← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ:﴾ أي (١): في المعيشة، وقيل (٢): في العلم والسّيرة. وإنّما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ؛﴾ لأنّ المخاطب هو رسول الله، يدلّ عليه ما قبله: ﴿قُلْ﴾ [الأنعام:١٦٤]، ثمّ ذكر الأحكام، وقوله: ﴿(إِنَّ رَبَّكَ)﴾ خارج عن ذلك الحكم صادر على أصل الخطاب. والوصف ب ﴿سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ (٣) لا يضادّ الوصف ب (الحليم) (٤)؛ لأنّ السّرعة غير العجلة، يدلّ عليه (٥) أنّ العجلة لا تدع الرّجل أن يمهل من القلق والضّجر، وأمّا السّرعة فلا تمنعه (٦) من الإمهال ولكنّه إذا ابتدأ بالأمر لم يبطئه شيء (٧). والله أعلم.

стр. 632

سورة الأعراف مكّيّة، وعن ابن عبّاس وقتادة إلاّ خمس آيات نزلن (١) بالمدينة، [أوّلها] (٢) قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف:١٦٣]. وهي مئتان وستّ آيات مدني كوفي، وخمس بصري (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿المص:﴾ قال ابن عبّاس (٤): «أنا الله أعلم وأفصّل». ويحتمل أن تكون الصّاد إشارة إلى الفصل، أي: إلى هذا الفصل (٥)، فإنّ السّور (٦) فصول لا محالة. ويحتمل إشارة إلى الصّدق (٧)، أي: (١١٠ ظ) أنا الله أعلم وأصدق، أو الرّسول صادق (٨)، أو الوحي صدق (٩). ٢ - ﴿كِتابٌ:﴾ هذا كتاب (١٠). ﴿حَرَجٌ:﴾ شكّ، عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والسدّي (١١): أي: لا تشكنّ (١٢) في ظهوره وانتشاره، أو في نفسه وعينه. وقال الفرّاء والزّجّاج (١٣): المراد بالحرج (١٤) الخوف، أي: لا تخافنّ من عجزك عن القيام به فإنّك موفّق لتبليغه، أو من ردّهم وإنكارهم فإنّك منصور عليهم. والضّمير في ﴿مِنْهُ﴾ (١٥) عائد إلى الإنذار على سبيل التّقديم والتّأخير (١٦). ﴿وَذِكْرى:﴾ عطف على (كتاب) (١٧). ٤ - ﴿فَجاءَها بَأْسُنا:﴾ الفاء بمعنى الواو، كقولك: أعطيتني فأحسنت (١٨) إليّ. وقيل:

стр. 633

المراد بالإهلاك مشيئة الإهلاك، وبمجيء البأس إمضاء الحكم وإتمامه، فلذلك (١) عقب. وفي قوله: ﴿أَوْ [هُمْ] (٢)﴾ قائِلُونَ: واو مضمرة للحال، أي: وهم قائلون (٣). والقيلولة: النّوم والاستراحة في نصف النّهار، تقول (٤): قلت أقيل قائلة وقيلولة (٥). ٥ - ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ:﴾ قولهم وكلامهم الذي يكرّرونه (٦) ويتّخذونه عادة، كما في قوله: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ [يونس:١٠]. وإنّما ذكر دعواهم ليعلموا (٧) أنّ عاقبة أمرهم النّدامة والاعتراف. ٦ - ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ:﴾ فيعمي (٨) الأنباء عليهم ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص:٦٦]، وأمّا المرسلون فيقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ (٩)﴾ الْغُيُوبِ [المائدة:١٠٩]. ٧ - (الغيبة): الزّوال عن مكان (١٠). ٨ - والموازنة (١١) والوزن: تسوية الحساب ومقابلة الحسنة بالحسنة والسّيّئة بالسّيّئة، كوزن (١٢) الشّعر، عن قتادة ومجاهد والضّحّاك والأعمش. وفي الحديث أنّ العبد المؤمن يؤتى بتسع وتسعين سجلا (١٣)، كلّ واحد منها مدّ البصر، فيها خطاياه وذنوبه، فتوضع في كفّة الميزان، ثمّ يخرج له بطاقة من تحت العرش بمقدار الأنملة فيها شهادة أن لا إله إلاّ الله، فتوضع (١٤) في كفّة أخرى فيقول: يا ربّ ما تزن (١٥) هذه البطاقة مع هذه (١٦) الصّحف؟ فطاشت الصّحف

стр. 634

ورجحت البطاقة (١). فيه دليل على أنّ الموزون هو الدّواوين ونسخ الأعمال، هكذا روي عن ابن عمر (٢)، ومن فحوى ظاهر قوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان:٢٣] أنّ الأعمال تعاد وتقلب جواهر للوزن (٣). وقوله ﷺ : (ترى الرّجل (٤) الطّويل العظيم الأكول الشّروب لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة) يدلّ على وزن أجسام العاملين، ولا تنافي بين هذه الأقاويل لإمكان الجمع بين أن يحاسب العبد ثمّ يوزن بدواوينه ثمّ توزن أعماله ثمّ يوزن نفسه، كما يبتلى في الدّنيا مرّة بعد مرّة، وكذلك في القبر (٥) والقيامة. ﴿الْحَقُّ:﴾ «العدل» (٦). ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ:﴾ بالخير. ﴿مَوازِينُهُ:﴾ جمع الميزان، إمّا لوزن (٧) كلّ جنس من عمله على حدة فيصير الميزان موازين (٨) في حقّه، وإمّا لاعتبار طريقة العرب أنّهم يجمعون الشّيء بأجزائه (٩). ١٠ - ﴿مَعايِشَ:﴾ جمع معيشة، وهي ما يعاش (١٠) به من القوت. والعيش امتداد الحياة. ١١ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ:﴾ يعني خلق الطّينة (١١). ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ:﴾ يعني تصوير النّفس الجامعة لصور النّاس وهو نفس آدم ﵇ (١٢). وقيل: (ثمّ) (١٣) لترادف الأخبار دون الأشياء المخبر عنها. و (التّصوير): إمالة الأشكال (١٤).

стр. 635

١٢ - ﴿قالَ﴾ الله: ﴿ما مَنَعَكَ:﴾ حبسك، ﴿أَلاّ تَسْجُدَ:﴾ (١١١ و) أي: عن أن تسجد (١)، ويحتمل: ما حملك على أن لا تسجد (٢). ١١ - ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (٣): أي: لم يسجد، وقيل: لم يكن من جنس السّاجدين؛ لأنّه أدخل في جملة المخاطبين على طريق التّبع لكونه دخيلا ملحقا (٤). ١٣ - ﴿قالَ (٥)﴾ فَاهْبِطْ مِنْها: من وجه الزجر (٦) ونشزاتها (٧) إلى المستنقعات من السّواحل والجزائر (٨)، وعن مقاتل: من الجنّة (٩)، وعن مجاهد: من السّماء (١٠)، وعن أبي روق: من صورته؛ لأنّه مسخ لافتخاره بنفسه (١١)، وليس لأحد أن يتكبّر في مواضع الملائكة ولا في سلطان غيره وفعل غيره. ١٤ - ﴿قالَ أَنْظِرْنِي:﴾ أجّلني وأمهلني، قال على وجه المكايدة وإرادة لتأخير العقوبة، فأمهله الله تعالى استدراجا ليزداد إثما فيزاد (١٢) عقوبة. وقيل: ظنّ اللّعين أنّه إن أمهل إلى ذلك الوقت أمهل عن الإماتة وسلم عن ذوق الموت من حيث إنّه يوم حياة لا يوم موت، فآيسه الله تعالى وأبهم الإنطاق (١٣). وقيل: أجابه إثابة له على (١٤) عبادته المتقدّمة لئلاّ يبقى له في الآخرة إلاّ النّار. ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي:﴾ فبإغوائك إيّاي، والباء للقسم والسّبب، أو المقارنة (١٥). و (الإغواء): الإضلال، عن ابن عبّاس (١٦).

