← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أي: حلقه (١). و (الانقلاب): الانصراف (٢). و (الخيبة): انقطاع الأمل (٣). ولا بدّ لحروف المعاني من أفعال تتّصل بها (٧٣ ظ) إلى الأسماء فالتقدير (٤): وأنتم أذلّة ليقطع، أو: منزلين ليقطع (٥)، أو: مسوّمين ليقطع، أو (٦): وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع (٧)، ليقتل طائفة منهم وينقصهم. وإنّما استعمل في النقص قطع الطّرف دون الوسط؛ لأنّ قطع الوسط يأتي (٨) على الكلّ. ١٢٨ - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ:﴾ نزلت حين لعن ﷺ أبا سفيان بن حرب والحارث بن هشام وصفوان بن أميّة، فتاب الله عليهم وأسلموا وحسن إسلام بعضهم أو كلّهم (٩). وقيل: نزلت في قنوته على عصية وذكوان حين قتلوا سبعين رجلا ببئر معونة من أصحاب الصفّة (١٠). قال ابن مسعود: كاد ﷺ أن يدعو على المنهزمين يوم أحد فأنزل، وعفا عنهم بعدها (١١). وعن ابن عبّاس وأنس والحسن وقتادة والربيع أنّه ﷺ أراد أن يدعو على الكفّار أجمعين يوم أحد لمّا شجّوا رأسه وكسروا رباعيّته فأنزل (١٢). وقيل: إنّها نزلت في النهي عن المثل والعقوبات (١٣). كانت هند أعطت قلادتها يوم أحد لوحشيّ قاتل حمزة، واتّخذت قلادة من الآذان والأنوف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فحرّمها الله عليها فلم تستطع أن تسترطها (١٤) فلفظتها. وعن سعيد بن المسيّب أنّ عبد الله بن جحش قال قبل أحد: اللهمّ إن لاقينا هؤلاء غدا

стр. 422

فإنّي أسألك (١) أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأدني ويمثّلوا بي، فتقول لي (٢) يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك فيك (٣)، فلمّا كان يوم أحد قيض الله الكفّار ففعلوا به ما تمنّاه، فمرّ به من سمع مقالته فقال: أمّا هذا فقد أعطاه الله في نفسه ما سأله في الدنيا وهو يعطيه ما سأله في الآخرة. ولمّا بلغ الأمر هذا المبلغ همّ ﷺ أن يعمّهم بالدّعاء وأن ينال منهم ضعف ما نالوا فأنزل: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا،﴾ الآية [النّحل:١٢٦] (٤). (من الأمر): الشّأن (٥)، والألف واللام للمعهود، وهو في معنى قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، وقوله (٦): ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال:١٧]. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ:﴾ معطوف على قوله (٧): ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ،﴾ ويحتمل أنّه في معنى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. وقيل: ﴿(أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)﴾ يعني (٨): إلا أن يتوب عليهم (٩) أو يعذّبهم، كقولك: لألزمنّك أو تعطيني حقّي (١٠)، فعلى هذا معناه: ليس لك أن تحكم على أعيانهم بجنّة ولا نار حتما إلى أن يظهر الله أمره ويميز [الله] (١١) الخبيث من الطيّب. ١٢٩ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ:﴾ يدلّ أنّ إطلاق الملك يوجب نفاذ المشيئة واتجاه العذاب على حكم المشيئة (١٢). ١٣٠ - واتّصال آية الرّبا بما تقدّم من حيث ذكر المنن؛ لأنّها توجب الشّكر والانقياد (١٣). وإنّما بدأ بالرّبا؛ لأنّه كان من شرائع الجاهليّة، فنهى المسلمين عنه ليدخلوا في السلم كافّة ولا يتشبّهوا بالكفّار (١٤).

стр. 423

و (الأضعاف): أقلها ثلاثة (١)، والأضعاف المضاعفة أقلّها ستّة. وإنّما ذكر لقبحه في (٧٤ و) المعاملة. ١٣٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ:﴾ إنّما ذكر الرسول ليعلم أنّ أوامره شريعة واجبة وإن لم ينطق بها الكتاب لتقرير الله ذلك بتبقية إعجازه، وقد تواترت الأخبار أنّه ﷺ (٢) قال: (أوتيت الكتاب ومثله مرّتين) (٣). وذكر أولي الأمر في النّساء (٤) ليعلم أنّه يترك (٥) الاجتهاد لاجتهادهم، وأنّ إليهم إقامة الجمعة والعيد والفيء والحدود، وإن وقع التّنازع في شيء رجعوا إلى كتاب الله وسنّة رسوله. ١٣٣ - ﴿وَسارِعُوا:﴾ المسارعة إلى الجنّة، وهي مسابقة بعض الناس بعضا. أو مسابقتهم انقضاء الأجل إلى عمل يوجب الجنّة، فقيل: إنّه التّوبة، وقيل: الغزو، وقيل: الهجرة، وقيل: الوقوف على قضيّة الأمر والنهي، وقيل: الجمعة والجماعات، وعن سعيد بن جبير: الطاعة، وعن أنس بن مالك: التّكبيرة الأولى، وعن عثمان: الإخلاص في العمل، وعن عليّ: الفرائض (٦). ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ:﴾ أي: كعرض السموات (٧). وإنّما حذف لعدم الإيهام كقوله ﷺ : (الضّبع نعجة سمينة) (٨). وذكر العرض دليل على الطّول أنّه زائد، والطّول لا يدلّ على العرض (٩). قيل: جاء يهوديّ إلى عمر بن الخطّاب فقال (١٠): أرأيت قوله: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ،﴾ الآية، فقال عمر لأصحاب محمّد ﷺ : أجيبوه، ولم يكن عندهم فيها شيء، فقال: أرأيت النهار إذا جاء يملأ السموات والأرض، قال: بلى، قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله، فقال عمر: والنّار حيث شاء الله (١١)، فقال اليهوديّ: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين إنّها لفي كتاب الله

стр. 424

المنزل كما قلت (١). ١٣٤ - ﴿السَّرّاءِ:﴾ حالة السرور والنّعمة (٢). و (كظم) الشيء: حبسه عن الظّهور والخروج، يقال: كظم البعير على جرّته، إذا ردّها في حلقه، وكظم فلان القربة (٣)، والكظام: لوح عريض يسدّ به فم النّهر، وهو مستعمل في الغضب والحزن إذا لم يظهرها الإنسان (٤). ١٣٥ و ١٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً:﴾ الآيتان تدلاّن (٥) أنّ الله تعالى أحبّ أن يعبد بابتداء الخير والرّجوع إلى الخير بعد الشّرّ (٦)، وفي الحديث: إنّ الله تعالى يحبّ العبد المفتّن (٧) التوّاب. و (الفاحشة): الكبيرة، و (ظلم الأنفس): الصّغائر (٨). وقيل (٩): الفاحشة: ما يحدوا (١٠)، وظلم النّفس: ما لا يحدوا (١١). ويحتمل قلب هذا. ﴿ذَكَرُوا اللهَ:﴾ بقلوبهم عند ألوان ذمته عليهم بعد الغفلة (١٢). ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ:﴾ استفهام بمعنى التقرير (١٣). ﴿الذُّنُوبَ:﴾ الجرائم التي تكون آثاما دون ما يمكن الناس مغفرته (١٤). واختلف في أرجى آية، قيل (١٥): قوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزّمر:٥٣]، وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ (٥) [الضّحى:٥]، وقيل (١٦): هذه الآية.

стр. 425

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا:﴾ لم يعزموا المقام ﴿عَلى ما فَعَلُوا﴾ بترك نيّة الإقلاع عنها والتّوبة منها (١)، وقال عطاء: إذا أذنب (٢) أحدكم فليسرع إلى الرّجوع (٧٤ ظ) يغفر الله له (٣). ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ عالمين أنّه معصية (٤)، فأمّا إذا اشتبه عليهم ممّا (٥) يسوغ فيه الاجتهاد فلا عليهم (٦). وقيل (٧): وهم يعلمون أنّ الله يقدر أن يجعل الذّنوب مغفورة. ﴿الْعامِلِينَ:﴾ عاملو الخصال المذكورة من الخيرات. ١٣٧ - ﴿سُنَنٌ:﴾ واحدها سنّة، وهو ما وضع من رسم ومثال في السّيرة (٨). قال الحسن وابن إسحق (٩): سنن الله تعالى في المكذّبين، وقال الزّجّاج (١٠): قد خلت من قبلكم ذو سنن وطرائق. ١٣٨ - ﴿هذا:﴾ إشارة إلى التّنبيه على السّنن الخالية (١١)، وقيل (١٢): إلى النّظر المأمور به. ١٣٩ - (الوهن): الضعف (١٣). وإنّما جاز النّهي عنه؛ لأنّ الإنسان ربّما اكتسبه بالجبن والتّخوّف وتمكّن (١٤) الأهوال من القلب. و (العلوّ): الرّفعة والسّموّ مكانا (١٥) أو مكانة. وأراد ههنا المكانة والغلبة (١٦)، ومنه كان فضيلة هذه الأمّة على بني إسرائيل حيث قال لموسى ﵇ وجنده: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ [طه:٦٨]، وقال لهذه الأمّة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١٧).

