← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أرض بحكمهما ورضيت بحكمك (١) السّاعة، قال: رضيت بحكمي؟ قال: نعم، فدخل بيته ثمّ خرج شاهرا سيفه وضرب رقبة المنافق (٢). ٦٢ - ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ أحد شيئين: إمّا نزول ما يفضحهم من القرآن، وإمّا قتل عمر بشرا (٣) المنافق. ﴿بِاللهِ:﴾ يجوز أن يكون متّصلا ب ﴿يَحْلِفُونَ﴾ على أنّه محلوف به، ويجوز أن يكون حكاية حلفهم إذ الحلف في معنى القول. ﴿إِنْ أَرَدْنا:﴾ ما (٤) أردنا بالتّحاكم إلى غيرك ﴿إِلاّ إِحْساناً:﴾ للأمر، ﴿وَتَوْفِيقاً:﴾ بين حكمك وحكم غيرك (٥). ويحتمل ما أردنا بتوسط غيرك إلاّ الصّلح دون مرّ الحكم الذي هو من قضيّة الدّيانة والتّسليم له (٦). ٦٣ - ﴿يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ إنّما أبهم لأنّه إن (٧) كان نفاقا فإظهاره (٨) يوجب القتل ففيه عنف ومضايقة، وإن كان إيمانا فإظهاره (٩) يوجب قبول العذر ورفع (١٠) الملام ففيه نوع إخلال بالسياسة، فلذلك أبهم إن شاء الله وردّ حكمهم إلى الإنذار والوعظ. ﴿فَأَعْرِضْ:﴾ عن عقوبتهم، أو عن قبول عذرهم (١١). و (وعظهم): هو لومهم على الفعل المذموم وحثّهم على الفعل المحمود (١٢). و (القول البليغ) في أنفسهم: تهديدهم بالقتل وسائر العقوبات إن رجعوا إلى مثل فعلهم ليبلغ ذلك القول في نفوسهم كلّ مبلغ من الإنذار والزّجر (١٣). ٦٤ - ﴿إِلاّ لِيُطاعَ:﴾ أي: إلاّ ليستحقّ (١٤) الطّاعة، وكذلك قوله: ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾

стр. 492

[الذّاريات:٥٦]، وتقول المرأة لابنها: لم ألدك إلاّ لتكبر فتبرّ بي (١). ﴿بِإِذْنِ اللهِ:﴾ بأمره وحكمه (٢). ﴿وَلَوْ:﴾ تدخل على الأفعال، وإنّما وليتها ههنا (أنّ) المشدّدة؛ لأنّها تنوب عن الاسم والخبر، تقول: ظننت أنّك عالم، أي: ظننتك عالما (٣). والكناية في (هم) (٤) راجعة إلى المنافقين وإلى أوليائهم. و ﴿إِذْ ظَلَمُوا:﴾ ظرف، والعامل فيه ﴿جاؤُكَ،﴾ أي: أتوك تائبين (٥). ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ:﴾ «لذنوبهم» (٦). ﴿لَوَجَدُوا اللهَ:﴾ أي: لأقبل الله عليهم (٨٢ و) بالتّوبة والرّحمة (٧). ٦٥ - ﴿فَلا وَرَبِّكَ:﴾ نزلت في شأن (٨) خصم الزّبير بن العوّام من الأنصار، كانت بينهما خصومة في شرج (٩) من شراج المدينة، فاختصما إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا زبير اسق أرضك ثمّ أرسل إلى جارك، وأوصاه بالمعروف، فلم يرض الخصم بذلك وقال: أن كان ابن عمّتك يا رسول الله؟ فغضب رسول الله ﷺ وأمر الزّبير باستيفاء حقّه واستيعابه غاية الاستيعاب على سبيل المضايقة، وقال للزّبير: أمسك الماء حتى يبلغ الجدر، فأنزل الله الآية (١٠). (فلا): نفي لكلام الخصم، أي: ليس كما يزعم، ثمّ ابتدأ القسم وهذا كقوله (١١): ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ [الواقعة:٧٥]، ولو أنّه لتأكيد النّفي المتأخّر عن القسم على سبيل التّكرار، كما تقول: لا والله لا أفعل كذا، (وربّك): قسم (١٢).

стр. 493

﴿لا يُؤْمِنُونَ:﴾ لا يكونون مخلصين في الإيمان (١). ﴿حَتّى:﴾ إلى أن يتحاكموا إليك ويرجعوا إلى قولك في ما التبس واختلط منهم من الأمر (٢). سمّي (الشّجر) شجرا لاختلاف أغصانه وفروعه (٣). ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا:﴾ «معطوف على ﴿يُحَكِّمُوكَ»﴾ (٤). و (الحرج) (٥): الضيق (٦)، ولذلك سمّي موضع الشّجر الملتفّ حرجا (٧). ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً:﴾ ويفوّضوا الأمر إليك تفويضا (٨). ٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ:﴾ قيل: لمّا رجع الزّبير وخصمه حاطب بن أبي بلتعة من عند رسول الله ﷺ مرّ خصمه على المقداد، وقيل: على ثابت بن قيس، وعنده يهوديّ فقال: لمن كان القضاء؟ قال: لابن عمّته، ولوّى شدقه، ففطن اليهوديّ بذلك وقال (٩): قاتل الله هؤلاء يزعمون أنّ محمّدا نبيّ (١٠) ثمّ يتّهمونه في حكمه ولا يرضون به، فقال المقداد أو ثابت: والله لو أمرني محمّد أن أقتل نفسي لقتلت، ولو أمرني أن أخرج من (١١) مالي لخرجت، فأنزل الله [الآية] (١٢). ﴿إِلاّ قَلِيلٌ:﴾ هذا القليل عمّار وابن مسعود (١٣). ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ:﴾ ما يؤمرون به من أمر (١٤). وإنّما قال: ﴿لَكانَ (١٥)﴾ خَيْراً لَهُمْ؛ لأنّه مشقّة توجب (١٦) راحة دائمة، فهو خير من لذّة

стр. 494

عاجلة تؤدّي إلى العقاب (١). ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً:﴾ أي: أثبت ثباتا، وهو في معنى قوله: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [القصص:٦٠]. ٦٩ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ:﴾ نزلت في ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وكان شديد الحبّ لرسول الله، قليل الصّبر عنه، فقال: يا رسول الله إنّي أخاف أن لا ألقاك في الآخرة فإنّك ترفع إلى الرّفيق الأعلى (٢). وعن مقاتل: نزلت في عبد الله بن زيد الأنصاريّ صاحب الأذان (٣). وقيل (٤): نزلت في جماعة من الصّحابة. وهي على العموم في الظاهر (٥). و (الصّدّيق): فعّيل من الصّدق، وهي لأقصى غاية المبالغة في الوصف بالصّدق أو التّصديق. والصّدّيق (٦) المجمع عليه أبو بكر (٧). ﴿وَالشُّهَداءِ:﴾ الأئمّة الذين يشهدون على قومهم، أو المقتولون في سبيل الله، وإنّما (٨) سمّوا شهداء؛ لأنّهم يبعثون وأوداجهم تشخب دما يشهدون (٩) الأنبياء على مخالفتهم (١٠)، أو لأنّهم يحضرون حظيرة القدس قبل يوم القيامة (١١). ويحتمل أنّ المراد بالشّهداء الأشهاد (٨٢ ظ) وبالشّهيد الشّاهد. وشاهد النّبيّ وزيره ومهيمنه، وإنّما سمّي شاهدا لأنّه شهد ما يشهده النّبيّ ﷺ من علم الغيب دون سائر النّاس، وإمّا من طريق المشاركة مثل هارون ﵇، وإمّا من طريق المتابعة مثل السّبعين. وإنّما قدّم النّبي لأنّ اسم النّبيّ مختصّ بالدّاعي الموحى إليه، فكان لاختصاصه أشرف. والصّدّيق يستجمع معنى الشّهادة كلّها لصدقه، ثمّ يزيد صدقا في سائر المعاني من استواء ظاهره وباطنه، فلزيادته كان أشرف. والشّهيد أخصّ من الصّالح؛ لأنّ كلّ مسلم صالح إذا حافظ الشّريعة سواء كان من أهل المشاهدة أو لم يكن.

