← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

﴿الْمُنْفِقِينَ:﴾ المضمرين الكفر (١)، ﴿وَالْكافِرِينَ:﴾ المظهرين له. ١٤١ - ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ:﴾ أي: نزول الدّوائر والحوادث (٢). ﴿فَتْحٌ:﴾ نصرة (٣). ﴿نَصِيبٌ:﴾ «دولة» (٤). ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ:﴾ نشارككم في هذا الغزو، ويطلبون الشّركة في الغنيمة (٥). ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ:﴾ ألم نغلبكم ونستول عليكم مع المؤمنين ونحمكم (٦) ونجركم، يذكّرون أياديهم حالة الاستيلاء (٧). ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ:﴾ يفصل بحكمه (٨). ﴿سَبِيلاً:﴾ أي: حجّة صحيحة (٩). ويحتمل أنّ معناه لن (١٠) ينصرهم عليهم فإنّهم وإن غلبوا فهم المخذولون الأخسرون (١١). ١٤٢ - ﴿كُسالى:﴾ جمع كسلان، والكسل: التّثبّط والتّبرّم (١٢). والقليل من الذّكر ما يراؤون ويسمّعون به (١٣). ١٤٣ - ﴿مُذَبْذَبِينَ:﴾ متردّدين (١٤) مضطربين، ومنه يقال لأسافل الثّوب: ذباذب (١٥). ويحتمل من الذّبّ، أي: يذبّون كلّ فريق من أنفسهم بنوع من الخداع. ﴿لا إِلى هؤُلاءِ:﴾ أي: ليسوا مع هؤلاء في الإخلاص ولا مع هؤلاء في المحاربة (١٦).

стр. 527

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ:﴾ أي: هم ضالّون أضلّهم الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ يأتيها. ١٤٤ - ﴿أَتُرِيدُونَ:﴾ على وجه الإنكار. ﴿أَنْ تَجْعَلُوا:﴾ أي: تقيموا. ﴿سُلْطاناً:﴾ أي: حجّة (١). وهذا على المجاز، وحقيقته أتريدون أن تكونوا من الذين لله عليهم سلطان بيّن بالإعذار والإنذار. ١٤٥ - ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ:﴾ لأنّهم شرّ أصناف الكفرة لخبثهم وخداعهم (٢). والدّركات والأدراك: المنازل والمراتب إلى (٣) الأسفل. ١٤٦ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ عن النّفاق (٤). ﴿وَأَصْلَحُوا:﴾ عقائدهم. ﴿وَاِعْتَصَمُوا:﴾ امتنعوا ﴿بِاللهِ﴾ عن الشّيطان ووساوسه والكفّار ومكائدهم. ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ:﴾ أي: نابزوا (٥) الكفّار وحقّقوا موالاة المؤمنين. وإنّما قال: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يصرّح بإيمانهم تعظيما لشأن النّفاق (٦). ١٤٧ - ﴿ما يَفْعَلُ:﴾ ما يصنع به؟ وأيّ غرض له فيه؟ استفهام بمعنى النّفي (٧). ١٤٨ - ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث إنّ الجهر بالسّوء من خصال المنافقين (٨)، وفيهم قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب:١٩]، وقد سبق ذكرهم. وعن عبد الرّحمن (٩) بن زيد أنّ الآية نزلت في أبي بكر الصّدّيق، شتمه رجل مرارا وهو ساكت، ورسول الله ﷺ [حاضر] (١٠)، ثمّ ردّ أبو بكر مرّة فقام رسول الله كالمنكر عليه.

стр. 528

ومعناه: لا يحبّ الله الجاهر (١) بالقول السّيّئ ﴿إِلاّ مَنْ ظُلِمَ:﴾ أي: الجاهر المظلوم، مثل أبي بكر. ويحتمل: لا يحبّ الله جهر أحد بالقول السّيّئ إلاّ جهر من ظلم (٢). والاستثناء على هذين متّصل، وقيل: منقطع، أي: لكن من ظلم فله أن يجهر (٣). وعن مجاهد أنّ المظلوم هو الضّيف (٩٠ و) المحتاج إذا مرّ بإنسان فلم يقره (٤) فله أن يشكوه ويذمّه. (العليم): يعلم الزّجر عن جهر قول السّيّئ وعن إسراره. ١٤٩ - وفي قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا،﴾ الآية، ندب إلى الجهر بالقول (٥) الحسن، وإلى إضماره، وإلى العفو للمظلوم. ﴿عَفُوًّا:﴾ يعني: فافعلوا فإنّ الله عفوّ بقدرته يحبّ أن تستنّوا (٦) بسنّته، أو فافعلوا فإنّ الله يجازيكم بعفوه (٧). ﴿قَدِيرٌ أَ﴾ (٨): على مجازاتكم. ١٥٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ:﴾ نزلت (٩) في أهل الكتاب. وفي الآية دليل أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنّه لا منزلة بين المنزلتين، وأنّ من اتّخذ من (١٠) ذلك سبيلا كان كافرا حقّا؛ لأنّ الله يشهد بالصّدق لجميعهم، فمن كذّب بالبعض فقد كذّب بالكلّ. ١٥٣ - ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ:﴾ نزلت في اليهود، طالبوا (١١) النّبيّ ﷺ بكتاب مكتوب مثل التّوراة ينزله (١٢) من السماء متحكمين، فأنكر الله ذلك عليهم وبيّن [لهم] (١٣) أنّ موسى أتاهم بذلك فلم يقنعوا به وطالبوه بما هو أجلّ شأنا منه (١٤). وفيه دليل على جواز رؤية الله تعالى.

стр. 529

﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ (١)﴾ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ: لترتيب الإخبار دون المخبر عنها (٢)؛ لأنّ مطالبة السّبعين بالرّؤية وعبادة الباقين العجل في أوان واحد. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ ما أيّد الله موسى بمصر حين عبر البحر قبل المنقلب (٣). ١٥٥ - ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ:﴾ عارض بين الأسباب المذكورة لتحريم الطّيّبات (٤). ١٥٦ - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ:﴾ من الأسباب المحرّمة للطّيّبات، لمّا علم الله أنّهم سيأتونه لا محالة عجل المسبب، وليس هو كتقديم (٥) العقوبة على المذنب ولكنّه كخلقه آدم وإسجاد الملائكة له، يعلم (٦) ما لا يعلمون. ١٥٧ - ﴿وَقَوْلِهِمْ:﴾ أي: وبقولهم ﴿إِنّا قَتَلْنَا﴾ (٧). وهذا من الأسباب المحرّمة للطّيّبات أيضا. ويحتمل أنّ هذا وما قبله من البهتان سبّبا الطّبع (٨) على القلوب. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا:﴾ من اليهود والنّصارى (٩). ﴿إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ:﴾ استثناء منقطع عند البعض (١٠)، فالهاء في قوله: ﴿وَما قَتَلُوهُ﴾ راجعة إلى العلم أو الظّنّ (١١)، أي: لم يحكموه. وقيل: إلى المقتول المصلوب، أي: قتلوه متوهّمين لا بيقين أنّه المسيح ﵇ (١٢). وقيل: عائدة إلى المسيح، ما قتلوه حقيقة ﴿وَلكِنْ﴾ على زعمهم (١٣). ١٥٨ - ﴿بَلْ:﴾ ردّ لكلامهم (١٤). ١٥٩ - ﴿لَيُؤْمِنَنَّ (١٥)﴾ بِهِ: بعيسى (١٦)، وعن عكرمة بمحمّد (١٧). والجميع أنّه عند معاينة

стр. 530

البأس يؤمن بالجميع فلا ينفعه إيمانه (١). ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ:﴾ موت عيسى (٢) ﵇، يؤمنون به إذا نزل من السّماء (٣). ١٦١ - وإنّما قيّد أخذ الرّبا بالنّهي؛ لأنّه ليس بمذموم قبل النّهي في العقل بتلة إلاّ أنّ فيه نوع كراهة فيوقف الذّمّ على النّهي، بخلاف الصّدّ (٤) وأكل أموال النّاس. وخصّ الكافرين منهم؛ لأنّهم لم يكونوا سواء. ١٦٢ - والواو في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ للجمع بين صفتي القوم. ﴿وَالْمُقِيمِينَ:﴾ في محلّ الخفض عطفا على الضّمير في ﴿مِنْهُمْ،﴾ أي: الرّاسخون في العلم من جملة اليهود ومن غيرهم من المصلّين (٥)، أو عطف على قوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (٦)﴾ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي: هؤلاء الرّاسخون يؤمنون بالمقيمين أيضا وهم الأنبياء (٧). وقيل (٨): نصب على المدح. ١٦٣ - اتّصال قوله: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ (٩) بما قبله من حيث مقابلة اليهود بتنزيل الكتاب المكنون، يقول: [إنّا] (١٠) أوحينا إليك كما أوحينا إلى هؤلاء (١١). وإنّما ابتدأ بنوح (١٢)؛ (٩٠ ظ) لأنّه يعرفه الكلّ بالأخبار المتواترة وهو المسمّى آدم الأصغر، ولا يعرف من قبله من الأنبياء (١٣). وعطف إبراهيم على الأنبياء تشريفا له (١٤)، كما قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ [الأحزاب:٧]. ويحتمل (النّبيّين) هم (١٥) الذين كانوا بين نوح وإبراهيم.

