← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

﴿أَصْلَحا﴾ (١): استدراك النّكاح، لا تطويل العدّة (٢). ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ:﴾ من حقّ الصحبة وحسن العشرة (٣). ﴿دَرَجَةٌ:﴾ رتبة وشرف لما فضّلهم الله تعالى في العقل وغير ذلك، وبما أنفقوا من أموالهم (٤). ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ بما شاء، حكيم لا يخطئ في حكمه (٥). ٢٢٩ - ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ:﴾ يفيد وقوع الطّلاق بعد الطّلاق سواء جمع أو فرّق على وجه المباح أو المحظور (٦). و (المرّة): ظرف زمان للفعل (٧) الواقع، نظيره: التّارة. ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ:﴾ يفيد جواز الرّجعة بعد تطليقتين (٨). و (الإمساك): قريب من الحفظ، ونقيضه: الإرسال (٩). وقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ بعد الطّلقة الثالثة (١٠). و (التّسريح): قريب من الإخراج والإبراز (١١). والسّنّة بتفريقهنّ في ثلاثة أطهار لم يجامعها فيها تفسيرا لقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلاق:١] (١٢). وقوله: ﴿وَلا [يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ] (١٣)﴾ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً نهي عن منع المهر وبخسه واسترداده في جميع الوجوه، ثمّ خصّ الاستثناء بالاغتصاب، وأباح المنهيّ عنه عند الخلع (١٤).

стр. 317

﴿حُدُودَ اللهِ:﴾ إقامة حقوق النّكاح (١). وقوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ يفيد إباحة المنهيّ عنه للزّوج على هذا الوجه، وإباحة الافتداء للمرأة برفع إثم النّشوز عنها (٢). ويصحّ الخلع في غير مجلس القاضي، وإليه ذهب عمر وعثمان وابن عمر (٣). وهي تطليقة بائنة سواء ذكر فيه طلاق أو لم يذكر (٤). ٢٣٠ - ﴿فَإِنْ طَلَّقَها:﴾ يعني الثالثة (٥). ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ:﴾ تطأ زوجا، لقوله ﷺ لأميمة بنت وهب: (لا حتى (٦) تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك) (٧)، وهو قول عليّ وعائشة وأكثر أهل العلم (٨). ﴿فَإِنْ طَلَّقَها:﴾ الزوج الثاني (٩). ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما:﴾ على المرأة والزوج (١٠) الأوّل. ﴿أَنْ يَتَراجَعا:﴾ "بنكاح جديد" (١١). ﴿إِنْ ظَنّا:﴾ إن كان غالب ظنّهما أنّهما يؤدّيان حقوق النّكاح (١٢). ﴿وَتِلْكَ:﴾ إشارة إلى الأحكام المتقدّمة (١٣). ٢٣١ - ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ قربن من منتهى أجلهنّ (١٤). و (الأجل): هو الوقت المضروب (١٥). وإنّما عبّر عن القرب بالبلوغ على سبيل التّوسّع، يقال: بلغت قرية كذا (١٦).

стр. 318

﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ:﴾ يعني الرّجعة (١). ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ:﴾ بترك الرّجعة (٢). ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً:﴾ لا تراجعوهنّ للإضرار بهنّ لتطويل العدّة (٣). ﴿لِتَعْتَدُوا:﴾ عليهنّ، أو لتعتدوا حدود الله (٤). ﴿ذلِكَ﴾ (٥): إشارة إلى المنهيّ عنه. والكاف علامة الخطاب، (٥١ و) فلذلك جاز الاكتفاء بالتّوحيد في خطاب الجمع على تقدير العضل (٦) أو الحرب. وظلم النّفس بكسب الوبال عليها (٧). ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً:﴾ لا تستخفّوا بحرمتها فيهون عليكم مجاوزتها (٨). ﴿نِعْمَتَ اللهِ (٩)﴾: الإسلام، ويحتمل أنّها عامّة (١٠). ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ:﴾ راجع إلى الحكم المذكور في الآية (١١)، أو إلى الأمر بالذّكر، أو إلى (ما) في قوله: ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ (١٢). ٢٣٢ - ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ:﴾ نزلت في شأن معقل بن يسار المزنيّ (١٣)، كانت أخته جمل بنت يسار تحت رجل من قضاعة اسمه أبو البداح بن عاصم فطلّقها، فلمّا انقضت عدّتها هويها وهويته، فأرادا أن يتراجعا فمنع معقل، فأنزل الله الآية (١٤). وعن السدّيّ أنّ جابر بن عبد الله عضل ابنة عمّ له فأنزل الله الآية (١٥).

стр. 319

وقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ أراد انقضاء الأجل (١)، ولولا ذلك لكان الزّوج يقدر على الرّجعة من غير نكاح جديد. و (العصل) (٢): التّحريج والتّضييق، وكذلك الأمر المعضل (٣). وقال للأزواج: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النّساء:١٩]. وفي الآية دليل على أنّ لهنّ أن يتولّين عقود نكاحهنّ (٤). وفي تسمية الله إيّاهم أزواجا بعد ارتفاع العقد وانقضاء العدّة دلالة على بقاء التّسمية حقيقة بعد زوال المعنى على سبيل الحكاية (٥). ﴿إِذا تَراضَوْا:﴾ والتّراضي تفاعل من (٦) الرّضا، والتّفاعل يكون بين اثنين فصاعدا. ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى النّهي والكفّ عن العضل (٧). ﴿أَزْكى:﴾ أدخل في باب التّزكية (٨)، وقيل: أزكى: أطهر لكم، فجمع بين اللّفظين تأكيدا. ٢٣٣ - ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ:﴾ خبر بمعنى الأمر (٩)، كقوله (١٠): ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ثمّ قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الصّف:١١ - ١٢] بالجزم على سبيل الجواب (١١). و (الإرضاع) (١٢): سقي اللبن. والرّضيع: الذي يتغذّى بالارتضاع لا يتغذّى بغيره من صغره (١٣). ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ:﴾ لئلا ينقص منهما (١٤).

стр. 320

﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ:﴾ يوفي ﴿الرَّضاعَةَ﴾ المفروضة (١). والإتمام لا يدلّ على منع الزيادة، كقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]. والرّضاع والرّضاعة (٢) اسم من الإرضاع (٣). ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ:﴾ أي: على الأب نفقة الوالدات المرضعات (٤). و (الكسوة): ما يكتسى من اللّباس (٥). وهذا يدلّ أنّها نزلت في المطلّقات وإلا لكانت النّفقة واجبة للنّكاح لا للإرضاع (٦). ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ (٧)﴾ إِلاّ وُسْعَها: التّكلّف (٨): الأمر بغير المراد. والوسع: الطّاقة (٩). وقوله: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: لا تدخل (١٠) الوالدة ضررا (١١) على أب المولود بمنع الدّرّ عن الولد (١٢)، والثاني: لا يدخل أب (١٣) الولد ضررا على الوالدة بالاسترضاع كرها من غير أجرة، أو بانتزاعه منها كرها (١٤). وقوله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يحتمل هذين الوجهين (١٥). ﴿وَعَلَى الْوارِثِ:﴾ المراد كلّ موسر من (١٦) ذي رحم محرم الأقرب فالأقرب، فإذا اشتركوا في استحقاق الميراث لزم كلّ واحد على قدر ميراثه (١٧). (٥١ ظ) ومأخذ الوارث من الورث والإرث وهو الأصل، يقال: فلان يرجع إلى إرث صدق،

стр. 321

وقيل: الإرث: البقيّة، فالوارث الذي يأخذ الإرث (١). و (الفصال): "الفطام" (٢). ﴿وَتَشاوُرٍ:﴾ مشاورة، وهو أن يعرض بعض القوم رأيه على بعض، من قولهم: شار البائع يشورها، إذا عرضها للبيع (٣). وفيها دلالة أنّ بعد (٤) الحولين وقت الرضاع، وعن ابن عبّاس: إن تراضيا على الفصال قبل الحولين أو بعدهما (٥). ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا:﴾ بعد الحولين؛ لأنّه رفع الجناح. ٢٣٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ:﴾ ناسخة لقوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة:٢٤٠] (٦). وتقديم النّاسخ على المنسوخ في التّلاوة والكتابة لأحد سببين إمّا التّعبّد وإمّا الاتّفاق (٧) الذي كان بعد فطم رسول الله ﷺ ، كما اتّفق تقديم سورة الجهاد على سورة المتاركة (٨) وهي ﴿(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)﴾. و ﴿(الَّذِينَ)﴾ اسم مبتدأ، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ لا يكون إخبارا عنه، والوجه أنّك إذا ابتدأت باسم ثمّ ذكرت اسما مضافا إلى الأوّل أو منه بسبب (٩) أجزأك أن تبقي (١٠) الأوّل وتخبر عن هذا الثاني (١١). قال الأخفش (١٢): إنّما جاز أن يكون (يتربّصن) خبرا بتقدير ضمير عائد إلى (١٣) المبتدأ تقديره: يتربّصن من بعدهم، والضمير في (يتربّصن) (١٤) عائد إلى قوله: ﴿أَزْواجاً.﴾ وقال أبو العبّاس (١٥): تقديره: أزواجهم يتربّصن. وقال الزّجّاج (١٦): النّون في قوله: (يتربّصن) قائمة

