← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

و (الأذى): التكره والتندم على الصّدقة (١)، أو إلحاق المكروه بالفقير بتعييره (٢). ٢٦٣ - " ﴿قَوْلٌ (٣)﴾ مَعْرُوفٌ: مبتدأ، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عطف عليه" (٤). ﴿خَيْرٌ:﴾ على التفضيل. و (الصّدقة): ما يتصدّق به من الخير والمعروف (٥). ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ:﴾ عن الصّدقات، ﴿حَلِيمٌ:﴾ لا يعجل بعقوبة المانّ بصدقته (٦). ٢٦٤ - ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ:﴾ إبطال الصّدقة إحباط ثوابها (٧). ولا يحبط الخير شيء إلا المنّ لهذه الآية، والكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، والرّياء لهذه (٨) الآية، ولأنّه لا يقع لوجه الله. ﴿كَالَّذِي:﴾ يحتمل أن يكون تشبيها بمشار معروف من (٩) المنافقين أو من اليهود والمشركين. ويحتمل أن يكون تشبيها لمن يوجد بهذه الصّفة. و (الرّئاء): مصدر كالمراآة (١٠). و (الصّفوان): الحجر الأملس (١١). و (التّراب): أجزاء (١٢) الأرض. و (الوابل): المطر الشديد (١٣). و (الصّلد): الحجر الذي لا غبار له وهو يبرق (١٤)، ويقال للأرض التي لا تنبت: صلد (١٥). (٥٨ ظ)

стр. 352

٢٦٥ - ﴿وَتَثْبِيتاً:﴾ تثبّتا (١)، والتّفعيل يجوز مكان التّفعّل عند زوال الاشتباه (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزّمّل:٨]. وقيل (٣): تثبيت النّيّة أو الثواب. والرّبوة والرّبوة والرّبوة والرباوة وهو ما ارتفع من الأرض عن مسيل الماء، وهي أبهى بقاع الأرض وأبهجها (٤)، وفي حديث: (الفردوس ربوة الجنّة) (٥). و (الأكل): الثّمار المأكولة (٦). ﴿وابِلٌ:﴾ طش، وهو المطر (٧). وإنّما قال ذلك لأنّ مثل هذه البقعة قلّما يخطئه (٨) المطر من وابل أو طلّ (٩). ٢٦٦ - وقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ،﴾ الآية، مثل (١٠) كمثل الصّفوان، وفيه تحذير عن موجبه ونقيضه وهو المنّ والأذى (١١). ﴿نَخِيلٍ:﴾ جمع نخل (١٢) واحدته نخلة. ﴿وَأَعْنابٍ:﴾ جمع عنب (١٣)، والعنب ما يسمّى يابسه زبيبا (١٤). وإنّما خصّهما لأنّهما أعمّ نفعا؛ لأنّه ينتفع به (١٥) حالة الرطوبة والجفاف والعصر تفكها واقتياتا وتداويا (١٦). ﴿وَأَصابَهُ الْكِبَرُ:﴾ "الشيخوخة" (١٧)، قال زكريّا ﵇: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران:٤٠].

стр. 353

﴿ضُعَفاءُ:﴾ جمع ضعيف كالفقراء والشّركاء (١). والمراد به النّسوان والولدان الذين لا يهتدون بحيلة ولا كسب (٢). ﴿فَأَصابَها:﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ تَكُونَ؛﴾ لأنّه بمنزلة: لو كانت، يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت أن لو كان كذا (٣). (الإعصار) من النكباء (٤). وفي المثل: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا، يضرب لمن يعتقد قدرة (٥) في نفسه فيبتلى بمن فوقه (٦). و (الاحتراق) افتعال (٧) من الإحراق. والإحراق: إفساد النّار الشّيء (٨). ٢٦٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا:﴾ فيها أمر بالنفقة فهو على الوجوب، ولذلك قلنا: العشر واجب من قليل (٩) الخارج وكثيره، ولقوله ﷺ : (فيما تسقيه (١٠) السماء العشر). و (التّيمّم) (١١): القصد. و (الخبيث): ضدّ الطيّب، والمراد به الحرام (١٢). وقيل: هو الرديء من الجنس (١٣)، كالمهزول والمسنّ من السائمة، والسود من البيض، والدقل من الرّطب، والمتدود من الرطاب. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ:﴾ من غرمائكم (١٤) ﴿إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ،﴾ أي: إلا على إغماض، أو بإغماض عن حقّكم مسامحة (١٥).

стр. 354

﴿حَمِيدٌ:﴾ محمود في صفاته (١)، وقيل: شكور مثن (٢) على عباده بخير وفّقهم هو له فعملوه بإذنه (٣). ٢٦٨ - ﴿الْفَقْرَ:﴾ خلوّ اليد عن (٤) المال. فالشيطان يخوّف المتصدّق به ويأمره بمنع الزكاة (٥). وعن مقاتل كلّ فحشاء في القرآن فهي (٦) بمعنى الزّنا إلا (٧) هذه. ٢٦٩ - ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث إنّ من أوتي الحكمة اعتقد وعد الله لا وعد الشيطان. ٢٧٠ - وفي قوله: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ:﴾ حثّ على الصدقة والعزم على الخير وإيجابه. و (النّذر): إيجاب خير في الذّمّة والتزام طاعة لم يكتبها الله (٨)، وفي الحديث: قضى (٩) عمر وعثمان في الملتاط (١٠) بنصف نذر الموضحة بفتح الذال، يعني الأرش، وهو عبارة عن الواجب أيضا. وفي فحوى قوله: يعلمه الله (١١) القبول والإثابة (١٢). والهاء راجعة إلى (١٣) الظالمين الآخذين بوعد الشيطان الممسكين عن النفقة (١٤). (٥٩ و) ٢٧١ - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ (١٥)﴾: تظهروها (١٦)، ومنه البداء وهو ظهور الشّيء في الرّأي (١٧).

стр. 355

"و (نعم): ضدّ (بئس) " (١). ﴿تُخْفُوها:﴾ تسرّوها (٢). فما (٣) يستحبّ إبداؤه من الصدقات هي الزكاة المفروضة وما تنفقون على سبيل (٤) التعاون. وما يستحبّ إخفاؤه صدقة التطوّع (٥). ﴿فَهُوَ خَيْرٌ:﴾ لأنّ ما يخفى لا يخالطه العجب والرّياء (٦). ويحتمل الوصف من غير تفضيل (٧). وتكفير السيّئة مغفرتها وتمحيصها (٨). ٢٧٢ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ:﴾ نزلت في من دفع الصّدقة المسنونة والمندوبة إليهم. والسبب في ذلك أنّ أسماء بنت عميس (٩) امرأة أبي بكر (١٠) امتنعت عن الإنفاق على أقاربها من المشركين في عمرة القضاء إلى أن تستأذن رسول الله ﷺ فنزلت (١١). وقيل: إنّ (١٢) الأنصار أمسكوا عن الإنفاق على أقاربهم من الكفّار ليضطرّوهم إلى الإسلام فأنزل (١٣). ومعناه: لا تسأل عنهم لتؤخذ بضلالتهم (١٤). ﴿وَما تُنْفِقُونَ﴾ (١٥): خاص في المؤمنين المخلصين (١٦)، وقيل: هو خبر بمعنى النّهي (١٧). (التّوفية): التّكملة (١٨) والقضاء.

стр. 356

٢٧٣ - ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ:﴾ نزلت في المستحقّين الزكاة (١). وفيها إضمار وتقديره: صدقتكم المفروضة للفقراء، أو: ادفعوا إلى الفقراء (٢). ﴿أُحْصِرُوا:﴾ شغلوا عن الكسب بما ألزموا من الهجرة والغزو وأنواع الصدقات (٣). ﴿ضَرْباً فِي الْأَرْضِ:﴾ مشيا وتقلّبا (٤). ﴿يَحْسَبُهُمُ:﴾ يظنّهم من لا يعلم حالهم (٥) ﴿أَغْنِياءَ﴾ من سبب تعفّفهم عن السؤال والإلحاح (٦). و ﴿التَّعَفُّفِ:﴾ التّصبّر (٧)، وقال جرير (٨): [من الطويل] وقائلة ما للفرزدق لا يرى ... عن السّرّ يستغني ولا يتعفّف و (السّيما) (٩): علامة الحال تبدو في الوجه (١٠)، كالضّيزى والشّعرى. و (الإلحاف): الإلحاح؛ لأنّ السائل إذا ألحّ فقد جعل سؤاله لازما للمسؤول شاملا إيّاه كاللّحاف (١١). ٢٧٤ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ:﴾ نزلت في (١٢) عليّ بن أبي طالب ﵁، كانت له أربعة (١٣) دراهم ليس له غيرها، فسأله سائل بالنّهار فأعطاه درهمين، وسأله سائل بالليل فأعطاه درهمين وخرج عن (١٤) ماله فأنزل الله ثناء عليه (١٥). وقيل (١٦): نزلت في علف دوابّ المجاهدين.

