← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الأزهريّ: هي (١) كلمة جامعة لكلّ ما يريده الرّجل من المرأة" (٢). وإنّما عدّاه ب (إلى) اعتبارا بالمعنى وهو الإفضاء (٣). وكلّ شيء ستر شيئا فهو لباس له (٤)، "وقال ابن عرفة: اللّباس من الملابسة وهي الاختلاط والاجتماع" (٥)، وأنشد (٦): [من المتقارب] إذا ما الضّجيع ثنى عطفه ... تثنّت فكانت عليه لباسا ﴿تَخْتانُونَ:﴾ افتعال من الخيانة، وهي النّقص (٧). والمراد نقصهم أنفسهم الثّواب والفضل حين ترخّصوا بما لم يرخّصه الله تعالى بعد (٨). قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ:﴾ على الوجوب في الظاهر إلا أنّا صرفناه إلى الإباحة، وكذلك قوله: ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا﴾ (٩). والمباشرة: إمساس البشرة البشرة (١٠)، والمراد بها الرّفث (١١). و (الابتغاء) (١٢): الطّلب. وما كتب الله لهم: هو الخير مثل: إباحة الاستمتاع والأكل والشرب، ومثل: الولد (١٣). ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ:﴾ بياض الثاني (١٤)، ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ:﴾ سواد الليل، شبّهها بخيطين لامتدادها (١٥). وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ للتّفسير (١٦).

стр. 282

وهذه الآية تدلّ على جواز صوم الجنب؛ لأنّ المجامعة إذا وقعت في آخر الليل فلا بدّ من أن يقع الغسل بعد الفجر (١). وتدلّ (٢) على جواز الاعتكاف في كلّ مسجد يؤدّن فيه (٣). قال عليّ: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، وإليه ذهبت (٤) عائشة وابن مسعود (٥). ولا اعتكاف إلا بصوم له أو لغيره، وإليه ذهب عليّ وعائشة وابن عمر ومجاهد وابن (٦) فاختة عن ابن عبّاس (٧). و (الحدّ) (٨) في اللغة بمعنى المنع والحجب (٩)، قال الشاعر (١٠): [من البسيط] لا تعبدون إلها غير خالقكم ... فإن دعيتم فقولوا دونه حدد ١٨٨ - ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ:﴾ نزلت في من لأخيه عليه مال ولا بيّنة له عليه (١١). وقيل: في امرئ القيس بن عياش الكنديّ، خاصمه عيدان بن ربيعة الحضرميّ في أرض، فاختصما إلى النبيّ ﷺ ، وأراد الكنديّ أن يحلف (٤٣ ظ) فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران:٧٧] فأبى أن يحلف، فحكم عيدان في أرضه (١٢). وعن ابن عبّاس والحسن وقتادة نزلت في الوديعة تكون عند رجل ولا بيّنة عليه (١٣). (بالباطل): بالكسب الباطل، كالغصب ونحوه (١٤). والواو للعطف، ﴿وَتُدْلُوا:﴾ في محلّ الجزم بدليل قراءة أبيّ: (ولا تدلوا) (١٥). وقيل: في

стр. 283

محلّ النّصب (١)، والواو عند البصريّين للجمع (٢)، وعند الكوفيّين للصّرف (٣)، قال (٤): [من الكامل] لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ﴿بِها:﴾ أي: بالحجّة، يقال: أدلى بحجّته (٥). ويقال: بالأموال، أي: الرشوة، أي: لا تتوسّلوا بها إلى الحكّام (٦)، وفي حديث عمر حيث استسقى: وقد دلونا به إليك، أي: توسّلنا بالعبّاس قدّس الله روحه (٧). وأصل الإدلاء إرسال الدّلو (٨). و ﴿الْحُكّامِ:﴾ جمع حاكم، مثل: شاطر وشطّار. والحاكم الذي يمنع الخصمين بقضائه (٩) عن التّعدّي. والحكم القضاء الحتم (١٠). ١٨٩ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ:﴾ نزلت في معاذ بن جبل وأمثاله ﴿(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ)﴾، هكذا روي عن ابن عبّاس وقتادة والرّبيع (١١)، فبيّن الله لهم وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، وهو أن يشترك الناس كلّهم في معرفة مواقيتهم التي هي لمعاملاتهم وحجّهم وصومهم وزكاتهم من غير استخراج بحساب دقيق مخوف عليه من غلط فاحش (١٢). و ﴿(الْأَهِلَّةِ)﴾: جمع هلال كالإمام والأئمّة (١٣). قال الزجّاج: الهلال يكون ليلتين (١٤) من أوّل الشهر، وقيل: ثلاث ليال، وقال الأصمعيّ: ما لم يتحجر، أي: بخطّ مستدير، وقيل: ما لم يبهر باللّيل، ثمّ يصير قمرا (١٥).

стр. 284

و (المواقيت): جمع ميقات كميزان وموازين (١)، والميقات هو الوقت من زمان أو مكان (٢). والواو في قوله: ﴿وَالْحَجِّ﴾ إن كان للعطف فالأهلّة كلّها مواقيت للحجّ (٣)، وإن كانت للإشراك (٤) فستّة أشهر مواقيت الحجّ لا محالة، أشهر الحجّ وثلاثة قبلها؛ لأنّ (٥) إطلاق الشركة يقتضي (٦) المساواة. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها:﴾ نزلت في غير الخمس، والخمس قريش ومن ولدته قريش (٧) وكنانة وجديلة قيس، فغير الخمس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم إلا أن يتسوّروا، أو ينقبوا ظهور الأخبية، وكانوا لا يسكنون تحت سقف، ويفيضون من عرفات، فدخل النبيّ ﷺ في بعض إحرامه من باب بستان قد خرب وتبعه رجل من غير الخمس، فأنكر النبيّ ﷺ تركه نسكه برأيه من غير شرع لئلا يؤدّي ذلك إلى ترك الإفاضة من عرفات، فاحتجّ الرجل لدخوله بدخوله ﷺ على طريقة من يرى الأمر حقيقة في الفعل كما في القول، فردّ عليه النبيّ ﷺ قوله (٨) وقال: أنا أخمسي، فقال الرجل: إن كنت أخمسيّا فأنا أيضا أخمسي رضيت بهديك، فرفع الله الجناح عن ذلك الرجل لإرادته الخير وعفا عنه ونسخ عادة غير الخمس في هذه الخصلة، وجعل عادة الخمس (٩) (٤٤ و) فيها شرعا للمسلمين كلّهم (١٠). وقال الزجّاج (١١): كان بعض من قريش ومن سائر العرب يكره دخول (١٢) البيت من بابه تطيّرا إذا رجع من سفره خائبا. وقال أبو عبيدة (١٣): هو في ترك طلب البرّ من وجهه وطلبه من غير وجهه. ١٩٠ - ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ نزلت في قريش عن ابن عبّاس، وذلك حين خاف المسلمون عام الصّلح أن لا يفي أهل مكّة بعهدهم، وكرهوا القتال في الحرم وفي الأشهر الحرم، فأنزل الله الآية ليعتقدوا القتال ولا يكرهوا (١٤).

стр. 285

﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ:﴾ يعني المقاتلة (١). ﴿وَلا تَعْتَدُوا:﴾ بقتل النّسوان والصّبيان (٢). وروي أنّه ﷺ رأى عام الفتح امرأة مقتولة، فأرسل إلى خالد بن الوليد أن لا تقتل (٣) ذرّيّة ولا عسيفا (٤). والآية غير منسوخة على هذا الوجه (٥). وأصل الاعتداء ههنا مجاوزة القتال في سبيل الله إلى القتال في غير سبيله (٦)، وقيل (٧): هو قتال من لم يبلغه الدّعوة، وهي غير منسوخة على هذين أيضا. وقيل: هي مجاوزة القتال على وجه المجازاة إلى القتال على سبيل الابتداء، والآية منسوخة على هذا بآية السيف (٨). والمقاتلة مفاعلة من القتال (٩). والقتال الحرب ومعاطاة القتل (١٠). والاعتداء افتعال من العدو. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ دلالة أنّ إطلاق المحبّة في موضع الإرادة مجازا لانتفائه مرّة وثبوته أخرى لإجماعنا أنّ المعتدين مرادون لله تعالى وإن خالفونا في الاعتداء هل هو مراد أم لا (١١). ١٩١ - ﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ:﴾ نزلت في من نزلت الآية المتقدّمة (١٢). و (الثقف): الإدراك والمصادفة، يقال: رجل ثقف لقف، وثقف لقف، إذا كان سريع الإدراك لطلبته (١٣). وهي عامّ خصه (١٤) قوله: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.﴾ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ:﴾ يعني من الحرم (١٥).