стр. 322

مقام أزواجهم، فكأنّه قال: يتربّص أزواجهم، والضمير في (١) (يتربّصن) عائد إلى المقدّر دون قوله: (أزواجا)، إلا أنّ في هذين نظرا (٢). و (التّوفّي): القبض، تقول: توفّيت حقّي واستوفيت، والمراد قبض الأنفس عن الدنيا بالموت (٣). ﴿وَيَذَرُونَ:﴾ يتركون، وهذا فعل لا مصدر له، ولا يشتقّ منه الاسم، ولا يذكر بلفظ الماضي (٤). ﴿يَتَرَبَّصْنَ:﴾ باجتناب الزّينة والطّيب والكحل بالإثمد وترك النّقلة عن المنزل، هكذا روي عن ابن عبّاس وابن شهاب (٥). ﴿وَعَشْراً:﴾ أي: عشر ليال (٦)، وقال ابن (٧) المسيّب وأبو العالية: إنّما زيدت عشر ليال لأنّ فيها ينفخ الرّوح في الولد (٨). ﴿فِيما فَعَلْنَ:﴾ من التّخلية بينهنّ وبين ما يردن من التّزيّن للخاطبين (٩)، والخروج من (١٠) البيت على ما يجوز في الشّريعة ولا ينكر (١١). ٢٣٥ - ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ:﴾ التّعريض بالكلام: صرفه عن الظّاهر وعن المراد (١٢). ﴿خِطْبَةِ:﴾ مصدر كالخطب، وهو مثل قولك: إنّه لحسن المشية والقعدة (١٣) والجلسة والزكاة، وقولك: ما خطبك يا فلان؟ أي: ما شأنك وإرادتك (١٤). فالخطبة من الزّوج، والاختطاب من وليّ المرأة. والخطبة من الخطيب في عقد النّكاح أو في غيره من المجامع بما يخاطب (١٥). ويسمّى التّشهّد خطبة الصلاة (١٦).

стр. 323

﴿أَكْنَنْتُمْ:﴾ أضمرتم. والكنّ: الستر (١). ﴿سِرًّا:﴾ زناء، عن إبراهيم والحسن (٢)، وقال الشاعر (٣): [من الوافر] ويحرم سرّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع وقال [ابن] (٤) المسيّب: السّرّ أن يواعدها خفية مالا (٥) لئلا تسبقه بنفسها. و (القول المعروف) (٦): (٥٢ و) ما أبيح على وجه التّعريض (٧). ﴿وَلا تَعْزِمُوا:﴾ تقصدوا (٨). ﴿عُقْدَةَ:﴾ اسم من العقد، وعقد الشيء ضبطه وإحكامه بنوع تأليف (٩). ﴿الْكِتابُ أَجَلَهُ:﴾ انتهاء العدّة التي أوجبها الله عليها (١٠). وخوف الشيء اتّقاؤه. وإنّما ذكر المغفرة والحلم لئلا يميلهم هذا التّحذير عن الاعتدال بين الخوف والرّجاء، فالله تعالى رفع الجناح عن شيئين: التّعريض والإضمار، وحرّم شيئين (١١): المواعدة سرّا وعزم عقدة (١٢) النّكاح. أمّا التّعريض فقد قال ابن عبّاس: أن يقول بمشهدها: إنّي أريد أن أتزوّج بزوجة (١٣)، وأمّا الإضمار أن يخطر بباله أو (١٤) ينويه من غير عزم صحيح، وأمّا المواعدة سرّا فقد سبق ذكرها، وأمّا العزم فهو أن يؤكّد رأيه (١٥) عليها ويقصدها من غير تردّد فيعظم عليه فوتها. ٢٣٦ - ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ:﴾ قال الكلبيّ: نزلت في رجل من الأنصار تزوّج (١٦) بامرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها مهرا، ثمّ طلّقها قبل الدخول، فقال ﷺ : (متّعها ولو

стр. 324

بقلنسوتك (١)، أما إنّها لا تساوي شيئا ولكنّي أحببت أن أحيي السّنّة). وللآية معنيان: أحدهما: إباحة الطّلاق للرّجال أنّى شاؤوا في الحيض والطّهر واحدة وأكثر ما داموا (٢) قبل المسيس، والثاني: أن تقيم (ما) (٣) مقام (اللّواتي) أو مقام (حين) ولا تجعلها شرطا لاستدامة الحال (٤)، وفائدة الرّخصة على هذا القول نفي تحرّجهم عن ذلك لما يرونه فرارا عن المهر. والمراد بالمسّ المطلق في باب النّساء: الجماع، وكذلك اللّمس المطلق في بابهنّ (٥). ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ:﴾ (أو) بمعنى الواو (٦)، تسمّوا (٧) لهنّ مهرا صحيحا ثابتا غير فاسد ولا مجهول. و (المتعة) المأمور (٨) بها واجبة ممّا يصلح لمثلها على مثله، يراعي جنبة الرجل بذكر قدره وجنبة المرأة بقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٩) وعن عمر: أدنى ما يجزئ (١٠) في متعة النساء ثلاثون درهما (١١)، وبذلك أمر شريح رجلا. وعن ابن عبّاس: أعلاها خادم، ودون ذلك ورق، ودون ذلك (١٢) كسوة، وروي أنّه قدّم الكسوة على الورق (١٣). وحكم المتوفّى عنها زوجها قبل المسيس والتّسمية حكم المدخول بها، قضى (١٤) بها عبد الله [بن] (١٥) مسعود باجتهاده، وأخبره معقل بن يسار أنّه وافق قضاء رسول الله ﷺ في بروع بنت

стр. 325

واشق الأشجعيّة (١). ﴿الْمُوسِعِ:﴾ ذو السّعة (٢). والسّعة في المعيشة (٣). و ﴿الْمُقْتِرِ:﴾ الذي ضاقت معيشته (٤). والقدر والقدر لغتان (٥)، وهو الحدّ، فقدر الشيء: تقديره، إمّا حدّ ذاته وإمّا حدّ شأنه وإمّا حدّ ما يستحقّه من الذّكر، ويقتضي نوع تدبّر ممّن يحدّ (٦). ﴿مَتاعاً:﴾ نصب على المصدر (٧)، أي: متّعوهنّ متاعا (٨). و ﴿حَقًّا:﴾ نصب على إضمار: حكمنا، أو قلنا، أو أخبرنا حكما أو قولا أو خبرا حقّا، قاله الفرّاء (٩)، وقال: الحقّ والباطل في الأحكام دون الأسماء. وإنّما خصّ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ تشريفا لهم، كقوله (١٠): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٦٦]. ٢٣٧ - ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ:﴾ فلهنّ، أو فعليكم نصف المسمّى (١١). ونصف الشيء أحد جزأيه (١٢). (٥٢ ظ) ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ:﴾ يسقطن هذا النّصف أيضا (١٣). ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ:﴾ أو يعفو الزّوج عن المرأة استرداد نصف المهر (١٤). وقيل: المراد به وليّ المرأة (١٥)، وليس بصحيح بدلالة قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى،﴾ قال ابن عبّاس: هذا خطاب للأزواج والنساء جميعا (١٦)، ولأنّ عقد النّكاح بعد

стр. 326

العقد بيد الزّوج دون الوليّ. وإنّما كان أقرب للتّقوى لأنّ من ترك حقّ نفسه كان أصبر على الكفّ عن حقّ (١) غيره. ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ:﴾ ولا تتركوا في ما بينكم تفضّل بعضكم على بعض بالعفو والمسامحة (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تنبيه للمخاطبين، وحثّ على الائتمار بالأوامر (٣). ٢٣٨ - وقوله: ﴿حافِظُوا:﴾ الآيتان (٤) عارضتان في أثناء الأحكام للأزواج (٥) من حيث التّلاوة والكتابة (٦). واتّصالهما بما قبلهما من حيث قوله (٧): ﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ،﴾ إذ هو يقتضي المحافظة على الصلاة وغيرها. والمحافظة محافظة (٨) الأحوال على إقامتها، وهي مفاعلة (٩) من الحفظ، وهو ضدّ التّضييع (١٠). وقيل (١١): المحافظة المواظبة، فلذلك عدّاها ب (على). وقيل (١٢): صلاة الوسطى غير داخلة في ﴿الصَّلَواتِ﴾ لأنّها عطف عليها، وقيل (١٣): دخلت فيها إلا أنّه ذكرها ثانيا تشريفا لها. و ﴿الْوُسْطى:﴾ الذي بين شيئين (١٤). قال ابن عبّاس وعائشة وحفصة وأبو هريرة: إنّها صلاة العصر (١٥). وعن أبي روق (١٦) في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]: أقسم بصلاة العصر (١٧)، وهي