стр. 357

٢٧٥ - وقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا:﴾ الفضل في المداينات (١). وإنّما نزلت في (٢) فضل الصدقات لأنّه في الأموال. و (الرّبا) في اللغة: عبارة عن الزّيادة والنماء (٣)، وفي الشرع: عبارة عن عقد فاسد بصفات معهودة (٤). والأصل فيه حديث أبي سعيد الخدري: (الذهب)، الخبر (٥)، تلقّته الفقهاء بالقبول فدخل في حيّز التّواتر (٦). وعلتها بقياس غيرها عليها التقدير مع الجنس؛ لأنّ التقدير تعلق به الحكم كالجنس (٧). ﴿لا يَقُومُونَ:﴾ "يوم القيامة" (٨). ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ:﴾ والخبط باليدين كالزبن (٩) بالرّكبتين والرّمح بالرّجلين. والتّخبّط (١٠) كمثل، وفيه معنى الصرع (١١). و ﴿الْمَسِّ:﴾ إلمام الجنّ، وهو الجنون (١٢). و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى قيامهم (١٣). ﴿قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا:﴾ قاسوا أنّ الزيادة في أخذ العقد بالإنساء كهي (٥٩ ظ) في أوّل العقد، فردّ الله عليهم قياسهم وعاقبهم على ذلك وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (١٤).

стр. 358

﴿فَلَهُ ما سَلَفَ:﴾ أي: ما سبق حالة الحظر (١). ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ:﴾ إن شاء عفا عنه ما ارتكب من الشيء المكروه في العقول بغير إباحة في الشرع (٢). والدليل على كراهته في العقل أنّه يؤدّي إلى قطع الرّحم والأخوّة (٣)، ويذمّ فاعله ولا يحمد. ٢٧٦ - ﴿يَمْحَقُ اللهُ:﴾ المحق: النّقص، يعني: ذهاب البركة، ومنه محاق القمر (٤). ﴿وَيُرْبِي:﴾ يزيد ﴿الصَّدَقاتِ﴾ بالإثابة عليها (٥)، جاء على التّجنيس (٦) كقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النّساء:١٣٦]. وقوله: ﴿كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ:﴾ في العائد (٧) على أكل الرّبا مستحلاّ له (٨). ٢٧٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ عارضة، وإنّما اقتضى الحثّ على دفع الصدقة وترك الرّبا بالتّرغيب في ثواب الطاعة (٩). ٢٧٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ:﴾ نزلت في عبّاس وعثمان وخالد قد أسلفوا وأمروا بتركه (١٠). والأظهر أنّها نزلت في مسعود وخبيب وعبد ياليل (١١) وربيعة بن عمرو بن عمير الثّقفيّ، كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد الله المخزوميّ وغيرهم من قريش، وكانوا قد أسلموا على أنّ كلّ ربا عليهم فهو موضوع وكلّ ربا لهم (١٢) فهو غير موضوع، وكان ﷺ أمر بأن (١٣) يكتب لهم أنّ لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وكان فعله (١٤) هذا دفعا لهم وحسن نظر في شأنهم من غير خيانة ولا غدر (١٥). كما روي أنّ رجلا أسلم على أن لا يصلّي

стр. 359

إلا صلاتين وقبل (١) ﷺ إسلامه، فلمّا تمكّن الإسلام من قلبه دخل في الصلوات كلّها (٢). وهؤلاء الثّقفيّون ظنّوا أنّه أجابهم إلى ملتمسهم، فلمّا حلّ الأجل طالبوا بني المغيرة، فاختصموا إلى عتاب بن أسيد، فكتب أسيد قصّتهم إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله الآية، وبعثها النّبيّ ﷺ إليهم، فأذعنوا لأمر الله وعلموا أنّ حكم المؤمنين (٣) ذلك لا الذي توهّموه من قبل (٤). و (البقاء) (٥): ضدّ الفناء. ٢٧٩ - و (الحرب) (٦): ضدّ السّلم. و (رأس المال): أصله. ﴿لا تَظْلِمُونَ:﴾ بأخذ الرّبا، ﴿وَلا تُظْلَمُونَ:﴾ بمنع رأس المال (٧). ٢٨٠ - ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ:﴾ مديونا لكم (٨). و (العسرة): ضيق المعيشة والحال (٩)، والعسير (١٠) ضدّ اليسير. ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا:﴾ أي: تصدّقكم بالإبراء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من النّظرة (١١). ٢٨١ - ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ:﴾ روى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس أنّها آخر آية نزل بها جبريل ﵇ (١٢)، وقال للنّبيّ (١٣) ﷺ : ضعها في رأس المئتين وثمانين من سورة البقرة (١٤). ونزولها بمنى في حجّة الوداع، وعاش النّبيّ ﷺ بعدها واحدا (١٥) وثمانين يوما (١٦)، وفي

стр. 360

رواية واحدا (١) وعشرين يوما (٢)، وعن ابن جريج تسعة أيّام (٣)، وهذا يقتضي أن يكون نزولها بالمدينة بعد الرّجوع عن حجّة الوداع. يقال: وفيت (٤) حقك، ووفيت حقك إليك. ﴿ما كَسَبَتْ:﴾ جزاء ما كسبت من عمل (٥)، وقيل (٦): ما كسبت من جزاء بعملها. ٢٨٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ:﴾ (التّداين): المداينة (٧). وإنّما أكّد (بدين) (٨) لئلا يوهم المجازاة (٩)، وقيل (١٠): للتأكيد، كما تقول: تكلّمت بكلام. وإنّما قال: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٦٠ و) ليعلم أنّ الدّين إنّما يكون مؤجّلا، وأنّ جهالة (١١) الأجل في البياعات نسيئة تفسدها (١٢)، وإنّما هو لفظ وتسمية لا شيء غيرها، قال ابن عبّاس: أشهد أنّ الله تعالى أباح السّلم المضمون إلى أجل معلوم وأنزل فيه أطول (١٣) آية من كتابه (١٤). ﴿فَاكْتُبُوهُ:﴾ ليكون الصك وثيقة للحقّ (١٥). وهو على النّدب (١٦)، ولهذا أبدل الرّهن منه وجوّز الائتمان بعدهما (١٧).

стр. 361

﴿كاتِبٌ بِالْعَدْلِ:﴾ لا ينقص من حقّ الدّائن ولا يزيد على المديون، فلذلك استحب تعديل الشروط (١). ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ:﴾ نهي عن النّدب والاستحباب يدلّ على أنّ الكاتب يجب (٢) أن يكون عالما بالشروط، وقيل (٣): شكرا لما علّمه الله. ﴿وَلْيُمْلِلِ:﴾ أي: ليملي (٤)، كما يقال: تظنّنت وتظنّيت. و (الإملاء): إلقاء الكلمة على الكاتب، وأصله من الإمهال؛ لأنّه يلقي فيمهل ليكتب (٥). ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ:﴾ ليكون ذلك (٦) إقرارا منه. ﴿وَلا يَبْخَسْ:﴾ ينقص (٧)، قال: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]. و (السّفيه): الجاهل عند مجاهد (٨)، لم يذكر صغرا ولا كبرا، وهو ينصرف إلى الصغر لذكر (٩) الضّعيف بعده، وبه (١٠) قال السدّيّ (١١). و (الضّعيف): ضعيف العقل من عته أو جنون (١٢)، وقيل (١٣): من لا يحسن العبارة. ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ:﴾ لا يقدر لعجمة أو خرس (١٤). ﴿وَلِيُّهُ:﴾ وليّ المديون، عن الضحّاك وابن زيد (١٥). ﴿وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ:﴾ الأحرار المسلمين (١٦)، كقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى﴾

стр. 362

﴿مِنْكُمْ﴾ [النّور:٣٢]. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونا:﴾ فإن لم يكن الشهيدان ﴿رَجُلَيْنِ (١)﴾ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ شهودا ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ ممّن تحمدونهم بالصّلاح والعفّة دون الفسّاق والمجّان (٢). وفسق الديانة من أهل الدّين لا يبطل الشهادة كشهادة أهل (٣) الكتاب بعضهم على بعض بخلاف فسق (٤) المجون. والمراد بالضّلال (٥): النّسيان. والتّذكير والإذكار: الذّكر (٦)، وزعم ابن عيينة أنّه ما يضادّ (٧) التأنيث، وفيه (٨) نظر. ﴿إِذا ما دُعُوا:﴾ لإقامتها إلى الحاكم، عن قتادة والرّبيع (٩). ﴿وَلا تَسْئَمُوا:﴾ لا تملّوا (١٠). ﴿أَقْسَطُ:﴾ "أعدل" (١١). ﴿وَأَقْوَمُ:﴾ أبلغ في انتظام الشّهادة وتلخيصها عن الزّيادة والنّقصان، وصونها عن النّسيان (١٢). (التّجارة الحاضرة) (١٣): ما تكون يدا بيد. ﴿تُدِيرُونَها:﴾ صفة ثانية للتّجارة (١٤). والإدارة: التّعاطي (١٥).

