← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والثالث: في الاختصاص برحمة الله: كقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ (١) [البقرة:١١١]، و ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥]. والذي يبعد محاجّتهم إقرارهم بأنّ الله ربّهم متفرّد (٢) بالقدم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، يجازي كلّ عامل بعمله (٣). ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ:﴾ الواو للاستئناف. وإخلاصنا (٤) هو الإخلاص بالتّوحيد لله تعالى، بحيث لم ندّع له ولدا ولا شبيها، ولم نثبت (٣٦ و) لله حالا ولا محلاّ، ولا كون العالم شيئا قبل تكوين الله إيّاه (٥). ١٤٠ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ:﴾ قال مجاهد وابن نجيح (٦): كانت عند (٧) اليهود والنصارى في كتبهم شهادة من الله بإسلام الأنبياء، فكتموها، ولو أظهروها لسلّموا له ما يأتي به من عند الله من الإخبار بإسلام الأنبياء، وهذا بمنزلة قولك (٨): ومن أبخل ممّن عنده فضل نعمة لم ينفعه من السلطان، فعلى هذا تقديره: تكن الشهادة بإسلامهم عند الله فلا يكتمها لأنّه متعال عن الاتّصاف بالظلم. ١٤٢ - قوله (٩): ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ مقدّمة في التلاوة على قوله: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ [البقرة:١٤٤] مؤخّرة عنها (١٠) في النزول. وهي في شأن اليهود عند ابن عبّاس والبراء (١١)، وفي شأن مشركي العرب عند الحسن (١٢)، والمنافقين عند السّدّي (١٣)، ويحتمل أنّها في شأن الجميع (١٤). والسين بمعنى (سوف).

стр. 247

﴿ما وَلاّهُمْ:﴾ ما حملهم على التّولّي (١) والإعراض. والقبلة (٢): اسم لما يستقبل (٣)، وهي مختصّة في الشرع بما يجب استقباله في الصلاة (٤). ﴿كانُوا عَلَيْها:﴾ أي: استقبالها (٥)، وهي بيت المقدس (٦). والمراد بقوله: ﴿لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ جميع المساجد على وجه الأرض (٧). ١٤٣ - ﴿وَكَذلِكَ:﴾ تشبيه إحدى (٨) حالتيهم بالأخرى، أي: كما ولّيناكم عن قبلتكم التي كنتم عليها (٩). ﴿جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً:﴾ عدلا وخيارا (١٠). ويحتمل أنّ ذلك إشارة إلى قوله: (من) في قوله (١١): ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.﴾ والفعل (وسط) بفتح السّين وساطة وسطة، وقيل: وسط بضمّ السين وساطة (١٢). ﴿لِتَكُونُوا:﴾ أي: لكي تكونوا (١٣). ﴿شُهَداءَ:﴾ "جمع شهيد" (١٤). وشهادتهم يوم القيامة على الكفّار بتكذيب (١٥) الأنبياء ﵈، لما عاينوه، أو ثبت عندهم بالوحي، أو علموه بالإخبار المتواتر (١٦). وقيل (١٧): حجّة على الناس عند إجماعهم. وإنّما صاروا كذلك (١٨)؛ لأنّ كلّ نبيّ كان يتلوه

стр. 248

نبيّ، فكان (١) يجب انتظار الأنبياء في الواقعات، فلمّا وقع الختم بنبيّنا ووقع (٢) اليأس ببعث رسول وجب عليهم الاجتهاد في الواقعات، وصار إجماعهم حجّة إذ لا سبيل إلى الإهمال ولا إلى النصّ. ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً:﴾ يقول يوم القيامة: تبعني هذا وعصاني هذا ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] (٣). وقيل (٤): حجّة على أمّته. واعلم أنّ النبيّ ﷺ كان حجّة على أهل عصره لمعاينتهم معجزاته، وعلى العالمين عامّة لعلمهم به من طريق الوحي المعجز والأخبار المتواترة على وجه لا يمكنهم التّشكّك في كونه وكون بعض معجزاته (٥). واختلف في قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ قيل: هي المنسوخة بدليل قوله: (كنت (٦) عليها). وقيل: هي الناسخة (٧)، وقوله: ﴿(كُنْتَ)﴾، أي: صرت، أو: أنت عليها (٨)، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال (٩): ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً.﴾ وروي ما يدلّ أنّ الكعبة كانت قبلة من قبل (١٠)، روي أنّه ﷺ كان في الابتداء يخرج إلى الكعبة أوّل النهار، فيصلّي صلاة الضحى، وتلك الصلاة لا تنكرها قريش. وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ،﴾ أي: (٣٦ ظ) لنعلم المتّبع مختارا (١١) من المنقلب في الظاهر (١٢). والأشياء إنّما تكون معلومة عند الكينونة لا قبلها، إذ يستحيل كون ما لم يكن (١٣)، وإن كان اتّصاف الله تعالى بالعلم لا ابتداء له (١٤).

стр. 249

وقيل (١): (لنعلم)، أي: ليعلم (٢) أولياؤنا، كقوله: ﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا﴾ [الزخرف:٥٥]. و (الانقلاب): الانصراف والنّكوص (٣). وقوله: ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ لتأكيد وصف الانقلاب، كقولك: أقبل بوجهه، وولّى على دبره (٤). "و (العقب): مؤخّر القدم" (٥). ﴿وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً:﴾ أي: وما كانت إلا كبيرة، كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ [البقرة:١٩٨] (٦). ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ:﴾ بنسخ القبلة، وذلك أنّ اليهود قالوا للمؤمنين: إن كان دينكم الأوّل حقّا فقد بطل، وإن كان (٧) باطلا فكيف حال إخوانكم الذين ماتوا عليه من قبل كأسعد بن زرارة والبراء بن معرور، فخطر ببال المؤمنين ذلك وسألوا النبيّ ﷺ ، فأنزل (٨). (وما كان الله ليضيع إيمانكم): هو الأصل، وهو الدّين، بنسخ (٩) بعض من الشرائع وهي الفروع (١٠). واللام في (ليضيع) لام الجحود (١١)؛ وما الله ليضيع. و (الإضاعة) نقيض الحفظ (١٢). ﴿لَرَؤُفٌ:﴾ الرّؤوف يرحم على المصاب، ولا أحد من الناس إلا وهو مصاب (١٣) لاختلال حال أو لاكتساب وبال. ١٤٤ - ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ:﴾ عن البراء بن عازب قال: صلّى رسول

стр. 250

الله ﷺ إلى بيت المقدس ستّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا (١)، ثمّ وجّه إلى الكعبة (٢). وفي التاريخ ستّة عشر شهرا (٣) وثلاثة أيّام؛ لأنّه ﷺ قدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الآخر، فأسند التاريخ إلى المحرّم، وكان التّحويل للنصف من رجب من السنة الثانية (٤). قيل: والسبب في ذلك أنّ (٥) الله تعالى لمّا أراد أن يردّ نبيّه ﷺ إلى قبلة أبيه إبراهيم، وأن يجمع القبلة والحجّ في دار واحدة، ويميز المخلصين من المنافقين (٦) جعل قلب نبيّه مريدا لذلك الأمر، ليكون إحداثه إكراما له، فذكر النبيّ ﷺ لجبريل ما كان في نفسه من ذلك، فقال جبريل: إنّما أنا عبد مثلك فاسأل ربّك، وكان ﷺ يصلّي ويقلّب وجهه في السماء لا ينطق بما يريد مهابة ومحافظة لآداب النبوّة حتى أتمّ الله أمره، فأكرم عبده وأنزل (٧). ويجوز تمنّي ما يجوز في العقل كونه، كتمنّي تحريم الخمر وحجاب النساء، بخلاف تمنّي إباحة الظلم والفواحش وتحريم العدل والإحسان (٨). و (التّقلّب) لازم من التّقليب (٩). و (الوجه): ما يواجه الإنسان به مع انضمام القرب إليه، وذلك من قصاص الناصية إلى أسفل الذقن، ومن الأذن إلى الأذن. ﴿شَطْرَ﴾ (١٠): نحو. ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:﴾ المحدق (١١) بالكعبة. وإنّما أمرنا باستقبال الكعبة لا (١٢) استقبال المسجد الحرام. والحرام (١٣) اسم من التحريم، كالحلال من التحليل. وإنّما سمّي حراما لكونه حراما على الأفاقي (٣٧ و) أن يدخله ابتداء غير محرم، أو على

