس صلوات (٦). وفائدة الحكم الأوّل اعتقاد نبيّنا ﷺ وجوبها، وإكرام الله إيّاه بالتّشفيع (٧) وإمضاء ثواب خمسين صلاة بخمس صلوات (٨). وهذا النوع (٩) يأباه بعض المتكلّمين من المعتزلة وغيرهم. والخامس: نسخ ما يحمد، كنسخ ما أوجب الله تعالى أهل (١٠) الارتكاب من العذاب بالعفو، وإنّما جاز لوقوعه محمودا حسنا، لأنّه (١١) تعالى شرط لنفسه المشيئة فيه. وهذا النوع يأباه فريق من المعتزلة أيضا، ويجعلونه من حيّز الأخبار. والسادس (١٢): نسخ التلاوة مع بقاء المعنى؛ لأنّ التلاوة وحدها تتفرّد (١٣) بحكم غير حكم المعنى، وهو ترك مسّه محدثا، وإقامة التحريم (١٤) بها، فلم يقف نسخها على نسخه (١٥). وهذا النوع يأباه الزجّاج في ما روي عنه (١٦). وقد زعم بعض الزّيديّة أنّه لا ينسخ الحكم مع بقاء التلاوة، (٢٨ و) وهو غير صحيح لما بيّنّا أنّ نسخ أحدهما لا يقف على نسخ (١٧) الآخر، وقد أجمع أهل الإسلام أنّ قوله: ﴿لَكُمْ﴾

стр. 213

﴿دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (١) [الكافرون:٦] منسوخ بآية السيف (٢). وخلق النسيان جائز في الأنواع الاثني عشر كلّها، وهو مثل نسخ وليس بنسخ. ولا يختلف عندنا الحكم بين نسخ القرآن بالقرآن (٣)، ونسخ السنّة بالسنّة، ونسخ أحدهما بالآخر؛ لأنّ الكلّ من عند الله، والرسول أمين ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ [النجم:٣] (٤). وزعم بعض المخالفين أنّ نسخ القرآن بالسنّة لا يجوز (٥)، ويتعيّن في بعض الأحكام على ما نذكره إن شاء الله تعالى (٦). ١٠٧ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ:﴾ بمعنى الإثبات، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] (٧)، قال الشاعر (٨): [من الوافر] ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ:﴾ من حقّ اسم (أنّ) أن (٩) يكون في محلّ الخبر (١٠) مجرورا باللام، كقوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ﴾ [الأعراف:١٢٨]، فلمّا وقع الابتداء باسمه تعالى لكونه أهمّ وجب ذكر (١١) ضمير عائد إليه وهو الهاء في (له) (١٢)، كقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]. إن فسّر (الوليّ) (١٣) بالذي يلي الأمر حلاّ وعقدا بغير إذن من جهة من يلي أمره (١٤)، فالخطاب عامّ، قال الله تعالى: ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ [الشورى:٩]، وإن فسّر بالودود، نقيض: العدوّ (١٥)، فالخطاب متوجّه إلى المؤمنين خاصّة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ﴾

стр. 214

﴿آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]. و (النّصير): النّاصر، على طريق المبالغة، كالشّهيد والقعيد (١). ١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ:﴾ اختلف في سبب نزولها، قيل (٢): إنّها نزلت حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ (٩٠). . . ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٣]، وهذا بعيد؛ لأنّ ظاهر الخطاب ههنا للمؤمنين دون الكافرين. وقيل: سأل (٣) النبيّ ﷺ قوم ممّن حدث إسلامهم أن يتّخذوا عيدا (٤) عند شجرة أنواط كما كانت الكفّار تتّخذ، فقال ﷺ : (إن تريدون منّي إلا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]) (٥)، وهذا أقرب إلى الصواب. ويحتمل أنّهم كانوا يقولون: (راعنا) متابعة لليهود، ويظنّون أنّه أحسن للخطاب، ويستدلّون بكون اليهود أعرف بخطاب الأنبياء منهم لقراءتهم الكتب، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأعلمهم قبح موافقة اليهود، وما يؤدّون إليه من الكفر والضّلال، إذ هم الذين (٦) قالوا: ﴿أَرِنَا اللهَ [جَهْرَةً]﴾ (٧) [النساء:١٥٣]، و ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ [فَقاتِلا]﴾ (٨) [المائدة:٢٤]، و ﴿آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب:٦٩]. و (أم) ههنا بمعنى (بل)، كقولك: إنّها لإبل أم شاء (٩). والدليل على أنّه منقطع لم يسبقه في بابه استفهام فيكون بمعنى (أو) (١٠) على جهة النسق. إلا أنّ بين (بل) وبين (أم) فرقا (١١)؛ لأنّ ما يلي (بل) يقع مقطوعا به (١٢)، وما يلي (أم) يقع موهوما (١٣). ويحتمل أنّ المراد بقوله (١٤): ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ:﴾

стр. 215

ألم تعلموا؟ فيكون (أم) متّصلا (٢٨ ظ) مردودا على ألف الاستفهام (١). ﴿وَمَنْ:﴾ بمعنى (الذي)، وفيه معنى الشرط؛ لأنّه جزم الفعل واقتضى الجزاء، نظيره: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب:٣١]، و ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [طه:٧٤] (٢). ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ:﴾ [بعد الإيمان] (٣)، والتّبدّل: اتّخاذ البدل (٤)، كما أنّ التّزوّد اتّخاذ الزّاد. ﴿سَواءَ السَّبِيلِ:﴾ قصدها (٥). والمراد بالسّبيل النّهج (٦). ١٠٩ - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ قيل (٧): سبب نزولها قول حيي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب وكعب بن الأشرف لحذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر بعد يوم أحد شامتين: أما رأيتم ما أصابكم فارجعا (٨) إلى دينكما الأوّل، قال أحدهما: إنّي عاهدت الله أن لا أكفر بمحمّد، وقال الآخر (٩): الله ربّي والقرآن إمامي ومحمّد رسولي. وقيل: هي عامّ. والكثير ضدّ القليل (١٠). ﴿كُفّاراً:﴾ نصب على القطع؛ لأنّه جاء بعد تمام الكلام (١١)، وعند البصريّين نصب على الحال (١٢). ﴿حَسَداً:﴾ "مفعول له" (١٣)، فانتصب بنزع الخافض. والحسد أن لا تؤهل ذا نعمة لها (١٤). وإنّما قال: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لتأكيد وصفهم بالعدوان، وأنّه لا وجه لحسدهم عند غيرهم (١٥).

стр. 216

﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ:﴾ من نعت نبيّنا (١) ﷺ في ما قبل، وظهور (٢) معجزاته في الحال. ﴿فَاعْفُوا وَاِصْفَحُوا:﴾ أحدهما قريب من الآخر في الاستعمال إلا أنّ أصل الصفح من الإعراض (٣). وهذا الحكم منسوخ بآية السيف (٤)، وقيل (٥): منسوخ بحكم قتل بني قريظة وإجلاء بني النّضير، وهو الأصحّ. ١١٠ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ الألف واللام في (الصلاة) و (الزكاة) للجنس. وهما مجملان، وتفسيرهما ما ثبت (٦) عن النبيّ ﷺ أنّ الصلاة على المكلّف في اليوم والليلة خمس أوّلها الظهر من حين تزول الشمس إلى دخول وقت العصر إلى الغروب (٧)، ثمّ المغرب إلى العشاء، ثمّ العشاء إلى طلوع الفجر، ثمّ الفجر (٨) إلى طلوع الشمس. ولا يتداخل وقتان ما عدا عرفة بعرفات وليلة الجمع (٩) بالجمع لقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣]. وروي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: (إنّ الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي صلاة الوتر، فصلّوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر) (١٠)، رواه أبو يعفور عمّن حدّثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، واسم أبي يعفور وقدان الكوفيّ العبديّ، سمع ابن أبي أوفى وأنسا وعرفجة، روى عنه أبو حنيفة والثّوريّ وشعبة (١١). وأمّا الزكاة فهو النّصاب المقدّر في المال عند المكلّف دون العفو مؤجّلة بحول الحول (١٢).

