← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

﴿أَوْزارَهُمْ:﴾ جمع وزر، وهو الثقل المثقل للظّهر، وقد وزر إذا أكمل الثقل فهو وازر (١). و ﴿ما:﴾ صلة (٢)، وقيل (٣): تقدير اسم نكرة. ٣٢ - ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ أي: الحياة المقصورة على الاشتغال بالمنافع العاجلة لا حياة من يكسب الآخرة بإذن الله (٤). و (اللهو): أشدّ من اللّعب، وهو ما يلهيك عمّا يعنيك، تقول: لهوت إذا (٥) لعبت، ولهيت إذا غفلت (٦). وإنّما خصّ بأنّ الآخرة للمتّقين خير من الدّنيا؛ لأنّ الأطفال والمجانين تبع للمتّقين غير منفردين بالحكم. ٣٤ - ﴿حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا:﴾ غاية الصّبر (٧). و (الإيذاء) (٨): الإصابة بالمكروه من قول أو فعل (٩). وممّا لا يبدل قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (١٧٢) [الصّافّات:١٧١ - ١٧٢]، وفيه تسلية للنّبيّ ﷺ (١٠). ٣٥ - ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ:﴾ "عظم عليك" (١١). ﴿إِعْراضُهُمْ:﴾ أي: شأن كفرهم (١٢). وهذا شرط، وجوابه: ﴿فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ﴾ مع جزاء مضمر، أي: فافعل (١٣). ﴿نَفَقاً:﴾ "سربا" (١٤).

стр. 597

﴿سُلَّماً:﴾ مرقاة (١). وفي هذا تعجيز للنّبيّ ﷺ ، وفي اليأس إحدى الرّاحتين، أي: ليس بيدك شيء من الآيات الملجئة المضطرّة فإنّما أنت رحمة. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ:﴾ تنبيه على أنّه شاء أن لا يجمعهم. وإنّما نبّه عليه (٢) تسلية للنّبيّ ﷺ . و (الجهل): أن يتكلّف (٣) إيجاد ما علم أنّ الله تعالى لم يشأه. ٣٦ - ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ:﴾ هم (٤) الموفّقون لاستماع الحقّ (٥). والواو للاستئناف، ﴿وَالْمَوْتى:﴾ الكفّار (٦)، شبّههم بالموتى لعدم روح الإيمان. وذكر المبعث للتّهديد (٧). ٣٧ - ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ:﴾ أخبر عن اقتراحهم آية (٨) ملجئة وأنّها مقدورة له، ولكن لا يعلمون وجه الحكمة في الإمهال إلى تتمّة الآجال وإيمان لمن قدّر من النّساء والرّجال (٩). ٣٨ - ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث التّنبيه على كمال القدرة (١٠). وجناح الطّير (١١) بمكان الأيدي. وذكر الجناحين للتّأكيد (١٢) كقوله: ﴿إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [النّحل:٥١]، و ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٧٧]. والمماثلة بالحاجة إلى الصّانع، وبالدّلالة (١٣) على حدوث ذواتها، وبالشّهادة لله بالوحدانيّة، عن السدّي، وبالتّسبيح لله، عن عطاء (١٤)، وبأنّها أصناف مصنّفة تعرف بأسمائها، عن مجاهد (١٥).

стр. 598

﴿ما فَرَّطْنا:﴾ ما ضيّعنا وقصّرنا (١). ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ القرآن، ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ يحتاج إلى علمه إلاّ ذكرناه مفسّرا أو مجملا (٢). وقيل (٣): الكتاب: اللّوح المحفوظ، أو القضاء الذي قضاه الله على خلقه. و (الحشر): الموت، عن عليّ وابن عبّاس (٤). وقيل (٥): الحشر: البعث لاقتصاص بعضها من بعض، عن أبي هريرة عنه ﷺ قال: (تقتصّ الشّاة الجمّاء من القرناء) (٦)، وقيل: إنّ الله يجازيها حقيقة المجازاة على مقدار ما ألهمها من قبح الأفعال وحسنها. ثمّ اختلفوا في حال الحيوانات، قيل (٧): تصير ترابا بعد الاقتصاص، وقيل (٨): ما يستأنس به الإنس أدخل الجنّة لينتفع بها أهلها وسائرها يجعل كافورا ومسكا في الجنّة. وقيل: يعوّض هذه الحيوانات عن آلامها الدّنياويّة عوضا متناهيا، وقيل: عوضا غير متناه (٩). وكلّ (١٠) هذا تحكّم على الله تعالى لا يثبت إلاّ بالوحي (١٠٤ و) أو بالأخبار المتواترة. ٤٠ - ﴿أَرَأَيْتَكُمْ:﴾ سؤال إفحام. و ﴿السّاعَةُ:﴾ اسم من أسماء القيامة (١١) كالآزفة، وهي اسم لجزء (١٢) من أربعة وعشرين من الملوان (١٣)، واسم لكلّ مدّة قريبة. ٤١ - ﴿بَلْ:﴾ للإثبات بعد النّفي (١٤). وإنّما يدعون الله ويستنجدونه إلى كشف ما أصابهم لما في جبلة (١٥) المخلوق من الفزع إلى الخالق عند الضّرورة. ٤٢ - ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ أخذ الله إيّاهم ﴿بِالْبَأْساءِ﴾ كأخذه (١٦) آل فرعون بالطّوفان

стр. 599

وأخواته، وأخذ أهل نينوى. ٤٣ - لمّا عاينوا من البأس (١) ﴿تَضَرَّعُوا:﴾ أي: الأنبياء ﵈، وهم لم يفعلوا إلاّ الفزع إلى الخالق جبلة، وأمّا فرعون وقومه فإنّهم كانوا يخادعون موسى ﵇ ولا يتضرّعون حقيقة. والمراد بالحثّ المستقبلون وإن كان اللّفظ في الماضين. ٤٤ - ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ:﴾ وهذا فتح على سبيل الاستدراج (٢)، كقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف:٩٥]. وإنّما (٣) يفعل ذلك بهم على وجه المكر والعقوبة ليزدادوا إثما (٤). و (المبلس) (٥): الحزين، والإبلاس: الاكتئاب (٦). ٤٥ - ﴿دابِرُ الْقَوْمِ:﴾ آخرهم (٧)، وقيل (٨): أصلهم. ذكر دابر القوم عبارة عن (٩) الاستئصال، وذكر الحمد نصرة المؤمنين. ٤٦ - ﴿مَنْ إِلهٌ:﴾ فحوى الكلام يدلّ على أنّه جواب الشّرط وليس بمبتدأ (١٠). والهاء (١١) عائدة إلى المأخوذ أو الإحساس (١٢). وإنّما ذكّرهم بمثل هذا لاقتضاء الطّاعة (١٣) والعبادة. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ:﴾ عن وجوهها إلى جهات مختلفة وعبارات شتّى (١٤). ﴿يَصْدِفُونَ:﴾ "يعرضون" (١٥).

стр. 600

٤٨ - ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ:﴾ في الآية دلالة أنّ الأنبياء أتوا بعد الإعجاز من الآيات وهي (١) البشارة والإنذار دون الإتيان بالآيات الملجئة إذ ذاك إهلاك، والإهلاك إلى الله تعالى، ودون الإتيان بكلّ ما تقترحه الأمم (٢) إذ ذاك شيء لا نهاية له ووجود ما لا نهاية له محال. ٥٠ - ﴿خَزائِنُ:﴾ جمع خزينة، والخزينة: الأموال المخزونة المستورة عن أعين النّاس، والخزانة بكسر الخاء لموضع المخزون ولصناعة الخازن، وبفتح الخاء المصدر (٣). وأراد ههنا غوامض مقدوراته ونعمه المستورة (٤). ﴿الْغَيْبَ:﴾ ما لم يطلعه الله عليه ولم يخبره عنه (٥). وفي الآية أربع خصال من الأدب: ترك (٦) الصلف، وترك الكبر، وحسم التّهم والشّبه، ووضع سنّة يستنّ بها بعد. ﴿الْأَعْمى:﴾ الكافر الجاهل (٧)، ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ المؤمن العالم (٨). ٥١ - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ:﴾ نزلت في شأن المؤمنين (٩). (به): بالقرآن والوحي (١٠). ﴿يَخافُونَ:﴾ يعلمون، قاله الحسن (١١). وإنّما خصّ المؤمنين لانتفاعهم به (١٢)، كقوله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ﴾ [يس:١١]. ٥٢ - ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ:﴾ نزلت في الموالي والفقراء مثل عمّار وبلال وصهيب وخبّاب وسالم وابن مسعود، كان أبو جهل قال: يا محمّد لو طردت هؤلاء (١٣) لأتاك أشراف قومك. وعن السدّي أنّ الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن قالا: يا محمّد تأتيك وفود العرب ونحن