стр. 251

كلّ أحد في جميع عمره مرّة. وإنّما قال: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ليعلموا (١) أنّه قبلتهم بالمدينة وبغيرها من البلاد، لا قبلة لهم غيره (٢). وإنّما لم يقل (٣): فولّوا وجوهكم إليه، لرفع المشقّة إذ لو قال كذلك لوجب على الرجل أن يستقبله استقبالا لو سار على وجهه لصادف عين القبلة، فهذا أمر عسير (٤). ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ علماء اليهود، تواطؤوا ولبسوا الأمر على غيرهم، وهم يعلمون أنّ التحويل إلى الكعبة حقّ من ربّهم لما قرؤوها في كتابهم (٥). وقيل: الهاء (٦) راجعة إلى المسجد الحرام؛ لأنّهم يعلمون فضيلته ويعرفون (٧) بها. واللام في قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾ (٨) للتأكيد والقسم. ١٤٥ - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ:﴾ لمّا قالت اليهود والنصارى: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فأنزل الله جوابا محتملا في قوله: ﴿قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢] أردفه قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ (٩)، فآيس النبيّ ﷺ عن اتّباعهم، وأمّنه من نسخ طارئ يردّه إلى قبلتهم، وقطع المجادلة بينه وبينهم (١٠). ثمّ قال: ﴿وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ؛﴾ لأنّهم خربوا البيت المقدس، وخفي مكان الصخرة، فتفرّقوا لخفائه (١١). وقد أعرض بعضهم عنها وتوجّه إلى المشرق، وتشتّتت أهواؤهم، وتساووا في الضّلالة والغواية، فأخبر الله عن حالهم، وحذّر نبيّه ﷺ عن اتّباعهم (١٢). وإنّما حذّره مع كونه معصوما ليبقى مكلّفا مثابا، فلا يكون استبقاء منه إلجاء واضطرارا، كما قال في

стр. 252

شأن الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩] (١). واللام في (لئن) لام التأكيد فلمّا ضمّت إلى (إن) الشرط أحدثت فيها معنى كقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر:١٢]، ولولا اللام لقالوا: لا يخرجوا معهم (٢). والتّنوين في ﴿إِذاً﴾ عوض عن كلام محذوف، ومجازه: إنّك إذا اتّبعت أهواءهم كنت من الظالمين. ولام التأكيد داخلة على ما يجيء بعد (إذا)، وربّما لم (٣) تدخل فينصب إذا اعتمد عليها، تقول للقائل: أزورك (٤): إذا أكرمك. ويجوز كون (إذا) بدلا عن الشرط، وتكون (٥) حقيقتها للتوقيت، قال (٦): [من البسيط] لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ثمّ قال: إذا لقام ينصري معشر خشن ١٤٦ - ﴿يَعْرِفُونَهُ:﴾ عن قتادة والربيع أنّ الهاء راجعة إلى البيت أو المسجد (٧). وقيل (٨): كناية عن أمر النبيّ ﷺ . قال عبد الله بن سلام: إنّي لأعرف بمحمّد من يزيد ابني، فقال له عمر بن الخطّاب: وكيف ذلك؟ قال: لأنّي لست أشكّ في محمّد ونعته وصفته أنّه نبيّ، ولعلّ والدة يزيد أحدثت، فقبّل عمر رأسه وقال (٩): وفّقك الله يا ابن سلام (١٠). والأظهر أنّها في شأن البيت أو المسجد، وما في الأنعام (١١) في شأن نبيّنا. وإنّما عمّهم بالمعرفة وخصّ فريقا بالكتمان؛ لأنّهم كانوا جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فكتم فريق، ولم يكتم فريق مثل عبد الله بن سلام وكعب ووهب ووفد الحبشة (١٢).

стр. 253

والمعرفة علم بتمييز الذّهن (١)، وقيل: تلخيص نقيضه العلم لقوله ﷺ : (٣٧ ظ) (تعرّف إلى الله في الرّخاء يعرفك في الشّدّة) (٢)، وقيل (٣): سكون النفس إلى ما وقع به العلم، لقولهم: النّفس عروف (٤). وضدّ المعرفة الإنكار (٥)، ولذلك أوجب أبو حنيفة معرفة الله (٦) في الإيمان. ١٤٧ - ﴿الْحَقُّ:﴾ يحتمل أنّه مبتدأ (٧)، ويريد به الحقّ المذكور من قبل وهو البيت أو المسجد أو نعت نبيّنا ﷺ ، ويكون خبره في ﴿مِنْ (٨)﴾ رَبِّكَ (٩). ويحتمل أن يكون (الحقّ) خبر (١٠) مبتدأ محذوف، وتقديره: هو الحقّ (١١)، فيريد: هو الوحي الذي ذكر فيه حالة أهل الكتاب، هو الصدق من ربّك. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ والامتراء افتعال من المرية وهي (١٢) الشكّ، نعوذ بالله منه (١٣). ١٤٨ - والوجهة والوجهة (١٤): الجهة (١٥). والمراد بها القبلة وما في معناها ممّا يجب أن يقبل عليها ولا يعرض عنها من أمور الدنيا (١٦)، نظيره: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة:٤٨]، و ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾ [الحجّ:٦٧] (١٧). وهذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً﴾ [آل عمران:٨٥] (١٨). وقيل:

стр. 254

باقية غير منسوخة، إذ في كلّ كتاب وجوب الإيمان بنبيّنا ﷺ مصرّحا ومعرّضا، وواجبات لم ينسخها الإسلام فهم مدعوّون إليها. ﴿فَاسْتَبِقُوا:﴾ بادروا، والاستباق: المبادرة (١)، قال الله تعالى: ﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ﴾ [يوسف:٢٥] (٢). ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ:﴾ أي: يحضركم الله، ويجمعكم ليوم (٣) الجمع. وفيه تهديد لمن ترك أمره، وتطميع لمن أطاعه (٤). ١٥٠ - وإنّما كرّر ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ للتأكيد (٥)، وقد اتّصل الأوّل (٦) بالإخبار عن علم أهل الكتاب، والثاني (٧) بالشهادة المحضة أنّه حقّ، والثالث بنفي حجّة الناس (٨). ﴿لِئَلاّ يَكُونَ:﴾ اللام للتعليل (٩). و (أن) الخفيفة تحلّ الفعل محلّ الاسم، تقول: أحبّ أن تفعل كذا، وأكره أن لا تفعل (١٠). وهي أداة لتفسير العلم والحسبان والإيقان والادّعاء والزّعم ونحوها. ومجازه: لئلا يكون لغير الظالمين من الناس عليكم حجّة، إذ الاستثناء مع المستثنى منه أحد اسمي الباقي. وإنّما انتفت حجّة غير الظالمين ولم تنتف حجّتهم؛ لأنّ الحجّة كالبيّنة، والعادل لا يأتي ببيّنة (١١) الزّور، فكذلك بالحجّة الداحضة، والظالم بخلافه (١٢). وفي الآية دليل على جواز استثناء (١٣) الأكثر من الأقلّ؛ لأنّ الذين ظلموا كانوا أكثر من بقيّة الناس.