стр. 286

﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ:﴾ مختصّ بحادثة مخصوصة، روي أنّ رجلا من المسلمين قتل رجلا من المشركين في يوم شك من رجب، فعاب (١) المشركون ذلك، فنزل. (والفتنة)، أي: كفرهم الموجب لقتلهم أشدّ فسادا من القتل المنهيّ عنه في الأشهر الحرم المأمور به في سائر الأشهر (٢). و (الفتنة): الابتلاء والامتحان بالشّرّ (٣). وقوله: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ منسوخ بآية السّيف (٤). ١٩٢ - ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا:﴾ للانتهاء معنيان: بلوغ النّهاية، قال الله تعالى: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ [النّجم:١٤] (٥)، والانتهاء هو الوقوف على قضيّة النّهي كما أنّ الائتمار هو وقوف على قضيّة الأمر وهو المراد ههنا، أي: امتنعوا عن القتال (٦). ١٩٣ - ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ:﴾ عن مجاهد أنّها ناسخة (٧)، وقيل (٨): هي منسوخة. ﴿الدِّينُ لِلّهِ:﴾ أي: التّديّن لله، وهو أن يكون تديّن للإسلام (٩) الذي ارتضاه دينا. و (الانتهاء) هو عن الكفر على قول مجاهد (١٠)، وعن (٤٤ ظ) القتال على قول من يعدّها منسوخة (١١). ﴿فَلا عُدْوانَ:﴾ أي: مجاوزة (١٢) العدوان. ١٩٤ - ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ:﴾ نزلت في إقامة قتال المشركين في يوم الشكّ من رجب مقابلة قتالهم عام الصدّ في شهر ذي القعدة ليكون قصاصا. وقيل (١٣): هي إقامة عمرة القضاء مقام

стр. 287

العمرة التي (١) صدّ عنها المشركون بالحديبية. ﴿وَالْحُرُماتُ:﴾ المحرّمات، أي: بعضها (٢) قصاص ببعض مثل: القتل بالقتل والجرح بالجرح (٣). وقيل: الحرمات حرمة الشهر والإحرام والحرم (٤). وفيه اختصار، وتقديره: الحرمات بالحرمات قصاص. ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ:﴾ بالنّصرة والولاية (٥). ١٩٥ - ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ:﴾ روى حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم قال: حمل (٦) رجل من المسلمين على صفّ الرّوم حتى دخل فيهم، فصاح به الناس فقالوا: يلقي بيديه إلى التّهلكة، فقام أبو أيّوب الأنصاريّ وقال: أيّها الناس إنّكم لتؤوّلون (٧) هذه الآية على هذا التأويل، وإنّما هي نزلت فينا معشر الأنصار، لمّا قوي الإسلام وكثر ناصروه هممنا أن نقيم في أموالنا ونصلح ما ضاع منها، فردّ الله تعالى ذلك علينا، وأنزل قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ،﴾ فكانت التّهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها، فما زال أبو أيّوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بالرّوم (٨). وروي أنّ رجلا من أزد شنوءة تقدّم وحده إلى الكفّار في محاصرة دمشق، فردّه المسلمون وأتوا (٩) به عمرو بن العاص، فلامه وأنكر عليه وقال: إنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١٠). وقول أبي أيّوب أصحّ؛ لأنّه شهد النّزول وعرف البيان، وما كان من جعفر الطيّار يوم مؤتة، غير أنّ الرجل إذا ضيّع نفسه ولم يقاتل وتعرّض للقتل فإنّا نرى فيه رأي عمرو بن العاص حينئذ؛ لأنّه كالقاتل نفسه (١١).

стр. 288

و (التّهلكة) اسم من الهلاك (١). وقال الخارزنجي (٢): لا أعرف مصدرا على (التّفعلة) بضمّ العين إلا هذا. والمراد ههنا الهلاك في أمر الدّيانة، والهلاك يستعمل (٣) في ذلك، قال عمر: "لولا عليّ لهلك عمر" (٤). ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾ محبّة الله عبده ارتضاؤه (٥) لدينه وسائر كراماته، ومحبّة العبد ربّه ارتضاؤه للعبادة والذّكر. والفرق بين المحبّة والإرادة أنّك تريد عدوّك بالمكروه والسّوء، ولا تحبّه بالمكروه والسّوء (٦). ١٩٦ - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ:﴾ عطف التّطوّع على الفرض (٧)، ويجوز ذلك إذا حلّ محلّ الواجب في التأكيد كقوله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]. وقيل: أراد بها العمرة الواجبة بالإحرام المتقدّم؛ لأنّه قال: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ والإتمام إنّما هو بعد الشّروع (٨)، وعلى هذا حجّة (٩) من لم يأمر القارن بطوافين وسعيين. وقرأ الشعبيّ (١٠): (والعمرة) بالرفع، ويراها تطوّعا (١١)، ويجوز التّطوّع بما لا أصل لها في الفرائض كالاعتكاف (١٢). ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ:﴾ منعتم بالعوائق من الخوف والمرض والفقر (١٣). وروى إبراهيم بن علقمة: (٤٥ و) فإن أحصرتم من مرض أو حبس، قال: فحدّثت به سعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عبّاس (١٤).

стр. 289

ونحر هدي الإحصار لا يجوز في غير الحرم لما روي عن ناجية بن جندب الأسلمي عن أبيه أنّه ذهب بهدي رسول الله ﷺ وأخذ في شعبة لا يبصرونه (١) حتى نحره بالحرم. ﴿فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ:﴾ شاة فصاعدا (٢). والهدي والهديّ لغتان (٣). والحلق والسبت واحد (٤). ورأس الشخص هو الطرف الأعلى خلفه أو مقدمه (٥). والحلق المنهيّ ههنا مباح عند الغاية (٦). والحلق ساقط عن المحصر كسائر أفعال المناسك (٧). وبلوغ الهدي محلّه بلوغه الحرم (٨) كقوله: ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]. ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً:﴾ نزلت في كعب بن (٩) عجرة ومن كان في حاله. والفدية من الصيام ثلاثة أيّام (١٠)، ومن (١١) الصدقة ثلاثة أصوع من الحنطة يصرفها إلى ستّة مساكين (١٢)، ومن النّسك ما تيسّر (١٣)، وهو جمع نسيكة وهي الذّبيحة على وجه القربة (١٤). والمحصر (١٥) مخيّر بين هذه الأشياء (١٦). ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ:﴾ في القابل بعد زوال الإحصار (١٧).

стр. 290

﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ:﴾ أراد أن يأتي بالعمرة وجبت عليه لتحلّله عن الحجّ بغير فعله، وبالحجّة التي هي قضاء عن الحجّة المفروضة، وأراد أن يجمعهما بإحرامين في أشهر الحجّ في سفر واحد؛ لأنّه (١) يكون متمتّعا (٢)، ولو جمع بينهما جامع تطوّعا أو من نذر فحكمه كذلك. ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ:﴾ في أشهر الحجّ (٣). ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ:﴾ للتأكيد (٤)، قال (٥): [من الوافر] ثلاث بالغداة فهنّ حسبي ... وستّ حين تدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ربّي ... وشرب المرء فوق الرّيّ داء ﴿حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ:﴾ النازلين بين البيت والمواقيت التي وقّتها رسول الله ﷺ (٦). ١٩٧ - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ:﴾ نزلت في شؤون كثيرة: ذكر أشهر الحجّ، والنهي عن الأشياء الثلاثة (٧)، والأمر بالزّاد والرّاحلة، وإباحة التّجارة في الإحرام، وإيجاب الوقوف لذكر الله تعالى بالمشعر الحرام. و (الحجّ) فعل، والأشهر ظرف. وجعل الفعل مبتدأ والظرف خبرا على أحد تقديرين (٨): أحدهما: على حذف المضاف، أي: مدّة الحجّ أشهر، تقول العرب: الحرّ شهران والبرد شهران (٩)، والثاني: أن تجعل الظرف مقدّرا للمبتدأ ومقدار (١٠) الشيء صفة له، كما تقول: هذه الحنطة صاع وهذا الشعير قفيز (١١). والأشهر المعلومات (١٢): شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة (١٣). وإنّما أطلق اسم