стр. 636

﴿لَأَقْعُدَنَّ:﴾ جواب قسم (١)، ومعناه إعراضه عن شرائع الإسلام وسبيل الحقّ ليوسوس ويصدّ ويزلّ ويضلّ (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التّوبة:٥]، أي: في كلّ مرصد (٣). ١٧ - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ:﴾ الآخرة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ الدّنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ:﴾ الدّين، ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ:﴾ الشّهوات (٤). ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ:﴾ ظنّا منه بالعسرى التي جعلها الله تعالى من موهومه وخلقه لها ويسّرها (٥) عليه. ١٨ - ﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها:﴾ يحتمل على سبيل التّكرار (٦)، ويحتمل خروج عن معنى آخر (٧). ﴿مَذْؤُماً:﴾ معيوبا (٨)، ﴿مَدْحُوراً:﴾ مطرودا مبعدا (٩). ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ:﴾ والله لمن تبعك، وجوابه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ (١٠). ٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا:﴾ صوّت لهما. ووسوس إليه، أي: ألقى إليه صوتا خفيّا (١١). واللام (١٢) في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ لام (كي). واختلفوا في مواراة سوآتهما، قيل: كانت بالحليّ والحلل، فطارت عنهما بالمعصية. وعن (١٣)

стр. 637

وهب أنّها كانت بنور يغشي العيون ويمنع عن الإدراك (١)، فلمّا عصيا ذهب النّور. وذكر القتبيّ (٢) أنّها كانت بجهلهما سوآتهما، فلمّا أكلا من شجرة العلم علما أنّهما عريانان فتواريا في الأشجار. ﴿أَنْ تَكُونا:﴾ كراهة أن تكونا، عند البصريّين (٣)، ولئلاّ تكونا، عند الكوفيّين (٤). ٢١ - ﴿وَقاسَمَهُما:﴾ أقسم وحلف لهما باسم الله تعالى (٥). و (النّصح): ضدّ الخيانة (٦). ٢٢ - ﴿فَدَلاّهُما:﴾ قربهما، من قوله: ﴿فَتَدَلّى﴾ [النّجم:٨]، عن أبي الهيثم (٧). وقيل: جرّأهما، من الدّلّ والدّالّة، فصيّرت إحدى اللامات ياء (٨). وقيل: «دلاهما من الجنّة إلى الأرض» (٩). ﴿وَطَفِقا:﴾ «أخذا في الفعل» (١٠). ﴿يَخْصِفانِ:﴾ يضمّان ويجمعان، إطباق طاق على طاق، ومنه خصف النّعل (١١). روي أنّ الأشجار كلّها امتنعت ولم تمكّنهما من أخذ الورق إلاّ شجرة التّين (١٢). وفي الآية دلالة على وجوب (١٣) الفعل بالعقل، قيل: لمّا خاطب الله تعالى آدم بقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما،﴾ قال: بلى يا ربّ ولكنّي لم أعلم أنّ أحدا يحلف (١١١ ظ) بك كاذبا (١٤). ٢٣ - ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا:﴾ لمّا اعترفا بقبح أفعالهما وتعرّضا للمغفرة، واعتقدا الخسران إن لم يغفر الله لهما، وسكتا عن الاحتجاج بالمشيئة والتّقدير استوجبا المغفرة في حكم الله تعالى (١٥).

стр. 638

٢٥ - ﴿قالَ فِيها:﴾ «أي: في الأرض ﴿تَحْيَوْنَ»﴾ (١). ٢٦ - ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ:﴾ لمّا ذكر الله تعالى قصّة آدم ﵇، كيف بدت سوأته، وكيف طفق [يخصف] (٢) عليه من ورق الجنّة ذكر منّته الجسيمة على بنيه في رزق (٣) اللّباس ليشكروه على ذلك، وليستنّوا بسنّة أبيهم في ستر العورة (٤). وإنّما قال: (أنزلنا)؛ لأنّ تركيب (٥) النّبات والحيوان من الأصول الأربعة، فالثّلاثة منها منزلة في المشاهدة: الحرارة والماء والرّيح (٦)، أو لمكان التّقدير والكتابة في اللّوح المحفوظ وذلك في السّماء وإن كانت الأعيان في الأرض، نظيره قوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذّاريات:٢٢] (٧)، أو لمكان الإلهام بالنسج والاكتساء، والإلهام يجيء مجيء الروح وذلك من فوق (٨)، أو لتفخيم شأن الإعطاء (٩)، ولذلك سمّيت يد المعطي اليد العليا ويد السّائل اليد السّفلى. ف (اللّباس): كالمئزر الثّخين (١٠). و (الرّيش): هو لباس الرّفاهية والتّجمّل (١١)، ومنه سمّي الحارث الرائش (١٢) رائشا وهو من ملوك حمير (١٣). ﴿وَلِباسُ التَّقْوى:﴾ الريش؛ لأنّ الإنسان يتعفّف به ليحسب غنيّا، وقيل: ما يستر مواضع الشّهوة سوى السّوأة (١٤)، وقيل: ثياب (١٥) التّواضع كالصّوف والفرو (١٦)، وقيل: الحياء الذي هو من الفطرة (١٧)، وعن ابن عبّاس العمل الصّالح (١٨)، وعنه السّمت الحسن (١٩)، وعن

стр. 639

قتادة والسدّي الإيمان (١)، وعن الكلبيّ العفاف والتّوحيد (٢)، وعن زيد بن عليّ الدّرع وسائر ما يتّقى به في الحرب (٣)، وعن عروة بن الزّبير قول الرّجل: حسبنا الله ونعم الوكيل (٤). والخطاب في قوله: ﴿ذلِكَ﴾ راجع إلى النّبيّ ﷺ بدليل ضمير الجماعة في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ.﴾ ٢٧ - ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما:﴾ للحال، أو مستقبل بمعنى الماضي (٥). وإبليس لم يفعل ولكن أسند الفعل إليه لحصوله بسببه، كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً [مِنَ النّاسِ]﴾ (٦) [إبراهيم:٣٦]. والنزع كالسّلخ (٧). ﴿وَقَبِيلُهُ:﴾ حزبه وجماعته (٨). وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ﴾ يقتضي كونهم متستّرين (٩) عنّا بشيء لو لم يتستّروا لرأيناهم، قال ﷺ : (من احتاج إلى كشف عورته فقال: بسم الله ما شاء الله (١٠) لا قوّة إلاّ بالله، كان سترا بينه وبين الجنّ) (١١). ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ:﴾ قيّضناهم قرناء (١٢). ٢٨ - ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً:﴾ وهو تقديمهم (١٣) عند الطّواف، وقيل (١٤): هو عامّ. ﴿قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا:﴾ على وجه الاحتجاج إذا ناظرهم مؤمن وبيّن لهم قبحها (١٥)، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ دليل أنّها موجودة قبل الشّريعة، وهي

