← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

﴿نِحْلَةً:﴾ عطيّة (١)، مصدر جاء بخلاف المصدر، فهي في معنى الإيتاء (٢). وإنّما أجري مجرى العطيّة؛ لأنّه يثبت من غير معاوضة (٣). وقيل (٤): النّحلة: ما ينتحله الرّجل من الدّين. وهي نصب؛ لأنّه مفعول له (٥). ﴿فَإِنْ طِبْنَ:﴾ طاب أنفسهنّ بالخروج ﴿لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ﴾ من الصّداق (٦)، أي: رضين ببذله. وإنّما قال: (عن شيء) ليتناول القليل والكثير والبعض والكلّ. و (من) في ﴿مِنْهُ﴾ لتبيين الجنس دون التّبعيض (٧). ﴿هَنِيئاً مَرِيئاً:﴾ سائغا شافيا (٨)، حال للمفعول (٩). والمراد به نفي الوبال ورفع الحرج عن الآكلين، تقول (١٠): هنأني الطّعام ومرأني، فإذا لم تقل: هنأني قلت: أمراني، بالألف (١١). وقال ابن الأعرابيّ: هنئني ومرأني وأمراني، إذا انهضم الطعام، ولا تقول: مرئني (١٢). ٥ - ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ:﴾ قال ابن عبّاس: لا تعمل إلى (١٣) ما خوّلك الله من المال وجعله معيشة لك فتعطيه أولادك وتنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسكه وأصلحه وكن (١٤) أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم (١٥). وقيل: الخطاب للأوصياء، وإنّما قال: ﴿أَمْوالَكُمُ﴾ على سبيل المجاز (١٦)، كقولك: استرق بأموالنا، إذا استرق (١٧) أموال أقربائك وجيرانك (١٨).

стр. 457

وكسوتك نقيض قولك: عرّيته، وكسي (١) يكتسي، إذا صار مكتسيا، والكاسي، من كسوت، وهو الملبس، ومن كسى يكسي، هو (٢) اللباس. ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً:﴾ أن تقول: جبركم الله (٣) وأصلح بالكم وبصركم (٤) مصالح معاشكم ومعادكم، وقيل: هو العدة الجميلة وتمنية الخير، وقيل: هو الوعظ. وفي الجملة هو أن تلطف لهم القول بما يرضيهم ولا يسخط ربّه (٥). ٦ - ﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى:﴾ واختبروهم في المعاملات قبل البلوغ (٦). ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ:﴾ تأجيل وتوقيت، وهو بلوغهم وقت الإنزال، ما بين ثنتي عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة (٧). وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، قال: ثماني عشرة سنة (٨)، وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀ (٩). ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً:﴾ شرط، أي: فإن أحسستم (١٠) منهم تهديا في المعاملات. ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ:﴾ حكم معلّق بشرط، ومجرده لا يدلّ على نفي ما عداه، ولأنّ الآية تضمّنت حكم الدّفع عند وجود الشّرط، ولم تتضمّن الدّفع عند عدمه. وعن ابن سيرين وإبراهيم النّخعيّ لم يريا (١١) الحجر على الحرّ، وبه أخذ أبو حنيفة ﵀ (١٢). ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً:﴾ أي (١٣): مسرفين، أو بإسراف (١٤). وكلّ نفقة لم يأذن به الله تعالى فهو إسراف (١٥).

стр. 458

﴿وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا:﴾ أي: مبادرين كبرهم، مصدر عمل في فعل (١). ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ:﴾ محكم متفق في معناه (٢). ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ مختلف فيه، قال عمر: يا يرفأ (٣) إنّي أنزلت مال الله منّي بمنزلة مال اليتيم إن احتجت أخذت منه وإذا (٤) أيسرت رددته، وهذا يدلّ على أنّه لا يأخذه إلاّ على وجه الاستقراض، وبه قال أبو العالية وعبيدة السّلمانيّ (٥). وعن ابن عبّاس أنه أباح للوصيّ الطّعام إن احتاج إليه، ولم يبح له الكسوة (٦). وعنه أنه قال: إنّ المحتاج إنّما يأكل على وجه العمالة (٧)، وبه قال مجاهد (٧٢ أ) وابن المسيّب (٨). وقال الشّعبيّ: هو كالمضطرّ فإن أيسر ردّ وإن لم يوسر فهو له حلال (٩). وعن سعيد بن جبير: إن أيسر ردّ وإن لم يوسر دعا اليتيم (١٠) فاستحلّ منه. وهذا [إذا] (١١) لم يفرض له الأب والقاضي عمالة، فأمّا إذا فرض فهو له حلال غنيّا كان أو فقيرا. ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ:﴾ ندب، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] (١٢). ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً:﴾ كافيا من شاهد (١٣)، وقيل: محاسبا لكم على أعمالكم إن أشهدتم أو لم تشهدوا (١٤). ٧ - ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ:﴾ نزلت في رفع حكم الجاهليّة، كانت العرب لا تورث إلاّ من يطاعن ويحمي المال، وكانت الفلاسفة تورث الإناث دون الذّكور، فأبطل الله حكمهما (١٥).

стр. 459

والسّبب في نزولها، روي أنّ رجلا توفّي عن امرأة وبنات وأخوين، فأراد الأخوان أن يذهبا بالمال، فجاءت المرأة ورفعت حال (١) البنات إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى الآية، فدعاهما رسول الله ﷺ وتلا عليهما، فقالا: أنورث (٢) من لا يطاعن بالرّمح ولا يذود عن المال؟ فقال ﷺ : أعطيا البنات الثّلثين والزّوج الثّمن، يعني: أمّهما، وما بقي فلكما، قالا: فمن يلي أموالهنّ يا رسول الله؟ قال: أنتما (٣). وقوله: ﴿مِمّا قَلَّ مِنْهُ (٤)﴾ أَوْ كَثُرَ: بدل عن قوله: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ (٥). (منه): لتبيين الجنس. ﴿نَصِيباً:﴾ نصبه على الحال (٦). ٨ - ﴿أُولُوا الْقُرْبى:﴾ ورثة الرّجل من غير أولاده (٧). ﴿وَالْيَتامى:﴾ أولاده؛ لأنّهم أكثر مما يبقون صغارا يتامى. ﴿وَالْمَساكِينُ:﴾ أصحاب الوصيّة. و (الرّزق) (٨): هو قسم المال على فرائض الله. و (القول المعروف): أن يقول: هذه حقوقكم وأنصباؤكم في كتاب الله (٩). وعن ابن عبّاس، وعبيدة السلماني (١٠) عن سعيد بن جبير والحسن وابن (١١) سيرين ومجاهد والشّعبيّ أنّ المراد بهؤلاء من حضر منهم غير وارث ولا صاحب وصيّة، وأنّ الأمر بالرّزق واجب محكم (١٢) غير منسوخ، ثمّ اختلفوا، قال بعضهم: يعطون من نصيب البالغين (١٣) برضاهم، وقال بعضهم: يرضخ (١٤) لهم شيء من رأس المال، وقد ذبح لهم عبيدة السلمانيّ شاة

стр. 460

من التّركة وأطعمهم ثمّ قال: كنت أحبّ أن يكون ذلك من مالي لولا هذه الآية (١). وهكذا روي عن ابن سيرين وابن المسيّب وأبي مالك والسدّي والضّحّاك أنّ وجوب حكم (٢) هذه الآية منسوخ، ولكنّه باق (٣) على سبيل النّدب والاستحباب. والقول المعروف أن يقول: بورك فيكم صنع لكم، وأن يعتذر (٤) إليهم بقلّة المال. ٩ - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ:﴾ قال ابن عبّاس وابن جبير وقتادة والسدّي والضّحّاك: وإنّما أمروا بالخشية لئلاّ يسرفوا في الوصيّة إذا تركوا ذرّيّة ضعافا يخافون الفقر عليهم، وكأنّهم (٥) كانوا يخافون الفقر (٦) على ذراريهم ومع ذلك يكثرون الوصيّة غلوّا (٧) ورياء، فنهوا عن ذلك وأمروا بالخشية والاتّقاء (٨). وعن الحسن أنّ المأمورين (٩) بالخشية عوّاد المريض، كانوا يحرّضونه على إكثار الوصيّة ولا ينظرون للورثة، فحذّرهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يخشوا على ذرّيّة هذا المريض كما لو كانت لهم ذرّيّة كيف يخافون عليهم (١٠). (٧٢ ب) ١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ:﴾ خصّ الأكل بالظّلم لرفع الجناح عن المخالطين (١١) والآكلين بالمعروف. والصّلى والصّلاء بمعنى، تقول: صلى يصلى صلا وصلاء (١٢) وصليّا وصليّا، إذا مسّها، وصلى (١٣) اللّحم، إذا شواه، والإصلاء والتّصلية على سبيل الإحراق (١٤). و (السّعير): النّار المتّقدة ذات الالتهاب (١٥). ١١ - ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ:﴾ نزلت في ورثة سعد بن الرّبيع، فيما يروى عن جابر بن عبد الله