стр. 217

وأموال الزكاة الذّهب والفضّة وما في حكمهما من أموال التّجارة، والأنعام وهي ثلاثة أجناس: الإبل والبقر والغنم، وأمّا الخيل فهي في حكم البغال والحمير من وجه كراهة لحومها، وفي حكم الأنعام من وجه وجوب الزكاة (٢٩ و) فيها؛ لأنّ الله تعالى ذكرها في موضعين، ورويت الأخبار من الجانبين راعيناه احتياطا. والحرث وهو ما ينبت على الجنس في غير أرض الخراج، ولا نصاب فيه. ويجوز أخذ الأموال في الزكوات (١) لورود الأخبار. والأمر المؤقّت يجب (٢) في أوّل الوقت موسّعا ويتضيّق بآخره، ولآخره تأثير في أوّله؛ لأنّ ورود الأمر يسبق التأجيل الإقبال فيجب في الحال (٣) كالأمر المطلق، ثمّ طريان التأجيل ينتج التأخير ولا يرفع الوجوب، كتأجيل الدّيون والمبيعات، غير أنّ العذر الواقع في آخر الوقت كالعذر الواقع في أوّل الوقت، كما في عقد الكتابة وإسقاط كلّ الصلاة عند الحيض وشطرها عند السفر. ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ:﴾ تقديم الشيء جعله قبل الآخر، والمراد به إسلاف الخير والشرّ قبل الموت والانتقال إلى حكم الآخرة (٤). ﴿تَجِدُوهُ:﴾ أي: تجدوا ثوابه [﴿عِنْدَ اللهِ﴾] (٥). ١١١ - ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ:﴾ الآية، نزلت في إخبار من نزل فيه قوله: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ﴾ [البقرة:٩٤] (٦). و (هود) (٧) جمع هائد، كما أنّ (عوذا) جمع عائذ (٨)، وهو الناقة إذا وضعت وبعد ما (٩) تضع أيّاما، وفي الحديث: (ومعهم العوذ المطافيل) (١٠). وقيل: هود اسم فعل معهود مبهم وهو تهودهم، فأدخلت التاء (١١) الضمير صاحب الفعل ثمّ أسقطت ههنا للتخفيف فرجع إلى ما كان (١٢). ويحتمل أنّ يهود وهودا لمّا تشابها في اللفظ أقيم هود مقام يهود للتخفيف مع عدم

стр. 218

الإيهام، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ [الفتح:٢٩]، ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]. ﴿تِلْكَ:﴾ إشارة إلى كلمات القبيلتين (١). ﴿أَمانِيُّهُمْ:﴾ الأماني جمع أمنيّة (٢)، وهي اسم من التّمنّي وهو (٣) التّشهّي. ﴿قُلْ هاتُوا:﴾ (هات): أداة للسّؤال كما أنّ هاء وهاك أداة للإعطاء (٤). والأصل فيه فعل، أي: آت، فقلبت الهمزة هاء كما في هراق، ثمّ جعل من حيّز الحروف فمنع (٥) الصّرف إلا على جهة (٦) الأمر. و (البرهان) (٧): الحجّة الواضحة، يقال: برهن الرجل، إذا ذكر حجّة قوله (٨). وكان البرهان المطلوب منهم (٩) تمنّي الموت. ١١٢ - ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ:﴾ ردّ لزعمهم (١٠) ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى.﴾ وإسلام الوجه للشيء صرف الإقبال إليه، وتسليم النفس، وتفويض الأمر (١١)، ومنه يقال في عقد السّلم: أسلم كذا وكذا إليه. وهذه صفة المسلمين دون اليهود والنصارى، قال زيد بن عمرو بن نفيل (١٢): [من المتقارب] وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا إذا (١٣) ... هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبّت عليها سجالا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ:﴾ شرط ضمّ الإحسان إلى الإسلام لئلا يأمن المسيء من جملة المسلمين (١٤).

стр. 219

﴿فَلَهُ أَجْرُهُ:﴾ يعني إدخال الجنّة (١). (٢٩ ظ) ١١٣ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ:﴾ نزلت في جماعة وفد نجران ويهود المدينة، تجادلوا وحاجّ بعضهم بعضا على قضيّة (٢) التوراة، فجحد كلّ فريق حجّة خصمه ومنعها على طريق الجدال مع تلاوتهم التوراة وإقرارهم بها جميعا، كما جحد كفّار قريش حيث ﴿قالُوا سِحْرانِ (٣)﴾ تَظاهَرا [القصص:٤٨]، ولم يذهبوا في المحاجّة مذهب المسلمين (٤) بأن يقولوا: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ (٥)﴾ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:٦٤]، فأنزل الله الآية ذمّا لهم (٦). و (ليس): أداة نفي تشبه اللفظ الماضي (٧). (على شيء): طريق أو رأي متجه أو نحوهما (٨). ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ:﴾ والحكم هو القضاء المانع عن الخلاف إلجاء أو غير إلجاء (٩)، وأراد ههنا الإلجاء وذلك بإنطاق الجلود وشهادة الرسل على الأمم وغير ذلك ممّا يشاء الله تعالى وقدّره. و (الاختلاف) (١٠): نقيض الاتّفاق (١١). ١١٤ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ:﴾ قال ابن عبّاس: نزلت في الروم لغزوهم بيت المقدس (١٢)، وإلى هذا ذهب مجاهد والفرّاء (١٣)، يدلّ عليه سبق ذكر النصارى ودخول النصارى خائفين في البيت المقدّس إلى يومنا هذا. وعن الحسن وقتادة والسدّي أنّها نزلت في بختنصر، يدلّ عليه أنّه لمّا جرى ذكر اليهود والنصارى ومشركي العرب والوعد بالحكم في اختلافهم ذكر المجوس أيضا وأشركهم في الذّمّ من وجه آخر (١٤). وعن ابن زيد أنّها نزلت في قريش وغيرهم

стр. 220

من مشركي العرب (١)، وهذا هو الأقرب؛ لأنّهم كانوا يصدّون عن المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وفيهم نزل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ [التوبة:٢٨]. (ومن أظلم): ورد ورود الاستفهام ومعناه الإنكار. ﴿مَساجِدَ اللهِ:﴾ جمع وهو واحد؛ لأنّ العرب تجمع الشيء بنواحيه فتقول: ثوب أسمال. ويحتمل أنّه جمع (مسجد) بفتح الجيم، وذلك موضع السجود (٢). ويحتمل أنّ المراد به المسجد الحرام ومسجد الخيف والمشعر الحرام (٣)؛ لأنّ الصّدّ كان عن جميعها. و (عن) مضمر، [أي] (٤) عن ﴿أَنْ يُذْكَرَ،﴾ كما يقال: نهيته أن يفعل، أي: عن أن يفعل (٥) كذا. ﴿وَسَعى فِي خَرابِها:﴾ والسّعي في الشيء بالصلاح والفساد هو الشّروع (٦). وإنّما وحّد الفعل ب (من)، وقال (٧): ﴿أُولئِكَ﴾ لما سبق القول في مثله (٨). ﴿ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ:﴾ نفى دخولهم فيها إلا على الصفة المستثناة بعد صدّهم عنها، وإنّما كان ذلك عام حجّة الوداع بعد الحجّ الأكبر (٩)، أو عام فتح الله تعالى بيت المقدس على يدي عمر (١٠)، فمن دخل من الكفّار، منافقا أو أسيرا أو بعهد أو بذمّة، هذين المسجدين أو غيرهما من المساجد، وهو مستثنى؛ لأنّه مقهور خفيّ خائف، وإن كان خوف دون خوف. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ:﴾ قتلهم يوم بدر، وقهرهم يوم الفتح، وصدّهم عام حجّة الوداع، (٣٠ و) ومضيّ الجهاد إلى آخر الدهر (١١)، أو [هو] (١٢) فتح الشام وهلاك قيصر وفتح الروم

стр. 221

كلّها في آخر الزمان (١)، أو فتح العراق وما يليها من بلاد المجوس وهلاك كسرى. والعذاب العظيم في الآخرة (٢) ما أعدّ الله للكافرين من النار والخسار (٣). ١١٥ - ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ:﴾ نزلت في الصلاة على الراحلة تطوّعا، هكذا روي (٤). وروي عن ابن عمر (٥) صلاة النبيّ ﷺ على الراحلة تطوّعا في الصحارى حيثما توجّهت به راحلته، وعن (٦) سعد بن أبي وقّاص وعامر بن أبي ربيعة وأبي موسى الأشعري وجابر وأنس. وأفادت الآية حكم جواز البناء بعد الانصراف للحرب، وجواز التوجّه إلى غير القبلة في صلاة الخوف على الراحلة (٧). والشرق: الطلوع، والإشراق: الإضاءة، والمشرق: مكان شروق الشمس والقمر وسائر (٨) الطوالع من السماء على الدنيا من نواحي سهيل إلى بنات نعش. والمغرب (٩) نقيضه من نواحي سهيل إلى بنات نعش. فالصّبا والجنوب (١٠) بالمشرق، والشّمال والدّبور بالمغرب. و (أين) (١١): استفهام عن المكان، فإذا اتّصلت ب (ما) صارت للشرط وعمّت الأماكن عموم (أيّ) (١٢)، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:٧٨]، ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة:١٤٨]. ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ:﴾ (ثمّ): اسم ظرف مشار إليه (١٣). و (وجه الله) ليس كأوجه خلقه، وهو خالق الوجوه، متعال عن الحلول في الجهات