стр. 601

(١٠٤ ظ) نستحيى (١) أن نجلس معك وعندك هؤلاء فاطردهم عنك إذا حضرنا واجلس معهم إذا صرفنا، فهمّ النّبيّ ﷺ بالإجابة وأظهر شيئا من ذلك، فطلبا منه كتابا وعهدا فدعا عليّا ليكتب لهم الكتاب، فأنزل الله، فألقى الصّحيفة من يده (٢) وعانق هؤلاء الفقراء. والطّرد في معنى التنفير والحشر (٣). ﴿يَدْعُونَ:﴾ يعبدون، لا يريدون بعبادتهم (٤) إلاّ وجه الله. وجوابه ﴿فَتَكُونَ﴾ (٥). ﴿فَتَطْرُدَهُمْ:﴾ جواب النّفي العارض بين النّهي وجوابه (٦)، وذلك قوله: ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ،﴾ أي: ليس عليك إحصاء أحوالهم وبواطنهم وحفظها ولا عليهم إحصاء أحوالك وبواطنك وحفظها فتجد بذلك (٧) عليهم سبيلا فتطردهم، وإنّما السّبب الجامع بينك وبينهم اتّصال البلاغ بالقبول فقط، وقد بلّغت وقبلوا فلا سبيل لك عليهم في طردهم. ٥٣ - ﴿أَهؤُلاءِ:﴾ استفهام بمعنى الإنكار (٨). ﴿أَلَيْسَ:﴾ ابتداء كلام من الله على وجه الإثبات فإنّه دخل على المنفيّ. ٥٤ - ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ:﴾ نزلت في شأن من تقدّم ذكرهم، وعنه ﷺ كان إذا رآهم بدأهم (٩) بالسّلام ويقول: الحمد لله الذي جعل في أمّتي من أمرني أن أبدأهم بالسّلام (١٠). ﴿كَتَبَ:﴾ وعد (١١) وأوجب في حكمه ﴿الرَّحْمَةَ.﴾ ٥٥ - ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو للاستئناف، والإشارة إلى ما تقدّم (١٢). ﴿وَلِتَسْتَبِينَ:﴾ الواو (١٣) للعطف على مضمر تقديره: لنفصّل (١٤) الآيات ولتستبين، أو

стр. 602

ليتوقّف (١) عليها ولتستبين. (الإجرام): ارتكاب الجريمة، والجريمة: الجناية (٢). ٥٦ - ﴿قَدْ ضَلَلْتُ (٣)﴾ إِذاً: أي: إن اتّبعت أهواءكم، أكّد جزاء الشّرط (٤). ٥٧ - ﴿عَلى بَيِّنَةٍ:﴾ بصيرة (٥) واستبانة من أمري. ﴿ما عِنْدِي:﴾ نفي (٦). ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ:﴾ الآيات الملجئة ونزول العذاب (٧). ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ:﴾ لا يرفع الاجتهاد في (٨) الشّريعة؛ لأنّه من أحكام الله تعالى. ٥٨ - وفي قوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾ دلالة أنّ النّبيّ ﷺ كان يريد نزول العذاب بهم بعد ما ضاق بهم ذرعا، ولكن لم يكن بيده (٩). ﴿بِالظّالِمِينَ:﴾ أي: بمن يثبت على كفره فيحق عليه العذاب بمقدار (١٠) استحقاقه. ٥٩ - ﴿مَفاتِحُ:﴾ خزائن، واحدها: مفتح، وآلة الفتح: مفتاح، وجمعها مفاتيح بالياء (١١). وعن مجاهد أنّ (البرّ): القفار، و (البحر): كلّ قرية فيها ماء (١٢). و (العلم): علمه الأشياء على التّفصيل. (السّقوط): انحدار في الهواء (١٣). ﴿وَرَقَةٍ:﴾ واحدة ورق الشّجر (١٤). ﴿إِلاّ يَعْلَمُها:﴾ علم تقلّبها في الهواء كم مرّة (١٥)، ﴿وَلا حَبَّةٍ.﴾

стр. 603

و (الرّطب): الماء والرّيح، و (اليابس): النّار والتّراب. وقيل: الرّطب: ما ينمى، واليابس: ما لا ينمى (١). والظّاهر الرّطب: ما فيه بلّة، واليابس (٢): ما فيه جفاف. وفي الآية دلالة أنّ العالم كلّه معلوم مضبوط داخل في الإحصاء محدود ذو نهاية. و (الكتاب): اللّوح (٣). ٦٠ - ﴿يَتَوَفّاكُمْ:﴾ وفاة النّوم قبض من غير سلب وقطع وإبطال خلقة بخلاف وفاة الموت (٤). ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ:﴾ يوقظكم في النّهار (٥). و (القضاء): يحتمل أن يكون (٦) فعل الله تعالى على وجه الإلجاء، ويحتمل (١٠٥ و) أفعال المخاطبين على سبيل الانطباع. ٦١ - ﴿حَفَظَةً:﴾ جمع حافظ، وهم الملائكة يحفظون الأعمال والأنفاس (٧). ﴿أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ:﴾ أي: وقت الموت (٨) وأوانه. ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا:﴾ "أعوان ملك الموت" (٩)، وقال الزّجّاج (١٠): "هم هؤلاء الحفظة". ٦٢ - ﴿إِلَى اللهِ:﴾ أي: إلى حكمه من (١١) السّؤال والحساب وغير ذلك. ٦٣ - ﴿تَضَرُّعاً:﴾ التّضرّع: التّذلّل وإظهار الخشوع (١٢). ﴿لَئِنْ أَنْجانا:﴾ حكاية الدّعاء. ٦٤ - ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ:﴾ الآية مختصّة بالدّواهي ينجون منها. ﴿كَرْبٍ:﴾ غمّ (١٣).

стр. 604

﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (١)﴾: بعد النّجاة، تثبتون على شرك كدتم تتركونه وزال عنكم بزوال القدرة ثمّ عاد بعودها (٢). ٦٥ - ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ:﴾ يخلطكم (٣). [﴿شِيَعاً﴾] (٤): ذوي أهواء مختلفة، وشيعة (٥) الرّجل خاصّته وقبيلته. قال الحسن: المراد بالخطاب أهل الصّلاة (٦)، وقيل (٧): هم وغيرهم. وعنه ﷺ أنّه استعاذ من عذاب تحت وفوق لأمّته فاستجيب له فيهم، ولم يجب إلى أن لا يلبسوا شيعا (٨)، وقال ﷺ : (إذا وضع السّيف في (٩) أمّتي لم يرفع إلى يوم القيامة). ٦٦ - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ:﴾ أي: بالقرآن أو الخبر أو التّصريف (١٠). ﴿وَهُوَ الْحَقُّ:﴾ في تقدير (١١) الحال؛ لأنّه جملة. ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ (١٢)﴾ بِوَكِيلٍ: أي: أمركم غير موكول إليّ. ٦٧ - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ:﴾ لكلّ صدق موقع ووقت يحقّ فيه لا يتصوّر تأخيره وتقديمه (١٣). ٦٨ - ﴿فَلا تَقْعُدْ:﴾ للمسامرة والتّحدّث دون الدّعوة والإنذار. ﴿الذِّكْرى:﴾ ما يرفع النّسيان (١٤). ٦٩ - وفي قوله: ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (١٥) دلالة أنّ المؤمنين دخلوا في النّهي بالآية

стр. 605

المتقدّمة. والظّاهر من هذه الآية أنّ القعود لم يكن منهيّا عنه لنفسه، ولكن لمعنى (١) الاحتياط. ﴿وَلكِنْ ذِكْرى:﴾ النّهي عظة (٢). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ عن مثل خوضهم. ٧٠ - ﴿وَذَرِ:﴾ أي: كفّ يدك عنهم، إن كانت الآية منسوخة، ونابذ، إن لم تكن منسوخة (٣). ﴿تُبْسَلَ:﴾ ترتهن" (٤). ﴿كُلَّ عَدْلٍ:﴾ أي: أيّ عدل. (الحميم): الحارّ (٥). ٧١ - ﴿أَنَدْعُوا:﴾ استفهام بمعنى النّفي (٦). ﴿وَنُرَدُّ:﴾ أي: يردّنا أحد ﴿عَلى أَعْقابِنا،﴾ والله (٧) هادينا. ﴿اِسْتَهْوَتْهُ:﴾ دعته إلى أهوائها (٨)، وقيل (٩): زيّنت له متابعة هوى نفسه. ﴿حَيْرانَ:﴾ في الأرض، والحيرة (١٠): الدهش. قيل: التّشبيه وقع بعبد الرّحمن بن أبي بكر، كان كافرا (١١) وكان أبواه يدعوانه إلى الإسلام. ﴿اِئْتِنا:﴾ حكاية الدّعاء، وفي مصحف عبد الله: (بيّنا) (١٢)، أي: دعاء بيّنا. ٧٣ - ﴿بِالْحَقِّ﴾ (١٣): بالفعل الحقّ غير الباطل (١٤). وهذه متّصلة بما بعدها.