стр. 495

﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ:﴾ ما أحسن أولئك، وأحسن بأولئك (١). ﴿رَفِيقاً:﴾ مرافقة (٢). ٧٠ - ﴿ذلِكَ:﴾ يعني: إدخال الجنّة فضلا؛ لأنّه بفضله جعلها موعودة، فلولا فضله (٣) ووعده لما كانت الجنّة مستحقّة، ولكان يكفي المحسن أن لا يعاقب بعقوبة المفسد (٤). ﴿عَلِيماً:﴾ أي: من عليم، يعلم المطيع وغيره (٥). ٧١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث إنّه لمّا رغّبهم غاية التّرغيب أتبعه بما تكرهه النّفوس ليهون ذلك عليهم في مقابلة ما رغّبهم فيه (٦). ﴿حِذْرَكُمْ:﴾ (الحذر): السّلاح والعدّة (٧)، وقيل: الحذر هو الحذر (٨). ﴿فَانْفِرُوا:﴾ فأخرجوا النفر. والنّفور: الخروج في وجه العدوّ، والنفور: التّباعد، والنفار: التّجافي (٩). ﴿ثُباتٍ:﴾ جمع ثبة، وهي السّريّة والعصبة وجمعها: ثبات وثبون، فالله تعالى يقول: اخرجوا سرايا أو جندا مجنّدا على حسب الإمكان وموافقة الحال (١٠). ٧٢ - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ:﴾ نزلت في المنافقين المتثاقلين عن الخروج المتربّصين بالمؤمنين (١١). ﴿لَمَنْ:﴾ اللام هي التي في قولك: إنّه ليفعل، وإنّه لفاعل، فلمّا قام الاسم مقام الخبر اكتسى بتلك اللام (١٢). واللام في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لام القسم (١٣)، فكأنّه قال: وإنّ منكم لمن والله

стр. 496

ليبطّئنّ (١)، وهي تدخل على صلة المنقوصات والنّكرات. وإنّما قال: (منكم)؛ لأنّهم كانوا في الظاهر من جملة المؤمنين، أو من أهل المدينة (٢). و (البطء): ضدّ السّرعة، والإبطاء: ضدّ الإسراع (٣). ولقوله: (ليبطّئنّ) وجهان: أحدهما: ليبطئن بالتّخفيف وإنّما شدّد للمبالغة، والثاني: ليبطّئنّ غيره من الخروج كما أخبر عنهم بقوله: ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التّوبة:٨١] (٤). ﴿مُصِيبَةٌ:﴾ نكبة (٥). ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً:﴾ أي: شمت بالمؤمنين، وعدّ تخلّفه عن موجب الأجر والشّهادة نعمة، ولم يعلم أنّه خذلان وخسران، وذلك لفساد اعتقاده وإنكاره الدّار الآخرة (٦). ٧٣ - ﴿فَضْلٌ:﴾ ظفر وغنيمة (٧). وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ عارض، والتّقدير: ليقولنّ يا ليتني (٨)، ثمّ العارض يجوز أن يكون في موضعه؛ لأنّ الحبيب يفرح بغنيمة الحبيب ولا يتمنّى مشاركته على سبيل المزاحمة. (٨٣ و) ويحتمل أنّه راجع إلى قوله (٩): ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ.﴾ و (يا): حرف نداء، والتّقدير: يا قوم ليتني كنت معهم (١٠). ﴿فَأَفُوزَ:﴾ نصب (١١)؛ لأنّه جواب التّمنّي. ٧٤ - ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ:﴾ المؤمنون، والشّرى (١٢) بمعنى البيع.

стр. 497

ويحتمل أنّهم المنافقون، فيكون الشّراء بمعنى الاشتراء، والتفسير هو الأوّل (١). وإنّما قال: ﴿فَيُقْتَلْ (٢)﴾ أَوْ يَغْلِبْ لينبّه على الثّواب والأجر العظيم في الوجهين، إذ كلّ واحد منهما إحدى الحسنيين (٣). ٧٥ - ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ:﴾ أي: وفي سبيل (٤) المستضعفين، وسبيلهم: نصرتهم. وهم قوم لم يقدروا على الهجرة وبقوا بمكّة مفتونين مستضعفين (٥). ﴿وَالْوِلْدانِ:﴾ «جمع ولد» (٦). و ﴿الْقَرْيَةِ:﴾ «مكّة» (٧)، و ﴿الظّالِمِ:﴾ صفة ﴿أَهْلُها،﴾ ثمّ الصّفة (٨) والموصوف جملة صفة للقرية فلذلك انجرّ (الظّالم) (٩). وإنّما لم يقل: الظّالمين؛ لأنّها صفة تشبه الفعل من حيث تقدّمت على الاسم، فكأنّه (١٠) قيل: من هذه القرية التي ظلم أهلها (١١). و (أهلها): ابتداء في اللّفظ (١٢) وفاعل في المعنى. قال الفرّاء: وفي مصحف [عبد الله] (١٣): (كانت ظالمة). ﴿وَاِجْعَلْ:﴾ وابعث، قيل: استجاب الله دعاءهم فبعث الله نبيّه منتصرا لهم ومؤمّرا (١٤) عليهم عتاب بن أسيد لينتصف من الظالم للمظلوم (١٥). ٧٦ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ فيه تحريض للمؤمنين وتشجيع لهم (١٦). و (الكيد): ما يكره الخصم (١٧) من الحيلة. وإنّما قال: ﴿ضَعِيفاً؛﴾ لأنّه يجمع أولياءه

стр. 498

بالغرور ولا يواليهم حقيقة الموالاة، ثمّ يتبرّأ منهم سريعا وينكص على عقبيه (١). ٧٧ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ:﴾ نزلت في عبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وطلحة بن عبيد الله والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون، كانوا يستأذنون رسول الله ﷺ في قتال قريش قبل الهجرة وقبل نزول آية السّيف، وكان رسول الله ﷺ يقول لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ،﴾ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ﴾ كرهه فريق منهم وهو طلحة بن عبيد الله وقال ما قال، فأنزل الله الآية (٢). وقال مجاهد (٣): نزلت في اليهود، وذلك أنّ موسى ﵇ كان يأمرهم بالصّبر، إذ كان يصبر (٤) وهم يريدون القتال فلمّا كتب عليهم القتال وهم في التّيه قالوا: اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة:٢٤]. وقيل (٥): نزلت في قوم منافقين. و (الكفّ): الإمساك والحبس (٦). ﴿فَلَمّا:﴾ ظرف زمان، والعامل [فيه] (٧) فجاءة الفريق الخشية. و ﴿إِذا:﴾ للتّوقيت إن (٨) اتّصلت بالفعل، وإن اتّصلت بالاسم أفادت الفجاءة (٩). ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ في معنى الحال (١٠)، وتقديره: فلمّا كتب عليهم القتال فجئ فريق منهم خاشين. والمراد بخشيتهم من النّاس الجبن دون الاعتقاد والجزم (١١). ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ:﴾ أي: مثل خشيتهم من الله (١٢). ﴿أَوْ أَشَدَّ:﴾ أي: وأشدّ (١٣). وإنّما جاز الوصف بالخشية الممثلة دون الأشدّ؛ لأنّ الأقلّ داخل في الأكثر، وقيل: (أو) ههنا للإبهام (١٤)، كأنّهم موصوفون بإحدى الخشيتين لا بعينها.

стр. 499

وقوله: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ إن كان إخبارا عن المؤمنين (٨٣ ظ) فهو سؤال بمعنى الاسترشاد، وإلاّ فهو بمعنى الإنكار (١). ﴿لَوْلا:﴾ هلاّ ﴿أَخَّرْتَنا:﴾ على وجه الطّلب، وذلك أنّه لمّا لزمهم فرض الجهاد خافوا (٢) القتل، وطلبوا التّأخير ﴿إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ:﴾ للتّخلّص في الحال، كما تقول (٣) للمطالب: خلّني ساعة. وفي قوله: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ تزهيد (٤) لهم في الدنيا، وقوله: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ترغيب في الآخرة (٥). ٧٨ - ﴿أَيْنَما تَكُونُوا:﴾ نزلت في المنافقين الذين قالوا لإخوانهم: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] (٦). ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ:﴾ تأكيد للشّرط (٧)، وتقديره: أينما تكونوا ولو كنتم في بروج مشيّدة يدرككم الموت. وواحد (البروج): برج، وهو القصر المرتفع سمّي برجا لظهوره، قيل (٨): ومنه سمّى الكواكب بروجا (٩). و (تشييد) البنيان: تكرار الفعل في رفعه وإحكامه (١٠). ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ:﴾ إخبار عن بعض المنافقين، تشاءموا بالنّبيّ ﷺ وقالوا: نقص بقدومه غلاّتنا وغلت أسعارنا، وهو قريب من قصّة آل فرعون، ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ،﴾ الآية [الأعراف:١٣١] (١١).

стр. 500

و (الفقه): إدراك العلم بالفهم، فقه، إذا فهم، وفقه، إذا صار فقيها (١). ٧٩ - ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ:﴾ ليس بين الآيتين تضادّ؛ لأنّه تعالى قال: ما أصابك من حسنة، ولم يقل: ما أصابهم من حسنة فمن الله وما أصابهم من سيّئة فمن نفسك، ولو كان قال هكذا لحملنا الأوّل على الحكاية والثّاني على الاستفهام بمعنى الإنكار. وهذه في معنى (٢) قوله: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النّحل:٥٣]، ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشّورى:٣٠]، أي: النّعم مبتدأة (٣) من الله تعالى قبل الاستحقاق والاستيهال، والحوادث إنّما يقضى (٤) بها لاستيهالنا إيّاها بكوننا محلاّ لها، ولاستيجابنا (٥) إيّاها بارتكاب الجرائم (٦). وإنّما قال: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً؛﴾ لأنّ [في] (٧) قوله: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ﴾ شهادة (٨). ٨٠ - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ:﴾ الإطاعة: الائتمار بأمر الآمر والانتهاء إلى قوله دون منة، أو أنه في فعله. وليس يطيع الرّسول من ينكر نسخ القرآن بالسّنّة، وإنّما كانت طاعته (٩) طاعة الله تعالى؛ لأنّه ﷺ لم ينطق عن الهوى. ﴿فَما أَرْسَلْناكَ:﴾ أي: لم نبعثك جبّارا عليهم لتحفظهم عن التّولّي بالخبر، قيل: وهذا منسوخ بآية السّيف، لم نبعثك رقيبا عليهم لتحفظهم في السّرّ والعلانية (١٠). ٨١ - ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ:﴾ نزلت في المنافقين (١١). و (طاعة): خبر مبتدأ محذوف (١٢). (يبيّتون): والتّبييت إذا وقع على المعاني هو التّفكير (١٣) باللّيل، وإذا وقع على الذّوات فهو