стр. 640

ما جبل الطّبائع على ردّها وذمّها كالظّلم والكذب والغدر والتخنث (١) ونحوها، لم يوجبها الله تعالى في كتاب ولا لسان نبيّ ولا ندب إليها ولا أباح. ٢٩ - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ:﴾ فيه دليل أنّ القسط موجود قبل الشّريعة وإلاّ لما صحّ الأمر به، وهو العدل الذي يتعادل به العقلاء (٢). (١١٢ و) ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ:﴾ أي: أخلصوا عزائمكم ونيّاتكم وليكن كلّ واحد منكم ذا (٣) وجه واحد ولا يكوننّ (٤) ذا وجهين منافقا مرائيا ولا يكوننّ معرضا. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ:﴾ في كلّ متعبّد (٥). ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ:﴾ تشبيه العود بالبدء (٦) من حيث التّقليب والتّركيب والإحياء والإنطاق، وعن ابن عبّاس أنّ التّشبيه لكونهم حفاة عراة غرلا بهما (٧). وإنّما لم يقل: يعيدكم، لاعتبار نظم رؤوس الآي عند الكوفيّين، ولاعتبار سائر الأفعال المسندة إليهم عند الباقين. ٣٠ - ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ:﴾ أي: ثبت وظهر وتحقّق، تقول: حقّت الخيانة على فلان، أي: ظهرت (٨). وإنّما قال: ﴿هَدى،﴾ ولم يقل: أضلّ؛ لأنّ الله متّصف بالهداية من جميع الوجوه، غير متّصف بالإضلال (٩) من جميع الوجوه. ٣١ - ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ:﴾ أمر بستر العورة عند الطّواف والصّلاة، عن ابن عبّاس وعطاء ومجاهد (١٠). ويجوز أن يكون حكم التّرجيل والتّطيّب ولبس الجديد والألبسة الحسنة في الجمع والأعياد مأخوذا منها على وجه الاستحباب (١١). وكان المشركون قد سوّل لهم الشّيطان أن لا يطوفوا في ثياب يبتدلون (١٢) فيها ويقولوا:

стр. 641

لا نطوف في ثوب عصينا الله فيه، فالغنيّ منهم قد أعدّ لطوافه ثوبا، والمتوسّط كان يكتري، والفقير كان يطوف عريانا، وربّما لا يكرون للمرأة الحسناء ثوبا (١) لتطوف عريانة فينظروا إلى عورتها، حتى طافت واحدة وقالت (٢): [من الرّجز] البدن (٣) ... يبدو بعضه أو كلّه فما بدا منه فلا أحلّه فبيّن الله أنّه من تسويل الشّيطان، وأنّه فاحشة كحكم البحيرة والسّائبة، فأمر بستر العورة واستحلال لحوم حرّموها واستباحة ألبان حظروا عنها، ونهى عن مجاوزة الحدّ المعتاد في الأكل والشّرب واللبس حتى يصير شهرة في النّاس. ٣٢ - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ:﴾ ما كانت الكفّار يحرّمونه على أنفسهم ممّا (٤) سبق ذكره، وكانت الحمس (٥) إذا أحرمت لم تتدسم بلحم ولا سمن ولا أقط، فنفى الله تعالى أن يكون ذلك حكمه (٦). ٣٣ - ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ:﴾ أحكامهم وشرائعهم المبتدعة (٧). ﴿وَالْإِثْمَ:﴾ ما اعترفوا بأنّه منكر (٨)، وقيل (٩): هو الخمر، قال الشّاعر (١٠): [من الوافر] شربت الإثم حتى ضلّ عقلي ... كذاك (١١) الإثم يذهب بالعقول ﴿وَالْبَغْيَ:﴾ استطالة بعضهم على بعض (١٢). ولم يدخل في جملة الفواحش؛ لأنّهم لم يكونوا يستبيحونه، ولم يدخل في الإثم؛ لأنّهم (١٣) كانوا يفتخرون به ولا يقطعون الحكم بأنّه منكر. وقيل (١٤): الإثم والبغي (١٥) دخلا في الفواحش، وإنّما خصّهما لتعظيم شأنهما.

стр. 642

وإنّما وصف البغي ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ؛﴾ لأنّ ظاهر الجهاد يتصوّر بغيا وهو بالحقّ لمكان الدّعوة إلى الإسلام بإذن الله (١). ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ:﴾ حرّم عليكم أن تشركوا به شيئا ما، وأيّ شيء فإنّ الله (٢) ﴿لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً.﴾ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ:﴾ أي: أن تكذبوا على الله بأن تجعلوا الفواحش من أحكامه (٣). ٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ:﴾ أجل الموت (٤)، وعن مقاتل أجل العذاب (١١٢ ظ) والإهلاك (٥)، وهي خاصّة على هذا القول. اتّصال الآية بما قبلها من حيث التّهديد والإنذار بمجيء الأجل (٦) ودفعه لكي يبادروه إلى ما فيه الفلاح والنّجاة. و (الاستقدام): التّقدّم إلى الأجل عند دنوّه، و (الاستئخار): التّأخّر (٧) والتّباعد عنه وهو غير ممكن (٨). ٣٥ - ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي:﴾ العهد المأخوذ (٩) على آدم وبنيه. وهو عطف على قوله: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، وفصل ستر العورة وغيره كالعارض في الكلام. ٣٧ - ﴿أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ:﴾ ما وعدوا من خير أو شرّ، عن ابن عبّاس (١٠). فإنّ كان المراد به في الدّنيا فجرت الغاية في موضعه، وإن كان المراد به في الآخرة فهو عارض. وعن الرّبيع وابن زيد نصيبهم العمر والرّزق (١١). وعن مجاهد أعمال لم يعملوها بعد، لا شكّ أنّهم يعملونها (١٢)، أي: على قضيّة العلم والمشيئة والتّقدير.

стр. 643

﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُنا:﴾ الملائكة (١). ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ:﴾ قيل (٢): عن الدّنيا إلى الآخرة، وقيل (٣): عن عرصة القيامة إلى النّار. ٣٨ - ﴿قالَ:﴾ الله تعالى، ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ،﴾ أي: في عدادهم (٤). و (الأخوّة) بين الاثنين في الدّين (٥)، أو من حيث اجتماعهما في النّار. ﴿حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا:﴾ «أي: تداركوا وتلاحقوا» (٦). ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا:﴾ سنّوا لنا السّنن السّيّئة (٧) وأسّسوا قاعدة الضّلال. ﴿عَذاباً ضِعْفاً:﴾ مضاعفا (٨). ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ:﴾ عذاب مضاعف (٩)، قيل: هم الأوّلون دون الآخرين، ﴿وَلكِنْ (١٠)﴾ لا تَعْلَمُونَ: ذلك ليجادلوا الآخرين، فتكون (١١) مجادلتهم نوع مشقّة وحزن وعذاب. وقيل (١٢): هم الأوّلون والآخرون؛ لأنّ لكلّ أمّة استئناف الضّلالة وتأويل الفاسدة والرّضا بأن تكون بدعتها سنّة لمن بعدها. ٣٩ - ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ:﴾ مجادلة (١٣) منهم عن القول الأوّل. ﴿فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ:﴾ ليس لكم عذر تتفضّلون به علينا فإنّكم دخلتم في الضّلالة مختارين كما دخلنا من غير إكراه وإجبار (١٤). وكلامهم هذا اتباع لقول [البعض] (١٥): لكلّ أمّة ضعف، على القول الثّاني.

стр. 644

٤٠ - ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ:﴾ لا ترفع أرواحهم إلى علّيّين ولا أعمالهم إذ ليس لهم كلام طيّب ولا عمل صالح (١)، وقيل (٢): لا يبارك عليهم فإنّ البركات تنزل من السّماء، وقيل (٣): لا يرحمون. ﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ:﴾ وهو من الإبل كالرّجل من النّاس (٤). ﴿فِي سَمِّ الْخِياطِ:﴾ ثقب (٥) الإبرة وخرطها. وفي مصحف ابن عبّاس: (الجمّل) بضمّ الجيم وتشديد الميم (٦)، وهو حبل السّفينة (٧)، وفي مصحف ابن مسعود: (في سم المخيط) وهو كالإزار والمئزر (٨). وولوج الجمل في سمّ الخياط غير متصوّر إلاّ بتقليب أحدهما وتغيير (٩) التّركيب وحينئذ لا يبقى الاسم، وهي غاية الإياس (١٠)، كقول الشّاعر (١١): [من الوافر] إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار (١٢) كاللّبن الحليب ٤١ - ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ:﴾ «جمع غاشية» (١٣). ٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها:﴾ فائدة العارض (١٤) بين المبتدأ والخبر هو الأمن من التّكليف بما فوق الطّاقة من الأعمال الصّالحات ووقوف الثّواب عليه (١٥).