стр. 606

﴿الصُّورِ:﴾ القرن (١)، وقيل (٢): شيء كهيئة القرن والبوق ينفخ فيه إسرافيل لنداء الخلق، وقيل: جمع (٣) صورة وهي الجسد، والنّفخ نفخ الأرواح يوم البعث. ٧٤ - ﴿آزَرَ:﴾ لقب تارح (٤)، وهو كالذّمّ والشّتم بلغتهم (٥)، بدلا من قوله: (أبيه) (٦). (الأصنام): جمع صنم، وهو التّمثال (٧)، كانوا يصوّرون على صور ملوكهم وعلى صورة النّجوم السّيّارة بزعمهم (٨). ٧٥ - ﴿وَكَذلِكَ نُرِي:﴾ نذكر من (٩) قصّته، أو كما أريناك، أو على سبيل المجاز له، أي: كما ذمّ الإشراك كذلك أريناه دلائل التّوحيد (١٠). ولفظه للمستقبل ومعناه للماضي، ويجوز (١١) مع عدم الإيهام. و (الملكوت): صيغة مبالغة من الملك (١٢). (١٠٥ ظ) وقيل (١٣): المراد به نجوم السّماء والأرض والجبال والبحار، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]. عن السدّي ومجاهد أنّه فتحت له أبواب السّموات والأرض حتى نظر إلى العرش وإلى ما تحت الثّرى (١٤)، قال السدّي (١٥): رأى مكانه في الجنّة. ﴿وَلِيَكُونَ:﴾ ليقف، أو ليشاهد (١٦). وجملة قصّة (١٧) إبراهيم ببابل أنّ نمرود بن كنعان بن حم، وهو فريدون بلغة العجم، لمّا

стр. 607

استردّ الملك من الضّحّاك العاديّ واجتمع معه عشيرته كلّهم، وهم بنو أرفخشد، تكلف على النّجوم وأعجبه ذلك فاعتقده، ثمّ سوّلت له نفسه دعوى الرّبوبيّة فادّعاها، واصطنع لنفسه سبعة نفر من عشيرته سمّاهم الكوهيارين، وفوّض إلى كلّ واحد منهم أمرا من أموره، ورتّب المراتب فكان آزر بين الأصنام، ثمّ إنّ أمر إبراهيم ﵇ وفساد ملك نمرود بسببه [كان] (١) شيئا موهوما مخوفا من جهة علم نبويّ كان قد بقي من نوح ﵇، أو من جهة رؤيا رآها إبراهيم نمرودا له، أو من جهة (٢) ما وضع الله ذلك على ألسنة الكهنة والعامّة على سبيل الإرجاف وفي تقادير المنجّمين، فأمر نمرود بقتل الصّبيان، وأمر بحبس النّساء عن أزواجهنّ، وجعل نساء حضرته في حصن حصين ووكّل آزر عليهنّ، وهو شيخ أمين عنده، ولا مردّ لقضاء الله، فكان من قضاء الله وقدره أن خرجت إليه امرأته (٣) ذات يوم من الحصن بطعام وقت الهاجرة، فإذا نظر إليها آزر لم يملك نفسه أن واقعها فأعلقها، ولمّا ظهر الحبل سقط في يده وخاف على نفسه، ووعدته امرأته أن تخبره بوضع الحمل الثقيل إن كان غلاما، فلمّا وضعت إبراهيم ﵇ أشفقت عليه وأخفته في مفازة، وقالت لآزر: إنّي ولدت ولدا ميّتا فدفنته، فصدّقها، وكانت تأتيه فتجده (٤) يمصّ إبهامه، ولمّا بلغ سبع سنين أظهرته على آزر، وقد (٥) ألقى الله عليه محبة فلم يجد آزر من نفسه أن يسلمه للقتل. ثمّ ألهم (٦) الله إبراهيم التّوحيد وذمّ الأصنام، وكان (٧) يدعو أباه، وهو يزجره ويهدّده بالملك وبالقتل، ويظنّ أنّه يقول ذلك من غرّه (٨) وصباه حتى إذا كسر الأصنام وظهر أمره قال نمرود لآزر: ما الذي حملك على كفران نعمتي وكتمان أمر هذا الغلام؟ قال: أيّها الملك لا تعجل فإنّي إنّما فعلت ذلك نصيحة لك ونظرا لرعيّتك فإنّك تفني الرّعيّة خوفا من عدوّك ولا تعرفه، وأنا ربّيت هذا الغلام وظهر (٩) أنّه عدوّك فاقتله ثمّ استرح وأرح النّاس، ثمّ كان من أمر إبراهيم ﵇ ما كان (١٠).

стр. 608

وأمّا هذه القصّة فقد اختلف فيها، قيل: كانت في المفازة قبل (١) أن لقي أباه، وهو إذ ذاك ابن سبع سنين (٢)، وعن محمّد بن إسحق والكلبيّ أنّه كان ابن خمس عشرة سنة. وقيل: كانت (١٠٦ و) حين جادل نمرود. وقد رأى زهرة أوّلا في آخر الشّهر فلمّا غاب طلع القمر، ثمّ ضاء (٣) القمر بضوء الصّبح، ثمّ طلعت الشّمس (٤). ٧٦ - ﴿جَنَّ:﴾ أي: أظلم (٥). و (الكوكب): النّور المجتمع في السّماء. ﴿هذا رَبِّي:﴾ أي: أهذا ربّي؟ استفهام على وجه الإنكار، كقول موسى ﵇: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [الشّعراء:٢٢]، أو تلك نعمة (٦)؟ وقيل: هذا ربّي بزعمهم، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢] (٧). وقيل: استدراج القوم ليطمئنّوا إليها بإظهار الموافقة فيرجعوا برجوعه، ومثله يتصوّر في الشّرع كالتّقيّة (٨)، وعن بعض الحواريّين نحو هذا (٩). وقيل: إنّه قول بظنّ، والذي من مقدّمات اليقين ويترتّب اليقين عليه معفوّ عنه إذ هو من حيّز (١٠) الخواطر، ولكنّ الظّنّ المذموم هو الظّنّ اللازم وبعد اليقين. (ربّي): خالقي وفاعلي، وقيل: مدبري وسيّدي بإذن الخالق الفاعل القديم الأوّل (١١). ﴿أَفَلَ:﴾ "غاب" (١٢). وإنّما ﴿قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ لأنّ الأفول يدلّ على اضطراب التّدبير، أو يدلّ على الحدوث (١٣).

стр. 609

٧٧ - ﴿الْقَمَرَ:﴾ النّجم المختصّ بالإمحاق، وهو أحد النّيّرين (١). ﴿بازِغاً:﴾ "طالعا" (٢). وقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ يدلّ [على] (٣) أنّه كان يعرف الله تعالى على قضيّة العقل حقّ معرفته، ويعلم أنّ التّوفيق منه، ولا حول ولا قوّة إلاّ به، وإن كانت الشّبه تخطر بباله فيتكلّم بها. ويدلّ أيضا أنّ غير المهديّ يكون ضالاّ كافرا وإن لم تبلغه الدّعوة. ٧٨ - ﴿هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ:﴾ يدلّ على أنّه لا يعرف الشّمس وإلاّ لقال: هذه، ويدلّ على أنّ الكبرياء والعظمة من صفة الرّبوبيّة (٤) على الإجمال. ﴿يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ:﴾ يدلّ على أنّ الله تعالى تفضّل عليه وهداه وأزال عنه الشّبه جزاء لاجتهاده وإلاّ لما كان للشّبه موضع. ٧٩ - ﴿وَجَّهْتُ:﴾ توجيه الوجه إلى الله هو الإقبال على مرضاته (٥). ﴿حَنِيفاً:﴾ نصب على الحال. ٨٠ - ﴿وَقَدْ هَدانِ:﴾ الواو للحال (٦). ﴿وَلا أَخافُ:﴾ كلام مستأنف جوابا لتخويف (٧) سبق منهم. ﴿شَيْئاً:﴾ أي: خوفا يقضيه الله عليّ (٨). ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ:﴾ الذّكر الذي أذكّركم به من الآيات. ٨١ - ﴿وَكَيْفَ أَخافُ:﴾ استفهام دخل على شيئين بمعنى الإنكار (٩): خوف إبراهيم وأمن المخاطبين. ﴿أَنَّكُمْ:﴾ أي: بأنّكم (١٠)، أو لأنّكم. لمّا وقع الإفحام بالسّؤال أتى إبراهيم بالجواب