стр. 327

التي شغل عنها سليمان (١)، وخبر صلوات الخمس (٢) يدلّ عليه. ﴿قانِتِينَ:﴾ ساكتين عن كلام النّاس (٣)، قال زيد بن أرقم: كنّا نتكلّم في الصلاة حتى نزلت الآية (٤). وقال أبو سعيد الخدريّ: كنّا نردّ السّلام في الصلاة فنهينا عن ذلك (٥). ٢٣٩ - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً:﴾ جمع راحل (٦)، كتاجر وتجار وصاحب وصحاب. ﴿أَوْ رُكْباناً:﴾ جمع راكب (٧)، كفارس وفرسان. يعني إن خفتم ميلة العدوّ عليكم فصلّوا رجالا على ما فسّر في سورة النّساء (٨)، أو ركبانا على ما بيّنه النّبيّ (٩) ﷺ ، فإذا زال الخوف فصلّوا صلاة الأمن (١٠). وقيل: فاذكروه بالثّناء والحمد والتّسبيح لإيقاع الفعل بعد الخوف كما شرع قبل الخوف (١١). ولا تجوز صلاة راجل (١٢) ماشيا، ولا صلاة راكب مسايفا أو طاعنا؛ لأنّ الآية اقتضت عموم الأحوال لا عموم الرّكبان والرّجال (١٣). والمراد الخوف من العدوّ أو ما يقوم مقام العدوّ ممّا (١٤) فيه تلف النّفس. ٢٤٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ:﴾ نزلت في رجل من المهاجرين يقال له حكيم بن الحرث، مات في أوّل الهجرة فأمر الله تعالى (١٥). ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ:﴾ نفقة سنة لا يخرجن مكرهات من بيوت أزواجهنّ، فإن خرجن طائعات بطلت النّفقة ووجبت (١٦) العدّة ثلاثة أقراء (١٧).

стр. 328

وعن مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من أهل الطائف قدم المدينة، وله أولاد وأبوان وامرأة، وتوفّي (١) فدفع إلى رسول الله ﷺ ، فأعطى الوصيّة الوالدين والأولاد بالمعروف، والمرأة نفقة سنة (٢). وكان الحكم أن تسكن المرأة في بيت زوجها (٥٣ و) إن كانت من أهل المدر، وإن كانت من أهل الوبر (٣) فأن تعتزل، وإن خرجت طائعة بطلت (٤) النّفقة، فنسخت الوصيّة بالميراث، والعدّة ب ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة:٢٣٤]، أجمعوا أنّها منسوخة وإن اختلف في النّاسخ (٥). (وصيّة): نصب على إضمار الأمر (٦)، ورفع بالابتداء (٧). و ﴿مَتاعاً:﴾ نصب بوقوع الوصيّة عليه، والمصدر ينصب كالفعل (٨). ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ:﴾ من غير، نصب بانتزاع الخافض عند الفرّاء (٩)، وقيل: لا إخراجا (١٠). وقوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ تفسير ل (ما) في قوله: ﴿فِي ما.﴾ ٢٤١ - ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ:﴾ خبر وليس بأمر، لكنّه مستحبّ عندنا لكلّ مطلّقة (١١). ٢٤٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا:﴾ عارضة في أثناء أحكام (١٢) الشريعة، والذي أوجب إيرادها ههنا هو الأمر بالقتال بعدها ليكونوا أقدم على فريضة القتال بعد الاعتبار (١٣). (ألم تر): ألم تنته رؤيتك إليهم، كما تقول (١٤) للطّليعة: أما ترون؟ أما تبصرون إلى موضع كذا غبارا (١٥) أو كيفية. والمراد به رؤية القلب وهو العلم (١٦) كقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ:٦].

стр. 329

وألف الاستفهام في مثل هذا الموضع لا تقتضي استعلاما ولا نفيا ولا إثباتا، ولكنّها للتّوقيف كقولك: ألم تسمع، أما سمعت، أما بلغك، إلا أنّها مع التّوقيف تقتضي إحداث تعجّب واستجهال في الحقيقة، وأمّا في المجاز فيجوز إطلاقه سواء تعجّبت (١) واستجهلت أم لم تتعجّب ولم تستجهل (٢). والفعل رأى يرأى (٣) إلا أنّ الهمزة حذفت استخفافا فأعطيت الرّاء حركتها (٤). و ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ جماعة من بني إسرائيل، روى السدّي عن أبي مالك: كانوا في قرية يقال لها: داوردان، تقرب (٥) من واسط العراق (٦). و (الألوف): "جمع ألف" (٧)، وزعم ابن زيد أنّه جمع آلف، أي: مؤتلفة القلوب (٨). وعن ابن عبّاس أنّهم كانوا أربعة آلاف (٩)، وعن مقاتل ثمانية آلاف (١٠)، وعن عطاء سبعين ألفا (١١)، وعن السدّي وأبي مالك ثلاثين ألفا (١٢)، وعن أبي روق عشرة آلاف (١٣)، وعن الضحّاك عددا [كثيرا] (١٤). ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ:﴾ أي: الطّاعون (١٥)، وقال الحسن: حذر القتل في القتال (١٦). ﴿مُوتُوا:﴾ أمر تكوين وتصيير وإلجاء (١٧). ﴿ثُمَّ أَحْياهُمْ:﴾ ردّ إليهم الحياة الدّنياويّة بعد أن صاروا عظاما في قول السدّي وهلال بن يساف ومجاهد ووهب (١٨)، وبعد أن أروحت أجسادهم رائحة الموتى من قول الكلبيّ ومقاتل (١٩).

стр. 330

قالوا: وكان الإحياء بدعوة حزقيل النبيّ ﵇ (١)، قال القتبيّ: هو حزقيل بن يوذا (٢)، وقال مقاتل: إنّ (٣) حزقيل هو ذو الكفل ﵇ (٤). ٢٤٤ - ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ أمر لأمّة محمّد ﷺ مرتّب على (٥) الأمر بمحافظة الصلوات (٦)، وقال مقاتل بن حيان: إنّه أمر لهؤلاء الموتى بعد الإحياء (٧). ٢٤٥ - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ:﴾ يعطي القرض (٨). والقرض في الأصل هو القطع بالنّاب (٩)، ثمّ استعير لما تقتطعه من مالك فتدفعه إلى أخيك لينفقه ويغرم مثله من غير عقد ولا تأجيل، ثمّ استعمل في تقديم الحسن والسيّئ (١٠) إذا اقتضت الجزاء، قال أميّة بن [أبي] (١١) الصّلت: [من البسيط] لا تخلطنّ خبيثات بطيّبة ... واخلع ثيابك منها وانج عريانا كلّ امرئ سوف يجزى قرضه حسنا (٥٣ ظ) أو سيّئا ومدينا مثل ما دانا والمضاعفة والتّضعيف أن تزيد على الشيء مثله مرّة فصاعدا (١٢). ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ:﴾ أراد الأخذ بالقبول والدّفع بالجزاء (١٣). وعن أبي أمامة لمّا نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: استقرض ربّنا وهو غنيّ، قال النبيّ ﷺ : (نعم أراد بذلك أن يدخلكم الجنّة)، فرجع الأنصاريّ (١٤) واستقبل أبا (١٥) الدّحداح عمرو بن الدّحداح الأنصاريّ فأخبره الخبر، فجاء أبو الدّحداح وقال: يا رسول الله إن أقرضت قرضا تضمن لي بالجنّة، قال: نعم، قال (١٦): وزوجتي، قال: نعم، قال (١٧): وصبيتي، قال: نعم، قال: فإنّي

стр. 331

أشهدك يا رسول الله أنّي (١) جعلت حائطيّ قرضا لله ، فقال رسول الله: يا أبا الدّحداح إنّا لم (٢) نسألك كليهما فأمسك أحدهما معيشة لك ولعيالك، قال: إذا فخيرهما لله تعالى، ثمّ رجع حتى أتى أمّ الدّحداح وهي تحت النّخل مع صبيانها وأنشأ يقول: [من الرّجز] هداك ربّي سبيل الرّشاد ... إلى سبيل الخير والسّداد تدني من الحائط بالوداد ... وقد مضى قرضا إلى التّناد أقرضته الله على اعتماد ... طوعا بلا (٣) منّ ولا ارتداد إلاّ رجاء الضّعف في المعاد ... فارتحلي بالنّفس والأولاد والبرّ لا شكّ فخير زاد ... قدّمه المرء إلى المعاد قالت أمّ الدّحداح: أما إذا بعت من الله ورسوله فبيع ربيح لا يقال ولا يستقال، وأيم الله لولا ذلك لم تملك إلاّ حصّتك، فأنشأ يقول: [من الرّجز] بشّرك الله بخير وفلح ... مثلك أجدى ما لديه ونصح إنّ لك الحظّ إذا الحظّ وضح ... قد متّع (٤) الله عيالي ومنح بالعجوة السّوداء والزّهر البلح ... والعبد يسعى وله ما قد كدح طول اللّيالي وعليه ما اجترح ثمّ أقبلت أمّ الدّحداح (٥) على صبيانها تخرج ما في أفواههم، وتنفض ما في أكمامهم حتى أتوا إلى الحائط الآخر، فقال النّبيّ ﷺ : (كم من عذق ردّاح وقصر فيّاح لأبي الدّحداح في الجنّة) (٦).

