← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

و (الغلام): الصّبيّ (١). و (العاقر): التي تهلك (٢) النّسمة في رحمها لانسداد وخلل (٣) في طبيعتها. ﴿كَذلِكَ:﴾ أي: الأمر كما ذكرنا (٤). وقيل: عمد جبريل إلى سعفة يابسة فحرّكها فصارت رطبة، فالتّشبيه وقع بها. وقيل (٥): كذلك تقدير كلام السائل مجازا على وجه الرّفق. ﴿اللهُ:﴾ رفع بالابتداء (٦). ٤١ - ﴿اِجْعَلْ لِي آيَةً:﴾ كسؤال إبراهيم. وقيل: كان (٧) من حين استجيب له إلى أن حبلت امرأته أربعون سنة، فطلب الآية ليعلم أوان الحبل (٨). ﴿رَمْزاً:﴾ «إيماء» (٩). ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ العشيّة (١٠)، وهي مدّة ما بين العصر إلى العشاء الآخرة، وقيل: من الظّهر إلى العشاء (١١). ﴿وَالْإِبْكارِ:﴾ صيرورة الزّمان بكرة، وهي وجه النّهار ومقدّمه، ومنه الباكورة (١٢). ٤٢ - ﴿وَإِذْ قالَتِ:﴾ واو استئناف بدل عن الأوّل. ﴿اِصْطَفاكِ﴾ (١٣): لولادة عيسى من غير زوج (١٤)، وقيل: هذا الاصطفاء بدل عن الاصطفاء الأوّل. ﴿نِساءِ الْعالَمِينَ:﴾ عالمي زمانهم (١٥).

стр. 387

ومعنى (التّطهير): من العيوب والذّنوب (١)، وقيل (٢): من الحيض والأدناس، وقيل: من مسيس الرّجال (٣). ٤٣ - وتقديم السّجود لا يوجب تقديمه على الرّكوع (٤)؛ لأنّ (٦٥ ظ) الواو للجمع والاشتراك دون التّرتيب (٥)؛ لأنّ الواو في الاسمين المختلفين كالنّسبة في المتّفقين، وإنّما بدئ بالصّفا (٦) لقوله: (ابدؤوا بما بدأ الله [به] (٧)). ٤٤ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى النّبأ المذكور (٨)، والهاء في ﴿نُوحِيهِ﴾ عائدة إليه (٩). و (الوحي): إعلام في السّرّ بإلقاء وهم في الطّبيعة، أو بخطاب (١٠) يوجب العلم ضرورة. ﴿يُلْقُونَ:﴾ الإلقاء: الطّرح والإيقاع (١١). (القلم) (١٢): القدح، سمّي به؛ لأنّه يبرى، ومنه سمّي السّهم قلما، وقلم الكاتب قلما، ومنه تقليم الأظفار (١٣). والقصّة في ذلك أنّ عبّاد مسجد بيت المقدس وأحباره تنازعوا في كفالة مريم، وضربوا بالقداح (١٤) فخرج سهم زكريّا ﵇. وقيل: كانت لهم أقلام من الحديد يكتبون بها وحي الله تعالى، فألقوها في الماء، فطفا قلم زكريّا ورسب سائر الأقلام (١٥). وإنّما جعل الله هذا الخبر (١٦) إعجازا لنبيّنا ﷺ ؛ لأنّ هذا النّوع من العلم لا يستفاد إلا بالقراءة والكتابة، أو بمجالسة أهل العلم، أو بوحي من عند الله، وقد عدم منه الوجهان الأوّلان

стр. 388

فتعيّن الثالث (١). ٤٥ - ﴿بِكَلِمَةٍ:﴾ روح. والرّوح جوهر لطيف مسموع بسمع (٢) ما فعله الله من غير شيء وأودع كلامه الذي قاله وتكلّم به فهو من كلام الله كالنّفس من كلام خلقه. ومزية الرّوح على الريح كمزية النّفس على التّراب، والحياة تركّب هذين الجوهرين. وإنّما سمّي مسيحا لأنّ زكريّا مسحه (٣) بالدهن ودعا له بالبركة (٤)، أو لأنّه تمسح بصنع يحيى ابن زكريّا من ماء الأردن، أو لمساحة (٥) الأرض بسياحته فيها (٦)، أو لأنّه كان يمسح التّراب فينام عليه بلا فراش ولا بساط، أو لأنّه كان يمسح الأكمه والأبرص فيبرآن بإذن الله تعالى (٧)، أو كان أمسح القدمين غير أخمصهما (٨). (الوجيه): ذو القدر (٩) والجاه. ﴿الْمُقَرَّبِينَ:﴾ المخصوصين بإمامة الأولياء والخطاب والتّوفّي من غير موت والتّجلّي (١٠). ٤٦ - ﴿وَيُكَلِّمُ:﴾ صفة (١١)، أي: ومكلما. ﴿فِي الْمَهْدِ:﴾ أي: في حالة الرضاعة حيث ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ [مريم:٣٠] (١٢). ﴿وَكَهْلاً:﴾ نصب على الحال (١٣). والفائدة أنّه ولد لثمانية أشهر، والعادة جارية أنّ المولود لثمانية أشهر لا يعيش (١٤).

стр. 389

وقيل (١): الفائدة أنّه رفع وهو شابّ فيكلّم الناس كهلا حين ينزل. و (الكهل): الذي تمّ (٢) شبابه وقارب الشّيخوخة، وحدّ ذلك بثلاث وثلاثين سنة، واكتهل النّبت إذا تمّ طوله (٣). ٤٧ - ﴿بَشَرٌ:﴾ إنسان (٤). روي أنّ زكريّا زوّجها من يوسف بن داود النّجّار، فلمّا صارت إليه وجدها حبلى قبل أن يباشرها، فكفّ عنها، وكان رجلا صالحا، فكره أن يغشى عليها، وائتمن أن يسرحها خفية، فتراءى له ملك في النّوم وبشّره بأمر عيسى حقيقة، ففرح وسكن إلى أن ولدت، ثمّ حملها وابنها إلى ناصرة خوفا من أجاب الملك، وقيل: من هوادش الملك. ٤٩ - ﴿وَرَسُولاً:﴾ عطف على قوله: ﴿وَجِيهاً﴾ [آل عمران:٤٥] (٥). ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ:﴾ أي: قائلا إنّي قد جئتكم (٦). ويحتمل أنّه أراد به (٧) (٦٦ و) الرّسالة؛ لأنّ الرّسالة في معنى القول (٨). و (الخلق) (٩) ههنا بمعنى التأليف والتّصوير دون التّكوين (١٠). ﴿الطِّينِ:﴾ التّراب المؤلف بتأليف (١١) دون الحجر. ﴿كَهَيْئَةِ:﴾ أي: مثل هيئة. والهيئة كيفيّة البنية (١٢)، يقال: هاء يهاء هيئة (١٣). و (النّفخ): تعمد النفس وغيره (١٤). والهاء (١٥) عائدة إلى المثال أو الطّين.

стр. 390

(الإبراء): إزاحة (١) الضّرر من مرض أو دين. و ﴿الْأَكْمَهَ:﴾ «الذي ولد أعمى» (٢). ﴿وَالْأَبْرَصَ:﴾ الذي به برص، وهو داء تبيضّ (٣) منه البشرة، وأمّا بياض (٤) يد موسى نفى الله عنها الدّاء (٥) حيث قال: ﴿بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه:٢٢]. و (الادّخار) (٦): افتعال من الذّخر، فالذّخيرة ما تعدّ لثاني (٧) الحال من متاع ونحوه. وكانوا يدّعون معرفة الله تعالى، فقال: إن كنتم تعرفون الله ففي هذا آية لكم؛ لأنّ من صفة المعروف جلّ ذكره أن لا يفعل الإعجاز دعوة إلا لنبيّ (٨) مختار مخيّر. ٥٠ - ﴿وَمُصَدِّقاً:﴾ معطوف على قوله (٩): ﴿بِآيَةٍ﴾ أو (١٠) مقترنا، أو معجزا بآية من ربّكم. وهو حال للمجيء (١١). ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ:﴾ معطوف (١٢) على (مصدّقا)، أي: لأصدّق ولأحلّ (١٣). وهو لحوم الإبل والثّروب (١٤) وبعض الطيور والحيتان، عن سعيد بن جبير وقتادة ووهب (١٥). وهذا يدلّ أنّ الله أحلّ لهم (١٦) طيّبات حرّم الله على اليهود، ولم يحلّ لهم الظّلم والعدوان والكفر. والأب في كلام عيسى ﵇ هو الفاعل؛ لأنّ الرّجال تكنى بأفعالهم، كنّي النّبيّ ﷺ أبا (١٧) القاسم لقسمه بين الناس رزق الله تعالى، وكنّي عليّ أبا تراب لاضطجاعه على التّراب