стр. 426

﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ متّصل بالنّهي، وقيل: بالخبر (١). ١٤٠ - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ:﴾ نزلت في تسلية المؤمنين ممّا أصابهم يوم أحد (٢). وشاور رسول الله يومئذ أصحابه في الخروج إلى العدوّ وقال: إنّي رأيتني لبست درعا فأوّلتها المدينة، فأشار عليه (٣) ابن أبيّ بن سلول أن لا يخرج، وأشار عليه رجال من المسلمين أن يخرج، فلبس درعا وخرج في ألف رجل، وانخذل ابن أبيّ بن (٤) سلول بثلث الناس غيظا أن لم يقبل قوله، واتبعه عمرو بن حزام. ولمّا وصل (٥) رسول الله ﷺ إلى الشّعب في أحد أمّر عبد الله بن جبير أحد بني عمرو بن عوف على خمسين رجلا من الرّماة وأوصاهم أن لا تبرحوا كانت الحرب لنا أو علينا كي لا تأتينا الخيل من ورائنا. وظاهر بين درعين وجعل ظهره إلى أحد وتهيّأ للقتال. ودفع سيفا إلى أبي دجانة ضمن أن يأخذه بحقّه، وتعمّم بعمامة حمراء (٦) وتبختر بين يدي رسول الله ﷺ فقال: إنّها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في مثل هذا الموضع، وقاتل أبو دجانة يومئذ قتالا شديدا موفيا عهده. وحميت الحرب فقتل عليّ بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء قريش، فخلفه سعد بن أبي طلحة فرمى (٧) سعد بن أبي وقّاص فقتله، فخلفه شافع فرماه عاصم بن ثابت الأنصاريّ وقتله، فخلفه الحكم بن الأخنس ثمّ عبد الله بن حميد وأبو حذيفة بن حميد وأبو أميّة بن حذيفة (٨). وأسر أبو عزّة الجمحيّ الشاعر بعد ما منّ عليه رسول الله ﷺ يوم بدر فجيء به إلى رسول الله ﷺ فضرب عنقه وقال: لا تمسح خدّيك بين الصّفا والمروة وتقول: خدعت محمّدا مرّتين (٩). وصدق الله وعده عبده، وانهزم الكفّار، فكان كما قال (٧٥ و) الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ،﴾ الآية [آل عمران:١٥٢]، فلمّا نظر أصحاب المركز إلى القوم قد انكشفوا أقبلوا يريدون النهب والغنائم وخلّوا ظهور المسلمين (١٠) عارية فأتوا من ورائهم، وصرخ صارخ: ألا (١١) إنّ محمّدا قد قتل، يقال: إنّه كان إبليس، وصار المسلمون ثلاثة أثلاث:

стр. 427

ثلث قتلى وثلث جرحى وثلث منهزمون (١). وكان حمزة يقاتل رجلا من الكفّار، فتعرض وحشيّ وطعنه بحربة في أنثييه فقتله (٢). ثمّ خلصوا إلى رسول الله ﷺ فقذفوه بالحجارة، فأدمي وجهه وأصيبت (٣) رباعيّته، وكان زياد بن السكن الأنصاريّ ممّن شرى نفسه لرسول الله ﷺ وفداه بنفسه، وترس أبو (٤) دجانة نفسه دون رسول الله يقع في ظهره النّبل. وقصد عبد الله بن قميئة الليثيّ قتل رسول الله ﷺ فرد (٥) عنه مصعب بن عمير فقتل مصعبا وهو يرى أنّه رسول الله (٦)، ورجع إلى أبي سفيان مبشّرا بقتل رسول الله ﷺ ، وأقبل أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر وطلحة وغيرهما من المهاجرين فوجدهم (٧) واقفين متحيّرين فقال: ما بالكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ ، قال (٨): فما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا كراما على ما مات عليه (٩) نبيّكم، ثمّ انحاز (١٠) إلى القوم فقاتل حتى قتل (١١). وأوّل من عرف رسول الله بعد هذا كعب بن مالك، قال: عرضت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليّ أن اسكت (١٢). ثمّ نهض المسلمون إلى رسول الله يقيم نحو الشّعب. ونادى أبو سفيان حين أراد الرّجوع بأعلى صوته: اعل هبل، فوق ذروة الجبل، يوم بيوم (١٣)، يوم أحد بيوم بدر، فأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطّاب أن يجيبه، فقال: الله أعلى وأجلّ لا سواء قتلانا في الجنّة يتنعّمون وقتلاكم في النار يعذّبون (١٤)، فلمّا سمع أبو سفيان ذلك فقال: هلمّ يا عمر أنشدك الله هل قتلنا محمّدا؟ قال: كلاّ وإنّه ليسمع كلامك، فقال: والله إنّك عندي أصدق من عبد الله [بن] (١٥) قمية الليثيّ، زعم أنّه قتله (١٦).

стр. 428

وكان ﷺ يقول يومئذ لسعد: ارم فداك أبي وأمّي (١). وأصيبت عين قتادة بن النّعمان حتى وقعت [على] (٢) وجنتيه فردّها رسول الله إلى مكانها فعادت كأحسن ما كانت (٣). ولمّا انصرف رسول الله ﷺ تبعه أبيّ بن (٤) خلف يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال بعض: ألا يعطف عليه رجل؟ فقال ﷺ : دعوه، حتى إذا دنا تناول حربة من الحارث بن الصمة، ثمّ عطف عليه وأشار بها إلى عنقه، فخدش خدشة وتدهدى (٥) عن فرسه يقول: قتلني محمّد، وأحاطت به قريش تقول: ما بك (٦) بأس، وهو يقول: بلى فإنّ محمّدا كان توعّدني أن يقتلني فلو بزق عليّ بعد مقالته (٧٥ ظ) تلك لقتلني (٧)، فكان كما قال ولم يبلغ مكّة. ولمّا انتهى رسول الله [إلى] (٨) فم الشّعب استقبلته فاطمة معها قربة من ماء وغسلت الدّم عن وجهه، ثمّ جيء بعليّ وعليه نيّف وستّون (٩) جراحة من طعنة ورمية وضربة، فجعل رسول الله يمسحها بإذن الله، فتلتئم بإذن الله كأن لم تكن. وجيء بحمزة وسائر الشّهداء فصلّى عليهم رسول الله ﷺ حتى كبّر سبعين تكبيرة، فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من صلاته مال نساء المدينة يبكون لموتاهنّ، فقال (١٠): أمّا حمزة لا بواكي له، فبكى (١١) نساء المدينة حمزة أوّلا ثمّ بكين قتلاهنّ، وصار (١٢) ذلك عادة لهنّ إلى يومنا هذا. (مداولة الأيّام): صرفها وإدارتها (١٣). ﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ عطف على المعنى، وكأنّه قال: إن يمسسكم قرح فلأنّه مسّ القوم قرح مثله وليعلم. وقيل: فيه إضمار، وتقديره: نداولها بين النّاس لضروب من المصلحة وليعلم الله (١٤). وقيل: أوّل القصّة: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢]، (وليعلم): عطف عليه.

стр. 429

﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ:﴾ يجتبيكم (١) بالشّهادة. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ:﴾ أي: لم يدلهم عليهم (٢) لمحبّتهم ولكن بهذه المعاني. ١٤١ - و (التّمحيص والمحق) كلاهما إذهاب الشيء، إلا أنّ المراد بتمحيص المؤمنين تمحيص ذنوبهم وما في قلوبهم من الغلّ والعيوب، وبمحق الكافرين سلب عزّهم وشوكتهم وإزهاق أرواحهم بالعقوبة لهم في ثاني الحال أو بالمداولة (٣). ١٤٣ - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ:﴾ نزلت في قوم لم يشهدوا بدرا فلمّا شاهدوا الموت في أصحابهم يوم أحد فرّوا فهزموا ولم يقدموا لما تمنّوا، عن الحسن ومجاهد وقتادة والرّبيع (٤)، وهي وجه العتاب، وإنّما تمنّوا ذلك؛ لأنّهم كانوا متيقنين بمحاربة (٥) الكفّار وقتلهم بعض المسلمين، فلم يقع تمنّيهم لغلبة الكفّار ولكنه لما رجوه من أن يكون ذلك البعض (٦). واختلف في رؤية الأعراض، فمن جوّز أراد به رؤية العينين، ومن لم يجوّز فهي رؤية القلب (٧). ١٤٤ - ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ:﴾ نزلت في المنهزمين يوم أحد وفي المتشكّكين في أمرهم، إذ سمعوا: ألا إنّ محمّدا قد قتل، فأخبرهم الله تعالى أنّ محمّدا ليس إلا رسولا، وأنّه قد خلت من قبله الرّسل موتا وقتلا، أي: هو صائر (٨) إلى ما صاروا إليه، وأنكر عليهم الانقلاب على أعقابهم إن مات أو قتل (٩). وألف الاستفهام داخلة على الشّرط لفظا وعلى الجزاء معنى؛ لأنّ الجزاء كلام مستقلّ بنفسه كقوله (١٠): ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، أي: أفهم الخالدون إن متّ (١١)؟