стр. 332

٢٤٦ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ إلى انتهاء الآية السادسة، في شأن أشمويل بن هلقا، ويروى هلقاثا، وفي شأن داود بن إيشا ﵉. والقصّة في ذلك أنّ بني إسرائيل مكثوا دهرا ما لهم ملك يقاتل، وقد استولى عليهم أعداء لهم يسكنون ساحل (١) بحر الرّوم بين مصر وفلسطين يقال لهم: البلشتاثا، ويروى: البلشتانا، ولهم ملك يدعى جالوت، فلقي بنو إسرائيل منهم بلاء (٢) شديدا لما غلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثيرا من أولادهم، وكان عهد الله فيما يروى إلى بني إسرائيل من بعد موسى ويوشع ﵉ ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، فلمّا آل الأمر إلى ما ذكرنا نبغ في بني إسرائيل طاغية ودعاهم إلى أن يملّكوه ويبايعوه ليقودهم إلى القتال، فبايعوه على ذلك، ثمّ جاؤوا إلى (٣) أشمويل بن هلقا (٥٤ و) واسم أمّه حنّة، وكان يدعى ابن العجوز (٤). ويروى عن السدّي أنّه كان يسمّى شمعون أيضا وهو بالعربيّة (٥) سمعون، أي: سمع الله دعاء أمّه فيه واختاره للنّبوّة (٦)، ويقال: هو المراد بإسماعيل المذكور في سورة الأنعام (٧) بين إلياس واليسع، وكان من نسل هارون، وطلبوا منه ملكا يرجون (٨) أن يشيرهم إلى ما بايعوه، فقال أشمويل: هل كدتم تمتنعون عن القتال إن وجب؟ قالوا: لا، فملّك عليهم بوحي من الله طالوت وهو رجل من سبط بنيامين (٩)، وكان مسكينا راعي حمير، وكان خرج من قريته بطلب (١٠) حمارين له فنزل بأشمويل ﵇، فأعلمهم أنّه ملكهم فأبوا أن يقبلوه؛ لأنّه لم يكن من سبط النّبوّة وهو سبط لاوي بن يعقوب، ولا من سبط الملك وهو سبط يهودا، ولم يكن له (١١) مال أيضا، فأعلمهم أنّ الله فضّله عليهم (١٢) بالرّأي والمنظر والنّجدة، وهذه المعاني أسباب الملك دون الأصل (١٣). فلمّا كذّبوه أتى بمعجزة على دعواه وهي الإخبار عن التّابوت الذي كانت فيه السّكينة

стр. 333

وبقيّة من تركة موسى وهارون ﵉، وذلك التّابوت إنّما كان (١) من شمشاد مقدار ثلاثة أذرع في ذراع، كانت بنو إسرائيل يقدّمونه (٢) في الحروب ويجعلونه (٣) أمام جندهم، فإذا صوّت وسار ساروا خلفه وإذا سكت وقفوا بوقفه (٤). ثمّ استولى على ذلك التّابوت قوم من العمالقة فذهبوا به، فجعل الله في أعينهم الناسور (٥)، فعلموا أنّ ذلك أصابهم لغصبهم التّابوت، فحملوه على عجل وشدّوه إلى ثورين وتركوا الثّورين في المفازة، فبعث الله ملائكة تسوق الثّورين إلى (٦) ديار بني إسرائيل، وأخبرهم أشمويل ﵇ بمجيء ذلك التّابوت قبل أن يأتيهم (٧) ذلك فصدّقوه وقبلوا طالوت ﵇ طوعا أو كرها (٨). ثمّ إنّ طالوت سار بهم إلى العدوّ، فلمّا انتهى إلى نهر فلسطين أخبرهم بإلهام الله تعالى أو بتوقيف من جهة أشمويل ﵇ أنّ الله تعالى جعل ذلك النّهر محنة للمخلصين وغيرهم، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ فوق غرفة جبن عن القتال ولم يكن من أصحاب طالوت، ومن اقتصر على مقدار غرفة أيّده الله تعالى وكان من (٩) أصحابه، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ وعصوا أمره إلا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا من جملة ثمانين ألفا فإنّهم شربوا على مقدار غرفة فجعل الله لهم رواء وعبروا النّهر (١٠). و (١١) ﴿بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ واستنصروا الله (١٢)، ومدّ أشمويل بوحي من الله طالوت الملك بداود وهو إذ ذلك صبيّ، وله (١٣) ستّة إخوة مع طالوت كلّهم أكبر منه، ونادته في مسيرة ثلاثة أحجار كلّ واحد يقول: خذني يا داود فإنّي أصنع (١٤) بجالوت كذا وكذا، فجعلها في مخلاة له، فلمّا شهد الفئتين وجد جالوت بين الصّفّين عليه بيضة من نحاس فيها

стр. 334

ثلاث مئة رطل وبقياسها الجوشن وسائر السلاح، ووجد (١) طالوت الملك يطوف على أصحابه ويحرّضهم (٥٤ ظ) ويضمن لمن خرج نصف ملكه وتزويج ابنته، فقال داود: أنا أخرج إليه، فاستحقره، واستحقره النّاس أيضا، وقالت إخوته: إنّما يقول هذا القول من غرّته وصباه، ثمّ قال له طالوت: هل جرّبت نفسك؟ قال: نعم، قصد الأسد ذات يوم سائمة أبي فأخذت بفكّيه وشققته نصفين، قالت إخوته: إنّ هذا لمن غرّته أيضا حيث خاطر بنفسه للسّائمة (٢)، قال داود ﵇: كان ذلك أمانة منّي وشفقة على مالي، فدعا له طالوت بالبركة فإذا هو طويل عليه، فنزعه وبرز إلى جالوت وفي يده مقلاع، وملقاع لغة، قال جالوت: بم تقاتلني أيّها الصبيّ؟ قال: بمقلاعي هذا، قال: أبمثله (٣) يقاتل الملوك؟ قال داود: وهل يرمى الكلب إلا بالحجر؟ ثمّ أدخل يده في مخلاته ليستخرج الحجر من تلك الثلاثة فإذا هي تراكمت فصارت (٤) كتلة واحدة، فأخرجها وجعلها في ملقاعه (٥) وأدارها من فوق رأسه ثمّ رمى بها جالوت، فلمّا انتهت إليه صارت ثلاثة كما كانت، فوقع أحد الثلاثة في رأسه والآخر في فؤاده والآخر في خاصرته (٦)، فخرّ جالوت قتيلا، ونفذت الأحجار منه فقتلت أناسا كثيرا (٧) من الكفّار، وانهزم الباقون (٨). ثمّ إنّ طالوت ندم على ما ضمن من تزويج ابنته ونصف ملكه، وحسد داود ﵇، وتوارى منه داود ﵇، وافترقت بنو إسرائيل فرقتين، وطال القتال إلى أن صفا الأمر لداود ﵇، وجمع له الملك والنّبوّة، وتاب طالوت بعد شرّ كثير واستشهد هو وبنوه في سبيل الله (٩). وعن مقاتل (١٠) أنّ أصحاب جالوت (١١) كانوا من بني إسرائيل أيضا إلا أنّهم كانوا كفّارا. وذكر ابن المقفع (١٢) أنّ جالوت كان من عشيرة (١٣) فرعون. وعن قتادة أنّ هذا النّبيّ هو يوشع

стр. 335

بن نون (١)، ولا أدري كيف جمع بينهما (٢)، يعني يوشع وداود من طول العهد (٣). وقيل: إنّ الملائكة لم تسق (٤) الثّورين وإنّما رفعته بين السماء والأرض (٥). (الملأ): الوجوه والأشراف (٦)، لا واحد له من لفظه، والأملاء (٧) جمع الجمع. وقيل (٨): الملأ: جماعة تمتلئ بها الأعين. وسمع النّبيّ ﷺ رجلا (٩) يقول يوم بدر: قتلنا عجائز صلعا، فقال ﷺ : (أولئك ملأ من قريش لو حضرت فعالهم احتقرت فعالكم (١٠)). وإنّما حسن (١١) دخول (هل) (١٢) على (عسى)؛ لأنّ (عسى) (١٣) تشبه الأفعال. ﴿وَما:﴾ للنّفي عند المبرّد، وقوله (١٤): ﴿أَلاّ نُقاتِلَ﴾ في تقدير الابتداء (١٥)، وقال غيره: (ما) للاستفهام (١٦). والعلّة في دخول (أن) اعتبار المعنى، والمعنى: ما يمنعنا أن نقاتل، وكذلك قوله: ﴿وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ﴾ [إبراهيم:١٢] (١٧). ﴿أُخْرِجْنا:﴾ أجلينا. ﴿مِنْ دِيارِنا:﴾ وأخرجنا من بين ظهراني أهالينا وذرّيّاتنا (١٨).