стр. 291

الجمع على شيئين وبعض الثالث؛ لأنّ أكثر الشيء يقوم مقام الكلّ، كما قام يومان ونصف مقام ثلاثة أيّام في قوله: ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، وقام يوم ونصف مقام يومين في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة:٢٠٣] (١). ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ:﴾ عيّن الوجوب فيهنّ بالإحرام، وعن عطاء أنّه التّلبية (٢). وتلبية النبيّ ﷺ : لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك (٣). وتجوز الزيادة عليه (٤). (٤٥ ظ) و (الرّفث) هو الجماع (٥). و (الفسوق) ما يخرج به الرجل عن طاعة الله من الأشياء التي هي محظورة بعقد الإسلام، أو بعقد الإحرام (٦). و (الجدال): المجادلة، وهو (٧) إقامة الحجّة لمقابلة (٨) الحجّة. والمراد ههنا، قيل (٩): المدافعة في أمر الحجّ أنّه (١٠) في أيّ شهر. وقيل: أن (١١) تماري صاحبك حتى تغضبه. وفي فحوى قوله: ﴿يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ القبول والإثابة (١٢). ﴿وَتَزَوَّدُوا:﴾ قيل: إنّ قوما متّكلين كانوا يحجّون بغير زاد، فيبقون كلاّ على الناس، ويرونه توكّلا على الله وتقوى (١٣) من أنفسهم، فأمر الله برفع الزّاد للحجّ، وبيّن أنّ خير الزّاد للمعاد التّقوى وترك السؤال، والاتّكال على الله، لا الحجّ بغير زاد (١٤). وعن سعيد بن جبير الزاد الكعك والسويق إفهاما (١٥) للسائل، وهو البلغة.

стр. 292

١٩٨ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ عمر بن ذر عن مجاهد كانوا يخرجون حجّاجا لا يركبون ولا يتجرون ولا يتزوّدون، فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ،﴾ و ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحجّ:٢٧]، و ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة:١٩٧]، فرخّص لهم في الركوب والتّجارة وأمروا بالتّزوّد (١). وعن سعيد بن جبير كان (٢) التّجّار ينزلون عن يسار مسجد منى ولا يحجّون، والحاجّ ينزلون عن يمينه ويحجّون حتى نزلت الآية، فحجّوا جميعا (٣). ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ:﴾ وهو أن تبيت به ليلة التحريم، تصلّي الفجر بالغلس، ثمّ تقف فتحمد الله تعالى وتثني عليه، وتكبّر وتهلّل وتدعو إلى أن تسفر (٤)، ثمّ تدفع إلى منى قبل طلوع الشمس (٥). و ﴿الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ هو المزدلفة، كلّها موقف إلا بطن محسّر (٦). فإن لم (٧) تبت به ولم تقف ودفعت إلى منى على وجهك من غير عذر فعليك دم وحجّك تامّ (٨). وروي أنّ النبيّ (٩) ﷺ قدم ضعفة أهله إلى منى، وهو توقيت وليس بأمر بالوقوف (١٠) بها. و (الإفاضة) هي (١١) الدفع في السير، وكلام مفاض ومستفاض ومستفيض، أي: جار (١٢). و (عرفات) اسم واحد على صيغة الجمع (١٣).

стр. 293

وإنّما سمّي ذلك الموقف عرفات لوقوف الناس واحتباسهم به، وقيل (١): لطيبه، وقيل (٢): لأنّ آدم اندفع من سرنديب وحوّاء من جدّة فالتقيا من هناك فتعارفا، وقيل (٣): لأنّ جبريل عرّفه إبراهيم ﵇ ليقف هناك. و (المشعر): المعلم والموسم (٤). ١٩٩ - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ:﴾ نزلت في افتراض الوقوف بعرفات (٥). وعن عطاء كانت قريش تفيض من جمع وهو المزدلفة (٦) ويقولون: إنّا خمس، لا يرون الإفاضة من الجبل، وغيرهم يفيضون من عرفات، فأمروا أن يفيضوا من حيث أفاض الناس (٧). و (ثمّ) بمعنى الواو كما في قوله: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس:٤٦] (٨). وقيل: الإفاضة من عرفات وجب من فحوى قوله (٩): ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ﴾ وهذه الإفاضة من جمع إلى منى. (٤٦ و) وهذا مخالف للإجماع. وعرفات كلّها موقف إلا بطن عرنة (١٠). والظاهر أنّ المراد بالناس غير الخمس (١١)، وقيل (١٢): آدم ﵇، وقيل (١٣): إبراهيم ﵇ وحده، وقيل (١٤): إبراهيم ومن حجّ معه من الناس. ومن أدرك الوقوف بعد الظهر إلى أن تمضي ليلة النّحر فقد أدرك الحجّ (١٥). ٢٠٠ - ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ:﴾ متعبّداتكم بمنى (١٦)، وقال مجاهد (١٧): ذبائحكم.

стр. 294

واختلفوا في تشبيه ذكر الله بذكر الآباء (١)، قيل (٢): من حيث التّوحيد، فكما لا يدّعي العاقل لنفسه أبوين فكذلك لا يدّعي (٣) إلهين. وقيل (٤): من حيث إنّ الصبيّ يفزع في كلّ أموره إلى أبيه فكذلك المؤمن يجب أن يفزع إلى الله تعالى. وقيل (٥): كان أهل الجاهليّة يقفون بين الجبل والمسجد ويذكرون آباءهم بصالح الأعمال، ويتفاخرون بذلك، فأمر الله أن يذكروه هناك (٦) بصفاته الحميدة، فإنّه أولى. ﴿أَوْ أَشَدَّ:﴾ "بل أشدّ" (٧)، وقيل (٨): (أو) بمعنى الواو. ﴿فَمِنَ النّاسِ:﴾ قريش (٩) وأمثالهم. كانوا لا (١٠) يسألون الله تعالى إلا ثواب الدنيا، وكانوا ينكرون المعاد (١١). ٢٠١ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا:﴾ نزلت في المؤمنين (١٢)، وقيل (١٣): أوّل من دعا بها أبو بكر في الحجّ الأكبر. و (الحسنة) (١٤) في الدّارين هي النّعمة عند مجاهد (١٥)، والعافية عند قتادة (١٦). ويحتمل أنّه نعت لاسم (١٧) مضمر، وهو العيشة أو الحالة (١٨). ٢٠٢ - ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ:﴾ ثواب أعمالهم (١٩)، وهو الخلاق المنفيّ في الآية الأولى (٢٠).

стр. 295

و (النّصيب): الحظّ والقسم (١). و (السرعة) (٢) ضدّ البطء. والمراد بالحساب عدّ الأعمال (٣). روي أنّ الله تعالى يحاسب الكلّ مرّة واحدة لا يشغله حساب عن حساب، وينتهي الحساب (٤) في مقدار حلبة شاة، وروي في مقدار فواق ناقة، وروي في مقدار لحظة (٥). ٢٠٣ - ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ:﴾ نزلت في الإقامة بمنى لذكر الله ، وفي حكم النفر. وأيّام منى هي المعدودات ثلاثة بعد اليوم العاشر الذي هو آخر الأيّام المعلومات (٦). وأيّام النّحر ثلاثة أيّام أوّلها آخر الأيّام المعلومات (٧) وآخرها الثاني من المعدودات، أفضلها أوّلها (٨). أخذ في تفسير المعلومات والمعدودات بقول ابن عبّاس وابن عمر (٩)، وفي توقيت النّحر بقولهما وبقول عليّ وأنس ﵃ (١٠). ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ:﴾ وهو أن يرمي الجمار يومين بعد يوم اليوم النّحر، وينفر مع النّفر الأول (١١). واختلفوا في رفع الإثم (١٢)، قيل (١٣): هو التّخيير بين الأمرين كما تقول (١٤): من أفطر (١٥) في السفر فلا حرج عليه ومن صام فلا حرج عليه. وقيل (١٦): وجبت الرمي ثلاثة أيّام بقوله (١٧): ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ،﴾ فلمّا أباح التّعجيل في اليومين خرج اليوم الثالث من الوجوب، فلو لم