стр. 363

﴿وَلا يُضَارَّ:﴾ إن كانت الرّاء المدغمة مفتوحة فمعناه: أن لا يشغل (١) الكاتب والشّهيد عن شغلهما (٢)، وإن كانت الرّاء المدغمة (٣) مضمومة فمعناه: أن لا يميلا فيضرّا بأحد المتعاقدين (٤). ٢٨٣ - ﴿فَرِهانٌ:﴾ ارتفع لتقدير [خبر محذوف] (٥). وهو بدل عن الكتاب (٦). وأجمعوا أنّ الرهن ما يأخذه الدّائن من ملك المديون بحقّ العقد، لا يجوز أن يكون الحرّ والمكاتب وأمّ الولد مرهونا، وكذلك قولنا في المدبر. واتّفقوا أنّ القبض شرط في الرهن، ولذلك لم يجز (٧) رهن المشاع؛ لأنّه يؤدّي إلى زوال القبض بالمهايأة (٨). ٢٨٤ - ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ الآية منسوخة، عن ابن عبّاس وابن مسعود (٦٠ ظ) وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن (٩). وهذا يدلّ على جواز نسخ الوعيد على ما سبق من وجوه النّسخ. فإن قيل: هل كان يجوز قبل النّسخ تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: هو على وجهين: تكليف ما لا يتوصّل (١٠) إليه إلا بطلب النّفس، وهو جائز عقلا وشرعا لجواز طلب الحقّ إذا كان وجوده مرجوّا من غير إلهام (١١) النفس كقوله: ﴿وَلَوْ أَنّا (١٢)﴾ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، الآية [النّساء:٦٦]، والآخر تكليف ما لا يتوصّل إليه بوجه ما، وهو جائز على وجه العقاب والعدوان دون التّعبّد (١٣)، قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدّثّر:١٧]، وقال ﷺ : (من

стр. 364

كذب في رؤياه كلّف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين (١) ولن يعقدهما أبدا) (٢). وقيل (٣): الآية عامّة خصّصها قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة:٢٨٦]. ويحتمل أنّها عامّة في اللّفظ خاصّة في المعنى لدلالة الحال (٤). ويحتمل أنّها فيما سبيله الاعتقاد دون العمل (٥). ويحتمل أن تكون المحاسبة على وجه الإخبار (٦) دون السؤال والجزاء. ٢٨٥ - قيل: لمّا نزل قوله (٧): ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ شقّ ذلك على المؤمنين، فشكوا [ذلك] (٨) إلى النّبيّ ﷺ فقال: قولوا: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا،﴾ فأثنى الله تعالى على نبيّه وعلى المؤمنين بذلك وخفّف عنهم (٩). وعن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: بينا (١٠) جبريل قاعد عند النّبيّ ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قطّ إلا اليوم، ونزل (١١) منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلا اليوم، فسلّم على رسول الله ﷺ وقال (١٢): أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة، لم تقرأ (١٣) الحرف إلا أعطيته. فأمّا ابتداء نزول هذه (١٤) الآية فقيل: إنّه كان ليلة المعراج (١٥). وإنّما قال: ﴿كُلٌّ آمَنَ؛﴾ لأنّه ردّ إلى (١٦) اللّفظ، ولو ردّ إلى المعنى لقال: آمنوا (١٧)، وقد

стр. 365

نزل القرآن بالطّريقتين جميعا، قال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٥]، وقال (١): ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ (٢)﴾ داخِرِينَ [النّمل:٨٧] (٣). وإنّما لم يبن (٤) (كلّ) إذا انقطع عن المضاف؛ لأنّ فيه معنى الإضافة وإن انقطع، بخلاف (قبل) و (بعد). ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ:﴾ أي: يقولون: لا نفرّق، ضد ما قالت الكفّار: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النّساء:١٥٠] (٥). ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا:﴾ (السّمع): الإجابة (٦). و (الإطاعة): إتيان الطاعة واستعمالها، وهي ضدّ المعصية. ﴿غُفْرانَكَ:﴾ نصب على سبيل السؤال والطلب (٧) قريب من الإغراء. ٢٨٦ - ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً:﴾ الآية، قيل: إنّ جبريل ﵇ قال للنّبيّ ﷺ : إنّ الله تعالى أثنى عليك وعلى أمّتك فسله حاجتك، فدعا النّبيّ ﷺ بهذه الدعوات (٨)، فذكر الله إخبارا عنه وعن أصحابه ليكون ذلك ثناء عليهم أيضا. وعن عليّ قال: "خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش" (٩). ﴿إِنْ نَسِينا:﴾ النّسيان (١٠) ضدّ الذّكر (١١). وكانت المؤاخذة عليه جائزة على ما سبق في تكليف ما لا يطاق، فأمّا من يعرض اليوم للنّسيان فيجوز أن يكون مؤاخذا أيضا (١٢). (٦١ و) و (الخطأ): ما يقع من غير قصد (١٣)، كتولّد القتل من الضّرب، وإصابة الإنسان برمي (١٤)

стр. 366

الصّيد. ﴿إِصْراً﴾ (١): ثقلا (٢)، كتحريم البقية، وقال ﷺ : (رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه) (٣). ﴿كَما حَمَلْتَهُ:﴾ مثل ما (٤) أوجبته على من قبلنا من تعليق التّوبة بالقتل، وقطع الجلد بإصابة النّجاسة (٥). ﴿وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ:﴾ لا تكلّفنا ما يستحيل فعله منّا على وجه العذاب والعقاب، ولا ما يتلف أنفسنا علينا في فعله على وجه الشّرع (٦). والتّحميل: التّكليف (٧)، وفي المثل: النّفس عروف وما حمّلتها احتملت (٨). ﴿وَاُعْفُ:﴾ امح ومحّص ﴿عَنّا﴾ ذنوبنا (٩). ﴿وَاِغْفِرْ لَنا:﴾ ألبسنا العفو واستر قبائحنا (١٠). ﴿وَاِرْحَمْنا:﴾ أرد بنا الخير. وهذه الأدعية وغيرها عبادة وإظهار للحاجة. وتعرض القضايا المعلّقة (١١) بالشروط دون أن يطالب الله بإحداث ما لم يشأه ولم يعلمه، إذ ذاك محال. ﴿فَانْصُرْنا:﴾ أعنّا على قهرهم وردّهم، ولا تكلنا في ذلك ولا غيره إلى أنفسنا، فإنّه لا حول ولا قوّة إلا بك (١٢). وعن النّبيّ ﷺ مخبرا عن الله تعالى عند كلّ فصل من هذه الأدعية: فعلت واستجبت (١٣). والله أعلم. ...

стр. 367

سورة آل عمران مدنيّة (١)، وهي مئتا آية في غير عدد أهل الشام (٢) بسم الله الرحمن الرّحيم عن أبي إسحق والرّبيع أنّ نيّفا وثمانين آية من أوّل هذه السّورة نزلت في وفد نجران (٣). وقد مضى تفسير الحروف (٤) المقطعة. ٣ - ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ:﴾ أصل التّوراة عند الكوفيّين: تورية (٥) بوزن توصية، فلمّا أخرجوا اللّفظ من حيّز الأفعال إلى الأسماء نقلوا حركة عين الفعل إلى الفتحة فانقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها (٦). وهو معنى الإيراء؛ لأنّ الله تعالى أورى لموسى ﵇ نارا، وكان ذلك (٧) سبب كتابه فسمّي كتابه بذلك. وقيل: سمّي لكونه (٨) ضياء وهدى، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً﴾ [الأنبياء:٤٨]. وقيل: إنّه من التّعريض؛ لأنّ التّعريض في التوراة كثير (٩). وقيل: إنّه باللغة العبريّة: توروه (١٠)، وهو الأدب والمتأدّب. وعند البصريّين وزن التّوراة: وورية كقوصرة، قلبت الواو الأولى تاء كما في تولج (١١)، مشتقّ من الإيراء (١٢). و (الإنجيل) إفعيل من النّجل، والنّجل عبارة عن الولادة والتولّد والتوليد، يقال: قبّح الله ناجليه، أي: والديه (١٣)، وإنّما سمّي كتاب عيسى بذلك لأنّ الحكمة تتولّد (١٤) منه.