стр. 610

لسؤاله على (١) طريق البيان. ٨٢ - خلط الإيمان بالظلم بالبدع والأهواء والفسق (٢). ٨٣ - ﴿وَتِلْكَ:﴾ إشارة إلى محاجّته ﵇ (٣). ٨٤ - نصب ﴿إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ب (وهبنا)، ﴿وَنُوحاً﴾ ب ﴿هَدَيْنا،﴾ وكذا سائر الأسماء (٤). ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ:﴾ ذرّيّة نوح (٥). وإنّما ذكر نوحا وهؤلاء ليبيّن أنّه سنّته تعالى مع كلّ محسن أوذي في سبيله قديما وحديثا. ٨٥ - ﴿وَإِلْياسَ:﴾ رجل من سبط يوشع بن نون (٦) بعثه الله إلى بعلبك وملكهم أحاب (٧) وامرأته أزبيل (٨)، كان الملك إذا تغيّب استخلفها على ملكه، وكانت بنت ملك صيد (٩)، وكانت قتّالة للأنبياء، هي التي قتلت زكريا ويحيى وغيرهما، وتزوّجها سبعة من ملوك بني إسرائيل، فلم يؤمن الملك هذا بإلياس ولا امرأته، فسأل الله تعالى (١٠٦ ظ) أن يؤخّر مذاقه الموت ويرفعه إليه، فاستجاب دعوته وألبسه ريشا يطير مع الملائكة. ٨٦ - ﴿وَإِسْماعِيلَ:﴾ إسماعيل (١٠) بن إبراهيم، وقيل (١١): أشمويل بن هلقانا. ﴿وَالْيَسَعَ:﴾ رجل صحب إلياس ﵇ وكان تلميذه، فلمّا رفع إلياس نبّأه الله تعالى بمثل روح إلياس (١٢). و (لوط) هو ابن هارون بن تارح. وهارون أخو (١٣) إبراهيم. درح هارون وآمن لوط بعمّه إبراهيم وهاجر معه، ثمّ بعثه الله تعالى إلى المؤتفكات، ثمّ رجع إلى إبراهيم فكان معه إلى أن مضى لسبيله. وقيل: إنّ أبا لوط من مدينة سدوم، صاهر تارح وتزوّج بابنته وهي أخت إبراهيم

стр. 611

فولدت لوطا (١)، ثمّ إنّ لوطا (٢) آمن بخاله إبراهيم وهاجر معه من بابل، ثمّ لحق (٣) بأهل بيته بمدينة سدوم، وهي ما بين الأردن إلى تخوم أرض العرب، ثمّ كان من أمره (٤) ما كان. ٨٧ - وهدينا جماعة من آبائهم (٥). ﴿وَاِجْتَبَيْناهُمْ:﴾ معطوف على ﴿هَدَيْنا﴾ (٦) [الأنعام:٨٤]. ٨٩ - ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ:﴾ الهاء عائدة إلى (٧) ﴿الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ،﴾ أو إلى (٨) القصّة. و (هؤلاء): إشارة إلى كفّار مكّة وأمثالهم (٩). ﴿وَكَّلْنا:﴾ قيّضنا وألزمنا (١٠). ﴿قَوْماً،﴾ أي: المؤمنين إلى يوم القيامة (١١)، وعن ابن عبّاس وقتادة والضّحّاك والسدّي أنّهم أهل المدينة (١٢)، وعن قتادة أيضا أنّهم الأنبياء الذين سبق ذكرهم (١٣)، وعن أبي رجاء (١٤) أنّهم الملائكة. ٩٠ - (الاقتداء): الائتمام (١٥) والاستنان. ولزمنا شرائع من قبلنا بهذه الآية (١٦)، وقيل (١٧): وجب الاقتداء في الأصول دون الفروع. و ﴿هُوَ:﴾ ضمير يعود إلى القرآن (١٨).

стр. 612

٩١ - ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ:﴾ ما عظّموه حقّ عظمته (١)، وما عرفوا رتبة ذكره (٢) ووصفه. قيل: نزلت في مالك بن الصيف، وكان رجلا سمينا فقال رسول الله: أما قرأت في التّوراة أنّ الله تعالى يبغض الحبر السّمين؟ قال: قرأت، قال: فأنت الحبر السّمين، فغضب وقال: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣). وعن ابن عبّاس وقتادة ومحمد بن كعب أنّ جماعة من اليهود قالوا لرسول الله: أنزل الله عليك كتابا من السّماء؟ قال: نعم، قالوا: إنّ الله لم ينزل كتابا من السّماء (٤) على بشر (٥). وقيل (٦): نزلت في خطاب قريش، ثمّ قرأها على مالك بن الصيف. ويحتمل أنّها نزلت في خطاب اليهود، وأنّ الجعل والإبداء والإخفاء خبر عن آبائهم الماضين. ٩٢ - ﴿مُصَدِّقُ﴾ (٧): أي: ليصدّق ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.﴾ و ﴿أُمَّ الْقُرى:﴾ مكّة؛ لأنّ مكّة فيها أوّل بيت وضع للنّاس (٨)، وقيل (٩): لأنّها قبلة سائر القرى ومثابتها بإنذار أهلها. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ:﴾ يدلّ أنّ الكافر به (١٠) كافر بالله وباليوم الآخر في الحقيقة، فإنّ الإيمان لا يتبعّض (١١). ٩٣ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ:﴾ قال قتادة: نزلت في مسيلمة الكذّاب والأسود العنسيّ (١٢). وعن عكرمة أنّها في (١٣) مسيلمة الكذّاب (١٤) وابن أبي سرح، وكان ابن أبي سرح كاتبا للوحي (١٥)

стр. 613

وربّما كتب: الغفور الرّحيم، مكان: العزيز الحكيم، والعزيز الحكيم، مكان: الغفور الرّحيم، ولا ينكر عليه رسول الله؛ لأنّ الكلّ قرآن (١) بعضه في بعض، وذلك من الله فتنة واستدراج لابن أبي سرح (١٠٧ و) حتى نزل قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ،﴾ (١٢) الآية [المؤمنون:١٢]، فجرى على لسانه: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فقال ﷺ : اكتب ما جرى على لسانك، فكتب، وكان ذلك سبب كفره، فارتدّ ولحق بمكّة فقال: إن أنزل إلى محمّد قرآن فقد أنزل إليّ كذلك وإلا فقد أتيت بمثله (٢). ﴿اِفْتَرى:﴾ افتعال من الفري، وهو القطع، والمفتري يقطع من موهومه شيئا فيتقوّله (٣). ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ:﴾ ظنّ منه وغرور، وإسناد (٤) الإنزال إلى نفسه مجاز، كقولهم: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٣]. ﴿غَمَراتِ:﴾ جمع غمرة، وهو ما يعلو الإنسان ويغطّيه ويغمره (٥). والمراد بغمرات الموت هو الظّاهر (٦)، وقيل: عذاب الآخرة (٧)، وتصديقه (٨) قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ [إبراهيم:١٧]. ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ:﴾ أي: يقولون: موتوا (٩)، وقيل: تخلّصوا إن استطعتم (١٠). ﴿تَسْتَكْبِرُونَ:﴾ عن قبول الآيات والإيمان بها (١١). ٩٤ - ﴿فُرادى﴾ (١٢): جمع فريد، كأسير وأسارى (١٣)، بتفرد الأجزاء ثمّ بإحكامها حتى يصير الواحد بالتّأليف ألوفا ولذلك يجحدون بأنفسهم ويشهد عليهم سمعهم وأبصارهم، وكلّ

стр. 614

ذلك لزوال القدرة والتّلاشي والتّفسّخ مشاهدة أو حكما عند مشاهدة الله تعالى وعرضه (١) وسؤاله. ﴿خَوَّلْناكُمْ:﴾ أعطيناكم وملّكناكم وأنعمنا به عليكم (٢). ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ:﴾ بطلت دعاواكم. ٩٥ - ﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ:﴾ "الفلق: الشّقّ" (٣). و ﴿الْحَبِّ:﴾ بزور (٤) النّبات كلها، واحدها حبّة. ﴿وَالنَّوى:﴾ عجم التّمر وسائر الثّمار، واحدتها نواة (٥). وكمون (٦) النّبات في الحبّة ككمون النّطف في الأصلاب، ولا محالة أنّ التّمكين أصل وهو أجزاء المركز وسائر الأجزاء المتركّبة النّامية فهي بعد الظّهور (٧) من الهواء والغذاء بالإحالة (٨) والتّقليب من صنع الله تعالى. ٩٦ - ﴿الْإِصْباحِ:﴾ اسم كالإعصار والإبهام، وهو الصّبح (٩)، يقال: أبين من فلق الصّبح، وكأنّ فلقه شقّ كاذبه لصادقه (١٠) ونسخ بعض الظّلام بالضّوء على ما يشبه التّحلل. ﴿سَكَناً:﴾ ما سكن إليه أو عليه أو فيه من جوهر أو حال (١١). وقوله: ﴿حُسْباناً:﴾ مصدر، أي: الشّمس والقمر آيتا حسبان أو سببا حسبان لاختلافهما في الفلك وسيرهما (١٢) في البروج. و ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الفعل والتّقدير (١٣). ٩٧ - ﴿النُّجُومَ:﴾ المعروفة في السّماء من السّيّارة والثّابتة دون المجهولة التي هي رجوم