стр. 501

مكرها باللّيل، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ [النّساء:١٠٨]، وقال: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النّمل:٤٩]. وهو واقع ههنا على غير قولهم، وهي قريبة من قوله: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤]. ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ [ما يُبَيِّتُونَ] (١)﴾: في اللّوح المحفوظ (٢)، وقيل (٣): كتابة الحفظة. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ:﴾ أي: اله عنهم ولا يهمنّك أمرهم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ:﴾ في ما يريدون بك وفي جميع أمورك. ٨٢ - ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ:﴾ (٨٤ و) المراد بالاستفهام حثّهم على التّدبّر (٤)، والتّقدير: ليتدبّروا في القرآن. و (التّدبّر): هو التّأمّل في عواقب الأمور وأدبارها وتصرف الرّأي في مفهومها ومعقولها (٥). وكأنّ التّدبّر إبدال لهم عن تبييتهم الفاسد. ﴿وَلَوْ كانَ:﴾ أي (٦): القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ جنّي أو إنسيّ كما ظنّ بعضهم. ﴿اِخْتِلافاً:﴾ أخبارا غير موافقة للمخبر (٧) عنها في الإخبار عن (٨) الماضي والإخبار عمّا في ضمائرهم وعمّا سيكون، كما يجدونه في كتب النّسّاب والمؤرّخين، وفي أحكام الكهنة والمنجّمين. وقيل: لوجدوا فيه تناقضا كثيرا كما يجدونه في كلام كلّ مطنب متفنّن وضّاع قد اختلفت به الأحوال مع مباينة أجناس المخاطبين. والكلام المختلف هو المتناقض الذي لا يمكن توفيقه دون ما اختلف فيه، فإنّ الكتب المنزلة كلّها مختلف فيها (٩). ٨٣ - ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ:﴾ جاء في سفهاء المؤمنين والمنافقين والغاغة (١٠) منهم، وإنّما رتبه على التي تقدّمت وهي في ذوي الرّأي من المنافقين؛ لأنّ بعضهم كان من بعض.

стр. 502

وقوله (١): (أمر): أي: نبأ وخبر، (من الأمن): من الأعداء، ﴿أَوِ الْخَوْفِ:﴾ منهم. ﴿أَذاعُوا بِهِ﴾ (٢): «أفشوه». (أولو الأمر): أمراء السّرايا (٣)، وقيل (٤): أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃، وقيل (٥): أولو العلم والبصارة. ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ:﴾ يستخرجونه، وإنباط الماء: استخراجه، وسمّي الأنباط أنباطا (٦) لعلمهم باستخراج المياه. و (القليل): مستثنى من المذيعين، وقيل: من معلوم المستنبطين، وقيل: من المستنبطين (٧). (فضل الله ورحمته): الكتاب والرّسول، أو بعض أسباب التّوفيق ممّا استغنى عنه الخاصّة دون العامّة كانشقاق القمر والفتح، فعلى (٨) هذا (القليل) مستثنى من المتّبعين للشّيطان، فإنّ عمرو (٩) بن زيد وزريبا وقسّا آمنوا من غير كتاب ورسول، وأبو بكر وعليّ وزيد بن حارثة آمنوا قبل انشقاق القمر، والمهاجرون والأنصار آمنوا قبل الفتح. ٨٤ - ﴿فَقُتِلَ:﴾ الفاء جواب الشّرط وهو قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلّى﴾ [النّساء:٨٠]، ويحتمل لتعقيب هذا الأمر الأمر (١٠) بالتّوكّل تقديره: وتوكّل على الله فقاتل، أو لتعقيب الكلام الكلام والآية الآية (١١). ﴿لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ:﴾ يعني التّكليف عنه، تقديره: إنّك لا تكلّف إلاّ فعل نفسك (١٢)، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، أي: لا تؤخذ (١٣) بتخلّف غيرك وإن كانوا مكلّفين مثلك. وقيل: لا تكلّف نفس إلاّ نفسك (١٤)، وهذا بعيد؛ لأنّه لو كان كذلك لضمّ

стр. 503

(نفسك). ثمّ حملناه على التّكليف الضّروريّ دون الشّرعيّ. ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ حثّهم على القتال (١). ﴿عَسَى:﴾ من الله إيجاب منه؛ لأنّ الكريم يصدق في التّطميع، ولأنّه تقوية لأحد الموهومين المختلفين على الآخر بالقول فصار كالأمر باعتقاد أحدهما وذلك لا يكون إلاّ بالواجب (٢). ﴿بَأْسَ:﴾ شدّة الإصابة أو (٣) الامتناع. (٨٤ ظ) ﴿تَنْكِيلاً:﴾ فعل النّكال (٤). ٨٥ - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً:﴾ أراد تشفيع العمل، وهو أن يقرن (٥) بين فعل الماضي وبين فعل الحال، فيضم الحسنة إلى حسنه أو سيّئة (٦) إلى سيّئه. وعن الضّحّاك ومحمّد بن جرير أنّ الشّفاعة الحسنة موالاة المؤمنين بتشفيع وتوهم، والشّفاعة السّيّئة موالاة الكفّار بتشفيع وتوهم (٧). وعن مجاهد وابن زيد هي دعاء الرّجل لأخيه المؤمن وعليه. وقيل: شفاعة بعض الصّحابة عند رسول الله ﷺ للفقراء والمحتاجين (٨) إلى الزّاد والرّاحلة، ولأصحاب الأعذار، وشفاعة بعضهم للمنافقين وللذين وجبت عليهم الحدود (٩). ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها:﴾ من ثوابها (١٠). ﴿كِفْلٌ:﴾ نصيب من وزرها (١١). ﴿مُقِيتاً:﴾ «مقتدرا» (١٢). ٨٦ - ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ:﴾ إن حملنا الشّفاعة على الدّعاء والتّحيّة على التّسليم فاتّصالها بها ظاهر، وإلاّ فالأمر بالتّحيّة مرتّب على الشّفاعة الحسنة.

стр. 504

والتّحيّة على وزن التّفعيل من الحياة، وأصله بثلاث ياءات حذفت التي هي لام (١) الفعل وعوّض منها هاء وأدغمت إحدى الباقيتين في الأخرى كالتّوصية (٢). وقولك: التّحيّات لله، قيل: الإحياء لله تعالى، تقول: حيّاك الله، أي: أحياك الله، وقيل: أوصاف الحياة لله، فكأنّك وصفته بالحياة، كما أنّك إذا كبّرته وصفته (٣) بالكبرياء، وقيل: الممالك لله، وهذا هو الأظهر؛ لأنّ التّحيّة اسم للملك، وسمى الهديّة تحيّة لما فيها من حقيقة التّمليك (٤) أو لمجاورتها السّلام في العادة. والمراد بالتّحيّة ههنا التّسليم، والتّسليم سنّة وردّه فريضة (٥). قال ﷺ : لا تبدؤوا اليهوديّ (٦) بالسّلام فإن سلّم ردّوا عليه (٧). وقال رجل للنّبيّ ﷺ : السّلام عليك يا رسول الله، فقال: عليك السّلام ورحمة الله، فقال آخر: السّلام عليك ورحمة الله، فقال: وعليك (٨) السّلام ورحمة الله وبركاته، وقال آخر: السّلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك (٩)؛ لأنّه بلغ غاية السّلام، فلم يترك شيئا ليزيده في الجواب (١٠). وقيل: التّحيّة: الهديّة والهبة (١١)، وردّها مستحقّ ما لم يعوض إلاّ أن يكون ذا محرم. ﴿حَسِيباً:﴾ مدركا للحساب، وقيل: كافيه، قال الله: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ (١٢)﴾ حَسِيباً [الإسراء:١٤]. ٨٧ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ تسلية للمؤمنين وزجر لغيرهم. و ﴿إِلى:﴾ لاعتبار معنى الجمع، وهو الحشر والإرجاء والتّأخير، أو يكون (١٣) يوم القيامة من المجموع كما (١٤) تقول: جمعت الخيل إلى الإبل، أي: ضممت (١٥).