стр. 255

و (الخشية) (١): الخوف. ﴿وَلِأُتِمَّ:﴾ "عطف على قوله: (لئلا) " (٢). ١٥١ - ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ:﴾ تشبيه وقع لإتمام النعمة كقوله (٣): ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٦]. ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ:﴾ أي: ما لا تعلمون، يعني: علم الأوّلين وشرائع الدّين (٤)، وقد تضمّنه قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلا أنّه (٥) أتى بلفظين مختلفين تأكيدا. ١٥٢ - ﴿فَاذْكُرُونِي:﴾ عطف بالفاء لتعقيب الاهتداء (٦). وذكر العبد إلهه هو ذكره مخلصا بالثّناء، وذكر الله إيّاه بالرّحمة وحسن البلاء (٧). والعبد يصل إلى ذكر الله تعالى بذكره، (٣٨ و) وقد أوجب الله تعالى ذكره على (٨) ذكره، فإذا ذكر الله هو العلّة والجزاء. ﴿وَلا تَكْفُرُونِ:﴾ ولا تجحدوني (٩)، نظيره في التّعدّي بغير الباء: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤] (١٠). ١٥٣ - وقد سبق القول (١١) في قوله: ﴿اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ،﴾ إلا أنّ الصبر ههنا يحتمل الصبر على القتال (١٢)، وما ذلك في آية (١٣) الاسترجاع. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ:﴾ بالنّصرة والتأييد وبالتّجلّي لقلوبهم الخاشعة (١٤)، قال الله تعالى في

стр. 256

قصّة موسى ﵇: ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (١) [الشعراء:٦٢]، وفي قصّة نبيّنا ﷺ : ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة:٤٠]. ١٥٤ - ﴿أَمُوتُ:﴾ جمع مائت، كأصحاب جمع صاحب. وقيل: جمع مويت، كأشراف وشريف (٢). و ﴿أَحْياءٌ:﴾ جمع حيّ (٣)، وحيّ على وزن (فعيل) في الأصل. واختلفوا في حياة الشهداء فمن الناس من ذهب إلى المجاز، وإلى بقاء ذكرهم والثّناء عليهم (٤)، كما قال الشاعر (٥): [من البسيط] موت التّقيّ حياة لا انقضاء لها ... قد مات قوم وهم في النّاس أحياء (٦) وهذا غير صحيح لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠]. وذهب بعضهم إلى أنّهم لم يذوقوا الموت وإنّما انسلخوا عن أشباحهم التي هي كالقوالب لهم، وهم أجسام رقيقة حسّاسة من لطائف أشباحهم الكثيفة لا تبلى بعد الإخلاص (٧). وهو غير صحيح لما روي أنّه كان (٨) فيما يتلى: بلّغوا عنّا إخواننا أنّا (٩) لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا (١٠)، وقال ﷺ : (من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) (١١)، والموت دون لقاء الله. وذهب بعضهم إلى بعث نفوسهم التي ذكرنا دون جثثهم الكثيفة بعد ذوقهم الموت في ساعة لطيفة مقدار ما شاء الله لما روي أنّ الله تعالى جعل أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنّة (١٢)، قيل: هي نفوسهم إذ النفس يعبّر عنها بالرّوح (١٣)، روي أنّ جعفرا يطير مع

стр. 257

الملائكة (١)، وأنّ النبيّ ﷺ صلّى بالأنبياء ليلة المعراج عند الصخرة (٢)، وفي حديث المعراج أنّه كان بينه وبين موسى ﵉ كلام، وكذلك بينه وبين (٣) إبراهيم وداود وعيسى ﵈ (٤). ١٥٥ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ:﴾ "ولنختبرنّكم" (٥). ﴿بِشَيْءٍ:﴾ ولم يقل: بأشياء، كراهة لإيهام تواتر الخوف من جهات كثيرة (٦). ولم يكرّر (شيئا)؛ لأنّ حروف العطف تغني عن التّكرار (٧). و ﴿مِنَ:﴾ للتّنويع (٨)، أو للتّبعيض (٩). ﴿وَالْجُوعِ:﴾ "نقيض الشبع" (١٠). و (النّقص) (١١) ضدّ الزّيادة. و ﴿الْأَمْوالِ:﴾ جمع مال، كالباب والأبواب، وهو اسم عامّ لجميع ما يتملّك ملك اليمين ويتموّل (١٢). ﴿وَالْأَنْفُسِ:﴾ جمع قلّة للنّفس (١٣). وقيل: أراد به الولادة. وإنّما أفرد (الثّمرات) بالذّكر مع ذكر الأموال؛ لأنّه أراد ما سواها من مباحات الرّزق على وجه الأرض (١٤). ١٥٦ - والمصيبة (١٥): والمحنة المصيبة، أو الفتنة المصيبة (١٦).

стр. 258

﴿إِنّا لِلّهِ:﴾ اللام للتّمليك (١). وفائدة قوله: ﴿(إِنّا لِلّهِ)﴾ قطع وجوه الخصومات كلّها، إذ لا ينكر على أحد فعل ما يملك فعله (٢). وفائدة قوله: ﴿وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ قطع الجزع عن النّفس، إذ لا بدّ للمنقرض الفاني من الآفات، (٣٨ ظ) ولا وجه للجزع ممّا لا بدّ منه (٣). ١٥٧ - ﴿صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ دعاؤه لهم، وذلك قضاؤه الخير لهم (٤)، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب:٤٣] (٥)، وقال ابن أحمر (٦): [من البسيط] صلّى الإله على النّعمان والرّسل ١٥٨ - ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ:﴾ نزلت في شأن السّعي بين الصّفا والمروة (٧). واتّصالها بما قبلها أنّه لمّا أخبر عن نبيّه أنّه يعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون، أتبعه من علم ما لم يعلموه: حياة الشهداء والاسترجاع والسّعي بين الصّفا والمروة، تصديقا لخبره (٨). و (الصّفا): الصخرة الصلبة الملساء، جمع (صفاة)، كحصى وحصاة (٩). والمراد به موقف السّاعي عن خارج المسجد ممّا يلي ركن الأسود في أسفل أبي (١٠) قبيس. و (المروة): حجارة رخوة (١١). والمراد بها موقف السّاعي ممّا يلي ركن العراقي. و (الشّعائر) (١٢): معالم النسك، واحدها: شعيرة، يقال: بيني وبينه شعار، أي: علامة (١٣). و (الحجّ): القصد (١٤)، وقيل (١٥): الإتيان مرّة بعد أخرى، ومنه: المحجّة.

стр. 259

و (الاعتمار) (١): هو الإتيان بالعمرة، والعمرة إحرام لا يوجب الوقوف بعرفة (٢). وأصلها في اللغة هو القصد والزّيارة (٣)، قال الشاعر (٤): [من الرّجز] لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدا من بعيد وضبر و (الجناح): الإثم (٥)، وأصله من الجنوح وهو الميل (٦). و (التّطوّع): تفعّل من الطاعة. وهو في الشرع عبارة عن النّفل (٧). والسّعي سنّة يجب بتركه (٨) الدّم عندنا (٩)، وعند الشافعيّ واجب يلزمه العود لها (١٠). ١٥٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ:﴾ لمّا ذكّرنا كتمان اليهود أمر القبلة وغيره من الحقّ، وهدّدهم على ذلك، أتى بتصريح عقوبتهم لاتّعاظ السّعداء (١١). و ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ جمع بيّنة، وهي المتّضحة (١٢)، وهي صفة للآية. و (لعنة اللاعنين) (١٣): دعاؤهم باللّعن والسّحق (١٤). والمراد بهم الملائكة، عن قتادة والربيع (١٥). والبهائم عند احتباس المطر، عن مجاهد وعكرمة (١٦). وما سوى الثّقلين حتى يصيح الكافر (١٧) في قبره، عن السدّي (١٨). والمتلاعنون (١٩)

стр. 260

إذا لم يكونوا أهلا لها، عن ابن مسعود مرفوعا (١). ١٦٠ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ إنّما استثنى التائبين (٢) لئلا ييأسوا فيكفروا ولا يتوبوا (٣). ١٦١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا:﴾ قيّد الوصف بالموت لئلا يوهم أنّ توبتهم لا (٤) تقبل، وهم مكلّفون. ولعنة الناس أجمعين (٥) إنّما هي لعنة المؤمنين فيما نشاهد (٦)، ولعن الكفّار بعضهم بعضا يوم القيامة (٧)، ولعن الكافر نفسه؛ يقول: لعن الله الظالم، وهو ظالم (٨). ١٦٢ - ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ أي: في اللّعنة، أو النار (٩). ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ:﴾ لا يزال ثقله وشدّته عنهم (١٠). ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (١١): أي: لا يمهلون عند إدخالهم النار، أو عند انقضاء آجالهم (١٢). ١٦٣ - ﴿وَإِلهُكُمْ:﴾ الواو للاستئناف. واتّصالها بما قبلها أنّه لمّا ذكر للأمّة الحنيفة فروع الدّين من الصّبر والصّلاة والسّعي بين الصّفا والمروة أتى بذكر الأصل ليزيدهم مسارعة إليها (١٣). (٣٩ و) وقيل: لمّا ذمّ الكفر أعقبه ما فيه الخلاص من الكفر، لتنبيه من (١٤) قدّر له التنبيه. ورفع الضمير المستثنى لأنّه على المبتدأ الأوّل وهو قوله: ﴿(وَإِلهُكُمْ)﴾، ولمّا ابتدأ فقال: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لم يجز في الاستثناء إلا الرّفع؛ لأنّ المستثنى إمّا ينتصب على الفصل تشبيها

