← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

دية امرأة، فشكت بنو قريظة إلى رسول الله، فقال (١) ﷺ : أنتم وإخوانكم شرع سواء، فلم يرض بنو النّضير بحكمه وقالوا: لا نبطل رسما رسمه أوّلونا، فأنزل الله الآية (٢). ﴿(أَفَحُكْمَ)﴾: استفهام كما في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] (٣). ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ:﴾ استفهام بمعنى النّفي (٤). والحكم يتّصف بالحسن والقبح، كالقول والرّأي. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ:﴾ يرونه حسنا ويتبيّن لهم حسنه دون المتشكّكين (٥). ٥١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ يحتمل أنّها نزلت في المنافقين، ويحتمل في المؤمنين (٦) الذين والوا الكفّار قبل النّهي، ويحتمل المؤمنين الذين كادوا أن يتّخذوا ولم يتّخذوا، روي (٧) أنّ عبادة ابن الصّامت وابن أبيّ كانا يواليان اليهود قبل النّهي (٨)، فتبرّأ منهم عبادة، ولم يتبرّأ ابن أبيّ فنزلت فيه وفي أمثاله (٩). ٥٢ - ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ قال عطيّة (١٠): نزلت في عبد الله بن أبيّ بن (١١) سلول، كان يتشفع لأسارى بني قينقاع فقال (١٢) ﷺ : لا بارك الله لك فيه، فلم يبق منهم نافخ ضرمة لدعوته ﷺ . وعن مجاهد والسدّي نزلت في جماعة من المنافقين يوالون نصارى نجران ويهود المدينة لما يرتفقون بمعاملاتهم ويرجون بنصرهم (١٣). والفاء في (فترى) (١٤) جواب شرط مقدّر، يعني: إن نهيتهم عن الموالاة فترى. ويحتمل لتعقيب وصفهم النهي. ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ:﴾ في موالاتهم (١٥).

стр. 562

و ﴿دائِرَةٌ:﴾ نكبة، ضد الدّولة (١). ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ:﴾ فتح قريات اليهود والاستيلاء على نجران، وعن السدّي أنّه فتح مكّة، ويحتمل أنّه الحكم الموعود بإهلاكهم إن لم يؤمنوا (٢). ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ:﴾ وهو إظهار نفاقهم (٣)، وقيل (٤): موتهم، وعن [السدّي] (٥) أنّه وضع الجزية على اليهود والنّصارى. ﴿فَيُصْبِحُوا:﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ (٦). ٥٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ بعضهم لبعض على سبيل التّعجّب من أكاذيب المنافقين وأيمانهم الفاجرة (٧). و ﴿أَقْسَمُوا:﴾ حلفوا، قوله (٨): أقسم، يمين سواء أضمر المحلوف به أو أظهره. ﴿جَهْدَ:﴾ توكيد، والجهد: المبالغة والمشقّة، نصب بنزع (في) (٩). وقيل (١٠): على المصدر لما في القسم من معنى الجهد، كقوله: ﴿تُحِطْ (١١)﴾ بِهِ خُبْراً [الكهف:٦٨]، ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ [العاديات:١]. ٥٤ - ﴿يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ:﴾ أوّل ارتداد عامّ في أيّام أبي بكر، ارتدّ العرب (١٢). ﴿[فَسَوْفَ] (١٣)﴾ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ: وهم ألفان من النّخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أثناء (١٤) النّاس فجاهدوا في سبيل الله حتى قهروهم فسبوا منهم.

стр. 563

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ هيّنين ليّنين على إخوانهم (١). ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متجبّرين عليهم (٢). اللّوم واللّومة: الذّمّ والتّعيير (٣). (٩٧ و) ٥٥ - والواو في قوله: ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ واو الجمع، أي: يتصدّقون في الرّكوع، كما روي أنّ عليّا تصدّق بخاتمه (٤) وهو راكع، وهذا يدلّ على ولاية عليّ (٥). وقيل (٦): للعطف، والمراد به التّنفّل بالنّوافل (٧). ٥٦ - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ:﴾ جواب الشّرط: فقد غلب، أو كان غالبا (٨). ﴿حِزْبَ:﴾ القبيل (٩) والجماعة والجند. ٥٧ - وفائدة تكرار النّهي بالاتّخاذ اتّصال النّهي الأوّل (١٠) بأنّهم سيهزمون وأنّ موالاتهم لا تورث إلاّ حسرة، واتّصال هذا النّهي بالإخبار عن (١١) اتّخاذهم الدّين هزوا ولعبا، وفيه نوع تحريض على المعاداة إذ العاقل يعادي من يستهزئ به (١٢). و (اللّعب): العبث (١٣). وفي الحديث: (كلّ لعب حرام إلاّ ثلاثة) (١٤). ﴿وَالْكُفّارَ:﴾ جميع أصناف الكفرة (١٥). ٥٨ - ﴿نادَيْتُمْ:﴾ «النّداء: الدّعاء» (١٦).

стр. 564

روي (١) أنّ يهوديّا تاجرا كان (٢) كلّما سمع المنادي (٣) يتشهّد بالرّسالة قال: أحرق الله الكاذب، فجاء خادمه ليلة بنار فتطاير منها شرر فأحرق البيت والرّجل (٤). ﴿لا يَعْقِلُونَ:﴾ نفي، لسفاهتهم (٥) وحمقهم، أو لمكابرتهم العقل وتركهم استعماله (٦). ٥٩ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا:﴾ نزلت في اليهود حيث (٧) عابوا المؤمنين للإيمان بعيسى ﵇ (٨). وقيل (٩): نزلت في النّصارى حيث عابوا المؤمنين للإيمان بسليمان ﵇ وبنقض شرائع التّوراة وبقولهم: إنّ عيسى عبد، وافتخروا بجحود ذلك. يقول: ولستم تعيبون (١٠) وتنكرون علينا إلاّ إيماننا بالكلّ، وذلك منقبة وليس بمنقصة، وأنتم تتفضّلون (١١) علينا بأن جحدتم بعض الأنبياء وذلكم (١٢) فسق ونقيصة. وأراد بالأكثر الكلّ، أو الرّفق في الخطاب، أو إخراج بني سلام وأصحابه من الوصف (١٣). ٦٠ - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ:﴾ استفهام على سبيل التّهديد والتّوبيخ. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ:﴾ قيل (١٤): شبّان أيلة [مسخوا] (١٥) قردة ومشايخها مسخوا خنازير. وقيل (١٦): هم الذين كفروا من أصحاب مائدة عيسى ﵇. وعن أبي أيّوب الأنصاريّ كانت امرأة مسلمة من بني إسرائيل نابذت ملكهم (١٧) حين نبذ الدّين، وحاربته فنال الملك من عسكرها ثلاث مرّات، فأمست محزونة، ولمّا أصبحت وجدت عسكر الملك قد

стр. 565

مسخوا خنازير (١). ويمكن الجمع بين الأقوال؛ لأنّهم مسخوا غير مرّة. والتّفضيل وقع على زعمهم، كقولك إذا خطّأك رجل: بل أنت أضلّ وأخطأ (٢). ٦١ - ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا:﴾ نزلت في المنافقين من اليهود (٣). ودخولهم بالكفر وخروجهم به عبارة عن دوام حالهم به، أي: لا ينفكّون عن الكفر داخلين ولا خارجين (٤). ٦٣ - ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ:﴾ هلا ينهاهم، على وجه الحثّ (٥) والتّحريض. ٦٤ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ:﴾ نزلت في فنحاص بن عازور (٦) اليهوديّ، كانوا مخاصيب الرجال فلمّا كفروا بنبيّنا ﷺ ابتلاهم الله تعالى بالقحط، وقدر عليهم الرّزق، وأذهب بركة أموالهم، فضاقت صدورهم فقالوا ذلك جرأة (٧). وإنّما قالوا على سبيل المجاز والتّشبيه كقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ [الإسراء:٢٩]. ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ:﴾ يحتمل الدّعاء، ويحتمل الإخبار، ولذلك قالوا (٨) أبخل النّاس. (بسط اليد): نفاذ التّصرّف، آمنّا بما أخبر الله من غير تأويل (٩). ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً:﴾ كقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦]، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً﴾ [التّوبة:١٢٥] (١٠). ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ:﴾ بين (١١) فرق اليهود. ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ:﴾ أي: هيّجوا فتنة وشرّا، من ذلك إرجافهم بخروج الدّجّال.