стр. 531

وقدّم عيسى على أيّوب ويونس تشريفا له لكونه من جملة أولي (١) العزم، والواو لا توجب التّرتيب (٢). ﴿وَأَيُّوبَ:﴾ ﵇، هو أيّوب بن موص بن زعويل، عن وهب، وكان أبوه ممّن آمن بإبراهيم وهاجر معه، وأمّه بثينة بنت لوط ﵇، وتحته ليّا بنت يعقوب وهي التي ضربها بالضّغث، وكان أيّامه أيّام الأسباط أو بعدهم (٣). ﴿وَيُونُسَ:﴾ ﵇، هو يونس بن متّى أحد عبّاد بني إسرائيل وزهّادهم، بعثه الله بعد إلياس واليسع إلى أهل نينوى، وهو ذو النّون. وإنّما قدّمه على هارون وداود وسليمان؛ لأنّ الواو لا توجب التّرتيب. ﴿وَهارُونَ:﴾ هو هارون بن عمران أخو موسى، أكبر منه بسنة، أشركه الله في أمر موسى وأرسلهما إلى فرعون. وإنّما قال: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ لينوّه بذكره تعويضا عن تقديمه، أو ليعلم أنّه أتي بالزّبور ولم يأت به مكتوبا من السّماء (٤). ١٦٤ - ﴿وَرُسُلاً:﴾ نصب، عطف على (داود)، أي: أعطيناهم (٥) زبرا، أو لوقوع القصص عليه (٦). وإنّما قال: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ لينوّه بذكره تعويضا عن تقديمه، أو عامّة (٧) للحجّة بما أتي من الكلام المعجز وإن لم يكن مكتوبا من السّماء. وأكّد بالمصدر ليعلم أنّ الله كلّمه حقيقة وخاطبه خطابا، وليحسم توهّم المجاز، ونحوه (٨) قولك: مال برأسه، وقال بيده (٩). و (التّكليم) صفة لله تعالى حقيقة (١٠) من غير كيفيّة. ١٦٥ - ﴿رُسُلاً:﴾ «أي: أرسلنا رسلا» (١١). ﴿لِئَلاّ﴾ يقبل للإرسال.

стр. 532

١٦٦ - ﴿لكِنِ:﴾ يدلّ على مستدرك، نحو قولهم: لن نشهد (١) لك بالنّبوّة ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٣]. وشهادة الله هو هذا القرآن المعجز، وما ذكر في التّوراة والإنجيل والزّبور من نعته، وما ألهم أولياءه من التّصديق له (٢). ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ:﴾ أي: أنزله وهو عالم غير ساه ولا مخطئ. وشهادة الملائكة إيمانهم به. وإنّما أخبر لتشريف النّبيّ ﷺ (٣). ١٦٧ - ﴿وَصَدُّوا:﴾ «صرفوا النّاس» (٤). ١٦٨ - ﴿وَظَلَمُوا:﴾ ما ضمّوه إلى كفرهم من سائر الخصال المذمومة. ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ:﴾ كفرهم (٥). ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ:﴾ التّوفيق، لظلمهم في كفرهم (٦). ﴿طَرِيقاً:﴾ سبيلا. ١٦٩ - ﴿طَرِيقَ جَهَنَّمَ:﴾ هو الكفر (٧). ﴿خالِدِينَ:﴾ نصب على الحال للمهديّين إلى النّار (٨). ١٧٠ - ﴿خَيْراً:﴾ نصب على القطع عند الكوفيّين (٩)، وعلى المحلّ عند البصريّين؛ فكأنّك قلت: ائت خيرا (١٠). ١٧١ - ﴿لا تَغْلُوا:﴾ لا تجاوزوا الحدّ (١١). و (الغالي): الفاحش. وغلوّهم في دينهم: الإفراط (١٢) في أمر المسيح ﵇ (١٣).

стр. 533

﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ:﴾ أب وأمّ وابن، أو روح ونفس وعلم. ﴿إِنَّمَا اللهُ:﴾ إنّما هو خالق الأشياء كلّها. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ تنزيها عن السّوء (١). ١٧٢ - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ:﴾ لن يأنف أولاء (٢)، ردّ على المخاطبين الذين يدعون لعيسى لنظم الكلام، ثمّ ردّ على من يشاكلهم كمن قال للأمير: لا تقاومني (٩١ و) أنت ولا وزيرك ولا أتباعك. ١٧٤ - المراد بالبرهان القرآن (٣)، وكذلك بالنّور المبين (٤). ١٧٥ - ﴿وَاِعْتَصَمُوا:﴾ بالله، أو بالقرآن (٥). ﴿فِي رَحْمَةٍ:﴾ نعمة، وهي الجنّة (٦). ﴿وَفَضْلٍ:﴾ نعمة زائدة على الموعود (٧). ١٧٦ - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ:﴾ نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاريّ، سأل ما يرث من أخته وما ترث منه أخته (٨). ﴿إِنِ اِمْرُؤٌ:﴾ مرتفع بإسناد الفعل إليه (٩). ﴿هَلَكَ:﴾ في محلّ الجزم (١٠). ﴿أَنْ تَضِلُّوا:﴾ «لئلاّ تضلّوا» (١١)، حذف للاكتفاء، وعند البصريّين (١٢): «كراهة أن تضلّوا». والله أعلم.

стр. 534

سورة المائدة مدنيّة إلاّ قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] فإنّها نزلت بعرفات، وحكمها مدنيّة (١). وهي مئة واثنتان وعشرون آية حجازي شامي (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ:﴾ المواثيق الشّرعيّة التي يكون عقدها طاعة، عن ابن عبّاس (٣)، والحال تدلّ عليه. وإنّما ابتدأ بهذا الأمر لما أعقبه من الأوامر والنّواهي، وهي عقود وعهود كلّها. ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث التّمسّك بعقد الإحرام في اجتناب الصّيد. ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ:﴾ الإبل والبقر والغنم (٤). (البهيمة): كلّ دابّة أبهمت عن العقل والتّمييز واستبهمت عن الكلام (٥)، وجمعه بهائم. و (الأنعام): جمع النّعم، وهو (٦) جمع لا واحد له من لفظه. ويقع ههنا على البقر الوحشيّة والظّباء والوعول لقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ (٧). ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ:﴾ استثناء من بهيمة الأنعام (٨). والمراد به الميتة ونحوها (٩). ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ (١٠): استثناء من حال المخاطبين، تقديره: غير محلّين للصّيد (١١). والواو في ﴿وَأَنْتُمْ﴾ للحال أيضا (١٢). و (الصّيد) (١٣): اسم لما يصطاد، والمراد ههنا نعم الصّيد، أو كلّ ما يحلّ من الصّيد في غير

стр. 535

حالة الإحرام وإلاّ لما كان لتقييد الوصف بالإحرام فائدة (١). ﴿حُرُمٌ:﴾ جمع حرام (٢)، قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال: ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التّوبة:٣٦]. ﴿ما يُرِيدُ:﴾ تكون الإرادة بمعنى المشيئة فيدلّ على أنّه ليس تحت حكم ولكنّه منصرف على قضيّة مشيئته (٣)، أو بمعنى المحبّة فيدلّ على أنّ الأحكام الشّرعيّة كلّها محبوبة مرضيّة محمودة. ٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نزلت في شريح بن ضبيعة بن شرحبيل، أتى المدينة وقال لرسول الله: إلى ما تدعو إليه؟ قال: إلى (٤) شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة، قال: إنّ ما تدعو إليه حسن ولكنّ لي أمراء لا أقطع الأمر دونهم، فقال: لقد دخل هذا بوجه كافر وخرج بعقبى (٥) غادر وما هو بمسلم، فمرّ (٦) على سرح المدينة فاستاقها، فلمّا كان العام المقبل خرج هذا الرّجل حاجّا في حجّاج بكر بن وائل، فاستأذن المسلمون رسول الله ﷺ في التّعرّض لهم فأنزل، وعن السدّي وابن جريج أنّ اسم الرّجل حطم (٧). ﴿شَعائِرَ اللهِ:﴾ غير المعطوف عليه كالمواقيت الذي لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام، وكالحرم لا يجوز القتال فيه (٨). ﴿الشَّهْرَ الْحَرامَ:﴾ رجب، وعن عكرمة ذو القعدة (٩). (٩١ ظ) ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ (١٠): قال ابن عبّاس: حرّم الله الهدايا (١١) المقلّدة وغير المقلّدة (١٢). وقيل: كان المشركون يقلّدون الإبل بلحاء الشّجر تشبيها بالهدايا لئلاّ يتعرّض لها، فأمر الله باجتنابها كالهدايا (١٣). وقيل: نهى الله عن إمساك القلائد بعد نحر البدن فإنّ سبيلها الصّدقة وهي من