стр. 430

وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً﴾ تهديد ووعيد (١)، كما في قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ [آل عمران:٩٧]، ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ [البقرة:٥٧]. والمراد ب ﴿الشّاكِرِينَ:﴾ المضادّون للمنقلبين المرتدّين، كخليفة (٢) رسول الله أبي بكر الصّدّيق وأمثاله (٣). ١٤٥ - (إذن (٤) الله) ههنا قدر الله (٥)، وفي الآية تشجيع للمؤمنين (٦). ﴿كِتاباً﴾ (٧٦ و) ﴿مُؤَجَّلاً:﴾ «مؤقّتا» (٧). ومثله يجيء للتأكيد كقوله: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ [النّساء:١٢٢]، و ﴿كِتابَ اللهِ﴾ [البقرة:١٠١]، و ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ [النّمل:٨٨]، و ﴿رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء:٢٨]، و ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ [النّبأ:٣٦] (٨). ﴿ثَوابَ الدُّنْيا:﴾ الغنيمة والذّكر (٩). و ﴿ثَوابَ الْآخِرَةِ:﴾ المغفرة والأجر (١٠). والمراد ب ﴿الشّاكِرِينَ:﴾ مريدو ثواب الآخرة (١١). وإنّما كرّر وعد جزائهم للتأكيد (١٢)، وقيل: لما يجمع لهم من ثواب الدّارين (١٣). ١٤٦ - ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ في معنى (كم) (١٤). والقتل واقع على النّبيّ وعلى الرّبّيّين معه في قراءة من قرأ بغير ألف (١٥)، والوهن منفيّ عن

стр. 431

الباقين كذلك على قراءته كقول الرجل: هزمنا بنو فلان وقتلونا، أي: قتلوا أصحابنا (١). و (الرّبّيّون): جمع ربية، وهي الجماعة (٢). وقيل: الرّبّيّ (٣) والرّبّانيّ: الرجل المنسوب إلى الرّبّ (٤). ﴿فَما وَهَنُوا:﴾ أي: بعقولهم وآرائهم (٥). ﴿لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ من الشّدائد والمصائب (٦). ﴿وَما ضَعُفُوا:﴾ بقلوبهم (٧). ﴿وَمَا اِسْتَكانُوا:﴾ ما خضعوا وما تضرّعوا ولكن صبروا (٨). ١٤٧ - ﴿قَوْلَهُمْ:﴾ نصب؛ لأنّه خبر (ما) (٩). و (الذّنوب): هي الآثام (١٠). و (الإسراف): مجاوزة الحدّ والتّمادي والانهماك، والسرف ضدّ القصد (١١). ١٤٨ - وقوله: ﴿فَآتاهُمُ اللهُ﴾ الآية، تحريض للمؤمنين أن يقتدوا بأولئك الماضين لينالوا ما نالوا (١٢). وإنّما قال (١٣): ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ﴾ للتأكيد وإزالة الإيهام فإنّ من المثوبة ما ليس فيه، قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً﴾ [المائدة:٦٠] (١٤).

стр. 432

﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾ يدلّ أنّهم كانوا بهذه الخصال محسنين (١). ١٤٩ - لمّا حذّر الله المؤمنين الانقلاب على أعقابهم إن مات رسوله ﷺ أو قتل ذكر السّبب الدّاعي إلى ذلك ليحذروه، وهو طاعة الكفّار (٢). ١٥٠ - ﴿بَلِ اللهُ:﴾ (بل): للإضراب عن الأوّل والإقبال على الثاني (٣)، أي: بل الله هو أهل لأن يطاع لا الذين كفروا (٤). ١٥١ - ﴿سَنُلْقِي:﴾ قيل: لمّا انصرف أبو سفيان عن أحد قال: أين الموعد؟ فأمر النّبيّ ﷺ أن يقول: بدر الصّغرى، فرجع على ذلك، فلمّا كان وقت ذلك (٥) ألقى الله ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ (٦) فلم يحضروا، وأرسلوا نعيم بن مسعود الثّقفيّ يخوّف المسلمين لئلا يخرجوا، وفي ذلك أنزل الله: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]. و ﴿الرُّعْبَ:﴾ «الخوف» (٧). ﴿بِما أَشْرَكُوا:﴾ الباء للسّبب (٨). ﴿بِاللهِ:﴾ الباء بمعنى (مع). ﴿بِهِ:﴾ أي: بعبادته وإشراكه. «و (السّلطان): الحجّة والبرهان» (٩)، قال الله: ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [الرّحمن: ٣٣]، وقال: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥]. وكلّ معبود دون الله لم ينزّل الله به سلطانا قطّ. و (المثوى): موضع اللبث والثواء (١٠). ١٥٢ - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ:﴾ أنزل الله تثبيتا للمؤمنين وحسما للخواطر الفاسدة، وبيّن

стр. 433

أنّه (١) صدق وعده بالتّمكين من أصحاب الألوية وأبي عزّة الجمحيّ وأمثاله وردّ (٢) الكفّار أجمعين يوم أحد من أوّل الالتقاء إلى أن عصت الرّماة بتركهم المركز بعد ما أراهم الله ما يحبّون من النصرة والظّفر، وتنازعوا واختلفوا فيما بينهم، وفشلوا بما سمعوا من الإرجاف (٧٦ ظ) أنّ محمّدا قد قتل، ثمّ صرفهم بعد ذلك عن الكفّار بما كسبوا، وأدالهم منهم ليمتحنهم بالقتل والشّدائد عقوبة لتركهم المركز، وإنّما عفا عنهم كما عفا عن بني إسرائيل بعد الموت وقتل الأنفس (٣). ﴿تَحُسُّونَهُمْ:﴾ تهلكونهم بمشيئته وأمره، يقال: البرد محسّة للنّبت (٤). وقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا،﴾ الآية، قيل (٥): عارض. وقيل: بيان لحالهم عند تركهم المركز فإنّ بعضهم (٦) ترك للغنيمة وبعضهم للجهاد ومباشرة القتال والوقت (٧). ١٥٣ - والمراد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ وقت صرفهم وابتلائهم. و (الإصعاد): هو الذهاب في الصّعود وهو الارتقاء (٨)، وقيل (٩): الإصعاد: الإبعاد في الأرض، وقيل (١٠): أن تذهب على وجهك (١١) ولا تميل. ﴿وَلا تَلْوُونَ:﴾ لا تثنون ولا تعرّجون (١٢). ﴿فِي أُخْراكُمْ:﴾ أي: «من ورائكم: (١٣)، يقول: إليّ عباد الله، [إليّ] (١٤) يا أهل سورة البقرة وآل عمران. ﴿غَمًّا بِغَمٍّ:﴾ أي: على (١٥) غمّ. فالأوّل الهزيمة، والثاني ما ذكره ابن جريج أنّ أبا سفيان لمّا توسّط الشّعب وقف فظنّ المسلمون أنّه سوف يميل عليهم فأنساهم ذلك الغمّ الأوّل (١٦).

стр. 434

وقيل (١): غمّكم مكان ما غممتم نبيّه لترك إجابته. ﴿لِكَيْلا:﴾ أي: إنّما أثابكم غمّا لئلا ﴿تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ من الغنائم ﴿وَلا ما أَصابَكُمْ﴾ من العناء والمشقّة والجراح (٢)، قيل: هذا الغمّ الثاني (٣) الذي أنساكم الغمّ الأوّل مخافة الاستئصال. و (الغمّ): حزن كأنّه يغشى القلب ويستره لما يشغله عن كلّ شيء (٤). ١٥٤ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ:﴾ والقصّة أنّ أبا سفيان لمّا وعدهم الرّجوع تهيّأ المسلمون للقتال، وطارت قلوب المنافقين، فأنزل الله ﴿أَمَنَةً﴾ على المسلمين حتى غشيهم النّعاس وامتازوا عن المنافقين (٥). وذلك أدلّ دليل على وفور الأمن وزوال الخوف، ولذلك قال ﷺ : (النّعاس في الحرب من الرّحمن وفي الصلاة من الشّيطان) (٦). روى أنس عن أبي طلحة قال: أغشانا (٧) النّعاس يوم أحد ونحن في مصافّنا (٨). ﴿أَهَمَّتْهُمْ:﴾ شغلتهم ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ عن كلّ شيء حتى لم يهتمّوا إلا لأنفسهم (٩). و ﴿غَيْرَ الْحَقِّ:﴾ هو الباطل ﴿ظَنَّ﴾ أهل ﴿الْجاهِلِيَّةِ﴾ (١٠). ثمّ بيّن ظنّهم فقال (١١): ﴿يَقُولُونَ،﴾ أي: في أنفسهم ﴿هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ (١٢)﴾ شَيْءٍ: على وجه الإنكار، أي: ما لنا من الخير والظّفر والفلاح من شيء في متابعة هذا الرجل وفي هذه الحروب (١٣). وقوله: ﴿لَوْ كانَ:﴾ استدلالهم الفاسد واعتبارهم الباطل، فبيّن الله تعالى أنّ المعلوم المقدّر كائن لا محالة (١٤)، وذلك وحده لا يدلّ على حقّ وباطل إذ هو علم في جميع الحيوان.