стр. 391

مرّة، وكنّي أنس أبا حمزة؛ لأنّه (١) كان يجتني بقلة تسمّى (٢) حمزة، ويقال للأرض: أمّ؛ لأنّها مبتدأ الخلق، وقوله: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩]، أي: مآله، ويقال: ابن كذا، أي: مبلغ زمان بقائه، فسمّي ابنا من غير ولادة. ٥٢ - ﴿فَلَمّا أَحَسَّ:﴾ الإحساس من النّفس كالعقل من الرّوح، وهو مستعمل في معنى الرّؤية والسّمع والعلم، كقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم:٩٨]، وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء:١٠٢] (٣)، وقال ﷺ لرجل: (متى أحسست أم ملدم؟) (٤) يعني: الحمّى. وقوله: ﴿مَنْ أَنْصارِي﴾ على وجه الحثّ والإغراء (٥). ﴿إِلَى اللهِ:﴾ كقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ [النّساء:٢] (٦)، ويقال: الذود إلى (٧) الذود إبل (٨). وقيل (٩): من أنصاري في السبيل إلى مرضاته. وقيل: من أنصاري إلى الله، كقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس:٣٥] (١٠). ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ قال ابن عبّاس: سمّوا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا يصطادون السمك، وكان أفضلهم شمعون الصفا، فقال لهم: هل تصحبونني (١١) فتصطادوا الناس؟ فآمنوا به. وعن

стр. 392

الضحّاك (١) أنّهم كانوا قصارين يحوّرون (٢) الثّياب. وعن عطاء أنّ مريم أسلمته إلى كبير القصارين ليتعلّم الحرفة، فتعلّم عنده أيّاما، ثمّ عرض لهذا (٣) الأستاذ سفر مدّة عشرة أيّام، فدفع أثوبة الناس إلى عيسى ﵇، وأمره بأن يصبغ كلّ ثوب منها بلون آخر، وأن يغسل (٦٦ ظ) بعضها، فجعل جميعها في حبّ (٤) واحد، قال لها: تكوّني (٥) بإذن الله كما أريد، فلمّا رجع الأستاذ طالبه بالأثوبة، فأشار إلى حبّ واحد، ففزع الأستاذ، وضاق ذرعا، وقال: أيّها الصّبيّ أفسدت أثوبة الناس، قال ﵇: قم وانظر، فجعل الأستاذ يخرج الأثوبة بعضها مغسولا وبعضها مصبوغا بألوان مختلفة من صبغ واحد، فعلم أنّه من فعل الله، فآمن هو وأصحابه بعيسى ﵇، فهم الحواريّون (٦)، ثمّ لقّب هذا اللّقب كلّ ناصر لنبيّ حتى قال النّبيّ ﷺ : (لكلّ نبيّ حواري، وحواريي طلحة والزّبير (٧)). وقيل (٨): الحواري: المتجرّد للنّصرة المتمحّص (٩) في الموالاة. وقال الزهريّ: هم خلصان الأنبياء، وتأويله: الذين (١٠) أخلصوا ونقوا عن كلّ عيب. ﴿نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ:﴾ أولياؤه (١١). ﴿وَاِشْهَدْ:﴾ وإنّما طلبوا منه ذلك لتحقيق (١٢) الموالاة وتبرّكا، ليتأكّد حالهم بها (١٣). ٥٣ - ﴿فَاكْتُبْنا:﴾ أي: فاكتب أسماءنا مع أسماء المؤمنين (١٤). وقيل: المراد ب ﴿الشّاهِدِينَ:﴾ الشهداء.

стр. 393

٥٤ - ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ (١)﴾: عامل في الظرف. و (المكر): إيصال الشّرّ في السّرّ، فمكرهم ما احتالوا من قتل عيسى وفي صلبه (٢). ﴿وَمَكَرَ اللهُ:﴾ صونه عيسى عن بأسهم، وصرفه الشّرّ إليهم في الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون (٣). وإنّما قيل: ﴿خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ لأنّ إيصال الشّرّ ما يمدح، وذلك إذا كان مع العدوّ من غير غدر (٤) وخيانة فالله متّصف به خير الماكرين. ٥٥ - ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ:﴾ قيل: أمات الله عيسى ثلاث ساعات (٥)، ثمّ أحياه ورفعه من غير صلب ولا قتل، وألقى [الله] (٦) مثاله على غيره (٧). وقيل (٨): «متوفّيك: قابضك». وقال الفرّاء (٩): في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: إنّي رافعك ومطهّرك من الذين كفروا، أي: في الحال، ومتوفّيك، أي (١٠): بعد الزّوال. وقال السدّي: المصلوب رئيس من رؤساء اليهود، دخل ليخرج عيسى ﵇ من بيته فألقى الله مثاله عليه، ورفعه ﵇ (١١). وقيل: المصلوب هو الموكّل الذي كان عليه رقيبا. وقيل: المصلوب الذي ارتدّ من الحواريّين، وسعى (١٢) بعيسى ﵇، ودلّ اليهود عليه (١٣). وقيل: إنّه أخبر برفعه فاتّخذ ضيافة لأصحابه وأطعمهم، ثمّ أتى بماء فتطهّروا به، ثمّ طلب منهم أن يسألوا الله تعالى تبقيته فيما بينهم، وخرج من عندهم، ثمّ اطّلع عليهم فوجدهم

стр. 394

هجوعا، فأعاد الماء إليهم وأيقظهم، وطلب منهم أن يتطهّروا ثانيا ويسألوا الله تبقيته فيما بينهم، فتطهّروا وتشمّروا للصلاة والدّعاء، وخرج عيسى ﵇ ثمّ التفت إليهم فوجدهم سامدين نائمين، فأعاد الماء (١) إليهم وأمرهم أن يتطهّروا، وقال: سبحان الله أما عهدت إليكم؟ فتسوروا (٢) منه، وتطهّروا وقصدوا للصلاة (٣) والدّعاء فخرّوا نائمين، فعند ذلك أيقن عيسى ﵇ بأنّه لا محالة مرفوع، فقال (٤): من الذي يفديني بنفسه (٦٧ و) ويكون معي في الجنّة؟ فاختار ذلك شمعون، فألقى الله تعالى مثاله عليه (٥)، ورفع عيسى ﵇ (٦). وروي أنّ مريم جاءت بالليل تحت الصليب مع طائفة من الحواريّين يبكون وينوحون، فأظهر الله تعالى لهم عيسى حيّا غير مصلوب حتى كلّمهم وبشّرهم بسلامة نفسه وبأنّه راجع إلى الدنيا، ووجّه أولئك الحواريّين إلى البلاد، وأوصى إلى كلّ واحد وصيّة (٧). ٥٦ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ اليهود والنّصارى (٨)، أمّا اليهود (٩) فلدعواهم صلب عيسى ﵇ وغير ذلك، وأمّا النصارى فلتسليمهم دعوى اليهود وبغير ذلك. ٥٨ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة (١٠) إلى ما سبق، و ﴿نَتْلُوهُ﴾ خبر له (١١)، والباقي خبر ثان (١٢). أو (ذلك) بمعنى الذي، و (نتلوه) صلة له، والخبر قوله: ﴿مِنَ الْآياتِ﴾ (١٣). ﴿الْآياتِ:﴾ آيات الله (١٤). ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ:﴾ الذي يفيد الحكمة (١٥).

стр. 395

٥٩ - قيل: إنّ (١) وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ : إنّك سببت (٢) صاحبنا بأن سمّيته عبدا، فقال ﷺ : ليست العبوديّة بعار على أخي، قالوا: أرنا عبدا مثله وجد بغير أب، فضرب الله تعالى هذا المثل وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى،﴾ الآية، شبّهه بآدم في الوجود من غير أب فقط (٣)، كما شبّه الهلال بالعرجون والكفّار بالأنعام (٤). «و ﴿آدَمَ:﴾ معرفة» (٥). ﴿خَلَقَهُ:﴾ كلام مستأنف ليس بصفة ولا حال (٦). ﴿فَيَكُونُ:﴾ تقديره: فصار؛ تكوّن شيئا بعد شيء على التدريج، وكأنّه لم يكن حيّا دفعة واحدة وذلك سنّة الله في خلق الأشياء (٧) للتّمكين من الاعتبار. وقيل: تمّ الكلام عند قوله: ﴿كُنْ،﴾ ثمّ ابتدأ فقال: ﴿فَيَكُونُ،﴾ أي: يكون كلّ مأمور بأمر (٨). ٦١ - فلمّا نزلت ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ دعا ﷺ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج بنفسه متيقّنا بما أوحى إليه ربّه، معه عليّ وفاطمة والحسن والحسين، ولم يخرج وفد نجران، وتكعكعوا عن ذلك لما كان فيهم من التّشكّك والظّنّ (٩)، فقال ﷺ : لو خرجوا للمباهلة لاضطرم الوادي عليهم نارا (١٠). وجعل آله تحت كسائه ثمّ دعا فقال: اللهمّ هؤلاء آلي وال من والاهم، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، ورجع مستجابا له بفضل من الله ورحمته. والتزم وفد نجران الجزية، وصالحوا على ألفي حلّة وثلاثين درعا عادية من حديد (١١). ﴿تَعالَوْا:﴾ «هلمّوا» (١٢). والتّعالي إلى الشيء: التّقارب منه على سبيل العلوّ حقيقة، وعلى غيره (١٣) مجازا. والتّعالي عن الشيء: التّباعد منه على سبيل العلوّ والرّفعة حقيقة لا مجاز له.