стр. 566

كل أوان سيطفئ الله شرّه (١). ٦٥ - ﴿آمَنُوا وَاِتَّقَوْا:﴾ ندبهم إلى الإيمان والاتّقاء (٢) بعد اللّوم ليوفّق بعضا ويؤكّد الحجّة على الباقين. ٦٦ - ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ:﴾ أعطتهم السّماء مطرها، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ:﴾ والأرض نباتها بإذن الله، كقوله: ﴿بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، وقوله: ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ [الجنّ:١٦] (٣). ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ:﴾ معتدلة متوسّطة في السّيرة (٤). قيل (٥): هم أصحاب النّجاشيّ، (٩٧ ظ) وقال مجاهد وقتادة (٦): هم مؤمنو أهل الكتاب، قيل: قوم تمسّكوا بكتبهم من غير تبديل وتحريف قبل (٧) نسخها، وقبل (٨) خروج نبيّنا ﷺ . ٦٧ - ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ:﴾ قال محمّد بن كعب القرظيّ: رأى أعرابيّ رسول الله ﷺ وحده مستظلاّ تحت شجرة، فأخذ السّيف وصاح برسول (٩) الله: يا محمّد من يمنعك منّي؟ قال: الله، قال: فسقط سيفه (١٠). وروي صار يضرف رأسه الشّجرة حتى انتثر دماغه (١١). وفي الحديث: كانت الصّحابة ﵃ يحرسون النّبيّ ﷺ ، فلمّا نزلت هذه الآية طلع عليهم وقال لهم: ارجعوا فقد كفيتم (١٢). وهذا التّكليف لاستحقاق الثّواب. وفي الآية دليل أنّه لم يكتم شيئا من الوحي لقيه (١٣)، ولا يجوز للأنبياء ذلك، خلاف (١٤) ما قالت الرّوافض. قالت عائشة (١٥): لو كتم رسول الله شيئا لكتم قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾

стр. 567

﴿اللهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، وقيل: لو كتم شيئا لكتم قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ،﴾ الآية [الأحزاب:٥٢]، وقيل: لو كتم شيئا لكتم قوله في حمزة: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النّحل:١٢٦]، وقيل: لو كتم شيئا لكتم قوله في (١) أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ:﴾ لم تبلّغ كلّ ما أنزل إليك، ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ:﴾ شيئا من الرّسالة، أي: حبط عملك (٢). ﴿يَعْصِمُكَ:﴾ قال: ليزيده جرأة وييسره (٣) للتّبليغ. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ في الحال، أو قوم ماتوا على الكفر، أو لا يهديهم طريق الوصول إلى استئصال أمر النّبوّة. ٦٨ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ:﴾ قال ابن عبّاس: قالت جماعة من اليهود (٤) للنّبيّ ﷺ : يا محمّد هل تقرّ بأنّ (٥) التّوراة حقّ؟ قال: نعم، قالوا: فنحن نؤمن بها ولا نؤمن بغيرها؛ لأنّه متّفق عليه، فردّ الله (٦) عليهم بالمنع في ضمن قوله: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ﴾ أي: لستم آخذين بها ولا مقيمين إيّاها، وبالتّنبيه على فساد أصل المقالة في ضمن قوله (٧): ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ،﴾ أي: ما ثبت من القول الجابر (٨) بالإعجاز والأمر والنّهي، فإنّ الموجب لقبول الكتاب هذا المعنى دون الإجماع، وإذا كان الموجب هذا لزم الحكم بوجوده وزال (٩) لعدمه. ٦٩ - ﴿وَالصّابِئُونَ:﴾ ارتفع عطفا على الضّمير في ﴿هادُوا؛﴾ لأنّ الفعل لا يخلو عن ضمير، تقديره: والذين هادوا وهم الصّابئون (١٠). وقيل: بالابتداء على تقدير التّأخير (١١)، أو على تقدير إلغاء حكم (إنّ) (١٢).

стр. 568

٧١ - ﴿أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ:﴾ استيلاء بختنصر والرّوم عليهم، ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ:﴾ أعاد الأمن والرّخاء. وقيل (١): فتنة ابتلائهم بنسخ الشّرائع وقبول توبتهم إن تابوا. ﴿كَثِيرٌ:﴾ رفع بالابتداء وخبره، أو بإسناد الفعل، أو بالتّأكيد (٢). ٧٢ - ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ:﴾ قيل: من كلام عيسى، [وقيل:] (٣) استئناف كلام من الله . والهاء ضمير الأمر والشّأن. ٧٣ - ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ:﴾ أحدهم، وثاني (٤) الاثنين: أحدهما. ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ (٥)﴾ واحِدٌ: من مقالة هؤلاء على سبيل وصفهم بتناقض كلامهم (٦)، وقيل (٧): ابتداء كلام من الله تعالى. ودخول (من) للتّأكيد (٨). و (الانتهاء): التّمسّك بالنّهي، والامتناع عن المنهيّ (٩) عنه. ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ (١٠): والله ليمسنّ. ٧٤ - ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ:﴾ استفهام (١١) على سبيل الحثّ (١٢) والتّحريض. ٧٥ - ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ:﴾ عارض، ينبّه على فناء المسيح ومضيّه لسبيله. ولا بدّ للنّبيّ (١٣) من إمامة مطلقة، والمرأة لا تقدر عليها فلذلك لم يصف أمّه بالنّبوّة ووصفها بالصّدق.

стр. 569

﴿يَأْكُلانِ الطَّعامَ:﴾ تنبيه على احتياجهما، والاحتياج آية للحدوث والعبودة (١). ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ يصرفون (٢)، (٩٨ و) والإفك: ما صرف من الكلام إلى الباطل (٣). ٧٦ - ﴿أَتَعْبُدُونَ:﴾ استفهام بمعنى الإنكار. وفيه دليل أنّ العبد وإن اتّصف بالقدرة لم يملك لأحد ضرّا ولا نفعا إلاّ بمشيئة الله تعالى وتقديره (٤). ٧٧ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا:﴾ في شأن النّصارى (٥)، وقيل (٦): في اليهود والنّصارى جميعا. ﴿غَيْرَ الْحَقِّ:﴾ قيل (٧): استثناء منقطع، وقيل (٨): متّصل. ﴿ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ:﴾ سلفهم (٩). ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً:﴾ من إخوانهم (١٠). ٧٨ - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ] (١١)﴾ عَلى لِسانِ داوُدَ: هم الذين ناصبوه مع طالوت وماتوا على ذلك من غير توبة، وأصحاب أيلة وأمثالهم (١٢). والذين لعنوا على لسان عيسى هم اليهود والذين قامت عليهم الحجّة بعيسى ﵇ (١٣). ٧٩ - (التّناهي): تفاعل من النّهي، أي: لم ينه بعضهم بعضا (١٤). ٨٠ - ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ المشركون (١٥).

стр. 570

﴿أَنْ (١)﴾ سَخِطَ اللهُ: بيان لما قدّمت لهم أنفسهم، أي (٢): أن حلّوا محلّ المسخوط عليهم بكسبهم خصالا لا يرضاها الله تعالى. و (السخط): الغضب، وفيه معنى الكراهية (٣). ٨١ - ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ:﴾ نزلت في المنافقين من أهل الكتاب؛ لأنّه نفى إيمانهم به وبالنّبيّ ﷺ (٤). ﴿وَما:﴾ في شأن الجميع. والنّبيّ (٥): موسى (٦)، أو عيسى ﵉ (٧). ٨٢ - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً:﴾ في اليهود والمشركين على العموم (٨). ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً:﴾ النّصارى على العموم (٩). وقيل: جماعة مخصوصة من النّصارى وهم أصحاب النّجاشيّ، عن ابن عبّاس وابن (١٠) جبير ومجاهد والسدّي (١١). وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ﵇ آمنوا بنبيّنا ﷺ (١٢)، اثنان وثلاثون من الحبشة قدموا مع جعفر الطّيّار، وثمانية (١٣) من الشّام، وأربعون من نجران (١٤). (مودّة): محبّة (١٥). ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى وجودهم وقربهم (١٦). ﴿قِسِّيسِينَ:﴾ جمع قسّيس، وهو العالم (١٧) بلغة الرّوم. والقسّ في لغة العرب: تتّبع