стр. 336

وقيل: إنّما (١) خفض قوله: ﴿وَأَبْنائِنا﴾ على الإتباع، والتّقدير: وسبيت أبناؤنا (٢). ويجوز الإعراب على الإتباع لقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ﴾ [الإنسان:٣١]، وقوله: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً﴾ (٥٥ و) ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٣٠]. ٢٤٧ - ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً:﴾ والبسطة والانبساط: التّوسّع (٣)، وقيل (٤): الزّيادة والفضل. ﴿وَالْجِسْمِ:﴾ الجوهر المؤلفة (٥). ٢٤٨ - ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ:﴾ هو الصندوق، على وزن (فاعول) مثل: كانون، وجمعه: توابيت بلغة قريش، وبلغة الأنصار: التّابوه والتّوابيه (٦). و (السّكينة) (٧): فعل (٨) في معنى الطمأنينة. والمراد بها ههنا ذات (٩) السّكينة. واختلف فيها، قال عليّ: إنّها ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان (١٠)، وعن (١١) مجاهد أنّها كانت من الزّبرجد وكان لها جناحان ورأس كرأس الهرّة (١٢)، وعن وهب بن منبه أنّها كانت روحا من الله يكلّمهم بالبيان (١٣)، وعن السدّي أنّها طست (١٤) من ذهب كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ﵈ (١٥). و (البقيّة): هي عصا موسى ورضراض الألواح عن ابن عبّاس وقتادة والسدّي (١٦)، والتوراة وشيء من ثياب موسى ومن كتب العلم عن الحسن (١٧)، وعمامة هارون وقفيز المنّ

стр. 337

أيضا في بعض الرّوايات (١). والمراد بآل موسى وآل هارون أنفسهما (٢). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ على زعمكم، وذلك لأنّهم كانوا قد كفروا بردّهم على نبيّهم (٣). ٢٤٩ - ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ:﴾ خرج من البلد (٤) كقوله: ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف:٩٤] (٥). و (الجنود) جمع الجند وهو الجيش (٦). ﴿فَمَنْ شَرِبَ:﴾ "من مائة" (٧). ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ:﴾ "لم يذقه" (٨). والطعم يشمل المأكول والمشروب (٩) جميعا. ﴿إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ:﴾ الاستثناء (١٠) راجع إلى الشّاربين (١١) خصّ نهيه به بعد العموم. و (الغرفة) من المائع كالقبضة من الفتيت والذرير (١٢). ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ:﴾ على الوجه المحظور (١٣). ﴿جاوَزَهُ:﴾ عبره (١٤). ﴿طاقَةَ:﴾ وسع، وهو الاستطاعة (١٥). ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ:﴾ ما (١٦) أكثر من فئة، وإن كانت سؤالا عن كثرة الشيء وقلّته إذا نصب ما بعده، فإنّه يعبّر به عن الكثرة عند المبالغة إذا جرّ ما بعده، وكذلك (كأيّن) إلا أنّ (كم) أعمّ منه (١٧).

стр. 338

و (الفئة): الفرقة، قال: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النّساء:٨٨]، وهو مأخوذ من قولك: فأوت رأسه، وفأيته، إذا شققته فانفرق (١). و (الغلبة): العزّ بفتح العين (٢). ٢٥٠ - ﴿بَرَزُوا:﴾ "خرجوا" (٣)، قال: ﴿لَبَرَزَ﴾ [آل عمران:١٥٤]. والمبارز (٤): الذي يخرج في وجه خارج غيره للقتال. ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا:﴾ أي: صبّه علينا صبّا يغمرنا كما يغمر الماء الإنسان (٥). ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا:﴾ أي: شجّعنا فلا ننهزم (٦)، وتثبيتك الشيء إقامتك إيّاه. و (الأقدام): جمع قدم (٧)، وهي مقدّم الرّجل. ٢٥١ - ﴿فَهَزَمُوهُمْ:﴾ كسروهم، وأصل الهزم: الكسر، وسقاء منهزم، أي: منكسر بعضه على بعض (٨). وتقول: هزمت البئر، والبئر الهزيمة: التي خسفت حتى فاض ماؤها، ومنه الحديث: (زمزم هزمة جبريل) (٩)، أي: ضربها برجله. وقصب متهزّم: متكسّر (١٠). ثمّ كسر الجند: قهرهم وردّهم والنّيل منهم بالأسر والقتل. ﴿مِمّا يَشاءُ:﴾ والحال يدلّ عليه (١١). ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ:﴾ أي: ولولا دفع الله بعض (٥٥ ظ) النّاس ببعض (١٢). ﴿لَفَسَدَتِ:﴾ خربت (١٣).

стр. 339

ثمّ اختلف في كيفيّة الدّفع، قيل (١): يدفع الكفّار بالمؤمنين. وقيل (٢): يدفع الرعاء (٣) بالملوك. وقيل: يدفع (٤) الله البلايا عن البعض ببركة (٥) بعضهم كما روي في الحديث: (لولا رجال خشّع وصبيان رضّع وبهائم رتّع لصبّ عليكم العذاب صبّا) (٦). ٢٥٢ - ﴿بِالْحَقِّ:﴾ "بالصّدق" (٧). والآية دليل على نبوّة نبيّنا ﷺ ؛ لأنّ الوحي الظاهر لا يكون إلا إلى الأنبياء، فأخبر عن رسالته أيضا (٨) لئلا يتوهّم سامع الآية نبوّة من غير رسالة. ٢٥٣ - ﴿تِلْكَ:﴾ إشارة إلى المرسلين (٩). ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ:﴾ أفاد العلم بتفاضل الرّسل ﵈ بالخصال الشريفة بعد استوائهم في رتبة الرّسالة، كتفاضل المؤمنين فيها بعد استوائهم في (١٠) رتبة الإيمان. وتقدير ﴿كَلَّمَ اللهُ:﴾ "كلّمه الله" (١١). والذين كلّمهم الله مثل (١٢) آدم وموسى ونبيّنا ﵈ (١٣). و ﴿دَرَجاتٍ:﴾ نصب على التفسير كقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾ [الإسراء:٢١]، وقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ (١٤)﴾ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً [الكهف:١٠٣]. و (الدّرجة) كالخطوة، يقال: جاء على أدراجه، وذهب على أدراجه، ودرج القوم إذا مضوا وانقرضوا، إلا أنّ أكثر استعمالها في المعاني ولذلك يسمّى الثنايا الغلاظ مدارج، وتدرّج فلان إذا ترقّى شيئا بعد شيء، فإذا الدّرجة المرقاة (١٥). والمراد ههنا الرّفعة بالشأن دون الجثث.

стр. 340

ومن الذين رفعهم الله درجات آدم بسجود الملائكة وافتتاح النّبوّة وعلم الأسماء، وإدريس برفعته مكانا (١) عليّا، ونوح بالنّصرة العامّة ونشر ذرّيّته (٢)، وإبراهيم بالبركة عليه وعلى آله وبأنّ له لسان صدق في الآخرين (٣)، وموسى (٤) بالكلام والكتاب وابتعاث (٥) الأنبياء على شريعته، وعيسى بالآيات والرّفع (٦)، ونبيّنا بالدّعوة العامّة والمعجزة الباقية وبنسخ الشرائع وختم النّبوّة وبالمعراج الأعلى والشّفاعة المدّخرة صلوات الله على جميع الأنبياء والمرسلين (٧). ﴿مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ:﴾ ما اختلف الذين وما اشتجروا (٨)، يدلّ عليه قوله: ﴿وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا،﴾ وإنّما عبّر عنه بذلك لأنّه قضيّته (٩) وغايته. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا:﴾ دليل على أنّه لم يشأ اتّفاقهم وشاء اختلافهم (١٠). ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ:﴾ يدلّ أنّه شاء كينونة اختلافهم فخلقه فيهم تمكينا ومدّا على ما أراد من غير إجبار (١١) ليميز الخبيث من الطّيّب بالحكمة. ٢٥٤ - ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ:﴾ لا دفع بالثّمن، كما أنّ الشّراء أخذ بالثّمن والبيع دفع به (١٢). ﴿وَلا خُلَّةٌ:﴾ صداقة، وهي مصدر الخليل (١٣). وعن الحسن أنّ المراد بالنّفقة الزّكاة (١٤)، وعن ابن جريج التّطوّع (١٥). وإنّما أمر بالمبادرة ليقدّموا خيرا فلا يخسروا يوما لا بيع فيه فيفتدوا، ولا خلّة فيه فينبسطوا في خير أخلاّئهم، ولا استبداد لأحد في الشّفاعة فشفعوه إلى أن يفدي الله تعالى من شاء من المؤمنين بمن شاء من الكافرين، ويزيل الأهوال عن أفئدة (٥٦ و) المتّقين فيعودوا متحابّين متشفعين بإذنه (١٦).