стр. 461

قال: عادني (١) رسول الله في بني سلمة ومعه أبو بكر فوجدني لا أعقل، فرشّ عليّ الماء، فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله، فأنزل الله الآية (٢). ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ:﴾ بمعنى الأمر (٣). ومعناه: لكلّ ابن ضعف ما لكلّ ابنة، يرثون جميعا بالتعصيب (٤). ﴿كُنَّ:﴾ أي: الأولاد، اسم ينطلق على الأنثى، والمراد به البنات حالة الانفراد يرثن بالفرض للابنتين الثّلثان، وقال ابن عبّاس: لهما النّصف، وغيره اعتبر الابنتين بالأختين من الأب والأمّ أو من الأب، فروي أنّ سعد بن الرّبيع استشهد وترك ابنتين وامرأة وعمّا، فورّث النّبيّ ﷺ الابنتين الثّلثين والمرأة الثّمن وأعطى الباقي العمّ، لأنا (٥) تيقّنّا باستحقاق إحدى الابنتين ثلث المال وأكثر منه لو كانت واحدة وشككنا في بخسها عنه، ولأنّ (٦) الاثنين في حكم الجماعة بدليل تقدّم الإمام عليهما. فإن قيل: علّق بالشّرط، قلنا: لفظة (فوق) تزاد في الكلام، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ [الأنفال:١٢]، أي: الأعناق (٧)، وقال ﷺ : لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاثة أيّام. . . الخبر (٨)، وأراد ثلاثة أيّام، فلم يثبت كونها شرطا، وإن ثبت فهو منسوخ لحديث سعد بن الرّبيع. ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً:﴾ أي: الولد واحدة، وتقدير الرّفع: وإن كانت واحدة من الأولاد (٩). ولكلّ واحد من الأبوين مع الولد (١٠) السّدس. ثمّ بيّن فرض الأمّ إذا لم يكن للميّت ولد، فكان الباقي للأب (١١). ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ:﴾ يعني اثنين من الإخوة والأخوات في قول عامّة الصّحابة (١٢)، وفي

стр. 462

قول ابن عبّاس ثلاثة منهم، ردّ الأمّ إلى السّدس (١). ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ:﴾ بيان تقديم الوصيّة على الميراث (٢). ولفظة (أو) تطلق ويراد بها الواو (٣). ويحتمل أنّه لإباحة تقديم أيّهما كان على الميراث (٤). ﴿نَفْعاً:﴾ «نصب على التفسير» (٥). و (النّفع): هو الإيراث (٦)، لم يكونوا يعلمون حتى أعلمهم الله تعالى. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ:﴾ نصب على المصدر، أي: يوصيكم الله فريضة (٧). ﴿إِنَّ اللهَ كانَ:﴾ أي: لم يزل ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٨). ١٢ - ﴿إِنْ لَمْ (٩)﴾ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ: أي: ولد الموروث (١٠) وولد ابنه وإن سفل دون ولد البنت؛ لأنّه ينسب إلى أبيه (١١)، ودون القاتل ومفارق (١٢) الملّة، ودون المملوك. ﴿يُورَثُ كَلالَةً:﴾ أي: متكلل (١٣) النّسب، نصب على الحال، وقيل: على خبر (كان). وقيل: (الكلالة): مصدر لا بمعنى الاسم، نصب بنزع الخافض، تقديره: بكلالة، أي: بإحاطة (١٤) وإحداق به، ومنه سمّي الإكليل إكليلا. والكلالة يعبّر به عن الموروث مرّة وعلى الوارث أخرى، فالموروث الذي لا يرثه الأب والجدّ من فوقه والولد من دونه، والوارث (١٥) الذي ليس بينه وبين الموروث ولاد (١٦)، وإليه

стр. 463

ذهب أبو بكر الصّدّيق [﵁] (١) وابن عبّاس وابيّ بن كعب (٧٣ أ) وزيد بن ثابت، وهو قول عمر ثمّ رجع وقال: الكلالة من لا ولد له سواء كان له والد (٢) أم لم يكن، وروي عنه أنّه لم يقل فيه شيئا (٣). ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ:﴾ «من الأمّ» (٤). ﴿فَإِنْ كانُوا:﴾ أي: كانت الإخوة والأخوات ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ،﴾ أي: من واحد (٥). ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ:﴾ حال للموصي (٦)، وهو أن يضارّ (٧) ورثته بأن يزيد وصيّته على الثّلث. ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ:﴾ كقوله (٨): ﴿فَرِيضَةً،﴾ وقيل: منصوب بإضمار فعل. ﴿عَلِيمٌ﴾ (٩): لإفادته العلم والحكم (١٠). ﴿حَلِيمٌ﴾ (١١): لحلمه عن المضارّ بالوصيّة، ومنعه نفاذ وصيّته لئلا يحقّ مضارّته فتحقّ (١٢) عقوبته. ١٣ - ﴿تِلْكَ:﴾ إشارة إلى هذه الوصايا والفرائض (١٣)، أو إلى جميع الأحكام التي تقدّمت. ﴿وَذلِكَ:﴾ إشارة إلى الدّخول الذي هو من قضيّة الإدخال (١٤). ويحتمل أنّه إشارة (١٥) إلى الخلود (١٦). و ﴿خالِدِينَ:﴾ نصب على الحال ب (من) (١٧)، ﴿وَمَنْ﴾ تصلح للواحد والجماعة. ١٤ - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ:﴾ يأبى أحكام الله تعالى ويحكم بغيرها فيكفر، وإن حمل على

стр. 464

أدنى معصية فإدخال (١) النار جزاء ويجوز نسخه وليس بخبر، والخلود يجوز أن يكون متناهيا. ﴿خالِداً:﴾ نصب على الحال ب (من) (٢). ١٥ - ﴿وَاللاّتِي:﴾ «جمع (التي) على غير قياس» (٣). ﴿الْفاحِشَةَ:﴾ «الزّنا» (٤). ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ:﴾ أي: من المؤمنين، إن ادّعى عليهنّ مدّع أنهّهنّ زنين فاستشهدوا على دعواه أربعة من الرّجال العدول، هذا حكم لم (٥) ينسخه شيء. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ:﴾ احبسوهنّ إلى أن يمتن (٦). ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ:﴾ أو إلى أن يحكم الله فيهنّ بحكم آخر. ثمّ صار منسوخا بخبر عبادة بن الصّامت: خذوا عنّي، أي (٧): خذوا عنّي، الخبر، ثمّ نسخ التّغريب (٨) والجمع بين الجلد والرّجم (٩) بخبر ماعز وغيره (١٠). ١٦ - ﴿وَالَّذانِ:﴾ قال مجاهد: «الرّجلان» (١١)، وأبطل القاضي أبو عاصم فائدة التّثنية على هذا القول إلاّ أن تكون (الفاحشة) هي اللّواطة (١٢). وقيل (١٣): «الرّجل والمرأة». وعن السدّي أنّ الآية الأولى كانت (١٤) في النّساء الثّيب وهذه الآية كانت في البكر (١٥)، ثمّ نسختا جميعا بالجلد في سورة النّور والرّجم على لسان النّبيّ ﷺ (١٦).

стр. 465

(الإعراض) (١): الصّفح. ١٧ - ﴿التَّوْبَةُ:﴾ إعادة النّعمة والتّوفيق (٢). ﴿عَلَى اللهِ:﴾ مجازه: في ضمان الله ووعده (٣). ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ:﴾ العمل السّيّئ بغير علم بوجوب العقوبة (٤). ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ:﴾ قبل المعاينة (٥). ١٨ - الله نفى توبة الذين يتوبون ويؤمنون عند المعاينة قبل خروج أنفسهم، والذين يموتون سكرى ومصعوقين وفجاءة فلا يعاينون شيئا إلاّ بعد الموت، فالتّوبة على الله غير واجبة لهذين الفريقين، ولكن أمرهم في مشيئته يغفر لمن يشاء ما خلا الشّرك والكفر والنّفاق من غير وعد ولا ضمان ولكن بفضل (٦) منه ورحمة. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ أي: جعلناه عتادا لهم (٧). و (العتاد): المعتد اللازم، والشّيء العتيد: الحاصل المعدّ (٨). ١٩ - ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً:﴾ كان الرّجل يرث امرأة أبيه في الجاهليّة بالمهر الأوّل إن شاء تزوّجها بذلك، وإن شاء زوّجها ممّن شاء على أن يكون له المهر، هكذا روي عن الحسن وأبي مجلز إلاّ أنّ مجاهدا قال: ابنه لم يتزوّج امرأة أبيه ولكنّه يزوّجها من غيره، وليس ذلك بصحيح إلاّ إن عنى به أمّه (٩). ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ:﴾ نهى (١٠) الأزواج عن إمساكهنّ على وجه مضارّتهنّ ليفتدين بمهورهنّ، عن ابن عبّاس (١١). وقال الزهريّ: كانوا يطلّقون ويراجعون بغير عدّة يطولون العدّة بذلك (٧٣ ب) مضارّة لا يقربوهنّ ولا يدعوهنّ (١٢) يتزوّجن، فنهوا عن ذلك.