стр. 645

٤٣ - ﴿مِنْ غِلٍّ:﴾ تفسير لما في (١) صدورهم. والغلّ: الدّخلة والضّغن (٢) والحقد. (١١٣ و) والمراد بالهداية ما وعد الله المؤمنين بقوله: ﴿يَوْمَ (٣)﴾ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الحديد:١٢]، وقيل: الوحي الكتاب؛ لأنّ الإيمان قبل الدّعوة لا يوجب الجنّة وإن كان في نفسه مسقطا للعقاب. والمراد بالرّسل الذين يدخلونهم الجنّة يومئذ. ﴿وَنُودُوا:﴾ أي: ناداهم الله، أو نادتهم الملائكة (٤)، أو أصحاب الأعراف عند رفعهم أصواتهم بالتّحميد. ٤٤ - ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا:﴾ المراد بالوعد في حقّ أهل النّار الوعيد، وإنّما وقعت العبارة عنه بالوعد لازدواج الكلام، كقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩]. ويحتمل أنّ المراد بالوعد في حقّ الفريقين جميعا هو البعث بعد الموت، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النّحل:٣٨]. وفائدة السّؤال التّقريع والتّبكيت (٥). ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ:﴾ «أعلم معلم» (٦)، وهو جبريل (٧)، عن ابن عبّاس. ﴿أَنْ:﴾ أي: بأن ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾ (٨). ٤٥ - ثمّ وصف الظّالمين في الحياة الدّنيا (٩). ٤٦ - ﴿وَبَيْنَهُما:﴾ «أي: بين الجنّة والنّار» (١٠). ﴿حِجابٌ:﴾ حاجز وحائل، وهو السّور الذي ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ﴾

стр. 646

﴿الْعَذابُ﴾ [الحديد:١٣]، وهو العذاب (١). وأعراف الرّمال أشرافها، وواحد الأعراف عرف، ومنه عرف الدّيك (٢). ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ:﴾ الذين استوت حسناتهم وسيّئاتهم، عن ابن عبّاس وابن مسعود وحذيفة (٣). وسئل ﷺ عنهم فقال: (هم الذين قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم) (٤). وعن مجاهد الذين رضي (٥) عنهم أحد الأبوين دون الآخر (٦). وروي عن ابن عبّاس ولد الزّنا (٧)، وقيل (٨): أطفال المشركين. والضّمير في قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [عائد على] (٩) أصحاب الأعراف. وقال عليّ ﵁: نحن الأعراف، يعني بني هاشم، نعرف كلاّ بسيماهم (١٠)، كأنّ الضّمير على تأويل عليّ (١١) [عائد على] أصحاب الجنّة (١٢)، ويجوز إطلاق أصحاب الجنّة قبل الدّخول فيها. ٤٧ - ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ:﴾ أبصار أهل الأعراف (١٣)، وأصحاب الجنّة على قضيّة تأويل عليّ (١٤). ﴿تِلْقاءَ:﴾ الشّيء: تجاهه (١٥). ﴿قالُوا (١٦)﴾ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا: على قضيّة الرّوايات، يدلّ أنّ أصحاب الأعراف مرجون لأمر الله تعالى ويخافون دخول النّار، وعلى تأويل عليّ: قال أصحاب الجنّة عند المرور على الصّراط قبل دخول الجنّة.

стр. 647

٤٨ - ﴿رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ (١)﴾ بِسِيماهُمْ: مثل أبي جهل والوليد وشيبة وعتبة، يقول لهم (٢) أصحاب الأعراف على وجه اللّوم والتّقريع (٣). ٤٩ - ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ:﴾ مثل بلال وصهيب وسلمان والمقداد وغيرهم، كانت قريش تستبعد وجه فلاحهم (٤) وتنكر دخولهم الجنّة. ﴿لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ:﴾ لا تنالهم (٥) رحمة. ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ:﴾ قيل لأصحاب الجنّة على سبيل الرّضا بدخولهم الجنّة (٦) عند دخولهم، وهو شبيه بالدّعاء، كما تقول للآكل: كل (٧) هنيئا، وللشّارب: أساغك الله. وقيل: القول مضمر، وتقديره: قيل لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنّة بشفاعته (٨). وقال ابن عبّاس: أصحاب الأعراف قوم ينتهى بهم إلى نهر يقال له الحيوان (٩)، جانباه (١١٣ ظ) قضب الذّهب مكلّل بالدّرّ، فيغتسلون فيه ويخرجون وفي نحورهم شامة، فيعودون فيغتسلون فيزدادون (١٠) بياضا وحسنا، فيقال لهم: تمنّوا، فيتمنّون ما شاؤوا، فيقال لهم: لكم سبعون ضعفا، فهم مساكين أهل الجنّة (١١). وعلى قضيّة تأويل عليّ هذا القول قول أصحاب الأعراف لأصحاب (١٢) الجنّة قبل دخول الجنّة. ٥٠ - ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ (١٣)﴾ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ: من الأشربة والطّعام (١٤). وإنّما استعمل الإفاضة على الجميع وإن كان فيه ما لا يتصوّر إفاضته على سبيل

стр. 648

الإتباع (١)، كقوله: ﴿أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ [البقرة:٢٤٦]، وقال الشّافعيّ (٢): [من الوافر] إذا ما الغانيات برزن (٣) ... يوما وزجّجن الحواجب والعيونا وإنّما لم يقولوا: لا نفيض؛ لأنّ فيه شمّة بخل ولكنّهم ذكروا وجه المنع وعلّته. ٥١ - ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ:﴾ من كلام الله، منسوق على قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف:٣٦ و ٤٠] في أوّل الفصل. ٥٢ - ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ:﴾ أي (٤): أتيناهم. ﴿فَصَّلْناهُ:﴾ عالمين به وبمعانيه (٥)، ومجازه: فصّلناه على غير جهل ولا على جهل. ﴿هُدىً وَرَحْمَةً:﴾ يجوز أن يكون مفعولا له من فعل المجيء (٦)، وأن يكون حالا للضّمير في (فصّلناه) (٧). ٥٣ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ:﴾ والمراد بالتّأويل مآل ما تشابه (٨) من الوعيد وعاقبته وبيانه، كقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ [الفرقان:٧٧]، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠) [الدّخان:١٠]. ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ:﴾ فيه (٩) معنى الطّلب والإرادة، ومثله قوله (١٠): ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصّافّات:٥٤]. ويحتمل أنّه بمعنى (١١) النّفي، كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [البقرة:٢١٠]، ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ﴾ [فاطر:٣].