стр. 368

وقال الأصمعيّ: الإنجيل كلّ كتاب مسطور وافر السطور (١). وقيل: إنّ الله تعالى أعطى المسيح أربع كلمات، فأعطاها هو أربعة (٢) نفر من الحواريّين: يوحنا ومتّى ومرقوش من جملة الاثني عشر، ولوقا من جملة السبعين، فاستخرج هؤلاء الأربعة من تلك الكلمات معانيها بإلهام من الله تعالى، وضمّنوها كتابا (٦١ ظ) وسمّوه الإنجيل؛ لأنّه كالمتولّد من تلك الكلمات الأربع. وعن (٣) عبد الله بن سلام وأخيه عبيد الله عن الصابئين باليمن أنّ الإنجيل الصحيح عندهم أملاه (٤) عليهم المسيح ﵇، وأنّ هذه (٥) الكتب الأربعة كتب التّلامذة اكتتبها لهم يهوديّ وحرّف الكلم عن مواضعه. ٤ - ﴿ذُو اِنْتِقامٍ:﴾ الانتقام: المعاقبة، وهو افتعال من النقمة، والنقمة: العقوبة (٦). ٥ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى:﴾ لا ينكتم ﴿عَلَيْهِ شَيْءٌ،﴾ وضدّه الظّهور (٧). وإنّما لم يقتصر على (شيء)؛ لأنّ ذكر السماء والأرض أبلغ في التّهديد وأوقع في النفس (٨). ٦ - ﴿يُصَوِّرُكُمْ:﴾ التّصوير: إحداث الصّورة، والصّورة شكل الأجسام حقيقة، ويعبّر بها عن كيفيّة كلّ متكيّف (٩)، وأصلها من الإمالة (١٠). و ﴿الْأَرْحامِ:﴾ «جمع رحم» (١١)، ككبد وأكباد وفخذ وأفخاذ. وهي موضع الحيض والحبل (١٢). ﴿كَيْفَ يَشاءُ:﴾ أي: كما يشاء من غير إلجاء أحد أو أمره إيّاه، إذ هو أعلى من أن يكون أمره تحت أمر ونهي وإباحة وحظر (١٣).

стр. 369

وممّن صوّره في الرّحم عيسى ﵇، والتّصوير يوجب التّخليق (١)، والتّخليق يحيل (٢) ولادته. ٧ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ:﴾ قال الربيع بن أنس: نزلت في وفد نجران حيث قالوا للنّبيّ ﷺ : أليس عيسى روح الله وكلمته؟ قال (٣): نعم، قالوا: حسبنا هذا، كأنّهم ذهبوا إلى [أنّ] (٤) روح الله وكلمته هو ما قدّروه نفسا لا هوتيّة وتوهّموها (٥) فعبدوها، فأنزل الله الآية (٦). وهي في المتشابه، والمحكم قوله: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤]. وقيل: نزلت في اليهود حيث أوّلوا الحروف المقطّعة على مدّة بقاء (٧) هذه الأمّة من طريق حساب الجمل (٨). وهي أصل (٩) يرد إليه كلّ من أوّل (١٠) متشابها لابتغاء فتنة من البدعة والضّلالة (١١)، عن عائشة قالت (١٢): سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية فقال (١٣): (إذا رأيتم الذين يتبعون (١٤) ما تشابه منه فأولئك الذين سمّاهم الله فاحذروهم) (١٥). وسئل محمّد بن إسحق بن خزيمة عن الكلام في الأسماء (١٦) والصفات فقال: بدعة ابتدعوها، ولم يكن أئمّة المسلمين من الصحابة والتابعين وأئمّة الدّين يتكلّمون في تلك، وكانوا ينهون عن ذلك، ويدلّون أصحابهم على الكتاب والسّنّة. و (المحكم): ما أحكم وجهه بتشديد اللفظ وتلخيصه، فلم يترك للمتأوّل (١٧) فيه متعلق.

стр. 370

وإنّما قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ،﴾ ولم يقل: أمّهات الكتاب؛ لأنّه اعتبر المعنى وهو الأصل، فجعل الآيات شيئا واحدا ثمّ وحّد، وقريب منه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون:٥٠] (١). ﴿وَأُخَرُ:﴾ جمع (٢) أخرى. وإنّما [لم] (٣) يصرف للتأنيث والعدل عند البصريّين (٤)، وقال الكسائي: لأنّه صفة كالاسم مثل: عمر (٥). ﴿زَيْغٌ:﴾ «ميل عن الحقّ» (٦)، قال الله تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصّفّ:٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا﴾ [سبأ:١٢]. ﴿فَيَتَّبِعُونَ:﴾ يتتبّعون. و (التّأويل) (٧): ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظّاهر، وقيل: هو تبيين ما يؤدّي إليه فحوى الخطاب على وجه الاستخراج (٨). (٦٢ و) ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ:﴾ أي: مآله ومصيره وما يؤدّي إليه (٩). وههنا وقف تامّ (١٠). وفي قراءة أبيّ (١١): (ويقول الرّاسخون)، وكذلك روى طاووس عن ابن عبّاس (١٢)، وفي مصحف عبد الله: (إن تأويله إلا عند الله) ثمّ استأنف: (والرّاسخون) (١٣). وقال أبو حاتم: (والراسخون) في تقدير: وأمّا الراسخون (١٤)، وإلى هذا ذهب في مسألة القدر والصفات عليّ وعائشة وأمّ سلمة وغيرهم. وإحدى فوائد نزول (١٥) المتشابه الابتلاء. فإن قيل: هل كان النّبيّ ﷺ يعلم تأويل هذا النوع

стр. 371

من المتشابه؟ قلنا: يجوز أن يعلم بالتّوقيف لا من جهة نفسه كما علم أشياء من الغيب، فإن قيل: هل يجب الإيمان بغير المعلوم؟ قلنا: نعم للإعجاز الحاصل بالنّظم المعلوم ووقوع بأن معناه موافق للمحكم المعلوم وفي معناه. ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي (١)﴾ الْعِلْمِ: الرّسوخ: الغاية في الثّبوت (٢)، وفي الحديث: (الإيمان راسخ في القلب مثل الجبال الرّواسي (٣)). ٨ - ﴿رَبَّنا:﴾ محمول على ﴿آمَنّا﴾ (٤)، أي: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا﴾ ويقولون: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ (٥)، أي: لا تخذلنا ولا تمسك عنّا توفيقك فتزيغ قلوبنا (٦)، وقيل: لا تعاقبنا على ذنوبنا على إزاغة قلوبنا (٧)، وقيل: لا تكلّفنا البحث عن المتشابه فتفترق بنا الأهواء (٨). ﴿وَهَبْ لَنا:﴾ أي: أعطنا (٩). وإنّما عبّر عن الإعطاء بالهبة لأنّه تمليك بغير بدل (١٠). ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ «من عندك» (١١). وكلّ ما هو في الغيب أو كان شأنه موقوفا على حكم الله تعالى يقال: هو عند الله؛ لأنّه لا سبيل لغيره إليه بوجه ما. ﴿رَحْمَةً:﴾ «نعمة» (١٢)، وهي الهدى أو العافية أو الجنّة دون اتصاف الرحمن برحمته (١٣). ٩ - ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لشأن يوم (١٤)، أو إلى يوم (١٥)، ويحتمل أنّ اللام هي التي تدخل في التواريخ. و (الجمع): ضمّ أحد المفردين إلى الآخر (١٦).