стр. 435

﴿كُتِبَ:﴾ قدّر وقضي (١). و (المضجع): موضع الإضجاع (٢). والمراد بالمضاجع ههنا المصارع (٣). ١٥٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ:﴾ نزلت في المنهزمين يوم أحد، منهم من انهزم ساعة، ومنهم من رجع إلى المدينة، (٧٧ و) ومنهم من خرج إلى جلعب (٤)، جبل بالمدينة، فلم يرجع إلا (٥) بعد ثلاث. ﴿اِسْتَزَلَّهُمُ:﴾ بأن خوّفهم أن يقتلوهم قبل التوبة والإقلاع عن الذّنوب والمظالم. وإنّما توصّل إلى تخويفهم بشؤم (٦) تركهم المركز، فعفا الله عنهم أجمعين (٧). ١٥٦ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نزلت في المؤمنين تحذيرا أن يكونوا كالمنافقين (٨). وإنّما قال: ﴿إِذا ضَرَبُوا﴾ ولم يقل: إذ ضربوا؛ لأنّ المراد هو الإخبار عن عادتهم في الحال والماضي والمستقبل دون الإخبار عن فعلة واحدة فيما مضى (٩). و ﴿غُزًّى:﴾ جمع (غازي)، كركّع وسجّد جمع راكع وساجد (١٠). و (الغزو): الخروج إلى القتال (١١). ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ:﴾ «لام العاقبة» (١٢). وإنّما يصير ﴿ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لافتضاحهم في الدنيا وخسرانهم في الآخرة (١٣). والله هو المحيي والمميت في الحقيقة لا (١٤) هذه الأسباب الموهمة للموت (١٥).

стр. 436

١٥٧ - واللام في قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب (لئن) (١). ﴿خَيْرٌ:﴾ لكم. وذلك لأنّ القتيل والميّت محتاجان إلى مغفرة ورحمة من الله، مستغنيان من حطام الدنيا، فما يحتاجان إليه أبدا هو ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ممّا يستغنيان عنه (٢). ١٥٨ - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ:﴾ بشرى للعارفين وتطميع (٣) للمحسنين وتنبيه للمذنبين وتقريع للكافرين (٤). ١٥٩ - ﴿فَبِما رَحْمَةٍ:﴾ (ما): صلة عند الكوفيّين (٥)، وقائم مقام (شيء) عند البصريّين والرّحمة كالبدل والبيان (٦). و (اللّين): ضدّ الخشونة والفظاظة، ورجل ليّن الجانب إذا كان رقيقا سهل المأخذ (٧). و (الفظّ) في الأصل: ما في الكرش من الفرث، ورجل فظّ: سيّئ العشرة والخلق (٨). وإنّما زاد (غلظ القلب) في الوصف للتّأكيد؛ لأنّ من الناس من يكون رقيق القلب سريع الرّضا حسن المرجع مع (٩) سوء الخلق والعشرة. و (الانفضاض): التّفرّق والانتشار (١٠). ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ:﴾ يقتضي إباحة العفو (١١). ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ:﴾ على الوجوب (١٢). ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ:﴾ على النّدب والإباحة (١٣). والمعنى فيه استمالة قلوب القوم بالإصغاء إليهم وبإشراكهم في إمضاء الأمر (١٤).

стр. 437

﴿فَتَوَكَّلْ:﴾ فرض لازم لا يسع تركه (١). ١٦٠ - في قوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ﴾ بيان المعنى الموجب للتّوكّل (٢). وخذلانك صاحبك: وكولك (٣) إيّاه إلى قدر نفسه بلا إعانة ولا توفيق إرادة منك هوانه، يقال: ظبية خذول، إذا قعدت عن تعهّد ولدها (٤). وقالت (٥) الأشعرية: الخذلان نسخ قدرة الخير بقدرة الشّرّ. ١٦١ - ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ:﴾ نزلت في يوم بدر، فقدوا قطيفة حمراء فاتّهم بعض المنافقين أو الجهّال رسول الله (٦). و (الغلول): الخيانة (٧)، وأصله من انغلال (٨) الماء بين الأشجار (٩). وتواترت الأخبار في تعظيم شأن غلول الغزاة في الغنيمة (١٠). ١٦٢ - اتّباع رضوان الله: اتّباع ما يرضاه من الأفعال كالأمانة، والذي ﴿باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ هو الغالّ ونحوه (١١). و (السخط): إرادة الخذلان والشّرّ (١٢). ١٦٣ - معنى ﴿هُمْ دَرَجاتٌ:﴾ أنّ المتّبعين رضوان الله والذين باؤوا بسخط منه (٧٧ ظ) ليسوا في درجة واحدة ولكنّهم ذوو درجات ومدارج (١٣). وأمّا أهل الجنّة فأمرهم معروف وقد قال ﷺ : إنّ أهل الجنّة ليتراءون (١٤) أهل علّيّين كما ترون الكوكب الدّرّيّ في أفق السماء وإنّ أبا بكر وعمر منهم وأنعما (١٥). وأمّا أهل النار فإنّ لهم دركات لا محالة بعضها أسفل من بعض،

стр. 438

ولا يكون بعضها أسفل إلا وبعضها أعلى، فالأعلى درجة بمقابلة الأسفل (١). ١٦٤ - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر المنن في قوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] (٢). ووجه المنّة ههنا أنّه لو كان من غير العرب لمنعتهم النّخوة العربيّة عن الإيمان به، ولما فهموا كلامه، ولا نالوا به شرفا ومجدا، فأرسل إليهم ﴿رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عرفوه وامتحنوه وسمّوه أمينا قبل دعوته ليزيدهم أسباب الإيمان. وإن أجرينا على العموم فهو من أنفسنا؛ لأنّه آدميّ مثلنا من ذرّيّة نوح تمكننا متابعته في هديه وسمته، ولا تنفر عنه طباعنا (٣). ﴿وَإِنْ كانُوا:﴾ ما كانوا إلا في ضلالة (٤)، كقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ [الشّعراء:١٨٦]، واللام مكان الاستثناء (٥). وقيل: المبالغة، أي: يرشدهم وإن كانوا غير راشدين، لنوع تأكيد. ١٦٥ - ﴿أَوَلَمّا:﴾ استفهام بمعنى الإنكار (٦). وهو داخل على الفعل العامل في (لمّا)، أعني قوله: ﴿قُلْتُمْ،﴾ والواو للعطف على مضمر، فكأنّه قال: أعصيتم أمر نبيّكم وقلتم (٧). ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها:﴾ عارض، وهو كالوصف لهذه المصيبة المذكورة (٨). والمراد ب ﴿مِثْلَيْها﴾ ما أصابوا يوم بدر ووجه النّهار (٩) من يوم أحد إلى أن صرفهم الله عنهم بما كسبوا (١٠). ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ:﴾ قال الكلبيّ (١١): هو من عند أنفسهم بتركهم المركز. وعن قتادة بخروجهم من (١٢) المدينة، وكان من رأيه ﷺ أن يتحصّن بالمدينة، وبذلك عبر رؤياه، وأشار

стр. 439

عليه ابن أبيّ بن سلول (١). وعن عليّ بأخذهم الفداء يوم بدر، ولو قتلوا الأسارى لما بقيت للكفّار شوكة، وقد عاتبهم الله على أخذ الفداء يومئذ حيث قال: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ [الأنفال:٦٧] (٢)، وفيه بعد وغموض. ١٦٦ - ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ:﴾ بمشيئته وتقديره (٣). والفاء لكونه (٤) مشبها بجواب الشّرط؛ لأنّ (ما) مناسب (٥) للشّرط. ١٦٧ - ﴿الَّذِينَ نافَقُوا:﴾ خالفوا ظاهر أمرهم، أراد ابن أبيّ بن سلول وأصحابه حين انخزلوا (٦). وإنّما سمّي المنافق منافقا تشبيها باليربوع (٧)، وذلك أنّ له جحرين يقال لأحدهما القاصعاء والآخر النّافقاء، فإذا طلب من أحدهما خرج من الآخر، وقيل: اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق (٨) التراب، فإذا أرابه (٩) ريب رفع التّراب برأسه فخرج، و (النّفق): السرب، ونفق الشّيء، إذا دخل في السرب، وتنفّقته إذا استخرجته (١٠). ﴿أَوِ اِدْفَعُوا:﴾ قاتلوا دفعا عن حريمكم إن لم تقاتلوا (١١) حسبة. وقيل (١٢): كثّروا الجيش بخيلكم إن لم تقاتلوا؛ لأنّ تكثير الجيش يؤثّر في قلوب الأعداء. (٧٨ و) ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً:﴾ أي: لا يكون اليوم قتال ولو (١٣) علمنا أنّ اليوم قتال لكنّا معكم (١٤). وإنّما جعلهم يومئذ إلى الكفر أقرب؛ لأنّ المراد ظاهرهم، كانوا قبل ذلك إلى الإيمان أقرب بما يظهرون من موالاة المؤمنين، فصاروا يومئذ إلى الكفر أقرب لإظهارهم العداوة والخذلان، ولو كان باطنهم مرادا لكانوا يومئذ وقبله وبعده سواء في كونهم كفّارا على الحقيقة عند الله (١٥).