стр. 615

الشّياطين، والنّجم السّماويّ: الكوكب، سمّي نجما لظهوره (١). ﴿لِتَهْتَدُوا:﴾ بالنّجوم، أراد اهتداء المسافرين والأقضية التي يمكن المرور فيها على الصوب وفي البحر ولاستقبال القبلة ولمعرفة الرّياح (٢). ٩٨ - ﴿فَمُسْتَقَرٌّ:﴾ بفتح القاف: موضع القرار والسّكون (٣)، وبكسره: السّاكن الثّابت (٤). ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ:﴾ موضع الوديعة والأمانة (٥)، أو عين الأمانة والوديعة. ٩٩ - ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ أصل كلّ نجم وشجر، ويجوز دخول الحيوان فيه، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ (١٧) [نوح:١٧] (٦). ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ:﴾ أي: من الماء (٧). و (الخضر): نعت (٨) من خضر يخضر. ﴿نُخْرِجُ:﴾ صفة للخضراء، (١٠٧ ظ) [أو] (٩) كلام مبتدأ. ﴿مِنْهُ﴾ (١٠): من النّبات. الحبّ المتراكب: "السّنبل" (١١). و (الطّلع): الكفرّى (١٢) في رأس النّخلة فيه الجمّار (١٣). ﴿قِنْوانٌ:﴾ جمع قنو، وهو العذق (١٤). ﴿دانِيَةٌ:﴾ "متدانية" (١٥)، قريب بعضها من بعض، أو القريبة التّناول، ولم يذكر غير دانية

стр. 616

اقتصارا (١). ﴿وَالزَّيْتُونَ:﴾ ما يتّخذ منه الزّيت (٢). ﴿وَالرُّمّانَ:﴾ ما يسمّى جبليّه المظّ (٣). وإنّما خصّهما لكثرة فوائدهما، أو لشهرتهما وإعجابهم بهما، وقال الزّجّاج (٤): لأنّ الورق يشتمل (٥) هاتين الشّجرتين من أوّلهما إلى آخرهما. و (الينع): النّضج والإدراك وإنماء (٦) النّبات. ١٠٠ - ﴿الْجِنَّ:﴾ بنو الجان (٧)، وقيل (٨): الملائكة. نصب؛ لأنّ الجعل يقتضي مفعولين (٩). [﴿وَخَرَقُوا﴾] (١٠): قطعوا وميزوا من جنس الأمة ﴿لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ﴾ عن السدّي (١١). "والخرقة: القطعة" (١٢). ١٠١ - ﴿صاحِبَةٌ:﴾ أنثى قديمة مجانسة مفاعلة، وإثباتها لا يتصوّر؛ لأنّ الأنوثة والذكورة من أسباب الحاجة، ولأنّ الجنسيّة دالّة على الوضع والمثال والإحداث، والمفاعلة تحتاج التّقسيم، فإذا لم تثبت هذه المقدّمات كيف يترتّب ثبوت الولد عليها (١٣). ١٠٣ - ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ:﴾ المدرك: المنيل الحاصل، مقدور مقهور محصور متصوّر مهجوم عليه، تعالى الله عن الاتّصاف بهذه المعاني. والموجود المعلوم المعقول المشاهد، حقّ ثابت، تعالى عن نفي هذه الصّفات علوّا كبيرا.

стр. 617

و (البصر): الإحساس بالعين، أو العقل بالقلب (١). وأولو الأبصار: ذوو العقول والآراء. و ﴿اللَّطِيفُ:﴾ نافذ العلم دقيق العمل (٢)، وقيل (٣): اللّطيف الذي ليس يكشف. ١٠٤ - ﴿قَدْ جاءَكُمْ:﴾ (قل) مضمر في أوّل الآية (٤). و (الحفيظ): في معنى الرّقيب والوكيل (٥). ١٠٨ - ﴿وَلا تَسُبُّوا:﴾ قالت قريش للنّبيّ ﷺ وللمؤمنين: لتمسكنّ عن ذكر آلهتنا أو لنهجونّ إلهكم، فنهى الله تعالى عن سبّ آلهتهم، وتعبّد المؤمنين بترك تسبّب الكفر، ولو شاء الله لأخرسهم وختم على أفواههم (٦). والسّبّ هو الشّتم (٧) والوقيعة. و (العدو): من الاعتداء (٨)، كقوله: ﴿بَغْياً وَعَدْواً﴾ [يونس:٩٠]. ١١٠ - ﴿أَفْئِدَتَهُمْ:﴾ جمع فؤاد، وهو أوّل الأعضاء الرّئيسة، وهو مركز الحرارة الغزيرة (٩)، ولحم فئيد: مشويّ، والمفأد: السّفّود (١٠). ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا:﴾ أي: جزاء لكفرهم (١١) بالنّبيّ ﷺ . ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ:﴾ عند انشقاق القمر، والتّحدّي بالقرآن، والرّجوع من بيت المقدس (١٢). ويحتمل أنّ الوعيد عقباويّ والتّشبيه وقع لحالة الدّنيا (١٣). ١١١ - وفي (١٤) قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا:﴾ الآية دالّة أنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (١٥)، وهؤلاء الجاهلين القدرية.

стр. 618

١١٢ - ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا:﴾ عطف على ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا﴾ [الأنعام:١٠٨]. قال النّبيّ ﷺ لأبي ذرّ: (هل تعوّذت بالله (١) من شياطين الإنس؟). وقال مالك بن دينار: شياطين الإنس أشدّ عليّ (٢) من شياطين الجنّ؛ لأنّه يذهب بالتّعوّذ وهذا لا يذهب (٣). ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ:﴾ الكلام الباطل الحلو، والشّيء المزخرف: المموّه المزيّن (٤). ﴿غُرُوراً:﴾ نصب على المصدر (٥)، أو لأنّه مفعول له (٦). ١١٣ - ﴿وَلِتَصْغى:﴾ معطوف على مقدّر (٧). والصّغو والصّغو (٨): الميل (٩)، يقال: صغى (١٠٨ و) يصغى ويصغو وصغي (١٠). و (الاقتراف): الاكتساب الدّنيء (١١). ١١٤ - (قل) مضمر ﴿أَفَغَيْرَ﴾ (١٢). وهذه جواب لهم حين أرادوا أن يتحاكموا إلى بعض الطّواغيت (١٣). ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ مؤمنو أهل الكتاب الذين يعرفون ويجحدون (١٤). ١١٦ - ﴿وَإِنْ تُطِعْ:﴾ مثل قوله: ﴿وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ [الأحزاب:١]. ﴿يَخْرُصُونَ:﴾ "يكذبون" (١٥)، فلان يتخرص، أي (١٦): يتكذب، وكأنّه قول بتخمين، ومنه

стр. 619

خرص التّمر و ﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ﴾ (١٠) [الذّاريات:١٠] (١). ١١٧ - ﴿مَنْ:﴾ مكان (أيّ) على الاستفهام (٢). ١١٨ - ﴿فَكُلُوا:﴾ ذهب قريش مذهب الفلاسفة وبعض النّصارى والمجوس في استحلال الميتة، وما كان مذهبهم (٣) من قبل، قالوا: ما قتل الله خير وأطيب ممّا قتلتم بسكاكينكم، ولم يعلموا (٤) أنّ إزهاق الرّوح من فعل الله تعالى، وليست مزيّة الذّبيحة على الميتة من أجل القطع بالسّكّين ولكن لأجل أنّ الذّبح بإذن الله وعلى اسم الله (٥)، فأنزل الله الآية لئلاّ يخطر ببال بعض المؤمنين شيء من هذا (٦). ١١٩ - ﴿وَما لَكُمْ:﴾ أي: وما يمنعكم عن استحلال ما أحلّ الله لكم بعد ما بيّن لكم الحرام في غير حال الضّرورة وبيّن حال الضّرورة (٧) أيضا، وارتفع الشّبه كلها ولم يبق للاحتياط والتّقزّز موضع (٨). ١٢١ - ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ:﴾ الميتة، وما تعمّد على ذبحه ترك اسم الله، أو ذبح من ليس بأهل للتّسمية (٩). وأراد مجادلة من كره الذكية واستباح الميتة (١٠). ١٢٢ - ﴿نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ:﴾ حمزة وأصحابه، ومن ﴿مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ:﴾ أبو جهل وأصحابه (١١). روي أنّ أبا جهل رمى رسول الله ﷺ بالفرث وهو يصلّي وذلك قبل إسلام حمزة، فسمع حمزة (١٢) ذلك فغضب لابن أخيه تعصّبا، وأقبل على أبي جهل يضربه بقوسه، وأبو جهل يتضرّع ويعتذر بأنّه سفّه أحلامهم وعاب آلهتهم، فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة؟ ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله (١٣).