стр. 466

و (الفاحشة المبيّنة): هو النّشوز، عن ابن عبّاس وأبي مجلز يجوز (١) للرّجل قبول الفداء حينئذ. وقال قتادة والسدّيّ: هو الزّنا، والحكم على هذا منسوخ (٢). و (معاشرتهنّ بالمعروف): أن (٣) يحسن معها المقام والعشرة بالإنصاف في المبيت والنّفقة وحسن القول وبشاشة الوجه (٤). ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ:﴾ فيه ترجية (٥) وتطميع للرّجال في خير يرزقهم الله (٦) من نساء يكرههنّ لدمامتهنّ أو فقرهنّ، من ولد أو ميراث أو موافقة أو ثواب على حسن معاشرتهنّ. (كرها): نصب بنزع (٧) الخافض. ﴿خَيْراً كَثِيراً:﴾ إن صبرتم عليها (٨). ٢٠ - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ:﴾ [هو أن يطلّق امرأة ويتزوّج أخرى (٩)، ويتعيّن ذلك على من عنده أربع وأراد خامسة]. ﴿وَآتَيْتُمْ:﴾ أعطيتم أو أوجبتم (١٠) لها من الصّداق. ﴿قِنْطاراً:﴾ مثلا، فلا تستردّوا ولا تحبسوا من ذلك القنطار شيئا، يعني: بغير رضاها (١١). ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ (١٢): استفهام بمعنى النّهي والإنكار (١٣). ﴿بُهْتاناً:﴾ أي: ببهتان (١٤). وهو أن يدّعي الإبراء، أو (١٥) يجحد الوجوب أصلا. والآية في المدخول بها (١٦)، ويدلّ على جواز المفاداة بالصّداق وإن كان مكروها.

стр. 467

٢١ - ﴿وَكَيْفَ﴾ (١): أداة التّعجّب، وهي ههنا بمعنى النّهي والإنكار (٢). و (الإفضاء إليها): الوصول إليها في الخلوة سواء وجد الجماع أو لم يوجد عند الزّجّاج والفرّاء (٣)، وعن ابن عبّاس أنّه الجماع (٤)، فعلى القول (٥) الأوّل الخلوة أوجبت كمال المهر بالآية، وعلى القول الثاني أوجبت بقضاء الخلفاء الرّاشدين (٦). و (الميثاق الغليظ): هو العقد والإشهاد (٧)، وقال الزهري: كان يقال للنّاكح: الله عليك أن تمسكها أو تسرّحها بإحسان (٨)، وفي الحديث: (أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله) (٩). فهذا كلّه في الميثاق الغليظ. ٢٢ - ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ:﴾ تحريم موطوءة الأب ومنكوحته، عن ابن عبّاس وعكرمة وقتادة (١٠). وفي قوله: ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ أربعة أقوال (١١): استثناء متّصلا، كأنّه قيل: أنتم منهيّون (١٢) عن نكاحهنّ، وذلك موهم للماضي والحال والمستقبل، فاستثنى ما سلف لإزالة الإيهام. والثاني: أنّ النّهي مقصور على ابتداء العقد دون استبقائه، وهذا لا يصحّ؛ لأنّ الشّرع لم يرد بجواز استبقاء نكاح محرّمة على التّأبيد. والثالث: استثناء منقطعا بمعنى لكن. والرّابع: أن يكون الاستثناء بمعنى واو العطف، كقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة:١٥٠]، أي: صاروا (١٣). وقيل: كان (١٤) مكروها عند بعض العرب ويسمّون الولد مقيتا (١٥).

стр. 468

وفي قول من قال: كان (١) في شريعة من قبلكم، أو (كان) زائدة نظر (٢). و (المقت): البغض (٣). ﴿وَساءَ:﴾ بئس ذلك السبيل من سبيل (٤). ٢٣ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ:﴾ يعني الوالدات، واحدتهنّ أمّ (٥). و (البنات): الإناث (٦) من الولد، واحدتهنّ بنت. و (الأخوات): بنات الأبوين، واحدتهنّ أخت (٧). و (العمّات): أخوات الأب (٨)، واحدتهنّ عمّة. و (الخالات): أخوات الأمّ، واحدتهنّ خالة (٩). ﴿وَبَناتُ الْأَخِ:﴾ الإناث [من ولد الأخ] (١٠). ﴿وَبَناتُ الْأُخْتِ:﴾ الإناث من ولد الأخت. و (الأمّهات من الرّضاعة): المرضعات في مدّة الرّضاعة بناتهنّ (١١). و (أمّهات النّساء): واحدتهنّ صهرة. و (الرّبائب): بنات الزّوج من غير الزّوج، واحدتهنّ ربيبة، والصّبيّ في حجر فلان، (٧٤ أ) أي: في كفالته ورعايته (١٢). و (حليلة) الرّجل: امرأته، وإنّما سمّيت حليلة؛ لأنّها نزيلته، أو لأنّها تحل له (١٣). والتّقدير: «حرّم عليكم نكاح أمّهاتكم» (١٤).

стр. 469

وأجناس المحرّمات خمسة: النّسب والرّضاع والمصاهرة والسّبب والجمع. وما يحرم من النّسب سبع: الأمّ والابنة والأخت والعمّة والخالة وابنة الأخ وابنة الأخت. وما يحرم من الرّضاع كلّ ما يحرم مثله من جهة الأمّ أو من جهة الأب في النّسب. وما يحرم من المصاهرة فأربع: أمّ المرأة وابنتها وامرأة الأب وامرأة الابن وموطوءة هؤلاء. وما يحرم بالسّبب فستّ: معتدّة الغير والحامل من الغير والمبتوتة حتى تنكح زوجا غيره والكافرة من غير أهل الكتاب وذات الزّوج والأمة على الحرّة. وما يحرم بالجمع نوعان: كلّ شخصين لو كانا ذكرا وأنثى من وجهين حرم التّناكح بينهما كالأختين، والجمع بين أكثر من أربع للحرّ (١) وثنتين للعبد. ٢٤ - ﴿وَالْمُحْصَناتُ:﴾ «ذوات الأزواج» (٢). ﴿أَيْمانُكُمْ:﴾ جمع يمين (٣)، وهي اليد اليمنى، وإنّما يسند الملك إليها؛ لأنّها أضبط اليدين وأقواهما غالبا، وأكثر الكسب بها. ومجرد الملك بالسّبي أو الوراثة أو الشّراء لا يوجب فسخ عقد النّكاح ما لم ينضمّ إليه معنى بسبب (٤) الزّوج من مباينة الدّار أو نحوها. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ:﴾ وأبيح لكم أن تتزوّجوا بمن وراء هؤلاء اللواتي سبق (٥) ذكرهنّ. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ:﴾ تفسير لما أحلّ (٦). ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ:﴾ متزوّجين غير زانين، والسّفاح: الزّنا (٧). والكناية في ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ راجعة إلى (ما)، وهي للواحد والجماعة (٨). (أجورهنّ): «مهورهنّ» (٩). ﴿فَرِيضَةً:﴾ مقدرة. وفي قوله: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ:﴾ إباحة الإبراء والخلع، وفي فحواه أنّ العقد لا يعرى عن المهر إذا اتّصل بالدّخول، وإن جاز إسقاطه بعد الوجوب (١٠).

стр. 470

وذكر العلم والحكمة لإفادة العلم والحكمة في الشّريعة، أو لعلمه بعلل النّصوص وبالمصالح فيها (١). ٢٥ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ:﴾ نزلت اختيار المؤمنات حرائرهنّ وإمائهنّ على الكتابيّات حرائرهنّ وإمائهنّ، لا في قصر الإباحة على المؤمنات. و (الطّول): الفضل والغنى (٢)، منصوب على التفسير للاستطاعة المنفيّة (٣). وعن إبراهيم النخعيّ أنّ المراد به الهوى (٤)، والتّقدير: من لم يكن عنده قصد رأي وحزم ليصابر (٥) الهوى فيصبر عن الإماء. ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ:﴾ «الحرائر» (٦). ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ فليتزوّج ممّا ملكت أيمانكم من الإماء (٧). ﴿مِنْ فَتَياتِكُمُ:﴾ إمائكم (٨) ﴿الْمُؤْمِناتِ.﴾ و (الفتاة): الشّابّة في اللغة (٩)، وقال ﷺ : لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي بل يقول: فتاي وفتاتي أو غلامي وجاريتي فإنّكم كلّكم عبيد والرّبّ واحد (١٠). وعدم الطّول ليس بشرط في جواز نكاح الإماء المؤمنات، ولكنّه مندوب إليه بقول عليّ ﵁: إذا تزوّج الحرّة على الأمة قسم للأمة الثّلث وللحرّة الثّلثين (١١). وقال جابر بن عبد الله: «لا تنكح الأمة على الحرّة وتنكح الحرّة (١٢) على الأمة». ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ:﴾ يريد الأخذ بالظّاهر ووكول الحقيقة إلى الله تعالى (١٣). ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ:﴾ أي: الأحرار (٧٤ ب) والعبيد والحرائر والإماء بعضهم من بعض

стр. 471

في باب الإسلام والشّريعة والموالاة (١). ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ:﴾ يفيد وقوف العبد (٢) على إجازة المولى بخلاف العقد على الحرائر. ﴿مُحْصَناتٍ:﴾ مزوّجات أو عفائف (٣). ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ:﴾ زانيات (٤). ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ:﴾ أخلاّء (٥). وإنّما ذكره؛ لأنّ من (٦) العرب من لا يعدّ السرّ (٧) سفاحا. ﴿أُحْصِنَّ:﴾ بفتح الهمزة: أسلمن، عن ابن مسعود وزرّ والشّعبيّ (٨)، وهو يحتمل التّزوّج أيضا (٩). وبضمّ الهمزة إذا تزوّجن، عن ابن عبّاس ومجاهد (١٠)، وهو يحتمل أدخلن في الإسلام. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ:﴾ «زنين» (١١). ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى [الْمُحْصَناتِ]﴾ (١٢) الحرائر من الجلد (١٣). وحكم جلد العبد مستفاد من فحوى الآية، وثبت بالإجماع (١٤). ﴿ذلِكَ:﴾ أي: النّدب إلى نكاح الإماء والتّنبيه عليه (١٥).