стр. 536

صوف (١). قالت عائشة: كنت أفتل (٢) قلائد بدن رسول الله ﷺ وهو في بيته يصنع ما يصنع الحلال. ﴿يَبْتَغُونَ:﴾ حال الآمّين البيت الحرام (٣). وإنّما نصب ﴿الْبَيْتَ﴾ لوقوع الفعل عليه (٤). ﴿فَضْلاً:﴾ رزقا ونعمة (٥). ﴿وَرِضْواناً:﴾ على سبيل الظّنّ، كقولهم (٦): ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزّمر:٣]. ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا:﴾ إباحة (٧). ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ:﴾ لا يحملنّكم ولا يستعملنكم (٨). و (الاعتداء): أخذ البريء بالجاني؛ لأنّ الصّدّ كان من جهة قريش، وهم كانوا يستحلّون حجّاج بكر بن وائل، وقد قال: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام:١٦٤]. ﴿تَعْتَدُوا:﴾ في محلّ النّصب ب (أن)، يدلّ عليه سقوط النّون. ﴿وَتَعاوَنُوا:﴾ في محلّ الجزم على سبيل الأمر بدليل سقوط النّون (٩). ٣ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ:﴾ الآية، لا بدّ من كون هذه المحرّمات محرّمة قبل نزول الآية، فإنّها نزلت بعرفات عام حجّة الوداع، وفائدة ذكرها التّأكيد إذ ﴿وَاِخْشَوْنِ﴾ رأس آية تامّة حتى يكون النّازل يوم عرفة قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ [دِينَكُمْ] (١٠)﴾. روي أنّ يهوديّا قال للفاروق: لو نزل علينا مثل هذه الآية يوما لاتّخذناه عيدا، فقال: إنّها نزلت يوم الجمعة وهو عيدنا ويوم عرفة وهو عيدنا (١١).

стр. 537

واستخرج بعض المنجّمين أنّه يوم دخول الشّمس في برج الحمل، قال ﷺ : (إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق [الله] (١) السّموات والأرض)، فكأنّ هذا المستخرج يقول: قوله ﷺ هذا حجّة على جميع الفلاسفة حيث إنّه علم ولم يكن منجّما ولا صاحب منجّم. ثمّ بيّن الله للمؤمنين محافظة حساب القمر دون الشّمس؛ لأنّه أحوط لأوقات العبادة. وروي أنّ اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية كان قد اتفق عيد (٢) اليهود والنّصارى والمجوس. ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ:﴾ التي ماتت بالمنع عن التّنفّس (٣). ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ:﴾ التي وقذت بالعصا وضربت حتى ماتت (٤). ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ (٥): التي مات بالتّردّي من أعلى إلى أسفل. ﴿وَالنَّطِيحَةُ:﴾ التي نطحتها صاحبتها فقتلتها (٦). وذكر الأربع ليبيّن أنّ سبب الموت إذا كان ظاهرا لم يقم مقام الذّكاة (٧) بخلاف السّمك. ﴿وَما أَكَلَ:﴾ افترس (٨) ﴿السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ:﴾ ذبحتم (٩)، و (التّذكية): التّطهير (١٠)، وفي الحديث: (ذكاة الأرض يبسها) (١١). الاستثناء راجع إلى ما أكل السّبع (١٢)، وقيل (١٣): إلى المنخنقة فما بعدها. وشرط الاستدراك أن تكون (١٤) حياتها واضطرابها أكثر من حياة المذبوح (١٥).

стр. 538

و ﴿النُّصُبِ:﴾ ما نصب من الأوثان إلاّ أنّه لا صورة له، والصّنم مصوّر (١). ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ:﴾ وذلك ما يتقامرون به، كانوا يجتمعون عشرة (٩٢ و) ويشترون جزورا ويضربون بالأزلام وهي القداح، واحدها زلم وزلم، يطلبون القسمة فمنهم من ذهب باللّحم ومنهم من غرم الثّمن لما وضعوا من الرّسم، وربّما كانوا يفعلون على وجه البرّ والصّلة بزعمهم ويصرفون ذلك إلى الفقراء مراءاة ومباهاة (٢)، فحرّم الله ذلك على المسلمين. ﴿ذلِكُمْ:﴾ إشارة إلى الاستقسام بالأزلام (٣). ﴿الْيَوْمَ:﴾ اللام للمعهود، وهو يوم عرفة (٤)، وقيل (٥): المراد به الآن. ﴿يَئِسَ:﴾ قنط، كانوا من قبل (٦) يطمعون في رجوع المؤمنين لما يشاهدون من النّسخ والتّبديل، فلمّا قرن الله الشّرائع كلّها ونفى المشركين عن الحرم وأبطل النّسيء قنطوا ويئسوا. و (الكامل) لا يحتمل الزّيادة بخلاف التّامّ (٧). ﴿وَرَضِيتُ﴾ (٨): الواو ليس للعطف على العامل في ﴿الْيَوْمَ؛﴾ لأنّ الرّضا لم يختصّ بذلك اليوم. ﴿مَخْمَصَةٍ:﴾ مجاعة (٩)، والأخمص: الضّامر (١٠). ﴿مُتَجانِفٍ:﴾ متمايل إلى الإثم (١١)، كقوله: ﴿غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ﴾ [البقرة:١٧٣]. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ تقديره: فأكل غفر له (١٢). أو يدلّ على الرّخصة في بيان

стр. 539

المحرّمات عند الضّرورة (١)، ولذلك قام مقام الجزاء. ٤ - ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ نزلت في زيد الخيل الذي سمّاه النّبيّ ﷺ زيد الخير، وفي عديّ بن حاتم الطّائيّ، سألا رسول الله ﷺ عن حكم الصّيد وما يحلّ منه (٢). ﴿الطَّيِّباتُ:﴾ المذكّيات، أو غير الخبائث من السّبع والحشرات (٣). ﴿وَما عَلَّمْتُمْ:﴾ من الشرط، والجواب ﴿فَكُلُوا﴾ (٤). ﴿الْجَوارِحِ:﴾ الكواسب من الفهود والكلاب (٥). و (التّكليب): تعليم هذه الجوارح وإشلاؤها (٦). ونصب ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حال (٧). ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ:﴾ حال أيضا لمضارعته الاسم (٨). ﴿أَمْسَكْنَ:﴾ حبسن الصّيد على الصّائد (٩)، ولا يأكلن منه بالتّعليم لا بالاتّفاق إلاّ (١٠) الدّم المسفوح. ﴿وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ:﴾ على الصّيد حالة إرسال الجوارح (١١). ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ:﴾ في ما أحلّ وحرّم (١٢). ذكر سرعة الحساب لتأكيد الزّجر، والتّحذير في معنى الجزاء (١٣). ومن نوقش في الحساب عذّب (١٤). ٥ - ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ «ذبائحهم» (١٥). واذكروا عليه اسم الله وحده (١٦).

стр. 540

وفائدة تحليل طعامنا لهم رفع الجناح عنّا في إطعامهم (١). ﴿وَالْمُحْصَناتُ:﴾ العفائف غير الزّانيات (٢). ﴿أُجُورَهُنَّ:﴾ مهورهنّ (٣). ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ:﴾ يجحد الإسلام وشرائعه (٤). وحبوط عمله (٥) إنكاره الثّواب ورضاه بأن يجازى على الإسلام. ٦ - إنّما قال: ﴿إِذا قُمْتُمْ﴾ ليعلم أنّ الصّلاة هي المفتقرة إلى الوضوء دون القصد إليها، وليعلم أنّه شرط في صحّة عبادة (٦) وليست بعبادة في نفسها. إذا قمتم عن النّوم عن ابن عبّاس وابن زيد (٧)، دلّت الحال على أنّهم كانوا محدثين. وممّن خصّ المحدثين بالخطاب ابن عبّاس وسعد بن أبي وقّاص وأبو موسى الأشعريّ وجابر بن عبد الله وابن عمر (٨). وصلّى النّبيّ ﷺ الصّلوات كلّها يوم فتح مكّة بوضوء واحد، فقال عمر: فعلت شيئا (٩) يا رسول الله عمدا، فقال: لتبيين الشّرع (١٠). ويجوز ترك الفضيلة لبيان الشّرع كتأخير المغرب عند تعليم المواقيت. و (الغسل): إمرار الماء على أعضاء (١١) الوضوء، فلولا قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ لسقط الوجوب بالغسل (٩٢ ظ) بكلّ مائع. و ﴿إِلَى﴾ (١٢) بمعنى (مع). و (المرفق) (١٣): اسم لجميع (١٤) الذّراع والعضد.