стр. 649

﴿فَيَشْفَعُوا لَنا:﴾ جواب الاستفهام بالفاء (١). ﴿أَوْ نُرَدُّ:﴾ «أو هل نردّ» (٢). وإنّما خسروا أنفسهم لكونها رهينة بما كسبت. ٥٤ - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ:﴾ فصل في دلائل الرّبوبيّة ترتّب على فصل الوعد والوعيد ليكون أنجع (٣) في القلوب، وكذلك هو في أوّل سورة البقرة. و ﴿السَّماواتِ:﴾ إنّما لم يجمع سماءات؛ لأنّ الهمزة في وحدانها (٤) غير أصليّة، وهي واو انقلبت (٥) همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة (٦). ﴿سِتَّةِ:﴾ اسم عدد الثّلاث مرّتين، أصله: سدسة (٧). والمراد به الأيّام العقباويّة، كلّ يوم ألف سنة من سني الدّنيا (٨)، يدلّ عليه ما يروى من خلق آدم ﵇ ودخوله في الجنّة وخروجه منها وبكائه على خطيئته وقبول توبته، كلّ ذلك في آخر يوم الجمعة، وقيل: والجمعة الثّانية يوم القيامة. والحكمة في الخلق على المهلة مع كونه مقدورا في أقلّ من لحظة هو (٩) التّنبيه على حسن الوقار. وقوله: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يدلّ [على] (١٠) أنّ العرش لم يكن مستوى عليه في هذه الأيّام السّتّة مع كونه موجودا من قبل لقوله: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود:٧]. وهذا الكلام يفيد كون العرش آية على الرّبوبيّة يوجب العلم لمن (١١) شاهده من غير استدلال، فإنّ العيون تتّجه إليه عند رؤية من تعالى عن الجهات، وإنّ الأسماع تصغي إليه عند استماع كلام من تعالى عن المخارج واللهاة (١٢).

стр. 650

وهو سرير كما شاء الله فوق السّموات السّبع، وهو سقف الفردوس فيما يروى (١). ولقد سأل (١١٤ و) إسرافيل ﵇ الرفيع عن عرش ربّ العزّة قال: سألت الروح (٢) عن عرش ربّ العزّة قال: سألت القلم (٣) عن عرش ربّ العزّة قال: إنّ للعرش (٤) ثلاث مئة وستّين ألف قائمة، كلّ قائمة من قوائمه مثل الدّنيا ستّين ألف مرّة، تحت كلّ قائمة ستّون (٥) ألف مدينة، في كلّ مدينة ستّون ألف صحراء، في كلّ صحراء ستّون ألف عالم، في كلّ عالم (٦) مثل الثّقلين الجنّ والإنس ستّين (٧) ألف مرّة لا يعلمون أنّ الله تعالى خلق آدم ولا إبليس، ألهمهم الله تعالى أن يستغفروا لأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ومحبّيهم، ومصداق هذا الحديث قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التّوبة:١٢٩]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ:﴾ يكسو (٨) ظلمة اللّيل نور النّهار ويسترها به، والنّور هو المشبه باللّباس؛ لأنّه عارض طارئ والظّلمة هي (٩) الأصل. ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثاً:﴾ صفة النّهار على سبيل التّشبيه أيضا، أي (١٠): كأنّه طالب اللّيل مسرعا في أثره (١١). والطّلب لا محالة قبل التغشية (١٢) فهو الإصباح وهو طلوع الشّمس. و (التّسخير): تصريف الشّيء لا على (١٣) اختياره. ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ:﴾ الفعل والقول، ليس الخلق بأمر ولا الأمر بخلق (١٤). ٥٦ - ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها:﴾ الهاء عائدة إلى الأرض.

стр. 651

وإصلاحها وضع الميزان فيها وإنزال الكتب (١) إلى أهلها. و (الخوف) من قضيّة (٢) الهيبة، و (الطّمع) من قضيّة حسن الظّنّ، فالله (٣) تعالى عزيز لا يوازيه عزيز، كريم لا يضاهيه كريم (٤)، ليس يعرفه من لا يهابه خائفا ولا يحسن الظّنّ به راجيا، كما لا يعرف السّرور من لا يرضاه، ولا يعرف الحزن من لا يكرهه (٥). وإنّما قال: ﴿قَرِيبٌ﴾ لاعتبار المعنى (٦)، وهو الفعل. ٥٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً (٧)﴾: منشرة في الآفاق، فإن كانت فاعلة فإنّها تنشر السّحاب بإذن الله تعالى. وبشارتها أداؤها حروف الكلم إلى الأسماع بإذن الله، ويحتمل أنّها إيهام ما جرت به العادة في العلم من الحوادث السّارّة والضّارّة تتبع الرّياح المختلفة. ﴿أَقَلَّتْ:﴾ استقلّت وحملت (٨). و (السّحاب): اسم جنس، واحدتها سحابة (٩). و (الثّقال): جمع الثّقيل، كالغلاظ جمع الغليظ (١٠). وإنّما وصف السّحاب الثّقال على اعتبار الجمع، وهو (١١) لغة تميم، ومثله قوله: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقّة:٧]. ﴿سُقْناهُ:﴾ الهاء عائدة إلى السّحاب (١٢). وهو لغة قريش، يذكرون بلفظ الوحدان كلّ جمع لا فرق بينه وبين واحدته إلاّ بالهاء (١٣).

стр. 652

﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ:﴾ أي: بالسّحاب وبسببه، أو بذلك البلد وفيه (١). ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى:﴾ كما أخرجنا النّبات (٢)، قيل: إنّ الأرض تمطر بماء (٣) كالمني أربعين صباحا بعد الهمزة، وهي الرقدة أربعين سنة فيما بين النّفختين، فتنبت (٤) الموتى بإذن الله تعالى كما نبتوا في الأرحام بإذنه تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.﴾ ٥٨ - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ:﴾ الأرض السّهل المنبت الذي طبيعته كريمة (٥). ﴿وَالَّذِي خَبُثَ:﴾ هي السّبخة ونحوها (٦). ﴿لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً:﴾ لا يخرج نباته (١١٤ ظ) إلاّ عسرا قليل الخير (٧). وهذا تنبيه على صفة المؤمن الكريم والكافر اللّئيم (٨). ٥٩ - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ (٩): ذكر جماعة من أهل العلم بالأنساب والتّواريخ أنّ آدم ﵇ لمّا قارب أجله أوحى الله إليه يأمره (١٠) باستخلاف شيث ﵇ على ذرّيّته، فقام فيهم خطيبا بلغته فقال (١١): الحمد لله الذي خلقني بيده، ونفخ فيّ من روحه، وأسجد لي ملائكته، وعلّمني أسماءه (١٢)، وأسكنني جنّته، فمضت مشيئته في معصيتي له وإخراجي من جواره، فله الحمد على إقالته عثرتي، ورحمته ضعفي، وتوبته عليّ، ومغفرته لي، ومعونته إيّاي على محاربتي عدوّي إبليس، وله المنّ في ذلك والطّول، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، الباقي بعد فنائي وانقراض عمري، عليكم يا بنيّ بطاعة الله، والإنابة إلى أمر الله، والرّضا بقضاء الله ﵎ تنالوا بذلك رضوان الله، وتأمنوا به سخطه (١٣)، واجتنبوا طاعة النّساء، فبئس الشّركاء هنّ ولا بدّ منهنّ. ثمّ أخبرهم بعذاب نازل بعد ألف سنة من وفاته، وبعد ألفي سنة ومئتين في بعض الرّوايات، وكلاهما ممكن؛ لأنّ بعد الشّيء