стр. 372

﴿لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ:﴾ أي: هو غير متصرف بما يقتضي نقضا أو ذمّا (١). و (الميعاد): وقت الوعد. ١٠ - ﴿مِنَ اللهِ:﴾ من (٢) عذاب الله وعقابه (٣). ١١ - ﴿كَدَأْبِ:﴾ الكاف بما بعد (٤) خبر مبتدأ تقديره: دأبهم (٥) كدأب. ويحتمل أنّ الذين كفروا كدأب آل فرعون، أي: كفرهم (٦). و (الدّأب): الشّأن المعتاد (٧). ١٢ - ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ (٨): الغلبة: القهر والاستيلاء والاستعلاء (٩). ١٣ - ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ:﴾ الآية: العلامة والعبرة (١٠). ﴿وَأُخْرى﴾ (١١): رفع على سبيل الابتداء، كأنّك قلت: إحداهما (١٢)، قال الشاعر (١٣): [من الطويل] إذا متّ كان النّاس نصفين شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع ﴿مِثْلَيْهِمْ:﴾ مثل الشيء ما لا يميّز بينه وبينه على وجه المشابهة والمجانسة، أو على الإحالة (١٤)، فإن كان على سبيل المجانسة فهو غيره؛ لأنّه يتميّز عنه بالمكان أو ببعض الصفات، وإذا كان على طريق الإحالة (١٥) فمثل الشيء نفسه؛ لأنّ التمييز بين الشيء ونفسه محال. والمراد ههنا الكمّيّة والعدد دون الطول والعرض وغيرهما، فإن كان المراد به القلّة فهو صرف رؤيتهم عن المجموع، وإن كان المراد به الكثرة فهو على سبيل اللبس والتّخييل، وتقديره: يرونهم

стр. 373

حينئذ كأنّهم مثلاهم، لاستحالة أن يزيد الشيء على كمّيّته (٦٢ ظ) فيكون واحد اثنين في حالة واحدة. ووقوع الخلاف في المشاهدة مع عدم الحيل البشريّة والأغراض الفاسدة المعهودة من الآل (١) ونحوه لا يكون إلا من فعل الله تعالى، فإذا ظهر ذلك لنبيّ من الأنبياء كان ذلك إعجازا. وإنّما قال: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ للتأكيد (٢). قال الفرّاء (٣): مثل الشيء اثنان؛ لأنّ مثل الشيء (٤) ضعفه، وضعفه كمّيّته مرّتين، وضعفاه هو ومثله (٥) مرّتين. و (التّأييد) (٦): الإعانة والمعونة. و (ذلك): إشارة إلى الأمر والشأن (٧). و (العبرة): فعل المعتبر، كالقعدة والجلسة، والاعتبار: اتّخاذ المذهب والمعبر (٨) للنفس إلى مقصود يتوصّل إليه بالعقل (٩). ١٤ - ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ:﴾ على أحد معنيين: حبّ المشتهيات (١٠)، أو الحبّ الشّهويّ فأضافه إلى أصله (١١)، كقوله: ﴿مِنْ بَهِيمَةِ﴾ [الحجّ:٢٨]. والشّهوة: «توقان النّفس» (١٢). ﴿وَالْقَناطِيرِ:﴾ جمع قنطار (١٣). والقنطار مجموع كثير من المال أقلّه ما قال السدّي إنّه رطل من ذهب أو فضّة، وأكثره (١٤) ما ذكره أبو عبيدة من قول العرب: إنّه وزن شيء لا يجدونه، وفيما بين القولين أقوال (١٥).

стр. 374

﴿الْمُقَنْطَرَةِ:﴾ المكمّلة (١)، كقولهم: ألف مؤلّف، وبدرة مبدّرة (٢). وقيل (٣): معناه: المضعفة، فأقلّ ما يفيد اللّفظ تسعة قناطير. و ﴿الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:﴾ منطبعان من الجوهر جعلهما الله تعالى ثمنين للأشياء، فالذّهب أصفر إلى الحمرة، والفضّة أبيض (٤). ﴿وَالْخَيْلِ:﴾ اسم جنس للفرس (٥) والبرذون والحصان والرّمكة (٦). وهو معطوف على (القناطير) دون الذّهب والفضّة (٧). و ﴿الْمُسَوَّمَةِ:﴾ الراعية (٨)، عن ابن عبّاس والحسن وسعيد بن جبير والربيع (٩)، يقول: أسمتها وسوّمتها فهي سائمة، قال الله تعالى: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النّحل:١٠] (١٠). وعن ابن عبّاس أنّها المعلّمة من السيماء، قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ (١١)﴾ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [الرّحمن: ٤١] (١٢). ﴿وَالْأَنْعامِ:﴾ «جمع نعم» (١٣)، والنعم: الماشية من الإبل والبقر والغنم، لا واحد له (١٤) من لفظه. و ﴿الْمَآبِ:﴾ «المرجع» (١٥)، قال عبيد بن الأبرص (١٦): [من مخلّع البسيط] فكلّ (١٧) ... ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب

стр. 375

١٥ - ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ طلب الإصغاء من المستمعين، وليس باستئذان، وكذلك قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ [المائدة:٦٠]، ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ﴾ [الحجّ:٧٢]. ﴿جَنّاتٌ:﴾ رفع على الابتداء عند البصريّين (١)، وعلى أنّه خبر اللام عند الكوفيّين (٢). وأجاز البصريّون: (جنّات) على الجرّ بدلا عن لفظة ﴿بِخَيْرٍ﴾ (٣)، وعلى النّصب بدلا من (خير) (٤) محمولا على محلّه دون لفظه (٥)، ولم يجز الفرّاء لمكان (٦) الفاصل. وإنّما كان المعاد خيرا (٧) من المعاد لمعان (٨) أحدها: الأمن من زوال النّعمة (٩). ١٧ - ﴿بِالْأَسْحارِ:﴾ جمع سحر، كأسفار وسفر، والسّحر (١٠) أوان انفلاق الصّبح (١١). وإنّما خصّ ذلك الوقت بالدّعاء؛ لأنّ اليقظة في ذلك الوقت أحمز (١٢) على النفس، وأخلص لوجه الله تعالى، ولأنّ القائمين بالليل يفرغون عن الصّلاة تلك الساعة، فيشغلون بالدّعاء والاستغفار كما أخبر الله تعالى: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١٨) [الذّاريات:١٧ - ١٨] (١٣). ١٨ - ﴿قائِماً:﴾ نصب على القطع، وتقديره: شهد الله (٦٣ و) القائم بالقسط (١٤). وقيامه بالقسط (١٥) إقامة القسط في العالم بين العقلاء، كما يقال: فلان قائم بالحوائج. ويحتمل أن يكون القسط صفة من اسمه المقسط، فيكون عبارة عن قيامه مقسطا (١٦)، وثبوته

стр. 376

عادلا من غير كيفيّة وحال، كما يقال: فلان قائم بالخلافة أو الإمارة (١). ١٩ - ﴿الدِّينَ:﴾ الحكم، ولذلك [يقال] (٢) للحاكم: الدّيّان، وفي حديث بعض التابعين: كان عليّ ديّان هذه الأمّة، قال الأعشى (٣) للنّبيّ ﷺ : [من الرّجز] يا مالك الملك وديّان العرب والدّين: الطاعة من قولهم: دان فلان لفلان (٤)، وقيل (٥): العادة والسّنّة، قال الشاعر: (٦) [من الوافر] تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني و ﴿الْإِسْلامُ:﴾ الانقياد لله تعالى في الناسخ من أحكامه والمنسوخ، وفيما قدّر من خير وشرّ وحلو ومرّ، وترك المنازعة والابتداع (٧). وقد علم أهل الكتاب هذا ثمّ أبوا قبول الناسخ، وابتدعوا في الدّين. ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ:﴾ تهديد لمن كفر بآياته (٨). ٢٠ - ﴿وَمَنِ اِتَّبَعَنِ:﴾ عطف على الضمير في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ (٩). وإنّما كان قوله: (أسلمت) جوابا لهم من أوجه أربعة: أحدها: أنّهم حاجّوه في عبادة المسيح فقال: بل أسلم وجهي لمن استوجب العقول عبادته ضرورة، ولا أعبد غيره اشتهاء ومنية. والثاني: أنّهم أقرّوا بوجوب عبادة الله فسلّموا له دعواه (١٠)، ثمّ ادّعوا عبادة آخر معه، فأجابهم بأنّه أخذ المجموع دون المختلف فيه (١١).