стр. 620

وروي أنها عامّة (١). والإحياء إحياء في الرّحم (٢)، والنّور نور الإيمان (٣). وقيل: الإحياء بروح (٤) القرآن أو الإيمان، والنّور نور أحدهما (٥). ﴿مَثَلُهُ:﴾ أي: هو (٦)، وقيل: إنّ صفته ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ لا يوصف إلاّ بها ولا يتّصف إلاّ بها (٧). ١٢٣ - ﴿وَكَذلِكَ:﴾ عطف على ﴿كَذلِكَ﴾ (٨). وقيل: استئناف، والتّشبيه بما وقع الإخبار عنه (٩). ﴿جَعَلْنا﴾ (١٠): قدّرنا. ﴿أَكابِرَ:﴾ جمع أكبر كأفاضل (١١)، وقيل (١٢): جمع كبير كبعير وأباعر. الآية ردّ على القدريّة. ١٢٤ - ﴿حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ:﴾ قيل: إنّ الوليد بن المغيرة كان يتعرض للنّبوّة ويترشّح لها ويطمع فيها ويقول: لو كانت حقّا لكنت أحقّ بها (١٣)، وكذلك أميّة بن أبي (١٤) الصلت كان يتوقّعها، فلمّا حرمها أصرّ على كفره ومات عليه، ونزلت الآية فيهما وفي أمثالهما، كانوا يأنفون عن الاتّباع ويريدون أن يخصّوا بوحي سماويّ من غير وساطة بشر. ﴿صَغارٌ:﴾ مذلّة (١٥).

стр. 621

﴿عِنْدَ اللهِ:﴾ في حكم الله (١). ١٢٥ - ﴿يَشْرَحْ:﴾ الشّرح: التفسح (٢)، ومنه شرح اللّحم. و (الضّيّق) (٣) (١٠٨ ظ) ضدّ الواسع. ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ:﴾ أي: يتعسّر عليه الإيمان كما يتعسّر عليه الصّعود في السّماء (٤)، ويحتمل أنّ قلبه يرتفع إلى السّماء عن موضعه من التّضايق كقوله: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] (٥). ١٢٧ - ﴿دارُ السَّلامِ:﴾ دار الله، أضيف إليه تشريفا لها وتنويها بذكرها، كما قيل (٦): بيت الله، وعبد الله، وناقة الله. وقيل (٧): دار السّلامة من الآفات. ويحتمل أنّها دار التّحيّة بالسّلام، الله تعالى يحيّيهم: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٥٨) [يس:٥٨]، وتحيّيهم الملائكة بالسّلام، ويحيّي بعضهم بعضا بالسّلام (٨). ١٢٨ - ﴿يا مَعْشَرَ:﴾ نقول (٩): يا معشر، والمعشر الجماعة (١٠)، والخطاب للشّياطين. ﴿اِسْتَكْثَرْتُمْ:﴾ أكثرتم الأتباع والقرناء (١١). ﴿اِسْتَمْتَعَ:﴾ انتفع واستعان (١٢). وهذا عذر منهم وحجّة للإشراك، يريدون أنّهم استمتعوا بهم كما يستمتع (١٣) بعضنا بأهل الذّمّة وأسارى الكفّار، وكما استمتع سليمان ﵇ بهم (١٤) بإذن الله. و ﴿خالِدِينَ:﴾ حال للضّمير في قوله: ﴿مَثْواكُمْ﴾ (١٥).

стр. 622

والمستثنى مدّة الحساب في الموقف، أو حالة (١) خروجهم من النّار مع الشرر (٢)، أو للاستهزاء بهم على ما سبق ذلك (٣). ١٢٩ - ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي:﴾ الآية ردّ على القدريّة (٤). ١٣٠ - ظاهر قوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ:﴾ يدلّ على أنّ الجنّ كانت فيهم الأنبياء وهكذا عن كعب وغيره مما صنفوا من أخبار الجنّ قبل خلق آدم ﵇ سمّوا قريبا من نيف وأربعين نبيّا أوّلهم دنخش ومنهم صاعوق بن ياعق (٥) وغيره. وقيل (٦): إنّما قال لأنّ التّكليف لجميعهم كأنّهم جنس واحد. وقيل (٧): هذا من باب قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٨) (٢٢) [الرّحمن:٢٢]، وإنّما يخرج من أحدهما. ﴿شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا:﴾ شهادة الأيدي والأرجل (٩). ١٣١ - ﴿ذلِكَ:﴾ في موضع نصب، تقديره: فعل ذلك، وقيل: رفع بالابتداء (١٠). ﴿بِظُلْمٍ:﴾ ظلم أهل القرية، أي: لم يهلكهم بظلمهم (١١) وهم غافلون، ولكن نبّههم أوّلا ونهاهم وأنذرهم. وقيل: أراد به أنّ (١٢) الظّلم منفيّ عن الله تعالى، وإنّما صحّ ذلك من حيث وعد الله تعالى أن لا يهلك أمّة حتى يبعث في أمّها رسولا، فلو أخلف (١٣) الوعد لكان ظالما، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا (١٤). ١٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ:﴾ تهديد الإهلاك (١٥) دون الوفاة المعهودة. ١٣٥ - ﴿اِعْمَلُوا:﴾ توبيخ وتهديد (١٦).

стр. 623

١٣٦ - ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ:﴾ كانوا (١) يسيّبون بعض أموالهم للضّيفان ويقولون: هذا لله، ويسيّبون للسّدنة وعمارة بيت الأصنام ويقولون: هذا للأصنام، وهذا كفر منهم، ثمّ ازدادوا كفرا أن نقصوا النّصيب المسمّى لله تعالى الذي هو للضّيفان لجبر نصيب الأصنام عند الحوائج، وكانوا يفعلون هذا بتأويل فاسد، يقولون: الله غنيّ وشركاؤنا فقرة، ولم يعلموا أنّ الغنى لا يوجب بخس النّصيب ولا يجوّزه، فذمّهم الله تعالى على فعلهم ورأيهم (٢). وليس كذلك تقديمنا ديون النّاس على الزّكوات (٣) والكفّارات؛ لأنّ قضاء ديون النّاس واجب بإيجاب الله تعالى كالزّكوات والكفّارات، وقد تأكّدت لتعيّن المستحقّ. ١٣٧ - ﴿لِيُرْدُوهُمْ:﴾ "أي: ليهلكوهم، والرّدى: الهلاك" (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ [طه:١٦]. ١٣٨ - المراد بالأنعام والحرث ما سبق ذكره (٥). ﴿حِجْرٌ:﴾ حرام ممنوع (٦)، (١٠٩ و) قال الله تعالى: ﴿وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان:٥٣]. ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها:﴾ ما وصفوه من حكم السّائبة والوصيلة والحام (٧). والتي (٨) ﴿لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ هي التي جعلوها للأصنام (٩) حتى كأنّهم كانوا يتحرّجون عن ذكر الله تعالى عند إيرادها الماء وعند حلبها وسوقها، وكانوا لا يحجّون عليها كراهة التّلبية عليها بأنّ في التّلبية اسم الله تعالى (١٠). ١٣٩ - ﴿سَيَجْزِيهِمْ:﴾ سوف يجزيهم على وصفها الباطل (١١). ١٤٠ - ﴿قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ:﴾ كلّ العرب (١٢) كان يستحلّ وأد البنات إلاّ بني كنانة (١٣).

стр. 624

والتّحريم (١) هو التّحريم على وجه الافتراء، وأمّا التّحريم على قضيّة العقل فذلك خارج عن الذّمّ (٢). ١٤١ - (المعروشات): ما يعرش من النّخيل والآس والعنب والعرعر وما يشبهها (٣). و ﴿مُخْتَلِفاً:﴾ حال مقدّر على معنى سوف (٤). والضّمير (٥) عائد إلى أحدهما من النّخل (٦) والزّرع. ﴿كُلُوا:﴾ إباحة (٧)، ويجوز أن يكون على الوجوب، ووقته عند سدّ الرّمق. و (الحصد): القطع والاستئصال (٨). و (الحقّ): العشر الواجب في ما تخرجه الأرض، فإنّ الزّكاة نزلت بمكّة (٩). وقال طاووس (١٠): ﴿حَقَّهُ:﴾ زكاته. وقال محمّد بن كعب (١١): "ما قلّ منه أو كثر". وقال جابر بن زيد (١٢): هو الزّكاة المفروضة، قال (١٣): ولولا ذلك لما قال: ﴿وَلا تُسْرِفُوا.﴾ وعن ابن عبّاس أنّه العشر ونصف العشر (١٤)، وهكذا عن ابن الحنفيّة (١٥). وقال إبراهيم النخعي: في كلّ شيء أخرجت الأرض الصدقة (١٦). والذين روي عنهم النّسخ مطلقا معارض بما ذكرنا، ومن روي عنهم أنّه منسوخ بالزّكاة (١٧) فغير مأخوذ به؛ لأنّه لا تنافي بين العشر وبين حقّ آخر كان، ثمّ قد تواترت الرّوايات عن النّبيّ ﷺ أنّه أوجب العشر فيما سقت السّماء والأنهار ونصف العشر فيما يسقى بعلا وبالسّواقي من