стр. 341

﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾ بترك المبادرة (١). ٢٥٥ - عن أبيّ بن كعب أنّ النّبيّ ﷺ سأله: أيّ آية من كتاب الله تعالى أعظم؟ قال (٢): قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أبا المنذر أتدري أيّ آية من كتاب الله تعالى أعظم؟ [قال:] (٣) قلت: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ،﴾ قال: فضرب على صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر، وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٤). واتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الفريقين والإنذار بيوم الدّين ليزيد ذكر الله تعالى خشوع قلوب قدّر لها الخشوع. واسم الله مبتدأ، و (لا إله إلا هو) خبره (٥). و ﴿الْحَيُّ:﴾ ذو المشيئة والقدرة (٦). و ﴿الْقَيُّومُ:﴾ الدّائم الفعل (٧)، وقيل (٨): الثّابت بنفسه، وقيل (٩): القائم بالحوائج. وزنه: (فيعول) من القيام (١٠). و (القيّام) فيه لغة (١١). و (السّنة): الوسن وهو النّعاس ومخامرة النّوم مع اليقظة (١٢). و (النّوم): السّبات وانقباض الرّوح من غير قطع وسبب مع بقاء القوى الحيوانيّة (١٣) في الجسد. وإنّما نفى النّوم بعد الوسن على طريقة قولهم: ما لفلان قليل ولا كثير، ونفي القليل ربّما أثبت الكثير كقولك: غير مرّة، وغير واحد، ولا يطيقه رجل ورجلان، فأكّد النّفي بهما، [كما] (١٤) قال زهير (١٥): [من البسيط]

стр. 342

لا سنة في طوال الدّهر تأخذه ... ولا ينام ولا في أمره فند ﴿ما:﴾ قائم مقام الأشياء، أي: له الأشياء التي في السموات والأرض (١) من غير عرض وجوهر. ﴿مَنْ ذَا:﴾ استفهام بمعنى النّفي (٢)، كقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، والاستثناء مخصّص للنّفي. وقوله: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ يفيد إحاطة العلم بهم من أوّلهم إلى آخرهم (٣). ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ:﴾ أي: بشيء من معلومه (٤)، إذ الإحاطة بصفة الله من المحال، كما تقول: هذا الدّرهم ضرب الأمير (٥). وفيه دليل على أنّ العقول قاصرة عن إدراك أقصى العالم وإن كان محدودا متناهيا في علم الله تعالى. و (الكرسيّ) مبنيّ على النّسبة كالدّرديّ والخرثيّ (٦). والمراد به العلم عند بعضهم (٧)، والعرش الرّفيع المستوى عليه عند بعضهم (٨)، وكرسيّ دون العرش عند الآخرين (٩). وسمّي الكرسيّ المعهود لاستقلاله بما يوضع عليه أو بمن يجلس عليه (١٠). ﴿وَلا يَؤُدُهُ:﴾ أي: لا يوقره ولا يكله ولا يعجزه (١١). والكناية راجعة إلى الله تعالى عند بعضهم (١٢)، والكناية في ﴿حِفْظُهُما﴾ عائدة إلى الجنسين: السماء والأرض (١٣).

стр. 343

﴿الْعَلِيُّ:﴾ العالي عن مساواة غيره (١). ﴿الْعَظِيمُ:﴾ الممتنع بجلاله عن الإحاطة به (٢). ٢٥٦ - ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ:﴾ عن الحسن وقتادة والضّحّاك نزلت في أهل الكتاب والمجوس إذا بذلوا الجزية (٣). وعن السدّي وابن زيد أنّها منسوخة بآيات القتال (٤). وعن ابن عبّاس وسعيد بن جبير نزلت في أبناء الأنصار، كانت في الجاهليّة إذا لم يعش لأحدهم الولد دفع ما ولد له من ولد إلى اليهود (٥٦ ظ) ليعيش تيمّنا بأهل (٥) الكتاب، فنشأ كثير من أولادهم فيما بين اليهود متهوّدين، فلمّا جاء الله بالإسلام أرادوا أن يجبروا أولادهم على (٦) الإسلام فنهاهم الله تعالى عن ذلك (٧). وقيل: الإكراه إنّما يكون قبل الإعجاز وإقامة الحجّة، فأمّا الحمل على الحقّ بعد البيان فلا وإن كان بالسيف، كالمطالبة بالحقّ بعد شهادة الشّهود. والإكراه الحمل على غير المراد إلجاء واضطرارا (٨). ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ:﴾ الإصابة والاستقامة، و (الغيّ) ضدّه (٩). والرّشد والرّشد والرّشاد (١٠) بمعنى [واحد] (١١). و (الطّاغوت): اسم لكلّ معبود دون الله تعالى، أو مطاع في معصية الله (١٢). وهو واحد يذكّر في لفظه، مشتقّ من الطّغيان، وقال أبو عليّ: هو مصدر يوضع موضع الجمع والواحد (١٣). والاستمساك والتّمسّك بمعنى اللّزوم وشدّة الأخذ (١٤). والعروة المتعلّق، يقال: عروة الجوالق، وعروة الكوز، وعروة الباب، قال الأزهريّ (١٥):

стр. 344

وعروة الكلأ ما له أصل نابت كالشّيح والأرطى (١). وهذا مثل للمتمسّك بالمعرفة والتّوحيد بإذن الله (٢). ﴿لا اِنْفِصامَ:﴾ انكسار وانصداع من غير أن يبين (٣)، وفي الحديث: (درة بيضاء لا فصم فيها ولا قصم) (٤)، ويروى: ولا وصم (٥). ٢٥٧ - ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أراد ولاية النص (٦) ولذلك خصّ المؤمنين. ﴿يُخْرِجُهُمْ:﴾ بالتوفيق والتأييد دون الإلجاء (٧) فلا يستحقّون ثوابا. وإنّما شبه الكفر بالظلمات لأنّه وإن كان ملّة واحدة فإنّ فيه اعتقادات مختلفة، وجعل النّور مثلا للإيمان لأنّه اعتقاد واحد (٨). فأمّا ضلالات أهل البدع في الإيمان فليس بإيمان وإن لم يكفروا بها. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ:﴾ بالتّسويل (٩) والغرور بعد خذلان الله ومشيئته العامّة التي هي علّة الأشياء كلّها. ومثل ﴿النُّورِ﴾ الفطرة، إذ كلّ مولود يولد على الفطرة (١٠). وقيل: المراد به بعض من الاعتقاد (١١) الصواب. وقيل: إنّه الإيمان (١٢)، فتكون الآية خاصّة في المرتدّين. وقيل (١٣): إنّه العقل. ٢٥٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ:﴾ نزلت في شأن إبراهيم ﵇ ودعوته نمرود إلى الإسلام (١٤). والقصّة فيه أنّ نمرود، قيل: هو فريدون بن كنعان بن جم بن نوبجهان بن أرفخشد، علا في الأرض بعد الضحاك بن علوان بن عمليق بن عاد، واعتقد في النّجوم القدرة وتدبير الدنيا