стр. 472

﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ:﴾ الإثم والضّرر في دينه ودنياه من العزوبة أو الهوى (١). ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا:﴾ قيل: الصّبر من الكلّ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢)، وقيل (٣): الصّبر عن العنت خير لكم، وقيل (٤): عن نكاح الإماء خير لكم. فإن قيل: كيف ندب إلى ما الصّبر عنه خير؟ قلنا: إنّ فعله خير من وجه، وهو أنّ فيه مندوحة عن الزّنا، والصّبر عنه خير، وهو أن لا يعرّض أولاده للرّقّ (٥). ٢٦ - ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ:﴾ اللام بمعنى (أن) عند الفرّاء والكسائيّ، وكذلك في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام:٧١]، و ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ (٦) [الصّفّ:٨]. (ليبيّن لكم): أي: الأحكام الشّرعيّة (٧). ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ أي: الأنبياء ﵈ (٨) لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ [الشّورى:١٣]، و ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٥]، و ﴿فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]، فمن ذلك تحريم الأمّهات والبنات، وما لم ينسخ من الشّرائع المتقدّمة (٩). والآية وما (١٠) بعدها في أهل البيت وفي أولياء الله دون الذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم. ٢٧ - ﴿أَنْ تَمِيلُوا:﴾ الميل: الجور، وهو نقيض الاستقامة (١١). و ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ:﴾ الكفّار والشّياطين (١٢). ٢٨ - ﴿أَنْ يُخَفِّفَ:﴾ أراد رفع الإصر (١٣).

стр. 473

و (ضعف الإنسان): قلة (١) احتماله التّكليف، وسرعة تغيّره بما يلقى من المكروه والمحبوب (٢). ٢٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا فصل مبتدأ، واتّصاله بما قبله من حيث الأحكام المأمور بها والمنهيّ عنها (٣). و (الأكل (٤) بالباطل): بالرّبا والقمار والبخس والظّلم وما يشاكلها، عن السدّيّ (٥)، وأكلها بغير معاوضة، عن الحسن (٦). والظاهر أنّه بذل المال في السّفاح دون النّكاح لتقدّم: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النّساء:٢٤]. والاستثناء منقطع؛ لأنّ التّجارة عن تراض ليست من جنس المنهيّ عنه (٧). قيل (٨): لمّا نزلت هذه الآية امتنع الناس عن التّبسّط حتى نزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ في سورة النّور [الآية ٦١]. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ «أي: لا يقتل بعضكم بعضا» (٩)، وقيل: هو (١٠) نهي عن أن يقتل الرّجل نفسه (١١). وإنّما وصف نفسه بالرّحمة (١٢)؛ لأنّه أراد بنا الخير حيث نهانا عن أكل المال بالباطل وقتل النّفس المحظورين (١٣) بالعقل قبل الوحي. ٣٠ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى قتل النّفس، عن عطاء (١٤). وقيل (١٥): إلى الظّلم الموجود في

стр. 474

أكل الأموال وقتل الأنفس جميعا. وقيل (١): إلى ما نهى من أوّل السّورة إلى هنا. وقوله: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ:﴾ جزاء وشرط وليس بخبر (٢). ﴿وَكانَ ذلِكَ:﴾ أي: الإصلاء ﴿يَسِيراً:﴾ غير (٧٥ أ) عسير (٣). ٣١ - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا:﴾ الاجتناب والمجانبة: أن تدع الشّيء جانبا ولا تتعرّض له (٤). و (الكبائر) المجمع عليها ثلاث (٥): الشّرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النّساء:٤٨]، والكفر: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ﴾ [المائدة:٥]، والنّفاق. وما عداها مختلف فيه، فقيل: كلّ ما نهى من أوّل السّورة إلى ههنا من الكبائر، وقيل: كلّ ما أوجب الحدّ، وقيل: كلّ ذنب أوجب الله عليه (٦) حدّا في الدّنيا أو توعّد (٧) عليه بالنّار في الآخرة، وقيل: كلّ ذنب كان محظورا في قضيّة العقل قبل الوحي، وقيل: كلّ ما أرسل (٨) الله في ذلك رسولا وعاقب عليه أمّة، وقيل: ما يرجع إلى فسق الدّيانة والاعتقاد، وقيل: ما يبطل العدالة، وقيل: ما وصفه الله في القرآن بالعظم والكبر أو الاعتداء (٩). ولو بقيت الكبائر (١٠) لخصّها النّاس بالاجتناب وارتكبوا سائر المناهي اتّكالا على هذه الشّريطة، ولو ارتكبوا لبطل التّفاضل بالورع. ٣٢ - ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا:﴾ نزلت في أمّ سلمة، قالت: [ليت] (١١) الجهاد كتب (١٢) علينا فنصيب من الثّواب ما يصيبه الرّجال، عن مجاهد (١٣). وقيل (١٤): تمنّي الرّجال أن يزادوا (١٥) في ثواب الآخرة كما زيدوا في الميراث في الدنيا. وقيل (١٦): حسد الناس بعضهم بعضا، فنهوا عن ذلك ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ:﴾ أي: لكلّ واحد من الفريقين [نصيب من قضيّة ما كسبوا من أجل

стр. 475

كسبه، ويحتمل أنّ معناه: لكلّ واحد من الفريقين] حظّ في الدنيا، إذ جميع كسب الإنسان ربّما لا يكون رزقا له وإنّما يجمع لغيره (١). ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ إبدال عن المنهيّ عنه، أي: سلوا من فضله (٢) مكان ما كنتم تتمنّون. وقيل (٣): في الزّبور: يا ابن آدم لا تقل اللهمّ ارزقني مال فلان ولكن قل: اللهمّ ارزقني مثل مال فلان. ﴿عَلِيماً:﴾ أخبر عن معلومه. ٣٣ - [﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾] (٤): من أنصباء الرّجال والنّساء، تقدير الآية: ولكلّ شيء ممّا ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم جعلنا موالي يستحقّونه، أو تقديره: ولكلّ واحد جعلنا، ثمّ (٥) بيّنهم من الذين تركهم الوالدان والأقربون. والذين عاقدتهم الأيمان والمولى (٦) على وجوه. والجميع ينبئ عن نوع قرب واختصاص. وإنّما أسند العقد إلى اليمين؛ لأنّها سبب انعقاده (٧)، كقوله: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦]. والمراد بالمعاقدين [الموالاة] (٨) عن ابن عبّاس، وعنه هم الذين آخى رسول الله ﷺ بينهم (٩). ومولى الموالاة يرث عندنا، وهو قول عمر وعليّ وابن مسعود ومسروق (١٠). ٣٤ - ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ:﴾ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وزوجته جميلة بنت عبد الله ابن أبيّ (١١). وقيل: نزلت في حبيبة بنت سهل. وقيل: نزلت في سعد بن الرّبيع وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي (١٢) زهير لطمها لطمة، فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ واستعدى عليه، فأمرها رسول

стр. 476

الله ﷺ بالقصاص، فأنزل الله الآية، فدعاهما وتلا عليهما الآية وقال: أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير (١). وكان القصاص جاريا بين الرّجال والنّساء في كلّ شيء إلى أن نسخ الله بهذه الآية. وقيل: أمره محمول (٢) على العفو دون القصاص لاعتبار المساواة في ما دون النّفس. (قوّامون): قيّامون وقيّمون على مصالحهنّ بسبب ما فضّلهم الله عليهنّ في العقل والشّهادة والجهاد والولاية والإمامة، وبسبب إنفاقهم (٣) على الزّوجات. ﴿فَالصّالِحاتُ:﴾ غير النّاشزات الفاسدات (٤). ﴿قانِتاتٌ:﴾ «مطيعات لله ولأزواجهنّ» (٥). ﴿حافِظاتٌ:﴾ لأنفسهنّ وبيوتهنّ بحفظ الله تعالى وعصمته إيّاهنّ، وما حفظ الله عليهنّ من (٧٥ ب) الأحكام الشّرعيّة (٦)، أو بما حفظ الله لهنّ من حقوقهنّ من المهر والنّفقة (٧). وإنّما أثنى عليهنّ ليعلم أنّه ما عليهنّ من سبيل (٨). و (الهجران في المضاجع) هو ألاّ يقربها مدّة ويري (٩) من نفسها الملال عنها لعلّها تخاف الفرقة فتترك النّشوز وتحسن العشرة والطّاعة (١٠). ﴿وَاِضْرِبُوهُنَّ:﴾ أدّبوهنّ بضرب لا إتلاف فيه ولا تبريح (١١). ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ:﴾ في الدّين والفراش (١٢). ﴿فَلا تَبْغُوا:﴾ تطلبوا (١٣). ﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً:﴾ حجّة وعلّة، ولا تتجنّوا عليهنّ (١٤). وإنّما وصف نفسه بالعلوّ والكبرياء لتعاليه عن إباحة التّجنّي والعدوان، والكبر شأنه في