стр. 625

غير تفصيل وتخصيص (١)، وهو قضيّة ظاهر الآية وقضيّة القياس؛ لأنّه لا يتعلّق بالحول فلا يتعلّق بالنّصاب. وروى ابن مسعود مرفوعا وموقوفا: لا يجتمع عشر وخراج في أرض واحدة (٢). ١٤٢ - ﴿حَمُولَةً:﴾ ما يحتمل على ظهره (٣). ﴿وَفَرْشاً:﴾ صغار الإبل وما لا يحمل عليه من السّوائم (٤). ١٤٣ - ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ:﴾ اسم عدد الشفع الرّابع. والمراد بالثّمانية الأزواج الذّكور (٥) والإناث جميعا (٦). واسم الزّوج ينطلق على الواحد (٧). و ﴿الضَّأْنِ:﴾ جنس الكبش والنّعجة، و ﴿الْمَعْزِ:﴾ جنس التّيس والعنز (٨). وواحد الضّأن: ضائنة (٩)، وواحد المعز: ماعز (١٠). والجدال وقع على سبيل المفاقهة، وذلك لأنّ الشّيء لا يحكم بتحريمه إلاّ لمعنيين: إمّا لمعنى لا يسدّ باب القياس ويطّرد في جميع المعلومات أو أكثرها، وإمّا للتّوقيف بالوحي، وتحريم هؤلاء الكفّار لم يكن (١١) على شيء من هذين الأصلين؛ لأنّ علّة الذّكورة (١٢) وعلّة الأنوثة منكسر ولا يطّرد في الجميع، وكذلك علّة اشتمال (١٣) الأرحام وهو التحاقها (١٤) واحتواؤها، وعلّة كون الولد بطنا سابعا أو عاشرا، أو علّة كون الولد توأمين كانت سقيمة، لسدّ باب القياس ولكونها ممّا لا يتوصّل إليه إلاّ بالتّوقيف، فبطلت المعاني كلّها ووقع الإفحام واتّضح الالتزام (١٥). ١٤٤ - ﴿الْإِبِلِ:﴾ اسم جنس يتناول الجمل والنّاقة.

стр. 626

وفائدة تكرار (١) النّظم (١٠٩ ظ) الأوّل صحّة السّؤال واستئناف الإلزام (٢). ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ:﴾ مطالبة بالتّوقيف (٣) الذي يكون بالوحي، وفائدة المطالبة هو الإفحام، فلم يجسروا على دعوى الوصيّة لخوفهم المطالبة بالبرهان فأفحموا عن الجواب وانقطعوا في الجدال (٤). ١٤٥ - ﴿لا أَجِدُ:﴾ إخبار عن الحال دون الاستقبال (٥). و (الميتة): اسم لجمع (٦) المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع (٧). ووصف الدّم بالمسفوح يفيد إباحة غيره كالكبد والطّحال وما يتعلّق باللّحم والمخّ (٨). وذكر الخنزير بعد ذكر الميتة لئلاّ يظنّ ظانّ أنّه يطهر بالذّكاة بخلاف سائر السّباع. ثمّ بيّن المعنى وقال: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ،﴾ أي: نجس مكروه مستقذر تعافه النّفوس غالبا (٩). أو أن (١٠) يكون ﴿فِسْقاً.﴾ وسائر المحرمات فغير محرم بالكتاب ولكنّه مسكوت عنه (١١). ١٤٦ - ﴿ظُفُرٍ:﴾ اسم عامّ، قال ابن عبّاس: إنّه كلّ ما ليس بمنفرج الأصابع كالبعير والإوزّة والبطّ (١٢)، وعن القتبيّ أنّه كلّ ذي حافر (١٣)، وقيل (١٤): كلّ ذي برثن. ﴿شُحُومَهُما:﴾ جمع شحم. وهو ما يذوب دهنا. ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما:﴾ ما اختلط باللّحم من البياض (١٥)، وقيل (١٦): "الألية".

стр. 627

و ﴿الْحَوايا:﴾ المباعر والمصارين (١). وهي معطوفة على المستثنى (٢)، وقيل (٣): على المستثنى منه. ﴿مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ:﴾ ما على العظم من دسم (٤). ١٤٧ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ:﴾ "يعني اليهود" (٥)، وهم كانوا يأتون مكّة تجّارا، ويأتونها قاصدين رؤية النّبيّ ﷺ . وقيل (٦): كذّبته قريش. وذكر (٧) الرّحمة هو للتّنبيه على الإمهال لئلاّ يغترّوا بسلامة الحال، وكذلك ذكر (٨) البأس بعد الرّحمة. ١٤٨ - ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا:﴾ لمّا علموا أنّ النّبيّ ﷺ يثبت القدر خيره وشرّه من الله وينفي وجود الشّيء من غير مشيئة الله تعالى، توهّموا أنّ كلّ ما شاء الله رضيه كما ظنّت القدريّة، فاحتجّوا بالمشيئة وحسبوها عذرا، فبيّن أن لو أثبتوا المشيئة لأثبتوها على أنفسهم لا لأنفسهم (٩). ﴿كَذلِكَ:﴾ شبيه بقوله (١٠): ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ.﴾ ١٤٩ - ﴿الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ:﴾ التي بلغت كلّ مبلغ في الصّحّة والبيان (١١). ١٥٠ - ﴿هَلُمَّ:﴾ تعال وأقبل، وإذا قلت: هلمّ كذا، فمعناه: هاته، يجري مجرى الحروف (١٢).

стр. 628

﴿شُهَداءَكُمُ:﴾ أي: يأتوا بشهداء عدول من غير أنفسهم فإنّهم مدّعون، فلو قامت دعواهم مقام الشّاهد لكان الشّيء المشكوك فيه حجّة لنفسه، وهذا لا يكون إلاّ بالإعجاز، ولذلك قال الله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ (١). ١٥١ - ﴿إِمْلاقٍ:﴾ إعدام وإعسار (٢). و ﴿الْفَواحِشَ:﴾ جميع المعاصي (٣). وقيل: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها:﴾ نكاح المحرّمات والزّنا، ﴿وَما بَطَنَ:﴾ اتّخاذ الأخدان (٤). وقيل: ما ظهر: فعل الجوارح، وما بطن: فعل القلب (٥). ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ:﴾ القصاص قتله الولي وكذلك المرجوم (٦). ١٥٢ - ﴿إِلاّ بِالَّتِي:﴾ بالجهر التي هي (٧) أحوط والخصلة التي هي أحسن (٨). (أشدّ): جمع شدّ (٩)، وأشدّ الرّجل ما بين خمس عشرة إلى ثماني عشرة، أو ثماني عشرة سنة إلى (١٠) أربعين سنة. و ﴿الْكَيْلَ:﴾ اسم لوعاء مقدّر يقدّر به الحبوب (١١). ورفع الجناح فيما يتعذّر حفظه من الحبّات والقراريط في الكيل والوزن (١٢). ﴿وَإِذا قُلْتُمْ:﴾ أي: شهدتم (١٣). (عهد الله): شرائع الإسلام (١٤)، وقيل: اليمين المعقودة (١٥) باسمه.

стр. 629

١٥٣ - ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً:﴾ قال (١١٠ و) ابن عبّاس: هذه الآيات المحكمات التي لم تنسخ في شريعة، وهي أمّ الكتاب؛ لأنّها أمّ (١) التّوراة والإنجيل والقرآن، من أخذ بها أوصلته إلى الجنّة (٢). وقال ابن مسعود ﵁: خطّ رسول الله ﷺ خطّا وخطّ بجنبه الخطوط. . . الخبر (٣). وهو التّمسّك بالكتاب والسّنّة وطريق الفقهاء. ١٥٤ - ﴿ثُمَّ آتَيْنا:﴾ يعني أنزل هذه الآيات على موسى ﵇ أوّلا ثمّ آتاه الكتاب (٤)، أو لتراخي الإخبار كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف:١١] (٥). ﴿عَلَى الَّذِي:﴾ على من (٦) ﴿أَحْسَنَ:﴾ معناه: تتميما على المحسن دينه أو ثوابه أو النّعمة عليه (٧). ١٥٥ - ﴿مُبارَكٌ:﴾ نعت الكتاب (٨). ١٥٦ - ﴿أَنْ تَقُولُوا:﴾ متّصل ب ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ (٩)، أي: لأن تقولوا (١٠). وهذا خطاب لقريش وأمثالهم (١١). ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ:﴾ "اليهود والنّصارى" (١٢). ١٥٧ - ﴿أَهْدى مِنْهُمْ:﴾ من الطائفتين (١٣). ١٥٨ - ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ:﴾ دليل أنّ إتيان الرّبّ صفة له لا يجوز حملها على إتيان الأمر (١٤)، إذ الشّيء لا يعطف على نفسه. (آيات): الآيات الملجئة، كخروج (١٥) دابّة الأرض، وطلوع الشّمس من مغربها، وفتح سدّ

стр. 630

يأجوج ومأجوج (١). ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها [خَيْراً] (٢)﴾: معطوف على قوله: ﴿إِيمانُها،﴾ إذ هو فعل في الحقيقة (٣). والمعنى به: لا ينفع إيمان كافر ولا عمل مؤمن بعد المعاينة (٤). ١٥٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا (٥)﴾ دِينَهُمْ: يتناول اليهود وأرباب الأهواء والمصلين إلاّ المتمسّكين بالكتاب والسّنّة (٦). ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ:﴾ أي: لا يجمعك وإيّاهم شيء من أسباب الموالاة. ثمّ أرجأ أمرهم إلى الله على سبيل التّهديد (٧). ١٦٠ - ﴿أَمْثالِها:﴾ ثوابها (٨). والمماثلة تقع بالحسن وبكونها مرضيّة. ١٦٢ - وإنّما حسن عطف (المحيا والممات) على (الصّلاة والنّسك) لمعنيين (٩): أحدهما: أنّ الإضافة إضافة ملك، فكلّها مملوك الله (١٠) تعالى، مخلوق له، موجود بمشيئته وإنشائه وتسببه. والثّاني: أراد بالمحيا ما يوجد في الحياة من نيّة صالحة وهمّة محمودة، وما (١١) يوجد من التّأهب للموت والاستعداد له. و (المحيا): يجوز أن يكون مصدرا (١٢) كالمركب والمشعر، ويجوز أن يكون اسما كالملبس والمطعم. ١٦٣ - ﴿أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ:﴾ في عصره (١٣). ١٦٥ - ﴿خَلائِفَ:﴾ "جمع خليفة" (١٤).