стр. 571

الخير، والقسّاس: النمام (١). ﴿وَرُهْباناً:﴾ جمع راهب (٢). ﴿وَأَنَّهُمْ:﴾ أي: النّصارى (٣)، وقيل: القسّيسين (٤) والرّهبان. ٨٣ - ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ:﴾ صفة الذين قدموا على النّبيّ ﷺ وأسلموا (٥). ويجوز أن يجاب (إذا) بفعل المستقبل (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصّافّات:١٤]. ﴿تَفِيضُ:﴾ تمتلئ مع السّيلان، يقال للخبر (٧) الفاشي: فائض ومستفيض. و ﴿الدَّمْعِ:﴾ ماء العين (٨)، من فرح كان أم حزن. يحتمل أنّهم بكوا فرحا لإدراك النّبيّ ﷺ ، ويحتمل خوفا على إفراطهم. ٨٤ - ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ:﴾ استفهام على سبيل التّعجّب توجّه إلى من أنكر عليهم إيمانهم (٩). ﴿(لا نُؤْمِنُ)﴾: في الحال (١٠). ﴿وَنَطْمَعُ:﴾ عطف على ﴿(لا نُؤْمِنُ)﴾ (١١)، وقيل (١٢): استئناف كلام. ٨٥ - (الإثابة): جزاء الخير (١٣). ٨٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ:﴾ قيل: إنّ عليّ بن أبي طالب وعثمان بن مظعون والمقداد وسالما مولى أبي حذيفة وأبا ذرّ تذاكروا القيامة فيما بينهم، فتعاقدوا وتعاهدوا في بيت عثمان بن مظعون على لبس المسوح وإخصاء الأنفس وترك

стр. 572

الشّهوات والسّياحة في الجبال، وقيل: إنّ (١) أبا بكر وعمر كانا معهم، وقيل: إنّ ابن مسعود وعمّارا وسلمان الفارسيّ معهم، فأنزل الله هذه الآية، فجاء رسول الله بيت عثمان فلم يجده، واستخبر امرأته فقالت: إن أخبر الله رسوله بشيء فهو الحقّ، فقال: إذا رجع زوجك فقولي: لا تحدث شيئا حتى تراني، فلمّا رجع أخبرته فجاء إلى رسول الله ﷺ (٩٨ ظ) وأظهر عليه ضميره، فأنكر عليه رسول الله ﷺ وقال: لكنّي أصوم وأفطر وأصلّي وأنكح النّساء فمن أخذ بسنّتي فهو منّي ومن لم يأخذ بسنّتي (٢) فليس منّي (٣). ٨٨ - ﴿وَكُلُوا:﴾ إباحة، وههنا أمر باعتقاد الاستباحة بدليل النّهي عن اعتقاد التّحريم قبله (٤). ٨٩ - (الأيمان المعقودة): هي التي محافظتها موهومة، ويجوز أن يؤمر بها وينهى عنها (٥)، والكفّارة مختصّة بها دون اللّغو والغموس (٦). وحقيقة الأيمان ما يكون بأسماء الله تعالى وبصفاته التي يوصف بها (٧) ولا يوصف بضدّها. ﴿كَفّارَةُ:﴾ الحنث، وقيل: العقد، وعلى هذا ﴿أَيْمانِكُمْ:﴾ كفّارة حنث أيمانكم (٨). ولا يجوز التّكفير قبل الحنث خلافا للشّافعيّ ﵀ (٩). و (الإطعام) لكلّ مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير (١٠)، وإن غدّاهم وعشّاهم (١١) جاز خلافا للشّافعيّ، وإن أطعم واحدا عشرة أيّام جاز خلافا للشّافعيّ، ويجوز دفع القيمة خلافا له (١٢). و (الكسوة): إزار أو رداء (١٣) أو قميص أو قباء، وعن محمّد إجازة السراويل أو المئزر (١٤).

стр. 573

ويجوز فيه الكافرة (١) والمسلمة إذا لم تكن مستهلكة المنفعة أو السن أجمع (٢). ولا يجوز صوم الكفّارة إلاّ متتابعا خلافا للشّافعيّ (٣) لما روي في قراءة ابن مسعود وأبيّ (٤): (فصيام ثلاثة أيّام متتابعات). ٩٠ - ﴿رِجْسٌ:﴾ قبيح مستقذر، وفاعله يسمّى رجسا، والعقوبة عليه تسمّى (٥) رجسا. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ:﴾ من رسومه وموضوعاته (٦). ﴿فَاجْتَنِبُوهُ:﴾ أي: الرّجس (٧)، أو عمل الشّيطان (٨)، أو الشّيطان بعينه. ٩١ - (إيقاعه العداوة) بين الشرب وسوسته بالعربدة، وبين المقامرين وسوسته بالمشاجرة (٩). و (صدّهم): إلهاؤهم (١٠). ﴿مُنْتَهُونَ:﴾ أمر بالانتهاء (١١)، كقوله: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصّافّات:٥٤]. ٩٢ - ﴿أَنَّما:﴾ (ما) الكافّة، ولولاها لانتصب ﴿الْبَلاغُ﴾ (١٢). وهذا تعريض بالتّهديد، أي: هو لا يؤاخذكم (١٣) بإعراضكم وأنتم المؤاخذون بذلك (١٤). ٩٣ - ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ قال سعيد بن جبير: لمّا نزل قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩] تأتّم بعض النّاس إلى أن نزل قوله: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ [النّساء:٤٣]، فامتنع آخرون عن الشّرب بالنّهار وشربوا باللّيالي (١٥)، فلمّا نزلت هذه الآية قال (١٦) عمر: بعدا لك يا خمر وسحقا قرنت بالأنصاب

стр. 574

والأزلام، وتركها جميع النّاس. ووقع في صدور النّاس شيء وأتوا رسول الله ﷺ وسألوه عن حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وأمثالهم، أليسوا هم في الجنّة؟ قال (١): بلى، قالوا: إنّهم ماتوا يشربون الخمر فما بالنا (٢) لا نشرب، فأنزل الله: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ،﴾ الآية [المائدة:٩١]، وفي حمزة وأصحابه هذه الآية (٣). وحدّ الشّرب ثمانون جلدة (٤)، وعند الشّافعيّ أربعون جلدة (٥)، قال علي: «إنّه إذا شرب سكر وإذا سكر (٦) هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة» (٧). (الاتّقاء) الأوّل: اتّقاء عن الكفر (٨)، والثّاني: بقاء على الاتّقاء الأوّل، أو اتّقاء عن (٩) الارتداد بعد الإيمان، والإيمان بقاء على الإيمان السّابق والأحكام النّاسخة المستقبلة كقوله: ﴿آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ [الأنفال:٢]، والثّالث: اتّقاء عن السّيّئات، والإحسان (١٠) الذي قال ﷺ : (هو أن تعبد الله كأنّك تراه (١١) فإن لم تكن تراه فهو (١٢) يراك). (٩٩ و) ٩٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ:﴾ نزلت عام الحديبية، وهم كانوا محرمين، فحشر الله الصّيد إليهم، وابتلاهم بكثرتها وتيسير تناولها مع الحظر عنها (١٣)، وتقديره: والله ليبلونّكم (١٤). ﴿مِنَ الصَّيْدِ:﴾ (من) (١٥): لتبيين الجنس.

стр. 575

﴿تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ:﴾ البيض والفراخ التي لا تمتنع (١). وما تناله الرّماح: المتوحّش الممتنع كالظّباء والعانة والنّعامة وغيرها (٢). و (الرّماح): جمع رمح (٣). ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ:﴾ أي: ليعلمه وقد خاف بعد ما علمه سيخاف (٤). ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ هو التّعزير والتّأديب (٥)، وقيل (٦): وعيد عقباويّ. ٩٥ - وكفّارة الصّيد تجب على القاتل عمدا بنصّ الكتاب، وعلى القاتل خطأ بالسّنّة والاستدلال (٧)؛ لأنّ النّبيّ ﷺ أوجب في الضبع كبشا مسنّا (٨) ولم يفصل، وعن عمر: «تمرة خير من جرادة» (٩). ﴿مِنَ النَّعَمِ:﴾ تبيينا لجنس الجزاء، أو لجنس ما قتل (١٠). (النّعم): نعم المواشي الأهليّة والصّيد (١١). ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ:﴾ أي: القيمة؛ لأنّها عامّة (١٢) متأتّية في الصّيد كلّه. ﴿يَحْكُمُ بِهِ:﴾ بالمثل وهو القيمة، ثمّ ينظر المحكوم عليه إن لم يجد بها ما يصحّ في المتعة والقران أطعم أو صام، وإن وجد اختار من الكفّارات الثلاث ما شاء (١٣). ﴿لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ:﴾ يدلّ أنّ الكفّارة تجري مجرى العقوبات (١٤). (وبال): الخصلة السّيّئة (١٥). (أمره): فعله أو شأنه.