стр. 377

والثالث: أنهم [رأوا] (١) الحق في لزوم سير (٢) معهودة بعضها منسوخ وبعضها (٣) بدعة، فقال ﷺ : بل الحق في الانقياد لله فيما يمحو ويثبت. والرّابع: أنّه أعرض عن جدالهم، وأخبر بما يقطع جدالهم (٤)، كقول موسى ﵇ حيث قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٨) [الشّعراء:٢٧ - ٢٨]. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ:﴾ بمعنى (٥) الأمر، كقوله (٦): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود:١٤]، و ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصّافّات:٥٤] (٧). و ﴿الْبَلاغُ:﴾ اسم من التّبليغ، كالعذاب والتّعذيب، والكلام من التّكليم. وتبليغ الرّسالة: أداؤها وإيصالها (٨). وفي قوله: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ تمهيد لعذر النّبيّ ﷺ بعد البلاغ (٩). وفي قوله: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ معنى التّهديد (١٠). ٢١ - ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ:﴾ عن أبي عبيدة بن الجرّاح أنّ بني إسرائيل قتلوا من أوّل النّهار في ساعة واحدة ثلاثة وأربعين نبيّا، فقام إليهم مئة رجل من الصّالحين ينهونهم فقتلوهم أيضا (١١). وقد قتلوا زكريّا ويحيى ﵉، وسعوا في قتل المسيح ﵇ أبلغ سعي، وسمّوا نبيّنا ﷺ . والفاء في قوله (١٢): ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ على الجزاء لتضمّن الاسم الموصول نوعا من الشّرط (١٣).

стр. 378

٢٢ - حبوط عملهم (١) في الدنيا أنّه لم يفد ثناء حسنا، وحبوطه في الآخرة بطلان الثّواب (٢). ﴿ناصِرِينَ:﴾ من عذاب الله تعالى (٣). وإنّما جمع ﴿(ناصِرِينَ)﴾ لنظم الآي (٤). ٢٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ استفهام يقتضي ذمّ المستفهم عنه (٦٣ ظ) كما تقول: ألم تر إلى خبث فلان؟ ﴿نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ:﴾ ما بقي من التّوراة مصونا عن التّحريف والتّبديل بتغيير اللفظ أو التّأويل. ﴿إِلى كِتابِ اللهِ:﴾ جميع (٥) التّوراة، وقيل (٦): هو القرآن المعجز. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ:﴾ بإسلام إبراهيم، ونعت نبيّنا ﷺ ، وآية الرّجم، وسائر ما خوطبوا به من أمر الدّين (٧). وإنّما أكّد التّولّي بالإعراض (٨) لأنّ من المؤتمرين من يتولّى عن الأمر وينصرف (٩) من عنده مقبلا على الطاعة، فنفى هذا الإيهام (١٠). ٢٤ - ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا:﴾ تعليل (١١) لجرأتهم بقولهم الذي اختلفوا فيه ثمّ اعتقدوه (١٢). ﴿وَغَرَّهُمْ:﴾ خدعهم (١٣). و (ما) (١٤): في محلّ الرّفع لإسناد الغرور إليه مجازا. ٢٥ - ﴿فَكَيْفَ:﴾ في هذا الموضع لتفخيم الأمر وتهويله (١٥). والمستفهم عنه مضمر

стр. 379

تقديره: كيف يصنعون؟ أو كيف يحتالون؟ أو كيف يعتذرون (١)؟ ٢٦ - ﴿قُلِ اللهُمَّ:﴾ قيل: إنّ رسول الله ﷺ أخبر أصحابه يوم الخندق بفتح فارس وملك الرّوم، فقال بعض المنافقين: هذا الرجل ليس يأمن في بيته حتى صار يخندق على نفسه ثمّ يطمع في ملك الملوك، فأنزل الله الآية ثناء فيه معنى الدّعاء والسّؤال. و (اللهمّ) في الأصل: يا الله، فعلّق بآخره الميمان بدلا عن حروف النّداء عند البصريّين (٢). وقال الفرّاء (٣): أرى أنّ الميم في آخره بقيّة كلام، وتقديره: يا الله أمّ بالخير، أي: اقصد، مثل: هلمّ إلينا. وقيل: ميم جمع ألحقت بالاسم، وذلك جمع الخلق، واللهمّ على هذا: إله الخلق وإله العباد، زيدت ميم أخرى للتأكيد، أو زيادة كما زيدت في عبشم ونحوه. وعن الحسن أنّ اللهمّ مجمع الدّعاء (٤). وعن أبي رجاء العطارديّ: في هذا جماعة سبعين اسما من أسماء الله تعالى (٥). وعن النّضر بن شميل: من دعا بهذا الاسم فقد دعا الله بجميع أسمائه (٦). ﴿مالِكَ الْمُلْكِ:﴾ الذي تكون له المملكة وملك اليمين (٧). ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ:﴾ أي: البسطة والسّلطان (٨). ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ:﴾ تجذبه وتسلبه (٩). ﴿وَتُعِزُّ:﴾ تجعله عزيزا من أيّ وجه كان، دنياويّا كان أو عقباويّا (١٠). ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ:﴾ تجعله ذليلا من أيّ وجه كان (١١). ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ:﴾ أي: تحت يدك وسلطانك وتصرّفك وإحداثك (١٢). وإنّما خصّ الخير دون الشّرّ لمعنيين: أحدهما: أنّ الله يوصف بأنّه ربّ محمّد وربّ إبراهيم، ولا يحسن أن يوصف بربّ الكلب والخنزير إلا عند العموم. والثاني: أنّ كلّ فعل لا يقع منه إلا حميدا فيه

стр. 380

نوع مصلحة عاجلا أو آجلا، والذّمّ ينصرف إلى المكتسبين للأفعال (١). ٢٧ - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ:﴾ الإيلاج: الإدخال (٢)، فالله (٣) تعالى يدخل بعض ساعات الليل في النهار إذا قدر طلوع الشمس بالصيف في البروج الشّماليّة، ويدخل بعض ساعات النهار في الليل إذا قدر طلوع الشمس بالشّتاء في البروج الجنوبيّة، ويجعل كلّ النهار ليلا وكلّ الليل نهارا (٤) بتفاوت الحساب بين السّنة القمريّة والسّنة الشمسيّة. (٦٤ و) ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ:﴾ الجماد، كالطّير من البيض، والنّفس من النّطفة، والدّود من الأنداء، والعاقل من السّفيه، والمؤمن الوليّ من الكافر العدوّ. ويخرج الجماد من الحيّ كالشّعر والنّطفة والبيض (٥) من الحيوان، والسّفيه من العاقل، والكافر العدوّ (٦) من المؤمن الوليّ. ٢٨ - ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ:﴾ نهي على (٧) المغايبة فلا يكن. ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ أي: مع موالاة المؤمنين، إلا أنّه يقتضي نوع خفاء وامتياز، كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص:٢٣]، وقوله: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً﴾ [الكهف:٩٣]. و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى اتّخاذ الأولياء (٨). ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ:﴾ «من دين الله» (٩)، كقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، ويحتمل: ليس من رحمة الله وإثابته في شيء (١٠). ثمّ استثنى (١١) من أظهر موالاتهم خوفا على نفسه، كقوله: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾

стр. 381

﴿بِالْإِيمانِ﴾ [النّحل:١٠٦]، روي أنّ قريشا (١) كلّفوا عمّارا وأصحابه على شتم رسول الله ﷺ ففعل عمّار وأصحابه، ثمّ أخبروا رسول الله ﷺ فصوّبهم جميعا. وأخذ مسيلمة الكذّاب رجلين من المسلمين فقال لأحدهما: أتشهد أنّ محمّدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: نعم، فخلّى سبيله، وقال للآخر: أتشهد أنّ محمّدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: إنّي أصمّ، فكرّر عليه قوله مرارا والرجل يقول قوله، فأمر بضرب عنقه، ولمّا سمع ذلك رسول الله ﷺ [قال:] (٢) أمّا الأوّل فقبل رخصة الله تعالى، وأمّا الآخر فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة فهنيئا له. والاختيار الثّبات؛ لأنّه من عزائم الأنبياء لم يكن له رخصة في التقية قط والأخذ به أولى. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ:﴾ ينذركم ويأمركم أن تتّقوا مقته وسخطه (٣). ٣٠ - ﴿يَوْمَ تَجِدُ:﴾ (يوم): نصب على الظرف لأحد الأشياء الأربعة: أحدها: الخبر الذي في (ليس)، والثاني: ﴿الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:٢٨]، والثالث: العقاب المضمر في التّحذير، والرابع: الجزاء (٤) في فحوى ﴿يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ [آل عمران:٢٩] (٥). و ﴿ما:﴾ في محلّ النّصب لوقوع الوجود أو الودّ عليه (٦). و (الأمد) (٧): «الأجل والغاية» (٨)، نصب ب (أنّ) (٩). والكافر إنّما يتمنّى بعد الأمد كما يتمنّى طول الأجل ولا محيص. وإحضار الأعمال (١٠): إحضار ثوابها، وإحضارها في جوهر قابل لها كالمرآة تقبل الصّورة، أو كان العرض عينا قائمة. ٣١ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ:﴾ إن كانت في شأن المؤمنين ف (إن) بمعنى (إذ)، وإن كانت في شأن الكفّار ف (إن) للشّرط على قضيّة زعمهم.