стр. 440

١٦٨ - ﴿الَّذِينَ:﴾ نصب، بدل عن الأوّل (١). ﴿لِإِخْوانِهِمْ:﴾ في النّسبة، وبنو أعمامهم (٢). وقيل (٣): إخوانهم في النّفاق الذين قاتلوا رياء لا جهادا فقتلوا. و (القعود): الجلوس، ومجازه التّخلّف عن السّعي في الأمور (٤). ﴿قُلْ فَادْرَؤُا:﴾ «ادفعوا» (٥) ﴿الْمَوْتَ:﴾ المكتوب عليكم عن (٦) أنفسكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ:﴾ أنّهم لو قعدوا لصرفوا القتل المكتوب عليهم عن (٧) أنفسهم. ١٦٩ - ﴿أَحْياءٌ:﴾ رفع؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: بل هم أحياء (٨). وقال الزّجّاج (٩): لو كان منصوبا على تقدير: احسبهم أحياء، لكان جائزا، وليس كذلك؛ لأنّ الأمر من الحسبان غير جائز (١٠). ١٧٠ - و (الفرح): السّرور (١١). و (الفرح) (١٢): ذو الفرح، كالورع والوجل. ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ:﴾ أي: كما يفرحون بأحوال أنفسهم فكذلك يفرحون بما يبشّرهم الله به من الوعد لإخوانهم ﴿أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (١٣). ١٧٢ - ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا:﴾ نعت للمؤمنين (١٤). واستجابتهم حين ندبهم رسول الله ﷺ إلى قتال قريش ببدر الصّغرى، وهو ماء لبني كنانة عليها بطن منهم (١٥). وقيل: إنّ قريشا لمّا رجعوا من أحد وكانوا (١٦) بالروحاء قال بعضهم

стр. 441

لبعض: بئس ما صنعتم، لا محمّدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فندب المؤمنين إلى الخروج إليهم (١)، فأجابوه بالسّمع والطّاعة، ولمّا بلغ ذلك قريشا مضوا ولم يرجعوا (٢). ١٧٣ - ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ:﴾ القائل: نعيم بن مسعود الأشجعيّ وحده، وذلك أنّه (٣) أراد المدينة فأتاه أبو سفيان وقال: إنّي واعدت محمّدا أن نلتقي ببدر الصّغرى وليس يتأتّى (٤) لي ذلك الآن، وأكره أن يخرج هو وأصحابه ولا تخرج نحن فيزيده ذلك جرأة (٥)، فثبّطه عن الخروج ولك عشرة من الإبل، فقدم نعيم بن مسعود وخوّف المؤمنين فلم يصغوا إليه (٦). ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ:﴾ «كافينا الله» (٧). أحسبك الشّيء، إذا كفاك، وأحسبك فلان، إذا أعطاك حتى قلت: حسبي (٨). و ﴿الْوَكِيلُ:﴾ الذي يوكل الأمر إليه (٩). ١٧٤ - ﴿فَانْقَلَبُوا:﴾ القصّة فيه (١٠) أنّهم لمّا وافوا بدرا الصّغرى سنة أربع من الهجرة أصابوا سوقا وربحوا ربحا كثيرا وكسبوا أجرا عظيما باستجابتهم (١١) ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ:﴾ قتال ولا شرّ (١٢). وعن عثمان قال: والله ربحت دينارا بدينار. ١٧٥ - ﴿إِنَّما ذلِكُمُ:﴾ الإشارة إليه كقوله: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ [البقرة:٢]، و ﴿الشَّيْطانُ﴾ كالبيان للمشار (١٣) إليه. ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ:﴾ لأنّ قوله إنّما ينجع في قلوب أوليائه من الكفّار والمنافقين دون أولياء الله من المؤمنين، (٧٨ ظ) إذ المؤمن لا يخاف غير الله (١٤).

стр. 442

وقيل (١): يخوّف بأوليائه، كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥]. ١٧٦ - ﴿وَلا يَحْزُنْكَ:﴾ نزلت في المنافقين، عن مجاهد وابن إسحق (٢). وقيل: في رؤساء اليهود الذين كتموا نعت (٣) النّبيّ ﷺ . والنّهي مصروف إلى غير المنهيّ، كقولك (٤): لا أرينّك ههنا، ولا يرينّك أحد. والحزن لكفر الكافرين طاعة ما لم يجاوز الحدّ، فالنّهي (٥) ههنا عن مجاوزة الحدّ في الحزن دون الحزن القليل، كقوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر:٨]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] (٦). و (مسارعتهم في الكفر): مسابقتهم فيما بينهم (٧). ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ:﴾ بيان لغير النّبيّ ﷺ ، إذ هو كان عالما بذلك قبل هذا البيان بإذن الله ، كقوله: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ [البقرة:٥٧]. ثمّ بيّن موجب مسارعتهم في الكفر، وهو إرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة (٨). ١٧٨ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ في محلّ الرّفع بإسناد الفعل إليه إذا قرأت بالياء، وفي محلّ النّصب إذا قرأت بالتّاء (٩). ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ:﴾ مفعول قائم مقام مفعولين إذا قرأت بالياء، كقولك: لا يظنّنّ زيد أنّه منطلق، وهو المفعول الثاني لفظا إذا (١٠) قرأت بالتّاء، كقولك: لا تظنّنّ زيدا أنّه منطلق، وفي الحقيقة (١١) المفعول الثاني هو المفعول حقيقة فقط؛ لأنّك تنهى عن ظنّ الانطلاق لا عن زيد نفسه.

стр. 443

و (الإملاء): «الإمهال» (١). ١٧٩ - ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ نزلت في الفرق بين المخلصين والمنافقين، عن ابن جريج ومجاهد وابن إسحق (٢)، وذلك أنّ القوم تمنّوا أن يعطوا علامة يعرفون بها أحد الفريقين من الآخر (٣). ومعناه: ما الله (٤) بتارك للمؤمنين. واللام لام الجحد، وإنّما تنصب لأنّها في الحقيقة لام (كي) (٥). ﴿عَلى (٦)﴾ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ: من حال الالتباس والاختلاط (٧). ﴿حَتّى:﴾ غاية لمجال (٨) الالتباس، كقولك: لست أدعك على ما أنت عليه حتى (٩) أعزّك وأكرمك. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ أي: لا يعطيكم ما تمنّيتم من العلامة، ولكنّ الله يلهم ويعطي العلامة من اجتباه من رسله، كقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ [أَحَداً] (١٠)﴾ (٢٦) الآية [الجنّ:٢٦]. و (الاجتباء): الاختيار (١١)، أصله من اجتبيت الماء، إذا حصّلته لنفسك (١٢). ١٨٠ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ:﴾ نزلت في اليهود، بخلوا بإظهار نعت النّبيّ ﷺ ، عن ابن عبّاس (١٣). وقيل (١٤): مانعي الزّكاة. وقيل (١٥): في الذين امتنعوا عن الإنفاق من الجهاد. و (البخل): الشّحّ، وضدّه: السّخاوة (١٦)، وفي الحديث أنّ البخل والجبن لا يجتمعان في قلب مؤمن (١٧).

стр. 444

﴿سَيُطَوَّقُونَ:﴾ أي: يجعل ذلك طوقا في أعناقهم، جاء في التّفسير أنّه يجعل شجاعا أقرع فيطوّق به البخيل الذي يمنع الواجبات (١). و (الميراث): اسم من ورث، كالميزان من وزن (٢). ١٨١ - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ:﴾ نزلت في فنحاص بن عازور اليهوديّ من بني قينقاع، وذلك أنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁ قرأ ذات يوم: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً﴾ (٧٩ و) ﴿حَسَناً﴾ [البقرة:٢٤٥]، فقال اليهوديّ على وجه الاستهزاء: لئن كنت صادقا فإنّ الله إذا لفقير، فلطم أبو (٣) بكر وجهه، فرفع اليهوديّ ذلك إلى النّبيّ ﷺ وأنكر قول نفسه، فأنزل الله تصديقا للصّدّيق وتقريعا لليهوديّ (٤). والآية تدلّ [على] (٥) أنّه لا يجوز أن (٦) يوصف الله بما لا يليق به جدّا ولا هزلا ولا على وجه التّشنيع، تعظيما له. ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا:﴾ في نسخ أعمالهم (٧). و (القتل): معطوف على (ما قالوا) (٨). ﴿وَنَقُولُ:﴾ عند إدخالهم النار، أو عند استصراخهم فيها: ﴿ذُوقُوا﴾ (٩). ﴿الْحَرِيقِ:﴾ اسم (١٠) من الإحراق. ١٨٢ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى كتابة (١١) قولهم وقتلهم، وإلى القول لهم: ذوقوا (١٢). وإنّما أسند الفعل إلى (اليد)؛ لأنّ أكثر العمل إنّما يكون بها (١٣). ﴿وَأَنَّ اللهَ:﴾ «بأنّ الله» (١٤). وإنّما جعله سببا؛ لأنّ (١٥) كتابة قتل الأنبياء بغير حقّ عدل منه، ولو لم يكتب ذلك لكان ظلما على الأنبياء، تعالى الله عن ذلك، وإبدال المؤمنين عنهم فدا

стр. 445

ظلم (١)، والله ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ،﴾ فبقوا (٢) في النار غير معذبين، أو لأنّه بتعذيبهم غير ظالم فلذلك يعذّبهم، ولو كان تعذيبهم ظلما لما عذّبهم (٣). ١٨٣ - ثمّ وصف العبيد الذين تقدّم ذكرهم ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا:﴾ تأويلا (٤)، قال (٥) ﷺ : من جاءكم كلام (٦) ما أتيتكم به فلا تقبلوه. فأخطؤوا في التأويل ولم يعلموا أنّ كلّ ما يقع به الإعجاز شيء واحد، فتعلّقوا (٧) بالصّورة وطالبوا بالكيفيّة الظاهرة جهلا. وقيل: إنّهم قالوا ذلك اختلاقا وافتراء، لم يكن عندهم شيء ممّا يحتمل هذا المعنى بوجه من الوجوه، ألا ترى نقض الله تعالى عليهم علّتهم بقوله: ﴿قُلْ قَدْ (٨)﴾ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي. وقيل: إنّ في التّوراة: من جاءكم يزعم أنّه رسول نبيّ فلا تصدّقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله نار منزلة من السماء حتى يأتيكم المسيح وخاتم النّبيّين، فأظهروا بعضا وكتموا بعضا (٩)، فكذّبهم الله في ادّعائهم التّمسّك بالعهد (١٠). و (القربان) (١١): اسم لما يتقرّب (١٢) به إلى الله تعالى من المال، كالنهبان (١٣). وهو مخصوص بالنعم الأهلي (١٤) في الأحكام. وكان بنو إسرائيل قبل أن غيّر الله عليهم يذبحون القرابين ويضعونها في بيت لا سقف له، فتنزل نار بها صوت فتأكلها إن كانت طيّبة متقبّلة، وكذلك قربان هابيل (١٥). ١٨٤ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ:﴾ تسلية للنّبيّ ﷺ (١٦).