стр. 541

و (المسح): إمساس الماء (١). والباء (٢) للتّبعيض، كقولك (٣): أخذت بزمام النّاقة، وقيل: للاستيعاب كقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ:٢٩]، وقد روي أنّه ﷺ مسح على ناصيته (٤). و (الأرجل): الأقدام، واحدها رجل (٥). ﴿فَاطَّهَّرُوا:﴾ فاغتسلوا (٦). ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ:﴾ لابتداء الغاية، وهو أن يرفع (٧) يديه للمسح من الصّعيد، ويحتمل التّبعيض (٨). ٧ - ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ إن أجريت الخطاب على العموم فالميثاق المذكور ما التزمناه عند الدّخول في الإسلام، أو حين عقلنا الإسلام، أو ما أخذ الله بقوله علينا قوله (٩): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قلنا: ﴿بَلى﴾ [الأعراف:١٧٢] (١٠). وقيل: الخطاب للمؤمنين من اليهود، والميثاق ما أخذ الله عليهم في التّوراة (١١). وقيل: الخطاب لأصحاب الشّجرة أو لأصحاب العقبة، والميثاق هي البيعة المأخوذة منهم (١٢). ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ:﴾ الضّمائر (١٣). سمّى العرض ههنا ذا جوهر، والجوهر في سائر الموارد ذا عرض، فقال : ﴿حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النّمل:٦٠]، و ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ [المؤمنون:٥٠]، و ﴿ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ [الأنفال:٧] لاتّساع لفظ (ذا) وإطلاقه على جميع ما ينطلق عليه اسم الشّيء، وهو إذا أضيف إلى شيء أعربه وخرج عن كونه مشارا إليه، وهو عند الإضافة هو المضاف إليه في الحقيقة دون ما أضيف إليه.

стр. 542

٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نزلت في النّبيّ ﷺ ، ذهب إلى اليهود يستقرضهم شيئا في تحمّل الدّية، فهمّوا بقتله فأنزل الله (١). وقيل (٢): هي في صدّ قريش. والعدل مع الكفّار أن لا يجازوا (٣) بالمثلة وقتل النّساء والصّبيان والمقابلة بالبهتان (٤). ﴿هُوَ:﴾ عائد إلى القتل (٥). والتّفضيل وقع على غير العدل مما ذكرنا. ٩ - ﴿وَعَدَ اللهُ:﴾ المغفرة والأجر العظيم (٦). وإنّما ارتفع (٧) على الابتداء، أو على أنّه خبر اللام، ولم ينتصب؛ لأنّه جاء محكيّا إذ الوعد كالقول. ١٠ - ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو للاستئناف. ﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ آخر مع خبره خبر للمبتدأ الأوّل (٨). ١١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ عن جابر أنّ العرب همّوا اغتيال رسول الله ﷺ ، فبعثوا إليه أعرابيّا، ورسول الله نازل تحت شجرة علّق منها سلاحه، وقد تفرّق عنه أصحابه مستظلّين تحت العضاة، ففجأه الأعرابيّ شاهرا سيفه وقال: من يمنعك منّي؟ قال: الله، وكرّر الأعرابيّ (٩) كلامه ثلاثا وكرّر النّبيّ ﷺ جوابه ثلاثا (١٠)، فصرف الله المخذول عنه فرجع خائبا، فأنزل (١١). وعن ابن عبّاس أنّ اليهود صنعوا (١٢) طعاما ودعوا رسول الله ﷺ يريدون به القتل (١٣)، فأعلمه الله وصرف كيدهم، ثمّ ذكر منّته على المؤمنين بذلك (١٤).

стр. 543

وعن مجاهد والسدّي وأبي مالك وعكرمة أنّه ﷺ كان صالح اليهود من قريظة والنّضير على أن يقرضوه إذا استقرضهم فيما يحتاج إليهم من الدّيات، ثمّ إنّ عمرو بن أميّة الضمري قتل قتيلين من الأسلميّين خطأ، فذهب النّبيّ ﷺ معه أبو بكر وعمر وعليّ إلى بني قريظة يستقرضهم شيئا في دية القتيلين فقالوا: مرحبا بأبي القاسم، ثمّ قالوا: إخواننا بنو النّضير لا نقضي دونهم شيئا، ترجع اليوم وتأتينا يوم كذا، ثمّ تآمروا فيما بينهم وأجمعوا على الفتك (٩٣ و) به يوم الميعاد، فلمّا أتاهم يوم الميعاد (١) أجلسوه مع أصحابه في صفة، وخرجوا يرفعون الأسلحة وينتظرون كعب بن الأشرف وكان غائبا، فلمّا كاد يتمّ كيدهم أطلع الله نبيّه على ذلك، فخرج ولم يعلم أحد من (٢) أصحابه لئلاّ يقابلوهم بالشّرّ، ثمّ خرج (٣) واحد بعد واحد في أثره، فأنزل الله الآية (٤). وسبب اختلاف الرّواة في مثل هذه الآية غيبتهم عن النّبيّ ﷺ وقت النّزول، ومشاهدتهم إيّاه يتلوها في حادثة مثل ما نزلت فيه وكانوا يظنّون أنّها نزلت في ابتداء. ﴿هَمَّ:﴾ أراد وقصد (٥). ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ:﴾ أن يصيبوكم بمكروه ويبسطوا عليكم، يقال: بسط يده سطوة (٦)، ومنه قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٩٣]، وقال هابيل لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ (٧)﴾ إِلَيَّ يَدَكَ [المائدة:٢٨]. ١٢ - (النّقيب): فوق العريف، سمّي نقيبا لكونه بالمرصاد من قومه لا ينفذ لهم أمر دونه (٨)، والنّقب: الطّريق (٩). والنّقباء اثنا عشر الذين اختارهم موسى ﵇ وبعثهم عيونا إلى العمالقة، فنصح لله اثنان وخان [منهم] (١٠) عشرة. وقيل (١١): هم كفلاء الأسباط وضمناؤها، كان لكلّ سبط كفيل

стр. 544

وضمين. وقيل (١): هم ملوك بني إسرائيل، منهم من أوفى بالعهد ومنهم من نقض العهد. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ:﴾ بالموالاة قبل التّحريف والتّبديل، والخطاب لبني إسرائيل (٢). و (تعزير الرّسل): موافقتهم ومظاهرتهم (٣)، وقيل (٤): تعظيمهم وتوقيرهم. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ (٥): جواب لقوله: ﴿لَئِنْ.﴾ ١٣ - ﴿وَنَسُوا:﴾ تركوا (٦)، وقيل: تغافلوا حتى خفي عليهم وذهب عنهم عمله. ﴿تَطَّلِعُ:﴾ افتعال من الطّلوع، وهو الوقوف على الشّيء (٧). و (الخائنة): الخائن، دخلت الهاء للمبالغة (٨)، وقيل (٩): صفة للطّائفة، وقيل (١٠): مصدر كالعاقبة والكاذبة. وخيانتهم: مكرهم. ﴿إِلاّ قَلِيلاً:﴾ عبد الله بن سلام وأصحابه (١١). ﴿فَاعْفُ:﴾ اترك محاربتهم ما لم يظهروا عدوانهم (١٢). وقيل (١٣): الآية منسوخة بقوله: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً،﴾ الآية [الأنفال:٥٨]. ١٤ - ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى:﴾ دليل أنّهم التقبوا بهذا اللّقب مبتدعين من عند أنفسهم (١٤). ﴿فَأَغْرَيْنا:﴾ هيجنا وسلّطنا (١٥).

стр. 545

﴿بَيْنَهُمُ:﴾ بين فرق النّصارى، افترقوا اثنتين وسبعين فرقة (١). وقيل (٢): «بين اليهود والنّصارى». وأسباب المودّة والعداوة وغيرهما لا تنقطع إلاّ يوم القيامة، فيومئذ عمّيت عليهم الأنباء وكانت أفئدتهم هواء. ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ:﴾ تهديد (٣). ﴿يَصْنَعُونَ:﴾ يفعلون. ١٥ - ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ:﴾ ترك بيان ما بدّلوه من الفروع في شرائعهم، لم نؤمر بها ولا نهينا عنه في شريعتنا. وقيل: عفوه عن كثير كان معلّقا بشرط الإسلام، فإنّ الإسلام يهدم ما قبله. ﴿نُورٌ:﴾ نبيّنا ﷺ ، وقيل: الكتاب (٤). ١٦ - ﴿رِضْوانَهُ:﴾ نصب ب ﴿اِتَّبَعَ.﴾ و ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ بأنّه مفعول ثان للهداية (٥)، والمفعول الأوّل ﴿مَنِ اِتَّبَعَ.﴾ وذلك من ابتغى رضوان الله بمحافظة الواجبات العقليّة هداه الله بالوحي طريق السّلام، وهي ما وعد الله عليه الجنّة من الفروع السّماعيّة مثل: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام:١٢٧]. والسّلام: اسم الله، وقيل: السّلامة (٦) عن الآفات. وإنّما ذكر ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ (٩٣ ظ) ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ لينبّه على التّوفيق بعد الهداية، ثمّ بيّن أنّ سبل (٧) السّلام تؤدّي إلى العدل والحقّ، وذكر اللّفظين تأكيدا. ١٧ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ [اِبْنُ مَرْيَمَ] (٨)﴾: دخل فيها كلّ نصرانيّ اعتقد أنّ المسيح أو شيء منه غير محدث، أو ادّعى ثلاث أقنومات أو أقنومين (٩). ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً:﴾ أي: لا يقدر أحد صرف مشيئة الله وإرادته (١٠)، وقيل:

стр. 546

إنّ هلاك (١) المسيح وأمّه متصوّر. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ وإنّما خصّ لاستيعاب غاية جهات فوق وغاية جهات (٢) تحت، ﴿وَما بَيْنَهُما:﴾ من الحيوان والنّبات وغيرهما. ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ:﴾ يدلّ على أنّه يخلق اختيارا واقتدارا من غير احتياج واضطرار (٣). ١٨ - ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ:﴾ إنّما ادّعوا (٤) البنوّة لما رأوا أنّ الله قال ليعقوب ﵇: ولدك بكر ولدي (٥)، فإن صحّ فتأويله عندنا إضافة ملك كما يقول صاحب الماشية: نتاجي ورسلي، وأمّا النّصارى لمتشابهات (٦) قول المسيح ﵇. ثمّ إنّ بعضهم قال: ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ [الصّافّات:١٥٢]، وبعضهم قال: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ [البقرة:١١٦]، فكذّب الله الطّائفتين بكونهم بشرا مدبرين مقهورين. ودعواهم المحبّة مبنيّة على دعواهم الأولى، والتّعذيب بالذّنب لا ينافي المحبّة لجواز أن يكون إرادة للخير (٧)، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النّور:٢]. ﴿مِمَّنْ خَلَقَ (٨)﴾: من جنس سائر النّاس. ١٩ - ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ:﴾ على وجه الحال (٩)، تبيينا لكم ما لا يتبيّن بالعقل دون السّماع. ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ:﴾ على حين فترة، يعني: مدّة ما بين عيسى ونبيّنا ﵉ (١٠). ولد عيسى ﵇ بالشّام في ولاية هوادش الإسرائيليّ وهو وال من تحت يد قيصر، فخافته مريم فاحتملته إلى ناصرة فنشأ هناك، وكان الزّمان زمان الطوائف بعد الإسكندر. وقيل: إنّ جرجيس كان بعد عيسى، وكان تلميذ بعض الحواريّين. وقيل:

стр. 547

الفترة ما بين جرجيس ونبيّنا ﵉، وهذا (١) ليس بسديد؛ لأنّ جرجيس لم يوصف بالرّسالة، واختلف في نبوّته. وقيل (٢): الفترة ما بين الثلاثة المرسلين الذين قصّتهم في سورة يس ونبيّنا ﷺ . وقيل (٣): الفترة ما بين خالد بن سنان العبسيّ ونبيّنا ﷺ . ولا يعلم كمية سني الفترة أحد (٤) حقيقة إلاّ الله، آمنّا بالله وبجميع أنبيائه، أرسل نبيّنا ﷺ على فترة من الرّسل، ختم به النّبوّة فلا نبيّ بعده. ﴿أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ:﴾ فإنّ الله تعالى حسم بإرسال الرّسل احتجاجا باطلا لو لم يرسل لما كانت للنّاس حجّة صحيحة (٥). والخطاب ههنا لأهل الكتاب، ولا خلاف في وجوب الإيمان عليهم. ٢٠ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى:﴾ العامل في (إذ) قوله: ﴿قالُوا يا مُوسى﴾ [المائدة:٢٢]، والعامل في ﴿إِذْ﴾ (٦) الثّانية ما في النّعمة من معنى الإنعام. ﴿فِيكُمْ أَنْبِياءَ:﴾ موسى وهارون ومن (٧) بعدهما من الأسباط. (٩٤ و) ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً:﴾ باستيلاء يوسف على مصر، ثمّ بردّهم (٨) إلى ما ترك آل فرعون من جنّات وعيون (٩). ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ ابتلاء آل فرعون بأنواع من العذاب لأجلهم، وفرق البحر، وإنزال (١٠) التّوراة في الألواح إليهم، ومناجاة السّبعين منهم، والتّوبة عليهم حين اتّخذوا العجل (١١). ٢١ - ﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا:﴾ حين خرج بهم من مصر غازيا غير هارب، وهي الخرجة الثّالثة

стр. 548

له (١) والثّانية لقومه. ﴿كَتَبَ اللهُ لَكُمْ:﴾ أوجب الله لكم ملكها ميراثا من أبيكم إبراهيم (٢). ٢٢ - وقالوا بعد ما رجعت العيون إليهم وهم اثنا عشر نقيبا من اثني عشر سبطا بعثهم موسى ﵇ ليأتوه بأخبار (٣) الجبابرة وهم العمالقة، وقيل: كانوا من ولد روم بن عيصو بن إسحق، وأوصاهم ألاّ يقولوا إذا رجعوا إلاّ ما يزيدهم حرصا وإقداما، فذهبوا وأقاموا بين (٤) الجبابرة أربعين يوما يتعرّفون مداخل الأمر ومخارجه، فلقيهم رجل من العمالقة فجعلهم في كساه وذهب بهم إلى ملكهم فألقاهم بين يديه، فتعجّب الملك منهم وحذّرهم وصرفهم إلى موسى ﵇، وزوّدهم شيئا من ثمارهم، قيل: أحمل أربعة منهم عنقودا واحدا من العنب وأربعة منهم نصف رمان، فلمّا حصلوا في معسكر بني إسرائيل خالفوا موسى ﵇ وذكروا من عظم أجسام القوم وشوكتهم (٥) ما هال بني إسرائيل إلاّ رجلان يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا فإنّهما ذكرا كثرة النّعمة وشدّة خوف العدوّ وما فيهم من الفشل والجبن، فتمكّن الخوف في قلوب بني إسرائيل بقول العشرة، وخرجوا عن أمر موسى ﵇ وقالوا: ﴿إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ (٦)﴾: أقوياء عظام الأجسام، وقد يكون الجبّار بمعنى العاتي وبمعنى القاهر (٧). قيل: إنّهم كفروا بذلك القول، وقيل: لم يكفروا؛ لأنّهم لم (٨) يمتنعوا عن الدّخول أصلا ولكن جادلوه على سبيل المشاورة كما جادل المؤمنون نبيّنا ﷺ حين أراد الخروج إلى بدر يدلّ عليه قوله (٩): ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها (١٠)﴾ فَإِنّا داخِلُونَ. ٢٣ - ﴿قالَ رَجُلانِ:﴾ يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا (١١). ﴿يَخافُونَ:﴾ أي: يخافون الله في مخالفة أمره، مثل موسى وهارون ﵉ (١٢).

стр. 549

وقيل (١): من الذين يخافون العمالقة لم يتشكّكوا في وعد الله. وقيل (٢): الرّجلان رجلان من العمالقة آمنا بموسى في السّرّ، وكانا يخبرانه بأخبار قومهما ويحرّضان بني إسرائيل عليهم، وهذا من العمالقة كانوا يخافون بني إسرائيل. ٢٤ - ﴿لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً:﴾ نفي في المستقبل (٣)، نظير (قطّ) في الماضي. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ [فَقاتِلا] (٤)﴾: يدلّ على جهلهم وكفرهم (٥). ﴿قاعِدُونَ:﴾ خبر ﴿إِنّا؛﴾ لأنّه رفع (٦). ٢٥ - ﴿إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي:﴾ وإنّما استثنى أخاه دون الرّجلين المنعم عليهما؛ لأنّ أخاه كان رسولا معصوما (٧). ﴿فَافْرُقْ﴾ (٨): في الأحكام العقباويّة. وقيل (٩): أن يخرجه من بينهم، فأجاب الله دعوته (٩٤ ظ) وأخرجه من بينهم، ومكّنه من عوج بن عنق. وقيل (١٠): لا تحبسنا في التّيه معهم، ولذلك روي أنّه وأخاه كانا يقدران على الخروج ولكنّهما كانا يلزمان قومهما؛ لأنّهما كانا مبعوثين إليهم (١١). ٢٦ - ﴿قالَ:﴾ الله تعالى: ﴿فَإِنَّها،﴾ يعني (١٢) الأرض المقدّسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ:﴾ تحريم كينونة لا تحريم شرع (١٣). ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً:﴾ نصب على الظّرف للتّحريم (١٤). ﴿يَتِيهُونَ:﴾ يحارون ويضلّون (١٥)، قال: أرض تيه، وبلاد تيه.