стр. 382

٣٣ - ﴿اِصْطَفى آدَمَ:﴾ أبونا صفيّ الله (١). ﴿وَنُوحاً:﴾ وهو نوح بن ليك (٢) بن متوشالخ بن أنوخ، وأنوخ هو إدريس ﵇ بن الياردين بن مهلايل بن قينبن بن أنوش بن شيث (٣) النبي ﵇. و (نوح): اسم أعجميّ، سمّي نوحا (٤) لكثرة نياحته وبكائه من خشية الله تعالى (٥)، بعثه الله إلى (٦) قومه وهو (٦٤ ظ) ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة (٧) إلا خمسين عاما ولم يؤمن به إلا شرذمة، ولمّا أتاح الله له النّصرة والفرج أوحى الله إليه (٨) أن اصنع الفلك على ما سنذكره. ثمّ إنّه لمّا خرج من السفينة، وعاد إلى الدّنيا بهجتها نشر الله ذرّيّته في أقطار الأرض من بنين ثلاثة: سام (٩) وهو وليّ (١٠) عهد أبيه وولده إرم وأرفخشد، ويافث وهو المبارك (١١) المرضي وولده الترك والخزر والاشبان (١٢) والصقالب ويأجوج ومأجوج، وحام وهو الطريد المدعوّ عليه وولده قوط (١٣) وكوش وكنعان منهم الهند والسند والسودان. وأمّا (عمران) قيل: هو (١٤) أبو موسى وهارون، وقيل: هو جدّ عيسى ويحيى وهذا أصحّ (١٥). واصطفاؤهم بالرّسالة لقوله لموسى: ﴿إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي﴾ [الأعراف:١٤٤] (١٦). وتخصيص الأربعة (١٧) لأنّ كلّ واحد أصل مؤصل بافتتاح وحي بعد فترة، وغاية في الإسناد والانتشار والاقتداء (١٨).

стр. 383

والعالم الذي اصطفى الله آدم عليهم هم (١) الملائكة المأمورين بالسّجود، وأمره (٢) بأن ينبئهم بأسماء الأشياء. ٣٤ - ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ نكرة، نصب على البدل (٣). ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ لمقالة امرأة عمران (٤) حنة. ٣٥ - و ﴿عِمْرانَ:﴾ هو ابن ماثان بن يعاقيم، من ولد داود، من أشراف بني إسرائيل وعبّادهم، وكان صهرا لزكريّا النّبيّ ﵇ بإيلشفاع أخت مريم (٥). و (المحرّر) (٦): الذي يتجرّد للعبادة، ويكون حبيسا لخدمة (٧) المسجد لا يعمل للدّنيا (٨). وهو المعتق في اللغة (٩). ٣٦ - ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى:﴾ لأنّ الذّكر يمكنه لزوم المسجد (١٠) عامّة أحواله. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ:﴾ عارض تلفّظت به لحاجة في نفسها، وليس بمتّصل (١١) بالدّعاء، فمن قاله جعل (مريم) من أسماء الأعلام. وقيل (١٢): هو متّصل بالدّعاء، و (مريم): التي لا تريد الرّجال، وقيل: التي لا تطاوع في الشّرّ. وعن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: (ما من مولود إلا ويمسّه الشّيطان حين يولد ولذلك يستهلّ صارخا إلا مريم وابنها) (١٣). وهذا عموم بمعنى الخصوص؛ لأنّه روي أنّ الملائكة نزلت يحرسون نبيّنا ﷺ حين ولد. وروي أنّ فاطمة الكبرى (١٤) وضعت عليّا في جوف الكعبة،

стр. 384

ولا سبيل للشيطان إليها (١). ٣٧ - ﴿بِقَبُولٍ:﴾ ولم يقل: بتقبّل؛ لأنّهما بمعنى، وكذلك لم يقل (٢): إنباتا؛ لأنّ في النّبات معنى الإنبات (٣)، كقوله: ﴿أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً﴾ [البقرة:١٠٠]، ولم يقل: معاهدة، وقوله: ﴿مَتاعاً﴾ [البقرة:٢٣٦] في آية المتعة، ولم يقل: تمتّعا، وقوله: ﴿إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ولم يقل: بتداين. (الكفالة): قبول في معنى الضّمان (٤). و ﴿الْمِحْرابَ:﴾ الصّومعة، سمّيت لبعد ارتفاعها وكونها منفردة منقطعة، ومنه سمّي القصر محرابا، وسمّي صدر المسجد محرابا (٥). و (الرّزق) الذي كان يجده (٦) فاكهة الشّتاء في القيظ، وفاكهة القيظ في الشّتاء، عن ابن عبّاس والضحّاك ومجاهد وقتادة والسدّي وابن زيد (٧). وعن الحسن أنّه كان يأتيها (٨) (٦٥ و) من الجنّة. وفي هذا أبين دلالة على جواز كرامة الأولياء من عند الله من قضائه وحكمه (٩). ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ:﴾ يحتمل أن يكون إخبارا من قول مريم (١٠)، ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا (١١). ٣٨ - ﴿هُنالِكَ:﴾ من الأسماء المشار بها إلى الظّروف (١٢)، ف (هنا) أقرب و (هناك) بعده و (هنالك) أبعد منه ك (ذا) و (ذاك) و (ذلك)، وحقيقتها للأماكن، وقد تستعمل في الأزمنة لإبهامها. ﴿دَعا:﴾ لمّا شاهد كرامة مريم ازداد رجاء أن يرزقه الله ولدا حالة الشّيخوخة وإن كان

стр. 385

مخالفا للعادة (١). ﴿طَيِّبَةً:﴾ اعتبارا للفظ أنث النّعت، وذكّر الفعل اعتبارا بالمعنى (٢). ٣٩ - ﴿فَنادَتْهُ:﴾ قيل: ملك من الملائكة، وقيل: ناداه جبريل، ذكره بلفظ الجمع تشريفا له (٣). (يحيى): اسم لا ينصرف للعلميّة أو للمضارعة مع التّعريف (٤). ﴿مُصَدِّقاً:﴾ نصب على القطع (٥)، أو الحال (٦). ﴿بِكَلِمَةٍ:﴾ عيسى ﵇ (٧)، أو الإنجيل (٨)، أو وحي اختص (٩) يحيى ﵇ بتصديقه من قبل أبيه أو من قبل نفسه. ﴿وَسَيِّداً:﴾ إماما ورئيسا (١٠). ﴿وَحَصُوراً:﴾ لا يشتهي النّكاح، عن ابن مسعود (١١)، وذلك لغلبة حال الخوف عليه. ومن الأنبياء من كان الغالب عليه حالة الرّجاء عيسى ﵇ (١٢)، وكان غيرهما يتقلّب في حالة الخوف والرّجاء يخشع مرّة ويبتهج أخرى. ﴿وَنَبِيًّا:﴾ من الأنبياء. وقيل: على التّقديم والتأخير، وحصورا من الصالحين ونبيّا، إلا أنّه قدّم وأخّر النّظم. ٤٠ - وإنّما قال: ﴿أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ طمعا منه أن يعيده الله شابّا وامرأته شابّة (١٣)، أو ليريه آية من طريق المشاهدة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى﴾ [البقرة:٢٦٠]، أو لم يعلم أنّ الغلام المبشّر يكون من امرأته هذه وظنّ (١٤) أنّه من غيرها، أو يأمره الله باتّخاذ (١٥) ولد ولده غيرهما.