стр. 446

﴿وَالزُّبُرِ:﴾ جمع زبور، والزّبور كلّ كتاب ذي حكمة، وزبرت الكتاب، إذا أحكمته (١). ﴿الْمُنِيرِ:﴾ المبين (٢). ١٨٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ:﴾ [فيه] (٣) تسلية للنّبيّ ﷺ أيضا من حيث إنّ نعيم الدنيا وبؤسها لا يبقيان (٤)، وأنّ الناس إنّما يوفّون أجورهم يوم القيامة، فالاعتبار بالحالة الآخرة دون هذه (٥). و (ما) (٦) في ﴿وَإِنَّما:﴾ كافّة، إذ لو كانت بمعنى (الذي) لكان ﴿أُجُورَكُمْ﴾ (٧) بالرّفع، ولكان قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ من الصّلة، والصّلة لا تنفكّ عن الموصول، كقوله (٨): ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ [يس:١١]، ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ﴾ [فاطر:٢٨]، ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ [النّحل:٩٢]. و ﴿أُجُورَكُمْ:﴾ هو المفعول الثاني، (٧٩ ظ) تقول (٩): وفّيته أجره. و ﴿يَوْمَ:﴾ نصب على الظّرف. و (الفوز): النّجاة. وتسمى المهلكة (١٠) مفازة على وجه التفاؤل. ﴿إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ:﴾ وإنّما شبّهها به؛ لأنّه يسرّ عاجلا ويسوء آجلا، وكذلك الدنيا (١١). و (متاع الغرور): كلّ ما استمتعت به مغرّا به، و (الغرور): قريب من الخداع (١٢). ١٨٦ - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ:﴾ نزلت في النّبيّ ﷺ وأبي بكر الصّدّيق ﵁، عن ابن عبّاس (١٣). وهي عامّة في الظاهر؛ لأنّ المؤمنين ابتلوا بأموالهم وأنفسهم من وجوه كثيرة (١٤).

стр. 447

و (سمع الأذى): ما سمعوا من وصفهم لله (١) بما لا يليق به، ووقيعتهم في النّبيّ ﷺ ، وتضليلهم المؤمنين (٢). و (الصّبر) ههنا هو صبر النّفس على مرّ القدر، والتّسليم لله تعالى، والرّضا بقضائه، واحتمال الأذى فيه (٣). ﴿وَتَتَّقُوا﴾ (٤): عمّا نهى الله تعالى عنه (٥). ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى كسب الصّبر والاتّقاء (٦). و ﴿عَزْمِ الْأُمُورِ:﴾ عزيمتها، وهي الشّروع (٧) فيها بالحزم وابتداؤها بالجدّ. وعن عطاء أنّه حقيقة الإيمان (٨). ١٨٧ - ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ:﴾ الهاء عائدة إلى الكتاب (٩). ١٨٨ - ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ:﴾ في جماعة من أهل خيبر أتوا النّبيّ ﷺ وزعموا أنّهم على دين إبراهيم يطلبون بذلك المحمدة فأنزل الله الآية وفضحهم، فما أتوه هو زعمهم وتلبيسهم (١٠). ﴿بِمَفازَةٍ:﴾ ببعيد، والمفازة: موضع الفوز (١١). ١٨٩ - ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث نفى فوز القوم من عذاب الله تعالى لاقتداره وسعة ملكه. ١٩٠ - عن ابن عبّاس أنّه بات عند خالته ميمونة، فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ في طولها فنام، حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ، فجعل يمسح النّوم عن وجهه، وقرأ العشر الخواتم (١٢) من سورة آل عمران، الخبر. وعن ابن عبّاس قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ أحفظ له صلاته، قال: فهبّ رسول الله ﷺ

стр. 448

من الليل فتعارّ (١) ببصره إلى السماء، ثمّ تلا هؤلاء الآيات من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى انتهى إلى عشر منها (٢). ١٩١ - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ:﴾ عن عمران (٣) بن حصين قال: سألت النّبيّ ﷺ عن صلاة الرّجل وهو قاعد، قال: من صلّى قائما فهو أفضل ومن صلّى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلّى نائما فله نصف (٤) أجر القاعد. ﴿وَعَلى:﴾ حرف، وإنّما عطفها على الاسم؛ لأنّها في معناه: قياما وقعودا ومضطجعين (٥). و (التّفكّر): هو الاعتبار بتأليفها وتصريفها (٦). ﴿باطِلاً:﴾ نصب بنزع الخافض (٧)، أي: حرف الصّفة، أي: لأمر أو حكم باطل هزل غير حقّ وجد. وقيل: الباطل ههنا بمعنى المبطل، أي: ما كنت مبطلا في فعلك. في الحديث لمّا نزلت هذه الآية: ويل لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأمّل فيها (٨). ١٩٢ - (الإخزاء): الإلجاء إلى الخزاية، وهي الاستحياء، (٧٠ أ) (٩) أو الإيقاع (١٠) في الخزي وهو الفضيحة (١١). وههنا أقاويل أربعة (١٢): أحدها: أنّه لا يدخل المؤمنين النّار وإن ارتكبوا الجرائم، بل يغفر لهم ويشفع فيهم؛ لأنّه تعالى لا يخزي ﴿النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التّحريم:٨]، [أي:] والمؤمنين، وهذا قول فيه مقال. وقال مقاتل: المراد بالإدخال ههنا التّخليد. وقيل: المراد بالإخزاء ههنا الإلجاء إلى الخزاية، وبقوله: ﴿لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ،﴾ الآية [التّحريم:٨] الإيقاع في الخزي، فالله تعالى يلجئ بعض المؤمنين إلى الخزاية ولكنّه لا يوقعه في الخزي. وقيل: إنّ النار لا تعمّ أعضاء (١٣) المؤمنين، فلا يكون داخلا فيها وإن مسّته.

стр. 449

وإنّما يتّصل قوله: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ بما (١) تقدّم؛ لأنّ الحال يدلّ على أنّ من يدخله النار إنّما أدخله عقوبة لظلم حصل منه على نفسه أو على غيره. وإنّما قال: ﴿مِنْ أَنْصارٍ،﴾ ولم يقل: من ناصر، لنظم رؤوس الآي، أو مقابلة للظّالمين. ١٩٣ - و (المنادي) (٢): القرآن، عن قتادة ومحمّد بن كعب القرظيّ (٣) كقوله: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٩]. وعن ابن جريج وابن زيد أنّه (٤) رسول الله ﷺ لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]. ويحتمل أن يكون المراد بالسّمع سمع القلب، وبالمنادي نذير الله في قلب كلّ مؤمن. وليس فيها دلالة على نفي وجوب الإيمان قبل السّماع؛ لأنّ الله أثنى على الذين سمعوا ولم يذكر (٥) غيرهم. واللام بمعنى (إلى) كقوله: ﴿هَدانا لِهذا﴾ [الأعراف:٤٣]، و ﴿أَوْحى لَها﴾ [الزّلزلة:٥] (٦). ﴿أَنْ آمِنُوا:﴾ ترجمة للنّداء (٧). ﴿وَتَوَفَّنا:﴾ موافقين للأبرار حاصلين في عدادهم كقوله: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النّساء:١٤٦] (٨). ١٩٤ - ﴿رَبَّنا:﴾ تكرار للنّداء (٩). ﴿وَآتِنا:﴾ عطف على قوله (١٠): ﴿فَاغْفِرْ لَنا.﴾ ﴿عَلى رُسُلِكَ:﴾ «على ألسن رسلك» (١١)، أو على نصرة رسلك، أو على اتّباع رسلك (١٢). وهذا يدلّ على أنّ خير الآخرة إنّما يستحقّ بوعد الله تعالى لا غير، أو العبد لا يستحقّ ثوابا إلا بوعد سيّده.