стр. 396

و (الابتهال): المبالغة في الدّعاء بالشّرّ، ويقال: عليه بهلة الله، أي: لعنته (١). ٦٢ - ﴿الْقَصَصُ:﴾ «الأخبار» (٢)، والاسم منه: قصّة، والجمع منه: قصص، وإنه في معنى التلاوة. وقوله (٣): ﴿وَقالَتْ﴾ (٦٧ ظ) ﴿لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١]، أي: اتبعي أثره (٤). ٦٣ - وفي فحوى قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تهديد للمتولين فإنّهم مفسدون (٥). ٦٤ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ خطاب لوفد نجران عن الحسن والسدّي وابن زيد (٦)، ولليهود عن قتادة والرّبيع وابن جريج (٧)، ولأهل الكتابين في الظاهر (٨). ﴿إِلى كَلِمَةٍ:﴾ المقالة التي هي قاعدة الدّين والأمر وهو التّوحيد، ثمّ ابتدعت اليهود فادّعت اتّخاذ الولد كاتّخاذ الوليّ والخليل والبيت، فلم يعلموا أنّ ما ادّعوه يقتضي المشابهة أولا، وهو شرك، بخلاف اتّخاذ الوليّ والخليل؛ لأنّه يقتضي إرادة الخير، بخلاف اتّخاذ البيت؛ لأنّه يقتضي اتّخاذ متعبّد للعباد (٩). وابتدعت النصارى فزعمت أنّ الله تعالى هو الرّوح تزوّج بمريم وهي النّفس، فتولّد منهما المسيح وهو العلم، وزعم بعضهم أنّ المسيح عينه حلّ في العالم، ولم يعلموا أنّ الله متعال، تقدّس عن الازدواج والانفصال والتّغيّر والانتقال، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. ﴿سَواءٍ:﴾ عدل، وكذا سوى وسوى (١٠). وقيل: (سواء): مصدر أقيم مقام الصّفة، ومعناه: كلمة مستوية (١١). ﴿أَلاّ نَعْبُدَ:﴾ تفسير الكلمة، وبدل عنها (١٢). ﴿اِشْهَدُوا:﴾ يقتضي التمحض في مخالفة (١٣) الخصم، تقول لخصمك: اشهد عليّ

стр. 397

بما أقول وحدّث به عنّي (١) من شئت. ٦٥ - ومحاجّتهم من أمر إبراهيم ﵇ قد سبق في سورة البقرة. وإنّما دلّ نزول الكتابين بعده على أنّه لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا؛ لأنّه لم يكن فيهما ذلك، ولو كان على أحدهما لذكر كما ذكر (٢) في القرآن أنّه كان مسلما، ووصفه فيهما بالطاعة والانقياد ولا محالة وهو الإسلام، وكانوا يزعمون أنّ اليهوديّ (٣) الذي لزم السبت، والنّصرانيّ الذي لزم الصّليب، ولم يكن هذان (٤) في عصر إبراهيم ﵇. وقوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ على معنى اللّوم والتّسفيه (٥). ٦٦ - ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ:﴾ والمراد بمحاجّتهم ﴿فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ زعمهم ذلك بعد التبديل والتحريف على قراءة قنبل (٦)، ومحاجتهم المشركين قبل أن غيّروا وبدّلوا إن جعلنا الهاء، ومحاجتهم المشركين بعد التحريف بما لم يحرّفوا ولم يبدّلوا، ومحاجتهم عامّة المشركين فيما لم ينزل الله في القرآن من الشرائع التي بقيت غير منسوخة (٧). ٦٨ - ﴿أَوْلَى النّاسِ:﴾ أقربهم به (٨). ﴿لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ:﴾ في عصره؛ لأنّهم كانوا أمّته (٩). ﴿وَهذَا النَّبِيُّ:﴾ ﷺ ؛ لأنّه كان دعوته، والمصلّي إلى قبلته، والآخذ في الحجّ بسنّته (١٠). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا:﴾ لموافقتهم إيّاه بالإيمان والاستسلام لأمر الله طائعين، وهم الأنبياء ﵈ كلّهم (١١)، وكلّ عبد مؤمن في السماء والأرض. ٦٩ - ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ نزلت في مثل ما نزل (٦٨ و) قوله تعالى: ﴿وَدَّ﴾

стр. 398

﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ [البقرة:١٠٩] (١). و (الإضلال) (٢) ههنا بالخدع. ٧٠ - ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ:﴾ بأنّ الله قادر على ما يشاء ولا ينبئكم (٣) بمثل هذه الآيات، أو تشهدون بخروج النّبيّ ﷺ وتشاهدون الآيات وقت بدوها (٤). ٧٢ - ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ قيل: إنّ اليهود أرادوا تشكيك المؤمنين بهذه الحيلة ليشتبه (٥) الأمر على المؤمنين فيرتدّوا بارتدادهم ويشكّوا بتشكيكهم (٦). وقيل: أرادوا التقية، وردّ المؤمنين عن أنفسهم بإظهار الإيمان بما يوافق شرائعهم كاستقبال القبلة الأولى ونحوه (٧). ﴿وَجْهَ النَّهارِ:﴾ أوّله (٨). وإنّما خصّوا آخر النهار بالكفر؛ لأنّ النّبيّ ﷺ تحوّل إلى الكعبة في الظّهر أو العصر (٩). ٧٤ - ﴿يَخْتَصُّ:﴾ يخاص، ويتّخذ خاصّة (١٠). ٧٥ - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ:﴾ نازلة عند قتادة والسدّيّ وغيرهما في تنويع أهل الكتاب، وذمّ قوم منهم لا يوفون بعهودهم مع العرب قاطبة وكذلك (١١) سائر الأمم من غير أهل الكتاب، ويرون الخيانة حلالا، ويحتجّون بأنّه ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: لا حكم ولا حجّة علينا في كتابنا في أخذ أموال الأمّيّن (١٢). ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ:﴾ في إباحة نقض العهود (١٣)، وتحليل الغدر والخيانة (١٤).

стр. 399

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أنّ الله أمر بالوفاء والأمانة على الإطلاق، ولم ينزل في تركهما إباحة إذ هو باق على أصل الحظر وقضيّة العقل (١)، ولذلك لا يجوز في الإسلام لمن دخل دار الحرب بأمان أن يسرق أو يخون. وعن مجاهد والحسن أنّها في قوم من اليهود عاملوا (٢) المشركين، فمنعت (٣) اليهود حقوقهم وقالوا: إنّكم بدّلتم دينكم، وليس علينا في كتابنا (٤) سبيل في منع حقّ من بدّل دينه. و (الدّينار): اسم المضروب من الذّهب للمعاملة (٥). و (الدّوام): امتداد الحال (٦). وفي صفات الله صفة تنفي (٧) حدوث الحال. ٧٦ - وفي قوله: ﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ﴾ تأليف، استمالة لقلوب المؤمنين بالعهد. (بل): إضراب عن الكلام الأوّل (٨)، و (من أوفى): مبتدأ، وهو شرط، ﴿وَاِتَّقى﴾ زيادة في الشرط، جوابه: ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ (٩). وإنّما لم يقل: فإنّ الله يحبّه لنظم الآي. ولم يقل: يحبّ الموفين بالعهود والمتّقين؛ لأنّ الوفاء بعض التّقى فهو داخل فيه (١٠). ٧٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ:﴾ نزلت في كنانة (١١) بن أبي الحقيق وأبي رافع وكعب ابن الأشرف وحيي بن أخطب، عن عكرمة (١٢). وفي الذين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥]، وكتبوا بأيديهم وزعموا أنّه من التّوراة، عن الحسن (١٣). وفي الأشعث بن قيس وخصمه حين اختصما إلى النّبيّ ﷺ في بئر، عن ابن جريج (١٤). وفي من

стр. 400

نفّق سلعة بيمين فاجرة، عن الشعبيّ (١). وروى الكلبيّ أنّها نزلت في (٦٨ ظ) امرئ القيس بن عياش الكنديّ وعبدان، وقيل: عيدان بالياء، ابن أشوع الحضرميّ، اختصما في أرض كانت في يدي امرئ القيس ولا بيّنة لعبدان، وقد همّ امرؤ القيس أن يحلف فأنزل الله الآية، فنكل وأقرّ فأنزل الله: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ [النّحل:٩٧] (٢). وقيل (٣): خصم امرئ القيس ربيعة بن عيدان. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ:﴾ أي: لا يناجيهم مناجاة أوليائه، ولا يخصّهم بالخطاب (٤). ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ:﴾ لا يقبل إليهم بالرّحمة، بل يخذلهم ويعرض (٥) عنهم بلا كيفيّة. ٧٨ - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً﴾ (٦): نزلت في اليهود حيث قدروا ما شاؤوا في التّنزيل مضمرا متأوّلين، ثمّ أظهروه وتلفّظوا به وزعموا أنّه من التّنزيل أيضا، وكذلك فعلت النّصارى (٧). و (اللّيّ): التّحريف، وتلوّت (٨) الحيّة إذا تثنّت، ولوّى الغريم ليّا إذا ماطل وأخلف الموعد (٩). (الألسنة): جمع لسان، وهو آلة النّطق (١٠). ٧٩ - ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ:﴾ نزل في وفد نجران وأحبار المدينة حيث تناظروا، ثمّ أقبلوا على النّبيّ ﷺ ، فقالت اليهود: ما تريد منّا إلا ما أراد عيسى من هؤلاء فاتّخذوه ربّا، وقالت النّصارى: ما تريد منّا إلا أن نتّخذك ربّا كما اتّخذ هؤلاء عزيرا ربّا، فكذّب الله الطائفتين وأنزل: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ وسعا أو حكما (١١). و ﴿يَقُولَ:﴾ نصب، عطف على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ﴾ (١٢).