стр. 550

﴿فَلا تَأْسَ:﴾ فلا تحزن (١). وإنّما سمّاهم (فاسقين) تصديقا لموسى ﵇، وليكون أبلغ في تسليته (٢). ٢٧ - ﴿اِبْنَيْ آدَمَ:﴾ قابيل وهابيل (٣). قال وهب: إنّ آدم كان يولد له في كلّ بطن ذكر (٤) وأنثى، وكان الرّجل منهم يتزوّج أيّة أخته شاء إلاّ توأمته، فأبى قابيل أن تتزوّج (٥) توأمته أخاه هابيل وقال: أنا أحقّ بها، فغضب آدم وقال: اذهبا وتحاكما إلى الله بالقربان فأيّكما قبل قربانه فهو أحقّ بها، فقرّبا القربان (٦) بمنى فنزلت نار فرفعت قربان هابيل ولم ترفع قربان قابيل، فازداد قابيل غيظا وحسدا فاغتال هابيل فرضخ رأسه بحجر وهو نائم، واحتمل توأمته وذهب بها إلى واد من أودية اليمن في شرقيّ عدن، فكمن فيه. ووجد آدم هابيل قتيلا وقد نشفت (٧) الأرض دمه فلعن الأرض، فمن أجل لعنته ﵇ تنشف الأرض وأنبت الشّوك (٨). وقيل: لمّا أراد آدم ﵇ أن يخرج إلى حجّ بيت الله تعالى استحفظ السّماء أهله فأبت، واستحفظ الأرض فأبت، واستحفظ الجبال فأبين، وقبلهم قابيل على أمانة الله تعالى، ثمّ خان (٩) الأمانة فاغتال هابيل. ورأى آدم ﵇ الشّجر قد اشتاكت والماء قد ملح والأرض قد تغيّرت عن بهجتها فأنكرها وأحسّ بشرّ، فلمّا رجع إلى أهله لم يجد هابيل فعلم أنّه مقتول (١٠). قال عمر لكعب: لأيّ (١١) ابني آدم نسل؟ قال: ليس لأحدهما نسل، أمّا المقتول قد رد وأمّا القاتل فهلك نسله في الطّوفان، فالنّاس من بني نوح، ونوح من بني شيث، وفي التّوراة أنّ شيث بدل من هابيل وخلف منه. قيل: اسم توأمة قابيل إقليما، واسم توأمة هابيل لبودا (١٢).

стр. 551

وكان قابيل صاحب حرث، وقربانه شرّ (١) شيء من شرّ زرعه، وهابيل كان راعي غنم، وقربانه كان حملا سمينا ولبنا وزبدا (٢). وقيل: الكبش العظيم الذي فداه ابن إبراهيم ﵉ به هو ذلك الحمل (٣) الذي كان تقرّب (٤) به هابيل. وعن الحسن والضّحّاك أنّ ابني آدم رجلان من بني إسرائيل نسبهما إلى أبيهما الأعلى كما نسبنا إليه وقال: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:٢٦] (٥). ﴿قالَ﴾ قابيل: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ:﴾ وهو يدلّ على قسم مضمر، ﴿قالَ﴾ (٦) هابيل: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ﴾ من الذين يتّقون مخالفة الله تعالى في التّزويج (٧). ٢٨ - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ:﴾ قال هابيل (٨). وإنّما لم يبسط إليه يده؛ لأنّه توعّده بالقتل ولم يقاتله جهرا، فأخبره بذلك ليستحيله بذلك (٩) ويدعوه إلى السّلم وينبّهه على عظم وبال القتل، وقيل: إنّهم كانوا (٩٥ و) متعبّدين بترك الدّفع (١٠). ٢٩ - ﴿بِإِثْمِي:﴾ أي: بإثم قتلي (١١). ﴿وَإِثْمِكَ:﴾ أي: وإثم ما ارتكبته وعصيان (١٢) في التّزويج. والإثم ههنا وبال الفجور، فلا إثم عليه: فلا وبال عليه (١٣). ٣٠ - ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ:﴾ أي: جعلت القتل (١٤) فعلا متأتّيا سهلا طوعا (١٥).

стр. 552

﴿فَأَصْبَحَ:﴾ صار وكان ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ المغبونين (١) بذهاب الدنيا والآخرة. روي أنّ آدم ﵇ دعا عليه وقال (٢): كن خائفا لا يلقاك أحد إلاّ خفته، فصار يفرّ ويتوحّش وكلّ من رآه رماه بحجر حتى قتله بعض ولد ولده (٣). وعن عليّ بن الحسن بن عليّ قال: أوّل دم وقع على الأرض دم حوّاء من حيضها. وقتل يومئذ سدس النّاس (٤)، يعني هابيل؛ لأنّه كان أحد السّتّة من أبويه وأخيه وأختيه، وكأنّه لم يكن لآدم ﵇ يومئذ ولد غيرهم. قال: ووكّل بقابيل ملكان يطلعان به مع الشّمس ويغربان به مع الشّمس وينضحانه (٥) بالماء الحارّ إلى يوم القيامة. ٣١ - ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً:﴾ قال: إنّ الله تعالى بعث غرابين وقيّض أحدهما ليقتل الآخر، فقتله ثمّ واراه في التّراب (٦). و (البحث): رفع ظاهر الأرض لكشف باطنها (٧). ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ:﴾ ليدلّه وينبّهه على قبر أخيه فإنّه لم يقبر أحد قبل هابيل (٨)، عن ابن عبّاس أنّه بقي معه سنة (٩)، وعن مجاهد أنّه بقي معه مئة سنة (١٠)، وقيل: مئة يوم لا يدري ما يصنع به وكيف يخفيه. وإن أجرينا على قول الحسن والضّحّاك فمعناه: ليذكر قتل (١١) أخيه، فإنّه تحيّر ودهش ونسي القبر، والأوّل أصحّ. و (السّوأة): العورة، سمّيت سوأة (١٢)؛ لأنّها تسوء الرّائي وتوحشه، وأراد ههنا الجسد كلّه (١٣). ﴿يا وَيْلَتى:﴾ نداء للويلة (١٤). والويل والويلة بمعنى (١٥). والألف في ﴿(وَيْلَتى)﴾ إمّا للنّدبة،

стр. 553

أصله: [يا] (١) ويلتاه، وإمّا بدلا من الإضافة، وأصله: يا ويلتي، بترقيق الياء (٢). والمقصود بنداء ما لا يجيب (٣) تنبيه النّفس أو السّامعين على فوت (٤) ذلك الشيء وأوانه. ﴿أَعَجَزْتُ:﴾ استفهام بمعنى التّعجّب (٥). والعجز عن القدرة كالموت من الحياة، قيل: هو عدمها، وقيل: هو معنى يضادّها. ﴿فَأَصْبَحَ﴾ (٦): صار ﴿مِنَ النّادِمِينَ﴾ على قتله (٧). وإنّما لم تنفعه النّدامة لقوله ﷺ : (ثلاث لا تقبل (٨) توبتهم: إبليس رأس الكفرة وقابيل رأس القتلة ومن قتل نبيّا أو قتله نبيّ) (٩)، أو النّدامة وحدها (١٠) لم تكن توبة لهم كالذين اتّخذوا العجل، أي: عبدوا (١١) العجل من بني إسرائيل. وقيل: ندم عند معاينة البأس وحلول العذاب. ٣٢ - ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ:﴾ من جرّاه وجرايته وجريرته وخيانته (١٢). (ذلك): «إشارة إلى القتل» (١٣). ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ:﴾ أي: بغير قصاص عن نفس (١٤). ﴿أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ:﴾ ينتج الذّمّ، كزنا المحصن والارتداد ومحاربة الله ورسوله في التّلصّص أو الكفر (١٥). ﴿فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً:﴾ لأنّه قد سبّب قتلهم وسنّ سنّة (١٦) القتل. وقيل: جميع المقتولين دون غيرهم.

стр. 554

﴿وَمَنْ أَحْياها:﴾ سبّب حياتها بفداء أو دواء أو نصرة أو عفو (١). وإنّما قال: ﴿أَحْيَا النّاسَ﴾ لئلاّ يكون الثّواب أقلّ من العقاب (٢). ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ:﴾ (٩٥ ظ) «يعني بني إسرائيل» (٣). ٣٣ - ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ (٤)﴾: اتّصالها بما قبلها من حيث القتل (٥). قال ابن عبّاس: نزلت في شأن المشركين، وحكمها يتناول؟؟؟ إلاّ في خصلة واحدة وهي التّوبة قبل القدرة فإنّها مختصّة بالكفّار عند ابن عبّاس (٦). ﴿(الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ)﴾: يعني (٧): يحاربون أولياء الله. والعقوبات مرتّب (٨) على الجرائم: إن أخافوا (٩) الطّريق نفوا من الأرض، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا، وإن أخذوا المال (١٠) وقتلوا قتلهم الإمام وصلبهم، وله أن يقطّعهم ثمّ يقتلهم ثمّ يصلبهم ليكون القطع ثأر الأخذ، والقتل ثأر القتل، والصّلب للجمع بين المحظورين (١١). والنّفي عندنا بالحبس حيث يستصوبه الإمام (١٢). والصّلب بعد القتل، وروى الحسن بن زياد عن (١٣) أبي حنيفة أنّه يصلب حيّا ثمّ يطعن في نحره (١٤). وإن أخذوا مالا ولم يخص كل واحد عشرة دراهم لم يقطّعوا وضمنوا المال (١٥). ومن تغلب (١٦) في الأمصار فقتل ونهب لم يكن حكمه حكم قطّاع الطّريق (١٧).