стр. 222

والأقطار، وهو أقرب من حبل الوريد، . وقد أوّل من أوّل (١) من أصحابنا بأنّه الإقبال بالرحمة والرّضوان والقبول، وهو ممكن أن يكون مرادا (٢). (الواسع) (٣): الذي لا يضيق علما ورحمة وقدرة (٤)، قال زيد بن عمرو (٥): [من البسيط] إنّ الإله عزيز واسع حكم (٦) ... بكفّه الخير والباساء والنّعم ١١٦ - ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً:﴾ زعمت (٧) اليهود أنّ الله اتّخذ عزيرا ولدا، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، وزعمت النصارى أنّ الله ولد عيسى، وزعم بنو مليح ومن تابعهم من مشركي العرب أنّ الملائكة بنات الله (٨)، وزعم المجوس أنّ الشمس والقمر ولدان لله تعالى، وقالت طائفة منهم: إنّ الله تعالى اتّخذ الظلمة صاحبة فتولّد العالم منهما، بأفواههم أجمعين التراب، فأنزل الله هذه الآية تنزيها لنفسه، وتصديقا للمؤمنين، وتكذيبا للكفّار. ونكتة الردّ أحد حرفين: إمّا اللام في ﴿لَهُ﴾ إن كان المراد بها التمليك، إذ الملك والتبنّي لا يجتمعان (٩)، وإمّا الإخبار عن بدء الأشياء بقوله (١٠) وفعله دون استحالة طبيعة من نفسه، وإذا عدمت الطبيعة عدمت الولادة، وكذلك اتّخاذ الولد (١١). ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ:﴾ ذكر ابن الأنباري أنّ (١٢) القنوت يفسّر على أربعة أوجه: "الصلاة وطول القيام وإقامة الطاعة والسكوت" (١٣). (٣٠ ظ) أصل القنوت في اللغة هو القيام بالمراد على وجه الانقياد (١٤). وقنوت الكلّ كسجود الكلّ ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ [الرعد:١٥] (١٥).

стр. 223

١١٧ - ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ فعيل بمعنى المفعل كالسّميع والأليم (١)، قال (٢): [من الوافر] أمن ريحانة الدّاعي السّميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع الإبداع: الإحداث (٣)، والشيء المحدث ما حدث بعلّة (٤) من جهة القادر لا على قضيّة الطبيعة هو الطبع طبع الأشياء كيف شاء حكيما مبرما. ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً:﴾ والقضاء: قطع الشيء وإتمامه وإمضاؤه (٥)، قال (٦): [من الكامل] وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السّوابغ تبّع وقد يكون القضاء بمعنى الأداء (٧). و (الأمر) ههنا المقول، وهو تسمية الشيء (٨) الكائن فيكون المسمّى بتكوين الفاعل شيئا من لا شيء باسمه الذي وقعت التسمية به، فسبحان الله الذي له الخلق والأمر. ويحتمل أنّ الأمر ههنا هو الشأن المحدث بالإرادة، يعدّ موهوما فيقول له: كن، أي: معقولا، فيكون بأمره وفعله كذلك (٩). ١١٨ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ:﴾ نزلت في مشركي العرب في أوجه الأقاويل وأقربها (١٠)؛ لأنّه ذكرهم بما سبق ذكرهم به عند مجادلة اليهود والنصارى. ﴿لَوْلا:﴾ ههنا على التحضيض بمعنى لو ما وهلا (١١)، ونظيره: ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣]. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ عاد (١٢) إذ قالوا لهود: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف:٧٠]، وثمود إذ قالوا: ﴿يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف:٧٧]، وفرعون إذ قال: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾

стр. 224

﴿فَأْتِ بِها﴾ [الأعراف:١٠٦]، وبنو إسرائيل لقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]، والنصارى إذ قالوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة:١١٢] (١). وإنّما يطالبون بهذه الأشياء تمرّدا وتعنّتا، ولم يقصدوا به الاستدلال للطمأنينة والبيان، فذمّهم الله جميعا، وشبّه بعضهم ببعض (٢). وفي الآية دليل أنّ الكفر كلّه ملّة واحدة. ١١٩ - ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ:﴾ أنفذناك، وقد يكون الإرسال إطلاقا في غير هذا الموضع (٣). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ ودين الحقّ هو (٤) الإسلام. والباء مكان (مع) (٥). ﴿بَشِيراً:﴾ مخبرا بالخبر السارّ (٦). ﴿وَنَذِيراً:﴾ منبّها محذّرا بخبر مكروه (٧). قال ﷺ : (بشّر أهل الطاعة بالجنّة والرّضوان، وأنذر أهل المعصية بالنار والخسران) (٨). ﴿عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ:﴾ أصحاب جمع صحاب، وصحاب جمع (٩) صحب، مثل ركاب وركب، ثمّ صحب جمع صاحب، ويحتمل أنّ الأصحاب جمع قلّة. و (الجحيم): النار العظيمة، قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافّات:٩٧]، وقيل: الجحيم: التهاب النار (١٠). ١٢٠ - ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ [وَلا النَّصارى] (١١)﴾: والرّضا عن الشيء: صرف السخط عنه بوجود (١٢) المرضيّ منه (١٣)، والمرضيّ هو المحمود. ولم يكن الإسلام محمودا عند اليهود والنصارى فلم يرضوا عن النبيّ ﷺ .

стр. 225

﴿حَتّى تَتَّبِعَ:﴾ (حتى) تدخل في الكلام لثلاثة معان: (٣١ و) الغاية نحو (إلى)، والتعليل نحو (كي)، والعطف بمعنى المبالغة (١). فالغاية (٢) تدخل على الأسماء والأفعال جميعا، والتعليل مختصّة بالأفعال، والعطف بالأسماء. وإذا وليها فعل مضارع فهو مرفوع أو منصوب، وفي ذلك وجهان: متى رأيت قبلها فعلا يطول أو يكثر منفيّا أو مثبتا، وبعدها فعل مضارع حكمه (٣) حكم الفعل الأوّل في الماضي والاستقبال [فانصبه] (٤) بتقدير (أن)، قال الله تعالى: ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ،﴾ وقال: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٥) [البقرة:٢١٤]، وقال: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣]، وقال الشاعر (٦): [من الطويل] وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الدّم حتّى تحسب الجون أشقرا لأنّ المراد ترداد الفعل (٧) وإطالته، فيكون الفعل الثاني في حكم الفعل الأوّل. وإن كان الفعل المضارع منفيّا ب (لا)، وحسنت (ليس) مكان (لا) فرفعه حسن، قياسا على المنفيّ ب (لا) بعد (أن لا)، نحو قوله: ﴿أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ [طه:٨٩]، ﴿أَلاّ تَكُونَ (٨)﴾ فِتْنَةٌ [المائدة:٧١]. ومتى رأيت قبلها فعلا ليس فيه معنى الطول والكثرة، وبعدها فعلا لم يكن (٩) حكمه حكم ما قبلها في الماضي والاستقبال، أو كان الفعل لفاعل الأوّل فارفعه نحو قولك (١٠): جئت حتى أكون قريبا منك؛ لأنّ الفعل (١١) بعد (حتى) إمّا فعل حال مضت أو حال أنت فيها، وفعل (١٢) الحال لا يقع إلا مرفوعا، فإن كان الفعل لغير فاعل الأوّل فانصبه أو ارفعه، وأكثر النّحويّين على النّصب. وإذا وليها اسم فهو معرب بإحدى الحركات الثّلاث (١٣)، وفي ذلك وجهان أيضا: متى رأيت بعدها اسما لا يصلح أن يكون معطوفا على ظاهر أو مقدّر فاخفضه

стр. 226

كقوله: ﴿حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف:٣٥]، و ﴿حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٥]. ومتى رأيت بعدها اسما يصلح أن يكون معطوفا على ظاهر أو مقدّر فأتبعه المعطوف في الإعراب كقولك: أكلت السّمكة حتّى رأسها، قال (١): [من الطويل] فيا عجبا حتّى كليب تسبّني (٢) ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع (٣) ﴿مِلَّتَهُمْ:﴾ والملّة: معظم الدّين والشّريعة، عن ابن الأعرابيّ، قال أبو العبّاس: يعني بالمعظم: الجملة. وكأنّها مستعارة من الملّة التي هي الدّية والأرش (٤)؛ لأنّها مسنونة مشروعة مثلها. قيل (٥): اشتقاقها من الملّة وهي الرّمل المحمّى (٦)، وقيل: من قولك: تملّيت الثّوب، إذا لبستها ملاوة من الدّهر (٧). وفي الآية دليل أنّ الكفر ملّة واحدة (٨). ﴿وَلَئِنِ:﴾ حرف شرط دخلت عليه اللام لنوع تأكيد، وأكثر ما تدخل (٩) عند القسم. ﴿بَعْدَ الَّذِي:﴾ أي: بعد العلم الذي جاءك. و (من) الأولى للتّفسير، والثّانية لتأكيد النّفي (١٠). ١٢١ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ نزلت في مؤمني أهل الكتاب، عن ابن (١١) زيد، وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٢). وفي عامّة المسلمين، عن قتادة (١٣). ﴿يَتْلُونَهُ:﴾ فعل (٣١ ظ) بمعنى النعت المنصوب على القطع، أو الحال، وتقديره: تالين إيّاه، لا يجوز غير هذا على قول ابن زيد (١٤). ويكون خبرا على قول قتادة (١٥).