стр. 261

بالمفعول، وإمّا ردّا على المستثنى منه، ولا فصل (١) ههنا؛ لأنّ الكلام غير تامّ دونه، إذ الخبر مضمر وتقديره: لا إله لنا أو لكم إلا الله، ولا ينتصب على الرّدّ؛ لأنّ موضع المستثنى منه رفع على الابتداء وإن انتصب ب (لا) النّفي على البناء (٢). ١٦٤ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ [وَالْأَرْضِ] (٣)﴾: جمع سماوة، مثل: حمامات وحمامة. والسّماوة (٤) والسّماء بمعنى. وإنّما جمع السموات ولم يجمع الأرض؛ لأنّ السموات من أجناس مختلفة، والأرض من جنس واحد وهو الصّعيد (٥). وقيل: لأنّ منافع السموات متّصلة إلينا إمّا دنياويّة أو عقباويّة، ولا يصل إلينا إلا منفعة أرض واحدة. وقيل: لأنّ السموات بعضها فوق بعض، والأرض ملصق بعضها ببعض فكأنّها واحدة. وقيل: لأنّ الأرض مصدر في الأصل، والمصادر لا تجمع، وإنّما جمعت أرضين جمع سلامة جمع (٦) الذّكور نحو: سنين نادرا، وإنّما حرّكت الراء لأنّها متحرّكة في الأصل، تقول: أرضت الخشبة تؤرض أرضا، والأرضة (٧): الدّابّة. ﴿وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ و ﴿(اللَّيْلِ)﴾: وقت الظّلام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر (٨). والواحد: ليلة، والجمع: ليال، مثل: أراض (٩)، وقيل: هو مقلوب ليايل (١٠). و (النّهار): "ضدّ الليل" (١١)، وجمعه: النّهر (١٢). و (اختلافهما): مخالفتهما في اللون والساعات (١٣)، أو تعاقبهما بأن يعقب كلّ واحد منهما الآخر (١٤). ﴿وَالْفُلْكِ:﴾ جمع وواحد (١٥)، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء:١١٩]،

стр. 262

إلا أنّ الضمّة في الواحد كالضمّة في المهر، وفي الجمع كالضمّة في الأسد (١). وجري الفلك (٢): اندفاعها طافية على وجه الماء (٣). وما ينفع الناس: البضاعات (٤). وإحياء الأرض بعد موتها: إثارتها وإصلاحها للإنبات بعد (٥) تقطّعها. ﴿وَبَثَّ:﴾ فرّق (٦) ونشر. ﴿مِنَ:﴾ صلة (٧). ﴿دَابَّةٍ:﴾ اسم عامّ لكلّ نفس تدبّ على وجه الأرض (٨). ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ:﴾ صرفها إلى الوجوه المقدّرة، وإسكانها مرّة وتهييجها أخرى (٩). ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ:﴾ هو الغيم (١٠) المذلّل بينهما لا يرتفع فيلحق بالسماء، ولا ينحدر فيلصق بالأرض، وهي مطيعة (١١) كما قال زيد بن عمرو (١٢): [من المتقارب] إذا هي سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبّت عليها سجالا واللام في قوله: ﴿لَآياتٍ﴾ للتأكيد، وهي تدخل على خبر (إنّ)، أو على اسمها إذا حال بينهما اسم مجرور (١٣). وهذه الآيات يقع العلم ببعضها اكتسابا من أن يتيسر (١٤) إحضارها.

стр. 263

والمراد بالعقلاء (١) المعتبرون الذين غلب عقلهم على هواهم لحصول فائدة الآيات (٢). وقيل (٣): المراد به المخاطبون للزوم الحجّة إيّاهم. ١٦٥ - ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ﴾ (٣٩ ظ) ﴿اللهِ أَنْداداً:﴾ أي: يتّخذ لله أندادا من دونه، إذ لا موازي لله تعالى، وكلّ شيء دونه، ولأنّهم لم يكونوا يزعمون أنّ له شريكا موازيا، إذ كانوا يقولون في تلبيتهم: تملكه وما ملك. و (الحبّ) (٤) أعلى مراتب الارتضاء. ورفع التشبيه بحبهم تسمية الله وإن لم يعرفوا ذاته حقيقة، على أنّه يجوز حبّ غير المعروف كحبّنا كلّ عبد صالح (٥). ثمّ إنّ المؤمنين ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ؛﴾ لأنّهم يعبدونه ليتقرّبوا إليه، والكفّار يعبدون الأصنام ليتقرّبوا (٦) إلى الله زلفى (٧)، فمن أحبّ شيئا لنفسه أشدّ حبّا له ممّن يحبّ شيئا لغيره (٨)، ولأنّ المؤمنين يفدون أنفسهم في سبيله (٩) ثمّ لا يندمون، والكفّار يفدون أنفسهم في سبيل الطّاغوت ثمّ يندمون (١٠). ﴿وَلَوْ يَرَى (١١)﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا: في محلّ النصب على قراءة التاء (١٢)، وفي محلّ الرّفع على قراءة الياء (١٣). و ﴿إِذْ﴾ في محلّ النّصب (١٤). وجواب (لو) على قراءة التاء: لرأيت أمرا عظيما، أو لرأيت أنّ القوّة لله جميعا (١٥)، وعلى

стр. 264

قراءة الياء: لتابوا قبله ولما عبدوا الأوثان (١). وحذف جواب (لو) لتعظيم الشأن والحال (٢) كما في قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]. ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ (٣)﴾: بأنّ القوّة لله (٤). والقوّة ما يمنع الانثناء (٥)، وهي ضدّ الضعف (٦). وهو عارض دخل بين البدل والمبدل منه (٧). وإن قرأت بكسر الألف (٨) لم تحتج إلى إضمار (٩). ١٦٦ - والتّبرّؤ (١٠) تفعّل من البراءة (١١)، وذلك قولهم: ﴿أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ﴾ [القصص:٦٣]. ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ:﴾ أي: انقطعت بهم سبيل النّجاة، وهي الأرحام والوسائل (١٢)، قال ﷺ : (كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي) (١٣). والسّبب قد يعبّر به عن الطريق (١٤)، قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ [الكهف:٨٥]، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ [الكهف:٨٩]. ١٦٧ - ﴿فَنَتَبَرَّأَ:﴾ منصوب على جواب التّمنّي (١٥) بالفاء. وقوله: ﴿كَذلِكَ،﴾ أي: كما أخبرناك.

стр. 265

﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ أي: جزاء أعمالهم (١)، وقيل: أعمالهم التي أحصاها بأعيانها إذ الأعراض تبقى بالتّبعيّة كما ورد في الأخبار (٢). ﴿حَسَراتٍ:﴾ جمع حسرة، وهي أشدّ النّدامة (٣)، تجعل صاحبها كليلا حسيرا. وقيل (٤): هي كشف النّدامة، من قولك: حسر عن ذراعيه، وذلك يكون في الحالة الثانية؛ لأنّهم يسرّون النّدامة عند رؤية العذاب. ١٦٨ - ﴿مِمّا فِي الْأَرْضِ:﴾ إن جعلتها للتّبعيض، أو أقمتها مقام شيء، فالآية (٥) محتملة موقوفة على التفسير، قاله الفرّاء (٦). وعن الأخفش قريب منه (٧). وإن جعلتها صلة فالآية عامّة بعوض التّخصيص (٨). ﴿حَلالاً:﴾ نصب على الحال (٩)، أو على القطع. وهو ضدّ الحرام (١٠). و (الخطوة) (١١): ما بين القدمين، والمراد بالخطوات مسالكه ومذاهبه (١٢). ١٦٩ - ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ:﴾ إذا قيل: إنّ زيدا منطلق، أخبر عن انطلاقه، وإذا قيل: إنّما زيد منطلق، فكأنّه جعل الانطلاق صفته فقط (١٣). و (أمره) على المجاز إذ هو غير واجب (١٤). ﴿بِالسُّوءِ:﴾ ما يسوء العاقل ويوحشه (١٥). وهو مصدر (٤٠ و) أقيم مقام الاسم (١٦). ﴿وَالْفَحْشاءِ:﴾ الخصلة المجاوزة عن الحدّ من البشاعة (١٧).