стр. 477

إقامة القسط والأخذ للمظلوم (١) من الظّالم المتجنّي. ٣٥ - ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً:﴾ حاكما، والظاهر أنّ الحكم (٢) من تحاكم إليه الخصمان ورضيا بحكمه وجعلاه كالوكيل فيما أسند إليه، والحاكم (٣) الذي له أن يحكم وإن لم يتحاكم إليه (٤). وإنّما أمر بحكمين؛ لأنّه أبعد من الجور والميل. ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً:﴾ أي (٥): يجعل حكم أحد الحكمين موافقا لحكم الآخر إن أرادا إصلاحا (٦). وليس للحكمين أن يحكما بالطّلاق والخلع إلاّ أن يكون الزّوجان قد أذنا لهما في ذلك (٧). (الخبير العليم): كقوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التّحريم:٣]، وقيل: المخبر (٨) والمخبّر والمعلم واحد. ٣٦ - ﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ:﴾ وهذا فصل آخر، وابتناؤه (٩) على ما تقدّم من حيث إنّ (١٠) الجميع أمر ونهي. و ﴿إِحْساناً:﴾ نصب على الحثّ والتّحريض، ومثله قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِحْساناً﴾ [الإسراء:٢٣] (١١)، وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمّد:٤]. ﴿وَالْجارِ:﴾ النّزيل في الحيّ، وهو المجاور (١٢). ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى:﴾ أدنى الجيران، ﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ:﴾ أبعدهم (١٣). وقيل (١٤): ذي القربى: المناسب القريب، والجنب: الأجنبيّ الغريب.

стр. 478

﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ:﴾ الرّفيق (١) في السّفر، عن ابن عبّاس وابن جبير والحسن ومجاهد والضّحّاك (٢). وعن ابن عبّاس أيضا هو المنقطع إليك يرجو خيرك ونفعك، وإليه ذهب ابن زيد (٣). وقال ابن مسعود وإبراهيم وابن أبي ليلى: هو المرأة (٤). ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ:﴾ هو الضّيف، عن قتادة وابن زيد (٥). والمسافر الغريب، عن الرّبيع (٦). ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:﴾ من العبيد والإماء (٧). ويجوز أن يدخل في عمومه الدّوابّ والمواشي (٨). وقال ﷺ : (كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته) (٩)، وقال ﷺ في العبيد والإماء: اكسوهم ما تلبسون وأطعموهم ما تطعمون (١٠)، وقال عند الوفاة: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) (١١). و (الاختيال) (١٢): افتعال من الخيلاء، وهو ركوب الرّأس والذهاب بالنّفس. و (الفخور): الذي يكثر التّفاخر بتقدير المكارم تكبرا وتعظما غير شكر (١٣). وإنّما لا يحبّ لأنّه يأنف عن طاعة الوالدين ومخالطة الأقربين وموافقة (١٤) الجيران ومعاشرة العبيد والإماء، ويخاف الفقر والذّلّ في بذل الأموال فلا يبذلها (١٥). ٣٧ - ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ:﴾ عن ابن عبّاس ومجاهد: اليهود خاصّة حيث كتموا [نعت] (١٦) نبيّنا ﷺ . والظاهر أنّه في البخيل المعتلّ المعتذر عند (١٧) السؤال كذبا وشحّا.

стр. 479

﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ يقتضي مضمرا، فكأنّه قال: هم كافرون وأعتدنا للكافرين (١). وإنّما جاز وصفهم بالكفر؛ لأنّ من اعتقد أنّ البخل حسن محمود ورضيه وأوصى به غيره فقد كذب الله ورسول الله فكان كافرا (٢). ٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ:﴾ إنّما ذكرهم لئلاّ يظنّ (٣) ظانّ أنّ كلّ منفق محمود (٧٦ أ) مأجور، فإنّ المختال الفخور ربّما (٤) أنفق رياء، وذلك غير مقبول منه ولا محسوب له عند الله إذا لم يبتغ وجهه والدار الآخرة (٥). ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ:﴾ يقتضي مضمرا، فكأنّه [قال:] قرينهم الشّيطان ومن يكن الشّيطان (٦). وإنّما لم يصرّح به لأنّ الملفوظ به يدلّ عليه. ٣٩ - ﴿وَماذا (٧)﴾ عَلَيْهِمْ: إلزام محض من طريق النّظر، كقولك: هب أنّي مبطل في الإنذار [فهل عليك بأس في الحذر، وهب أنّي غير مستحقّ] فهل عليك لوم في السّخاء، كذلك الإيمان بالله واعتقاد انقضاء الدنيا واجب في العقل (٨) قبل الدّعوة، ومواساة الفقراء محمود عند كلّ ذي عقل، فماذا عليهم في الإجابة لداع يدعو إلى هذه المعاني سواء كان عدوّا أو صديقا صغيرا أو كبيرا. ٤٠ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ:﴾ لا يخلف الوعد بزيادة العقاب أو نقص الثّواب، ومجازه: إنّ الله لا يظلم شيئا (٩). وإنّما ذكر ذلك؛ لأنّه أقلّ ما يثبت في القواعد المحسوسة، أو لأنّه أقلّ أجزاء (١٠) الجوهر لا يستتر (١١) منه بعضه. و (مثقال) الشّيء: مقداره في الوزن (١٢). و (الذّرّة) من الحيوان: النّملة الصّغيرة الحمراء، وهي جسم مؤلف، والذّرّة من الجماد:

стр. 480

جزء واحد من أجزاء الغبار، وذلك ليس بجسم، فإنّ الله (١) تعالى لا يزيد في عقاب ولا يبخس من ثواب ذلك القدر، فإن كان ذلك القدر حسنة ضاعفها (٢) إلى عشرة أمثالها إلى سبع مئة إلى ما شاء من فضله (٣). وإنّما وصف الأجر بالعظم؛ لأنّه لا ينقص ولا ينفد (٤). ٤١ - ﴿فَكَيْفَ:﴾ في مثل هذا الموضع يقتضي تهويل الأمر، وتقديره: كيف يحتالون (٥)؟ وكيف يصنعون؟ أو كيف هم؟ أو كيف حالهم؟ وحذف المستفهم عنه أبلغ في التّهديد لتذهب (٦) نفس السّامع كلّ مذهب. والمراد بالتّوقيت يوم القيامة كما في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ﴾ (٧) [النّحل:٨٩]. و (الشّهداء): الأنبياء والمرسلون وسائر الأئمّة (٨)، يقولون: هذا أجاب وهذا لم يجب، وهذا أطاع وهذا لم يطع، وذلك بعد أن يثبت الله أقدامهم وينزل عليهم السّكينة ويذهب بالوجل عن قلوبهم، وأمّا في ابتداء الوهلة فيقولون: لا علم لنا، كما قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ،﴾ الآية [المائدة:١٠٩]، وعميت الأنباء على المشهود عليهم أيضا فلا يتساءلون، ثمّ يوفّق الله من يشاء للجواب الصالح، ويجحد من قدر له الجحود، ثمّ ينطق أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بفعلهم (٩) فحينئذ يقولون: ﴿شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ [الأنعام:١٣٠]. عن ابن مسعود أنّ النّبيّ ﷺ قال له: اقرأ، قال: أعليك (١٠) أقرأ يا رسول الله وعليك أنزل؟ قال: إنّي أحبّ أن أسمعه (١١) من غيري، فقرأ سورة النّساء، فلمّا انتهى إلى هذه الآية دمعت عينا رسول الله ﷺ (١٢)، وفي بعض الرّوايات قال: اللهمّ هذا علمي بمن أنا بين ظهرانيهم فكيف

стр. 481

بمن لم يرني (١). ٤٢ - ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرفان من الزّمان أضيف أحدهما إلى الآخر فصارا زمانا معرّفا فكأنّك تقول: يوم إذ يكون كذا، فلذلك تعرّف وصار حكمه حكم الفعل، وهذا على قول من يعرب اليوم من (يومئذ)، وأمّا من لم يعربه فيقول (٢): هذان اسمان جعلا اسما واحدا بني على صيغة واحدة لزمان معيّن (٣). ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً:﴾ واو استئناف، أي: لا ينكتم شيء ممّا (٤) يتحدّثون فيما بينهم، أو تحدث به أنفسهم. ٤٣ - ﴿لا تَقْرَبُوا [الصَّلاةَ]:﴾ موضع الصّلاة، وهو (٥) المسجد دون الدّعاء والصّلاة المعهودة (٦)؛ لأنّه قال: (٧٦ ب) ﴿إِلاّ (٧)﴾ عابِرِي سَبِيلٍ، والعبور لا يتصوّر إلاّ في المسجد، فإن قيل: عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ أنّ عليّا وعبد الرّحمن بن عوف كانا في دعوة رجل من الأنصار وأصابوا من الخمر (٨) وقدّموا عليّا في صلاة المغرب وقرأ: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ على غير ما أنزلت فنزلت الآية (٩)، قلنا: اعتبار عبور السّبيل الذي نطق به الكتاب أولى من اعتبار حادثة عليّ، فإن قيل: لم لا تحملونه عليهما [جميعا]؟ قلنا (١٠): لامتناع حمل اللّفظ الواحد على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة، فإن قيل: كيف حملتم قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النّساء:٢٢] على العقد والوطء جميعا؟ قلنا: لأنّه حقيقة فيهما كاسم الإخوة في حجب الأمّ، والمعنى المفسد عدم منه. ﴿وَأَنْتُمْ سُكارى:﴾ الواو للحال (١١). و (سكارى): جمع سكران، وقيل: الجمع سكرى، وسكارى (١٢) جمع الجمع.