стр. 227

والمراد بالتّلاوة: الاتّباع (١)، عن ابن عبّاس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء (٢). والمراد ب (الحقّ) (٣) الحقيقة. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ:﴾ بمحمّد، أو الكتاب (٤). ١٢٣ - ﴿وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ:﴾ النّفع هو التأثير بالخير (٥)، ونقيضه: الضرّ (٦). ١٢٤ - ﴿وَإِذِ اِبْتَلى:﴾ الابتلاء: الاختبار (٧). وابتلاء الله (٨) عبده ليحدث فعله معلوما لله تعالى حالة (٩) الحدوث، إذ يستحيل أن يكون (١٠) ما لم يكن معلوما في نفسه، وإن كان العلم سابقا بمعنى المشيئة والتقدير (١١). و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ ﵇ هو خليل الله، ابن تارح بن ناحور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ ابن عمّ يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ، وشالخ (١٢) ونوبجهان أبو جم ابنان لأرفخشد، وأرفخشد (١٣) وإرم أبو عاد ابنان لسام بن نوح صلوات الله عليهما، في ما يروى (١٤). وكأنّه سمّي إبراهيم لأنّه فارق أباه في صباه متحيّرا متفكّرا في أمر الرّبوبيّة فسمّي إبراهام وإبراهيم، ثمّ حقّق الله عليه الاسم بأن قال: ﴿إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [الممتحنة:٤]، وهاجر إلى ربّه يهيم. ﴿بِكَلِماتٍ:﴾ هي الأوامر من الأصول والفروع مثل (١٥) قوله: ﴿أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة:١٣١] (١٦)، وقوله: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ [هود:٧٦]، وقوله: ﴿يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾

стр. 228

إلى أن قال (١): ﴿يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافّات:١٠٢ - ١٠٥]. وقيل (٢): الكلمات هي الخصال اللواتي خمس منهنّ في الرأس وخمس في الجسد. وقيل (٣): هي الخصال التي في أوّل سورة المؤمنين وما يشاكلها في سائر السّور. ﴿فَأَتَمَّهُنَّ:﴾ يحتمل أنّه فعل الله تعالى فيكون بمعنى القضاء والإبرام (٤)، ويحتمل أنّه فعل إبراهيم ﵇ فيكون بمعنى الوفاء بها (٥). ﴿لِلنّاسِ إِماماً:﴾ والإمام: الذي ينتهى إلى رأيه وقوله اقتداء (٦). وليس من شرط الإمام (٧) الائتمام بالإمام في فعله المجرّد ما لم ينضمّ إليه رأي (٨) أو قول، وذلك يؤدّي إلى المضاهاة والمساواة. وعلى الإمام رعاية المؤتمّين، قال الله تعالى لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ [الحجّ:٢٧]، وقال: ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]. ﴿قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ ذرّيّة الرجل: ما يتفرّق وينتشر منه على وجه الأرض (٩). وقيل (١٠): هي من ذرأ الله الخلق بالهمزة، فتكون (١١) الذرّيّة: خليقة الله منه. ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ:﴾ (النّيل) هو الإدراك والإصابة (١٢). و (العهد): الوصيّة والأمانة لقوله (١٣): ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ.﴾ والظلم ههنا ظلم الاعتقاد لا ظلم السيرة لقوله: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤] (١٤)، يدلّ عليه قوله في شأن أهل مكّة وهم ذرّيّة إبراهيم: ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾

стр. 229

﴿بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، وفيهم: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا﴾ (١) (٣٢ و) ﴿مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ [النساء:٧٥]، وفيهم قوله تعالى: ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤]. وأمّا ظلم السيرة إذا أكثر الإمام الظلم (٢) لم تزل ولايته؛ لأنّ يونس ظلم نفسه بعد ما بعث فلم يكن ذلك عزلا. وقال لداود: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤]، وكان إماما فلم يؤثّر في إمامته، ولكن كلّف على خلع نفسه إن سهل ذلك من غير فتنة (٣). ١٢٥ - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا:﴾ أراد به الحكم ههنا دون التّصيير (٤). ﴿الْبَيْتَ:﴾ المسكن، سواء كان خيمة أو جدارا أو سربا في الأرض. وإنّما سمّي البيت بيتا؛ لأنّه يبات فيه (٥). والجمع: بيوت، وقيل: أبيات (٦). والمراد ههنا البيت العتيق، أدام الله حراسته (٧). ﴿مَثابَةً:﴾ (مفعلة) من ثاب يثوب، كالمفازة والمنارة (٨). ويقال: إنّ فلانا لمثابة، إذا كان يأتيه الناس للرعية ويرجعون مرة بعد أخرى وثانية بعد أولى (٩). والهاء للمبالغة عند الأخفش (١٠) كالنّسّابة والعلاّمة، ولا معنى لها عند الزجّاج والفرّاء كالمقام والمقامة (١١). ﴿وَأَمْناً:﴾ "مأمنا" (١٢)، والأمن: نقيض الخوف، والحرم كلّه داخل في (١٣) حكم البيت في هذا المعنى. ﴿مِنْ مَقامِ:﴾ زيادة، أو لابتداء الغاية (١٤).

стр. 230

قيل (١): مقام هو الحرم. وقيل (٢): هو المسجد الحرام، والأصحّ أنّه صخرة قام عليها إبراهيم ﵇ (٣) حين بنى البيت، وقيل (٤): حين غسلت رأسه كنّته الأخيرة وهي ابنة مضاض. ﴿مُصَلًّى:﴾ موضع صلاة الإمام، وصلاة من يستطيع أن يركع ركعتي الطواف (٥). ﴿وَعَهِدْنا:﴾ أوصينا (٦). ﴿وَإِسْماعِيلَ:﴾ هو نبيّ الله ابن خليل الله من (٧) أمّ ولده هاجر القبطيّة، وقبط من ولد حام. وإسماعيل ﵇ أوّل من تكلّم (٨) بالعربيّة المهذبة من جميع الناس، وقيل: من أولاد أرغو بن عابر (٩). ﴿أَنْ طَهِّرا:﴾ (أن): لتفسير العهد (١٠). و (الطّهارة) ضدّ النّجاسة، والطاهر: النّقيّ (١١). قيل: المراد بتطهير البيت تطهيره عن وضع الأصنام فيه (١٢)، ويحتمل على العموم عن كلّ ما لا يجوز فيه (١٣). ﴿بَيْتِيَ:﴾ أضاف إلى نفسه تشريفا وتعظيما (١٤)، مثل: ﴿عَبْداً لِلّهِ﴾ [مريم:٣٠]، و ﴿ناقَةُ اللهِ﴾ [الأعراف:٧٣]. ﴿لِلطّائِفِينَ:﴾ الطّواف قريب من الدّوران (١٥). وههنا يحتمل ثلاثة معان: الطواف المعهود المشروع، والسّياحة وهي غير العكوف، والتّعهّد ومنه سمّي الخادم طائفا، قال الله تعالى:

стр. 231

﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) [النور:٥٨]، والبعض قريب من بعض (٢). والعكوف هو الإقامة، وفيه معنى اللزوم (٣). ﴿وَالرُّكَّعِ:﴾ جمع راكع، مثل: خاشع وخشّع (٤). و ﴿السُّجُودِ:﴾ جمع ساجد، مثل: شاهد وشهود (٥). ١٢٦ - ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ نزلت في دعوة إبراهيم لأهل مكّة (٦). ذكر الواقديّ بإسناده عن عبد الله بن سلام قال: لمّا غرقت الأرض كانت الأنبياء يحجّون أثر البيت كلّهم حتى كان إبراهيم ﵇، فبؤّأه الله تعالى إيّاه، دلّ أنّه لم (٧) يتعيّن مكان البيت إلا له (٨). وروى الواقديّ عن أبي جهم بن حذيفة قال: أقبل إبراهيم ﵇ (٣٢ ظ) من الشام على البراق حاملا إسماعيل أمامه وهاجر خلفه، معه جبريل ﵇ يدلّه، وإسماعيل إذ ذاك ابن سنتين. وعن مجاهد ما يقرب هذا (٩). ثمّ إنّ إبراهيم ﵇ انصرف إلى الشام فقالت هاجر: إلى من تدعنا؟ فقال (١٠): إلى الله، قالت: رضيت بالله (١١). فلمّا غاب إبراهيم ﵇ وفني ماء القربة جزعت هاجر عطشا وخوفا على ابنها، فظهر لها ملك، قيل: هو جبريل ﵇، فضرب بعقبه مكان بئر زمزم، فظهر الماء فوق الأرض، فتسارعت إليه، وبلّت طرف ردائها، وسقت إسماعيل ﵇ فصبّت الماء في فيه، ثمّ انصرفت إلى الماء فجعلت تجمع التراب لئلا يفيض الماء إشفاقا لها عليه، قال ابن عبّاس: لو تركته يفيض لكان يفيض إلى يوم القيامة (١٢). ومكثت هاجر مع إسماعيل ﵇ خمسة أيّام يشربان من ذلك الماء، فلمّا كان اليوم السادس أقبل غلامان من العماليق النازلين حول مكّة فأشرفا على الوادي فرأيا الماء فتعجّبا،

стр. 232

وانطلقا إلى قومهما بخبر الماء، فسار منهم جماعة حتى نزلوا الوادي، وقالوا لهاجر: من (١) أنت أيّتها المرأة؟ ومن هذا الصبيّ؟ قالت: هذا ابن إبراهيم خليل الله ونبيّه، وهو ابني، وهذا الماء سقي من الله لنا، قالوا: صدقت فإنّ عهدنا بهذا الوادي قريب، وما فيه إذ ذاك ماء، فهل تأذنين لنا أن ننزل بهذا الوادي على أن نواسيكما بأموالنا؟ فأذنت استئناسا بالناس، فأقاموا معها سنين حتى شبّ إسماعيل، فقسموا له من أموالهم قسما، وعظّموه فيما بينهم، وعرفوا له حقّه. قيل: وإنّ امرأته الأولى التي (٢) لم تلن الكلام لإبراهيم، ولم تستنزله كانت منهم (٣)، فطلّقها إسماعيل ﵇ (٤)، وقيل (٥): إنّهما كانتا جرهميّتين. ثمّ أقبل مضاض بن عمرو بن عبد الله بن جرهم بن قحطان من اليمن في قبيلة جرهم، وقيل: إنّ جرهما ليس بابن قحطان، وإنّما هو ابن أخي قحطان، واسم أبيه يفطر بن عابر، حتى انتهى إلى مكّة فزاحم العماليق ونفاهم، وزوّج ابنته من إسماعيل ﵇ (٦). ﴿رَبِّ اِجْعَلْ هذا:﴾ إشارة إلى المكان والوادي (٧). ﴿بَلَداً آمِناً:﴾ أهله (٨)، كقوله: ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل:١١٢]. والمراد بالأمن ما (٩) اقتضاه الحرم من الأحكام المخصوصة به (١٠). ﴿مِنَ الثَّمَراتِ:﴾ أي: شيئا من الثمرات، عند الأخفش (١١). وقال غيره (١٢): (من) قائم مقام الاسم في كلام العرب كما هو ههنا، وكذلك في قوله: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافّات:١٦٤]. ﴿مَنْ آمَنَ:﴾ إبدال البعض من الكلّ (١٣)، مثاله قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] (١٤).

стр. 233

وإنّما خصّ المؤمنين بالدّعاء لأنّه لا يجوز تولّي الكافرين (١). وقيل: توهّما منه أنّ الله تعالى لا يؤجّلهم إذ (٢) قال: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، فأخبر الله تعالى بأنّه يمهلهم (٣٣ و) ويمتّعهم متاع الحياة الدنيا لتأكيد الحجّة عليهم (٣). ويحتمل أنّ الإخبار عن رزقهم إنّما وقع لئلا (٤) يستدلّ الكافر بالرّزق أنّه مصيب مؤمن، وأنّ دعوة إبراهيم ﵇ قد نالته. ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ:﴾ فيقال (٥): من الضّرورة، وهو متعدّ (٦). ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ:﴾ المعاد (٧). ١٢٧ - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ:﴾ روى الواقديّ عن أبي (٨) جهم بن حذيفة ابن غانم العدويّ قال: لمّا بلغ إسماعيل ثلاثين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن مئة سنة، أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵇ يأمره ببناء البيت، وأنزل السكينة فاتّبعها إبراهيم، وهي ريح لها وجه وجناحان، ومع إبراهيم ﵇ الملك والصّرد فانتهوا بإبراهيم ﵇ إلى مكّة منزل إسماعيل ﵇ (٩). وفي رواية كان إسماعيل ابن عشرين سنة، فأتاه أبوه وهو قاعد تحت دوحة يبري النّبال (١٠). وموضع البيت يومئذ ربوة حمراء، فحضر إبراهيم وإسماعيل ﵉، ليس معهما غيرهما، يريدان أساس آدم ﵇، فحفرا (١١) عن ربض البيت، قال الواقديّ: ربضه: حوله، فوجدا صخرة ما يطيقها إلا ثلاثون رجلا، فبنيا، وجعل القواعد من حراء، وحلّقت السكينة كأنّها سحابة على موضع البيت فقالت: ابن عليّ، فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا (١٢) نافرا ولا جبّارا إلا رأيت عليه السكينة. قال: وجعل طوله في السماء تسع أذرع، وعرضه في الأرض ثلاثين ذراعا، وطوله في الأرض اثنتين (١٣) وعشرين ذراعا، وأدخل الحجر وهو سبع أذرع في البيت، وجعل المقام لاصقا بالبيت عن يمين الداخل.

стр. 234

فلمّا أراد إبراهيم ﵇ أن يجعل علما لابتداء الطّواف أمر إسماعيل يبغي له حجرا، فأنزل الله تعالى جبريل بالحجر الأسود، فقال إبراهيم لإسماعيل ﵉ لمّا رجع إليه: أتاني به من لم يكلني إليك (١). وكان بناء الكعبة من خمسة جبال: طور سيناء وطور زيتا وأحد ولبنان وحراء (٢). ورفع البنيان (٣): بناؤها. (يرفع): مستقبل بمعنى الماضي (٤). و (القواعد): جمع قاعدة (٥)، والقاعدة (٦) ما وضع أصلا فبني عليه (٧). وإنّما دخلت (من) لصرف (القواعد) عن محلّ الإضافة (٨)، كقوله تعالى: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، و ﴿كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]. والقول ههنا مضمر وتقديره: قائلين ﴿رَبَّنا﴾ (٩). وتقبّل (١٠) التّوبة والهديّة والعمل الصالح: قبولها في تقديرها وتحقيقها (١١)، ونقيضه الردّ في الإبطال والإنكار. و ﴿السَّمِيعُ:﴾ ذو السّماع. ١٢٨ - ﴿رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ:﴾ المراد به الإسلام في ما يستقبل من العمر (١٢)، مثل قول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً﴾ [يوسف:١٠١]. ووجه هذا النوع من دعوات الأنبياء كوجه دعاء المؤمنين: ﴿وَآتِنا ما وَعَدْتَنا﴾ [آل عمران:١٩٤]، ﴿وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] (١٣).

стр. 235

﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا:﴾ يعني: ولد عدنان، وعدنان (١) من ولد أدد، (٣٣ ظ) وأدد، قيل: من ولد نابت (٢) بن إسماعيل، وقيل: من ولد قيذر بن إسماعيل (٣). (الأمّة) (٤): الجماعة المجتمعة في زمان أو مكان، أو على شيء من الأشياء (٥). والمراد ب (الإراءة) (٦) الهداية والدّلالة (٧). ﴿مَناسِكَنا:﴾ إمّا هي جمع (منسك) بالفتح، وهو المصدر، أو جمع (منسك) بالكسر، وهو موضع النّسك (٨). والنّسك: عبادة الله (٩)، وقد خصّ في الشرع بأفعال الحجّ وأقواله (١٠). وإنّما سأل التّوبة للزّلل يجري على عقله (١١)، ولذلك كان النبيّ ﷺ يستغفر في اليوم والليلة سبعين مرّة (١٢)، أو مئة مرّة (١٣). ١٢٩ - ﴿رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً:﴾ أراد به نبيّنا ﷺ (١٤)؛ لأنّ العرب من ذرّيّتهما جميعا، وبنو إسرائيل ذرّيّة إبراهيم وحده، ولأنّهما سألا رسولا (١٥) واحدا، ولو عنيا بني إسرائيل لسألا رسلا (١٦). روي أنّ النبيّ ﷺ قيل له: حدّثنا عن نفسك يا رسول الله فقال: (أنا دعوة إبراهيم، وبشرى أخي عيسى ﵇ (١٧). وإنّما كان دعوة إبراهيم مع سبق الحكم به في أمّ (١٨) الكتاب، كما كان يعقوب دعوة إسحق حين قرّب إليه الشوا، وهارون دعوة موسى ﵇ حين قال: ﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ﴾