стр. 266

وقولهم ﴿عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قيل: تحريم السائبة والوصيلة (١) والحام، أو تحريم اليهود ما ليس بمحرّم عليهم في التّوراة، أو غير ذلك من الكفر والضلالة (٢). ١٧٠ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا:﴾ نزلت في كفّار قريش (٣). وعن ابن عبّاس أنّها في اليهود، ومنهم رافع أو أبو رافع بن خارجة (٤). والكناية عمّا لم يسبق ذكره (٥)، مثل قوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]. وقيل (٦): راجعة إلى ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً﴾ [البقرة:١٦٥]. و (الإلفاء) (٧): الوجود. و (الآباء): جمع أب (٨)، والهمزة التي هي فاء الفعل مبدلة لاجتماع الهمزتين. ﴿أَوَلَوْ:﴾ همزة استفهام دخلت على حرف العطف، كقوله: ﴿أَفَلَمْ﴾ [يوسف:١٠٩]، ﴿أَثُمَّ﴾ [يونس:٥١] (٩). ولم ينف العقل عن آبائهم، ولكن بيّن قبح إصرارهم على تقليد من لا يجوز (١٠) تقليده، كما يقال: أنا على رأي شيخي (١١). وقيل: ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً﴾ من أحكام الشريعة، إذ ذلك لا يعقل إلا بالوحي، أو البناء عليه (١٢). ١٧١ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ أي: مثل واعظ الذين كفروا (١٣). ويحتمل أنّ التشبيه مراد ﴿بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً﴾ وإن اتّصل ب ﴿الَّذِي يَنْعِقُ،﴾ كما في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون:١٨] مراد بالنبات وإن اتّصل بالماء، وهذا

стр. 267

سائغ في مجاز الكلام (١). وقيل (٢): ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام كمثل الذي ينعق بالأنعام. و (النّعيق): صوت الراعي بالغنم (٣). الدعاء (٤) والنّداء واحد جمع للتأكيد يقعان جهرا وخفية (٥). وقيل (٦): النّداء أعمّ، ويكون عند رفع الصوت. ١٧٢ - وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أفادت حكمين: أكل المستطاب من الحيوان كالأنعام والسمك والطيور والصيود دون المستخبث من الحيوان كالفواسق والمسوخ والحشرات والجوارح (٧)، والثاني: الاعتقاد بأنّ الجميع رزق (٨). ١٧٣ - و (ما) في ﴿إِنَّما حَرَّمَ﴾ (ما) الكافّة (٩). و (ما) اسم عند من قرأ: (الميتة) بالرّفع (١٠). و ﴿الْمَيْتَةَ:﴾ غير الذّكيّة (١١) حكما، وما مات حتف أنفه في اللغة (١٢). ﴿وَالدَّمَ:﴾ السائل، إذا سفح انسفح (١٣). والمراد بلحم الخنزير كلّه (١٤). وتخصيص الثلاثة بالتحريم مع بقاء محظورات (١٥) على الأصل للتأكيد كما في نهي الظلم. ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ (١٦): أي: تسمية الأوثان عند الذّبح والإهلال (١٧).

стр. 268

(الاضطرار) (١): المجاعة عند العجز عن غيره (٢)، كما قال: ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة:٣]. و ﴿غَيْرَ:﴾ نصب على الحال (٣). و (البغي): الطلب (٤)، وههنا ابتغاء المحظور عمدا وظلما على نفسه (٥). و (العدو): مجاوزة الحدّ (٦)، وههنا عدو حدّ الاضطرار، أو التناول بعد الاستغناء، عن السدّي والمؤرّج وابن عرفة والأزهري (٧). وقيل (٨): أن يكون سفره في معصية من ظلم أو عدوان. والأوّل أصحّ. و (الإثم) (٩): الجناح. ١٧٤ - ﴿وَيَشْتَرُونَ:﴾ "بما أنزل الله" (١٠). وإنّما قال: ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ (١١)؛ لأنّه ردّ الكلام إلى المعنى، وهو التّحصيل (١٢)، قال ﷺ : (إنّ المؤمن يأكل في معى واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء) (١٣)، (٤٠ ظ) وقال (١٤): [من الوافر] كلوا في نصف بطنكم (١٥) ... تعفّوا فإنّ زمانكم زمن خميص. وإنّما سمّى الرّشا نارا (١٦) باسم المآل (١٧)؛ لأنّها تصير نارا. وتكليم الله (١٨) على وجوه: قال الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً،﴾

стр. 269

الآية [الشورى:٥١]، فالمنفيّ أحد الوجوه والمثبت (١) الآخر. وعلى الجنس أنّه على المجاز، والمراد به الإخبار عن شدّة غضبه عليهم، وطرده إيّاهم (٢). ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ:﴾ ولا يثني عليهم (٣)، وقيل (٤): لا يبدّل سيّئاتهم حسنات. ١٧٥ - و (المغفرة) (٥) والغفران بمعنى، وأصله الستر (٦)، ومعناه إلباس العفو (٧). وإنّما اشتروا العذاب باشتراء موجبه بموجبها. وقوله: (ما أصبرهم): على التعجّب (٨)، ﴿عَلَى النّارِ:﴾ على موجبها (٩). وقيل (١٠): ما أدوم حبسهم عليها. وقيل (١١): ما أجرأهم عليها كما يقال: ما أصبر فلانا على القتال. ١٧٦ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى العذاب، أو نحوه (١٢). ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ:﴾ التوراة، أو الجنس (١٣). و (الاختلاف) (١٤): ضدّ الاتّفاق (١٥)، وهو أن تخالف كلّ طائفة غيرها (١٦). ١٧٧ - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ:﴾ نفى حجّة من يستدلّ بفضيلة قبلته، كإعجاب اليهود بالبيت المقدّس المحدق بالصّخرة التي عليها المعراج (١٧)، وإعجاب النصارى بسراج (١٨) الدنيا، وإعجاب موسى بقبلة إبراهيم ومنشأ إسماعيل ومختلف الحاجّ ومأمن الوحش. وبيّن الله أنّه لا برّ في تولية الوجه قبل المشرق والمغرب بلا إيمان صحيح وصلاة مجزية

стр. 270

وخصلة محمودة، إذ التوجّه يتّفق من الصّبيان والمجانين والدوابّ ثمّ لا يستحقّون مدحا أو ذمّا (١). واتّصالها (٢) بما قبلها من حيث ذكر الاختلاف في الآية السابقة (٣). ﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ:﴾ نحوه، هذا من قبل فلان، أي: من جهته، ولي حقّ قبل فلان، أي: عنده، وما لي به قبل، أي: طاقة، ورأيته قبلا، أي: معاينة (٤). ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ:﴾ قال الفرّاء (٥): (من آمن بالله) خبر (٦) (البرّ)، على الاكتفاء بالمعنى الدالّ في الاسم على المصدر، كما قيل (٧): [من الوافر] قليل همّه والعيب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ كريم وقيل: المصدر يطلق (٨) بمعنى الاسم كما في قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ [طه:١٠]، أي: هاديا، أي: ولكنّ البارّ من آمن بالله (٩). وقيل (١٠): الحذف تقديره: ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله. وقيل (١١): ولكنّ ذا البرّ (١٢) من آمن بالله، كما قال (١٣): [من البسيط] ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار والإيمان بالله: الاعتراف بوحدانيّة الله وأسمائه وصفاته، وباليوم الآخر (١٤) أنّه واجب بوعد الله لتجزى كلّ نفس بما كسبت، وبالملائكة أنّهم عباد الله الروحانيّون، لا يطعمون، وعن العبادة لا يفترون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وبالكتاب أنّه كلام الله ووحيه