стр. 555

قوله: ﴿وَلَهُمْ [فِي الْآخِرَةِ] (١)﴾ عَذابٌ عَظِيمٌ: يدلّ على أنّ عقوبتهم من غير توبة لم تقع طهرة لهم، ولذلك لا يصلّى عليهم (٢). ٣٤ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا:﴾ الاستثناء رفع حكم قطّاع الطّريق دون غيره من الضّمان والقصاص والأرش (٣). وقيل: عنى (٤) توبة الحارث بن زيد (٥)، وقال أبو موسى الأشعريّ وأبو هريرة: توبة فلان الأسديّ (٦). ٣٥ - ﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ:﴾ «القربة» (٧). ٣٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ مبتدأ، وخبره جملة من شرط وجواب، فالشّرط ﴿لَوْ،﴾ والجواب (٨) (ما)، واللام مقدّرة (٩). ٣٧ - روي عن أبي حنيفة عن يزيد (١٠) بن صهيب عن جابر بن عبد الله قال: سألته عن الشّفاعة قال: يعذّب الله أقواما من أهل الإيمان ثمّ يخرجهم بشفاعة محمّد ﷺ ، قلت: فأين (١١) قوله: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ قال: هي في الذين كفروا، اقرأ (١٢) ما قبلها. ﴿يُرِيدُونَ:﴾ «يتمنّون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا»﴾ (١٣). ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ:﴾ دائم مستمرّ (١٤). ٣٨ - ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ:﴾ روى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس أنّ الآية

стр. 556

نزلت في طعمة بن أبيرق سارق الدّرع، فيحتمل (١) أنّ امرأة كانت معه. ﴿أَيْدِيَهُما:﴾ واحدة من كلّ واحد منهما؛ لأنّ العضو الواحد إذا أضيف إلى اثنين جمع، كقوله (٢): ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التّحريم:٤]، يدلّ عليه قراءة ابن مسعود (٣): (فاقطعوا أيمانهما)، ولكلّ إنسان يمين واحد (٤). ٣٩ - ﴿فَمَنْ تابَ:﴾ من السّارق والسّارقة (٥). وألفاظ (٦) العموم: (من) في من يعقل، و (ما) في ما لا يعقل، و (أيّ)، و (كلّ)، و (أحد) (٧)، و (من أحد)، و (الذي) إذا كان بمعنى الشّرط، ولام التّعريف إذا لم تفد المعهود، والتّنكير في النّفي. ٤٠ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر التّصرّف في المماليك بالقتل والقطع والصّلب على سبيل المجازاة (٨). ٤١ - ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ:﴾ نزلت في المرجفين من اليهود والمنافقين، منهم أبو لبابة مروان (٩) بن عبد المنذر الأنصاريّ قال لبني قريظة بلسانه: انزلوا، وأشار إلى حلقه (١٠) بيده ينذرهم بالذّبح حين استنزلهم رسول الله ﷺ (٩٦ و) على حكم معاذ (١١). وقال: تاب أبو لبابة هذا بعد ذلك، وقال: «ما زالت (١٢) قدماي حتى علمت أنّي خنت الله ورسوله» (١٣). (لا يحزنك): لا يغمّك (١٤)، نهي إلى غير المنهيّ كقوله: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التّوبة:٥٥]، والمقصود من النّهي التّسلية. و ﴿مِنَ﴾ الأولى لتبيين الجنس، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا:﴾ قيل: لتبيين الجنس، وقيل: إنّها

стр. 557

مستأنفة (١). ﴿سَمّاعُونَ﴾ (٢): مبتدأ أو خبر (٣)، وقيل (٤): صفة للذين يسارعون. ﴿يَأْتُوكَ:﴾ صفة للآخرين (٥). ﴿يُحَرِّفُونَ:﴾ في معنى الحال للذين يسارعون أو السّمّاعين أو (٦) الآخرين. وتحريفهم ما سبق (٧). ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ:﴾ من يشأ ابتلاه بتقدير أنّه معصية أو عقوبة (٨). ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ:﴾ يدلّ على ثبوت الخذلان وإرادة الكفر مع التّكليف بالتّقصي (٩) عنه، وذلك من الله عدل وحكمة واقتدار لسبقه الذّم والعيب وانتهائهما دونه (١٠). ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ:﴾ الجزية أو القتل أو الإجلاء (١١). ٤٢ - (السّحت): المال الحاصل بالكسب الخبيث، وأصله من الهلاك، قال الله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ [طه:٦١]، وإنّما أخذ منه؛ لأنّه لا يبارك فيه (١٢). والتّخيير بين الحكم والإعراض منسوخ بقوله: ﴿وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (١٣). وقيل (١٤): ليس بمنسوخ. فإذا رفعنا إلينا فلا يسعنا أن لا نحكم بينهم بحكم الإسلام إلاّ في النّكاح بغير شهود ونكاح المعتدّة (١٥).

стр. 558

٤٣ - ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ:﴾ وكيف: أداة التّعجّب. وهو استبقاء درجة وجوده تحكيمهم النّبيّ ﷺ وتسليمهم له وهم له (١) منكرون مع مخالفتهم التّوراة وهم (٢) به مقرّون. ٤٤ - ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا:﴾ إنّما وصفهم بالإسلام ليميز بينهم وبين الذين هادوا، فإنّ الأنبياء ﵈ بقوا على محض الفطرة المجرّدة (٣) وهي الإسلام ولم يلقبوا بنبز. ﴿لِلَّذِينَ هادُوا:﴾ يدلّ [على] (٤) أنّ شريعة التّوراة كانت مختصّة باليهود دون غيرهم في زمانهم إلى أن خوطبنا باتّباع شرائعهم في ما لم ينسخ (٥). ﴿وَالْأَحْبارُ:﴾ العلماء، واحدهم حبر (٦). ﴿بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ:﴾ بدل من قوله: (بها) (٧). و (الاستحفاظ): المطالبة بالحفظ، وقد منّ الله علينا بأن ضمن حفظ كتابنا ولم يكله إلينا حيث قال: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٩) [الحجر:٩] (٨). (من كتاب): لتبيين (٩) الجنس. و ﴿عَلَيْهِ:﴾ الهاء عائدة إلى (ما ﴿اُسْتُحْفِظُوا)﴾، أو إلى ﴿(كِتابِ اللهِ)﴾ (١٠). ٤٥ - ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ:﴾ فداء أو جزاء أو قصاص، وكذلك ما بعده. ﴿(النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)﴾ عامّ بالذّكر والأنثى والحرّ والعبد والمسلم والذّمّيّ (١١). ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ:﴾ خاصّ في الأحرار. و ﴿(الْعَيْنَ)﴾: العضو الذي فيه الحدقة المختصّ بالنّظر إلى الألوان (١٢).

стр. 559

﴿وَالْأَنْفَ:﴾ العضو الحاجز بين العينين المختصّ بشمّ الرّوائح. ﴿وَالسِّنَّ:﴾ واحد الأسنان، وهي العظام المهيّأة للمضغ (١). ﴿وَالْجُرُوحَ:﴾ التي يجري فيها (٢) القصاص هي ما يمكن المماثلة فيه كالموضحة والسّمحاق (٣). ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ:﴾ للمتصدّق بالعفو، قال ابن مسعود (٤): يهدم الله من ذنوبه (٥) مثل ما تصدّق به، وعن ابن عمر نحوه (٦). وقال ابن عبّاس: الكفّارة للجاني، أي (٧): كما سقط عنه الحكم الدنياويّ بالعفو فكذلك العقباويّ (٨). ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ:﴾ المعتدون في شأن القصاص (٩). ٤٦ - ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال للمقفّى به (١٠) وهو عيسى، والثّاني للمؤتى وهو الإنجيل (١١). والتّكرار للإطناب في المدح والوصف. ٤٧ - ﴿الْفاسِقُونَ:﴾ فسق المجانة دون فسق الدّيانة أن لا تقبل شهادة النّصرانيّ الماجن على النّصرانيّ (١٢) المستور. والمراد بالظّلم والفسق هو الكفر (١٣). (٩٦ ظ) ٤٨ - ﴿وَمُهَيْمِناً:﴾ شاهدا أو قاضيا (١٤). ﴿مِنْكُمْ:﴾ يعني النّبيّ ﷺ ومن معه، ويحتمل (١٥) الأنبياء، ويحتمل المتمسّكون (١٦) بالكتب

стр. 560

المنزلة (١). ﴿شِرْعَةً:﴾ طريقة واضحة (٢)، وكذلك (منهاجا) (٣)، وجمع بينهما للتأكيد (٤). ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً:﴾ لتعبدكم شريعة كما دعاكم إليه دين واحد (٥). ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ:﴾ ولكن لم يجمعكم للابتلاء في مخالفة الهوى، فالابتلاء يتفاوت بتفاوت الطّباع والعادات والمصالح (٦). ثمّ قال: إنّ الله ابتلى النّاس بشريعتنا ونسخ بها سائر الشّرائع فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقال: ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، وما في معناها من السّنّة والإجماع. ٤٩ - ﴿وَأَنِ اُحْكُمْ:﴾ يعني: وممّا نأمرك من استباق الخيرات أن احكم بينهم (٧). ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ (٨)﴾: أي: يستزلّوك (٩)، قال: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [الإسراء:٧٦]. وفيه دليل أنّ النّبيّ ﷺ مع كونه مأمون العاقبة كان متعبّدا بالحزن عن الموهومات. ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ (١٠): أي: بكلّها، وقيل: البعض صلة، وقيل: يصيبهم ببعضها (١١) في الدنيا وببعضها في العقبى، وقيل: إنّما ذكر البعض ليبيّن أنّ الكلّ لا غاية له على حسب عزائمهم ونيّاتهم (١٢). ٥٠ - ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ [يَبْغُونَ] (١٣)﴾: نزلت في بني النّضير (١٤)، كانوا يتشرفون على بني قريظة، وكانوا (١٥) يأخذون منهم على الرّجل الواحد ديتين ويدفعون إليهم عن الرّجل الواحد