стр. 505

﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ يوم يقوم الناس لربّ العالمين (١). ﴿فِيهِ:﴾ الهاء عائدة إلى الخبر، أو اليوم (٢). ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ:﴾ استفهام بمعنى النّفي، أي: لا أحد كلامه أصدق من كلام الله؛ لأنّ الكذب غير متصوّر فيه (٣). ٨٨ - ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ:﴾ قال ابن عبّاس: نزلت في جماعة من قريش هاجروا منافقين ثمّ اجتووا المدينة (٤)، واستأذنوا في الرّجوع إلى مكّة، فرجعوا ثمّ خرجوا إلى الشّام تجّارا، واستبضعتهم قريش بضائع وقالوا: إنّ محمّدا لا يتعرّض لكم فإنّكم تظهرون دينه، فلمّا خرجوا انتهى الخبر إلى المدينة، قال (٨٥ و) بعض الصّحابة: نخرج إليهم ونغير عليهم، وقال بعضهم: كيف نخرج إلى قوم مسلمين (٥). وعن زيد بن ثابت: نزلت في المتخلفين يوم أحد (٦). وعن ابن زيد أنّها في أهل الإفك (٧). ﴿فِئَتَيْنِ:﴾ نصب على الحال (٨). ﴿أَرْكَسَهُمْ:﴾ نكسهم في الكفر (٩)، والكفر مشبّه بالعمق (١٠)، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ،﴾ الآية [الحجّ:٣١]، وليس الإركاس (١١) بردّ، وقال الله تعالى: ﴿كُلَّما رُدُّوا (١٢)﴾ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا [فِيها] (١٣) [النّساء:٩١] بسبب ما اجترموا من إفساد الهجرة، أو التّخلّف (١٤) أو غيره. ﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ على وجه التّعجّب والإنكار على إرادتهم صرف القضاء والقدر دون هداية

стр. 506

الكفّار (١). ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ (٢)﴾ سَبِيلاً: من الدين (٣) تيسيرا عليهم سلوكه. ٨٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ:﴾ يدلّ على أنّ الآية الأولى في المنافقين من أهل مكّة دون المنافقين من أهل المدينة، وفيهم قوله: ﴿الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النّساء:٩٧]. ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ:﴾ لا توالوهم (٤) موالاة المسلمين فيما بينهم، ولا موالاة الحلفاء (٥). ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الهجرة، أو هاجروا ثمّ أفسدوا الهجرة (٦). ٩٠ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ:﴾ نزلت في المتّصلين بسراقة بن جعشم المدلجيّ وهلال بن عويمر الأسلميّ وسائر بني مدلج وأسلم (٧)، كان بعضهم صالح رسول الله ﷺ أن لا يكون له ولا عليه، وبعضهم آمن به وصدّقه ولم يهاجر ولم يدعهم رسول الله إلى الهجرة، وكان هذا حين هاجر ومعه أبو بكر وعامر بن فهير وعبد الله بن أريقط، وكانوا يستقبلونه في الطّريق ليلا ونهارا أفواجا وفرادى، ويشاهدون منه الآيات، فيتّخذون (٨) لأنفسهم وعشائرهم عنده عهدا يأمنون بها عند ظهوره على قومه. والمراد بالمتّصلين المنضمّون من قريش وسائر أهل الحرب إلى هؤلاء ليكونوا على حكمهم، أمر الله أن يسالمهم أيضا (٩). وقال أبو عبيدة (١٠): والمراد بالمتّصلين من رجع إلى هؤلاء في النسبة؛ لأنّهم دخلوا في عموم أمانه لعشائرهم. والمراد بقوله: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ جماعة من المستأمنين الذين قدموا المدينة أن يجيرهم (١١)، كما قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التّوبة:٦].

стр. 507

(حصرت صدورهم): «ضاقت» (١)، ونوت (٢) الإمساك والكفّ عن قتال الفريقين. و «(الحصر): البخيل» (٣). وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ:﴾ يذكر نعمة الدفع إيّاهم ليشكروا وليسارعوا في الإجارة (٤). و (التّسليط): التّخلية بين القادر والمقدور (٥). ﴿فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ:﴾ اجتنبوكم (٦). ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ:﴾ بيان لاعتزالهم. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ:﴾ أي: سالموا وأسلموا غير مهاجرين (٧). ﴿فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ:﴾ جواب. بهذه الشّرائط لم يجعل الله لكم عليهم (٨) حجّة في قتالهم ونهب أموالهم. ٩١ - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ:﴾ نزلت في أمثال نعيم بن مسعود الأشجعيّ وأشباهه، كانوا يظهرون الصّلح مكرا (٩) وحيلة. ويحتمل أنّها في الذين نافقوا وأظهروا الإسلام، لا هاجروا ولا اتّصلوا بأصحاب (١٠) المواثيق ولكن أقاموا بين ظهراني قريش معتذرين بأنّهم مستضعفون (١١) وهم كاذبون، فأمر الله بأسرهم وقتلهم حيث ثقفوا. ويجوز قتل المنافق إذا اطّلع على كفره (٨٥ ظ) لقوله تعالى في المنافقين: ﴿أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب:٦١]، وإنّما لم يقتل ابن أبيّ بن سلول وأصحابه لنوع من المصلحة، ألا ترى أنّه لم ينكر على المستأذن في قتله. ٩٢ - ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً:﴾ نزلت في عياش بن ربيعة المخزوميّ، كان قد خرج مهاجرا، فتبعه أبو جهل أخوه من أمّه والحارث بن زيد وردّاه إلى مكّة وعذّباه على

стр. 508

إسلامه، ثمّ تخلّص منهما وهاجر، وحلف بالله أن يقتل الحارث حيثما يراه، ثمّ أسلم الحارث ولم يعلم به عيّاش فرآه ذات يوم وحده (١) في ظهر فناء فقتله، ثمّ سمع بإسلامه فندم، فأنزل الله الآية (٢). (ما كان): ما جاز (٣) لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا، المستثنى والمستثنى (٤) منه أحد اسمي الباقي، وليس على هذا التّقدير دليل إباحة القتل خطأ؛ لأنّه كالمسكوت (٥) عنه، وإثبات الشّيء بالذّكر لا يدلّ على نفي ما عداه. ويحتمل أنّ معناه قتل المؤمن المؤمن منهيّ عنه معاقب عليه إلاّ في الخطأ؛ لأنّ النّهي لا يتصوّر مع عدم القصد، والعقاب على الفعل لا يثبت مع الخطأ والنّسيان. ويحتمل ما جاز لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلاّ خطأ، فإنّ ذلك جائز مباح إذا كان غالب ظنّه أنّه كافر وأنّه (٦) يريد القتل. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ:﴾ عتق عبد أو أمة، ويجزئ في ذلك الرّضيع الذي أحد أبويه مسلم (٧). و (الدّية): قيمة الدّم، وهي مئة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، لما روي عن خشف بن مالك الطّائيّ عن ابن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قضى بالدّية في الخطأ أخماسا (٨). وعن عبيدة السّلمانيّ أنّ عمر جعل الدّية على أهل الذّهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم (٩). ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا:﴾ أي (١٠): يتصدّقوا الدّية دون الرّقبة؛ لأنّ الرّقبة خالص (١١) حقّ الله تعالى. ﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ:﴾ أسلم في دار الحرب وأقام به، هكذا روي (١٢) عن عطاء بن السائب عن أبي عياض.

стр. 509

﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ:﴾ المقتول من جملة المعاهدين، وهو معاهد غير مؤمن فالواجب عليكم دية ﴿مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ كما في المسلم (١)، أبو داود عن الزهريّ عن سعيد بن المسيب أنّ النّبيّ ﷺ قضى في كلّ ذي عهد في عهده يقتل بديته ألف دينار (٢). ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ:﴾ أي: الرّقبة (٣). ﴿تَوْبَةً:﴾ نصب؛ لأنّه مفعول له (٤). ٩٣ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً:﴾ على سبيل الاستحلال (٥)؛ لأنّها نزلت في شأن مقيس بن ضبابة، وذلك أنّ بني النّجّار قتلوا أخاه هشام بن ضبابة (٦) خطأ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فبعث الفهري معه إلى بني النّجّار ليوفوه دية أخيه، فذهب الفهريّ معه فأدّى الرّسالة وأخذ له الدّية ورجعا جميعا، فلمّا كان ببعض الطّريق أنف مقيس (٨٦ و) من الاقتصار على الدّية، وحدّثته نفسه بقتل الفهريّ رسول (٧) رسول الله فقتله، قال (٨): [من الطويل] قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع فأدركت ثأري واضطجعت موسدا ... فكنت إلى الأوثان أوّل راجع فأنزل الله الآية في شأنه (٩)، وهذا سبب مرويّ فصار كالمتلوّ فوجب تعليق الحكم به. و (التّعمّد) تفعّل من العمد، وهو القصد الصّادق (١٠). وقيل: العمد عندنا ما (١١) يوجد بالسّلاح أو ما يجري مجرى السّلاح في تفريق الأجزاء، وقال ﷺ : (كلّ شيء خطأ إلاّ السّيف) (١٢). وإن أجرينا على العموم فالمراد بالخلود خلود متناه (١٣). ٩٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ نزلت في أسامة بن زيد أو

стр. 510

مثله، عن أبي ظبيان أنّ أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله ﷺ في سريّة إلى حرقات (١) من جهينة، فأتيت على رجل فذهبت لأطعنه فقال: لا إله إلاّ الله، فطعنته وقتلته، فجئت إلى (٢) النّبيّ ﷺ فأخبرته وقال: قتلته وقد شهد أن لا إله إلاّ الله؟ قلت: يا رسول الله قالها تعوّذا، قال: ألا شققت عن قلبه. وعن خالد بن الوليد أنّه سار في قوم (٣) من جذيمة يقولون: صبأنا صبأنا، أي: أسلمنا (٤)، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، فقال ﷺ : اللهمّ إنّي أبرأ إليك من (٥) صنع خالد. وإنّما قال: (إذا ضربتم)؛ لأنّ هذه الواقعة تقع للمسافرين في الغالب (٦). ﴿عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ ما يعرض من المال في الحياة الدنيا، وجمعه: أعراض، أي: إنّما تبادرونهم بالقتل لتغنموا أموالهم (٧). ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ:﴾ صرف لهممهم عن مال المقتول إلى ما عند الله (٨). ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ:﴾ مشركين قبل (٩) إسلامكم، أو مسلمين بين الكفّار (١٠). ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ:﴾ أنعم الله (١١) عليكم بصرفكم عن تلك الحالة إلى هذه الحالة. ٩٥ - ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ:﴾ نزلت في تفضيل المجاهدين على القاعدين (١٢). وفيها دليل بأنّ الجهاد فرض على الكفاية؛ لأنّه وعد القاعد بالحسنى (١٣). عن قتادة قال: أملى رسول الله ﷺ على زيد بن ثابت: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ﴾