стр. 450

١٩٥ - والسّبب في نزول قوله: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسول الله لم يذكر النّساء في شيء من الهجرة وأنا أوّل من هاجر من النّساء (١). ﴿مِنْ:﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ (٢). وقيل (٣): هو بيان الجنس العاملين. ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ:﴾ ابتداء وخبره (٤). والمراد به اتّفاقهم في صفة الإيمان، كما نقول لفرق اليهود والنّصارى والرّوافض والمعتزلة: بعضكم من بعض، أي: يجمعكم أصل واحد من مقالة، وقريب منه قوله: ﴿[وَالْمُؤْمِنُونَ] وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التّوبة:٧١]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] (٥). ويحتمل نسبة الأرحام؛ لأنّ الجميع ذرّيّة رجل واحد (٦). ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي:﴾ مجازه: أوحشوا، وعوملوا (٧) بالمكروه. و ﴿ثَواباً:﴾ نصب على المصدر (٨)، وقيل (٩): على التفسير. ١٩٦ - ﴿لا يَغُرَّنَّكَ:﴾ في معنى: ولا يعجبك، ولا تحسبنّ. ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ اختلافهم سالمين غانمين (١٠). ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ الأرض والمواضع (١١)، جمع بلدة. ١٩٧ - ﴿مَتاعٌ:﴾ «أي: ذلك متاع ﴿قَلِيلٌ»﴾ (١٢). ١٩٨ - ﴿اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ:﴾ وخافوا (٧٠ ب) واتّقوا سخطه (١٣). ﴿خالِدِينَ:﴾ نصب على الحال (١٤).

стр. 451

و ﴿نُزُلاً:﴾ على التفسير (١). والنّزل والنّزل (٢) بمعنى، وهو الرّزق يعده المنزل، وهو المضيف للنزول (٣)، وهم الضيفان. ﴿وَما:﴾ أي: والذي ﴿عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ﴾ من المتاع القليل (٤). وقيل (٥): خير وليس بشرّ، خلاف ما عنده للفجّار. ١٩٩ - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ قال (٦) مجاهد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه (٧). وعن قتادة وابن جريج أنّ النّبيّ ﷺ لمّا بلغه وفاة النّجاشيّ صلّى عليه (٨)، فعيّرهم المشركون وقالوا: صلّى على علج، فأنزل الله (٩). واتّصال ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ بما قبله من حيث إنّ الجزاء بعد الحساب (١٠). ٢٠٠ - واتّصال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما قبله من حيث أطمع الله المؤمنين في ما عنده فلذلك دلّهم على ما يعملون به (١١). (الصّبر): على أيّ مكروه وعن أيّة شهوة (١٢). و (المصابرة): للعدوّ (١٣) وعلى مكروه الحرب وحرّها (١٤). و (المرابطة): مقاومة العدوّ بالثّبات على مرّ الأمر. والظاهر من الرّباط ارتباط الخيل، ولكنّه يستعمل في كلّ ما يلزم ويثبت (١٥). وفي الحديث: ألا أدلّكم (١٦) ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدّرجات؟ قالوا (١٧): بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء في السّبرات (١٨) ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرّباط فذلكم الرّباط فذلكم الرّباط.

стр. 452

سورة النّساء مدنيّة (١)، وهي مئة وخمس وسبعون آية، حجازي (٢) بسم الله الرّحمن الرّحيم ١ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ:﴾ هذه السّورة تشتمل على أحكام كثيرة، وإنّما ابتدئت بالموعظة ليكون الكلام بعده أوقع في الأسماع، وأنجع في القلوب (٣). ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ من غير تفصيل بين الشهود والغيب للإيجاز. وهو قريب من تغليب المفرد على المضاف، والمذكّر على المؤنّث، والأعمّ وجودا على الأعزّ وجودا. ﴿نَفْسٍ واحِدَةٍ:﴾ نفس (٤) آدم ﵇، وإنّما أنّث اعتبارا باللّفظ (٥). ﴿وَخَلَقَ مِنْها:﴾ من تلك النّفس ﴿زَوْجَها:﴾ حوّاء (٦)، قال ابن عبّاس والحسن وإبراهيم: خلقت من ضلع من أضلاع آدم (٧). وفي الحديث أنّ المرأة خلقت من ضلع فإذا أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها (٨) عوج استعنت بها. وروي أنّ الله ألقى النّوم على آدم وخلق حوّاء من ضلعه اليسرى، فلمّا استيقظ قيل له: يا آدم ما هذه؟ قال: المرأة؛ لأنّها خلقت من المرء، فقيل: ما اسمها؟ قال: حوّاء؛ لأنّها خلقت من حيّ (٩)، وليس من الحوّة واللّعس (١٠)، كما أنّ آدم ليس من الأدمة بل لأنّه من أديم الأرض (١١). وإنّما لم تخلق من مائه؛ لأنّ الماء يقتضي رحما يستقرّ فيها ولم يكن ثمّة رحم. وإنّما لم تخلق من غيره لتكون شجنة (١٢) منه فيكون إليها أميل وعليها أقبل، وليكون هذا الجنس بعضهم من بعض.

стр. 453

﴿وَاِتَّقُوا اللهَ:﴾ للتّكرار (١)، كما في قوله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (٢٠) [المدّثّر:١٩ - ٢٠]، وقوله: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ (٣٥) [القيامة:٣٤ - ٣٥]. وإنّما عرّف نفسه (٢) بالخلق والتّساؤل به؛ لأنّ الخالق يستحقّ العبادة، والمخلوق به يستحقّ التّعظيم. [والرّقيب:] (٣) دائم النّظر على وجه التّحفّظ. ٢ - ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ:﴾ نزلت في رجل من غطفان، وكان لابن أخ له عنده مال، فلمّا بلغ امتنع عن ردّه، فشكا إلى النّبيّ ﷺ فنزلت، فردّ عليه المال (٤). وسمّى اليتامى بالحالة (٧١ أ) الماضية (٥)، كقول عمر لبلال: ألا إنّ العبد قد نام (٦)، وقول ابن عمر ﵁ (٧): «ما زدناك على عجوة وزبيب». ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا:﴾ تستبدلوا ﴿الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ:﴾ أي: الحرام بالحلال (٨)، قال ابن المسيّب والضّحّاك والسدّي والزّهريّ: إنّه أن تأخذ من مال اليتيم شاة سمينة وتعطيه شاة مهزولة (٩). ﴿إِلى أَمْوالِكُمْ:﴾ «أي: مع أموالكم» (١٠)، كقوله: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ [آل عمران:٥٢]. (الحوب): الإثم (١١)، وقال الفرّاء (١٢): «الإثم العظيم»، وفي الحديث: (ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي) (١٣). وقد يطلق بمعنى الحاجة، ومنه قيل في الدّعاء: إليك أرفع حوبتي (١٤).

стр. 454

٣ - سأل عروة [بن الزّبير] عائشة عن قول الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ (١)﴾ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى، الآية، قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها تشاركه في مالها فيعجبه مالها (٢) وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فيقول (٣): لا تنكحوهنّ إلا أن تقسطوا لهنّ وتبلغوا بهنّ على نسبهنّ (٤) في الصّداق، وأمروا أن ينكحوا من النّساء سواهنّ، قال عروة: قالت (٥) عائشة: ثمّ إنّ الناس (٦) استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النّساء:١٢٧]، قالت: والذي ذكر الله أنّه يتلى عليكم في الكتاب هذه الآية التي فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى،﴾ قالت عائشة: وقوله (٧) في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ:﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين (٨) تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النّساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا لم يكن لهنّ مال وجمال (٩). و (اليتيمة): الصّغيرة. وفيه دليل على أنّ للوليّ أن يتزوّجها، وهو مذهب عليّ (١٠). ﴿ما طابَ لَكُمْ:﴾ من غير إثم وكراهة. و ﴿(ما)﴾ بمعنى (من) كقوله: ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ (٥) [الشّمس:٥]، وقوله: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الشّعراء:٢٣] (١١). ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ:﴾ معدولات من اثنتين واثنين وثلاثة وثلاث وأربعة وأربع (١٢). وإنّما لم يقل: اثنين وثلاثا وأربعا لئلاّ يوهم التّسع (١٣). وإنّما لم يقل: أو ثلاث (١٤) أو رباع؛

стр. 455

لأنّ [مثنى] (١) فيه ليس معناه اثنتين، فتوهم الجمع، ولكن معناه: اثنتين اثنتين، وكذلك معنى ثلاث ورباع (٢). وإنّما (٣) لم يقل: ومثلث ومربع، ولا ثناء وثلاث ورباع ليجمع بين اللغتين. ﴿أَلاّ تَعْدِلُوا:﴾ بين النّساء في القسمة (٤). ﴿فَواحِدَةً:﴾ أي: فاختاروا وعاشروا (٥). ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ ما حلّ لكم من الحرائر دون (٦) ذوات الأرحام وأمّهات الرّضاع وأخوات الرّضاعة (٧) والمشركات والذكور. ﴿أَلاّ تَعُولُوا:﴾ لا تجوروا ولا تعتدوا (٨). و (العول): مجاوزة الحدّ، ومنه العول في الفرائض، ومنه يقال للبكاء الشّديد: العويل، ولو كان من كثر العيال أو (الافتعال) لقال: ألاّ (٩) تعيلوا، من الإعالة، وألاّ تعيلوا من العيلة (١٠). ٤ - وقوله: ﴿وَآتُوا النِّساءَ:﴾ خطاب للأزواج (١١). وقال الفرّاء (١٢): خطاب لأولياء المرأة، كانوا في الجاهليّة لا يعطونها من صداقها إلاّ بعيرا يحملونها عليه ويرسلونها إلى بيت الزّوج، ويحبسون باقي (١٣) الصّداق لأنفسهم. و (الصّدقات): جمع صدقة (١٤)، مثل: مثلات ومثلة. وعن عليّ بن أبي طالب قال: لا يكون الصّداق أقلّ من عشرة دراهم، وهذا (٧١ ب) في حكم المرفوع؛ لأنّ المقادير لا تدرك (١٥) قياسا واجتهادا.