стр. 576

﴿عَفَا اللهُ:﴾ عن المكفّر (١). ﴿وَمَنْ عادَ:﴾ وعيد لا يرفع الكفّارة؛ لأنّ القاتل بدأ قبل القود فقد هتك الحرمة ثمّ الكفّارة لازمة (٢). وعن سعيد بن جبير وعطاء: إن عاد (٣) أعيد عليه. ٩٦ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ:﴾ خطاب للمحرمين (٤). ﴿وَطَعامُهُ:﴾ ليس بصيد (٥) في الظّاهر. وطعامه: ما قذفه البحر من السّمك فمات عطشا أو بسبب دون الطّافي (٦). وعن ابن عبّاس في رواية وابن جبير ومجاهد وقتادة أنّ الطّريّ من السّمك دخل في اسم الصّيد، والمملّح منه دخل في اسم الطّعام (٧). ﴿وَلِلسَّيّارَةِ:﴾ وإنّما خصّ لأنّ المخاطبين محرمين كانوا سيّارة فذكر في مثل حالهم من النّاس، ولأنّهم هم المحتاجون إليه في الغالب. ويحتمل أنّه من باب اقتصار أحد طرفي الكلام، كقوله: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النّحل:٨١]، وقوله: ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ [خَيْراً]﴾ (٨) [النّور:٣٣]، و ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾ [النّساء:١٩]. وقيل: الآية خطاب للمقيمين فذكر السّيّارة ليعمّ الحكم عامّة النّاس. ﴿صَيْدُ الْبَرِّ (٩)﴾: كلّ ما كان جنسه متوحّشا مأكول اللّحم أو غيره، قال ﷺ : (خمس يقتلن (١٠) في الحلّ والحرم: الغراب والحدأة والفأرة والحيّة والكلب العقور) (١١)، حصره بعدد، ويلحق غيرها بها حالة وجود العدوان (١٢)، ثمّ جزاء السبع قيمة (١٣) لحمه عندنا لا قيمة إمساكه للتّفاخر كما في الجارية المغنية (١٤). ٩٧ - ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث إمساك المناسك (١٥).

стр. 577

و ﴿الْبَيْتَ الْحَرامَ:﴾ هي الكعبة حرسها الله. والمكعّب في المساحات: ما له طول وعرض وسمك. ﴿قِياماً لِلنّاسِ:﴾ يكون آمنا لمن التجأ إليها (١)، ويتوجّه العالم (٢) إليها في يوم وليلة خمس مرّات في أقطار الأرضين متحرمين بالصّلاة جموعا وفرادى، وبإحجاج الحاجّين (٣) عن الموتى وذوي الأعذار، وبحفر الآبار واستخراج المياه في طريقها، (٩٩ ظ) واختلاف السّفر إليها، وتوقير زائريها أبدا ما عاشوا، مع ما انضمّ إليه بيان سمت القبلة، وبناء المساجد والمنارات. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرامَ:﴾ كان قياما لهم لتركهم القتال فيه وتقلّبهم آمنين، ﴿وَالْهَدْيَ:﴾ قياما لهم لانتفاع المحتاجين والفقراء، وكذلك (القلائد) لامتناعهم عن الغارة على أصحاب القلائد (٤). ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الجعل أو الخبر عنه (٥). وإنّما كان علّة لعلمنا لوجود (٦) المصالح فيما جعل إذا اعتبرنا (٧) الغالب، ولا يكون ذلك إلاّ فعل حكيم (٨) عليم. ٩٨ - ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ نبّه على العقاب للحثّ على محافظة ما هي قيام للنّاس، ثمّ ذكر أنّه ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لئلاّ يؤدّي بهم التّخويف إلى القنوط (٩). ٩٩ - وقوله: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ:﴾ يفيد خلوص الحجّة على المخاطبين، وخروج المبلّغ عن الملام، وفيه نوع تنبيه كما قال: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرّعد:٤٠] (١٠). ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ:﴾ زجرا عن النّفاق والعقائد المذمومة (١١). ١٠٠ - ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ:﴾ نزلت في المؤمنين حيث أرادوا (١٢) أن يغيروا

стр. 578

على حجّاج اليمامة، فنهاهم الله عن ذلك وزهّدهم فيه (١). (الخبيث): الكافرون، و (الطّيّب): المؤمنون، ذكرهم لعموم الخطاب (٢). ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ:﴾ على سبيل المبالغة، ولذلك لم يقتض جوابا، كقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النّساء:١٢٩]، وقال (٣): [من الطويل] فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ١٠١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا:﴾ قال أبو أمامة (٤) وأبو هريرة: لمّا نزل قوله: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] قال رجل من الأعراب: أفي (٥) كلّ عام يا رسول الله؟ فسكت عنه، فأعاد عليه ثلاث مرّات، فاستغضب، فمكث طويلا ثمّ تكلّم فقال: من هذا السّائل، قال الأعرابيّ: أنا، فقال: ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، فأنزل الله الآية (٦). وإنّما أنكر السّؤال؛ لأنّ الأمر المطلق لا يقتضي التّكرار إلاّ بقرينة، ولم يقع سؤاله للضّرورة. أبو صالح عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم غضبان قد احمرّ وجهه، فجلس (٧) على المنبر فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أحدّثكم به، فقام رجل وقال: أين أبي؟ قال: في النّار، فقام عبد الله بن حذافة، وكان يطعن في نسبه، فقال: من أبي؟ فقال: أبوك (٨) حذافة، فقام عمر وقال: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبمحمّد نبيّا، يا رسول الله كنّا حديثي (٩) عهد في الجاهليّة وشرك فالله أعلم من آباؤنا، قال: فسكن غضبه، ونزلت الآية (١٠). وعن سعيد بن جبير: نزلت في السّائل عن البحيرة والسّائبة والوصيلة (١١)، يعني عن (١٢) أسلافهم الذين ماتوا في الجاهليّة متدينين بذلك في البحيرة والسّائبة. وعن مقسم: (١٠٠ و) نزلت في الطالبين (١٣) بالآيات الملجئة. وهذه السّؤالات مذمومة لعدم

стр. 579

الفائدة. و ﴿أَشْياءَ:﴾ جمع شيء، وشيء في الأصل شئيء على وزن (١) شفيع، فليّنت الهمزة الأولى وأدغمت كما في ميّت وهيّن فصار شيّئا ثم استخفّ بحذف المدغم (٢). ﴿تَسُؤْكُمْ:﴾ «تحزنكم» (٣). ﴿عَفَا اللهُ:﴾ أمهل الله، وقيل: عفا الله عن أسئلتكم (٤) الماضية. ١٠٢ - ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ [مِنْ قَبْلِكُمْ] (٥)﴾: هم المضيّقون عليهم أمر البقرة، والمطالبون بالرّؤية جهرة، والمستنزلون مائدة، وأمثالهم (٦). ١٠٣ - (البحيرة): للخامس (٧) من ولد النّاقة، إن كان أنثى بحروا آذانها وحرّموا ركوبها ولحومها على النّساء إن قتلت، وإن ماتت حلّت للنّساء (٨). و (السّائبة): ما كانوا يخرجونه عن الملك لا إلى مالك، ويحرّمون الانتفاع به من كلّ وجه، ولا يرون ذوده عن المرعى والحمى (٩). و (الوصيلة): قال ابن عرفة (١٠): ما كان البطن السّابع من ولد الشّاة ذكرا وأنثى (١١) توأمين، قالوا للأنثى: وصلت أخاها، فلا يذبح ويكون لحمها حراما على النّساء. وقال (١٢) ابن الأنباري: كانت الشّاة إذا ولدت ستة أبطن عناقين عناقين (١٣) وولدت في السّابعة عناقا وجديا قالوا: وصلت أخاها، حلوا لبنها للرّجال دون النّساء. و (الحامي): الفحل الذي ركب ولد ولده (١٤). وقيل: إذا كان من ولده عشرة أبطن قالوا:

стр. 580

حمى ظهره، فلا يركب ولا يمنع عن (١) مرعى. نفى الله أن تكون هذه الأحكام دينا له وأمرا منه. والمبتدع لهذه الأحكام عمرو بن لحي، وهو الذي نصب الأنصاب، وبدّل الحنيفيّة، وأدخل الإشراك في التّلبية (٢). ١٠٥ - ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ:﴾ تقديره: حفظ أنفسكم وإصلاحها دون التّعلّق (٣) بما كان عليه الآباء فإنّهم لا يضرّونكم ﴿إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ.﴾ وفيه ما يدلّ على نسخ الأمر بالمعروف (٤). خطب (٥) أبو بكر الصّدّيق وقال: يا أيّها النّاس إنّكم تقرؤون هذه الآية وتعدّونها (٦) رخصة الله، والله ما نزلت آية أشدّ من هذه ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ﴾ (١٠٠ ظ) ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ وإنّي سمعت (٧) رسول الله ﷺ يقول: إنّ النّاس (٨) إذا رأوا منكرا فلم يغيّروه يوشك أن يعمّهم الله بعذاب (٩). ١٠٦ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ:﴾ ابن جبير عن ابن عبّاس: كان تميم الدّاريّ وعديّ بن بداء (١٠) نصرانيّان يختلفان إلى مكّة بالتّجارة، فخرج مسلم من بني سهم فتوفّي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما، فلمّا رجعا من سفرهما دفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضّة مخوّصا بذهب، فاستحلفهما (١١) رسول الله ﷺ ما كتما ولا اطّلعا، ثمّ عرف الجام بمكّة فقال الذين اشتروه: اشتريناه من عديّ وتميم، فقام رجلان من أولياء السّهميّ وأخذا الجام، وفيهم نزلت الآية (١٢). [وفيه] (١٣) دليل أنّ الورثة صدّقوهما في الوصاية واتّهموهما في الأمانة ولذلك استحلفهما على الكتمان والاطّلاع. وفيه دليل أنّ المراد بالشّهادة اليمين، وإنّما وجب عليهما اليمين؛ لأنّ الورثة يدّعون عليهما الزّيادة. وفي أيمان الورثة وجهان: فإن ادّعى الوصيّان وصيّة أو ملكا في