стр. 271

ومقوله، قاله قولا ولم يخلقه فعلا، وبالنّبيّين أنّهم دعاة إلى الله بوحي منه (٤١ و) إليهم، لا يتقوّلون ولا يحرّفون ولا يعزلون، ولا ينال وليّ من الشرف ما ينالون (١). ﴿عَلى حُبِّهِ:﴾ كناية عن اسم الله تعالى (٢)، وعن ابن مسعود والسدّي والشّعبيّ عن المال (٣). ولابن السبيل ثلاثة معان: مارّ الطريق وهو الضيف (٤)، والمنقطع عن ماله وأهله وهو مستحقّ الزكاة (٥)، والغازي وإعانته قربة، وربّما يستحقّ (٦) الزكاة. ﴿وَفِي الرِّقابِ:﴾ إعانة المكاتبين (٧)، وقيل (٨): اشتراء المماليك وإعتاقهم. ﴿وَالصّابِرِينَ:﴾ المتعفّفين المشتبهين (٩) بالأغنياء ﴿فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ فيكون عطفا على (ابن السبيل) (١٠). والثاني: الصبر خصال البرّ فينصب الصابرين على محلّ الممدوح (١١)، قال (١٢): [من المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم وذا الرّأي حين تغمّ الأمور ... بذات الصّليل (١٣) وذات اللّجم ﴿الْبَأْساءِ:﴾ المصيبة الشديدة (١٤)، ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾ الحالة ذات الضرر (١٥). وقال الأزهري: البأساء في المال، والضراء في النفس (١٦). و ﴿الْبَأْسِ:﴾ الشدّة، وأكثر استعماله في الحرب (١٧).

стр. 272

١٧٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ:﴾ وهذا فصل مبتدأ في الأحكام، نزلت في الأوس والخزرج، قال الأوس للخزرج (١): والله لو تأخّر الإسلام لقتلنا بكلّ عبد منّا حرّا منكم، وبكلّ أنثى ذكرا منكم (٢). وقيل (٣): نزلت في حيّين من العرب غيرهما. والقصاص مأخوذ من القصّ وهو القطع، يقال: قصصت ما بينهما (٤). وقيل (٥): القصاص تبعة على أثر الجناية بالمماثلة. والقصاص واجب في الحال بإيجاب الله تعالى، فأمّا الاقتصاص فغير واجب؛ لأنّه (٦) لا يجبر عليه، كما في العقوبة والعاقبة. و ﴿الْقَتْلى:﴾ جمع قتيل، كالمرضى جمع مريض (٧). والمراد التسوية بين المسلمين جميعا وضيعهم وشريفهم كما في قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال ﷺ : (المسلمون تتكافأ (٨) دماؤهم)، الخبر. و ﴿الْحُرُّ:﴾ الذي لا رقّ عليه (٩). ﴿وَالْعَبْدُ:﴾ الرّقيق (١٠). ﴿وَالْأُنْثى:﴾ زوج الذّكر (١١). ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ:﴾ فأيّ قاتل عفي له (١٢) من أخيه المقتول حقّ في القصاص، فعلى من لم يعف حصّته من الأولياء اتّباع بالمعروف، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان (١٣). و (المعروف) (١٤): اسم لكلّ خير.

стр. 273

و (الأداء): اسم من التّأدية، وهي التسليم (١). و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى حكم العقوبة (٢). والمراد بالاعتداء (٣): الرجوع إلى القصاص (٤). ويحتمل أنّ المراد به أيّ الثلاثة: الرجوع، والامتناع من الأداء، والاتّباع بالمنكر (٥). ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ أي: الاقتصاص من الراجع إلى القصاص (٦)، وقيل (٧): عذاب الآخرة. ١٧٩ - ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ:﴾ ليس المراد بالحياة منع (٨) اخترام الآجال؛ لأنّه محال لقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران:١٤٥]، ولقوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [آل عمران:١٥٦]، لكنّ المراد طيب الحياة بعد الممات بالنّجاة من النار، وتهنئة الحياة في الدنيا بالأمن من الغوائل بعد القصاص، والأمن من المقدمين على سفك الدماء إذا علموا (٤١ ظ) بالقصاص، أو حياة القلب بنور الاتّقاء عن حدود الله (٩). (أولو) (١٠): جمع لا واحد له، وتأنيثه: أولات، ومعناهما: ذوو وذوات (١١). و (اللّبّ) من كلّ شيء خالصه (١٢)، قاله (١٣) أبو عبيد. ١٨٠ - ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ:﴾ الحالة (١٤) تعرض من أسباب الموت قبل زوال التكليف بزوال القدرة (١٥).

стр. 274

﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً:﴾ خلّى مالا (١)، قال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ﴾ [الدخان:٢٥]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]. و ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ في اللغة: العهد (٢). وفي الشرع: عبارة عن إيجاب تصرّف في (٣) المال على وجه التّوكيل موقّتا بالموت (٤). وقد نسخ الوصيّة للوالدين والأقربين قوله ﷺ : (إنّ الله تعالى قد (٥) أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصيّة لوارث) (٦)، وهذا في حيّز التواتر لما (٧) تلقّته الفقهاء بالقبول (٨). وقيل (٩): نسختها آية المواريث، وذلك غير صحيح للخبر. وقد أعطى الله الأقربين حقّهم في آية المواريث فقال: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٧]، وقال: ﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ [النساء:١١]. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ بالمقدار الذي لا ننكر (١٠) لوكس أو (١١) شطط. ﴿حَقًّا:﴾ نصب على المصدر (١٢)، أو على أنّه مفعول ثان (١٣). ١٨١ - ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ:﴾ أي: الحقّ (١٤)، أو الوصيّة، وهو الإيصاء (١٥). والمراد ب (من) الأوصياء (١٦).

стр. 275

١٨٢ - ﴿فَمَنْ خافَ:﴾ والخوف بمعنى العلم (١)، قال أبو محجن الثّقفيّ (٢): [من الطويل] إذا متّ واروني إلى جنب كرمة ... يروّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنوني في فلاة فإنّني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها ﴿جَنَفاً:﴾ ميلا إلى الباطل (٣). ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ:﴾ كناية عن الأقربين (٤)، أو عمّا لم يسبق ذكره (٥). ﴿فَلا إِثْمَ:﴾ على الوصيّ بهذا التّبديل الذي ورد فيه الوعيد، فإنّ هذا مستثنى منه (٦). ١٨٣ - ﴿كَما كُتِبَ:﴾ تشبيه بمجرّد الصّيام دون الصفات كلّها (٧)، إذ التشبيه لا يوجب كون المشبّه كالمشبّه به من جميع الوجوه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران:٥٩]، وقال: ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ﴾ [الفرقان:٤٤]، وقال: ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]. ويحتمل تشبيه الوجوب بالوجوب (٨). و ﴿الصِّيامُ﴾ في اللغة عبارة عن الإمساك عن الطعام (٩)، قال الشاعر (١٠): [من البسيط] خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما وعن السكون في البيت، يقال: صامت الرّيح، إذا سكنت (١١). وعن السكوت، قال الله تعالى حكاية عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ [مريم:٢٦] (١٢). وفي الشرع: عبارة عن الإمساك (١٣) عن المفطرات مع النّيّة (١٤).

стр. 276

١٨٤ - ﴿أَيّاماً:﴾ نصب على الظرف (١). والمراد بها التّقليل (٢)، أو حسم توهّم الساعات والدقائق كما توهّم اليهود والنصارى دون عدد معيّن لا يزيد ولا ينقص. ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً:﴾ يضرّه الصوم، أو مسافرا، فأفطر (٣) فعليه صوم أيّام معدودة ﴿مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ.﴾ و (أخر): جمع أخرى (٤)، مثل: أول جمع أولى. ولم تصرف لعدولها في البناء وللتّأنيث (٥). وأمّا القضاء فقد روي (٤٢ و) عن ابن عبّاس ومعاذ وأنس وأبي هريرة ورافع بن خديج وأبي عبيدة أنّه لا بأس بالتّفريق (٦)، وعن عليّ وابن عمر أنّ التّتابع أفضل (٧). ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ:﴾ قال سلمة بن الأكوع والشعبيّ: لمّا نزلت الآية كان الغنيّ يفطر ويفدي فنسختها قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] (٨). وعن ابن عبّاس أنّه قرأ (٩): (وعلى الذين يطيّقونه)، أي: يلزمونه. وعن سعيد بن جبير عنه: الذين يجشمونه ولا يطيقونه: الكبير والمريض وصاحب العطاش والحبلى والمراضع (١٠)، هؤلاء لهم طاقة مع المشقّة فلذلك لزمهم، فأمّا من لا طاقة له أصلا فغير داخل فيه. ويسقط القضاء عن المريض الذي لا يشفى في المستأنف (١١). والفدية تجب على الشيخ الهرم والمريض بداء (١٢) ثمّ مات وأوصى. ومقدارها نصف صاع من برّ أو ما هو منه، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير (١٣). ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً:﴾ أراد في الصوم بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ،﴾ وعن ابن عبّاس: الزيادة في الإطعام (١٤).