стр. 482

﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ:﴾ يفيد القضاء عند الصّحو. ﴿وَلا جُنُباً:﴾ أي: ولا مجنيين. و (الجنب) واحد وجمع إذا كان نعتا لاسم، يقال: رجل جنب، وامرأة جنب، وقوم جنب (١)، وإن أقمته مقام الاسم ثنّيت وجمعت. وإنّما استثنى (عابري سبيل) للضّرورة، قال إبراهيم: هو أن لا يجد طريقا غيره، وقيل: هو أن لا يصل إلى الماء إلاّ به فيتيمّم (٢) ويدخل. ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا:﴾ مقدّم على الاستثناء في التّقدير (٣). ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى:﴾ أي (٤): بحال تخافون زيادة المرض باستعمال الماء، وقال ابن عبّاس: هو صاحب الجدري وصاحب القرحة (٥). ﴿أَوْ عَلى سَفَرٍ:﴾ «إن كنتم مسافرين» (٦). ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ (٧)﴾ مِنَ الْغائِطِ: أي: رجع عن قضاء الحاجة (٨). و (الغائط): اسم للمكان (٩) المطمئن. و (اللّمس): كناية عن الجماع، عن عليّ وابن عبّاس وأبي موسى الأشعريّ (١٠)، ولأنّه لمس مطلق. والمراد بالماء الماء الشّرعيّ دون اللغويّ لجواز التّيمّم مع وجود الماء النّجس، ولهذا جوّزنا الوضوء بنبيذ التّمر؛ لأنّه ماء شرعيّ (١١). وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا:﴾ معطوف على المعنى المقدّر (١٢)؛ لأنّ عدم الماء غير شرط في حقّ المريض.

стр. 483

وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا:﴾ جواب للشّرطين جميعا (١). و (التّيمّم): «القصد» (٢)، والقصد لا يتمّ إلاّ بالفعل، والفعل تيمم من غير حصول الانفعال، فلذلك اكتفينا بضرب اليدين من غير رفع الصّعيد. و (الصّعيد): «وجه الأرض» (٣) لقوله: ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف:٨]، و ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ [الكهف:٤٠]. و (الطّيّب): الطّاهر (٤). وإنّما وصف نفسه بالعفو والغفران؛ لأنّه رفع الإصر ولم يؤاخذنا بما يشقّ (٥) علينا. ٤٤ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ما في ضمنها من النّهي عن موالاة اليهود، والتّحذير عنهم (٦). ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ:﴾ أي: تنسوا السّبيل وتضيّعوه. ٤٥ - ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ:﴾ منكم، فهؤلاء أعداؤكم وإن أظهروا (٧) مودّة. ﴿وَكَفى بِاللهِ:﴾ خبر بمعنى الأمر، وتقديره: اكتفوا بالله من وليّ (٨). و (الكافي) (٩): القائم بالحاجة. والباء في (بالله) دليل على (ما) النّفي، وقيل: للتّعجّب والمبالغة (١٠). و ﴿وَلِيًّا:﴾ نصب على الحال (١١). ٤٦ - ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ يحتمل أن تكون (من) تفسيرا وتبيينا ل ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ [النّساء:٤٤] (١٢). ويحتمل أن تكون راجعة إلى قوله (١٣): ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ.﴾ ويحتمل أن تكون (١٤)

стр. 484

متّصلة بقوله: ﴿نَصِيراً،﴾ (٨٠ و) (١) أي: بنصرة منهم (٢). ويحتمل أن تكون منقطعة مبتدأ تقديره (٣): من الذين هادوا من يحرّفون الكلم، قال الله تعالى: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّات:١٦٤]، أي: إلاّ من له مقام، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم:٧١]، أي: إلاّ من (٤) يردها، ولا يحسن إضمار (من) إلاّ في المبتدأ ب (من) (٥). ﴿وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ:﴾ غير صاغر ولا مجبر على الاستماع، كان المؤمنون يريدون بهذا اللّفظ هذا المعنى (٦). وقيل (٧): «اسمع لا سمعت»، وقيل: اسمع (٨) غير ممكّن من الاستماع، وكان المنافقون واليهود يريدون بهذا اللّفظ أحد هذين المعنيين. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ:﴾ على أنّه مفعول له (٩)، أو على التفسير. و (الطّعن في الدّين): هو الطّعن عليه وعيبه (١٠). وقوله: ﴿سَمِعْنا﴾ وما بعده يدلّ على ما (١١) في قلبه. ﴿وَاُنْظُرْنا:﴾ أي: انتظر وتأنّ بكلامك (١٢). ﴿لَكانَ:﴾ هذا القول الثاني ﴿خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ:﴾ أعدل وأقسط وأبعد عن اللّيّ (١٣). ﴿وَلكِنْ لَعَنَهُمُ:﴾ حرمهم التّوفيق لمثل هذه المقالة المحمودة جزاء لكفرهم أوامره (١٤). ﴿إِلاّ قَلِيلاً:﴾ منهم (١٥)، ويحتمل: فلا يؤمنون إلاّ إيمانا قليلا وذلك قولهم (١٦): ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النّساء:١٥٠].

стр. 485

٤٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ نزلت في شأن اليهود (١)، ويحتمل العموم في أهل الكتاب، بادروا وقت هذا الوعيد الكائن (٢) لا محالة. والوعيد أحد شيئين: إمّا طمس الوجوه وردّها على أدبارها وإمّا اللّعن. واختلف في الطّمس والرّدّ على الأدبار، قيل (٣): محو آثار الوجوه من أصلها وصرف الأعين إلى الأقفية والمشي قهقرى، عن ابن عبّاس وابن جريج (٤). وقيل: الطّمس (٥) كختم القلوب وإغشاء الأسماع والأبصار، وهو الخذلان والذّهاب بالبركة والتّوفيق، والرّدّ على الأدبار هو (٦) الحشر والإجلاء إلى الشّام (٧). وقيل: الطّمس إنبات الشّعر على الوجوه كإنباته على الأقفية، وإليه ذهب الزّجّاج (٨). وهذا الوعيد كائن لا محالة إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة (٩). ولعن أصحاب السّبت مسخهم (١٠). ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ:﴾ أي: مأمور الله، كقوله: ﴿هذا خَلْقُ اللهِ﴾ [لقمان:١١]، وفائدته على هذا الإخبار عن نفاذ القدرة في جميع المرادات، وقيل: الأمر المفعول: الموعود (١١)، وفائدته أنّ الله لا يخلف الميعاد (١٢). ٤٨ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ:﴾ نزلت في وحشيّ قاتل حمزة (١٣)، وهي على العموم. وتضمّنت مغفرة من غير توبة؛ لأنّه نفى مغفرة الإشراك، وتضمّنت مغفرة الكبائر (١٤). والإشراك بالله من وجهين: إثبات شيء لا ابتداء له مع الله تعالى، والثاني: إثبات مدبّر متفرّد بفعله دون الله، فالأوّل إشراك الدّهريّة والثنوية، والثاني إشراك عبدة الجنّ والإنس والملائكة والنّجوم والأصنام.

стр. 486

٤٩ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ:﴾ قيل في نزولها: إنّ اليهود حملوا أولادهم الأطفال إلى النّبيّ ﷺ فقالوا (١): هل لهؤلاء ذنب؟ فقال ﷺ : ما عليهم ذنب، فقالوا: ما نحن إلاّ أمثال هؤلاء ما نعمله بالليل يغفر لنا بالنّهار (٨٠ ظ) وما نفعله بالنّهار يغفر لنا بالليل، فأنزل (٢). وقيل (٣): سبب نزولها قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، بأفواههم التّراب. وقيل (٤): إنّ بعضهم أثنى على بعض. و (التّزكية): وصفه بالعدالة وبأنّه زكيّ (٥). و (الفتيل) (٦): الوسخ الذي ينفتل بين الإصبعين، عن ابن عبّاس (٧)، وقيل (٨): الهنّة في شقّ النّواة. والنّقير: النّقطة على ظهر النّواة (٩). والقطمير: القشر الرّقيق على ظاهر (١٠) النّواة. ٥٠ - ﴿اُنْظُرْ:﴾ إنّما أمر بالنّظر للتّعجّب، وموضع التّعجّب شدّة وقاحتهم وغاية جهلهم (١١). ٥١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ:﴾ نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، قدما مكّة، فأتتهما (١٢) قريش وقالوا: أنتم أهل كتاب وعلم أخبرونا عنّا وعن محمّد ﷺ ، قالا: ما أنتم وما محمّد؟ قالوا: ديننا القديم ودينه الحديث، ونحن نسقي اللّبن على الماء ونصل الرّحم ونسقي الحجيج ونفكّ العناة، ومحمّد صنبور (١٣) قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم هو وأصحابه؟ قالا: بل أنتم أهدى سبيلا (١٤)، وهما يعلمان أنّهما يكذبان لا محالة؛