стр. 581

الجام يخرجان به عن حكم الميراث والورثة ينكرون ذلك فهذا حكم قائم، وإن كان يمينهم قائمة مقام البيّنة وإبطال اليمين الأولين فهذا حكم منسوخ (١). وعن زيد بن أسلم قال: كان ذلك في رجل توفّي في أرض حرب والنّاس كفّار، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وكان النّاس يتوارثون بالوصيّة، ثمّ نسخت الوصيّة (٢) وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها (٣). والمراد بقوله: ﴿(شَهادَةُ بَيْنِكُمْ)﴾ الإخبار أو الأمر (٤). ﴿إِذا حَضَرَ:﴾ توقيت (٥)، ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ:﴾ بدل عن التّوقيت (٦). ﴿اِثْنانِ:﴾ أي: شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (٧). ﴿ذَوا عَدْلٍ:﴾ صفة للخبر، أي: ذوا (٨) عدالة. ﴿أَوْ آخَرانِ:﴾ أو شهادة آخرين عدلين ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (٩). و (العدالة) كون الإنسان مرضيّ السّيرة في دينه (١٠). والعدالة في الشّهادة شرط، واليمين ليس بشرط ولكنّه احتياط، فإنّ المنكرين إذا كانوا جماعة فيستحلف عدولهم كما في القسامة (١١). ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ [الصَّلاةِ] (١٢)﴾: صلاة العصر (١٣)، وفائدة ما بعدها؛ لأنّ أهل الذّمّة يوافقوننا في حرمة ذلك الوقت واجتناب الإثم فيه (١٤)، وقيل (١٥): استحلاف المؤمنين، كانوا في تلك السّاعة أشدّ تورّعا منهم في غيرها. ﴿فَيُقْسِمانِ:﴾ يعني الوصيّ والأمين، لا يحلفان إلاّ عند الرّيبة والتّهمة (١٦).

стр. 582

﴿لا نَشْتَرِي بِهِ:﴾ باسم الله (١). وقوله: ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ دليل أنّ الوصيّين كانا قريبين للميّت (٢). ﴿وَلا نَكْتُمُ:﴾ ما تحملناه عن الميّت من وصيّة. ﴿إِنّا إِذاً:﴾ أي: إن اشترينا وكتمنا (٣). ١٠٧ - ﴿فَإِنْ عُثِرَ:﴾ العثور: الاطّلاع (٤)، والإعثار: أن تطلع غيرك على شيء، قال: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا [عَلَيْهِمْ]﴾ (٥) [الكهف:٢١]. (الاستحقاق): الاستيجاب (٦)، وهذا يدلّ على أنّ قضاء القاضي ينفذ في الظّاهر. ١٠٨ - ثمّ بيّن وجه الاحتياط: الحبس للاستحلاف بعد الصّلاة ﴿أَنْ يَأْتُوا (٧)﴾ بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها والثّاني: للخوف (٨) من أن تبطل أيمانهم بأيمان غيرهم إذا عثر على خيانتهم (٩). وقيل (١٠): ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، أي: (١٠١ و) الاحتياط أحد المعنيين. ١٠٩ - ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ:﴾ العامل في الظّرف (اتّقوا) (١١)، وقيل (١٢): ﴿لا عِلْمَ.﴾ وفائدة السّؤال توبيخ الأمم وتقريعهم، وثناء الرّسل على الله وتبرّيهم عن علم الغيب (١٣). وفيه دليل أنّ السّؤال يكون عن الصادفة (١٤) والصادرة عن العقائد. ١١٠ - ﴿إِذْ:﴾ بدل عن (يوم) (١٥)، وهما للماضي ولكن عنى بهما زمان مستقبل، وإنّما

стр. 583

جاز ذلك لتحقّق وجوبه فكأنّه كان ومضى كقوله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف:٤٤] (١). (عيسى): اسم في محلّ النّصب (٢). ومريم لعيسى بمنزلة الأب كمحمّد (٣) بن الحنفيّة ومحمّد بن زبيدة. والنّعم (٤) المنعم بها على عيسى ما نطقت به الآية (٥)، والنّعمة المنعم بها على والدته كلامه في المهد (٦) شهادة ببراءة والدته، وفي اكتهاله على مسرّة والدته (٧). و ﴿الْكِتابَ:﴾ القدرة على القراءة (٨)، وقيل (٩): الزّبور. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ الفقه وسائر ما آتاه (١٠) الله من الحجج والبيان. وكفّ بني إسرائيل صدّهم عنه حين أرادوا قتله وصلبه (١١). ١١١ - ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ:﴾ الوحي ههنا الإلهام (١٢)، وقال السدّي: قذف في قلوبهم (١٣)، وقال الزّجّاج (١٤): أمرهم الله تعالى على لسان عيسى. ١١٢ - و (المائدة) (١٥): الخوان حالة كون الطّعام عليه، مشتقّ من الميد، وهو العطاء والنّفع والعون، تقول: مادني ويميدني (١٦). وإنّما أنكر عليهم إمّا للمطالبة والإعجاز على وجه التّمنّي والشّهوة، وإمّا لجهالة قدرة

стр. 584

القديم الفاعل (١). ١١٣ - ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ:﴾ إمّا للحرص الطّبيعيّ الذي هو في نفس الحيوان، وإمّا للشرف (٢) والتّبرّك، وإمّا لكسب العلم الضّروريّ وحسم توهّم السّحر واللبس بالذّوق (٣) والمضغ والابتلاع (٤). ويحتمل أنّهم تنوّعوا في هذه المعاني أنواعا وافترقوا فرقا على حسب هممهم. ١١٤ - ﴿قالَ عِيسَى:﴾ في الحال، دلالة أنّه استنزل المائدة بعد الإذن في السّؤال والدّعاء. ﴿تَكُونُ:﴾ أي: كانت ﴿لَنا عِيداً.﴾ وهي (٥) على سبيل المجاز؛ لأنّ المائدة لا يتصوّر أن تكون عيدا ولكن زمانها من السّنة. (عيدا): مأخوذة من عاد يعود (٦). وقيل (٧): نزلت المائدة يوم الأحد، فاتّخذوه عيدا، فيوم الأحد (٨) لهم كيوم السّبت لليهود. ﴿لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا:﴾ بدل عن (لنا) (٩). ١١٥ - ﴿قالَ اللهُ﴾ تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ:﴾ عن الحسن ومجاهد أنّ القوم لمّا سمعوا هذا الوعيد ندموا وتابوا ولم ينزل (١٠) المائدة. والأكثرون على أنّها نزلت، روى الكلبيّ عن بعضهم أنّ عيسى ﵇ قال لشمعون، وهو أفضل الحواريّين: هل معك طعام؟ قال: نعم معي سمكتان وستّة أرغفة، فقال: عليّ بها، فجاءه، فقطّعها قطعا صغارا، ثمّ قال للقوم: اقعدوا وترفّقوا رفاقا كلّ رفقة عشرة، ثمّ قام عيسى ودعا الله فاستجاب له بالبركة فيها، فجعل عيسى ﵇ يلقي إلى كلّ رفقة ما تحمل أصابعه ويقول: كلوا باسم الله، والطّعام ينمي حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ما شاء الله، وفضل خمسة وثلاثون مكتلا، وقيل: أربعة وعشرون مكتلا، وكان النّاس خمسة