стр. 296

يرفع الإثم عن المتأخّر لما جاز الرّمي فيه إذ التنفل بالرمي عبث. ﴿لِمَنِ اِتَّقى:﴾ أي (١): رفع الإثم لمن اتّقى محظورات الإحرام (٢). روي أنّ رجلا توفّي بمنى، فقيل لعمر: أما تشهد دفنه؟ (٤٦ ظ) فقال: وما يمنعني عن دفن من لم يذنب مذ غفر له (٣). وقال (٤) ﷺ : (من حجّ فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه) (٥). والحشر (٦): الجلاء. ٢٠٤ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ:﴾ قال السدّي وغيره: نزلت في الأخنس بن شريق الثّقفيّ، وكان رجلا حسن المنظر، حلو المنطق، خبيث السّريرة، واسمه فيما يروى أبيّ، وإنّما لقّب بالأخنس (٧) لأنّه خنس مع (٨) ثلاث مئة رجل من حلفائه من بني زهرة يوم بدر ولم يشهدوا (٩). وقال الحسن: نزلت في كلّ منافق ومراء (١٠). وإعجاب الشيء بالشيء أن يسرّه (١١). ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ:﴾ يعني يقول: الله شهيد على ما في قلبي من الوفاء والإخلاص (١٢). ﴿وَهُوَ أَلَدُّ:﴾ شديد (١٣) الخصومة. فإن كان الألدّ ههنا بمعنى النعت ف ﴿الْخِصامِ﴾ مصدر كالقتال (١٤)، وإن كان على معنى التفضيل ف (الخصام) (١٥) جمع خصم نحو: كلب وكلاب (١٦). والمخاصمة قريب من المحاجّة (١٧).

стр. 297

٢٠٥ - ﴿سَعى:﴾ ذهب (١). ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ:﴾ قيل (٢): إنّه بيّت قوما من الطائف كان بينه وبينهم جدال بعد ما رجع من عند رسول الله ﷺ ، فقتل مواشيهم، وأحرق زروعهم، وقيل (٣): لم يحرق إلا كدسا واحدا من الشعير، ولم يعقر إلا حمارا واحدا. و (النّسل): الذّرّيّة (٤). ٢٠٦ - ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ:﴾ طالبته المنعة وحملته عليه كما تقول: أخذ فلان فلانا بحقّه، أي: طالبه به (٥). ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ:﴾ جزاؤه جهنّم (٦). أخذت من التّجهّم (٧) وهو النكرة، قال رؤبة: ركية جهنّام، أي: بعيدة القعر، وقال يونس: اسم أعجميّ، وقال أبو عبيدة: (جهنّم) إنّما لا ينصرف لأنّه اسم مؤنّث زاد على ثلاثة أحرف. والمراد به دار العذاب التي أعدّ الله لأعدائه في الآخرة (٨). ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ الوطاء والفراش (٩)، قال الله تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الرّوم:٤٤]. "وأصل المهد: التّوثير" (١٠). ٢٠٧ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ:﴾ نزلت في كلّ مؤمن معناها صفته (١١). والله تعالى جمع بين صفة المنافقين والمؤمنين على سبيل التّنويع والإطباق. وكان عمر وعليّ يؤوّلانها إلى الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر (١٢). (يشري): يفدي بنفسه ويبذلها في سبيل الله لابتغاء مرضاته (١٣).

стр. 298

والشرى بمعنى البيع، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف:٢٠] (١). وقيل (٢): نزلت في صهيب بن سنان. واختلفوا في قصّته، قيل (٣): إنّه اشترى نفسه من مواليه وقال (٤): لا يضرّكم أكنت منكم أو من غيركم، ثمّ هاجر إلى رسول الله ﷺ . وقيل (٥): اشترى نفسه من أهل مكّة جميعا مع جماعة من المستضعفين. وقيل (٦): كان صهيب (٧) قد أعتق من قبل إلا أنّه لمّا هاجر تبعه قوم من أهل مكّة (٨) فنثر كنانته وقال: والله لا أضع سهما إلا في قلب رجل، ثمّ أضرب بسيفي ما بقي في يدي، إن شئتم فتقدس وإن شئتم فخلّوا سبيلي وأدلّكم على مالي بمكّة، فقالوا: نخلّي سبيلك، فدلّهم على ماله. وهو عربيّ من ولد النّمر بن (٤٧ و) قاسط، سبته الروم في صغره، ثمّ وقع بالحجاز وصار مملوكا لزيد بن جدعان، فكان (٩) يسمّى صهيبا (١٠) الرّوميّ. و (المرضاة): مصدر مثل المرحمة من الرّحمة (١١). ٢٠٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً:﴾ نزلت في العامّة (١٢). وقيل (١٣): نزلت في قوم من اليهود كانوا قد أسلموا ويتحرّجون (١٤) عن بعض رخص الإسلام مثل أكل لحوم الإبل ونحوه. و (السّلم) بالكسر: "الإسلام" (١٥)، وإذا أريد به الصّلح فالفتحة والكسرة لغتان (١٦). (كافّة): "نصب على الحال" (١٧)، أو التأكيد (١٨). ويجوز بناء على التّنوين كما في يومئذ.

стр. 299

والكافّة مأخوذة من كفّة الشيء، وهو حرفه (١) ونهايته. ٢٠٩ - وفي فحوى قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تهديد؛ لأنّ العزيز لا يمنعه شيء عن معاقبة المفسدين من عبيده (٢). ٢١٠ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ:﴾ نزلت في المتثبّطين عن الإيمان مع مشاهدة الآيات على وجه التهديد (٣). و (هل): أداة استفهام، والمراد به النفي كما تقول: هل بقي بعد هذا شيء (٤)؟ (ينظرون): ينتظرون (٥)، كقوله: ﴿اُنْظُرُونا﴾ [الحديد:١٣]، وقوله: ﴿اُنْظُرْنا﴾ [البقرة:١٠٤]. ولقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾ ثلاثة معان: أحدها: كون المأتيّ في ظلل من الغمام، كما تقول: أتيت فلانا في بيته فخرج إليّ. والثاني: إتيان الآتي بظلل، كما تقول (٦): أتاهم السلطان في عسكر لجب. والثالث: لبس الأمر على المأتيّ، كما تقول: أتاه الملك على صورة كذا، وإنّما هو في نفسه على صورته، وإن (٧) لبّس الأمر على المأتيّ (٨). والله متعال عن الحلول، وعن أن يحيط به شيء في عظمته (٩). و (الظّلل): جمع ظلّة (١٠). ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ:﴾ أمضي حكم الله فيهم (١١). ٢١١ - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ نزلت في تذكير ما نصب الله لبني إسرائيل من الأدلّة، وإعراضهم عنها، وإزالتهم نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكفران، ليكون في ذلك تعزية لرسول

стр. 300

الله ﷺ ، وتنبيها للمخاطبين (١). وقوله: (سل): أمر من السؤال، أصله: اسأل (٢). وقيل: من سال يسال، مثل (٣): نال ينال. وفائدة السؤال تذكيرهم حالتهم الأولى، وتقرير (٤) الأمر عند من لا يؤمن بالتّنزيل (٥). و ﴿كَمْ:﴾ أداة للسؤال عن عدد الشيء، وقلّته وكثرته (٦). ﴿مِنْ:﴾ للتفسير (٧). ﴿وَمَنْ (٨)﴾ يُبَدِّلْ: يغيّر (٩). والإنسان لا يبدّل نعمة الله بالبؤس، غير أنّه يكفر فيؤدّي ذلك إلى تبديل النّعمة، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ [الرّعد:١١] (١٠). و (النّعمة) ههنا أدلّة الحقّ (١١)، وقيل (١٢): عامّة. ٢١٢ - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ نزلت في أبي جهل وأمثاله، كانوا يسخرون من المستضعفين (١٣). وقيل (١٤): نزلت في بني قريظة والنّضير، كانوا يسخرون من صعاليك المهاجرين. والتّزيين قريب من التّحسين، والزّينة هو الحسن المكتسب (١٥). فالكفّار زيّن لهم الحياة الدنيا حيث نظروا إلى بهجتها المحسوسة، ولم يتفكّروا في عاقبتها، فأعجبوا بها وألهوا (١٦) عن غيرها كما قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ [هُمْ] (١٧)﴾ غافِلُونَ [الرّوم:٧]. ومزيّنها لهم هو الله، قال: ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام:١٠٨]، وقال: ﴿إِنّا﴾