стр. 277

١٨٥ - ﴿شَهْرُ:﴾ اسم من حين يطلع (١) الهلال إلى مثله (٢)، فأوّله ليل وآخره نهار. وجمعه: أشهر وشهور (٣). مشتقّ من الشّهرة (٤). و ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ هو الذي بين شعبان وشوّال (٥). و (شهر): مبتدأ وخبره ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٦). وقيل (٧): خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هي شهر رمضان، أي: الأيّام المعدودات. وكان مجاهد يتوهّم أنّ رمضان من أسماء الله لاحتمال كونه اسما لفاعل الرّمضاء أو الرّمض أو الرّميض من حيث إنّه معدول (٨). والرّمضاء: الرّمل الحارّ المحترق، والرّمض من فعل الطبائع (٩)، والرّميض: الحادّ بالدال، يقال: رمضت الفصال، إذا بركت من شدّة حرّ الرّمضاء، ويقال: سكّين رميض (١٠). ولم يصرف (رمضان) للعدول والشهرة (١١). ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ:﴾ افتتاح الإنزال فيه حيث كان يتحنّث فيه رسول الله ﷺ في حراء (١٢). وعن ابن عبّاس أنّ القرآن كلّه أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان، ثمّ أنزل نجوما في ثلاث وعشرين سنة (١٣). وعنه ﷺ أنّ جبريل ﵇ كان يعارضه بالقرآن في شهر رمضان كلّ سنة مرّة، وعارضه عام وفاته مرّتين (١٤). وتلك المعارضة نوع إنزال أيضا لإفادة الأحرف السبعة. و (القرآن): اسم من القراءة، وهو في الأصل مصدر كالرّجحان والخسران (١٥). وقد اختصّ بالمنزّل على نبيّنا ﷺ ، وإن كان مشتقّا كاختصاص اسم الرّحمن بالله. والقرآن في اللغة: الضّمّ

стр. 278

والجمع (١)، قال (٢): [من الوافر] ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللّون (٣) لم تقرأ جنينا ﴿وَالْفُرْقانِ:﴾ الحكم الفاصل (٤)، ولذلك عطفه على ﴿الْهُدى.﴾ وعن النبيّ ﷺ أنّه خرج (٤٢ ظ) عام الفتح صائما في شهر رمضان، فلمّا بلغ الكديد أفطر وأمر بالإفطار (٥). واسم (السّفر) (٦) في اللّغة يشمل أيّ خروج من الوطن ولو مدّة ساعة، إذ (٧) اشتقاقه من سفارة السّفير، أو الإسفار وهو الظّهور (٨). وفي الشّرع مختصّ بمدّة ثلاثة أيّام (٩). والمراد بالإرادة: رفع مشيئة الآخر، وهي أخصّ في المرادات من المشيئة، وهي تستعمل (١٠) بمعنى المشيئة والمحبّة والطّلب (١١). و ﴿الْعُسْرَ:﴾ ما يتعسّر ويشقّ، و ﴿الْيُسْرَ:﴾ نقيضه، ولذلك يقال للعامل بيمينه: يسر (١٢)، وللعامل بيساره: أعسر (١٣). ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ:﴾ عدّة (١٤) شهر رمضان إن كانت ثلاثين فثلاثين، وإن كانت تسعا وعشرين فتسعا وعشرين (١٥). ويحتمل أنّ المراد به الثلاثين عند الاشتباه (١٦). ويحتمل عدّة القضاء في الحالة الثانية (١٧).

стр. 279

والواو فيه للعطف على معنى اليسر المراد، فكأنّه قال: يريد الله لييسّر عليكم ولتكملوا العدّة (١)، كما قال: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٦]. ويحتمل أن تكون لام (كي) بمعنى (أن)، التقدير (٢): يريد الله أن ييسّر عليكم وأن تكملوا العدّة، وكما (٣) قال: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١]، أي: أن نسلم (٤). ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ:﴾ أراد (٥) اعتقاد تعظيم الله في الجملة (٦). وقيل (٧): تكبير يوم الفطر، وذلك سنّة أشار إليها القرآن من غير أمر بها. ١٨٦ - ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي:﴾ نزلت في المؤمنين حيث قالوا: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه (٨)؟ وإنّما سألوا هذا لا لأنّهم لم يعلموا أنّ ربّهم عليّ متعال عن المسّ وقريب (٩) متعال عن أن تحجزه مسافة، ولكن ليعلموا أنّهم متعبّدون برفع الصوت إشارة إلى علوّه أم متعبّدون بخفضه إشارة إلى دنوّه، وهما صفتان له بلا كيف، فتعبّدهم بخفض الصوت تيسيرا (١٠) عليهم لئلا يجهدوا أنفسهم، وتفضّلا عليهم، وإكراما إيّاهم بذكر مزيّة منهم، كما قال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] (١١). واتّصالها بما قبلها من حيث التكبير والشكر (١٢). وقيل: نزلت في من واقع أهله ليلة الصيام قبل الرّخصة، أو أكل بعد النوم قبل الرّخصة، ثمّ أراد الاستغفار (١٣). وتقديره: أخبرهم (١٤) عن قربتي فإنّي قريب (١٥).

стр. 280

﴿أُجِيبُ:﴾ أنفذ الدّعوة وأجيز (١)، وذلك يكون بالقول والفعل جميعا، ونقيضه الإعراض. فأمّا الرّدّ (٢) فإنّه نوع إجابة حقيقة أو مجازا (٣). والإجابة بمعنى الاستجابة (٤) كالإبشار والاستبشار. والجواب مشتقّ من الإجابة، أو اسم موضوع اشتقّ منه الإجابة (٥). وإجابة الله إيّانا هي قبول دعوتنا، وإجابتنا إيّاه قبول أمره (٦). و (الرّشد) (٧) كالاهتداء، ونقيضه الغيّ (٨). ١٨٧ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ:﴾ قال معاذ بن جبل: قدم النبيّ ﷺ المدينة فصام من كلّ شهر ثلاثة أيّام، وصام يوم عاشوراء حتّى نزل قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، (٤٣ و) فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا حتى أنزل: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ففرضه الله تعالى، وأثبت صيامه على الصّحيح المقيم، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وثبّت إطعام الشيخ الذي لا يستطيع صيامه، فكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء، وإذا ناموا امتنعوا عن ذلك، فجاء رجل يقال له: صرمة قد ظلّ يومه يعمل، فجاء صلاة العشاء فوضع رأسه فنام قبل أن يطعم، فأصبح صائما (٩)، فرآه النبيّ ﷺ من آخر النهار وقد أجهد، فقال: إنّي أراك قد أجهدت، فقال: يا رسول الله ظللت يومي أعمل فجئت صلاة العشاء فنمت قبل أن أطعم، وجاءه عمر بن الخطّاب وقد أصاب من النساء، فنزلت (١٠) الآية. قال ابن عرفة (١١): ﴿الرَّفَثُ:﴾ الجماع ههنا، والرّفث: التّصريح (١٢) بذكر الجماع. "وقال

стр. 281

الأزهريّ: هي (١) كلمة جامعة لكلّ ما يريده الرّجل من المرأة" (٢). وإنّما عدّاه ب (إلى) اعتبارا بالمعنى وهو الإفضاء (٣). وكلّ شيء ستر شيئا فهو لباس له (٤)، "وقال ابن عرفة: اللّباس من الملابسة وهي الاختلاط والاجتماع" (٥)، وأنشد (٦): [من المتقارب] إذا ما الضّجيع ثنى عطفه ... تثنّت فكانت عليه لباسا ﴿تَخْتانُونَ:﴾ افتعال من الخيانة، وهي النّقص (٧). والمراد نقصهم أنفسهم الثّواب والفضل حين ترخّصوا بما لم يرخّصه الله تعالى بعد (٨). قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ:﴾ على الوجوب في الظاهر إلا أنّا صرفناه إلى الإباحة، وكذلك قوله: ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا﴾ (٩). والمباشرة: إمساس البشرة البشرة (١٠)، والمراد بها الرّفث (١١). و (الابتغاء) (١٢): الطّلب. وما كتب الله لهم: هو الخير مثل: إباحة الاستمتاع والأكل والشرب، ومثل: الولد (١٣). ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ:﴾ بياض الثاني (١٤)، ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ:﴾ سواد الليل، شبّهها بخيطين لامتدادها (١٥). وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ للتّفسير (١٦).