стр. 585

آلاف ونيّفا، فقالوا: نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك عبده ورسوله، ثمّ سألوا مرّة أخرى فأنزل الله خمسة أرغفة وسمكتين، فصنع بها (١) مثل ما صنع في المرّة الأولى، (١٠١ ظ) فلمّا رجعوا إلى قراهم ونشروا الحديث ضحكوا وقالوا: إنّما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبّته (٢) على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره فمكثوا ثلاثة أيّام ثمّ مسخوا خنازير، وفي هذه الرّواية (٣) النزول هو النّموّ والبركة. وعن عمّار بن ياسر وقتادة أنّ المائدة كانت عليها من ثمار الجنّة (٤)، كانت تنزل عليهم بكرة وعشيّا كالمنّ والسّلوى. وعن بادان (٥) وأبي ميسرة كان عليها كلّ شيء إلاّ اللّحم (٦). وعن عطيّة أنّهم وجدوا في السّمك طعم كلّ شيء (٧). وعن عطاء بن أبي رباح عن (٨) سلمان الفارسيّ قال: لمّا سألوا المائدة لبس صوفا وبكى وسأل الله (٩)، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها (١٠) وهي تهوي حتى سقطت بين أيديهم، فبكى ﵇ وقال: اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة، ثمّ قام وتوضّأ وصلّى صلاة طويلة، ثمّ كشف المنديل عنها فإذا تحته سمكة مشويّة ليس عليها فلوسها ولا شوك، وعند رأسها ملح وعند ذنبها خلّ، وحولها من أنواع البقل ما خلا الكراث، وروي إلاّ الخسّ (١١) والكراث، وإذا خمسة أرغفة على (١٢) واحد منها زيتون وعلى الثّاني عسل وعلى الثّالث سمن وعلى الرّابع جبن وعلى الخامس زبيب أو شيء آخر، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدّنيا هذا أم من طعام الآخرة، فقال عيسى: ليس

стр. 586

شيء ممّا ترون من طعام الدّنيا ولا من طعام الآخرة فكلوا ممّا (١) سألتم، فقال الحواريّون: يا روح الله (٢) لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال عيسى (٣) ﵇: يا سمكة احيي بإذن الله، فاضطربت السّمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها ففزعوا منها، ثمّ قال: يا سمكة عودي كما (٤) كنت بإذن الله، فعادت مشويّة كما كانت، فقالوا: يا رسول الله كن (٥) أنت أوّل آكل منها (٦)، فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها ولم يأكل من سائل فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا عيسى ﵇ أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين، فأكلوا وصحّوا كلّهم، وإذا السّمكة كما كانت، ثمّ طارت المائدة إلى السّماء وهم ينظرون، فلبث أربعين صباحا تنزل عليهم المائدة ضحى فلا تزال منصوبة يأكلون منها فوجا فوجا حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلّها حتى توارت، وكان ينزل غبا فأوحى الله إلى عيسى ﵇: اجعل ما ترى رزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء (٧) فتشكّكوا وشكّكوا النّاس وقالوا: أترون (٨) أنّها تنزل من السّماء حقّا؟ فقال عيسى: تشمّروا لعذاب الله، فمسخ منهم ثلاث مئة وثلاثة (٩) وثلاثون رجلا خنازير في ليلة واحدة، ولم يتبوأ الدّواب ولم يأكلوا ولم يشربوا ولكنّهم كانوا يعدون في الطّريق ويتردّدون، ثمّ ماتوا بعد ثلاثة أيّام (١٠). ﴿أُعَذِّبُهُ:﴾ عائد إلى من يكفر. ﴿لا أُعَذِّبُهُ:﴾ عائد إلى الفعل المفعول، وهو العذاب (١١)، وذلك ما خصّهم من الألم (١٢) المخصوص بهم حالة المسخ، أو ما خصّهم به من عذاب الآخرة. ١١٦ - ﴿وَإِذْ:﴾ بمعنى (إذا) لتحقّق الوجوب (١٣)، وعن السدّي أنّه للماضي، وذلك عند

стр. 587

رفعه إلى السّماء (١). فالسّؤال سؤال لوم وتقريع للنّصارى عند الجمهور، وسؤال (٢) الابتلاء والاختبار. (١٠٢ و) عند السدّي. روي أنّ عيسى ﵇ لمّا سئل هذا السّؤال أرعد كلّ مفصل منه، وانفجرت من تحت كلّ شعرة عين دم (٣). ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ:﴾ تأكيد للنّفي، إذ لا يصحّ شيء من الأشياء لا يعلمه الله تعالى. والعلم أعمّ من السّمع (٤)، قال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ (٧) [طه:٧]. ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي:﴾ مضمر ما في قلبي، ﴿وَلا أَعْلَمُ:﴾ ما هو مستور في غيبك (٥). وإنّما ذكر النفس بمزدوج (٦) الكلام، ولا يحلّ نفس الله شيء من الحوادث، تعالى الله أن يكون ظرفا (٧) للأشياء. ١١٧ - ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ:﴾ ترجمة للمستثنى المقول (٨). ﴿عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ:﴾ أي: شهدت عليهم وعلمت خيرهم وشرّهم (٩). ﴿الرَّقِيبَ:﴾ الشّهيد (١٠). ١١٨ - ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ:﴾ قول عيسى ﵇، إرجاء منه الأمر إلى الله، وترك للتّحكّم والتّألّي عليه كما قال نوح: ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ،﴾ الآية [هود:٣١]، وقال إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (١١)، الآية [إبراهيم:٣٦]. وإنّما قال: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليبيّن أنّ مغفرته لم تقع عن جهل ولا عجز، ولكنّه يغفر (١٢)

стр. 588

مع القدرة على الانتقام، حكيم فيما فعل (١). وقيل: إنّما وصف بالعزيز الحكيم (٢) دون الغفور الرّحيم ليبيّن أنّه غير متشفّع لهم (٣). ١١٩ - ﴿هذا:﴾ أي: الأمر أو الحكم أو الشّأن (٤). ﴿يَنْفَعُ الصّادِقِينَ:﴾ عيسى ومن شهد من الأنبياء والصّدّيقين (٥). ﴿﵃:﴾ صرف عنهم موجبات سخطه بوجود المرضي عنهم وهو الصّدق (٦). ﴿وَرَضُوا:﴾ صرفوا الكراهة عن نعم الله تعالى بوجودها (٧) مرضيّة في الحال والمآل، مأمونة الخبال والوبال. والله أعلم.

стр. 589

سورة الأنعام مكّيّة عند ابن عبّاس وعطاء إلاّ ثلاث (١) آيات: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ [الأنعام:١٥١ - ١٥٣] نزلن (٢) بالمدينة أو بين مكّة والمدينة (٣). وعن ابن المبارك والكلبيّ عن ابن عبّاس هذه مدنيّات وآيتان: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى﴾ [الأنعام:٢١ و ٩٣] (٤). وعن الحسن ثلاث آيات نزلن بالمدينة: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام:٢٣]، ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ﴾ نزلن في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام:١٤١] نزلت في ثابت بن قيس (٥). وعن أبيّ أنّها مكّيّة كلّها نزلت جملة (٦) واحدة، شيّعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتّسبيح والتّحميد (٧). وهي مئة وسبع وستّون آية حجازي (٨). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ:﴾ هما صفتان للسّموات والأرض، فكأنّ التّقدير: وجعلهنّ مظلمة ومنيرة، كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النّحل:٧٨]. وإنّما قدّم الظّلمات؛ لأنّها هي المخلوقات أوّلا (٩)، فيما يروى عن ابن عبّاس، وقيل (١٠): لكونها مجموعة كالسّموات. ثمّ بعد هذه النّعم كلّها والدّلائل بأسرها طفق هؤلاء الكافرون بربّهم يشركون ويجعلون لله عديلا وشريكا (١١). وعن النضر بن شميل أنّ الباء (١٢) بمعنى (عن)، أي: عن ربّهم يعرضون وينحرفون.