стр. 511

﴿الْمُؤْمِنِينَ،﴾ فجاء (١) ابن أمّ مكتوم وهو يمليها قال: يا رسول الله لو استطعت لجاهدت، قال زيد: فأنزل الله [الآية] (٢) على النّبيّ ﷺ وفخذه على فخذي حتى ظننت أنّه يرضّ فخذي، ثمّ سرّي عنه ونزل ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ:﴾ أصحاب العلل الضّارّة المانعة عن المقاصد سواء كانت في البصر أم غيره (٣). ﴿دَرَجَةً:﴾ رتبة وشرفا، أو منازل الجنّة (٤)، نصب على التفسير. و ﴿الْحُسْنى:﴾ نعت (٥) للحالة، أو للخصلة، ونقيضها: السّوأى. ٩٦ - ﴿دَرَجاتٍ:﴾ نصب على التفسير، وقد يكون التفسير (٦) بلفظ الواحد، ويكون بلفظ الجمع. ٩٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ:﴾ نزلت في منافقي مكّة (٧). ﴿ظالِمِي:﴾ نصب على الحال، تقديره: ظالمين (٨). ﴿أَنْفُسِهِمْ:﴾ معرّف بمعنى النّكرة. ﴿فِيمَ:﴾ في ماذا ﴿كُنْتُمْ:﴾ من الدّين، والسّؤال (٩) سؤال توبيخ. ٩٨ - ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ:﴾ حال لهم، تقديره: غير مستطيعين (١٠). ﴿حِيلَةً:﴾ احتيالا (٨٦ ظ) في التّخلّص والهجرة، والحيلة: التّصرّف النّافد اللّطيف (١١). ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً:﴾ طريقا من مكّة إلى المدينة (١٢)، أو طريقا في المكايدة والاحتيال (١٣). ٩٩ - ﴿أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ:﴾ زلاّتهم وذنوبهم لا تخلّفهم عن الهجرة؛ لأنّ ذلك لم يكن منهم (١٤).

стр. 512

١٠٠ - ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ:﴾ الآية، نزلت في من هاجر واتّصل وفي من هاجر ولم يتّصل، روي أنّ رجلا من المؤمنين المستضعفين لمّا سمع وعيد المتخلّفين عن الهجرة قال: لا عذر لي فإنّي أعرف السّبيل، فأمر من حمله، وكان شيخا هرما، فلمّا بلغ التّنعيم مات، فأنزل الله الآية. واختلفوا في اسمه، قيل: جندع بن ضمرة، وقيل: جندب (١)، وقيل: ضمرة بن جندب، وقيل: ضمضم بن عمرو الخزاعيّ (٢). و (المراغم): الذي تراغم (٣) فيه أعداءك بحسن حالك، والمراغم أشدّ من المعاتبة (٤). ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ:﴾ معطوف على الشّرط (٥). وهو مجاز، وحقيقته: ثمّ يمت (٦). ﴿فَقَدْ وَقَعَ:﴾ أي: وجب، أي: ضمن الله أجره وأوجب ذلك في حكمه (٧). ١٠١ - ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ:﴾ «سافرتم» (٨). واختلفوا في رفع الجناح، قيل: هو كرفع الجناح عن المتطوّف بالصّفا والمروة، وذلك أفاد الوجوب، كذلك ههنا. وقيل: هو على الإباحة للقصر عن مقدار الواجب. وهو عندنا لرفع الوجوب مما (٩) زاد على الشّطر من الصّلوات الرّباعيّة. ﴿أَنْ تَقْصُرُوا:﴾ والقصر: النّقص. والإقامة التي توجب الإكمال خمسة عشر يوما. ﴿إِنْ خِفْتُمْ:﴾ على سبيل اعتبار الغالب من أحوالهم، كقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النّور:٣٣]، وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النّور:٣٣]، و ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾ [النّساء:١٩]. قال يعلى بن منبه: قلت لعمر: ما بالنا نقصر ونحن آمنون؟ فقال (١٠): عجبت ممّا عجبت منه وسألت رسول الله ﷺ فقال: صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوها (١١).

стр. 513

١٠٢ - ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ:﴾ الصّلاة المذكورة في هذه الآية مختصّة بالخوف من العدوّ عند اللّقاء سواء تبيّن ظلمهم وقتالهم أو لم يتبيّن لوجود الخوف فيهما، والإمام يقوم مقام رسول الله كما في الجمعة والكسوف. واختلفوا في صفة الصّلاة (١). والسّلاح والحذر: آلة (٢) القتال. ﴿فَيَمِيلُونَ:﴾ أي: يعطفون ويغترون (٣). وهو معطوف على ﴿تَغْفُلُونَ.﴾ والرّخصة في وضع السّلاح عند الضّرورة (٤). ١٠٣ - ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ:﴾ على عموم أحوالكم (٥). ﴿فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ:﴾ أقمتم، والاطمئنان: السّكون، وضدّه: الاضطراب (٦). ﴿فَأَقِيمُوا:﴾ صلاة المقيم (٧). ﴿كِتاباً مَوْقُوتاً:﴾ واجبا فرضا منجما (٨). وهذا يدلّ على وجوب التّرتيب في الفوائت (٩). ١٠٤ - ﴿وَلا تَهِنُوا:﴾ نزلت في ما لقي المسلمون يوم أحد من أبي سفيان بن حرب وأصحابه، عن ابن عبّاس يقول: لا تضعفوا في طلب الكفّار قتلا وأسرا ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] (١٠). وقيل (١١): إنّها عامّة، فمعناه: إن كنتم من لحم ودم ﴿تَأْلَمُونَ:﴾ بالقتال، فأعداؤكم أمثالكم. ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ:﴾ أي: إحدى الحسنيين، فأنتم أولى بالإقدام (٨٧ و) والشّجاعة (١٢). وذكر العلم والحكمة لبيان كون المؤمنين أولى بالإقدام والشّجاعة. ١٠٥ - ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ:﴾ نزلت الآيات في طعمة بن أبيرق سرق درعا لقتادة

стр. 514

بن النّعمان الأنصاريّ، وكانت (١) الدّرع في جراب فيه دقيق، فذهب بها إلى بيت زيد بن السمين اليهوديّ أودعها إيّاه، وافتقد قتادة درعه (٢) فلم يجدها، فاتبع أثر الدّقيق إلى بيت زيد بن السمين وأخذه فوجد الدّرع عنده، فأتى به رسول الله وادّعى عليه بالسّرقة، قال اليهوديّ: أودعنيها (٣) طعمة بن أبيرق وإخوته بشر وبشير ومبشر، وأنكر طعمة وإخوته ذلك، ولم يكن لليهوديّ بيّنة، فكان الظّاهر أنّه هو السّارق، وجاء أناس من المسلمين يثنون على طعمة ويزكّونه، فهمّ (٤) رسول الله ﷺ بمعاقبة زيد بن السمين، فأنزل الله الآية وبرّأ (٥) اليهوديّ وفضح بني أبيرق، وفرّ طعمة إلى مكّة مرتدّا، ثمّ سرق هناك أيضا فنفي إلى الشّام، ورافق رفقة في طريق الشّام فسرق منهم أيضا فأخذوه ورجموه (٦). ﴿بِما أَراكَ اللهُ:﴾ بما هداك الله وبيّن لك (٧). و (الخصيم) في الباطل، والخصم في الحقّ. ١٠٦ - ﴿وَاِسْتَغْفِرِ (٨)﴾ اللهَ: لما هممت من مبادرة الوحي ومعاقبة (٩) اليهوديّ. ١٠٧ - ﴿وَلا تُجادِلْ:﴾ ولا تخاصم ولا تدافع عن بني أبيرق (١٠). ﴿مَنْ كانَ:﴾ أي: من هو خوّان أثيم. ١٠٨ - ﴿يَسْتَخْفُونَ:﴾ ويتوارون (١١). ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ:﴾ لا يخفون عليه (١٢). ﴿مُحِيطاً:﴾ لا يفوته (١٣) أعمالهم. ١٠٩ - ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ:﴾ خطاب متوجّه إلى المثنين على بني أبيرق المزكّين إيّاهم، أي:

стр. 515

هب أنّكم دافعتم اليهوديّ عنه ﴿فِي الْحَياةِ (١)﴾ الدُّنْيا فهل من يدافع الله عنهم ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٢). ﴿وَكِيلاً:﴾ «كفيلا» (٣)، استفهام بمعنى النّهي على سبيل التّهديد. ١١٠ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ:﴾ ندب ودعوة للذين (٤) والوا بني أبيرق. ﴿سُوءاً:﴾ ما يسوء به غيره من الغصب والسّرقة ونحوها (٥). ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ:﴾ بما لا يتعدّاه من الذّنوب (٦). ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ:﴾ بالحزن والنّدامة. ١١١ - ﴿فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ:﴾ يرجع وباله إليه في الحقيقة (٧). ١١٢ - (الخطيئة): ما أصيب خطأ كالقتل ونحوه، و (الإثم): ما أصيب عمدا (٨). وقيل (٩): من المعاصي ما يسمّى خطيئة، ومنها ما يسمّى إثما. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ:﴾ يقذف بذلك الكسب أو الإثم (١٠). ﴿بَرِيئاً:﴾ غير جان. والبراءة: المباينة (١١) والانفصال. ﴿فَقَدِ اِحْتَمَلَ:﴾ اقترف (١٢) واكتسب. ١١٣ - ثمّ ذكّر نبيّه نعمه ليزيد فرحا وشكرا قال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ:﴾ توفيقه وعصمته (١٣). ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ:﴾ كانوا يستزلّونك في الحكم بأن تجري الأمر على

стр. 516

ظاهره غير منتظر للوحي الممكن نزوله عليك (١). ﴿الْكِتابَ:﴾ القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ الفقه (٢). ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ:﴾ من الأشياء المستورة ممّا يجب الإيمان به عند السّماع (٣). ١١٤ - ﴿مِنْ نَجْواهُمْ:﴾ مصدر (٤)، ويطلق بمعنى الاسم، قال (٨٧ ظ) الله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]، وقال (٥): ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ [الإسراء:٤٧]: متناجون. فإن كان المراد ههنا الاسم فهم (٦) بنو أبيرق والاستثناء منقطع بمعنى لكن، وإن كان بمعنى المصدر فالكناية ترجع (٧) إلى جميع المؤمنين والاستثناء متّصل (٨). وإنّما أخبر بأنّه لا خير في كثير من نجواهم؛ لأنّ المناجاة في الشّرّ شرّ، وفي المباح الذي لا يمكن إظهاره (٩) شرّ أيضا، قال ﷺ : لا يتناجى اثنان دون ثالث فإنّ ذلك يحزنه (١٠). ﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ:﴾ ضيافة أو إقراض وغيره (١١). ﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ:﴾ «تأليف بينهم» (١٢). ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى التّناجي بهذه الأشياء (١٣). ﴿أَجْراً عَظِيماً:﴾ يعظم (١٤) قدره كثيرا. ١١٥ - ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ:﴾ يخالفه في الكتاب والسّنّة بالاعتقاد. ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى:﴾ من بعد ما قامت الحجّة عليه بالبيان والإعجاز (١٥).

стр. 517

﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ يخالف بالاعتقاد إجماعهم بعد انعقاده (١). وإنّما صار إجماع هذه الأمّة حجّة بقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وقوله (٢) ﷺ : لا تجتمع أمّتي على الضّلالة. ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى:﴾ نقلده ما تقلد بخذلانه (٣) وتيسيره للعسرى. وهذا الجزاء إنّما وجد حالة وجود الشّرط، ثمّ لله المشيئة فيه بعد ذلك [على قول] (٤) من لا يرى نسخ الوعيد، وعلى قولنا فلله أن لا يفعل الوعيد بمن شاء من خلقه. ١١٦ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ:﴾ نزلت في طعمة بن أبيرق، فتكون آية عذاب، وما سبق (٥) في وحشيّ، فتكون آية رحمة. والمراد بهذه الآية عبدة الأصنام، وبالأولى أهل الكتاب. ﴿بَعِيداً:﴾ يبعد عن الحقّ وقصد الطّريق (٦)، والبعيد ضدّ القريب. ١١٧ - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ:﴾ تقدير الآية: إن يدعون من دونه إلاّ إناثا وشيطانا، كقولك: لا أطيع إلاّ الأمير ولا أطيع إلاّ الوزير (٧)، أي: لا أطيع غيرهما، ولو أسقطت الواو ليصار (٨) كلامك بالإبدال على سبيل الاستدراك. ﴿إِلاّ إِناثاً:﴾ جنيّا كوافر حللن في الصخر أو الخشب (٩) كاللات والعزّى ومناة وبنوانة ونائلة، ويحتمل بالإناث الأنفس المعبودة (١٠) من دون الله على سبيل العموم (١١). ﴿إِلاّ شَيْطاناً:﴾ جنيّا كافرا متمرّدا وهو إبليس لعنه الله (١٢). ويحتمل أنّ النّفي الثّاني نفي المستثنى المثبت من قبل على سبيل التّحقيق واعتبار الأصل كقوله: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ (١٣)﴾ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ [البقرة:٩]،

стр. 518

وقوله: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [وَلكِنَّ اللهَ رَمى]﴾ (١) [الأنفال:١٧]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣]. و (المريد): العاصي (٢) المتجرّد بالشّرّ، والصخرة المرداء (٣) هي الملساء، والشجرة المرداء التي تساقطت أوراقها، والجدار الممرّد المملّس، والرّجل الأمرد الذي لا لحية له (٤). ١١٨ - ﴿لَأَتَّخِذَنَّ:﴾ أي: بعزّتك لأتّخذنّ (٥)، وهو في معنى قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص:٨٢]. وإنّما قال هذا بعد زوال المعرفة (٦) وإلاّ يعلم أنّه ليس بمعجز لله ولا بمعاند إيّاه. والمراد بالنّصيب المفروض غير المخلصين، و (المفروض): المقطوع المحدود بالتّقدير (٧). ١١٩ - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ:﴾ إضلاله: تزيينه (٨). و (تمنيته): وسوسته (٩) بالعمل. و (أمره): وسوسته وكلامه (٨٨ و) من جوف (١٠) الأصنام. ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ:﴾ يقطّعنّ (١١) ﴿آذانَ الْأَنْعامِ:﴾ أي: بحر (١٢) البحيرة. ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ:﴾ تغيير الدّين والفطرة عن ابن عبّاس (١٣)، والإخصاء عن أنس وعكرمة (١٤)، والوسم عن ابن مسعود والحسن (١٥)، وقيل: هو وصل الشّعور (١٦)، وقيل: هو اكتفاء (١٧) الرّجال بالرّجال والنّساء بالنّساء.

стр. 519

١٢٠ - ﴿وَيُمَنِّيهِمْ:﴾ يحملهم على التّمنّي. ١٢١ - ﴿مَحِيصاً:﴾ معدلا ومصرفا (١). ١٢٢ - ﴿قِيلاً﴾ (٢): قولا، قال الله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ﴾ [الزّخرف:٨٨]، أي: قوله، وتقول (٣): هذا من قيل فلان، أي: من قوله. ١٢٣ - ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ:﴾ نزلت في المنافقين والمشركين، والخطاب لهم، عن مجاهد. وقال غيره: خطاب للمؤمنين، أي: ليس إلاّ بمحكوم على ما تتمنّون (٤). وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ [سُوءاً] (٥)﴾ يُجْزَ بِهِ: عامّ، و (بل) مقدّر فيه، أي: الوعيد شامل على اعتبار الأفعال من دون الذّوات، إذ الذّوات لا توجب ثوابا ولا عقابا (٦). روي لمّا نزلت هذه الآية خاف أبو بكر الصّدّيق خوفا شديدا، وأظهر ذلك لرسول الله ﷺ فقال ﷺ : أمّا أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون (٧) بذلك في الدنيا وأمّا الآخرون فيجمع ذلك عليهم حتى يجزوا (٨) به في الآخرة، وفي بعض الرّوايات: ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست يصيبك (٩) البلاء؟ ومصداق ذلك قوله: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٠) [الشّورى:٣٠]. ١٢٤ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ:﴾ اشتراط (١٠) الإيمان يدلّ على أنّ غير المؤمن قد يعمل صالحا، وذلك ما يحمد في العقل كالسّخاء والوفاء وصلة الأرحام والصّدق، وإنّما شرط الإيمان؛ لأنّ الجنّة حرام على غير المؤمن، وقد أحبط عمله بكفره وابتغائه غير وجه الله ومنّه على من (١١) أنعم عليه.

стр. 520

١٢٥ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً:﴾ ليس أحد أحسن دينا (١). ﴿أَسْلَمَ:﴾ أخلص (٢). ﴿وَجْهَهُ:﴾ (٣) أمره، مقبلا معترفا بالتّوحيد (٤). ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ:﴾ يدلّ أنّ إحسان العمل فرع الإيمان والإسلام (٥). ﴿حَنِيفاً:﴾ حال لمن (٦) أسلم. ﴿وَاِتَّخَذَ اللهُ (٧)﴾ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً: أي: جعله مخصوصا بالولاية (٨). فيه ترغيب في الإسلام والإحسان، وزجر عن العمل السّيّئ. ١٢٧ - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ:﴾ فصل مبتدأ في ذكر النّساء مرتّب على الفصل الأوّل في هذه السّورة عائد إليه (٩). و (الاستفتاء): طلب الإفتاء، وهو الإجابة ببيان الحكم (١٠). ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ:﴾ إلى قوله: ﴿تَنْكِحُوهُنَّ:﴾ في محلّ الجرّ معطوف على الضّمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ (١١)، وتقديره: ويستفتونك في حكم البالغات وفي ما يتلى عليكم من حكم اليتامى؛ النساء غير البالغات أيضا. ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ:﴾ أي: اللواتي لا تؤتونهنّ ما أوجب لهنّ من مهر المثل (١٢). ﴿وَتَرْغَبُونَ:﴾ في نكاحهنّ بالمهر القليل (١٣). وهذا التفسير للإقساط المنفيّ المتقدّم (١٤) ما هو.