стр. 345

واتّخذ أصناما على أسمائها، ثمّ ادّعى (١) الرّبوبيّة لنفسه على أحد الأوجه الثلاثة: إمّا على وجه المخاريق والنيرنجات، وإمّا على وجه ما رزق من الغلبة والقهر واستعباد النار واحتواء الممالك، وإمّا على وجه رأي لنفسه في قضيّة أحكام المنجّمين من العلوّ في الأرض، والوجه الأوّل أظهر لوقاحته وارتكابه بقوله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ وكان قد اتفق له ظنّ بخروج (٢) (٥٧ و) إبراهيم ﵇ إمّا من جهة أخبار الأنبياء المتقدّمة، وإمّا من جهة الأراجيف والأوهام، وإمّا من جهة أحكام المنجّمين، فكاد يقطع (٣) النّسل لذلك، وأبى الله إلا إتمام نوره، والقصّة طويلة (٤). فلمّا بعثه الله إليه دعاه إلى ربّه تعالى فأنكر عليه وسأله: من ربّك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ،﴾ فلبّس أمره نمرود على النّاس وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ودعا رجلين من حبسه استوجبا القتل في حكمه فقتل أحدهما وأطلق الآخر وقال: أمتّ هذا وأحييت هذا ليوهم الناس أنّ إبراهيم كان يعنيه، أو ليوهمهم أنّ إبراهيم كان يجادله فانقطع بالمنع أو نحوه، فلمّا علم إبراهيم (٥) ذلك منه جادله أيضا وتحدّاه إلى أن يأتي بالشمس من المغرب معارضة فبهت (٦). وكان عجزه عن الفعل دلالة على كذبه، وعجزه عن الجواب معجزة لإبراهيم ﵇ حيث لم يقل: أنا الآتي بها من المشرق (٧)، أو لا أسلّم أنّ ربّك الآتي بها من المشرق، أو أيّة دلالة على الرّبوبيّة في الإتيان بها من المشرق (٨)؟ وإنّما جادله إبراهيم بهذه النّكتة الثانية ولم يجادله بحقيقة الإحياء والإماتة؛ لأنّ هذه الثانية كانت أقرب إلى أفهام المستمعين حولهما (٩)، وقيل: جادله بالنّكتة الأولى وأظهر تمويهه (١٠) وأخذه بالمجاز وأقام الحجّة بتلك النّكتة ثمّ أتى بالنّكتة (١١) الثانية بعد الاستفتاء (١٢) إلا أنّ الله أوجز القصّة (١٣)، والأصحّ أنّه لم يكن يجادل أوّلا وإنّما ذهب نمرود إلى الجدال.

стр. 346

(ألم تر): يقتضي تعجّبا فكأنّه قيل: هل رأيت كمثله (١)؟ والهاء في قوله: ﴿أَنْ آتاهُ﴾ راجعة إلى نمرود (٢). ويجوز تسليط الكافر ابتلاء (٣)، كقوله: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [النّساء:٩٠]. و (الشّمس): جسم منير جعله الله آية النّهار، وسيّره في فلك. واختلف في حرّها، قيل: شعاعها يوصل إلينا حرارة النّار من دون الفلك بإذن الله تعالى، وقيل: هي نار في الخلقة. واختلف في سيرها، والله أعلم بحقيقتها. و (البهت) كالدهش (٤)، قال: ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء:٤٠]. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي:﴾ لا يوفّقهم للاهتداء ولا يرشدهم (٥). والمراد به المقدّر عليهم أن يموتوا على الكفر. ٢٥٩ - ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ:﴾ نزلت في عزير ﵇ (٦)، وقيل (٧): في أرميا النّبيّ ﵇، وقيل (٨): في الخضر ﵇، وقيل (٩): في كافر. والأصحّ أنّه عزير أو أرميا ﵉، وذلك في أيّام بختنصر والتجاء بعض بني إسرائيل إلى صاحب مصر وخراب إيليا، وذكر في قصّة أرميا أنّه توارى بمصر حيث تبعهم بختنصر واستردّهم من صاحب مصر، ثمّ اتّخذ (١٠) جنّتيه بمصر يتعيّش بهما فأوحى الله تعالى إليه ليحزبك هذا البلاء الذي قضيته على إيليا وأهلها وأنّه ليس زمان العمران ولكنّه زمن (١١) الخراب، فاعمد إلى جنّتيك فاهدم جدرها وانتف بقلها (١٢) وغوّر نهرها والحق بإيليا فلتكن بلادك حتى يبلغ كتابي أجله، فخرج أرميا مذعورا وركب أتانا له معه سلّة فيها عنب وتين وقربة من ماء، فلمّا لحق (٥٧ ظ)

стр. 347

بأرض إيليا رفع له شخص بيت المقدس من بعيد ورأى خرابا عظيما فهاله (١) ذلك فخطر بباله ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فتلفّظ به من غير إنكار، فابتلاه الله في الحال بما جعله معجزة له في ثاني الحال (٢). وقوله: (أو كالذي) معطوف على معنى (ألم تر إلى الذي حاجّ)، وقد ذكرنا أنّ معناه: هل رأيت كمثله (٣)؟ وقيل (٤): معناه: أو الذي، على طريقة من يعبّر عن يقين بمثله. ﴿خاوِيَةٌ:﴾ خالية (٥)، ويعبر به عن الزّوال والسّقوط (٦). ﴿عُرُوشِها:﴾ والعرش: البناء من غير سقف أو (٧) ظلّ. وكان ابن عمر إذا نظر إلى عروش مكّة قطع التّلبية (٨). وإحياء القرية عمارتها (٩). ﴿كَمْ لَبِثْتَ:﴾ أقمت بمكان أو على حال (١٠). وإنّما قال: ﴿يَوْماً؛﴾ لأنّه لم ير الشمس حين (١١) انتبه، فلمّا حقّق النظر رأى بقيّة أثر الشمس فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (١٢). وإنّما لم يشعر بمدّة لبثه لأحد معنيين: إمّا لأنّه لمّا غيّر عليه الحال أنساه الحالة الأولى، أعني: حالة الموت، وإمّا لأنّه لم ير في حال الموت شيئا كالنائم الذي لا يحتلم لم يدر مقدار نومه وإن رأى رؤيا استدلّ بها على طول نومه. و (المئة): اسم لعشر عشرات من العدد. وإنّما كتب بزيادة الألف (١٣) لئلا تشتبه ب (منه). و (العام): الحول (١٤).

стр. 348

واختلف في قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ،﴾ قيل (١): هو التسني من السنين والسنوات والمساناة، وقيل (٢): هو التسنه من المسانهة (٣)، وقيل (٤): هو التسنن من الحمأ المسنون. والحمار ما يتولّد بينه وبين الفرس البغل. فالله تعالى حبس الآفات عن طعامه وشرابه، ولم يحبس عن حماره ليشتبه عليه أمره (٥) ولا يقدر على قياس، ثمّ تبيّن بتبيين الله تعالى. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ:﴾ الواو لأحد معنيين: إمّا لكونه معطوفا على سبب مضمر قبله (٦)، أو لتقديم مسبب بعده (٧) كقوله: ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١١٣]. و (العظم): ما جاوز حدّ العصب صلابة من جسد الحيوان (٨). و (اللّحم): ما جاوز العلقة انعقادا. ٢٦٠ - ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي:﴾ نزلت في إبراهيم. والقصّة فيه أنّ نمرود لمّا لبّس أمر الإحياء والإماتة على الناس أحبّ إبراهيم ﵇ أن (٩) يصير ذلك من جهة الله تعالى محسوسا له بعد أن كان معقولا، والدليل على مزية العلم الضروريّ على غيره أنّك تقول فيما علمته بالإخبار: علمته حتى كأنّي شاهدته، ولا تقول فيما شاهدته: علمته حتى كأنّي عقلته (١٠). وقيل: إنّ نمرود توعّده إن لم يره ما ادّعاه لربّه تعالى من الإحياء والإماتة (١١). وقيل: إنّ إبراهيم مرّ على جيفة فرأى السباع تصيب منها والطيور، وربّما ألقت الطير بعض (١٢) أجزائها في البحر فتلقمه (١٣) الحيتان، فخطر بباله من كيفيّة الإحياء بعد التّلاشي فسأل ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى (١٤). والإراءة إحداث الرؤية في الرائي (١٥) وذلك لا يتعدّى إلى مفعول واحد، وربّما كان إظهار

стр. 349

الموتى له فيتعدّى إلى مفعولين. (٥٨ و) والمراد بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ إثبات إيمانه، كما (١) قال حسان (٢): [من الوافر] ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وكان هذا السؤال لإظهار شأنه للسامعين، وتزكية (٣) عن الشكّ والإنكار، كسؤاله عيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة:١١٦] (٤). ﴿قالَ بَلى:﴾ آمنت (٥)، ﴿وَلكِنْ﴾ أريد هذه الرؤية ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ولا يخطر ببالي شيء من الشبهة (٦). و (الاطمئنان) هو السّكون (٧). ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ:﴾ قال محمّد بن كعب وعبد الله بن سلام: أخذ ديكا وحمامة وطاووسا وغرابا (٨)، وعن ابن عبّاس بدل الطاووس بطّة (٩). فقطّعهنّ وخلط بعض أجزائهنّ ببعض (١٠). ﴿ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً:﴾ وأمسك الرؤوس (١١). ففعل ذلك ثمّ ناداهنّ فامتازت أعضاء كلّ واحدة (١٢) منهنّ وائتلفت (١٣)، ثمّ أتينه سعيا، ثمّ دفع إلى كلّ شخص رأسه (١٤). (الصّور): القطع (١٥). و (الجبل): الطود، وهو واحد الأجبل (١٦). و (السعي): العدو والمشي (١٧). قيل: فائدة تخصيص الطير عموم الاعتبار؛ لأنّها تطير كالجنّ والهمج، وتمشي كالإنس (١٨)