стр. 590

٢ - ثمّ خاطب جميع بني آدم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ،﴾ والمراد به خلقه آدم ﵇ من الطّين المبلول بالماء (١) (١٠٢ ظ) المهيّج بالرّوح المولّد حرارة بالهيجان. والدّليل على أنّ أصل الخلقة من الطّين هو الرّجوع إلى الطّين عند فسخ البنية. والأجل المقضيّ أجل الدّنيا، والأجل المسمّى أجل الآخرة (٢). وقيل: الأجل المقضيّ أجل اليقظة إلى النّوم، والأجل المسمّى أجل الحياة إلى الموت، وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام:٦٠] (٣). وقيل: الأجلان واحد (٤)، والتّقدير: ثمّ قضى أجلا وذلك أجل مسمّى عنده. وقيل: الأجل المقضيّ ما جعله من قضيّة الطّبيعة، والأجل المسمّى عنده ما لا يتوصّل إلى علمه من الحوادث (٥). (الامتراء): من المرية، وهي (٦) الشّكّ. ٤ - ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ:﴾ مختصّة بمن أصرّ (٧) على الكفر من قريش (٨). ٥ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا:﴾ التّكذيب من توابع الإعراض، وإتيان (٩) العذاب من توابع التّكذيب، فلذلك دخلت الفاء (١٠). ﴿أَنْبؤُا:﴾ الأخبار (١١) العظيمة، وهي العذاب، كما يقال في التّهديد: سيبلغك الخبر (١٢). ﴿ما كانُوا بِهِ:﴾ بالحقّ، وهو القرآن (١٣). ٦ - (القرن): مدّة من الزّمان مختلف في مقداره (١٤). وحقيقته مدّة استقامة بقاء العالم غالبا

стр. 591

على رسم واحد، مشتقّ من اقتران أهل العصر واجتماعهم (١). والمراد بالقرن أهله (٢). (التّمكين): كالتّسليط، يقال: مكّنته ومكّنت له (٣). ﴿السَّماءَ:﴾ "المطر" (٤). و (المدرار) من الدّرّ على وزن مفعال، لا يؤنّث، تقول: رجل مذكار ومئناث، وامرأة مذكار ومئناث (٥). ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ:﴾ من تحت مساكنهم (٦). ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ:﴾ بالخسف والمسخ والطّاعون ونقل الدّول والولايات دون الموت الذي لا بدّ منه (٧). و (الإنشاء): الابتداء (٨). ٧ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ:﴾ مختصّة بكفّار قريش الذين قالوا: لن نؤمن لك ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٣]. و (القرطاس): الصّحيفة من أيّ شيء كان (٩). وإنّما قال: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ لتأكيد العلم الضّروريّ، فإنّ الرّؤية يقع فيها التّخيل ولا يقع لحاسّة المس (١٠). ٨ - ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ:﴾ طالبوا رسول الله بآية توجب العلم الضّروريّ (١١) على طريق المشاهدة دون الاستدلال والاجتهاد (١٢)، فبيّن الله أنّ ذلك يوجب الإهلاك ورفع الإمهال (١٣).

стр. 592

٩ - ولو جعلنا الرّسول ﴿مَلَكاً لَجَعَلْناهُ﴾ في صورة البشر (١)، ولجعلنا الأمر ملتبسا للامتحان والابتلاء وترجية الثّواب والعقاب. ١٠ - ﴿فَحاقَ:﴾ قال الأزهريّ: "الحيق: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله" (٢). ﴿ما كانُوا:﴾ أي: وبال ما كانوا ﴿بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ من الأقوال والأفعال. ١٢ - ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ لم يقدروا (٣) أن يطلقوا إضافة الملك إلى آلهتهم (٤)، وكرهوا التّسليم للسّائل ﷺ ، فأمر الله أن يأتي بجواب سؤال بعينه، وفائدته (٥) الإفحام. ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ:﴾ ضمن ووعد (٦). ﴿الرَّحْمَةَ:﴾ الإمهال (٧) بعد الدّعوة إن شاء الله. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ:﴾ أي: والله ليجمعنّكم (٨). ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا:﴾ مبتدأ في معنى الشّرط، ولذلك (٩) أجاب بالفاء. ١٣ - ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ:﴾ اقتصار على أحد طرفي الكلام (١٠)، كقوله: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النّحل:٨١] (١١). والمراد بالسّكون وجود الشيء في حيثيته (١٢). (١٠٣ و) اللّيل والنّهار (١٣): المراد بهما حالتا القرار والتّقلّب، والجوهر في هاتين الحالتين السّماء فما فوقها والأرض فما تحتها.

стр. 593

١٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ:﴾ جواب كلام الكفّار في معنى الدّعوة إلى (١) الشّرك. ﴿فاطِرِ:﴾ نعت لله (٢). و (الفطر): الخلق (٣)، وقيل (٤): الفتق بعد الرّتق. قال: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ:﴾ لاستحقاق الطّاعة بالإطعام، ﴿وَلا يُطْعَمُ:﴾ لنفي الحاجة (٥). ﴿أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ:﴾ في زمانه (٦). ﴿وَلا تَكُونَنَّ:﴾ نهي على قوله: ﴿قُلْ﴾ لا على قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ (٧). ١٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ:﴾ مسّك الشّيء بالشّيء إمساكه (٨) إيّاه. و (الكشف): نقيض التّغطية (٩). ١٨ - ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ:﴾ القهر: التّسخير وصرف الشّيء عن طبيعته (١٠). ١٩ - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ:﴾ فائدة السّؤال الإفحام، أو تفخيم الأمر في نفوس المخاطبين. وفي الآية دلالة على جواز إطلاق اسم الشّيء على الله (١١). وإنّما لم يقل: شهيد لي ولكم (١٢)؛ لأنّ الشّهادة لم تكن لهم، وإنّما لم يقل: عليّ وعليكم؛ لأنّ الشّهادة لم تكن عليه. ﴿وَمَنْ بَلَغَ:﴾ دلالة أنّ النّاس كلّهم مخاطبون بالقرآن على شرط العقل والسّماع (١٣). ﴿أَإِنَّكُمْ:﴾ استفهام بمعنى التّقريع واللّوم، والسّؤال ب (أئنّ) للتّقريع (١٤). ٢٣ - ﴿فِتْنَتُهُمْ:﴾ وهذه الفتنة أشدّ فتنة تصيبهم لجهلهم (١٥) بعد الخسار والتجائهم إلى

стр. 594

الإنكار والجحد بين يدي (١) الجبّار في دار القرار عند معاينة النّار (٢). ٢٤ - ﴿اُنْظُرْ:﴾ أمر تعجيب (٣). ﴿وَضَلَّ:﴾ غاب وفات (٤). و ﴿ما كانُوا:﴾ هي دعاواهم الكاذبة في الدّنيا (٥). ٢٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ:﴾ قيل: إنّ أبا سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة وأميّة وأبيّ ابني (٦) خلف استمعوا إلى رسول الله ﷺ ثمّ قالوا للنضر: أتعرف ما هذا؟ قال: لا إلاّ أنّي أراه يحرّك لسانه (٧). ﴿أَكِنَّةً﴾ (٨): جمع كنان، وهو الستر (٩). ﴿وَقْراً:﴾ "ثقلا" (١٠). والمراد به الخذلان. و ﴿حَتّى:﴾ غاية لاستماعهم، أي: غايته (١١) الجدال والإنكار دون الإقبال والإقرار (١٢). ﴿أَساطِيرُ:﴾ واحدتها أسطورة، وقيل: إسطارة (١٣)، وقيل: لا واحد لها، وهي ما سطّره الأوّلون وكتبوه في كتبهم من الأسمار (١٤) والأباطيل. ٢٦ - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ:﴾ والمراد بالنّهي ذبّ أبي طالب عن النّبيّ ﷺ رواية عن ابن عبّاس (١٥). و (النّأي): تباعده عن القرآن وموجباته، أخبر الله عن تناقض أمره وعجب فعله، إلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وابن زيد والحسن (١٦). وروي عن ابن عبّاس: المراد بالنّهي صدّهم

стр. 595

وتنفيرهم النّاس عن الإسلام، والنّأي (١) تباعدهم بأنفسهم. و (النّأي): البعد (٢). ٢٧ - ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا:﴾ "حبسوا" (٣). وجواب (لو) محذوف (٤). ٢٨ - ﴿بَلْ:﴾ ردّ لحقيقة تمنّيهم بما اضطرّهم إلى ذلك، وهو ظهور ما كتموه وجحدوه من الشّرك وغيره بشهادة سمعهم وأبصارهم وجلودهم وأيديهم وأرجلهم (٥). ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا:﴾ إخبار عن غاية الموهوم المتصوّر (٦) من حالهم المعلّقة بشرط الإعادة ولا إعادة. ٢٩ - ﴿إِنْ هِيَ:﴾ "كناية عن الحياة" (٧). ٣٠ - ﴿عَلى رَبِّهِمْ:﴾ "على سؤال ربّهم" (٨). و ﴿هذا:﴾ إشارة إلى البعث وأمور الآخرة (٩). ٣١ - ﴿حَتّى:﴾ غاية التّكذيب (١٠). ﴿بَغْتَةً:﴾ "فجأة" (١١)، وهو وقوع عن (١٢) الموهوم. نداء الحسرة مجاز كنداء الويل (١٠٣ ظ) والتمني (١٣). و (التّفريط): العجز والتّضييع (١٤). ﴿فِيها:﴾ في (١٥) الآيات.