стр. 301

﴿جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف:٧] (١). و (السّخرية): الاستهزاء (٢). ﴿وَالَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ:﴾ في الرّتبة والحال ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٣). ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ (٤٧ ظ) بغير مناقشة في حسابه مثل نعمة سليمان (٤). وقيل (٥): بغير أن يكون عليه حساب، يعني: نعيم الآخرة. وقيل (٦): ما لا يحصيه كلّ أحد لكثرته، يعني: نعيم الآخرة أيضا. ٢١٣ - ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً:﴾ قال ابن عبّاس (٧): كانوا على شريعة من الحقّ من لدن آدم إلى أن كفروا في عصر نوح ﵇، وقيل (٨): إلى أن قتل قابيل هابيل. وقيل (٩): كانوا أمّة على الجاهليّة في عصر نمرود إلى أن أرسل الله إبراهيم وذويه عليهم (١٠) السّلام. ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ:﴾ نصب على الحال (١١). ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ:﴾ أي: ومع إرسالهم (١٢)، وقيل: (معهم) بمعنى: عليهم. والمراد بالكتاب الجنس (١٣). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ أي: بالدّين والأحكام التي هي الحقّ (١٤). وما اختلفوا فيه (١٥) هو مثل اختلافهم في آدم ﵇، وفي ملّة إبراهيم ﵇ (١٦)، وفي أمر سليمان وعيسى ﵉، وغير ذلك من الأهواء (١٧).

стр. 302

وما اختلفوا في شيء إلا من بعد أن (١) أوتوا علمه للبغي (٢) فيما بينهم. ﴿فَهَدَى اللهُ﴾ المؤمنين بإذنه إلى الحقّ الذي اختلفوا فيه (٣). واللام (٤) مكان (إلى). وفي (٥) قوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ تفسير لما اختلفوا فيه (٦). ٢١٤ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ:﴾ قد سبق الكلام في (أم)، إذا كانت متّصلة بنيت (٧) على استفهام سابق، وإذا كانت منقطعة بنيت على كلام سابق وهو ذكر استهزاء الكفرة بالمؤمنين وما يصيب المؤمنين من ذلك من الحزن (٨). ﴿وَلَمّا يَأْتِكُمْ:﴾ "ولم يأتكم" (٩). و (لمّا) و (لم) بمعنى، إلا أنّ (لم) يقتضي (١٠) نفيا مجرّدا، و (لمّا) يقتضي نفيا دون نفي، إذ المنفيّ به مراد إثباته في المستقبل، كقوله (١١): ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا﴾ [آل عمران:١٤٢]، ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ (١٢)﴾ تَأْوِيلُهُ [يونس:٣٩]. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ صفتهم، أي: يعوّض لكم حال كحالهم (١٣). ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ أزعجوا وحرّكوا مرّة بعد أخرى من كثرة (١٤) البلايا. ﴿مَتى نَصْرُ اللهِ:﴾ تطلّع لوعد الله تعالى غير تشكّك فيه (١٥). و (متى): استفهام عن أوان الشيء (١٦).

стр. 303

٢١٥ - ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ:﴾ نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاريّ من (١) بني سلمة بن جشم، قتل يوم أحد، وكان شيخا كبيرا وعنده مال، سأل رسول الله ﷺ كيف ينفق، وكان ذلك قبل الزكاة فأنزل [الله] (٢). ٢١٦ - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ:﴾ عن ابن عبّاس: لمّا كتب الجهاد على المسلمين شقّ عليهم ذلك لما فيه من المشقّة، فنزلت الآية (٣). قال ابن عرفة (٤): (الكره) بضمّ الكاف: المشقّة، و (الكره) بالفتح: ما أكرهت عليه. تقديره: ذو كره لكم (٥). ﴿وَعَسى:﴾ لعلّ، وهو حرف يشبه الفعل (٦). ﴿أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً:﴾ على قضيّة الطبيعة، أو على قضيّة مجرّد العقل (٧). ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ أي: على قضيّة الوحي، مثل التّقرّب بالرأس وبذل النفس في الجهاد (٨). ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً:﴾ يعني على قضيّة الطبيعة (٩) ومجرّد العقل. ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ:﴾ على قضيّة الوحي، مثل الانتفاع (١٠) بقليل الخمر، والانتفاع بالميتة قبل أن يتسارع إليه الفساد. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ:﴾ يعني علل النّصوص والمصالح فيها (١١). ٢١٧ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ:﴾ نزلت في أوّل غزاة غزاها المسلمون، (٤٨ و) وذلك أنّ رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش قبل بدر بشهرين في ثمانية رهط من المهاجرين، منهم واقد بن عبد الله التّميميّ إلى بطن نخلة ترصد عير قريش، فمرّ بهم

стр. 304

عمرو بن الحضرميّ والحكم بن كيسان (١) وعثمان بن عبد الله (٢) بن المغيرة ونوفل بن عبد الله في يوم يراه المسلمون سلخ جمادى الآخرة، وهو غرّة رجب (٣)، فرمى واقد بن عبد الله التّميميّ فأصاب (٤) عمرو ابن الحضرميّ فقتله، وأسروا الحكم وعثمان، واستاقوا العير، فلمّا تبيّن أنّ اليوم كان (٥) من رجب أطنب المشركون في لوم المسلمين، وتخوّف المسلمون أيضا وباله؛ لأنّ القتال في الأشهر الحرم كان محظورا إذ ذاك، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك (٦)، فأنزل الله الآية (٧). ﴿قِتالٍ فِيهِ:﴾ مكسور على طريق بدل الاشتمال (٨). وبدل الاشتمال هو إبدال حال الشيء أو ما (٩) يجري مجراه منه. وإنّما نوّن ﴿قُلْ (١٠)﴾ قِتالٌ؛ لأنّه لم يرد به القتال المسؤول عنه، ولكن أخبر ابتداء بإنشاء يوجد في الشهر الحرام (١١)، فمنها قتال كبير، ومنها صدّ عن سبيل الله، والصّدّ هو المنع والصّرف (١٢)، ومنها كفر بالله وبالمسجد الحرام. ثمّ استأنف وقال: ﴿وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ (١٣)، وهو الصّدّ المذكور ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ إثما ووبالا (١٤). ﴿وَالْفِتْنَةُ:﴾ وهي الكفر (١٥) ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ المسؤول عنه أو المخبر به (١٦).

стр. 305

فهوّن القتال مع كبره بجنب الصدّ والكفر اللذين دعوا إلى القتال، لتكون (١) الجريمة من جهة (٢) الكفّار، ولا يحزن المسلمون بمباشرتهم القتال المحظور سهوا (٣). ثمّ أخبر عن عقيدة الكفّار فقال: ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أي: لا يبرحون عن قتالكم (٤). ﴿إِنِ اِسْتَطاعُوا:﴾ "إن قدروا" (٥). ثمّ حذّر المؤمنين ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ،﴾ أي: يرتدّ، وهو لغة (٦). ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ [أَعْمالُهُمْ] (٧)﴾: بطلت أعمالهم (٨)، قيل: اشتقاقه من الحبوط، وحبوط العمل من حبط الدابّة وهو أن تفرط في أكل العشب (٩) حتى تنتفخ بطنها فتموت حبطا (١٠). ٢١٨ - قيل: لمّا هوّن الله تعالى أمر القتال وخفّف عن المسلمين ذلك طمعوا أن يكتب ذلك لهم جهادا فيثابوا عليه، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا،﴾ ثمّ عطف عليه ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ للجمع بين المؤمنين الذين لم (١١) يبتلوا بالقتال في الشهر الحرام وبين المهاجرين الذين ابتلوا به خاصّة (١٢). و (المهاجرة): المفارقة في اللغة (١٣). وهي في الإسلام رتبة لقوم هجروا أوطانهم وإخوانهم إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة لوجه الله (١٤). كما ختم الله النّبوّة بمحمّد ﷺ ختم الهجرة بعمّه عبّاس فيما يروى (١٥).