стр. 521

وإفتاؤه فيهنّ جميعا ما بيّن من حكم أنكحتهنّ ومواريثهنّ صغائر وكبائر، وبيّن في حكم مواريث المستضعفين (١). ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ:﴾ أي: ويفتيكم في قيامكم لليتامى بالقسط أيضا عند الوصيّة وقسم المواريث (٢). ١٢٨ - ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ:﴾ علمت (٣). ﴿نُشُوزاً:﴾ ترفّعا وخروجا عن الحدّ المحدود في حسن العشرة (٤). و (الإعراض) ههنا في معنى الهجران (٨٨ ظ) والطّلاق (٥). والصّلح المأذون فيه تركها القسمة على أن لا يطلّقها، عن عروة (٦) عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا (٧) على بعض في القسم، وكان قلّ يوم إلاّ وهو يطوف علينا جميعا فيصيب من كلّ امرأة من (٨) غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت له سودة بنت زمعة حين أسنّت وفرقت أن يفارقها رسول الله: يومي الذي يصيبني منك هو لعائشة، قالت: فيها وفي أمثالها نزلت هذه الآية (٩). وعن سمية قالت: وجد رسول الله ﷺ على صفيّة بعض الموجدة في شيء فقالت صفيّة لعائشة: هل لك أن ترضي عنّي رسول الله ﷺ ولك يومي؟ قالت: نعم، فأخذت خمارا لها مصبوغا بزعفران فرشّته بالماء لتفوح رائحته واختمرت به وقعدت إلى جنب رسول الله ﷺ فقال: إليك عنّي يا عائشة فإنّه (١٠) ليس يومك، قالت أمّ المؤمنين: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأخبرته بالأمر فرضي عن صفيّة (١١). وعن رافع بن خديج وامرأته ابنة محمّد بن سلمة الأنصاريّ نحو من هذا (١٢). ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ:﴾ ألزمت إيّاه وقرنت به وجبلت عليه (١٣).

стр. 522

﴿الشُّحَّ:﴾ الضّنّة، وهي حبّ إمساك المال وسائر الحظوظ (١). والمراد به ههنا ضنة المرأة بنصيبها من الرّجل وضنة الرّجل بنفسه، أي: قلّ ما تترك (٢) المرأة بحظها وقلّ ما يعطيها الرّجل ذلك إذا رغب (٣). ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا:﴾ معاشرتهنّ (٤). ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ بمحافظة الحدود (٥). ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٦): تنبيه على الجزاء. ١٢٩ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا:﴾ نفى كل استطاعة كل العدل بينهنّ؛ لأنّ الإنسان وإن سوّى بينهنّ في القسم لم يقدر أن يسوّي بينهنّ في الحبّ والمفاكهة والمطايبة (٧). ﴿فَلا تَمِيلُوا:﴾ تجوروا كلّ الجور بأن تقبلوا على بعضهنّ وتعرضوا عن بعضهنّ (٨). ﴿فَتَذَرُوها:﴾ تتركوها كالمعتدّة أو كالمولى عليها (٩). ١٣٠ - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا:﴾ وإن لم يصلحا وتفرّقا بالطّلاق (١٠). ﴿يُغْنِ اللهُ كُلاًّ:﴾ كلّ واحد منهما عن صاحبه ﴿مِنْ سَعَتِهِ،﴾ وغناه إمّا بأن يبدله خيرا منه وإمّا أن يرزقه الصّبر والقناعة الوسع (١١). ١٣١ - وفي قوله: ﴿فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ تهديد، أي: لا مهرب لكم منه (١٢). ﴿غَنِيًّا:﴾ ينفي الحاجة ويثبت القدرة والوسع (١٣).

стр. 523

﴿حَمِيداً:﴾ محمود الصّفات لقدمه وإحسانه وأنّه يثني على عباده المطيعين (١). ١٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ:﴾ تضمّنت الآية معنيين: التّهديد والإخبار عن القدرة ونفاذ المشيئة (٢). إن يشأ إذهابكم يذهبكم (٣): يفنيكم أو ينقلكم من الدنيا إلى الآخرة. ﴿بِآخَرِينَ:﴾ الرزية أو ما الله به أعلم (٤). ١٣٤ - ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ:﴾ أي: من كان مريدا. عمل الشّرط في معنى (كان) دون لفظه فإنّ لفظه ماض والماضي مبنيّ غير معرب، ولذلك أتينا بالماضي إذا توسّط بين حرف الشّرط (٨٩ و) والشّرط متوسّط في نحو قوله: ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها [نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً]﴾ (٥) [النّساء:١٢٨]، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ﴾ [التّوبة:٦]، ولو أتينا به والمتوسّط بالفعل المستقبل لما حسن ذلك؛ لأنّا إن أعملنا (٦) الشّرط فيه بطل توسّط المتوسّط وإلاّ بطل معنى الشّرط (٧). ﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ:﴾ أي: فليطلبه بطاعة الله فإنّه عند الله دون من يطلبونه من الطّواغيت (٨). ١٣٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ فصل آخر مبتدأ، واتّصالها بما قبلها من حيث المواريث والوصايا والأنكحة تحتاج إلى الشّهادة وإقامة القسط (٩). ﴿وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ:﴾ والشّهادة على الأنفس الإقرار والاعتراف (١٠)، قال الله مخبرا عن الكفّار: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ [الأنعام:١٣٠]. ﴿إِنْ يَكُنْ (١١)﴾: المشهود عليه. ﴿فَاللهُ أَوْلى:﴾ بكلّ واحد من الغنيّ والفقير، وهو يأمركم بالشّهادة عليهما، أي:

стр. 524

لا يحملنّكم موالاتكم إيّاهما عن كتمان الشّهادة فإنّ من هو أولى منكم بهما (١) يأمركم بأدائها. ويحتمل أنّ الكناية راجعة إلى المشهود عليه والمشهود له، وتقديره: فالله أولى به وبخصمه (٢). ﴿أَنْ تَعْدِلُوا:﴾ لتعدلوا وتقسطوا عند الزّجّاج (٣) والفرّاء (٤)، وقال ابن جرير (٥): هذا من العدول فيكون ترجمة لاتّباع الهوى. ١٣٦ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا:﴾ أي: آمنوا ببعض آمنوا بالكلّ لما يتلوه (٦). وقيل: آمنوا بالنّعت آمنوا بالمنعوت، كقوله: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩]. وقيل (٧): آمنوا وجه النّهار آمنوا آخره، لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النّساء:١٣٧]. وقيل (٨): آمنوا بألسنتهم (٩) آمنوا بقلوبكم، لقوله (١٠): ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ [النّساء:١٤٠]. وقيل (١١): آمنوا في ما مضى وفي الحال دوموا على الإيمان في المستقبل، لقوله: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦) [الفاتحة:٦]. وقيل: آمنوا بألسنتهم أخلصوا بعقائدهم تحقّقوا في الإيمان بدوام مراقبتكم وتهذيب خواطركم، لقوله ﷺ لحارثة: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقّا. . . الخبر (١٢). ١٣٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا:﴾ عن قتادة أنّها نزلت في أهل الكتاب (١٣)، وعن الحسن في الذين آمنوا وجه النّهار وكفروا آخره (١٤)، وعن مجاهد وابن زيد نزلت في المنافقين (١٥)، وهذا أصحّ؛ لأنّهم تردّدوا في أمرهم، وأصرّوا على اعتقاد الكفر وماتوا عليه.

стр. 525

﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ:﴾ شيئا من كفرهم الأوّل والثّاني والثّالث؛ لأنّ الكفر المتأخّر أحبط العمل المتقدّم (١). ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً:﴾ لا يوفّقهم، والتّوفيق هو التّيسير لليسرى، وذلك غير واجب بعد التّمكين الذي يلزم به الحجّة (٢). وقبول توبة هؤلاء مختلف فيه (٣). ١٣٩ - ﴿أَيَبْتَغُونَ:﴾ على الإنكار. ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ:﴾ «أي: المنعة» (٤). ﴿لِلّهِ جَمِيعاً﴾ يكرم بها من يشاء وقد ردّها (٥) لرسوله وللمؤمنين. ١٤٠ - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ:﴾ قوله: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:٦٨] (٦). و ﴿أَنْ:﴾ لترجمة المنزّل ما هو، والتّقدير: وقد نزّل عليكم في الكتاب شيئا وهو قوله: ﴿إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ﴾ (٨٩ ظ) ﴿يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها (٧)﴾: بالقرآن، وهو استخفافه. ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ:﴾ فطرد المعاشرة دون المجادلة والتقيّة، وإنّما أباح القعود بعد الغاية لرفع الجناح أو لاستمالتهم (٨). والكناية في (معهم) راجعة إلى (٩) الكافرين والمستهزئين. و (الخوض) في الحديث هو الشّروع في الكلام، وضدّه الإمساك عنه (١٠). ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ:﴾ أي: إن قعدتم معهم موالين إيّاهم كنتم مثلهم في الكفر والنّفاق (١١).