стр. 596

﴿أَوْزارَهُمْ:﴾ جمع وزر، وهو الثقل المثقل للظّهر، وقد وزر إذا أكمل الثقل فهو وازر (١). و ﴿ما:﴾ صلة (٢)، وقيل (٣): تقدير اسم نكرة. ٣٢ - ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ أي: الحياة المقصورة على الاشتغال بالمنافع العاجلة لا حياة من يكسب الآخرة بإذن الله (٤). و (اللهو): أشدّ من اللّعب، وهو ما يلهيك عمّا يعنيك، تقول: لهوت إذا (٥) لعبت، ولهيت إذا غفلت (٦). وإنّما خصّ بأنّ الآخرة للمتّقين خير من الدّنيا؛ لأنّ الأطفال والمجانين تبع للمتّقين غير منفردين بالحكم. ٣٤ - ﴿حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا:﴾ غاية الصّبر (٧). و (الإيذاء) (٨): الإصابة بالمكروه من قول أو فعل (٩). وممّا لا يبدل قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (١٧٢) [الصّافّات:١٧١ - ١٧٢]، وفيه تسلية للنّبيّ ﷺ (١٠). ٣٥ - ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ:﴾ "عظم عليك" (١١). ﴿إِعْراضُهُمْ:﴾ أي: شأن كفرهم (١٢). وهذا شرط، وجوابه: ﴿فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ﴾ مع جزاء مضمر، أي: فافعل (١٣). ﴿نَفَقاً:﴾ "سربا" (١٤).

стр. 597

﴿سُلَّماً:﴾ مرقاة (١). وفي هذا تعجيز للنّبيّ ﷺ ، وفي اليأس إحدى الرّاحتين، أي: ليس بيدك شيء من الآيات الملجئة المضطرّة فإنّما أنت رحمة. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ:﴾ تنبيه على أنّه شاء أن لا يجمعهم. وإنّما نبّه عليه (٢) تسلية للنّبيّ ﷺ . و (الجهل): أن يتكلّف (٣) إيجاد ما علم أنّ الله تعالى لم يشأه. ٣٦ - ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ:﴾ هم (٤) الموفّقون لاستماع الحقّ (٥). والواو للاستئناف، ﴿وَالْمَوْتى:﴾ الكفّار (٦)، شبّههم بالموتى لعدم روح الإيمان. وذكر المبعث للتّهديد (٧). ٣٧ - ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ:﴾ أخبر عن اقتراحهم آية (٨) ملجئة وأنّها مقدورة له، ولكن لا يعلمون وجه الحكمة في الإمهال إلى تتمّة الآجال وإيمان لمن قدّر من النّساء والرّجال (٩). ٣٨ - ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث التّنبيه على كمال القدرة (١٠). وجناح الطّير (١١) بمكان الأيدي. وذكر الجناحين للتّأكيد (١٢) كقوله: ﴿إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [النّحل:٥١]، و ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٧٧]. والمماثلة بالحاجة إلى الصّانع، وبالدّلالة (١٣) على حدوث ذواتها، وبالشّهادة لله بالوحدانيّة، عن السدّي، وبالتّسبيح لله، عن عطاء (١٤)، وبأنّها أصناف مصنّفة تعرف بأسمائها، عن مجاهد (١٥).

стр. 598

﴿ما فَرَّطْنا:﴾ ما ضيّعنا وقصّرنا (١). ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ القرآن، ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ يحتاج إلى علمه إلاّ ذكرناه مفسّرا أو مجملا (٢). وقيل (٣): الكتاب: اللّوح المحفوظ، أو القضاء الذي قضاه الله على خلقه. و (الحشر): الموت، عن عليّ وابن عبّاس (٤). وقيل (٥): الحشر: البعث لاقتصاص بعضها من بعض، عن أبي هريرة عنه ﷺ قال: (تقتصّ الشّاة الجمّاء من القرناء) (٦)، وقيل: إنّ الله يجازيها حقيقة المجازاة على مقدار ما ألهمها من قبح الأفعال وحسنها. ثمّ اختلفوا في حال الحيوانات، قيل (٧): تصير ترابا بعد الاقتصاص، وقيل (٨): ما يستأنس به الإنس أدخل الجنّة لينتفع بها أهلها وسائرها يجعل كافورا ومسكا في الجنّة. وقيل: يعوّض هذه الحيوانات عن آلامها الدّنياويّة عوضا متناهيا، وقيل: عوضا غير متناه (٩). وكلّ (١٠) هذا تحكّم على الله تعالى لا يثبت إلاّ بالوحي (١٠٤ و) أو بالأخبار المتواترة. ٤٠ - ﴿أَرَأَيْتَكُمْ:﴾ سؤال إفحام. و ﴿السّاعَةُ:﴾ اسم من أسماء القيامة (١١) كالآزفة، وهي اسم لجزء (١٢) من أربعة وعشرين من الملوان (١٣)، واسم لكلّ مدّة قريبة. ٤١ - ﴿بَلْ:﴾ للإثبات بعد النّفي (١٤). وإنّما يدعون الله ويستنجدونه إلى كشف ما أصابهم لما في جبلة (١٥) المخلوق من الفزع إلى الخالق عند الضّرورة. ٤٢ - ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ أخذ الله إيّاهم ﴿بِالْبَأْساءِ﴾ كأخذه (١٦) آل فرعون بالطّوفان

стр. 599

وأخواته، وأخذ أهل نينوى. ٤٣ - لمّا عاينوا من البأس (١) ﴿تَضَرَّعُوا:﴾ أي: الأنبياء ﵈، وهم لم يفعلوا إلاّ الفزع إلى الخالق جبلة، وأمّا فرعون وقومه فإنّهم كانوا يخادعون موسى ﵇ ولا يتضرّعون حقيقة. والمراد بالحثّ المستقبلون وإن كان اللّفظ في الماضين. ٤٤ - ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ:﴾ وهذا فتح على سبيل الاستدراج (٢)، كقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف:٩٥]. وإنّما (٣) يفعل ذلك بهم على وجه المكر والعقوبة ليزدادوا إثما (٤). و (المبلس) (٥): الحزين، والإبلاس: الاكتئاب (٦). ٤٥ - ﴿دابِرُ الْقَوْمِ:﴾ آخرهم (٧)، وقيل (٨): أصلهم. ذكر دابر القوم عبارة عن (٩) الاستئصال، وذكر الحمد نصرة المؤمنين. ٤٦ - ﴿مَنْ إِلهٌ:﴾ فحوى الكلام يدلّ على أنّه جواب الشّرط وليس بمبتدأ (١٠). والهاء (١١) عائدة إلى المأخوذ أو الإحساس (١٢). وإنّما ذكّرهم بمثل هذا لاقتضاء الطّاعة (١٣) والعبادة. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ:﴾ عن وجوهها إلى جهات مختلفة وعبارات شتّى (١٤). ﴿يَصْدِفُونَ:﴾ "يعرضون" (١٥).

стр. 600

٤٨ - ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ:﴾ في الآية دلالة أنّ الأنبياء أتوا بعد الإعجاز من الآيات وهي (١) البشارة والإنذار دون الإتيان بالآيات الملجئة إذ ذاك إهلاك، والإهلاك إلى الله تعالى، ودون الإتيان بكلّ ما تقترحه الأمم (٢) إذ ذاك شيء لا نهاية له ووجود ما لا نهاية له محال. ٥٠ - ﴿خَزائِنُ:﴾ جمع خزينة، والخزينة: الأموال المخزونة المستورة عن أعين النّاس، والخزانة بكسر الخاء لموضع المخزون ولصناعة الخازن، وبفتح الخاء المصدر (٣). وأراد ههنا غوامض مقدوراته ونعمه المستورة (٤). ﴿الْغَيْبَ:﴾ ما لم يطلعه الله عليه ولم يخبره عنه (٥). وفي الآية أربع خصال من الأدب: ترك (٦) الصلف، وترك الكبر، وحسم التّهم والشّبه، ووضع سنّة يستنّ بها بعد. ﴿الْأَعْمى:﴾ الكافر الجاهل (٧)، ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ المؤمن العالم (٨). ٥١ - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ:﴾ نزلت في شأن المؤمنين (٩). (به): بالقرآن والوحي (١٠). ﴿يَخافُونَ:﴾ يعلمون، قاله الحسن (١١). وإنّما خصّ المؤمنين لانتفاعهم به (١٢)، كقوله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ﴾ [يس:١١]. ٥٢ - ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ:﴾ نزلت في الموالي والفقراء مثل عمّار وبلال وصهيب وخبّاب وسالم وابن مسعود، كان أبو جهل قال: يا محمّد لو طردت هؤلاء (١٣) لأتاك أشراف قومك. وعن السدّي أنّ الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن قالا: يا محمّد تأتيك وفود العرب ونحن
следующие страницы →