стр. 306

ومجاهدة الكفّار: المبالغة في قتالهم باستفراغ ما في الوسع (١). ﴿يَرْجُونَ:﴾ يطمعون (٢). ٢١٩ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ:﴾ نزلت في ذكر سؤال عمر ﵁: ما هذه الخمر المضيّعة لأموالنا المفسدة ذات بيننا؟ وفي سؤال بعضهم عن المال الذي يجب إنفاقه (٣). وقيل: إنّ حمزة (٤٨ ظ) هو الذي سأل عن الخمر والميسر (٤). وقيل: اتّخذ بعض الصحابة دعوة فيها سعد ابن أبي وقّاص، فشربوا وتفاخروا وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار، فشجّه بعضهم، ثمّ ترافعوا إلى رسول الله ﷺ فأنزل (٥). والخمر المجمع عليها عصير العنب إذا غلى واشتدّ وقذف بالزّبد (٦). واشتقاقها من الخمر وهو كلّ ما سترك من شجر أو نبات، ويقال: اختمرت المرأة، إذا لبست الخمار (٧). وليس كلّ ما يخامر العقل خمرا، كما أنّه ليس كلّ ما يبدع بدعة ولا كلّ ما يبحر بحيرة. وقد روي عن ابن عبّاس: حرّمت الخمر بعينها والسّكر من كلّ شراب (٨). وقال الحسن: تحريم الخمر ثبت بهذه الآية؛ لأنّ الإثم لا يكون إلا في تناول المحظور مع أنّ (٩) الله صرّح تحريم الإثم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ [الأعراف:٣٣] (١٠). وقال قتادة: ثبت بآية المائدة وهو قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] يدلّ على النّهي (١١)، يدلّ عليه ما روي عن عمر أنّه كره شرب الخمر فدعا فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر، فنزل (١٢) قوله: ﴿فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، فدعا ثانيا فنزل قوله: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء:٤٣]، فدعا ثالثا فنزل قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ،﴾ فقال عمر:

стр. 307

انتهينا انتهينا (١). وقد حصل إجماع أهل الإسلام على حرمة الخمر وإن اختلفوا في محرّمها (٢). و (الميسر): الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه بقداح لهم، سمّي ميسرا؛ لأنّه موضع التّجزئة، وكلّ شيء جزّأته فقد يسّرته، والياسر: الجازر (٣)، قاله الأزهريّ (٤). وعن مجاهد: الميسر: كعاب فارس وقداح الرّوم (٥). وعن ابن عمر: الميسر: القمار (٦). وعن القاسم بن محمد أنّه سئل عن النّرد والشطرنج فقال: كلّ ما صدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر (٧). وعن ابن سيرين: ما كان من شرب (٨) أو قيان أو قصف فهو من الميسر (٩). ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ:﴾ هي مثل الرّبح في بيع الخمر، واللّذّة والنّشاط في شربها، والفوز بالأموال في القمار (١٠). ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما:﴾ لأنّ إثمهما باق ونفعهما فان (١١). ﴿قُلِ الْعَفْوَ:﴾ نزلت في جواب السائلين عن النّفقة في الآية الأولى (١٢). و (العفو): الفضل الذي يسهل دفعه، يقال: خذ ما عفا لك، أي: جاءك سهلا (١٣). وهذا منسوخ بآية الزكاة، عن (١٤) ابن عبّاس والسدّي (١٥)، وقال مجاهد (١٦): هذا مفسّر بآية الزكاة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ:﴾ التّفكّر تفعّل من الفكر وهو البحث عن المعاني بالاهتمام (١٧).

стр. 308

٢٢٠ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى:﴾ سأل عبد الله بن رواحة (١)، وعن مقاتل أنّ السائل عنهم ثابت بن رفاعة (٢). والسبب في ذلك أنّه لمّا نزل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً﴾ [النساء:١٠] تحرّج (٣) الناس، وتركوا أموال اليتامى، فكان يفسد اللبن وينتن اللحم ولا يتعرّض أحد، فشقّ ذلك عليهم، فسألوا رسول الله ﷺ مخالطتهم (٤). وعن الشّعبيّ والضّحّاك أنّهم كانوا يتورّعون عن أموال اليتامى، ويتشاءمون بمخالطتهم (٥) على العادة الجاهليّة (٦). قوله: (عن اليتامى): أي: عن أموالهم (٧). ﴿قُلْ إِصْلاحٌ:﴾ الرّعاية والحفظ ﴿خَيْرٌ﴾ من الإضاعة (٨). (٤٩ و) ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ:﴾ بالأموال، فتأكلوا (٩) معا وتشربوا معا من غير تمييز فهم إخوانكم، وقد قال الله: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ،﴾ الآية [النّور:٦١]. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ:﴾ أي: الذي يخالطهم ليرزأ (١٠) من الذي يخالطهم ليصلح أموالهم (١١). ﴿لَأَعْنَتَكُمْ:﴾ لكلّفكم ما يشقّ عليكم (١٢). والعنت: المشقّة، وأكمة عنوت، أي: شاقّة المصعد، وعنت البعير، إذا حدث في قوائمه كسر بعد جبر (١٣). وقال ابن الأعرابيّ: "أصل العنت التّشديد (١٤)، يقال: فلان يتعنّت فلانا ويعنته، ثمّ نقل إلى معنى الهلاك" (١٥).

стр. 309

٢٢١ - ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ:﴾ نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي (١)، وكان رجلا شجاعا، فبعثه رسول الله ﷺ إلى مكّة ليخرج ببعض المستضعفين سرّا، وكانت له عشيقة (٢) بمكّة تسمّى عناق، فأبصرته في الطواف فدعته إلى نفسها، فأبى وقال: إنّ الإسلام قد حال بيننا وبين السّفاح، ولكن أستأذن رسول الله ﷺ في نكاحك، فقالت (٣): أبي تتبرر؟ وصاحت فاجتمع الناس على مرثد وضربوه، فلمّا رجع إلى رسول الله ﷺ أخبره بالقصّة، واستأذن في نكاحها فأنزل الله الآية (٤). وهي عامّة في (٥) المشركين كلّهم أهل الكتاب وغيرهم عن (٦) ابن عبّاس والحسن ومجاهد والربيع، ثمّ (٧) خصّصت بآية المائدة (٨). وقيل (٩): الآية لم تتناول أهل الكتاب؛ لأنّها نزلت في مشركة غير كتابيّة، والله تعالى فرّق بين المشركين وأهل الكتاب في جميع القرآن. و (النّكاح) في اللغة عبارة عن الوطء حقيقة لقوله (١٠): ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً﴾ [النّور:٣]، ولقوله ﷺ : (ملعون من نكح يده) (١١)، وعبارة عن العقد الذي وضع لاستباحة الوطء (١٢) مجازا. و (الأمة) (١٣): المرأة المملوكة ملك اليمين، أصلها: أموة مثل: فروة، وتصغيرها: أميّة، وجمعها: إماء (١٤). و (العبد): الرّجل المملوك ملك اليمين (١٥).

стр. 310

﴿وَلَوْ:﴾ للمبالغة (١)، كما قال الشاعر (٢): [من الطويل] فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي ٢٢٢ - ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ:﴾ نزلت في مجامعة النّساء في المحيض. والسبب في ذلك أنّ اليهود (٣) كانوا يخرجون الحائض من البيت، ولا يؤاكلونها ولا يشاربونها، فسألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله الآية (٤). وهي تقتضي اعتزالا عن العموم في الظاهر، لكنّ النبيّ ﷺ خصّصها (٥) ببيانه وقال: (جامعوهنّ في البيوت واصنعوا كلّ شيء إلا النّكاح)، فقالت اليهود: ما يدع هذا الرجل شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير (٦) وعبّاد بن بشير يخبران رسول الله ﷺ بقول اليهود، ثمّ قالا: أفلا ننكحهنّ في المحيض؟ فتغيّر وجه رسول الله ﷺ حتى ظنّ الناس أنّه قد غضب عليهما (٧). وأراد بالنّكاح المباشرة في ما تحت الإزار لقول عائشة ﵂: ربّما باشرني النبيّ ﷺ وأنا حائض فوق الإزار (٨). وعن عمر أنّه قال: "وأمّا الحائض فلك منها ما فوق الإزار وليس لك ما تحته" (٩). و (المحيض): مصدر كالمسير والمصير (١٠)، وقيل (١١): اسم لأوان الحيض (٤٩ ظ) كالمغرب اسم لأوان الغروب. ﴿فَاعْتَزِلُوا:﴾ اجتنبوا، (افتعال) من العزل، وهو قريب من الصرف (١٢). ﴿النِّساءَ:﴾ جمع المرأة، وكذلك النّسوة والنّسوان (١٣). (الأذى): كلّ ما يتأدّى ويتقذّر (١٤) منه.