стр. 401

﴿تُعَلِّمُونَ:﴾ «من التّعليم» (١). و (الرّبّانيّ): منسوب إلى الربان، وهو المدبّر المتعهد (٢) القائم بالمصالح، ولم يجئ (فعلان) من (فعل) بكسر العين إلا هذا (٣). وقيل (٤): هو منسوب إلى (٥) الرّب، والألف والنّون زائدتان كما يقال: لحيانيّ ورقبانيّ، ويجوز أن ينسب إلى الله على سبيل التّخصيص كما يقال: علم الإلهي، وهو مثل الإضافة. ﴿بِما كُنْتُمْ:﴾ إثبات للحال، وليس بإخبار عن ماض (٦). و (الدّرس): كالنّسخ والمحو (٧)، ودرس العلم: حفظه ونقله من الكتاب إلى القلب مجازا (٨). ٨٠ - ﴿أَيَأْمُرُكُمْ:﴾ استفهام بمعنى الإنكار (٩). ويحتمل أنّ ﴿إِذْ﴾ للمستقبل من الزمان كقوله: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى﴾ [المائدة:١١٦] (١٠)، فتقديره إذا: أهو يأمركم بالكفر بعد أن تسلموا بأمره، على معنى الإحالة (١١). ٨١ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ:﴾ أضاف إليهم؛ لأنّه أخذ الميثاق لأجلهم، أو أخذ ميثاق الأمم دون الأنبياء، ولقد صرّح ابن مسعود وقرأ (١٢): (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)، حتى ظنّ مجاهد أنّ قراءة ابن مسعود هو لفظ القرآن وأنّ ما انعقد الإجماع من سهو الكاتب (١٣)، وليس كما ظنّ مجاهد؛ لأنّ هذا اللفظ يحتمل ما يحتمله لفظ ابن مسعود ووجهان (١٤) أبدا ولا يبعد دخول الأنبياء مع الأمم (١٥) في حكم الميثاق كدخولهم معهم في حكم التكليف يدلّ عليه قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحزاب:٧]، فنصرة من لم

стр. 402

يدرك نبيّا إيّاه ذكره والوصيّة (٦٩ و) بنصره، ونصرة من أدرك موالاته واتّباعه (١). ﴿أَأَقْرَرْتُمْ:﴾ استقرار (٢). و (أخذ الإصر): قبوله (٣). ويحتمل أنّ الخطاب للأنبياء والرّبّانيّين، وأنّ أخذ الإصر: توثيقه وإحكامه (٤). ﴿فَاشْهَدُوا:﴾ أي: ليشهد بعضكم على بعض (٥). ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ على المجاز، وإنّما جاز ذلك؛ لأنّه وصف نفسه بالشهادة، ووصفهم بالشهادة (٦). ٨٢ - وقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلّى﴾ خاصة في الأمم دون الأنبياء ﵈ (٧)، ولا يبعد أن تكون عامّة؛ لأنّ الوعيد لمن المعلوم منه أنّه موجبه والذي قضى له بالعصمة عن موجبه سواء، فإذا جاز أحدهما على سبيل التّخويف والزيادة والتّأديب والتّهذيب فكذلك الآخر، يدلّ (٨) عليه قوله (٩): ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزّمر:٦٥]. ٨٣ - ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ:﴾ والكلام في إسلام الكافّة كالكلام في فنونه (١٠). و (الطّوع) (١١): قريب من الرّضا، وهو ضدّ الكره (١٢). ٨٥ - وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ نزلت في عشرة رهط كفروا بعد إسلامهم، ولحقوا بمكّة وهي دار الحرب يومئذ، ثمّ تاب بعضهم، فيستثني الله التّائبين (١٣). وهي ناسخة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة:٦٢] في رواية عليّ بن طلحة عن ابن عبّاس (١٤)، ويصحّ الجمع بينهما على ما سبق (١٥).

стр. 403

٨٦ - ﴿كَيْفَ:﴾ استفهام بمعنى البيان لموضع التّعجّب (١). وقيل: استفهام بمعنى الإنكار والإحالة؛ لأنّ اجتماع حالتي الكفر والإسلام محال (٢). ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي:﴾ هداية التّوفيق حالة إصرارهم وعتوّهم، ولكن إذا شاء هدايتهم سبّب أسبابا يتّضح بها فساد ما هم فيه فيندمون، ثمّ يلهمهم ويهديهم إلى معرفته (٣). ٨٩ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ التّائب الذي استثناه من جملة العشرة هو الحرث بن سويد بن الصامت (٤)، وهي عامّة في كلّ تائب (٥). ٩٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ:﴾ قيل: لمّا بلغ أصحاب الحارث خبره (٦) قالوا: نقيم بمكّة ونتربّص محمّدا ريب المنون فإن بدا لنا (٧) أن نرجع إلى قومنا أيقنّا بقوله كما فعل الحارث، فأنزل الله الآية (٨). وإنّما نفى قبول توبتهم؛ لأنّهم قصدوا توبة على تردّد ونفاق (٩). و (ازديادهم الكفر): جهلهم وظنّهم أنّهم قادرون على التّوبة خداعا، فالكفر يتزايد بتزايد الاعتقاد الفاسد، والإيمان يتزايد بتزايد الاعتقاد (١٠) الصحيح في الآيات الناسخة، ولمّا كمل الدّين صار النّقصان في أصل الإيمان وحقيقته كفرا من جميع الوجوه على أيّ تأويل؛ لأنّ تزايد الاعتقاد بعد انقطاع محال (١١). ٩١ - وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا﴾ دلالة أنّ التّوبة مقبولة قبل الموت، والتي نفى قبولها هي توبة على نفاق وتردّد، أو توبة عند معاينة البأس وانقطاع الأحكام الدنياويّة (١٢). (إنّ الذين): في معنى الشرط، ويشبه (من) لإبهامه ولذلك أجاب بالفاء (١٣). و ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً:﴾ على سبيل التقدير والتفخيم دون التحقيق، وإنّما خص ذلك؛ لأنّه (٦٩ ظ) ممّا يتعاظمه الناس في معاملاتهم وعاداتهم (١٤) ومبادلاتهم.

стр. 404

٩٢ - قوله: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ:﴾ قال الكلبيّ: منسوخة بآية الزكاة (١)، وليس كذلك؛ لأنّه لا تنافي بينهما إذ الزكاة إنفاق من بعض المحبوب. و (البرّ) ههنا الجنّة عن السدّي (٢)، وعن عطاء أشرف مراتب التقوى (٣)، وقيل (٤): البرّ: الخير. ٩٣ - ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ:﴾ نزلت ردّا على اليهود حيث أنكروا النّسخ وادّعوا أنّ المحظورات كلّها لم تزل كذلك من لدن آدم إلى يومنا هذا، وزعموا أنّ موسى لم يأت بتحريم حادث ولا تحليل إلا في ما اختلفت العقول فيه، فكذّبهم الله وأخبر أنّ الكلّيّات كلّها كانت حلاّ لبني إسرائيل إلا ما حرّمها إسرائيل نذرا، ثمّ حرّم عليهم بعض الطيّبات عقوبة لهم، وكانوا كلّما أذنبوا ذنبا عظيما حرّم عليهم رزق طيّب أو سلّط عليهم الطاعون (٥). والقصّة في نذر إسرائيل أنّه اشتكى عرق النسا فنذر إن شفاه الله لا يأكل لحوم الإبل وألبانها لو خامتهما وإضرارهما عند ملاومتهما، وكان من أحبّ الطعام إليه (٦). ووجه القربة فيه أنّه مخالفة لهوى النّفس الأمّارة بالسّوء (٧) وقهر لها. ووجه جوازه من ذات نفسه أنّ الأنبياء ﵈ كانوا يجتهدون بإذن الله تعالى، يدلّ عليه حكم داود وسليمان ﵉ في الحرث، وكان حكم سليمان (٨) يفهم لا محالة، وحكم داود ممّا يسوغ الاجتهاد في مقابلته لمثله، وكذلك (٩) قبل نبيّنا ﷺ الفداء بالمشاورة والاجتهاد ولم يقتل أسارى بدر وفيه نزل: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ الآية [الأنفال:٦٨]، وأذن للمخلّفين في غزوة تبوك باجتهاده حتى نزل: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ [لَهُمْ]﴾ [التّوبة:٤٣]، وافتتح الصوم بشهادة الواحد (١٠) على سبيل التحري والاجتهاد، وإنّما توقّف وانتظر الوحي في أحكام لم يكن للاجتهاد إليها سبيل، وقوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ (٣) [النّجم:٣] لا ينفي الاجتهاد؛ لأنّ الاجتهاد ليس بهوى، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) [النّجم:٤] خاص في القرآن