стр. 350

والبهائم والحشرات، وتبيض كالحيتان (١). ٢٦١ - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ:﴾ نزلت في الحثّ على النفقة من فرض ونفل (٢). واتّصالها بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ﴾ [البقرة:٢٤٥]، وما بينهما من القصص عارض (٣). وفي الآية مضاف مضمر تقديره: مثل نفقة (٤)، أو ﴿كَمَثَلِ﴾ زارع (٥) ﴿حَبَّةٍ.﴾ والحبّة ثمرة السّنبل، والسّنبلة من الزّرع كالعنقود من الكرم والنّخل (٦). وفيها تشريف عدد السبع (٧). قيل: الدخن ينبت ﴿سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ (٨)﴾ وقيل: هذا شيء متصوّر وإن لم يوجد (٩)، وذلك يكفي في التّمثيل كقوله (١٠): ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ [الرّعد:١٤]. ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ:﴾ يزيد على سبع مئة مثلها فصاعدا (١١). ٢٦٢ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ نزلت في عثمان بن عفّان وعبد الرحمن بن عوف (١٢). (الإتباع) (١٣): الإعقاب. (المنّ): تذكير النعمة واقتضاء (١٤) الشكر. وذلك لا يحقّ إلا لله تعالى؛ لأنّه هو المنعم على الحقيقة (١٥).

стр. 351

و (الأذى): التكره والتندم على الصّدقة (١)، أو إلحاق المكروه بالفقير بتعييره (٢). ٢٦٣ - " ﴿قَوْلٌ (٣)﴾ مَعْرُوفٌ: مبتدأ، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عطف عليه" (٤). ﴿خَيْرٌ:﴾ على التفضيل. و (الصّدقة): ما يتصدّق به من الخير والمعروف (٥). ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ:﴾ عن الصّدقات، ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعجل بعقوبة المانّ بصدقته (٦). ٢٦٤ - ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ:﴾ إبطال الصّدقة إحباط ثوابها (٧). ولا يحبط الخير شيء إلا المنّ لهذه الآية، والكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، والرّياء لهذه (٨) الآية، ولأنّه لا يقع لوجه الله. ﴿كَالَّذِي:﴾ يحتمل أن يكون تشبيها بمشار معروف من (٩) المنافقين أو من اليهود والمشركين. ويحتمل أن يكون تشبيها لمن يوجد بهذه الصّفة. و (الرّئاء): مصدر كالمراآة (١٠). و (الصّفوان): الحجر الأملس (١١). و (التّراب): أجزاء (١٢) الأرض. و (الوابل): المطر الشديد (١٣). و (الصّلد): الحجر الذي لا غبار له وهو يبرق (١٤)، ويقال للأرض التي لا تنبت: صلد (١٥). (٥٨ ظ)

стр. 352

٢٦٥ - ﴿وَتَثْبِيتاً:﴾ تثبّتا (١)، والتّفعيل يجوز مكان التّفعّل عند زوال الاشتباه (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزّمّل:٨]. وقيل (٣): تثبيت النّيّة أو الثواب. والرّبوة والرّبوة والرّبوة والرباوة وهو ما ارتفع من الأرض عن مسيل الماء، وهي أبهى بقاع الأرض وأبهجها (٤)، وفي حديث: (الفردوس ربوة الجنّة) (٥). و (الأكل): الثّمار المأكولة (٦). ﴿وابِلٌ:﴾ طش، وهو المطر (٧). وإنّما قال ذلك لأنّ مثل هذه البقعة قلّما يخطئه (٨) المطر من وابل أو طلّ (٩). ٢٦٦ - وقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ،﴾ الآية، مثل (١٠) كمثل الصّفوان، وفيه تحذير عن موجبه ونقيضه وهو المنّ والأذى (١١). ﴿نَخِيلٍ:﴾ جمع نخل (١٢) واحدته نخلة. ﴿وَأَعْنابٍ:﴾ جمع عنب (١٣)، والعنب ما يسمّى يابسه زبيبا (١٤). وإنّما خصّهما لأنّهما أعمّ نفعا؛ لأنّه ينتفع به (١٥) حالة الرطوبة والجفاف والعصر تفكها واقتياتا وتداويا (١٦). ﴿وَأَصابَهُ الْكِبَرُ:﴾ "الشيخوخة" (١٧)، قال زكريّا ﵇: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران:٤٠].

стр. 353

﴿ضُعَفاءُ:﴾ جمع ضعيف كالفقراء والشّركاء (١). والمراد به النّسوان والولدان الذين لا يهتدون بحيلة ولا كسب (٢). ﴿فَأَصابَها:﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ تَكُونَ؛﴾ لأنّه بمنزلة: لو كانت، يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت أن لو كان كذا (٣). (الإعصار) من النكباء (٤). وفي المثل: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا، يضرب لمن يعتقد قدرة (٥) في نفسه فيبتلى بمن فوقه (٦). و (الاحتراق) افتعال (٧) من الإحراق. والإحراق: إفساد النّار الشّيء (٨). ٢٦٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا:﴾ فيها أمر بالنفقة فهو على الوجوب، ولذلك قلنا: العشر واجب من قليل (٩) الخارج وكثيره، ولقوله ﷺ : (فيما تسقيه (١٠) السماء العشر). و (التّيمّم) (١١): القصد. و (الخبيث): ضدّ الطيّب، والمراد به الحرام (١٢). وقيل: هو الرديء من الجنس (١٣)، كالمهزول والمسنّ من السائمة، والسود من البيض، والدقل من الرّطب، والمتدود من الرطاب. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ:﴾ من غرمائكم (١٤) ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ،﴾ أي: إلا على إغماض، أو بإغماض عن حقّكم مسامحة (١٥).

стр. 354

﴿حَمِيدٌ:﴾ محمود في صفاته (١)، وقيل: شكور مثن (٢) على عباده بخير وفّقهم هو له فعملوه بإذنه (٣). ٢٦٨ - ﴿الْفَقْرَ:﴾ خلوّ اليد عن (٤) المال. فالشيطان يخوّف المتصدّق به ويأمره بمنع الزكاة (٥). وعن مقاتل كلّ فحشاء في القرآن فهي (٦) بمعنى الزّنا إلا (٧) هذه. ٢٦٩ - ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث إنّ من أوتي الحكمة اعتقد وعد الله لا وعد الشيطان. ٢٧٠ - وفي قوله: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ:﴾ حثّ على الصدقة والعزم على الخير وإيجابه. و (النّذر): إيجاب خير في الذّمّة والتزام طاعة لم يكتبها الله (٨)، وفي الحديث: قضى (٩) عمر وعثمان في الملتاط (١٠) بنصف نذر الموضحة بفتح الذال، يعني الأرش، وهو عبارة عن الواجب أيضا. وفي فحوى قوله: يعلمه الله (١١) القبول والإثابة (١٢). والهاء راجعة إلى (١٣) الظالمين الآخذين بوعد الشيطان الممسكين عن النفقة (١٤). (٥٩ و) ٢٧١ - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ (١٥)﴾: تظهروها (١٦)، ومنه البداء وهو ظهور الشّيء في الرّأي (١٧).

стр. 355

"و (نعم): ضدّ (بئس) " (١). ﴿تُخْفُوها:﴾ تسرّوها (٢). فما (٣) يستحبّ إبداؤه من الصدقات هي الزكاة المفروضة وما تنفقون على سبيل (٤) التعاون. وما يستحبّ إخفاؤه صدقة التطوّع (٥). ﴿فَهُوَ خَيْرٌ:﴾ لأنّ ما يخفى لا يخالطه العجب والرّياء (٦). ويحتمل الوصف من غير تفضيل (٧). وتكفير السيّئة مغفرتها وتمحيصها (٨). ٢٧٢ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ:﴾ نزلت في من دفع الصّدقة المسنونة والمندوبة إليهم. والسبب في ذلك أنّ أسماء بنت عميس (٩) امرأة أبي بكر (١٠) امتنعت عن الإنفاق على أقاربها من المشركين في عمرة القضاء إلى أن تستأذن رسول الله ﷺ فنزلت (١١). وقيل: إنّ (١٢) الأنصار أمسكوا عن الإنفاق على أقاربهم من الكفّار ليضطرّوهم إلى الإسلام فأنزل (١٣). ومعناه: لا تسأل عنهم لتؤخذ بضلالتهم (١٤). ﴿وَما تُنْفِقُونَ﴾ (١٥): خاص في المؤمنين المخلصين (١٦)، وقيل: هو خبر بمعنى النّهي (١٧). (التّوفية): التّكملة (١٨) والقضاء.
следующие страницы →