стр. 236

﴿أَهْلِي﴾ [طه:٢٩]، وداود دعوة أشمويل حين أمدّ به طالوت، مع سبق الحكم بهم. وإنّما دعا إبراهيم مع العلم بانتقال النور في إسماعيل لئلا يكون نصيب العرب من محمّد ﷺ كنصيب أهل بابل منه (١)؛ حرموا أنواره مع علمه مخافة أن يصيب (٢) ذلك النور شيء بأن يوضع في غير الطاهر (٣)؛ لأنّ الوصيّة بذلك كانت قائمة من كلّ سلف إلى خلف حتى عبد الله ابن عبد المطّلب. و (البعث) في اللغة تهييج وإثارة، وهو مستعمل في الإحياء وإنفاذ الرسول وتأمير الأمير وتوجيه (٤) الجند ونحوها (٥). ﴿آياتِكَ:﴾ يعني آيات القرآن (٦). ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ:﴾ الفرقان (٧). ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ ما لا يحتاج في إدراكه إلى الوحي، كالفقه وما في معناه من العلوم المستنبطة في الشريعة (٨). ﴿وَيُزَكِّيهِمْ:﴾ أراد التسبب لزكاتهم وطهارتهم (٩). ﴿الْعَزِيزُ:﴾ من يعزّ نيله، أو يعزّ غيره، فالله تعالى لا ينال بعظيم (١٠) الاقتدار، وهو الغالب على أمره، القاهر فوق خلقه (١١). ١٣٠ - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ:﴾ على وجه الإنكار (١٢)، كقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، و ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. والرغبة عن الشيء: [هو] (١٣) الزهد فيه وإيثار النفس عليه (١٤)، والرغبة في الشيء: إرادته

стр. 237

على وجه الطمع (١)، والرغبة إلى الشيء: هو الطمع فيه (٢)، فكأنّ الرغبة في الوجوه كلّها هي صرف الهمّة. وفي ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ:﴾ أربعة أقوال: الأوّل: استخفّ نفس إبراهيم حين رغب عن ملّته (٣)، وكأنّ قولهم: فلان سفه الشراب، إذا أكثر منه، ومثل (٤) هذا قوله ﷺ : (من سفه الحقّ) (٥)، وهذا قول لم يرو عن الأئمّة. والثاني: أنّه جهل نفسه، ومنه قوله: ﴿عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة:٢٨٢]، ويحتمل قوله ﷺ : (إلا من سفه الحق)، وقولهم: فلان سفه رأيه (٦). وجهل النفس يؤدّي إلى جهل منشئها، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، وقال ﷺ : (٣٤ و) (من عرف نفسه فقد عرف ربّه (٧))، وإلى هذا ذهب الزجّاج (٨). والثالث: سفه في نفسه، فانتصب بنزع الخافض (٩). ويحتمل هذا قوله (١٠): (إلا من سفه الحق)، وقولهم: فلان سفه رأيه. والرابع: قول (١١) الفرّاء: إنّ الفعل للنفس، فلمّا أسند إلى (من) انتصب النفس على التفسير، كقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ [النساء:٤]، وقولك (١٢): ضقت به ذرعا، [وهي] (١٣) من المعرفة كالنّكرة، كقوله (١٤): ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص:٥٨]، وتقول العرب: وجعت بطنك، ووثقت رأيك. والدليل على أنّ السّفه فعل النفس غير واقع على النفس أنّه لا يقال: رأيه سفه زيد، كما لا يقال: دارا أنت أوسعهم، وإنّما يقال: زيد سفه رأيه،

стр. 238

وأنت أوسعهم دارا. وقول (١) أبي عبيدة وأبي (٢) عبيد: إنّ معنى قوله: (سفه نفسه): أهلكها وأوبقها (٣)، لا معنى له إلا أن يحمل قولهم: سفه الشراب، على معنى استهلك. ﴿وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ:﴾ "اخترناه" (٤)، وفلان اصطفى فلانا، أي: جعله صفيّا (٥). وهو على وزن الافتعال، وإنّما جعلت التّاء فيه (٦) طاء لموافقتها الصّاد في الإطباق (٧). وإنّما اصطفاه في الدنيا بالرسالة والخلة (٨). و ﴿الدُّنْيا:﴾ هي الحياة الدنيا، والدار الدنيا. واشتقاقه من الدنو (٩). ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ:﴾ المفلحين الذين يجبرهم الله ويصلحهم للتنعم بالنعيم، ويسلمهم من الآفات المؤثرة بالفساد (١٠)، ومنه الدعاء: أصلح الله الأمير. ١٣١ - ﴿إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ:﴾ قال الحسن (١١): هذا الخطاب ورد عليه حين أفلت الشمس. في كونه خطاب السرّ أو خطاب العلانية محتمل كلاهما (١٢). وذلك لا يدلّ على أنّه كان من قبل على غير الفطرة، كما قال لنبيّنا ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمّد:١٩]، والمراد بهذا النوع من الأمر الاستقامة والاستدامة (١٣). والعامل في (إذ) قوله: ﴿[قالَ] (١٤)﴾ أَسْلَمْتُ. وتفسيره: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ،﴾ الآية [الأنعام:٧٨ - ٧٩] (١٥). وفي الآية دليل على أنّ الإيمان والإسلام واحد وإلا لما صار مسلما بالقول، إن كان الإسلام هو العمل.

стр. 239

١٣٢ - ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ:﴾ والوصيّة: العهد (١). (بها): راجعة إلى الملّة، أو إلى كلمته: (أسلمت) (٢). وبنوه ثلاثة عشر رجلا فيما يروى، منهم إسماعيل نبيّ الله من هاجر، وإسحق نبيّ الله (٣) من سارة (٤)، وزمران ونيسان ومذان ويشباو وشوخ من قطورا وهي امرأة من الكنعانيّين، وقد روي مكان نيسان تيشار (٥) ومكان مذان، مذيان، وسبعة نفر من امرأة أخرى اسمها حجورا (٦). وإسماعيل منهم بكر أبيه ووصيّه من بعده بولاية بيت الله الحرام وإقامة الحجّ للناس، وإسحق وصيّه في أهله (٧). واختلف في أنّ الذبيح أيّهما (٨)، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ﴿وَيَعْقُوبُ:﴾ هو إسرائيل بن إسحق ﵉ (٩). عطف على (إبراهيم)، وتقديره: إبراهيم بنيه ويعقوب بنيه (١٠). (٣٤ ظ) وبنوه هم الأسباط، وهم اثنا عشر رجلا؛ ولدت له لايا بنت خاله أربعة نفر: روبيل (١١) ويهودا وشمعون ولاوي، وولدت له راحيل ابنة خاله الأخرى: يوسف وبنيامين (١٢) وأخوات لهما، ووهبت (١٣) كلّ واحدة منهما له أمة، فولدت كلّ أمة ثلاثة رهط، وأسماؤهم في ما يروى: يساخور وزبولون ونفتالي ودان وجوذ وآشير (١٤). وهذه أسماء أعجميّة كثر التصحيف فيها على ألسنة العرب، وعند الله الصواب. وقوله: ﴿يا بَنِيَّ﴾ محكيّ كما يجيء بعد القول؛ لأنّ في الوصيّة معنى القول (١٥).

стр. 240

والألف واللام في ﴿الدِّينَ﴾ للمعهود (١) لا للجنس. والدّين هو المثال من الحكم (٢) الذي هو أوجب (٣) من السنّة والعادة. ﴿فَلا تَمُوتُنَّ:﴾ نهي عن غير المنهيّ، كقوله: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ [لقمان:٣٣]، وقولك: لا أرينّك ههنا، ولا تلقينّ الله غير تائب (٤). ومعنى الآية: لا تكونوا أبدا (٥) إلا مسلمين حتى تموتوا على ذلك (٦). ١٣٣ - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ:﴾ (أم) بمعنى ألف الاستفهام (٧) على وجه الإنكار (٨)، كما قال الشاعر (٩): [من الكامل] كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظّلام من الرّباب خيالا وليس بمعنى (بل)؛ لأنّ ما يجيء من بعد (بل) يجيء محقّقا، ولم يرد به التحقيق ههنا؛ لأنّهم لم يكونوا شهداء، ولا يقال: أثبت (١٠) شهودهم وأراد به آباءهم؛ لأنّه لو كان كذلك لقال: إذ (١١) قال لكم ما تعبدون من بعدي، ولم يقل: لبنيه. ويحتمل أنّه مرتّب على استفهام مضمر، فيكون تقديره: أشهدتم وصيّة إبراهيم أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، وممّا يقرّب هذا التأويل إنكارهم الأمرين جميعا، وتحريفهم الكلم في الموضعين جميعا (١٢). ف (شهدوا): فيه معنى النزول والخلق؛ لأنّ الحاضر يستعمل بإزاء البادي، وقولك: حضرني بمنزلة: حضر عندي، فيكون عبارة عن القرب فقط. و ﴿الْمَوْتُ:﴾ مصدر أقيم مقام الاسم. وهو ذهاب الحياة (١٣). و ﴿إِذْ﴾ (١٤): ههنا بدل عن (١٥) الأوّل.