стр. 405

وما أوحي إليه من علم الغيب والأحكام دون ما بيّنه على سبيل المشاورة والاجتهاد والنجوى (١)، ثمّ لا يجوز في مقابلة اجتهاد النّبيّ ﷺ اجتهاد إلا بتمكينه؛ لأنّ اجتهاده كالنّصّ من حيث تقرير الله كما لو حكم بعض الصحابة حكما بمشهد النّبيّ ﷺ ولم ينكر ذلك. ﴿حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ «أي: حلالا» (٢). ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ في زعمكم، فلم يأتوا بالتّوراة خوف الفضيحة بتأويلهم الفاسد (٣). ٩٤ - ﴿اِفْتَرى:﴾ (افتعال) (٤) من الفري (٥)، وهو القطع، وكأنّ المختلق يقطع شيئا من موهومه الباطل فيتكلّم به (٦). و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة (٧٠ و) إلى الإتيان بالتّوراة، أو تحريم إسرائيل (٧). ٩٥ - ﴿صَدَقَ اللهُ:﴾ أي: أخبر بالحقّ عن كيفيّة ابتداء التحريم والتحليل (٨). ﴿فَاتَّبِعُوا:﴾ استحلّوا لحوم الإبل وألبانها فإنّه ملّة إبراهيم؛ لأنّه سبق نذر إسرائيل (٩) لا محالة. ﴿حَنِيفاً:﴾ نصب على القطع (١٠). ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ ثناء عليه (١١). ٩٦ - واتّصال قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ بما قبلها من حيث اتّباع ملّة إبراهيم (١٢). ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ:﴾ ضرب متعبدا (١٣) لهم. ﴿بِبَكَّةَ:﴾ هي الكعبة (١٤). و (بكّة): هي مكّة؛ لأنّ الباء قريبة من الميم في المخرج، يقال:

стр. 406

سبد وسمد (١). وقيل: لأنّ الناس يتباكّون، يتزاحمون (٢) فيها أيّام الموسم. ويقال: بكّة، كأنّها تبكّ أعناق الجبابرة لاتّضاعهم فيها (٣). و (المبارك): الذي بورك فيه أو عليه، وضدّه المشؤوم (٤). ﴿وَهُدىً:﴾ سببا من أسباب الهدى، فبقعة الكعبة متخيم آدم فيما (٥) يروى أنّ الله تعالى أنزل عليه خيمة من خيام الجنّة ليطوف حولها كما يطوف الملائكة (٦) حول البيت المعمور في السماء الرابعة، وقد طاف حولها (٧) سفينة نوح ﵇، وحجّ كثير من الأنبياء، وقد دخل خبر وفد عاد في حيّز التواتر، وتواترت الأخبار ببناء إبراهيم البيت العتيق، وقد نزل فيه القرآن (٨). ٩٧ - ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً:﴾ من جملة الآيات البيّنات؛ لأنّه حكم ثبت كضرورة (٩) في الجاهليّة والإسلام، في المثل: آمن من حمام مكّة (١٠)، وآمن من ظبي بالحرم (١١). وقال ابن عبّاس: لو وجدت قاتل أبي في الحرم لما هجته (١٢)، وعن ابن عمر مثله (١٣). وعن ابن (١٤) الزبير أنه استنزل سعيدا مولى معاوية وجماعة من أصحابه كانوا تحصّنوا بالطائف فأدخلهم الحرم ثمّ استفتى ابن عبّاس فيهم، فلم يرخص له في شيء وقال: هلا قبل أن أدخلتهم الحرم (١٥)، فأخرجهم ابن الزبير من الحرم ثمّ صلبهم (١٦). ولسنا نرى الإخراج، ولكن لا يطعم الجاني ولا يسقى ولا يجالس حتى يضطرّ إلى الخروج

стр. 407

فيخرج فيتبع فيقام عليه الحدّ، وأمّا ما دون القتل وما فعل في الحرم يقام فيه (١). وفرض الحجّ على الفور خلافا لمحمّد. ﴿اِسْتَطاعَ [إِلَيْهِ سَبِيلاً] (٢)﴾: (السبيل): وجود الزّاد والرّاحلة، والسّلامة من العوائق (٣)، والعمى عائق عند أبي حنيفة. ومستطيع الإحجاج كمستطيع (٤) الحجّ حين المرض والحبس فيما تواترت فيه الأخبار (٥). ﴿وَمَنْ كَفَرَ:﴾ أي: امتنع التزام هذا الفرض وقبوله (٦). ﴿فَإِنَّ اللهَ:﴾ جواب الشرط (٧)، إذ الكافر داخل في جملة العالمين. ٩٨ - وإنّما قال: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ لإهانتهم (٨) والإعراض عن خطابهم. وإنّما وقع الإنكار على وجه السؤال (٩) للتعجيز عن إقامة العذر كقوله: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]. ﴿وَاللهُ شَهِيدٌ:﴾ أعظم توبيخ وتهديد (١٠). ٩٩ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ:﴾ نزلت في اليهود، كانوا يغرون بين الأنصار من الأوس والخزرج بتذكير ما بينهم من الوقائع (٧٠ ظ) لينسلخوا من الدّين بالضغائن. والعصبيّة، عن زيد بن أسلم (١١). وفي اليهود والنّصارى جميعا وإنكارهم نعت نبيّنا ﷺ ، عن الحسن (١٢). ﴿تَبْغُونَها:﴾ «تبغون لها» (١٣)، كقوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التّوبة:٤٧].

стр. 408

والهاء عائدة إلى السبيل، و (السّبيل): يذكّر ويؤنّث (١). و (العوج) بكسر العين: الزّيغ في الرّأي، والعوج بالفتح: الميل فيما يكون منتصبا (٢). ﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ:﴾ بما في كتابكم (٣). وقيل: أنتم عقلاء، كقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، أي: حاضر بالعقل والهمّة (٤). ١٠٠ - ﴿فَرِيقاً:﴾ للتبعيض والتنويع؛ لأنّ بعض الذين أوتوا الكتاب آمنوا ولم يغيّروا فما كانت طاعتهم (٥) كفرا. وقيل: عنى به جميع اليهود، وذكر فريقا، بمعنى أحد (٦)، على التأكيد. ١٠١ - (الاعتصام): الامتناع (٧)، من قوله: ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣]. وإنّما (٨) بعد الكفر بعد الإيمان لمعنيين: أحدهما: استماع الوحي، والثاني: كونه ﷺ بين أظهر المؤمنين، فالمعنى الأوّل باق لعامّة المؤمنين المستمعين، والثاني أيضا كالباقي لمن يلاقي رسول الله ﷺ بالرّوح في المنام، أو يحيي سنّة ويكثر الصلاة عليه ويزور قبره. ثمّ أحال المستبعد (٩) بإثبات الهداية إلى الصّراط المستقيم في حقّ المعتصمين بالله على الإطلاق؛ لأنّهم بمشاهدة الله تمجدوا بنور الوحدانيّة، وعطلوا عن (١٠) الرسوم القابلة للآفات فهم ممتنعون عن (١١) الغير والحوادث بالله. ١٠٢ - قيل: تقوى الله ﴿حَقَّ (١٢)﴾ تُقاتِهِ: «أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى» (١٣). وإنّما يكون هذا بتلاشي النّفس في مشاهدته، وأن لا يشارك في حول ولا قوّة، ولا ينازع في اختيار بعزم أو خاطر. وقيل: تقوى الله حقّ تقاته محافظة أحكام

стр. 409

الشّرع (١). فالأوّل في المعتصمين بالله (٢)، والثاني في (٣) المعتصمين بحبل الله. وعن قتادة والسدّي وابن زيد أنّ هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ [التّغابن:١٦] (٤). ١٠٣ - ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ:﴾ نزلت في الأوس والخزرج وتذكيرهم (٥) الضغائن واقتتال الطائفتين، قال ابن إسحق: كانت العداوة قائمة بينهم مئة وعشرين سنة، فأزالها الله تعالى بجمعهم على الإسلام (٦). وقال الحسن: نزلت في جميع القبائل وما كان بينهم من الطوائل، فرفعها الله بالإسلام (٧). و (الحبل): العهد (٨)، وعهد الله القرآن والإسلام (٩). ﴿وَلا تَفَرَّقُوا:﴾ أمر بلزوم الجماعة والائتلاف على الطاعة؛ لأنّ ضدّ التّفرّق واحد وهو الإجماع، والنهي (١٠) عن الشيء الذي له ضدّ واحد أمر بضدّه (١١). و (التّأليف): التّوفيق وإزالة التّنافر (١٢). و ﴿شَفا حُفْرَةٍ:﴾ حرف أخدود وقبر (١٣)، وهذا على وجه المثل لمن قرب من الهلاك (١٤). ﴿فَأَنْقَذَكُمْ:﴾ أنجاكم من الحفرة والنار (١٥). وإنّما أخبر عنهما وأعرض عن (شفا)؛ لأنّ المقصود فيهما (١٦). ١٠٤ - ﴿وَلْتَكُنْ:﴾ لام أمر، وأصلها (٧١ و) كسر، سكّنت (١٧) لصيرورة الواو من نفس الكلمة (١٨).