стр. 282

وهذه الآية تدلّ على جواز صوم الجنب؛ لأنّ المجامعة إذا وقعت في آخر الليل فلا بدّ من أن يقع الغسل بعد الفجر (١). وتدلّ (٢) على جواز الاعتكاف في كلّ مسجد يؤدّن فيه (٣). قال عليّ: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، وإليه ذهبت (٤) عائشة وابن مسعود (٥). ولا اعتكاف إلا بصوم له أو لغيره، وإليه ذهب عليّ وعائشة وابن عمر ومجاهد وابن (٦) فاختة عن ابن عبّاس (٧). و (الحدّ) (٨) في اللغة بمعنى المنع والحجب (٩)، قال الشاعر (١٠): [من البسيط] لا تعبدون إلها غير خالقكم ... فإن دعيتم فقولوا دونه حدد ١٨٨ - ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ:﴾ نزلت في من لأخيه عليه مال ولا بيّنة له عليه (١١). وقيل: في امرئ القيس بن عياش الكنديّ، خاصمه عيدان بن ربيعة الحضرميّ في أرض، فاختصما إلى النبيّ ﷺ ، وأراد الكنديّ أن يحلف (٤٣ ظ) فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران:٧٧] فأبى أن يحلف، فحكم عيدان في أرضه (١٢). وعن ابن عبّاس والحسن وقتادة نزلت في الوديعة تكون عند رجل ولا بيّنة عليه (١٣). (بالباطل): بالكسب الباطل، كالغصب ونحوه (١٤). والواو للعطف، ﴿وَتُدْلُوا:﴾ في محلّ الجزم بدليل قراءة أبيّ: (ولا تدلوا) (١٥). وقيل: في

стр. 283

محلّ النّصب (١)، والواو عند البصريّين للجمع (٢)، وعند الكوفيّين للصّرف (٣)، قال (٤): [من الكامل] لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ﴿بِها:﴾ أي: بالحجّة، يقال: أدلى بحجّته (٥). ويقال: بالأموال، أي: الرشوة، أي: لا تتوسّلوا بها إلى الحكّام (٦)، وفي حديث عمر حيث استسقى: وقد دلونا به إليك، أي: توسّلنا بالعبّاس قدّس الله روحه (٧). وأصل الإدلاء إرسال الدّلو (٨). و ﴿الْحُكّامِ:﴾ جمع حاكم، مثل: شاطر وشطّار. والحاكم الذي يمنع الخصمين بقضائه (٩) عن التّعدّي. والحكم القضاء الحتم (١٠). ١٨٩ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ:﴾ نزلت في معاذ بن جبل وأمثاله ﴿(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ)﴾، هكذا روي عن ابن عبّاس وقتادة والرّبيع (١١)، فبيّن الله لهم وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، وهو أن يشترك الناس كلّهم في معرفة مواقيتهم التي هي لمعاملاتهم وحجّهم وصومهم وزكاتهم من غير استخراج بحساب دقيق مخوف عليه من غلط فاحش (١٢). و ﴿(الْأَهِلَّةِ)﴾: جمع هلال كالإمام والأئمّة (١٣). قال الزجّاج: الهلال يكون ليلتين (١٤) من أوّل الشهر، وقيل: ثلاث ليال، وقال الأصمعيّ: ما لم يتحجر، أي: بخطّ مستدير، وقيل: ما لم يبهر باللّيل، ثمّ يصير قمرا (١٥).

стр. 284

و (المواقيت): جمع ميقات كميزان وموازين (١)، والميقات هو الوقت من زمان أو مكان (٢). والواو في قوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾ إن كان للعطف فالأهلّة كلّها مواقيت للحجّ (٣)، وإن كانت للإشراك (٤) فستّة أشهر مواقيت الحجّ لا محالة، أشهر الحجّ وثلاثة قبلها؛ لأنّ (٥) إطلاق الشركة يقتضي (٦) المساواة. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها:﴾ نزلت في غير الخمس، والخمس قريش ومن ولدته قريش (٧) وكنانة وجديلة قيس، فغير الخمس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم إلا أن يتسوّروا، أو ينقبوا ظهور الأخبية، وكانوا لا يسكنون تحت سقف، ويفيضون من عرفات، فدخل النبيّ ﷺ في بعض إحرامه من باب بستان قد خرب وتبعه رجل من غير الخمس، فأنكر النبيّ ﷺ تركه نسكه برأيه من غير شرع لئلا يؤدّي ذلك إلى ترك الإفاضة من عرفات، فاحتجّ الرجل لدخوله بدخوله ﷺ على طريقة من يرى الأمر حقيقة في الفعل كما في القول، فردّ عليه النبيّ ﷺ قوله (٨) وقال: أنا أخمسي، فقال الرجل: إن كنت أخمسيّا فأنا أيضا أخمسي رضيت بهديك، فرفع الله الجناح عن ذلك الرجل لإرادته الخير وعفا عنه ونسخ عادة غير الخمس في هذه الخصلة، وجعل عادة الخمس (٩) (٤٤ و) فيها شرعا للمسلمين كلّهم (١٠). وقال الزجّاج (١١): كان بعض من قريش ومن سائر العرب يكره دخول (١٢) البيت من بابه تطيّرا إذا رجع من سفره خائبا. وقال أبو عبيدة (١٣): هو في ترك طلب البرّ من وجهه وطلبه من غير وجهه. ١٩٠ - ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ نزلت في قريش عن ابن عبّاس، وذلك حين خاف المسلمون عام الصّلح أن لا يفي أهل مكّة بعهدهم، وكرهوا القتال في الحرم وفي الأشهر الحرم، فأنزل الله الآية ليعتقدوا القتال ولا يكرهوا (١٤).

стр. 285

﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ:﴾ يعني المقاتلة (١). ﴿وَلا تَعْتَدُوا:﴾ بقتل النّسوان والصّبيان (٢). وروي أنّه ﷺ رأى عام الفتح امرأة مقتولة، فأرسل إلى خالد بن الوليد أن لا تقتل (٣) ذرّيّة ولا عسيفا (٤). والآية غير منسوخة على هذا الوجه (٥). وأصل الاعتداء ههنا مجاوزة القتال في سبيل الله إلى القتال في غير سبيله (٦)، وقيل (٧): هو قتال من لم يبلغه الدّعوة، وهي غير منسوخة على هذين أيضا. وقيل: هي مجاوزة القتال على وجه المجازاة إلى القتال على سبيل الابتداء، والآية منسوخة على هذا بآية السيف (٨). والمقاتلة مفاعلة من القتال (٩). والقتال الحرب ومعاطاة القتل (١٠). والاعتداء افتعال من العدو. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ دلالة أنّ إطلاق المحبّة في موضع الإرادة مجازا لانتفائه مرّة وثبوته أخرى لإجماعنا أنّ المعتدين مرادون لله تعالى وإن خالفونا في الاعتداء هل هو مراد أم لا (١١). ١٩١ - ﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ نزلت في من نزلت الآية المتقدّمة (١٢). و (الثقف): الإدراك والمصادفة، يقال: رجل ثقف لقف، وثقف لقف، إذا كان سريع الإدراك لطلبته (١٣). وهي عامّ خصه (١٤) قوله: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.﴾ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ:﴾ يعني من الحرم (١٥).
следующие страницы →