стр. 653

لا يقتضي الاقتران به، يجوز الاتّصال والانفصال، وأمرهم باحتفاظ جسده إلى أن ينجلي العذاب ثمّ يدفنوه في (١) الأرض المقدّسة، وبشّر من يتولّى حفظ التّابوت إلى الأرض المقدّسة بطول العمر وإرجائه إلى يوم القيامة، واستخلف عليهم شيث ﵇، وودّعهم، وفرغ من خطبته، ومرض من يومه، وسمّى لشيث مكانا أرسله إليه لعلّه يلقى الرّوح الأمين ﵇ فيستهديه (٢) شيئا من ثمار الجنّة، فمضى شيث إلى ثمّ (٣) فإذا هو بجبريل ﵇ ينعى إليه أباه ويعزيه ويخبره (٤) بأنّهم نزلوا للصّلاة عليه، فرجع معهم وغسّل أباه وحنّطه وكفّنه بتعليم جبريل ﵇، ثمّ قدّم جبريل ﵇ شيث ليصلّي عليه أبيه، وقام جبريل مع الملائكة خلفه، ثمّ إنّ شيث أودع أباه تابوتا من الساج، وتولّى الأمر وهو ابن ثلاث مئة سنة، وتوفّي وهو ابن ثمان مئة، واستخلف على قومه قينين، فتولّى الأمر بعد أبيه (٥) وهو ابن خمس مئة سنة، وحارب الجنّ وأثخن فيهم القتل، وتوفّي وهو ابن سبع مئة سنة. فمن وفاة آدم (٦) إلى وفاة قينين على هذا الحساب سبع مئة سنة، فكأنّه كان قد ولد يوم وفاة آدم. والله أعلم أهذه السنون (٧) شمسيّة أم قمريّة أم كان النّاس يحسبون في ذلك الزّمان مدّة مسير الشّمس في البروج الشّاميّة سنة كاملة على حدتها (٨)، ومسيرها في البروج اليمانيّة كذلك، كحساب طائفة من الهنود. ويحتمل أنّ حسابهم كان على حساب سائر النّجوم السّيّارة سوى النيرين. وهذه تواريخ قد فسدت باختلاف العبارات والعادات، فمن المخبرين من يذكر مدّة ما بين ولادة الأوّل إلى ولادة الثّاني، ومنهم من يذكر هذه ما بين وفاة ذلك إلى ولادة هذا، ومنهم (١١٥ و) من يذكر ما بين خروج ذلك إلى خروج هذا، ومنهم من يذكر من وقت فلان إلى وقت فلان لا يقف على مراده من الوقت، ومنهم من يترجم فيغلط في التّرجمة، ومنهم من يستدلّ على الحوادث الماضية بأمارات (٩) نجوميّة من اجتماعها وافتراقها فيقتضي بأنّ تلك الحادثة كانت عند تلك (١٠) الأمارات، ويقطع الحكم ثمّ يستخرج الحساب على هذه القضيّة (١١)،

стр. 654

ومنهم من يتعمّد الكذب، فالواجب أن لا يعتمد على شيء من ذلك ما لم يكن ثابتا بالتّواتر أو الإعجاز (١). ثمّ قام بالأمر بعد قينين ابنه مهلايل وقام في النّاس خطيبا بلغته وقال: الحمد لله الذي علا في سنائه، وتلألأ في بهائه، وتعظّم في كبريائه، ونفذ أمره في أرضه وسمائه، أحمده على ما ساق إلينا من نعمته، وأفضل علينا من كرامته، أيّها النّاس عليكم بطاعة ربّكم الذي بيده نواصيكم، وإليه منقلبكم ومثواكم، اجتنبوا سخطه وتمسّكوا بدينه تنالوا بذلك رحمته، وتأمنوا به من عذابه، ولا قوّة إلاّ بالله. وامتلأت أرض الحجاز ويمامة في أيّامه من النّاس (٢)، ووقع بينهم التّباغي والتّحاسد، ففرّقهم خمس فرق، أسكن (٣) أولاد شيث بالعراق وسيّر الفرق الأربع (٤) إلى مهبّ الرّياح الأربع، وأمّر عليهم، زعموا، ودّا وسواعا ويغوث ويعوق (٥) ونسرا، وهم رجال صالحون، فلمّا درج مهلايل ودرجوا من بعده اتّخذ النّاس تماثيل على صورهم يسكنون إلى رؤيتها، ثمّ طال الزّمان وانتشأت الذّرّيّة على ذلك فاعتادت وعبدت التّماثيل، وبقي النّاس فوضى لم يملّكوا أحدا ولم يجتمع (٦) أمرهم. وكان مهلايل قد ولد له اليارد، ولليارد أخنوخ وهو إدريس النّبيّ (٧) ﵇. ولم يبلغنا كميّة بقاء مهلايل واليارد في الدّنيا، ولا سمعنا متى ولد أخنوخ ﵇. قالوا: وولد لأخنوخ متوشالخ على رأس ثلاث مئة سنة من عمره، فلمّا بلغ ثلاث مئة وخمسا (٨) وستّين رفعه الله مكانا عليّا، وكيفيّة قصّته تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى. وولد لمتوشالخ لمك (٩)، وللمك نوح ﵇ فأرسله (١٠) الله إلى قومه وهو ابن مئتين وخمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما بعد الدّعوة، أو مع ما مضى قبل الدّعوة، وعايش ثلاثة قرون منهم، فلم يجبه إلاّ (١١) ثمانون شخصا من رجل وامرأة، كان الرّجل من الكفّار يحمل ولده إلى نوح ﵇ فيريه إيّاه ويقول: يا بنيّ لا يفتننّك هذا الشّيخ المجنون عن دينك ودين آبائك، فلمّا ضاق ذرعا دعا على قومه: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ﴾

стр. 655

﴿الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ [نوح:٢٦]، فاستجاب الله دعاءه وأمره بغرس الشّجر، شجر الساج، فعلم نوح ﵇ أنّ في الأمر مهلة، فأمر بغرس الأشجار (١) عشر سنين، وأدركت القطع بعد أربعين سنة، ثمّ أمر الله بقطعها واتّخاذ السّفينة منها، وألهمه كيفيّتها فعمل السّفينة على خلقة البطّ، وجعل لها رأسا كرأس الدّيك، وذنبا كذنب الطّاووس، (١١٥ ظ) وصيّرها أربعة أطباق، طبقا له ولأصحابه وطبقا للبهائم والوحوش وطبقا للسّباع (٢) وطبقا كالسّقف في بعض الرّوايات لئلاّ يصل المطر إليهم من نحو السّماء، وقيّرها داخلا وخارجا، وسدّها بالمسامير، وفرغ من ذلك فبينا (٣) ابنته تختبز إذ فار (٤) التّنّور بالماء وفجّرت الأرض عيونا فبادرت إلى أبيها تخبره، فنادى نوح في أصحابه فاجتمعوا إليه ودخلوا السّفينة، وحشر الله إليه (٥) حيوان الأرض فأخذ من كلّ جنس زوجين، وامتنع الحمار عن الدّخول فزجره نوح وقال: ادخل يا شيطان، فدخل إبليس معه، فلمّا أبصره نوح ﵇ قال: من أدخلك (٦)؟ قال: أنت وليس لك عليّ سلطان فإنّي من المنظرين، ودعا (٧) نوح ابنه يام فلم يجبه، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين. واختلف النّاس في عوج بن عنق، قال بعضهم: لم يغمره الماء ولم تدركه دعوة نوح؛ لأنّه لم يكن ديّارا، أي: صاحب دار. وقال بعضهم: شذّ عن عموم الدّعوة واختصّت الدّعوة بالباقين. ويحتمل أنّه كان من أصحاب السّفينة ثمّ كفر بعد ذلك بهود وسائر الأنبياء. وقيل: إنّه من ذرّيّة إرم بن سام، ولد بعد الطّوفان. فكانت أبواب السّماء مفتّحة بماء منهمر والأرض متفجّرة بالماء أربعين يوما، ثمّ قال (٨): ﴿يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] بعد سبعة وخمسين يوما، وقيل: بعد مئة وخمسين يوما، وقيل: بعد ستّة أشهر، وقال وهب: وإنّما استقرّت لعشر خلون من رجب، وقيل: إنّه خرج من السّفينة لعشر خلون من المحرّم. والجوديّ من جبال الجزيرة، فابتنى نوح ﵇ هناك (٩) مذبحا لله تعالى وقرّب