стр. 410

و «(من): للتّبعيض» (١). والأمر فرض على الكفاية إذا قام به البعض وحصل المعروف وزال المنكر سقط الفرض (٢) عن الباقين. وقيل (٣): (من) لتخصيص المخاطبين، وهي مؤكّدة، كقوله (٤): ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحجّ:٣٠]. ١٠٥ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا:﴾ اليهود والنصارى، تفرّقوا بالعداوة (٥). ﴿وَاِخْتَلَفُوا:﴾ في الدّيانة بالمنازعة في الأصول، وترك الاقتصار على الكلمة السواء التي ارتضاها الله وكان صدر الأمّة عليها (٦). ١٠٦ - ﴿يَوْمَ:﴾ «نصب على الظرف» (٧)، والمظروف العذاب العظيم (٨). و (ابيضاض الوجوه): إسفارها ونضارتها، لفراغ القلب وبرد العيش (٩). و (اسوداد الوجوه): إظلامها بالقتر (١٠) والذّلّة، وذلك إذا تزايدت الحسرات، وغلى الدّم، وصار الإنسان كالمخنوق (١١). ﴿أَكَفَرْتُمْ:﴾ يقال لهم (١٢): أكفرتم؟ وهو في شأن المرتدّين عن الإسلام (١٣). ويجوز في أهل الكتاب؛ لأنّهم كانوا مؤمنين بما عندهم من نعت نبيّنا ﷺ إلى أن غيّروا وبدّلوا (١٤). ويحتمل في الكافّة؛ لأنّ (١٥) كلّ مولود يولد على الفطرة (١٦). و (الذّوق): إحساس طبيعته (١٧) بالمس، يستعمل في المطعوم والمشروب حقيقة، وفي الثّواب والعقاب استعارة، قال الله تعالى: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النّحل:١١٢]،

стр. 411

وقال أبو سفيان لحمزة: ذق عقق (١). ١٠٨ - ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً:﴾ أي: لا يشاء أن يعاملهم على غير قضيّة حكمته، كإخلاف الوعد وكنقص (٢) الثواب من غير نسخ، والزّيادة في العقاب من غير إنذار (٣). (يريد): يحبّ، ومعناه: لا يحبّ منهم (٤) الظّلم فيما بينهم، فاتّصالها بما قبلها من حيث ذكر الثّواب والعقاب، أو من حيث ذكر الوعد والوعيد. ١٠٩ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ:﴾ اتّصالها بما قبلها (٥)؛ لأنّ الإساءة (٦) إلى المملوك على الإطلاق لا يكون ظلما ما لم يخالف للحكمة (٧)، يدلّ عليه إحداث الآلام الدنياويّة في الحيوان ابتداء من غير جزاء. وعلى المعنى الثاني من حيث (٨) ذكر الوعد والوعيد فأعقب ذكر الملك والاستيلاء ليكون الوعد والوعيد أمكن في قلوب المخاطبين (٩). ١١٠ - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ:﴾ ينتظم بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ،﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٥]، وما بينهما عارض (١٠). وزعم الكلبيّ أنّه عنى بالخطاب ابن مسعود وسالما وحذيفة ومعاذ (١١)، وقال ﷺ : (أنتم تتمون سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على الله) (١٢). ﴿(كُنْتُمْ)﴾: أي: أنتم (١٣)، و (كان) زائدة إلا أنّه للتأكيد كقوله: ﴿مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩]، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٤) [النّساء:٩٦]. وقيل (١٥): تكوّنتم وحدثتم. وقيل (١٦): كنتم في اللوح المحفوظ.

стр. 412

﴿أُخْرِجَتْ:﴾ أبرزت وأظهرت من الغيب بتركيب الأرواح والأجساد (١). وقيل: أخرجت من الكفر إلى الإسلام. ﴿لِلنّاسِ:﴾ أي: أنتم خير الناس للناس وأظهر لتدعوا الناس، أو ليراها (٧١ ظ) الناس (٢). والآية دالّة على صحّة الإجماع (٣). ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ:﴾ أي: لكان الإيمان الموجب للنّعمة الأبديّة مع الأنبياء والصّدّيقين (٤) والشّهداء خيرا من الكفر المقتضي متاعا قليلا من الرشى ومواريث الكفّار (٥). ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ:﴾ عبد الله بن سلام وأمثاله (٦). ﴿الْفاسِقُونَ:﴾ «الكافرون» (٧). ١١١ - ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر أهل الكتاب، والحثّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإخبار عن صرف ضررهم (٨). ﴿إِلاّ أَذىً:﴾ لن يبلغ ضررهم لكم إلا مقدار ما تتأدّون به من القول المكروه وبعض (٩) العناء في استئصالهم، وأمّا أن يهزموكم أو يقاوموكم أو يستزلّوكم فلا (١٠). ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ:﴾ يستقبلوكم بأدبارهم حالة إدبارهم منهزمين (١١). وهو (١٢) مجزوم؛ لأنّه جواب الشّرط (١٣). ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ:﴾ كلام مستأنف (١٤)؛ لأنّه من قضيّة الكفر قاتلوا أو لم يقاتلوا؛ لأنّ قضيّة القتال وحكم الآية معجزة فضلا عن النظم والمعنى؛ لأنّ الله أنجز وعده وكبت (١٥) يهود

стр. 413

المدينة وبني قريظة وبني النّضير وبني قينقاع ويهود خيبر، وكان الإخبار قد سبق به (١). ١١٢ - ﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ:﴾ يعني ما نطق به كتابه من المنع عن قتلهم (٢) وسبيهم عند بذلهم الجزية (٣). ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ:﴾ عهود المسلمين وذممهم مؤتمرين بعهد الله، وعهود النصارى والمجوس وعبدة الأوثان لهم، فإنّ اليهود لا عزّة لهم ولا منعة حيث كانوا إلا بعهد وذمّة (٤). و ﴿ذلِكَ﴾ الثاني بدل عن ﴿ذلِكَ﴾ الأوّل. والعصيان والاعتداء مع الكفر والقتل في معنى واحد (٥). وقيل: إنّ العقوبة على (٦) كفرهم وقتلهم وكفرهم وقتلهم (٧) بشؤم عصيانهم واعتدائهم على سبيل التدريج (٨). ١١٣ - ﴿لَيْسُوا سَواءً:﴾ كالاستثناء في الحكم؛ لأنّه خص الذّمّ العامّ المتقدّم. والضمير في (ليسوا) لأهل (٩) الكتاب. (سواء) (١٠): مستوين على الصّفة المذمومة المتقدّمة (١١). بيّن اختلافهم ومن خالف الصّفة المذمومة المتقدّمة منهم (١٢). ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ (١٣). ﴿قائِمَةٌ:﴾ مستقيمة عادلة، عن الحسن وابن جريج (١٤). وقيل: قائمة (١٥) في الصلاة (١٦). ﴿آناءَ اللَّيْلِ:﴾ ساعاته، واحدها: إني، ك (نحي) وأنحاء (١٧).

стр. 414

١١٤ - ﴿وَيُسارِعُونَ:﴾ يسابقون ويبادرون إلى القرب والطاعات (١). وضدّ السّرعة: البطء، وضدّ العجلة: الأناة (٢). ١١٥ - ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ (٣)﴾: لن يجحدوا خيرهم، كقوله: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء:٩٤]، فعدّي (٤) بغير باء، قال الله تعالى: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤]. المعنى أنّ من كسب خيرا لم يحرم جزاءه ولم يظلم بإخلاف الوعد (٥). ١١٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ خصّهم؛ لأنّ التقدير: من عذاب الله وبأسه، وعذابه على الإطلاق عليهم دون غيرهم، أو لأنّ مال المؤمنين وأموالهم بنفقاتهم من حيث الكفّارة (٦) والدّعاء والشّفاعة. ١١٧ - ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ:﴾ نزلت في [نفقات] (٧) أبي سفيان (٧٢ و) يوم بدر على عداوة رسول الله ﷺ ، وقال مقاتل (٨): نزلت في نفقة اليهود على رؤسائهم. وهي عامّة فيهما وفي كلّ معصية. ﴿صِرٌّ:﴾ برد (٩)، نهى ﷺ عن أكل ما قتله الصّرّ من الجراد (١٠)، والصّرصر: ما يضاعف فيه البرد (١١). وقيل (١٢): الصّرّ: النار ذات الالتهاب. وإنّما شبه نفقتهم بهذا (١٣) الرّيح؛ لأنّها وضعت شرفهم وهدمت مجدهم وأورثهم العار في الدنيا والآخرة كما أهلكت الرّيح الحرث (١٤).

стр. 415

﴿قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ بمعصية الله (١)، لا حصدوا زرعهم ولا نالوا ثواب المصيبة. ١١٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نزلت في قوم أضافوا اليهود والمنافقين لمودّة كانت بينهم (٢) في الجاهليّة، عن ابن عبّاس (٣). قدم أبو موسى على عمر الفاروق، وذكر من شأن كاتب نصرانيّ له (٤)، فأنكر عمر ذلك وتلا هذه الآية، قال أبو موسى (٥): له دينه ولي كتابته، قال عمر: لا أرفعهم وقد وضعهم الله، ولا أقرّبهم وقد بعّدهم الله تعالى (٦). (بطانة) الرّجل: خاصّته من أصحابه الذي يستبطن أمره (٧). ﴿مِنْ دُونِكُمْ:﴾ من دون المؤمنين المخلصين (٨). ﴿لا يَأْلُونَكُمْ:﴾ «لا يقصرون في أمركم» (٩). قال الأزهريّ: الألو: يكون جهدا ويكون تقصيرا ويكون استطاعة (١٠). ﴿خَبالاً:﴾ «فسادا» (١١). ﴿وَدُّوا:﴾ أحبّوا وتمنّوا عنتكم (١٢). و ﴿الْبَغْضاءُ:﴾ حالة شدّة (١٣) الغضب، قال الفرّاء (١٤): هو مصدر. (أفواه): جمع فوه، كأمواه وموه، ولم يستعملوه إلا مضافا لعدم استقلاله، وفوهة الشّعب: فمه. بالفوهة (١٥) الكلمة. وما بدا (١٦) بأفواههم: اللّيّ بألسنتهم والتنقص تعريضا وتصريحا (١٧).