стр. 456

﴿نِحْلَةً:﴾ عطيّة (١)، مصدر جاء بخلاف المصدر، فهي في معنى الإيتاء (٢). وإنّما أجري مجرى العطيّة؛ لأنّه يثبت من غير معاوضة (٣). وقيل (٤): النّحلة: ما ينتحله الرّجل من الدّين. وهي نصب؛ لأنّه مفعول له (٥). ﴿فَإِنْ طِبْنَ:﴾ طاب أنفسهنّ بالخروج ﴿لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ﴾ من الصّداق (٦)، أي: رضين ببذله. وإنّما قال: (عن شيء) ليتناول القليل والكثير والبعض والكلّ. و (من) في ﴿مِنْهُ﴾ لتبيين الجنس دون التّبعيض (٧). ﴿هَنِيئاً مَرِيئاً:﴾ سائغا شافيا (٨)، حال للمفعول (٩). والمراد به نفي الوبال ورفع الحرج عن الآكلين، تقول (١٠): هنأني الطّعام ومرأني، فإذا لم تقل: هنأني قلت: أمراني، بالألف (١١). وقال ابن الأعرابيّ: هنئني ومرأني وأمراني، إذا انهضم الطعام، ولا تقول: مرئني (١٢). ٥ - ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ:﴾ قال ابن عبّاس: لا تعمل إلى (١٣) ما خوّلك الله من المال وجعله معيشة لك فتعطيه أولادك وتنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسكه وأصلحه وكن (١٤) أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم (١٥). وقيل: الخطاب للأوصياء، وإنّما قال: ﴿أَمْوالَكُمُ﴾ على سبيل المجاز (١٦)، كقولك: استرق بأموالنا، إذا استرق (١٧) أموال أقربائك وجيرانك (١٨).

стр. 457

وكسوتك نقيض قولك: عرّيته، وكسي (١) يكتسي، إذا صار مكتسيا، والكاسي، من كسوت، وهو الملبس، ومن كسى يكسي، هو (٢) اللباس. ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً:﴾ أن تقول: جبركم الله (٣) وأصلح بالكم وبصركم (٤) مصالح معاشكم ومعادكم، وقيل: هو العدة الجميلة وتمنية الخير، وقيل: هو الوعظ. وفي الجملة هو أن تلطف لهم القول بما يرضيهم ولا يسخط ربّه (٥). ٦ - ﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى:﴾ واختبروهم في المعاملات قبل البلوغ (٦). ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ:﴾ تأجيل وتوقيت، وهو بلوغهم وقت الإنزال، ما بين ثنتي عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة (٧). وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، قال: ثماني عشرة سنة (٨)، وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀ (٩). ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً:﴾ شرط، أي: فإن أحسستم (١٠) منهم تهديا في المعاملات. ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ:﴾ حكم معلّق بشرط، ومجرده لا يدلّ على نفي ما عداه، ولأنّ الآية تضمّنت حكم الدّفع عند وجود الشّرط، ولم تتضمّن الدّفع عند عدمه. وعن ابن سيرين وإبراهيم النّخعيّ لم يريا (١١) الحجر على الحرّ، وبه أخذ أبو حنيفة ﵀ (١٢). ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً:﴾ أي (١٣): مسرفين، أو بإسراف (١٤). وكلّ نفقة لم يأذن به الله تعالى فهو إسراف (١٥).

стр. 458

﴿وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا:﴾ أي: مبادرين كبرهم، مصدر عمل في فعل (١). ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ:﴾ محكم متفق في معناه (٢). ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ مختلف فيه، قال عمر: يا يرفأ (٣) إنّي أنزلت مال الله منّي بمنزلة مال اليتيم إن احتجت أخذت منه وإذا (٤) أيسرت رددته، وهذا يدلّ على أنّه لا يأخذه إلاّ على وجه الاستقراض، وبه قال أبو العالية وعبيدة السّلمانيّ (٥). وعن ابن عبّاس أنه أباح للوصيّ الطّعام إن احتاج إليه، ولم يبح له الكسوة (٦). وعنه أنه قال: إنّ المحتاج إنّما يأكل على وجه العمالة (٧)، وبه قال مجاهد (٧٢ أ) وابن المسيّب (٨). وقال الشّعبيّ: هو كالمضطرّ فإن أيسر ردّ وإن لم يوسر فهو له حلال (٩). وعن سعيد بن جبير: إن أيسر ردّ وإن لم يوسر دعا اليتيم (١٠) فاستحلّ منه. وهذا [إذا] (١١) لم يفرض له الأب والقاضي عمالة، فأمّا إذا فرض فهو له حلال غنيّا كان أو فقيرا. ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ:﴾ ندب، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] (١٢). ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً:﴾ كافيا من شاهد (١٣)، وقيل: محاسبا لكم على أعمالكم إن أشهدتم أو لم تشهدوا (١٤). ٧ - ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ:﴾ نزلت في رفع حكم الجاهليّة، كانت العرب لا تورث إلاّ من يطاعن ويحمي المال، وكانت الفلاسفة تورث الإناث دون الذّكور، فأبطل الله حكمهما (١٥).

стр. 459

والسّبب في نزولها، روي أنّ رجلا توفّي عن امرأة وبنات وأخوين، فأراد الأخوان أن يذهبا بالمال، فجاءت المرأة ورفعت حال (١) البنات إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى الآية، فدعاهما رسول الله ﷺ وتلا عليهما، فقالا: أنورث (٢) من لا يطاعن بالرّمح ولا يذود عن المال؟ فقال ﷺ : أعطيا البنات الثّلثين والزّوج الثّمن، يعني: أمّهما، وما بقي فلكما، قالا: فمن يلي أموالهنّ يا رسول الله؟ قال: أنتما (٣). وقوله: ﴿مِمّا قَلَّ مِنْهُ (٤)﴾ أَوْ كَثُرَ: بدل عن قوله: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ (٥). (منه): لتبيين الجنس. ﴿نَصِيباً:﴾ نصبه على الحال (٦). ٨ - ﴿أُولُوا الْقُرْبى:﴾ ورثة الرّجل من غير أولاده (٧). ﴿وَالْيَتامى:﴾ أولاده؛ لأنّهم أكثر مما يبقون صغارا يتامى. ﴿وَالْمَساكِينُ:﴾ أصحاب الوصيّة. و (الرّزق) (٨): هو قسم المال على فرائض الله. و (القول المعروف): أن يقول: هذه حقوقكم وأنصباؤكم في كتاب الله (٩). وعن ابن عبّاس، وعبيدة السلماني (١٠) عن سعيد بن جبير والحسن وابن (١١) سيرين ومجاهد والشّعبيّ أنّ المراد بهؤلاء من حضر منهم غير وارث ولا صاحب وصيّة، وأنّ الأمر بالرّزق واجب محكم (١٢) غير منسوخ، ثمّ اختلفوا، قال بعضهم: يعطون من نصيب البالغين (١٣) برضاهم، وقال بعضهم: يرضخ (١٤) لهم شيء من رأس المال، وقد ذبح لهم عبيدة السلمانيّ شاة

стр. 460

من التّركة وأطعمهم ثمّ قال: كنت أحبّ أن يكون ذلك من مالي لولا هذه الآية (١). وهكذا روي عن ابن سيرين وابن المسيّب وأبي مالك والسدّي والضّحّاك أنّ وجوب حكم (٢) هذه الآية منسوخ، ولكنّه باق (٣) على سبيل النّدب والاستحباب. والقول المعروف أن يقول: بورك فيكم صنع لكم، وأن يعتذر (٤) إليهم بقلّة المال. ٩ - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ:﴾ قال ابن عبّاس وابن جبير وقتادة والسدّي والضّحّاك: وإنّما أمروا بالخشية لئلاّ يسرفوا في الوصيّة إذا تركوا ذرّيّة ضعافا يخافون الفقر عليهم، وكأنّهم (٥) كانوا يخافون الفقر (٦) على ذراريهم ومع ذلك يكثرون الوصيّة غلوّا (٧) ورياء، فنهوا عن ذلك وأمروا بالخشية والاتّقاء (٨). وعن الحسن أنّ المأمورين (٩) بالخشية عوّاد المريض، كانوا يحرّضونه على إكثار الوصيّة ولا ينظرون للورثة، فحذّرهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يخشوا على ذرّيّة هذا المريض كما لو كانت لهم ذرّيّة كيف يخافون عليهم (١٠). (٧٢ ب) ١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ:﴾ خصّ الأكل بالظّلم لرفع الجناح عن المخالطين (١١) والآكلين بالمعروف. والصّلى والصّلاء بمعنى، تقول: صلى يصلى صلا وصلاء (١٢) وصليّا وصليّا، إذا مسّها، وصلى (١٣) اللّحم، إذا شواه، والإصلاء والتّصلية على سبيل الإحراق (١٤). و (السّعير): النّار المتّقدة ذات الالتهاب (١٥). ١١ - ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ:﴾ نزلت في ورثة سعد بن الرّبيع، فيما يروى عن جابر بن عبد الله
следующие страницы →