стр. 656

قربانا، وأنشأ الله تعالى على قربانه ريح الرّاحة (١)، وبارك عليه وعلى بنيه، وابتنى نوح هناك قرية الثّمانين. قالوا: وغرس ما كان حمل في السّفينة من الفواكه، وافتقد الكرم، كان إبليس قد استرقه فردّه على شرط أن يكون ثلثاه له. وزعموا أنّ أصحاب السّفينة لم يعقبوا إلاّ ثلاثة منهم: سام وحام ويافث، بنو (٢) نوح ﵇، ومن النّاس من أنكر هذا القول وقال: لو كان كذلك لقال الله تعالى في سورة بني إسرائيل: ذرّيّة نوح، ولما قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣]، ويدلّ على هذا المعنى أيضا قوله : ﴿يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود:٤٨]، ويحتمل أنّ المراد بمن معه بنوه ونساؤهم دون غيرهم. وأرباب الملك كلّهم في الأقاليم كلّها ما خلا الهنود والمانويّة (٣) مقرّون معترفون بالطّوفان، ودلّتهم الدّلائل النّجوميّة على كونه أيضا قبل إسكندر بألفي سنة وسبع مئة واثنتين وتسعين (٤) سنة، وقالت النّصارى: قبل إسكندر بألفي سنة وتسع مئة وستّ وخمسين سنة، (١١٦ و) وقالت اليهود: قبل إسكندر بألف سنة وسبع مئة واثنتين وتسعين سنة، فتاريخ النّصارى أقرب إلى القبول وهو يتقدّم على تاريخ المنجمة بمئة وأربع وستّين، وكذلك على تاريخ مولد باسديو الهند يتقدّم على تاريخ (٥) الهند بألف كاملة ومئتي سنة. وإنّما اخترنا تاريخ النّصارى؛ لأنّهم أعرف بإسكندر وأضبط للحساب على مذهب اليونانيّة، وعهدهم بالوحي السّماويّ أقرب من اليهود، وكتابهم أقلّ تحريفا وتبديلا، ولأنّ الطّوفان ينبغي أن يكون متقدّما (٦) على مولد باسديو الهند لا محالة فإنّ الهند تهندت وتبلبلت الألسن، والله أعلم بالحقيقة. قالوا: وعاش نوح ﵇ بعد الطّوفان مئتين وخمسين سنة، ثمّ استخلف سام على ولده، وتوفّاه الله تعالى إلى رضوانه، وندب سام أصحاب السّفينة إلى حمل تابوت آدم (٧) ﵇ إلى الأرض المقدّسة بعد ما كثر النّاس وعاد إلى الأرض بهجتها وأنسها، فانتدب الخضر ﵇ وحمله إلى بيت المقدس ودفنه هناك، فهو (٨) حيّ إلى اليوم، وهو صاحب موسى ﵉، وهو من أولاد قابيل، زعموا. وقيل: الخضر صاحب موسى بليا بن ملكان بن

стр. 657

فالغ بن عابر (١) بن شالخ بن أرفخشد ابن سام، وقيل: هو من ذرّيّة قوم آمنوا بإبراهيم ﵇ وهاجروا (٢) معه إلى الشّام، والله أعلم بالحقيقة. قالوا: وولي الأمر سام بعد أبيه مئتي سنة، كان يشتو بأرض جوخى (٣) ويصيف [بأرض] (٤) الموصل، وقيل: [كان] (٥) ممرّه على شطّ دجلة من الجانب الشّرقيّ فسمّي (٦) سامراه، وهو يدعى اليوم سامرة وسرّ من رآه (٧). ثمّ توفّي سام، واستخلف على ولده وسائر النّاس ابنه أرفخشد، قيل: وهو الذي تسمّيه العجم إيران، فعمر أرض العراق عمارة تامّة واختصّها لنفسه، وبقي ثلاث مئة سنة، ثمّ توفّي، واستخلف ابنه شالخ، فولي شالخ الأمر بحسن السّيرة والعدل مئتي سنة، ثمّ توفّي، واستخلف ابن أخيه جم بن نويجهان بن أرفخشد، قالوا: وفي أيّامه تبلبلت الألسن (٨). هذه قصّة نوح بفاتحتها وخاتمتها على الإجمال والإيجاز. وقيل: إنّ الطّوفان كان مختصّا بأرض العراق والجزيرة (٩) والحجاز، والمراد بالأرض في قوله: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح:٢٦] هذه البلاد دون غيرها من البلدان. ٦١ - ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ:﴾ أي: لم يعرض لي هذا المعنى، كما يقال: ما بي (١٠) داء، وما بي آفة. ٦٢ - ونصحته ونصحت له (١١) بمعنى. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ:﴾ من أمره وحكمه. ٦٣ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ:﴾ ألف استفهام دخلت (١٢) على واو العطف، والتّقدير (١٣): أكفرتم وعجبتم (١٤). والعجب استبعاد وجه جواز الشّيء وإمكانه على سبيل اعتبار العادة (١٥).

стр. 658

وإنّما توجّه عليهم الإنكار لمعنيين: لمجيء آدم وشيث وإدريس ﵈ من قبل، ولأنّ إجراء العادة على سننها (١١٦ ظ) غير واجب على الله . ٦٤ - ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا:﴾ إن كان عوج من المكذّبين فهذا عموم بمعنى الخصوص وإلاّ فهو عامّ. و (عم) على وزن فعل، من عمي يعمى، تقول: هو عم وهما عميان وهم عمون (١). ٦٥ - ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً﴾ (٢): ذكر جماعة من أهل العلم بالأنساب والتّواريخ أنّ جم بن نويجهان علا في الأرض وجعل أهلها شيعا، فتنافرت القلوب وتبلبلت الألسن، فخرج أولاد يافث إلى مهبّ الصّبا والشّمال وتفرّقوا في تلك الدّيار، وملكهم، زعموا (٣)، فراسياب بن ياسر بن بوذاب (٤) بن الترك بن يافث حتى استولى عليه (٥) وعليهم غانم بن علوان أخو (٦) الضّحّاك بن علوان بن عمليق بن عاد بأمر عمّه (٧) شديد بن عمليق بن عاد، ولمّا زال سلطان عاد عن ديار الشّرق قام بملك أولاد يافث، زعموا (٨)، فراسياب بن ياسر بن بوذاسب بن الترك بن يافث، فكرّ بجنوده إلى العراق واستولى عليها سنين، وقتل (٩) منوشهر بن كنعان بن نمرود، وكنعان (١٠) هو المسمّى إيرج (١١)، ونمرود هو المسمّى فريدون، وامتدّ ملك فراسياب على العراق إلى أن خرج عليه زاب (١٢) بن بوذكاب بن منوشهر مفترصا أيّام الشّتاء، وتفرّق عسكره من أولاد يافث خلف أموالهم المواشي، فانحاز فراسياب من العراق إلى ديار الهياطلة، ثمّ التقت الفئتان بعد ذلك في أرض خراسان، وأصاب فراسياب سهم غرب فخالط (١٣) فؤاده، وانصرفت أولاد يافث إلى ديارهم، ومات زاب فجأة بعد ذلك بشهر.