стр. 416

﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ:﴾ اشتهاء القتل والسبي (١). ١١٩ - إذا وقعت الإشارة إلى اسم مكنيّ تقدّمت (ها) التنبيه على الاسم المكنيّ، تقول: ها أنا ذا، وها هو ذا، وربّما عادت (ها) التنبيه بعد الاسم المكنيّ ها أنا هذا (٢)، وها هو هذا، وها أنت هذا. والمراد بمحبّة المؤمنين للكفّار عطف الرحم والشفقة الطبيعيّة دون اعتقاد المحبّة، كقوله (٣): ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. و (العضّ) من الإنسان كالكدم (٤) من البعير. و ﴿الْأَنامِلَ:﴾ جمع أنملة، وهي طرف الإصبع (٥) في المحسوس، وما يقع به (٦) ابتداء القبض في المعقول. وإنّما فعلوا لما ذاقوا من الغيظ، وكذلك يفعل الإنسان إذا ضاق من تأسف (٧). و (الغيظ): الحزن الذي يسخن (٨)، قال الله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢]. ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ:﴾ تقريع من جهة النّبيّ ﷺ ، كقولك (٩): اخسأ، مقابلة لقولهم: السام عليك. أو الموت مع (١٠) الغيظ حقيقة، حكما من الله أن لا يموتوا إلا مع الغيظ وإن طالت عمرهم (١١). ١٢٠ - ﴿تَسُؤْهُمْ:﴾ «تحزنهم» (١٢). ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا:﴾ عن مخالطتهم (١٣).

стр. 417

و (الكيد): إلطاف الحيلة في مكروه (١). فكيد الله إلطاف حيلة أوليائه في مكروه (٧٢ ظ) من يخالفهم. ١٢١ - ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ:﴾ من أوّل السّورة إلى هذه الآية كفصل واحد، وهذه الآية مبتدأ (٢) فصل آخر. واتّصالها بالفصل الأوّل من حيث ذكر المنن (٣) والأحوال الموجودة فيما بين المؤمنين والكفّار. قال ابن عبّاس وعليّ وعائشة وقتادة والسدّي والربيع: نزلت في حرب بدر (٤) سنة ثلاث، وقال الحسن ومجاهد ومقاتل: في حرب الأحزاب وهي الخندق سنة (٥) أربع. و (إذ): ظرف العامل فيه قوله: ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨]؛ لأنّه يدلّ على زمان، ويحتمل مضمرا وهو: كفيناكم ونصرناكم (٦). (الغدو): البروز في وجه النهار (٧)، والرواح بالمساء. قال مقاتل: غدا ﷺ على راحلته، وقال مجاهد (٨): «على رجليه». (تبوئة) المكان: تهيئته واتّخاذه (٩). ﴿مَقْعَدِ:﴾ مجالس (١٠). ١٢٢ - ﴿طائِفَتانِ:﴾ بنو سلمة وبنو حارثة (١١)، أشار عليهم عبد الله بن أبيّ بن (١٢) سلول بالانصراف إلى المدينة والمقام بها (١٣). و ﴿إِذْ:﴾ بدل عن (إذ) الأوّل لاتّحاد وقتهما (١٤)، كقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ﴾

стр. 418

﴿اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ [التّوبة:٤٠]. ﴿هَمَّتْ:﴾ كادت (١)، على سبيل الاستعارة، كقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧]. و (الفشل): «الجبن» (٢). وروي عن بعضهم قال: ما يسرنا أنّا لم نهمّ؛ لأنّ الله أعقب قوله: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما،﴾ وفيه أعظم رجاء (٣). وفي جزء عبد الله: (والله وليّهم) كما في قوله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، وقوله: ﴿خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا﴾ [الحجّ:١٩] (٤). ١٢٣ - (بدر): اسم رجل غفاريّ من بطن يقال لهم: بنو النار، سمّيت بئره باسمه (٥). وكانت غزوة بدر في شهر رمضان سنة ثنتين (٦)، وكان لواء رسول الله ﷺ يومئذ (٧) أبيض مع مصعب بن عمير، وراية سوداء مع عليّ (٨)، وكانت قريش أخرجت عبّاسا وعقيلا مكرهين مع أنفسهم، وكان عبّاس من مطعمي قريش (٩) يومئذ. فلمّا التقت الفئتان أهبّ الله (١٠) ريح النصر لأوليائه، وشاهت وجوه الكفّار، وكان كما قال الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ،﴾ الآية [الأنفال:١٧]، قتل حمزة شيبة بن ربيعة والأسود بن عبد الأسود المخزوميّ، وقتل عليّ العاص بن سعيد والوليد بن عتبة (١١) وعامر بن عبد الله ونوفل بن خويلد وعبد الله بن حميد، وقتل عمر خالد بن العاص بن هشام، وقتل الزّبير عبيدة بن سعيد بن العاص، وقتل عبيدة بن الحارث عتبة بن ربيعة، وضرب عمرو بن الجموح رجل أبي جهل ووقف عليه ابن مسعود وارتقى ظهره واحتزّ (١٢) رأسه، وقتل عمّار عليّ بن أميّة بن خلف (١٣). عن سعيد بن جبير أنّ النّبيّ ﷺ قتل يومئذ ثلاثة صبرا: عقبة بن أبي معيط والنضر بن

стр. 419

الحارث بن كلدة وطعيمة بن عديّ (١). وأسر العبّاس وعقيل ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب، (٧٣ و) فالتجأ عبّاس إلى مثل قولها: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النّمل:٤٢]، فقال النّبيّ ﷺ : الله أعلم بإسلامك (٢) فإن كان حقّا فهو يجزيك، وأمّا ظاهر أمرك فكان علينا، وأمره أن يفدي نفسه وابني أخيه، فقال: مالي شيء ولا تترك عمّك يسأل الناس في كفه، قال ﷺ : أين المال الذي وضعته عند أمّ الفضل بمكّة وأوصيت منه لعبد الله كذا وللفضل كذا؟ فقال: والذي بعثك بالحقّ ما علم به أحد غيري وغيرها وإنّي لأعلم أنّك (٣) رسول الله، فأسلم وأدّى فداء نفسه مئة أوقية وفدى كلّ واحد من ابني أخيه بأربعين أوقية، وأمر عقيلا فأسلم، ولم يسلم نوفل إلى أيّام الخندق (٤). وفائدة فداء عبّاس كون إسلامهم على سبيل الاختيار دون الاضطرار، وقطع ألسنة الطاعنين المنافقين. ﴿أَذِلَّةٌ:﴾ «جمع ذليل» (٥)، وهو قليل الشّوكة والمنعة بالسّلاح والعدد (٦) ودفع الحاجة. ١٢٤ - (إمداد) الجيش: الزّيادة فيهم بالعدد والعدد (٧). والقصّة فيه أنّ فريقا من المؤمنين كرهوا الخروج على ما سنذكره في الأنفال (٨)، فقال ﷺ هذا بوحي من عند الله، فأجابوه بالسّمع والطاعة. ١٢٥ - ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ قال ابن عبّاس: إنّ الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر (٩). قيل: هي عدة ليوم (١٠) أحد على شريطة الصبر، فلم يصبروا ولم يكن هذا الإمداد (١١). وقيل: لمّا وعد النّبيّ ﷺ بثلاثة آلاف بإذن الله وأجابوه بالسمع والطاعة (١٢) زاد الله في تلك العدة، وهذا أصحّ؛ لأنّه قال: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ،﴾ أي: على وجههم وحالهم دون وقت آخر (١٣).

стр. 420

قيل: كانت جملة الملائكة يومئذ ثمانية آلاف (١)؛ لأنّ (بل) يثبت الثاني يدفع (٢) الأوّل في اللفظ ولا يثبتهما معا، وقال في الأنفال: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩] وذلك يكون ألفين (٣)، وألفان مع ثلاثة آلاف خمسة آلاف (٤). ﴿مُسَوِّمِينَ:﴾ قال ابن عبّاس والحسن وقتادة ومجاهد والضحّاك: إنّها الصّوف في نواصي الخيل وأذنابها (٥). وعن ابن عبّاس: عمائم بيض، وكانوا سدلوا بين أكتافهم (٦). وقيل (٧): كانت عمائم صفر مثل عمامة الزّبير يومئذ. وقال مجاهد: كانت (٨) أذناب خيلهم محزوزة (٩). وقيل (١٠): كانوا على خيل بلق. فالجمع بين الأقاويل ممكن ما خلا لون العمائم فإنّها (١١) تخيّلت لقوم بلون ولقوم بلون. ١٢٦ - ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ:﴾ أي: الإمداد (١٢). وقيل (١٣): الوعد المشروط، وإن عظمت بهذا الإمداد شوكتكم وكثرت عدّتكم وسكنت روعتكم. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ﴾ حكم الله وتقديره (١٤). وهذا دليل أنّ العبد محتاج إلى الله تعالى في جميع أحواله (١٥). ١٢٧ - (القطع): إبطال التأليف بالحز (١٦). و (الطّرف): حرف الشخص (١٧). و (الكبت): القهر، والمكبوت: الحزين، والكبت والكبد بمعنى كما يقال: سبد رأسه وسبت،