стр. 386

و (الغلام): الصّبيّ (١). و (العاقر): التي تهلك (٢) النّسمة في رحمها لانسداد وخلل (٣) في طبيعتها. ﴿كَذلِكَ:﴾ أي: الأمر كما ذكرنا (٤). وقيل: عمد جبريل إلى سعفة يابسة فحرّكها فصارت رطبة، فالتّشبيه وقع بها. وقيل (٥): كذلك تقدير كلام السائل مجازا على وجه الرّفق. ﴿اللهُ:﴾ رفع بالابتداء (٦). ٤١ - ﴿اِجْعَلْ لِي آيَةً:﴾ كسؤال إبراهيم. وقيل: كان (٧) من حين استجيب له إلى أن حبلت امرأته أربعون سنة، فطلب الآية ليعلم أوان الحبل (٨). ﴿رَمْزاً:﴾ «إيماء» (٩). ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ العشيّة (١٠)، وهي مدّة ما بين العصر إلى العشاء الآخرة، وقيل: من الظّهر إلى العشاء (١١). ﴿وَالْإِبْكارِ:﴾ صيرورة الزّمان بكرة، وهي وجه النّهار ومقدّمه، ومنه الباكورة (١٢). ٤٢ - ﴿وَإِذْ قالَتِ:﴾ واو استئناف بدل عن الأوّل. ﴿اِصْطَفاكِ﴾ (١٣): لولادة عيسى من غير زوج (١٤)، وقيل: هذا الاصطفاء بدل عن الاصطفاء الأوّل. ﴿نِساءِ الْعالَمِينَ:﴾ عالمي زمانهم (١٥).

стр. 387

ومعنى (التّطهير): من العيوب والذّنوب (١)، وقيل (٢): من الحيض والأدناس، وقيل: من مسيس الرّجال (٣). ٤٣ - وتقديم السّجود لا يوجب تقديمه على الرّكوع (٤)؛ لأنّ (٦٥ ظ) الواو للجمع والاشتراك دون التّرتيب (٥)؛ لأنّ الواو في الاسمين المختلفين كالنّسبة في المتّفقين، وإنّما بدئ بالصّفا (٦) لقوله: (ابدؤوا بما بدأ الله [به] (٧)). ٤٤ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى النّبأ المذكور (٨)، والهاء في ﴿نُوحِيهِ﴾ عائدة إليه (٩). و (الوحي): إعلام في السّرّ بإلقاء وهم في الطّبيعة، أو بخطاب (١٠) يوجب العلم ضرورة. ﴿يُلْقُونَ:﴾ الإلقاء: الطّرح والإيقاع (١١). (القلم) (١٢): القدح، سمّي به؛ لأنّه يبرى، ومنه سمّي السّهم قلما، وقلم الكاتب قلما، ومنه تقليم الأظفار (١٣). والقصّة في ذلك أنّ عبّاد مسجد بيت المقدس وأحباره تنازعوا في كفالة مريم، وضربوا بالقداح (١٤) فخرج سهم زكريّا ﵇. وقيل: كانت لهم أقلام من الحديد يكتبون بها وحي الله تعالى، فألقوها في الماء، فطفا قلم زكريّا ورسب سائر الأقلام (١٥). وإنّما جعل الله هذا الخبر (١٦) إعجازا لنبيّنا ﷺ ؛ لأنّ هذا النّوع من العلم لا يستفاد إلا بالقراءة والكتابة، أو بمجالسة أهل العلم، أو بوحي من عند الله، وقد عدم منه الوجهان الأوّلان

стр. 388

فتعيّن الثالث (١). ٤٥ - ﴿بِكَلِمَةٍ:﴾ روح. والرّوح جوهر لطيف مسموع بسمع (٢) ما فعله الله من غير شيء وأودع كلامه الذي قاله وتكلّم به فهو من كلام الله كالنّفس من كلام خلقه. ومزية الرّوح على الريح كمزية النّفس على التّراب، والحياة تركّب هذين الجوهرين. وإنّما سمّي مسيحا لأنّ زكريّا مسحه (٣) بالدهن ودعا له بالبركة (٤)، أو لأنّه تمسح بصنع يحيى ابن زكريّا من ماء الأردن، أو لمساحة (٥) الأرض بسياحته فيها (٦)، أو لأنّه كان يمسح التّراب فينام عليه بلا فراش ولا بساط، أو لأنّه كان يمسح الأكمه والأبرص فيبرآن بإذن الله تعالى (٧)، أو كان أمسح القدمين غير أخمصهما (٨). (الوجيه): ذو القدر (٩) والجاه. ﴿الْمُقَرَّبِينَ:﴾ المخصوصين بإمامة الأولياء والخطاب والتّوفّي من غير موت والتّجلّي (١٠). ٤٦ - ﴿وَيُكَلِّمُ:﴾ صفة (١١)، أي: ومكلما. ﴿فِي الْمَهْدِ:﴾ أي: في حالة الرضاعة حيث ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ [مريم:٣٠] (١٢). ﴿وَكَهْلاً:﴾ نصب على الحال (١٣). والفائدة أنّه ولد لثمانية أشهر، والعادة جارية أنّ المولود لثمانية أشهر لا يعيش (١٤).

стр. 389

وقيل (١): الفائدة أنّه رفع وهو شابّ فيكلّم الناس كهلا حين ينزل. و (الكهل): الذي تمّ (٢) شبابه وقارب الشّيخوخة، وحدّ ذلك بثلاث وثلاثين سنة، واكتهل النّبت إذا تمّ طوله (٣). ٤٧ - ﴿بَشَرٌ:﴾ إنسان (٤). روي أنّ زكريّا زوّجها من يوسف بن داود النّجّار، فلمّا صارت إليه وجدها حبلى قبل أن يباشرها، فكفّ عنها، وكان رجلا صالحا، فكره أن يغشى عليها، وائتمن أن يسرحها خفية، فتراءى له ملك في النّوم وبشّره بأمر عيسى حقيقة، ففرح وسكن إلى أن ولدت، ثمّ حملها وابنها إلى ناصرة خوفا من أجاب الملك، وقيل: من هوادش الملك. ٤٩ - ﴿وَرَسُولاً:﴾ عطف على قوله: ﴿وَجِيهاً﴾ [آل عمران:٤٥] (٥). ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ:﴾ أي: قائلا إنّي قد جئتكم (٦). ويحتمل أنّه أراد به (٧) (٦٦ و) الرّسالة؛ لأنّ الرّسالة في معنى القول (٨). و (الخلق) (٩) ههنا بمعنى التأليف والتّصوير دون التّكوين (١٠). ﴿الطِّينِ:﴾ التّراب المؤلف بتأليف (١١) دون الحجر. ﴿كَهَيْئَةِ:﴾ أي: مثل هيئة. والهيئة كيفيّة البنية (١٢)، يقال: هاء يهاء هيئة (١٣). و (النّفخ): تعمد النفس وغيره (١٤). والهاء (١٥) عائدة إلى المثال أو الطّين.

стр. 390

(الإبراء): إزاحة (١) الضّرر من مرض أو دين. و ﴿الْأَكْمَهَ:﴾ «الذي ولد أعمى» (٢). ﴿وَالْأَبْرَصَ:﴾ الذي به برص، وهو داء تبيضّ (٣) منه البشرة، وأمّا بياض (٤) يد موسى نفى الله عنها الدّاء (٥) حيث قال: ﴿بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه:٢٢]. و (الادّخار) (٦): افتعال من الذّخر، فالذّخيرة ما تعدّ لثاني (٧) الحال من متاع ونحوه. وكانوا يدّعون معرفة الله تعالى، فقال: إن كنتم تعرفون الله ففي هذا آية لكم؛ لأنّ من صفة المعروف جلّ ذكره أن لا يفعل الإعجاز دعوة إلا لنبيّ (٨) مختار مخيّر. ٥٠ - ﴿وَمُصَدِّقاً:﴾ معطوف على قوله (٩): ﴿بِآيَةٍ﴾ أو (١٠) مقترنا، أو معجزا بآية من ربّكم. وهو حال للمجيء (١١). ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ:﴾ معطوف (١٢) على (مصدّقا)، أي: لأصدّق ولأحلّ (١٣). وهو لحوم الإبل والثّروب (١٤) وبعض الطيور والحيتان، عن سعيد بن جبير وقتادة ووهب (١٥). وهذا يدلّ أنّ الله أحلّ لهم (١٦) طيّبات حرّم الله على اليهود، ولم يحلّ لهم الظّلم والعدوان والكفر. والأب في كلام عيسى ﵇ هو الفاعل؛ لأنّ الرّجال تكنى بأفعالهم، كنّي النّبيّ ﷺ أبا (١٧) القاسم لقسمه بين الناس رزق الله تعالى، وكنّي عليّ أبا تراب لاضطجاعه على التّراب
следующие страницы →