стр. 311

﴿حَتّى يَطْهُرْنَ:﴾ من الدم، عن مجاهد والحسن (١). ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ:﴾ بالماء (٢)، فيأخذ بنفس الطهر فيما إذا كان أيّاما (٣) عشرا، وبالطهارة أو وجوب الصلاة فيما دون العشر (٤). ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ:﴾ باعتزاله عن مجاهد (٥)، وعن ابن رزين الأمر بالتطهر (٦). ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ:﴾ قال عطاء (٧): أراد بالتطهر بالماء، وعن أبي العالية: أراد بالتطهر من الذّنوب (٨)، والأوّل أولى لقوله: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التّوبة:١٠٨]. ٢٢٣ - ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ:﴾ نزلت في إباحة إتيان النساء، وفي (٩) بيان المأتيّ. والسبب في ذلك ما زعم اليهود أنّ من أتى امرأته من ورائها كان الولد أحول، وهذا السبب مرويّ عن ابن عمر وجابر وأمّ سلمة (١٠). واتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الإتيان، وهو المأتيّ فهو موضع ابتغاء (١١) النسل، وقد روي أنّ النبيّ ﷺ قال لذلك الرجل: (فإنّ الله تعالى قد نهاكم أن تأتوا النساء في أدبارهنّ) (١٢). وقوله: ﴿أَنّى شِئْتُمْ﴾ أي: من أين شئتم وكيف شئتم (١٣)، يدلّ عليه: ﴿أَنّى لَكِ هذا﴾ [آل عمران:٣٧]، ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ﴾ [البقرة:٢٥٩]. واتّصال قوله: ﴿وَقَدِّمُوا﴾ بما قبله من حيث محافظة الشريعة (١٤) واستعمال الأحكام. ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ:﴾ في مجاوزة حدوده (١٥).

стр. 312

﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ الذين يؤمنون بهذه الأحكام، ويقبلونها طوعا، يرضون الله تعالى (١). ٢٢٤ - ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ:﴾ نزلت في أبي بكر حين حلف أن لا يحسن إلى مسطح، وباقي قصّته في سورة النّور (٢). وقيل (٣): نزلت فيه حين حلف أن لا يصل إلى ابنه حتى يسلم. وقيل (٤): نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن (٥) لا يدخل على ختنه بشير بن النّعمان الأنصاريّ، ولا يكلّمه، ولا يصلح بينه وبين خصمه. واتّصالها بما قبلها من حيث التّقوى. و (للعرضة) معنيان: أحدهما: العدة المبتذلة (٦)، والثاني: الحائل المانع (٧). وأصله من اعتراض الجدار أو الجذع أو الخيل أو (٨) الحيّة لك في طريقك. فتقديرها على المعنى الأوّل: ولا تجعلوا اسم الله عدة مبتذلة لأيمانكم أن لا تبرّوا (٩)، وعلى المعنى الثاني: ولا تجعلوا اسم الله مانعا لأن تبرّوا، أي: لبرّكم (١٠)، فيكون ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ في موضع الجرّ بدلا عن الأيمان على طريق بدل (١١) الاشتمال عند الخليل والكسائيّ (١٢)، وعند سيبويه في محلّ النّصب تقديره: تاركين أن تبرّوا، أو لتبرّوا (١٣). وواحدة (الأيمان): اليمين، وهي الحلف، وإنّما سمّي يمينا لأنّهم كانوا يصافحون بأيمانهم عند ذلك (١٤). وقيل: للتّوثيق والتشديد، واليمين: القوّة عندهم (١٥). وعن ابن عبّاس أنّ اليمين اسم من أسماء الله تعالى، فإن صحّت فاليمين بمعنى اليامن، تقول: يمن الله الإنسان يمنا ويمنا فهو ميمون (١٦)، تقول العرب: يمين الله، وأيمن الله وأيمن

стр. 313

الله، وذلك على الجمع، وربّما يستخفّون فيقولون: وأيم الله (١). وقال (٥٠ و) أبو عبيدة (٢) الهرويّ: يقولون: م (٣) والله، وم والله، وم والله، وم الله، ومن الله، ومن الله، ومن الله، وإيم الله بالكسر (٤). ٢٢٥ - ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ:﴾ نزلت في تنويع الأيمان، فذكر نوعين منها: اللّغو والغموس، وذكر النوع الثالث في سورة المائدة وهو المعقود (٥) المأمور بحفظه مع اللّغو. و (المؤاخذة): قريب من المضايقة والمناقشة (٦)، والمعافاة كالنّقيض له. و (اللّغو): ما لا حكم له، أو ما لا وجه له (٧). واليمين اللّغو أن يحلف على شيء ماض أو حال سهوا (٨) فإذا هو بخلافه، عن ابن عبّاس وأبي هريرة والحسن ومجاهد والسدّي والربيع (٩). وعن ابن عبّاس: ما يجري في اللّفظ من غير قصد، مثل: لا والله، وبلى والله (١٠). واليمين الغموس هو أن يحلف على شيء في الماضي وهو يعلم أنّه كاذب (١١)، وسمّيت غموسا لغمسها صاحبها في الإثم ثمّ في النار (١٢). ﴿غَفُورٌ:﴾ لم يؤاخذ باللّغو (١٣). ﴿حَلِيمٌ:﴾ لم يتعجّل بالعقوبة، ومكّن من التّوبة عن الغموس (١٤). و (الحليم): الذي لا يقلقه الغضب (١٥).

стр. 314

٢٢٦ - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ:﴾ نزلت في حكم الإيلاء، وذلك أنّ أهل الجاهليّة كانوا يحلفون على ترك قرب نسائهم السّنة والسنتين لا يقربوهنّ ولا يسرّحوهنّ، فوقّت الله ذلك بأربعة أشهر (١). وحكم الإيلاء ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ،﴾ ولا تربّص بعدها لحظة (٢)، كما في المطلّقة بعد (٣) ثلاثة قروء، وفي المتوفّى عنها زوجها بعد أربعة أشهر وعشر (٤). وإن وقّت أقلّ من أربعة أشهر لم يكن موليا (٥). و (الإيلاء): الحلف، والأليّة والألوة (٦). ﴿فَإِنْ فاؤُ:﴾ يعني في الأربعة الأشهر (٧)، وفي قراءة (٨) عبد الله: (فإن فاؤوا فيهنّ). و (الفيء) للقادر بالحنث، وهو الوطء، ولغير القادر بقوله: فئت (٩)؛ لأنّ الإيلاء لا يزيل الملك في الحال وإنّما يزيل في ثاني الحال، فجاز فيه الاستدراك بالقول إذا لم يكن بالفعل، كالطّلاق الرّجعيّ. ٢٢٧ - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ:﴾ يعني ترك الفيء إلى انقضاء مدّة الإيلاء وقعت تطليقة بائنة، هكذا روي عن عثمان وعليّ وزيد بن ثابت وابن عبّاس وابن عمر (١٠). ولا تتعلّق هذه الفرقة بقضاء القاضي؛ لأنّ ابتداءه غير متعلّق بحكمه، بخلاف فرقة اللّعان والعنّة (١١). و (العزم): القصد (١٢). و (الطّلاق): التّخلية والتّسريح (١٣). وإنّما يقال للمرأة: طالق؛ لأنّ هذا نعت مختصّ بها، كالحائض والحامل (١٤).