стр. 421

أي: حلقه (١). و (الانقلاب): الانصراف (٢). و (الخيبة): انقطاع الأمل (٣). ولا بدّ لحروف المعاني من أفعال تتّصل بها (٧٣ ظ) إلى الأسماء فالتقدير (٤): وأنتم أذلّة ليقطع، أو: منزلين ليقطع (٥)، أو: مسوّمين ليقطع، أو (٦): وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع (٧)، ليقتل طائفة منهم وينقصهم. وإنّما استعمل في النقص قطع الطّرف دون الوسط؛ لأنّ قطع الوسط يأتي (٨) على الكلّ. ١٢٨ - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ:﴾ نزلت حين لعن ﷺ أبا سفيان بن حرب والحارث بن هشام وصفوان بن أميّة، فتاب الله عليهم وأسلموا وحسن إسلام بعضهم أو كلّهم (٩). وقيل: نزلت في قنوته على عصية وذكوان حين قتلوا سبعين رجلا ببئر معونة من أصحاب الصفّة (١٠). قال ابن مسعود: كاد ﷺ أن يدعو على المنهزمين يوم أحد فأنزل، وعفا عنهم بعدها (١١). وعن ابن عبّاس وأنس والحسن وقتادة والربيع أنّه ﷺ أراد أن يدعو على الكفّار أجمعين يوم أحد لمّا شجّوا رأسه وكسروا رباعيّته فأنزل (١٢). وقيل: إنّها نزلت في النهي عن المثل والعقوبات (١٣). كانت هند أعطت قلادتها يوم أحد لوحشيّ قاتل حمزة، واتّخذت قلادة من الآذان والأنوف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فحرّمها الله عليها فلم تستطع أن تسترطها (١٤) فلفظتها. وعن سعيد بن المسيّب أنّ عبد الله بن جحش قال قبل أحد: اللهمّ إن لاقينا هؤلاء غدا

стр. 422

فإنّي أسألك (١) أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأدني ويمثّلوا بي، فتقول لي (٢) يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك فيك (٣)، فلمّا كان يوم أحد قيض الله الكفّار ففعلوا به ما تمنّاه، فمرّ به من سمع مقالته فقال: أمّا هذا فقد أعطاه الله في نفسه ما سأله في الدنيا وهو يعطيه ما سأله في الآخرة. ولمّا بلغ الأمر هذا المبلغ همّ ﷺ أن يعمّهم بالدّعاء وأن ينال منهم ضعف ما نالوا فأنزل: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا،﴾ الآية [النّحل:١٢٦] (٤). (من الأمر): الشّأن (٥)، والألف واللام للمعهود، وهو في معنى قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، وقوله (٦): ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال:١٧]. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ:﴾ معطوف على قوله (٧): ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ،﴾ ويحتمل أنّه في معنى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. وقيل: ﴿(أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)﴾ يعني (٨): إلا أن يتوب عليهم (٩) أو يعذّبهم، كقولك: لألزمنّك أو تعطيني حقّي (١٠)، فعلى هذا معناه: ليس لك أن تحكم على أعيانهم بجنّة ولا نار حتما إلى أن يظهر الله أمره ويميز [الله] (١١) الخبيث من الطيّب. ١٢٩ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ:﴾ يدلّ أنّ إطلاق الملك يوجب نفاذ المشيئة واتجاه العذاب على حكم المشيئة (١٢). ١٣٠ - واتّصال آية الرّبا بما تقدّم من حيث ذكر المنن؛ لأنّها توجب الشّكر والانقياد (١٣). وإنّما بدأ بالرّبا؛ لأنّه كان من شرائع الجاهليّة، فنهى المسلمين عنه ليدخلوا في السلم كافّة ولا يتشبّهوا بالكفّار (١٤).

стр. 423

و (الأضعاف): أقلها ثلاثة (١)، والأضعاف المضاعفة أقلّها ستّة. وإنّما ذكر لقبحه في (٧٤ و) المعاملة. ١٣٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ:﴾ إنّما ذكر الرسول ليعلم أنّ أوامره شريعة واجبة وإن لم ينطق بها الكتاب لتقرير الله ذلك بتبقية إعجازه، وقد تواترت الأخبار أنّه ﷺ (٢) قال: (أوتيت الكتاب ومثله مرّتين) (٣). وذكر أولي الأمر في النّساء (٤) ليعلم أنّه يترك (٥) الاجتهاد لاجتهادهم، وأنّ إليهم إقامة الجمعة والعيد والفيء والحدود، وإن وقع التّنازع في شيء رجعوا إلى كتاب الله وسنّة رسوله. ١٣٣ - ﴿وَسارِعُوا:﴾ المسارعة إلى الجنّة، وهي مسابقة بعض الناس بعضا. أو مسابقتهم انقضاء الأجل إلى عمل يوجب الجنّة، فقيل: إنّه التّوبة، وقيل: الغزو، وقيل: الهجرة، وقيل: الوقوف على قضيّة الأمر والنهي، وقيل: الجمعة والجماعات، وعن سعيد بن جبير: الطاعة، وعن أنس بن مالك: التّكبيرة الأولى، وعن عثمان: الإخلاص في العمل، وعن عليّ: الفرائض (٦). ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ:﴾ أي: كعرض السموات (٧). وإنّما حذف لعدم الإيهام كقوله ﷺ : (الضّبع نعجة سمينة) (٨). وذكر العرض دليل على الطّول أنّه زائد، والطّول لا يدلّ على العرض (٩). قيل: جاء يهوديّ إلى عمر بن الخطّاب فقال (١٠): أرأيت قوله: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ،﴾ الآية، فقال عمر لأصحاب محمّد ﷺ : أجيبوه، ولم يكن عندهم فيها شيء، فقال: أرأيت النهار إذا جاء يملأ السموات والأرض، قال: بلى، قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله، فقال عمر: والنّار حيث شاء الله (١١)، فقال اليهوديّ: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين إنّها لفي كتاب الله

стр. 424

المنزل كما قلت (١). ١٣٤ - ﴿السَّرّاءِ:﴾ حالة السرور والنّعمة (٢). و (كظم) الشيء: حبسه عن الظّهور والخروج، يقال: كظم البعير على جرّته، إذا ردّها في حلقه، وكظم فلان القربة (٣)، والكظام: لوح عريض يسدّ به فم النّهر، وهو مستعمل في الغضب والحزن إذا لم يظهرها الإنسان (٤). ١٣٥ و ١٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً:﴾ الآيتان تدلاّن (٥) أنّ الله تعالى أحبّ أن يعبد بابتداء الخير والرّجوع إلى الخير بعد الشّرّ (٦)، وفي الحديث: إنّ الله تعالى يحبّ العبد المفتّن (٧) التوّاب. و (الفاحشة): الكبيرة، و (ظلم الأنفس): الصّغائر (٨). وقيل (٩): الفاحشة: ما يحدوا (١٠)، وظلم النّفس: ما لا يحدوا (١١). ويحتمل قلب هذا. ﴿ذَكَرُوا اللهَ:﴾ بقلوبهم عند ألوان ذمته عليهم بعد الغفلة (١٢). ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ:﴾ استفهام بمعنى التقرير (١٣). ﴿الذُّنُوبَ:﴾ الجرائم التي تكون آثاما دون ما يمكن الناس مغفرته (١٤). واختلف في أرجى آية، قيل (١٥): قوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزّمر:٥٣]، وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ (٥) [الضّحى:٥]، وقيل (١٦): هذه الآية.

стр. 425

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا:﴾ لم يعزموا المقام ﴿عَلى ما فَعَلُوا﴾ بترك نيّة الإقلاع عنها والتّوبة منها (١)، وقال عطاء: إذا أذنب (٢) أحدكم فليسرع إلى الرّجوع (٧٤ ظ) يغفر الله له (٣). ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ عالمين أنّه معصية (٤)، فأمّا إذا اشتبه عليهم ممّا (٥) يسوغ فيه الاجتهاد فلا عليهم (٦). وقيل (٧): وهم يعلمون أنّ الله يقدر أن يجعل الذّنوب مغفورة. ﴿الْعامِلِينَ:﴾ عاملو الخصال المذكورة من الخيرات. ١٣٧ - ﴿سُنَنٌ:﴾ واحدها سنّة، وهو ما وضع من رسم ومثال في السّيرة (٨). قال الحسن وابن إسحق (٩): سنن الله تعالى في المكذّبين، وقال الزّجّاج (١٠): قد خلت من قبلكم ذو سنن وطرائق. ١٣٨ - ﴿هذا:﴾ إشارة إلى التّنبيه على السّنن الخالية (١١)، وقيل (١٢): إلى النّظر المأمور به. ١٣٩ - (الوهن): الضعف (١٣). وإنّما جاز النّهي عنه؛ لأنّ الإنسان ربّما اكتسبه بالجبن والتّخوّف وتمكّن (١٤) الأهوال من القلب. و (العلوّ): الرّفعة والسّموّ مكانا (١٥) أو مكانة. وأراد ههنا المكانة والغلبة (١٦)، ومنه كان فضيلة هذه الأمّة على بني إسرائيل حيث قال لموسى ﵇ وجنده: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ [طه:٦٨]، وقال لهذه الأمّة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١٧).
следующие страницы →