стр. 241

و ﴿ما:﴾ سؤال عن ذات الشيء، فكأنّه قال: أيش تعبدون من بعدي؟ و (ما) أعمّ من (من) (١)، قال الله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]. ويحتمل أن يكون (ما) مقام (من) كقوله: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣]، معناه: ومن (٢). وفائدة السؤال الامتحان كما وردت الأخبار (٣)، والسؤال في القبر. والآباء (٤): جمع أب. وفي الأصل: أبو (٥). وإنّما عدّ إسماعيل مع الآباء؛ لأنّ العمّ يدخل في عداد الآباء، كما أنّ الخالة تدخل في عداد الأمّهات (٦) من قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف:١٠٠]، أراد أباه (٧) وخالته؛ لأنّ أمّه قد ماتت (٨). ﴿إِلهاً واحِداً:﴾ نصب على القطع، تقديره: الإله الواحد. ووحدانيّة الله تعالى إنّما هي تعاليه عن مقابلة الأنداد والأضداد، لم يزل ولا يزال متعاليا عن الجهات والأحوال. ١٣٤ - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ:﴾ أي: تلك الأمّة أمّة. و (تلك): إشارة إلى شيء بعيد (٩) مؤنّث، كما أنّ (ذلك) (٣٥ و) للمذكّر (١٠)، والتاء هي الاسم فقط (١١). والمراد بالآية هو نفي توجّه إعراضهم عن الآيات المعجزة والمفعول الواجب لاختلافهم في شأن الأمم الماضية وأحوالهم. ١٣٥ - ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى:﴾ نزلت في مثل ما نزل فيه قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾

стр. 242

﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ [البقرة:١٠٩]، روي أنّ عبد الله بن رومان قال لنبيّنا ﷺ : اتّبع (١) اليهوديّة تكن مهتديا، ودعاه وفد نجران إلى النّصرانيّة، فأنزل الله (٢). وفي ﴿مِلَّةَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ معنى قولهم: اتّبعوا اليهوديّة والنّصرانيّة، فنصب الملّة وأضمر الاتّباع اعتبارا بالمعنى (٣). والثاني: إقامة المضاف إليه مقام المضاف، تقديره: بل أصحاب ملّة إبراهيم (٤). والثالث (٥): أنّ (بل) تارة تدخل في الكلام موصولة وتارة مفصولة، وإذا (٦) كانت مفصولة فمعناها الابتداء ههنا فنصب على التحريض والإغراء (٧). ﴿حَنِيفاً:﴾ نعت (٨) إبراهيم ﵇، نصب على القطع (٩). والحنف: الاستقامة في قول القتبيّ (١٠)، قال: سمّي الأعرج أحنف تفاؤلا كما سمّي الفلاة مفازة واللّديغ سليما (١١). وقال غيره (١٢): الحنف: الميل، والأحنف: الذي في قدميه ميل، والحنيف: المائل إلى الحقّ كالعادل. قال الضحّاك: الحنيف: المسلم، وإذا كان معه لفظ المسلم فمعناه الحاجّ (١٣). وقال أبو عبيدة: كان الحنيف في الجاهليّة من كان (١٤) على دين إبراهيم، وسمّي من اختتن وحجّ البيت لمّا تناسخت السنون فكانوا يعبدون الأوثان ويقولون: نحن حنفاء على دين إبراهيم. والحنيف الذي نعرف اليوم هو المسلم (١٥).

стр. 243

﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ أي: وما (١) كان مشركا. ويحتمل أنّه قال لنفي الموالاة بينه وبين من تولى به من مشركي العرب واليهود والنصارى والمجوس (٢). والإشراك: نصب الشريك، والشريك هو المساهم في الحقّ (٣). ١٣٦ - وفي قوله (٤): ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ﴾ تعليم من الله عباده كيف يؤمنون، وكيف يردون قول اليهود والنصارى (٥): ﴿كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى.﴾ ﴿وَما:﴾ بمعنى (الذي)، في محلّ الخفض على العطف (٦). ﴿وَالْأَسْباطِ:﴾ أولاد يعقوب، واحده: سبط، قال الأزهريّ: اشتقاقه من السّبط وهي (٧) شجرة كثيرة الأغصان، فجرى هذا الاسم في أولادهم (٨) مجرى القبيلة في أولاد إسماعيل (٩). ذكر (١٠) القتبيّ أنّ ما أنزل على الأنبياء من الكتاب (١١) مئة كتاب وأربعة كتب؛ على شيث خمسون صحيفة، وعلى إدريس ثلاثون صحيفة (١٢)، وعلى إبراهيم عشرون صحيفة (١٣)، وعلى موسى التوراة، وعلى داود الزّبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى نبيّنا القرآن، صلوات الله عليهم أجمعين (١٤). وذكر أيضا أنّ الله تعالى أنزل على آدم تحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير وحروف التّهجّي في إحدى وعشرين صحيفة، فحذا (١٥) الله تعالى عليها الألسنة كلّها. وزعم اليهود أنّ اسم التوراة يشمل كتاب موسى ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل، فيكون ما أنزل على موسى بعض التوراة (٣٥ ظ) على هذه القضيّة (١٦).

стр. 244

وذكر القتبيّ عن وهب عن ابن عبّاس أنّ أوّل الأنبياء آدم وآخرهم محمّد ﵈ (١). وكانت الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرين ألفا، الرسل منهم ثلاث مئة وثلاثة عشر نبيّا (٢). ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ:﴾ لا نقول: نؤمن بما أنزل علينا ونكفر بما وراءه، كما قالت اليهود (٣). ومن التفريق قولهم: عزير وعيسى ابنا الله، ونسبة سليمان إلى السحر، ومحمّد إلى الاعتداء. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ:﴾ منقادون في تصديق أنبيائه أجمعين (٤). ١٣٧ - ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ:﴾ قيل (٥): الباء زائدة، وتقديره: فإن آمنوا مثل ما آمنتم به، أي: بالله، قال الراجز (٦): نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج وقيل: العرب (٧) تذكر المثل مجازا، وتريد به النّفس حقيقة، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ويقال: أمثلك يقول لمثلي، فيكون تقدير الآية على هذا: فإن آمنوا بما آمنتم به (٨)، هكذا يروى في قراءة ابن عبّاس ومصحفه (٩). ﴿فِي شِقاقٍ:﴾ في خلاف، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النساء:٣٥] (١٠). ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ:﴾ السّين بمنزلة (سوف) (١١). والكفاية: رفع المؤونة أو دفع المضرة (١٢). وفيه دلالة على نبوّة نبيّنا؛ لأنّه تعالى كفاه إيّاهم،

стр. 245

ومكّنه بعده قتل بني قريظة، وإجلاء بني النّضير، وأخذ الجزية من أهل نجران (١). ١٣٨ - ﴿صِبْغَةَ اللهِ:﴾ دين الله (٢)، ردّا على (الملّة)، كأنّها تدلّ عليها (٣). وهو اسم من الصبغ، وهو تلوين الشيء، سمّي بذلك لأنّه يؤثّر في المتديّن كالصبغ، قال الفرّاء (٤): كانت النصارى إذا ولد لهم مولود جعلوه في ماء لهم، يعدّون ذلك تطهّرا لهم كالختان. وقيل (٥): كانت النصارى تصبغ أولادها بماء لهم أصفر، يريدون أنّه يصير بذلك نصرانيّا خالصا، ويقولون للمرتدّ: إن ارتددت فانصبغ بهذا الماء. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ:﴾ استفهام بمعنى الإنكار، معناه: ليس أحد أحسن (٦). ﴿مِنَ اللهِ صِبْغَةً:﴾ "دينا" (٧). وممّا قام مقام الصبغ: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] (٨)، وورودهم على الحوض غرّا محجّلين من آثار (٩) الوضوء. ١٣٩ - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا:﴾ استفهام بمعنى الزّجر والإنكار (١٠). ومحاجّتهم تحتمل أوجها ثلاثة: الأوّل: في ذات [الله] (١١): كقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] (١٢)، و ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، و ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١]، و ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ﴾ [الأنعام:٩١]، وإنّه ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، بأفواههم التراب. والثاني: في دين الله (١٣): كقولهم: ﴿كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى﴾ [البقرة:١٣٥]، وقولهم لعبدة الأصنام: ﴿هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [النساء:٥١].