стр. 561

دية امرأة، فشكت بنو قريظة إلى رسول الله، فقال (١) ﷺ : أنتم وإخوانكم شرع سواء، فلم يرض بنو النّضير بحكمه وقالوا: لا نبطل رسما رسمه أوّلونا، فأنزل الله الآية (٢). ﴿(أَفَحُكْمَ)﴾: استفهام كما في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] (٣). ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ:﴾ استفهام بمعنى النّفي (٤). والحكم يتّصف بالحسن والقبح، كالقول والرّأي. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ:﴾ يرونه حسنا ويتبيّن لهم حسنه دون المتشكّكين (٥). ٥١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ يحتمل أنّها نزلت في المنافقين، ويحتمل في المؤمنين (٦) الذين والوا الكفّار قبل النّهي، ويحتمل المؤمنين الذين كادوا أن يتّخذوا ولم يتّخذوا، روي (٧) أنّ عبادة ابن الصّامت وابن أبيّ كانا يواليان اليهود قبل النّهي (٨)، فتبرّأ منهم عبادة، ولم يتبرّأ ابن أبيّ فنزلت فيه وفي أمثاله (٩). ٥٢ - ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ قال عطيّة (١٠): نزلت في عبد الله بن أبيّ بن (١١) سلول، كان يتشفع لأسارى بني قينقاع فقال (١٢) ﷺ : لا بارك الله لك فيه، فلم يبق منهم نافخ ضرمة لدعوته ﷺ . وعن مجاهد والسدّي نزلت في جماعة من المنافقين يوالون نصارى نجران ويهود المدينة لما يرتفقون بمعاملاتهم ويرجون بنصرهم (١٣). والفاء في (فترى) (١٤) جواب شرط مقدّر، يعني: إن نهيتهم عن الموالاة فترى. ويحتمل لتعقيب وصفهم النهي. ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ:﴾ في موالاتهم (١٥).

стр. 562

و ﴿دائِرَةٌ:﴾ نكبة، ضد الدّولة (١). ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ:﴾ فتح قريات اليهود والاستيلاء على نجران، وعن السدّي أنّه فتح مكّة، ويحتمل أنّه الحكم الموعود بإهلاكهم إن لم يؤمنوا (٢). ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ:﴾ وهو إظهار نفاقهم (٣)، وقيل (٤): موتهم، وعن [السدّي] (٥) أنّه وضع الجزية على اليهود والنّصارى. ﴿فَيُصْبِحُوا:﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ (٦). ٥٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ بعضهم لبعض على سبيل التّعجّب من أكاذيب المنافقين وأيمانهم الفاجرة (٧). و ﴿أَقْسَمُوا:﴾ حلفوا، قوله (٨): أقسم، يمين سواء أضمر المحلوف به أو أظهره. ﴿جَهْدَ:﴾ توكيد، والجهد: المبالغة والمشقّة، نصب بنزع (في) (٩). وقيل (١٠): على المصدر لما في القسم من معنى الجهد، كقوله: ﴿تُحِطْ (١١)﴾ بِهِ خُبْراً [الكهف:٦٨]، ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ [العاديات:١]. ٥٤ - ﴿يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ:﴾ أوّل ارتداد عامّ في أيّام أبي بكر، ارتدّ العرب (١٢). ﴿[فَسَوْفَ] (١٣)﴾ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ: وهم ألفان من النّخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أثناء (١٤) النّاس فجاهدوا في سبيل الله حتى قهروهم فسبوا منهم.

стр. 563

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ هيّنين ليّنين على إخوانهم (١). ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متجبّرين عليهم (٢). اللّوم واللّومة: الذّمّ والتّعيير (٣). (٩٧ و) ٥٥ - والواو في قوله: ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ واو الجمع، أي: يتصدّقون في الرّكوع، كما روي أنّ عليّا تصدّق بخاتمه (٤) وهو راكع، وهذا يدلّ على ولاية عليّ (٥). وقيل (٦): للعطف، والمراد به التّنفّل بالنّوافل (٧). ٥٦ - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ:﴾ جواب الشّرط: فقد غلب، أو كان غالبا (٨). ﴿حِزْبَ:﴾ القبيل (٩) والجماعة والجند. ٥٧ - وفائدة تكرار النّهي بالاتّخاذ اتّصال النّهي الأوّل (١٠) بأنّهم سيهزمون وأنّ موالاتهم لا تورث إلاّ حسرة، واتّصال هذا النّهي بالإخبار عن (١١) اتّخاذهم الدّين هزوا ولعبا، وفيه نوع تحريض على المعاداة إذ العاقل يعادي من يستهزئ به (١٢). و (اللّعب): العبث (١٣). وفي الحديث: (كلّ لعب حرام إلاّ ثلاثة) (١٤). ﴿وَالْكُفّارَ:﴾ جميع أصناف الكفرة (١٥). ٥٨ - ﴿نادَيْتُمْ:﴾ «النّداء: الدّعاء» (١٦).

стр. 564

روي (١) أنّ يهوديّا تاجرا كان (٢) كلّما سمع المنادي (٣) يتشهّد بالرّسالة قال: أحرق الله الكاذب، فجاء خادمه ليلة بنار فتطاير منها شرر فأحرق البيت والرّجل (٤). ﴿لا يَعْقِلُونَ:﴾ نفي، لسفاهتهم (٥) وحمقهم، أو لمكابرتهم العقل وتركهم استعماله (٦). ٥٩ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا:﴾ نزلت في اليهود حيث (٧) عابوا المؤمنين للإيمان بعيسى ﵇ (٨). وقيل (٩): نزلت في النّصارى حيث عابوا المؤمنين للإيمان بسليمان ﵇ وبنقض شرائع التّوراة وبقولهم: إنّ عيسى عبد، وافتخروا بجحود ذلك. يقول: ولستم تعيبون (١٠) وتنكرون علينا إلاّ إيماننا بالكلّ، وذلك منقبة وليس بمنقصة، وأنتم تتفضّلون (١١) علينا بأن جحدتم بعض الأنبياء وذلكم (١٢) فسق ونقيصة. وأراد بالأكثر الكلّ، أو الرّفق في الخطاب، أو إخراج بني سلام وأصحابه من الوصف (١٣). ٦٠ - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ:﴾ استفهام على سبيل التّهديد والتّوبيخ. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ:﴾ قيل (١٤): شبّان أيلة [مسخوا] (١٥) قردة ومشايخها مسخوا خنازير. وقيل (١٦): هم الذين كفروا من أصحاب مائدة عيسى ﵇. وعن أبي أيّوب الأنصاريّ كانت امرأة مسلمة من بني إسرائيل نابذت ملكهم (١٧) حين نبذ الدّين، وحاربته فنال الملك من عسكرها ثلاث مرّات، فأمست محزونة، ولمّا أصبحت وجدت عسكر الملك قد

стр. 565

مسخوا خنازير (١). ويمكن الجمع بين الأقوال؛ لأنّهم مسخوا غير مرّة. والتّفضيل وقع على زعمهم، كقولك إذا خطّأك رجل: بل أنت أضلّ وأخطأ (٢). ٦١ - ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا:﴾ نزلت في المنافقين من اليهود (٣). ودخولهم بالكفر وخروجهم به عبارة عن دوام حالهم به، أي: لا ينفكّون عن الكفر داخلين ولا خارجين (٤). ٦٣ - ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ:﴾ هلا ينهاهم، على وجه الحثّ (٥) والتّحريض. ٦٤ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ:﴾ نزلت في فنحاص بن عازور (٦) اليهوديّ، كانوا مخاصيب الرجال فلمّا كفروا بنبيّنا ﷺ ابتلاهم الله تعالى بالقحط، وقدر عليهم الرّزق، وأذهب بركة أموالهم، فضاقت صدورهم فقالوا ذلك جرأة (٧). وإنّما قالوا على سبيل المجاز والتّشبيه كقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ [الإسراء:٢٩]. ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ:﴾ يحتمل الدّعاء، ويحتمل الإخبار، ولذلك قالوا (٨) أبخل النّاس. (بسط اليد): نفاذ التّصرّف، آمنّا بما أخبر الله من غير تأويل (٩). ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً:﴾ كقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦]، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً﴾ [التّوبة:١٢٥] (١٠). ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ:﴾ بين (١١) فرق اليهود. ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ:﴾ أي: هيّجوا فتنة وشرّا، من ذلك إرجافهم بخروج الدّجّال.
следующие страницы →