стр. 526

﴿الْمُنْفِقِينَ:﴾ المضمرين الكفر (١)، ﴿وَالْكافِرِينَ:﴾ المظهرين له. ١٤١ - ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ:﴾ أي: نزول الدّوائر والحوادث (٢). ﴿فَتْحٌ:﴾ نصرة (٣). ﴿نَصِيبٌ:﴾ «دولة» (٤). ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ:﴾ نشارككم في هذا الغزو، ويطلبون الشّركة في الغنيمة (٥). ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ:﴾ ألم نغلبكم ونستول عليكم مع المؤمنين ونحمكم (٦) ونجركم، يذكّرون أياديهم حالة الاستيلاء (٧). ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ:﴾ يفصل بحكمه (٨). ﴿سَبِيلاً:﴾ أي: حجّة صحيحة (٩). ويحتمل أنّ معناه لن (١٠) ينصرهم عليهم فإنّهم وإن غلبوا فهم المخذولون الأخسرون (١١). ١٤٢ - ﴿كُسالى:﴾ جمع كسلان، والكسل: التّثبّط والتّبرّم (١٢). والقليل من الذّكر ما يراؤون ويسمّعون به (١٣). ١٤٣ - ﴿مُذَبْذَبِينَ:﴾ متردّدين (١٤) مضطربين، ومنه يقال لأسافل الثّوب: ذباذب (١٥). ويحتمل من الذّبّ، أي: يذبّون كلّ فريق من أنفسهم بنوع من الخداع. ﴿لا إِلى هؤُلاءِ:﴾ أي: ليسوا مع هؤلاء في الإخلاص ولا مع هؤلاء في المحاربة (١٦).

стр. 527

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ:﴾ أي: هم ضالّون أضلّهم الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ يأتيها. ١٤٤ - ﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ على وجه الإنكار. ﴿أَنْ تَجْعَلُوا:﴾ أي: تقيموا. ﴿سُلْطاناً:﴾ أي: حجّة (١). وهذا على المجاز، وحقيقته أتريدون أن تكونوا من الذين لله عليهم سلطان بيّن بالإعذار والإنذار. ١٤٥ - ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ:﴾ لأنّهم شرّ أصناف الكفرة لخبثهم وخداعهم (٢). والدّركات والأدراك: المنازل والمراتب إلى (٣) الأسفل. ١٤٦ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ عن النّفاق (٤). ﴿وَأَصْلَحُوا:﴾ عقائدهم. ﴿وَاِعْتَصَمُوا:﴾ امتنعوا ﴿بِاللهِ﴾ عن الشّيطان ووساوسه والكفّار ومكائدهم. ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ:﴾ أي: نابزوا (٥) الكفّار وحقّقوا موالاة المؤمنين. وإنّما قال: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يصرّح بإيمانهم تعظيما لشأن النّفاق (٦). ١٤٧ - ﴿ما يَفْعَلُ:﴾ ما يصنع به؟ وأيّ غرض له فيه؟ استفهام بمعنى النّفي (٧). ١٤٨ - ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث إنّ الجهر بالسّوء من خصال المنافقين (٨)، وفيهم قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب:١٩]، وقد سبق ذكرهم. وعن عبد الرّحمن (٩) بن زيد أنّ الآية نزلت في أبي بكر الصّدّيق، شتمه رجل مرارا وهو ساكت، ورسول الله ﷺ [حاضر] (١٠)، ثمّ ردّ أبو بكر مرّة فقام رسول الله كالمنكر عليه.

стр. 528

ومعناه: لا يحبّ الله الجاهر (١) بالقول السّيّئ ﴿إِلاّ مَنْ ظُلِمَ:﴾ أي: الجاهر المظلوم، مثل أبي بكر. ويحتمل: لا يحبّ الله جهر أحد بالقول السّيّئ إلاّ جهر من ظلم (٢). والاستثناء على هذين متّصل، وقيل: منقطع، أي: لكن من ظلم فله أن يجهر (٣). وعن مجاهد أنّ المظلوم هو الضّيف (٩٠ و) المحتاج إذا مرّ بإنسان فلم يقره (٤) فله أن يشكوه ويذمّه. (العليم): يعلم الزّجر عن جهر قول السّيّئ وعن إسراره. ١٤٩ - وفي قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا،﴾ الآية، ندب إلى الجهر بالقول (٥) الحسن، وإلى إضماره، وإلى العفو للمظلوم. ﴿عَفُوًّا:﴾ يعني: فافعلوا فإنّ الله عفوّ بقدرته يحبّ أن تستنّوا (٦) بسنّته، أو فافعلوا فإنّ الله يجازيكم بعفوه (٧). ﴿قَدِيرٌ أَ﴾ (٨): على مجازاتكم. ١٥٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ:﴾ نزلت (٩) في أهل الكتاب. وفي الآية دليل أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنّه لا منزلة بين المنزلتين، وأنّ من اتّخذ من (١٠) ذلك سبيلا كان كافرا حقّا؛ لأنّ الله يشهد بالصّدق لجميعهم، فمن كذّب بالبعض فقد كذّب بالكلّ. ١٥٣ - ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ:﴾ نزلت في اليهود، طالبوا (١١) النّبيّ ﷺ بكتاب مكتوب مثل التّوراة ينزله (١٢) من السماء متحكمين، فأنكر الله ذلك عليهم وبيّن [لهم] (١٣) أنّ موسى أتاهم بذلك فلم يقنعوا به وطالبوه بما هو أجلّ شأنا منه (١٤). وفيه دليل على جواز رؤية الله تعالى.

стр. 529

﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ (١)﴾ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ: لترتيب الإخبار دون المخبر عنها (٢)؛ لأنّ مطالبة السّبعين بالرّؤية وعبادة الباقين العجل في أوان واحد. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ ما أيّد الله موسى بمصر حين عبر البحر قبل المنقلب (٣). ١٥٥ - ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ:﴾ عارض بين الأسباب المذكورة لتحريم الطّيّبات (٤). ١٥٦ - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ:﴾ من الأسباب المحرّمة للطّيّبات، لمّا علم الله أنّهم سيأتونه لا محالة عجل المسبب، وليس هو كتقديم (٥) العقوبة على المذنب ولكنّه كخلقه آدم وإسجاد الملائكة له، يعلم (٦) ما لا يعلمون. ١٥٧ - ﴿وَقَوْلِهِمْ:﴾ أي: وبقولهم ﴿إِنّا قَتَلْنَا﴾ (٧). وهذا من الأسباب المحرّمة للطّيّبات أيضا. ويحتمل أنّ هذا وما قبله من البهتان سبّبا الطّبع (٨) على القلوب. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا:﴾ من اليهود والنّصارى (٩). ﴿إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ:﴾ استثناء منقطع عند البعض (١٠)، فالهاء في قوله: ﴿وَما قَتَلُوهُ﴾ راجعة إلى العلم أو الظّنّ (١١)، أي: لم يحكموه. وقيل: إلى المقتول المصلوب، أي: قتلوه متوهّمين لا بيقين أنّه المسيح ﵇ (١٢). وقيل: عائدة إلى المسيح، ما قتلوه حقيقة ﴿وَلكِنْ﴾ على زعمهم (١٣). ١٥٨ - ﴿بَلْ:﴾ ردّ لكلامهم (١٤). ١٥٩ - ﴿لَيُؤْمِنَنَّ (١٥)﴾ بِهِ: بعيسى (١٦)، وعن عكرمة بمحمّد (١٧). والجميع أنّه عند معاينة

стр. 530

البأس يؤمن بالجميع فلا ينفعه إيمانه (١). ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ:﴾ موت عيسى (٢) ﵇، يؤمنون به إذا نزل من السّماء (٣). ١٦١ - وإنّما قيّد أخذ الرّبا بالنّهي؛ لأنّه ليس بمذموم قبل النّهي في العقل بتلة إلاّ أنّ فيه نوع كراهة فيوقف الذّمّ على النّهي، بخلاف الصّدّ (٤) وأكل أموال النّاس. وخصّ الكافرين منهم؛ لأنّهم لم يكونوا سواء. ١٦٢ - والواو في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ للجمع بين صفتي القوم. ﴿وَالْمُقِيمِينَ:﴾ في محلّ الخفض عطفا على الضّمير في ﴿مِنْهُمْ،﴾ أي: الرّاسخون في العلم من جملة اليهود ومن غيرهم من المصلّين (٥)، أو عطف على قوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (٦)﴾ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي: هؤلاء الرّاسخون يؤمنون بالمقيمين أيضا وهم الأنبياء (٧). وقيل (٨): نصب على المدح. ١٦٣ - اتّصال قوله: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ (٩) بما قبله من حيث مقابلة اليهود بتنزيل الكتاب المكنون، يقول: [إنّا] (١٠) أوحينا إليك كما أوحينا إلى هؤلاء (١١). وإنّما ابتدأ بنوح (١٢)؛ (٩٠ ظ) لأنّه يعرفه الكلّ بالأخبار المتواترة وهو المسمّى آدم الأصغر، ولا يعرف من قبله من الأنبياء (١٣). وعطف إبراهيم على الأنبياء تشريفا له (١٤)، كما قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ [الأحزاب:٧]. ويحتمل (النّبيّين) هم (١٥) الذين كانوا بين نوح وإبراهيم.
следующие страницы →