стр. 487

لأنّهما كانا يريان (١) محمّدا ﷺ يوحّد، ويذكر اسم الله على الذّبيحة، ويتوضّأ ويغتسل، ويذكر الأنبياء بخير ويؤمن بهم، ويأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الزّنا وعن جميع الفحشاء والمنكر والبغي، وهذا هو دين المرسلين، فأدّى بهما (٢) العدوان والخذلان إلى اختيار المشركين على المؤمنين. وروي أنّهما سجدا لصنم قريش تقرّبا إليهم واستمالة لقلوبهم (٣). و (الجبت): كلّ ما عبد من دون الله تعالى، عن ابن عرفة وأبي عبيد (٤). وعن الشّعبيّ: الجبت: الساحر (٥). وقيل (٦): السّحر بلغة الحبشة، يعني: مشتركة بينهم وبين بعض العرب. وفي إحدى الرّوايتين (٧): الجبت: الأصنام، والطّاغوت: مترجم الأصنام، وفي الرّواية الأخرى (٨): الجبت: كعب ابن الأشرف، والطّاغوت: حيي بن أخطب. ٥٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ:﴾ متّصلة معادلة لألف الاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ [أَنْفُسَهُمْ]﴾ (٩) [النّساء:٤٩]، أو ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ [النّساء:٥١]. وقيل: متعلقة (١٠) بمعنى ألف الاستفهام. ﴿فَإِذاً﴾ (١١): يوجب جواب شرط. و (النّقير): أدنى ما يتعيّن بنقر الأصابع (١٢) أو المنقار. والمعنى أنّ الله تعالى وصفهم بغاية البخل (١٣). ٥٤ - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ:﴾ قال ابن عبّاس (١٤): النّاس: محمّد ﷺ . و (الفضل): إباحة التّزوّج له بكم شاء من النّساء (١٥).

стр. 488

و ﴿آلَ إِبْراهِيمَ:﴾ سليمان ﵇، فالملك العظيم ملكه، وقال السدّي كذلك إلاّ أنّه قال: وآل إبراهيم: داود ﵇ وملكه، وسليمان ﵇ وملكه، كان قد أبيح لداود ﵇ تسع وتسعون امرأة مهرية وثلاث مئة سرّيّة، ولسليمان ثلاث مئة حرّة وسبع مئة سرّيّة. وقيل: إبراهيم وما آتاه الله تعالى في هذه (١) النّساء، وذلك أنّ اليهود عيّروا رسول الله ﷺ قالوا: لو كان نبيّا لشغله شأن النّبوّة عن شأن النّساء، فبيّن الله تعالى حالة من مضى من الأنبياء حجّة لنبيّه ﷺ (٢). وقال قتادة (٣): الناس: العرب، والفضل: النّبوّة، والوجه أنّهم حسدوهم وقالوا: هذا أمر لا يكون إلاّ في بني إسرائيل، (٨١ و) فبيّن الله أنّهم وبنو (٤) إسرائيل شرع سواء؛ لأنّهم جميعا من ابني إبراهيم إسماعيل وإسحق، فكانا ثنتين آتاهما الله تعالى الكتاب والحكمة والملك. وقيل (٥): الناس: محمّد وأصحابه. وعن الحسن أنّ الملك العظيم النّبوّة (٦)، وقيل (٧): الإمداد بالملائكة. ٥٥ - الهاء في ﴿بِهِ﴾ و ﴿عَنْهُ﴾ راجعة إلى النّبيّ ﷺ (٨)، وقيل (٩): إبراهيم، وقيل (١٠): إلى الخبر عن آل إبراهيم. ﴿سَعِيراً:﴾ لمن صدّ عنه (١١). ٥٦ - ﴿كُلَّما نَضِجَتْ:﴾ الانطباخ والانشواء، وهو (١٢) غاية استرخاء التأليف بالحرارة. ﴿بَدَّلْناهُمْ:﴾ غيّرناها (١٣)، والعذاب للنّفوس دون الجلود إذ لا حياة في الجلود وإن كانت من جوهر النّفوس. وقيل: أن تجدّد (١٤) جلودهم النّضيجة وهي أجسادهم، ويجوز (١٥) إطلاق

стр. 489

اسم الغير عند الانقلاب كقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤]، يعني: غير، وقيل في تفسير قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٤٨]: إنّما (١) هي هذه الأرض ولكنّها تقلب ظهرا عن بطن (٢). ٥٧ - و (الظّلّ الظّليل) (٣): هو الظّلّ الذي يستطاب ويستظلّ به، قال الله تعالى في ضدّه: ﴿إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١] (٤). والمراد بالظّلّ الظّليل جميع أنواع السلامة عن (٥) الحرّ والبرد وغيرها في حمى الله وكنفه. ٥٨ - ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ:﴾ عامّة في الظاهر، تدخل (٦) على كلّ أمانة من كلام أو مال، ويدخل فيه ما كان عند أهل الكتاب من نعت نبيّنا ﷺ ، ويدخل فيه ما ائتمن الله الأئمّة فيه من العهد. وروي أنّ النّبيّ ﷺ أخذ مفتاح الكعبة حرسها الله يوم الفتح من عثمان بن طلحة وجه بني عبد الدار وكانت الحجابة فيهم، فقال عثمان: خذ بأمانة الله، ثمّ إنّ عبّاسا أحبّ أن يدفع رسول الله ﷺ المفتاح إليه لينضمّ له فضيلة الحجابة إلى فضيلة السقاية، فتلا رسول الله الآية وردّ المفتاح إلى عثمان، وقيل: إنّها نزلت حينئذ، ثمّ إنّ عثمان بن طلحة دفعه بعد ذلك إلى أخيه شيبة، وهو في بنيه (٧) اليوم. ٥٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ:﴾ طاعة الله (٨) فريضة، وطاعة رسوله واجبة، وطاعة أولي الأمر في طاعة الله فريضة (٩) حتما، وفي سائر المصالح حسنة مندوب إليها، ولو كان حتما لما أمر بردّ المتنازع فيه إلى الله ورسوله ونهى (١٠) عن التّنازع أصلا. وأولو الأمر منّا: الولاة من مذهبنا وديننا الذين عقيدتهم طاهرة وملّتهم ظاهرة وبيعتهم سابقة (١١). والمتنازع فيه: ما اختلف فيه أهل الرّأي والاجتهاد من الفروع دون الأصول.

стр. 490

والرّدّ (١) إلى الله وإلى الرّسول: قيل: رفعه إلى رسوله وانتظار نزول القرآن، وهذا كان مختصّا بالصّحابة، كانوا إذا رأوا من أمير (٢) السّرايا شيئا ينكرونه ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ بعد رجوعهم. والثاني: بجعل المنصوص (٣) عليه بالسّنّة والكتاب أصلا وتستنبط (٤) علّته إن أمكن، ثمّ يردّ المتنازع فيه إلى ذلك الأصل بتلك العلّة. والمنصوصات لغرض التّعليل كالجمع (٥) بين الأختين في الكتاب، (٨١ ظ) والتفاضل في الأشياء السّتّة في الحديث إلاّ ما نهي عن تعليله كقضاء الحائض صومها دون صلاتها، وهذا الوجه وجد بين جماعة من الصّحابة وبين عمر في ولايته، فمرّة رجعوا إلى قوله ومرّة رجع (٦) إلى قولهم، وكذلك وجد في ولاية عثمان وعليّ. والثالث: أن يرجأ (٧) أمر المتنازع فيه إلى الله إذا تجاذب الأصلان ولم يكن ترجيح لأحدهما، فحينئذ يجعل حكم المتنازع فيه موقوفا. ٦٠ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ:﴾ نزلت في المنافقين (٨). ﴿الطّاغُوتِ:﴾ كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، عن ابن عبّاس (٩). وقال مجاهد وقتادة والسدّي: الطّاغوت ههنا أبو بردة الأسلميّ الكاهن (١٠). ٦١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:﴾ في صفة هؤلاء المنافقين أيضا. روي أنّ يهوديّا ومنافقا يسمّى بشرا (١١) اختصما فيما بينهما فقال اليهوديّ (١٢): بيننا أبو القاسم، فرافعه إلى النّبيّ ﷺ ، وكان الحقّ بيد اليهوديّ في تلك الخصومة، فحكم على بشر المنافق، فلمّا خرجا من عنده لم يرض المنافق بذلك الحكم، ورافع اليهوديّ إلى أبي بكر الصّدّيق فحكم لليهوديّ أيضا، فلم يرض المنافق بذلك ورافعه إلى عمر، فلمّا أتياه قال المنافق: حكم بيني وبينه رسول الله وأبو بكر فلم