стр. 631

﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ:﴾ أي (١): في المعيشة، وقيل (٢): في العلم والسّيرة. وإنّما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ؛﴾ لأنّ المخاطب هو رسول الله، يدلّ عليه ما قبله: ﴿قُلْ﴾ [الأنعام:١٦٤]، ثمّ ذكر الأحكام، وقوله: ﴿(إِنَّ رَبَّكَ)﴾ خارج عن ذلك الحكم صادر على أصل الخطاب. والوصف ب ﴿سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ (٣) لا يضادّ الوصف ب (الحليم) (٤)؛ لأنّ السّرعة غير العجلة، يدلّ عليه (٥) أنّ العجلة لا تدع الرّجل أن يمهل من القلق والضّجر، وأمّا السّرعة فلا تمنعه (٦) من الإمهال ولكنّه إذا ابتدأ بالأمر لم يبطئه شيء (٧). والله أعلم.

стр. 632

سورة الأعراف مكّيّة، وعن ابن عبّاس وقتادة إلاّ خمس آيات نزلن (١) بالمدينة، [أوّلها] (٢) قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف:١٦٣]. وهي مئتان وستّ آيات مدني كوفي، وخمس بصري (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿المص:﴾ قال ابن عبّاس (٤): «أنا الله أعلم وأفصّل». ويحتمل أن تكون الصّاد إشارة إلى الفصل، أي: إلى هذا الفصل (٥)، فإنّ السّور (٦) فصول لا محالة. ويحتمل إشارة إلى الصّدق (٧)، أي: (١١٠ ظ) أنا الله أعلم وأصدق، أو الرّسول صادق (٨)، أو الوحي صدق (٩). ٢ - ﴿كِتابٌ:﴾ هذا كتاب (١٠). ﴿حَرَجٌ:﴾ شكّ، عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والسدّي (١١): أي: لا تشكنّ (١٢) في ظهوره وانتشاره، أو في نفسه وعينه. وقال الفرّاء والزّجّاج (١٣): المراد بالحرج (١٤) الخوف، أي: لا تخافنّ من عجزك عن القيام به فإنّك موفّق لتبليغه، أو من ردّهم وإنكارهم فإنّك منصور عليهم. والضّمير في ﴿مِنْهُ﴾ (١٥) عائد إلى الإنذار على سبيل التّقديم والتّأخير (١٦). ﴿وَذِكْرى:﴾ عطف على (كتاب) (١٧). ٤ - ﴿فَجاءَها بَأْسُنا:﴾ الفاء بمعنى الواو، كقولك: أعطيتني فأحسنت (١٨) إليّ. وقيل:

стр. 633

المراد بالإهلاك مشيئة الإهلاك، وبمجيء البأس إمضاء الحكم وإتمامه، فلذلك (١) عقب. وفي قوله: ﴿أَوْ [هُمْ] (٢)﴾ قائِلُونَ: واو مضمرة للحال، أي: وهم قائلون (٣). والقيلولة: النّوم والاستراحة في نصف النّهار، تقول (٤): قلت أقيل قائلة وقيلولة (٥). ٥ - ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ:﴾ قولهم وكلامهم الذي يكرّرونه (٦) ويتّخذونه عادة، كما في قوله: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ [يونس:١٠]. وإنّما ذكر دعواهم ليعلموا (٧) أنّ عاقبة أمرهم النّدامة والاعتراف. ٦ - ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ:﴾ فيعمي (٨) الأنباء عليهم ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص:٦٦]، وأمّا المرسلون فيقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ (٩)﴾ الْغُيُوبِ [المائدة:١٠٩]. ٧ - (الغيبة): الزّوال عن مكان (١٠). ٨ - والموازنة (١١) والوزن: تسوية الحساب ومقابلة الحسنة بالحسنة والسّيّئة بالسّيّئة، كوزن (١٢) الشّعر، عن قتادة ومجاهد والضّحّاك والأعمش. وفي الحديث أنّ العبد المؤمن يؤتى بتسع وتسعين سجلا (١٣)، كلّ واحد منها مدّ البصر، فيها خطاياه وذنوبه، فتوضع في كفّة الميزان، ثمّ يخرج له بطاقة من تحت العرش بمقدار الأنملة فيها شهادة أن لا إله إلاّ الله، فتوضع (١٤) في كفّة أخرى فيقول: يا ربّ ما تزن (١٥) هذه البطاقة مع هذه (١٦) الصّحف؟ فطاشت الصّحف

стр. 634

ورجحت البطاقة (١). فيه دليل على أنّ الموزون هو الدّواوين ونسخ الأعمال، هكذا روي عن ابن عمر (٢)، ومن فحوى ظاهر قوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان:٢٣] أنّ الأعمال تعاد وتقلب جواهر للوزن (٣). وقوله ﷺ : (ترى الرّجل (٤) الطّويل العظيم الأكول الشّروب لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة) يدلّ على وزن أجسام العاملين، ولا تنافي بين هذه الأقاويل لإمكان الجمع بين أن يحاسب العبد ثمّ يوزن بدواوينه ثمّ توزن أعماله ثمّ يوزن نفسه، كما يبتلى في الدّنيا مرّة بعد مرّة، وكذلك في القبر (٥) والقيامة. ﴿الْحَقُّ:﴾ «العدل» (٦). ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ:﴾ بالخير. ﴿مَوازِينُهُ:﴾ جمع الميزان، إمّا لوزن (٧) كلّ جنس من عمله على حدة فيصير الميزان موازين (٨) في حقّه، وإمّا لاعتبار طريقة العرب أنّهم يجمعون الشّيء بأجزائه (٩). ١٠ - ﴿مَعايِشَ:﴾ جمع معيشة، وهي ما يعاش (١٠) به من القوت. والعيش امتداد الحياة. ١١ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ:﴾ يعني خلق الطّينة (١١). ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ:﴾ يعني تصوير النّفس الجامعة لصور النّاس وهو نفس آدم ﵇ (١٢). وقيل: (ثمّ) (١٣) لترادف الأخبار دون الأشياء المخبر عنها. و (التّصوير): إمالة الأشكال (١٤).

стр. 635

١٢ - ﴿قالَ﴾ الله: ﴿ما مَنَعَكَ:﴾ حبسك، ﴿أَلاّ تَسْجُدَ:﴾ (١١١ و) أي: عن أن تسجد (١)، ويحتمل: ما حملك على أن لا تسجد (٢). ١١ - ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (٣): أي: لم يسجد، وقيل: لم يكن من جنس السّاجدين؛ لأنّه أدخل في جملة المخاطبين على طريق التّبع لكونه دخيلا ملحقا (٤). ١٣ - ﴿قالَ (٥)﴾ فَاهْبِطْ مِنْها: من وجه الزجر (٦) ونشزاتها (٧) إلى المستنقعات من السّواحل والجزائر (٨)، وعن مقاتل: من الجنّة (٩)، وعن مجاهد: من السّماء (١٠)، وعن أبي روق: من صورته؛ لأنّه مسخ لافتخاره بنفسه (١١)، وليس لأحد أن يتكبّر في مواضع الملائكة ولا في سلطان غيره وفعل غيره. ١٤ - ﴿قالَ أَنْظِرْنِي:﴾ أجّلني وأمهلني، قال على وجه المكايدة وإرادة لتأخير العقوبة، فأمهله الله تعالى استدراجا ليزداد إثما فيزاد (١٢) عقوبة. وقيل: ظنّ اللّعين أنّه إن أمهل إلى ذلك الوقت أمهل عن الإماتة وسلم عن ذوق الموت من حيث إنّه يوم حياة لا يوم موت، فآيسه الله تعالى وأبهم الإنطاق (١٣). وقيل: أجابه إثابة له على (١٤) عبادته المتقدّمة لئلاّ يبقى له في الآخرة إلاّ النّار. ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي:﴾ فبإغوائك إيّاي، والباء للقسم والسّبب، أو المقارنة (١٥). و (الإغواء): الإضلال، عن ابن عبّاس (١٦).
следующие страницы →