стр. 315

٢٢٨ - ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ:﴾ (المطلّقة): من التّطليق دون الإطلاق، للمبالغة في الوصف؛ لأنّ طلاقها يتأبّد (١) ويوجب حرمة، بخلاف الإطلاق المستعمل في الإرسال (٢). و (التّربّص) بالشيء (٣): ترقّب نزول الحادثة. وإنّما قال: ﴿قُرُوءٍ،﴾ ولم يقل: أقراء، لذكر المطلّقات، إذ كلّ مطلّقة منهنّ تتربّص ثلاثة أقراء، فتجتمع (٤) قروء كثيرة. وقيل: (من) فيه مقدّر، أي: ثلاثة من قروء (٥). قال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يسمّي الحيض قرءا، ومنهم من يسمّي الطّهر قرءا، ومنهم من يجمعهما (٥٠ ظ) فيسمّي الطهر مع (٦) الحيض قرءا، غير أنّ الحيض أولى (٧) لكونه لغة النبيّ ﷺ ، وإليه ذهب في تفسير القرء (٨) عمر وعليّ وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبو الدّرداء ومعاذ وأبو موسى الأشعريّ (٩). ﴿أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ:﴾ من الحيض والحبل (١٠)، وعارض بين الشرط والخبر. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ:﴾ والبعل: الزّوج، مثل: فحل وفحولة، ويقال للمرأة: بعلة، والمباعلة: المباشرة (١١). ﴿أَحَقُّ:﴾ أولى (١٢). ﴿بِرَدِّهِنَّ:﴾ في حالة العدّة إلى حالة لا يعتددن (١٣)، ولا يقتضي للغير فيه حقّ لقوله: ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ [الفتح:٢٦] في ذلك الوقت (١٤).

стр. 316

﴿أَصْلَحا﴾ (١): استدراك النّكاح، لا تطويل العدّة (٢). ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ:﴾ من حقّ الصحبة وحسن العشرة (٣). ﴿دَرَجَةٌ:﴾ رتبة وشرف لما فضّلهم الله تعالى في العقل وغير ذلك، وبما أنفقوا من أموالهم (٤). ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ بما شاء، حكيم لا يخطئ في حكمه (٥). ٢٢٩ - ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ:﴾ يفيد وقوع الطّلاق بعد الطّلاق سواء جمع أو فرّق على وجه المباح أو المحظور (٦). و (المرّة): ظرف زمان للفعل (٧) الواقع، نظيره: التّارة. ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ:﴾ يفيد جواز الرّجعة بعد تطليقتين (٨). و (الإمساك): قريب من الحفظ، ونقيضه: الإرسال (٩). وقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ بعد الطّلقة الثالثة (١٠). و (التّسريح): قريب من الإخراج والإبراز (١١). والسّنّة بتفريقهنّ في ثلاثة أطهار لم يجامعها فيها تفسيرا لقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلاق:١] (١٢). وقوله: ﴿وَلا [يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ] (١٣)﴾ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً نهي عن منع المهر وبخسه واسترداده في جميع الوجوه، ثمّ خصّ الاستثناء بالاغتصاب، وأباح المنهيّ عنه عند الخلع (١٤).

стр. 317

﴿حُدُودَ اللهِ:﴾ إقامة حقوق النّكاح (١). وقوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ يفيد إباحة المنهيّ عنه للزّوج على هذا الوجه، وإباحة الافتداء للمرأة برفع إثم النّشوز عنها (٢). ويصحّ الخلع في غير مجلس القاضي، وإليه ذهب عمر وعثمان وابن عمر (٣). وهي تطليقة بائنة سواء ذكر فيه طلاق أو لم يذكر (٤). ٢٣٠ - ﴿فَإِنْ طَلَّقَها:﴾ يعني الثالثة (٥). ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ:﴾ تطأ زوجا، لقوله ﷺ لأميمة بنت وهب: (لا حتى (٦) تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك) (٧)، وهو قول عليّ وعائشة وأكثر أهل العلم (٨). ﴿فَإِنْ طَلَّقَها:﴾ الزوج الثاني (٩). ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما:﴾ على المرأة والزوج (١٠) الأوّل. ﴿أَنْ يَتَراجَعا:﴾ "بنكاح جديد" (١١). ﴿إِنْ ظَنّا:﴾ إن كان غالب ظنّهما أنّهما يؤدّيان حقوق النّكاح (١٢). ﴿وَتِلْكَ:﴾ إشارة إلى الأحكام المتقدّمة (١٣). ٢٣١ - ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ قربن من منتهى أجلهنّ (١٤). و (الأجل): هو الوقت المضروب (١٥). وإنّما عبّر عن القرب بالبلوغ على سبيل التّوسّع، يقال: بلغت قرية كذا (١٦).

стр. 318

﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ:﴾ يعني الرّجعة (١). ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ:﴾ بترك الرّجعة (٢). ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً:﴾ لا تراجعوهنّ للإضرار بهنّ لتطويل العدّة (٣). ﴿لِتَعْتَدُوا:﴾ عليهنّ، أو لتعتدوا حدود الله (٤). ﴿ذلِكَ﴾ (٥): إشارة إلى المنهيّ عنه. والكاف علامة الخطاب، (٥١ و) فلذلك جاز الاكتفاء بالتّوحيد في خطاب الجمع على تقدير العضل (٦) أو الحرب. وظلم النّفس بكسب الوبال عليها (٧). ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً:﴾ لا تستخفّوا بحرمتها فيهون عليكم مجاوزتها (٨). ﴿نِعْمَتَ اللهِ (٩)﴾: الإسلام، ويحتمل أنّها عامّة (١٠). ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ:﴾ راجع إلى الحكم المذكور في الآية (١١)، أو إلى الأمر بالذّكر، أو إلى (ما) في قوله: ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ (١٢). ٢٣٢ - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ:﴾ نزلت في شأن معقل بن يسار المزنيّ (١٣)، كانت أخته جمل بنت يسار تحت رجل من قضاعة اسمه أبو البداح بن عاصم فطلّقها، فلمّا انقضت عدّتها هويها وهويته، فأرادا أن يتراجعا فمنع معقل، فأنزل الله الآية (١٤). وعن السدّيّ أنّ جابر بن عبد الله عضل ابنة عمّ له فأنزل الله الآية (١٥).

стр. 319

وقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ أراد انقضاء الأجل (١)، ولولا ذلك لكان الزّوج يقدر على الرّجعة من غير نكاح جديد. و (العصل) (٢): التّحريج والتّضييق، وكذلك الأمر المعضل (٣). وقال للأزواج: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النّساء:١٩]. وفي الآية دليل على أنّ لهنّ أن يتولّين عقود نكاحهنّ (٤). وفي تسمية الله إيّاهم أزواجا بعد ارتفاع العقد وانقضاء العدّة دلالة على بقاء التّسمية حقيقة بعد زوال المعنى على سبيل الحكاية (٥). ﴿إِذا تَراضَوْا:﴾ والتّراضي تفاعل من (٦) الرّضا، والتّفاعل يكون بين اثنين فصاعدا. ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى النّهي والكفّ عن العضل (٧). ﴿أَزْكى:﴾ أدخل في باب التّزكية (٨)، وقيل: أزكى: أطهر لكم، فجمع بين اللّفظين تأكيدا. ٢٣٣ - ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ:﴾ خبر بمعنى الأمر (٩)، كقوله (١٠): ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ثمّ قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الصّف:١١ - ١٢] بالجزم على سبيل الجواب (١١). و (الإرضاع) (١٢): سقي اللبن. والرّضيع: الذي يتغذّى بالارتضاع لا يتغذّى بغيره من صغره (١٣). ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ:﴾ لئلا ينقص منهما (١٤).

стр. 320

﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ:﴾ يوفي ﴿الرَّضاعَةَ﴾ المفروضة (١). والإتمام لا يدلّ على منع الزيادة، كقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]. والرّضاع والرّضاعة (٢) اسم من الإرضاع (٣). ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ:﴾ أي: على الأب نفقة الوالدات المرضعات (٤). و (الكسوة): ما يكتسى من اللّباس (٥). وهذا يدلّ أنّها نزلت في المطلّقات وإلا لكانت النّفقة واجبة للنّكاح لا للإرضاع (٦). ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ (٧)﴾ إِلاّ وُسْعَها: التّكلّف (٨): الأمر بغير المراد. والوسع: الطّاقة (٩). وقوله: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: لا تدخل (١٠) الوالدة ضررا (١١) على أب المولود بمنع الدّرّ عن الولد (١٢)، والثاني: لا يدخل أب (١٣) الولد ضررا على الوالدة بالاسترضاع كرها من غير أجرة، أو بانتزاعه منها كرها (١٤). وقوله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يحتمل هذين الوجهين (١٥). ﴿وَعَلَى الْوارِثِ:﴾ المراد كلّ موسر من (١٦) ذي رحم محرم الأقرب فالأقرب، فإذا اشتركوا في استحقاق الميراث لزم كلّ واحد على قدر ميراثه (١٧). (٥١ ظ) ومأخذ الوارث من الورث والإرث وهو الأصل، يقال: فلان يرجع إلى إرث صدق،
следующие страницы →