стр. 491

أرض بحكمهما ورضيت بحكمك (١) السّاعة، قال: رضيت بحكمي؟ قال: نعم، فدخل بيته ثمّ خرج شاهرا سيفه وضرب رقبة المنافق (٢). ٦٢ - ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ أحد شيئين: إمّا نزول ما يفضحهم من القرآن، وإمّا قتل عمر بشرا (٣) المنافق. ﴿بِاللهِ:﴾ يجوز أن يكون متّصلا ب ﴿يَحْلِفُونَ﴾ على أنّه محلوف به، ويجوز أن يكون حكاية حلفهم إذ الحلف في معنى القول. ﴿إِنْ أَرَدْنا:﴾ ما (٤) أردنا بالتّحاكم إلى غيرك ﴿إِلاّ إِحْساناً:﴾ للأمر، ﴿وَتَوْفِيقاً:﴾ بين حكمك وحكم غيرك (٥). ويحتمل ما أردنا بتوسط غيرك إلاّ الصّلح دون مرّ الحكم الذي هو من قضيّة الدّيانة والتّسليم له (٦). ٦٣ - ﴿يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ إنّما أبهم لأنّه إن (٧) كان نفاقا فإظهاره (٨) يوجب القتل ففيه عنف ومضايقة، وإن كان إيمانا فإظهاره (٩) يوجب قبول العذر ورفع (١٠) الملام ففيه نوع إخلال بالسياسة، فلذلك أبهم إن شاء الله وردّ حكمهم إلى الإنذار والوعظ. ﴿فَأَعْرِضْ:﴾ عن عقوبتهم، أو عن قبول عذرهم (١١). و (وعظهم): هو لومهم على الفعل المذموم وحثّهم على الفعل المحمود (١٢). و (القول البليغ) في أنفسهم: تهديدهم بالقتل وسائر العقوبات إن رجعوا إلى مثل فعلهم ليبلغ ذلك القول في نفوسهم كلّ مبلغ من الإنذار والزّجر (١٣). ٦٤ - ﴿إِلاّ لِيُطاعَ:﴾ أي: إلاّ ليستحقّ (١٤) الطّاعة، وكذلك قوله: ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾

стр. 492

[الذّاريات:٥٦]، وتقول المرأة لابنها: لم ألدك إلاّ لتكبر فتبرّ بي (١). ﴿بِإِذْنِ اللهِ:﴾ بأمره وحكمه (٢). ﴿وَلَوْ:﴾ تدخل على الأفعال، وإنّما وليتها ههنا (أنّ) المشدّدة؛ لأنّها تنوب عن الاسم والخبر، تقول: ظننت أنّك عالم، أي: ظننتك عالما (٣). والكناية في (هم) (٤) راجعة إلى المنافقين وإلى أوليائهم. و ﴿إِذْ ظَلَمُوا:﴾ ظرف، والعامل فيه ﴿جاؤُكَ،﴾ أي: أتوك تائبين (٥). ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ:﴾ «لذنوبهم» (٦). ﴿لَوَجَدُوا اللهَ:﴾ أي: لأقبل الله عليهم (٨٢ و) بالتّوبة والرّحمة (٧). ٦٥ - ﴿فَلا وَرَبِّكَ:﴾ نزلت في شأن (٨) خصم الزّبير بن العوّام من الأنصار، كانت بينهما خصومة في شرج (٩) من شراج المدينة، فاختصما إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا زبير اسق أرضك ثمّ أرسل إلى جارك، وأوصاه بالمعروف، فلم يرض الخصم بذلك وقال: أن كان ابن عمّتك يا رسول الله؟ فغضب رسول الله ﷺ وأمر الزّبير باستيفاء حقّه واستيعابه غاية الاستيعاب على سبيل المضايقة، وقال للزّبير: أمسك الماء حتى يبلغ الجدر، فأنزل الله الآية (١٠). (فلا): نفي لكلام الخصم، أي: ليس كما يزعم، ثمّ ابتدأ القسم وهذا كقوله (١١): ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ [الواقعة:٧٥]، ولو أنّه لتأكيد النّفي المتأخّر عن القسم على سبيل التّكرار، كما تقول: لا والله لا أفعل كذا، (وربّك): قسم (١٢).

стр. 493

﴿لا يُؤْمِنُونَ:﴾ لا يكونون مخلصين في الإيمان (١). ﴿حَتّى:﴾ إلى أن يتحاكموا إليك ويرجعوا إلى قولك في ما التبس واختلط منهم من الأمر (٢). سمّي (الشّجر) شجرا لاختلاف أغصانه وفروعه (٣). ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا:﴾ «معطوف على ﴿يُحَكِّمُوكَ»﴾ (٤). و (الحرج) (٥): الضيق (٦)، ولذلك سمّي موضع الشّجر الملتفّ حرجا (٧). ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً:﴾ ويفوّضوا الأمر إليك تفويضا (٨). ٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ:﴾ قيل: لمّا رجع الزّبير وخصمه حاطب بن أبي بلتعة من عند رسول الله ﷺ مرّ خصمه على المقداد، وقيل: على ثابت بن قيس، وعنده يهوديّ فقال: لمن كان القضاء؟ قال: لابن عمّته، ولوّى شدقه، ففطن اليهوديّ بذلك وقال (٩): قاتل الله هؤلاء يزعمون أنّ محمّدا نبيّ (١٠) ثمّ يتّهمونه في حكمه ولا يرضون به، فقال المقداد أو ثابت: والله لو أمرني محمّد أن أقتل نفسي لقتلت، ولو أمرني أن أخرج من (١١) مالي لخرجت، فأنزل الله [الآية] (١٢). ﴿إِلاّ قَلِيلٌ:﴾ هذا القليل عمّار وابن مسعود (١٣). ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ:﴾ ما يؤمرون به من أمر (١٤). وإنّما قال: ﴿لَكانَ (١٥)﴾ خَيْراً لَهُمْ؛ لأنّه مشقّة توجب (١٦) راحة دائمة، فهو خير من لذّة

стр. 494

عاجلة تؤدّي إلى العقاب (١). ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً:﴾ أي: أثبت ثباتا، وهو في معنى قوله: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [القصص:٦٠]. ٦٩ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ:﴾ نزلت في ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وكان شديد الحبّ لرسول الله، قليل الصّبر عنه، فقال: يا رسول الله إنّي أخاف أن لا ألقاك في الآخرة فإنّك ترفع إلى الرّفيق الأعلى (٢). وعن مقاتل: نزلت في عبد الله بن زيد الأنصاريّ صاحب الأذان (٣). وقيل (٤): نزلت في جماعة من الصّحابة. وهي على العموم في الظاهر (٥). و (الصّدّيق): فعّيل من الصّدق، وهي لأقصى غاية المبالغة في الوصف بالصّدق أو التّصديق. والصّدّيق (٦) المجمع عليه أبو بكر (٧). ﴿وَالشُّهَداءِ:﴾ الأئمّة الذين يشهدون على قومهم، أو المقتولون في سبيل الله، وإنّما (٨) سمّوا شهداء؛ لأنّهم يبعثون وأوداجهم تشخب دما يشهدون (٩) الأنبياء على مخالفتهم (١٠)، أو لأنّهم يحضرون حظيرة القدس قبل يوم القيامة (١١). ويحتمل أنّ المراد بالشّهداء الأشهاد (٨٢ ظ) وبالشّهيد الشّاهد. وشاهد النّبيّ وزيره ومهيمنه، وإنّما سمّي شاهدا لأنّه شهد ما يشهده النّبيّ ﷺ من علم الغيب دون سائر النّاس، وإمّا من طريق المشاركة مثل هارون ﵇، وإمّا من طريق المتابعة مثل السّبعين. وإنّما قدّم النّبي لأنّ اسم النّبيّ مختصّ بالدّاعي الموحى إليه، فكان لاختصاصه أشرف. والصّدّيق يستجمع معنى الشّهادة كلّها لصدقه، ثمّ يزيد صدقا في سائر المعاني من استواء ظاهره وباطنه، فلزيادته كان أشرف. والشّهيد أخصّ من الصّالح؛ لأنّ كلّ مسلم صالح إذا حافظ الشّريعة سواء كان من أهل المشاهدة أو لم يكن.

стр. 495

﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ:﴾ ما أحسن أولئك، وأحسن بأولئك (١). ﴿رَفِيقاً:﴾ مرافقة (٢). ٧٠ - ﴿ذلِكَ:﴾ يعني: إدخال الجنّة فضلا؛ لأنّه بفضله جعلها موعودة، فلولا فضله (٣) ووعده لما كانت الجنّة مستحقّة، ولكان يكفي المحسن أن لا يعاقب بعقوبة المفسد (٤). ﴿عَلِيماً:﴾ أي: من عليم، يعلم المطيع وغيره (٥). ٧١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث إنّه لمّا رغّبهم غاية التّرغيب أتبعه بما تكرهه النّفوس ليهون ذلك عليهم في مقابلة ما رغّبهم فيه (٦). ﴿حِذْرَكُمْ:﴾ (الحذر): السّلاح والعدّة (٧)، وقيل: الحذر هو الحذر (٨). ﴿فَانْفِرُوا:﴾ فأخرجوا النفر. والنّفور: الخروج في وجه العدوّ، والنفور: التّباعد، والنفار: التّجافي (٩). ﴿ثُباتٍ:﴾ جمع ثبة، وهي السّريّة والعصبة وجمعها: ثبات وثبون، فالله تعالى يقول: اخرجوا سرايا أو جندا مجنّدا على حسب الإمكان وموافقة الحال (١٠). ٧٢ - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ:﴾ نزلت في المنافقين المتثاقلين عن الخروج المتربّصين بالمؤمنين (١١). ﴿لَمَنْ:﴾ اللام هي التي في قولك: إنّه ليفعل، وإنّه لفاعل، فلمّا قام الاسم مقام الخبر اكتسى بتلك اللام (١٢). واللام في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لام القسم (١٣)، فكأنّه قال: وإنّ منكم لمن والله
следующие страницы →