стр. 246

والثالث: في الاختصاص برحمة الله: كقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ (١) [البقرة:١١١]، و ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥]. والذي يبعد محاجّتهم إقرارهم بأنّ الله ربّهم متفرّد (٢) بالقدم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، يجازي كلّ عامل بعمله (٣). ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ:﴾ الواو للاستئناف. وإخلاصنا (٤) هو الإخلاص بالتّوحيد لله تعالى، بحيث لم ندّع له ولدا ولا شبيها، ولم نثبت (٣٦ و) لله حالا ولا محلاّ، ولا كون العالم شيئا قبل تكوين الله إيّاه (٥). ١٤٠ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ:﴾ قال مجاهد وابن نجيح (٦): كانت عند (٧) اليهود والنصارى في كتبهم شهادة من الله بإسلام الأنبياء، فكتموها، ولو أظهروها لسلّموا له ما يأتي به من عند الله من الإخبار بإسلام الأنبياء، وهذا بمنزلة قولك (٨): ومن أبخل ممّن عنده فضل نعمة لم ينفعه من السلطان، فعلى هذا تقديره: تكن الشهادة بإسلامهم عند الله فلا يكتمها لأنّه متعال عن الاتّصاف بالظلم. ١٤٢ - قوله (٩): ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ مقدّمة في التلاوة على قوله: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ [البقرة:١٤٤] مؤخّرة عنها (١٠) في النزول. وهي في شأن اليهود عند ابن عبّاس والبراء (١١)، وفي شأن مشركي العرب عند الحسن (١٢)، والمنافقين عند السّدّي (١٣)، ويحتمل أنّها في شأن الجميع (١٤). والسين بمعنى (سوف).

стр. 247

﴿ما وَلاّهُمْ:﴾ ما حملهم على التّولّي (١) والإعراض. والقبلة (٢): اسم لما يستقبل (٣)، وهي مختصّة في الشرع بما يجب استقباله في الصلاة (٤). ﴿كانُوا عَلَيْها:﴾ أي: استقبالها (٥)، وهي بيت المقدس (٦). والمراد بقوله: ﴿لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ جميع المساجد على وجه الأرض (٧). ١٤٣ - ﴿وَكَذلِكَ:﴾ تشبيه إحدى (٨) حالتيهم بالأخرى، أي: كما ولّيناكم عن قبلتكم التي كنتم عليها (٩). ﴿جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً:﴾ عدلا وخيارا (١٠). ويحتمل أنّ ذلك إشارة إلى قوله: (من) في قوله (١١): ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.﴾ والفعل (وسط) بفتح السّين وساطة وسطة، وقيل: وسط بضمّ السين وساطة (١٢). ﴿لِتَكُونُوا:﴾ أي: لكي تكونوا (١٣). ﴿شُهَداءَ:﴾ "جمع شهيد" (١٤). وشهادتهم يوم القيامة على الكفّار بتكذيب (١٥) الأنبياء ﵈، لما عاينوه، أو ثبت عندهم بالوحي، أو علموه بالإخبار المتواتر (١٦). وقيل (١٧): حجّة على الناس عند إجماعهم. وإنّما صاروا كذلك (١٨)؛ لأنّ كلّ نبيّ كان يتلوه

стр. 248

نبيّ، فكان (١) يجب انتظار الأنبياء في الواقعات، فلمّا وقع الختم بنبيّنا ووقع (٢) اليأس ببعث رسول وجب عليهم الاجتهاد في الواقعات، وصار إجماعهم حجّة إذ لا سبيل إلى الإهمال ولا إلى النصّ. ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً:﴾ يقول يوم القيامة: تبعني هذا وعصاني هذا ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] (٣). وقيل (٤): حجّة على أمّته. واعلم أنّ النبيّ ﷺ كان حجّة على أهل عصره لمعاينتهم معجزاته، وعلى العالمين عامّة لعلمهم به من طريق الوحي المعجز والأخبار المتواترة على وجه لا يمكنهم التّشكّك في كونه وكون بعض معجزاته (٥). واختلف في قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ قيل: هي المنسوخة بدليل قوله: (كنت (٦) عليها). وقيل: هي الناسخة (٧)، وقوله: ﴿(كُنْتَ)﴾، أي: صرت، أو: أنت عليها (٨)، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال (٩): ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً.﴾ وروي ما يدلّ أنّ الكعبة كانت قبلة من قبل (١٠)، روي أنّه ﷺ كان في الابتداء يخرج إلى الكعبة أوّل النهار، فيصلّي صلاة الضحى، وتلك الصلاة لا تنكرها قريش. وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ،﴾ أي: (٣٦ ظ) لنعلم المتّبع مختارا (١١) من المنقلب في الظاهر (١٢). والأشياء إنّما تكون معلومة عند الكينونة لا قبلها، إذ يستحيل كون ما لم يكن (١٣)، وإن كان اتّصاف الله تعالى بالعلم لا ابتداء له (١٤).

стр. 249

وقيل (١): (لنعلم)، أي: ليعلم (٢) أولياؤنا، كقوله: ﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا﴾ [الزخرف:٥٥]. و (الانقلاب): الانصراف والنّكوص (٣). وقوله: ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ لتأكيد وصف الانقلاب، كقولك: أقبل بوجهه، وولّى على دبره (٤). "و (العقب): مؤخّر القدم" (٥). ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً:﴾ أي: وما كانت إلا كبيرة، كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ [البقرة:١٩٨] (٦). ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ:﴾ بنسخ القبلة، وذلك أنّ اليهود قالوا للمؤمنين: إن كان دينكم الأوّل حقّا فقد بطل، وإن كان (٧) باطلا فكيف حال إخوانكم الذين ماتوا عليه من قبل كأسعد بن زرارة والبراء بن معرور، فخطر ببال المؤمنين ذلك وسألوا النبيّ ﷺ ، فأنزل (٨). (وما كان الله ليضيع إيمانكم): هو الأصل، وهو الدّين، بنسخ (٩) بعض من الشرائع وهي الفروع (١٠). واللام في (ليضيع) لام الجحود (١١)؛ وما الله ليضيع. و (الإضاعة) نقيض الحفظ (١٢). ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ الرّؤوف يرحم على المصاب، ولا أحد من الناس إلا وهو مصاب (١٣) لاختلال حال أو لاكتساب وبال. ١٤٤ - ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ:﴾ عن البراء بن عازب قال: صلّى رسول

стр. 250

الله ﷺ إلى بيت المقدس ستّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا (١)، ثمّ وجّه إلى الكعبة (٢). وفي التاريخ ستّة عشر شهرا (٣) وثلاثة أيّام؛ لأنّه ﷺ قدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الآخر، فأسند التاريخ إلى المحرّم، وكان التّحويل للنصف من رجب من السنة الثانية (٤). قيل: والسبب في ذلك أنّ (٥) الله تعالى لمّا أراد أن يردّ نبيّه ﷺ إلى قبلة أبيه إبراهيم، وأن يجمع القبلة والحجّ في دار واحدة، ويميز المخلصين من المنافقين (٦) جعل قلب نبيّه مريدا لذلك الأمر، ليكون إحداثه إكراما له، فذكر النبيّ ﷺ لجبريل ما كان في نفسه من ذلك، فقال جبريل: إنّما أنا عبد مثلك فاسأل ربّك، وكان ﷺ يصلّي ويقلّب وجهه في السماء لا ينطق بما يريد مهابة ومحافظة لآداب النبوّة حتى أتمّ الله أمره، فأكرم عبده وأنزل (٧). ويجوز تمنّي ما يجوز في العقل كونه، كتمنّي تحريم الخمر وحجاب النساء، بخلاف تمنّي إباحة الظلم والفواحش وتحريم العدل والإحسان (٨). و (التّقلّب) لازم من التّقليب (٩). و (الوجه): ما يواجه الإنسان به مع انضمام القرب إليه، وذلك من قصاص الناصية إلى أسفل الذقن، ومن الأذن إلى الأذن. ﴿شَطْرَ﴾ (١٠): نحو. ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:﴾ المحدق (١١) بالكعبة. وإنّما أمرنا باستقبال الكعبة لا (١٢) استقبال المسجد الحرام. والحرام (١٣) اسم من التحريم، كالحلال من التحليل. وإنّما سمّي حراما لكونه حراما على الأفاقي (٣٧ و) أن يدخله ابتداء غير محرم، أو على
следующие страницы →