стр. 659

وأمّا أولاد حام إذ تبلبلت الألسن فقد (١) خرجوا إلى مهبّ الدّبور والجنوب فتفرّقوا في تلك الدّيار، واستولى على المغاربة منهم الوليد بن الرّيّان بن عاد بأمر ابن (٢) عمّه شديد بن عمليق بن عاد، واستولى على المشارقة منهم غانم بن علوان الذي كان قد استولى على أولاد يافث، وقيل: كان فور ملك الهند الذي قتله إسكندر من ذرّيّته، وخرج من بابل من ولاية جم أولاد إرم (٣) بن سام بعد خروج أولاد يافث وحام، وهم سبعة إخوة: عاد وثمود وضجار وطسم وجديس (٤) وجاسم ووبار، فكان عاد يمشي أمام ذرّيّته ويرتجز فسار حتى نزل بأرض اليمن، وثمود يمشي أمام قومه ويرتجز فسار حتى نزل بالحجر بين الحجاز والشّام، وكان طسم يمشي أمام قومه ويرتجز فسار حتى نزل ببلاد عمان والبحرين، ونزل جديس بأرض اليمامة ووجّه بعض ولده إلى هجر، ونزل ضجار بتهامة والحجاز، ونزل جاسم مع ضجار وتفرّق ولده في ما بين الحرم إلى سفوان، وسار وبار إلى ما وراء رمل عالج فنزل هناك (٥) ومسخت أولاده فهؤلاء العمالقة كلّهم يسمّون الجبابرة العاديّة ينسبون إلى العمّ الأكبر. ولمّا خرج هؤلاء (٦) تحرّكت قلوب الباقين (١١٧ و) فخرج من بابل في يوم واحد خراسان بن عاد بن سام، وفارس بن الأسور بن سام بن نوح، والروم بن اليفر بن سام، ورامين بن تارح (٧) بن سام، وهيطل بن عالم بن سام، وساروا إلى أن نزلوا ديارهم. فلمّا مات عاد باليمن استخلف عمليقا، ثمّ مات عمليق وقام بالأمر شديد بن عمليق فجنّد الجنود وملك الملوك وأرسل ابني أخيه ضحّاكا وغانما ابني (٨) علوان بن عمليق إلى بني سام ويافث، كل واحد في عشرة آلاف من الجبابرة، فقتل الضّحّاك جم الملك وأخذ شيئا من بطنه واسترطه (٩)، وأرسل شديد ابن عمّه الوليد بن الرّيّان بن عاد إلى بني حام على ما سبق، وقعد هو على سرير الملك باليمن فكان ملك الملوك، ولمّا مات هو خلفه شداد بن شديد (١٠) من تحت يد هؤلاء الملوك الثّلاثة، فقهروا العباد وخربوا البلاد وامتدّ سلطانهم ألف سنة يجبى (١١) خراج الأرض كلّه إلى

стр. 660

شداد باليمن. وأمر شداد مئة قهرمان تحت يد كلّ واحد منهم ألف من الأعوان ليبنوا له جنّة في بعض أفضية اليمن إلى الشّام أطيبها طينة ونسيما، فبنوا مدينة (١) عظيمة من الذّهب مفصّصة بالدّرّ والياقوت، وبنى غرفا أساطينها المها والجزع والفيروزج (٢)، وأجرى فيها من المياه العذبة، وجعل الأنهار مطليّة بالذّهب والفضّة، وجعل ترابها المسك والجاري (٣)، وصاغ من الذّهب أشجارا على حافّات الأنهار، وعلّق من أغصانها الفصوص كأنّها مثمرة بها. قيل: من حين ابتدئ له البناء إلى تمامه خمس مئة سنة. فبعث الله إليه هود بن خالد بن الخلود بن عيص بن عمليق ابن عاد يدعوه إلى العبادة والتّوحيد، فاستكبر عن الإيمان، وخرج من حضرموت متوجّها إلى جنّته لينزلها في ثلاثين ألف رجل (٤) من أهل بيته وعشيرته الأقربين واثني عشر ألف رجل من العبيد والخول، فلمّا بقي بينه وبين جنّته مسيرة يوم أرسل الله عليه وعلى من معه وعلى قهارمته (٥) وأعوانه بهذه الجنّة صيحة من السّماء فخرّوا جميعا هامدين، وغيّب تلك الجنّة عن أعين النّاس حتى دخلها عبد الله بن قلابة في زمن معاوية، كان قد خرج مع (٦) أصحابه في طلب الإبل، فضلّ (٧) الطّريق وانفرد عن أصحابه في بعض الأفضية فإذا هو بتلك المدينة، فدخلها وأخذ فيها حاجته، وخرج متوجّها إلى معاوية ليخبره، فأخفاه معاوية واستحضر كعبا وسأله عن حال مدينة على وجه الأرض من (٨) صفتها كذا وكذا، فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين جنّة شداد وسيدخلها رجل من العرب صفته كذا وكذا، والتفت فإذا هو بعبد الله بن قلابة، فقال: هو هذا فدخلها أو سيدخلها (٩)، فعجب معاوية من ذلك، ووجّه مع الرّجل سريّة ليدلّهم على تلك المدينة فلم يهتدوا وحيل بينها وبينهم (١٠).

стр. 661

وكان من قصّة الضّحّاك بالعراق أن (١) سام النّاس سوء العذاب، وأراد منهم الكفر والشّرك، فهرب منه لام بن عابر (٢)، أخو قحطان، (١١٧ ظ) حتى انتهى إلى باب المعادن بأرض الرّوم فاستوطنه، وبنى قبّة من رصاص وجعل فيه قبر نفسه وأوصى بنيه أن يدفنوه ويسدّوا (٣) الباب بالرّصاص، ففعلوا. ولمّا أهلك الله شداد بن شديد حبس المطر وقحط النّاس في الشّرق والغرب، وتضعضع أمر الجبابرة العاديّة، وخرج أولاد يافث على غانم بن علوان، وخرج أولاد أرفخشد على الضّحّاك بن علوان، وزال سلطان عاد عن أقطار الأرض فلم يبقوا ظاهرين إلاّ في ديار اليمن على جهد وضرّ لهلاك مواشيهم وزروعهم، ومع ذلك هم متجبّرون مستكبرون (٤) عن الإيمان بهود (٥) ﵇، إلاّ أنّهم يعظّمون الحرم، فوفدوا (٦) إلى الحرم وفودا للاستسقاء، أحدهم مرثد (٧) بن سعد بن عفير، والثّاني قيل بن عنز (٨)، وقيل: قيل بن عمرو، والثّالث لقمان بن هزال، وقيل: لقمان بن عاد، والرّابع لقيم بن هزال، والخامس جلهمة بن فلان، فمرّوا على معاوية بن بكر وهو من عاد أيضا، كان قد التجأ إلى الحرم واعتزل قومه، فأضافهم شهرا ثمّ خرجوا إلى بيت الله، فأمّا مرثد بن سعد فكان (٩) مؤمنا يكتم إيمانه، فشكا قومه ودعا عليهم بالهلاك، وأمّا لقمان (١٠) فخصّ دعوته وسأل (١١) عمر سبعة أنسر ودخل (١٢) بعض الشعاب، ووقف سائر الوفود قبالة موضع البيت فبدت لهم ثلاث سحائب بيضاء وحمراء وسوداء، ونودوا: تخيّروا واحدة منهنّ فاختاروا السّوداء، فسيقت نحو اليمن، فلمّا رآها القوم تباشروا بالغيث، فخرج منها ريح صرصر، فلمّا أحسّوا بالرّيح تنادوا وصاحوا، وكان لهم رئيس يسمّى خلّجان (١٣) فذهب مع سبعين رجلا من أشراف قومه مستقبل الرّيح، وهبّت عليهم مثل شرار النّار (١٤)،

стр. 662

فكانت تصيب هودا والذين معه بردا وسلاما (١)، والرّيح تقلع الصّخور العظام من رؤوس الجبال فتطير بها في الهواء ثمّ ترضخهم بها فتذوب أجسادهم وعظامهم. وكان ابتداء الرّيح يوم الأربعاء، فلم يبق إلى الأربعاء (٢) الآخر غير الخلّجان، فأقبل إليه هود ﵇ آخذا (٣) بعضادتي الفج ورأسه مع قلة الجبل وقال: أيّها العاتي المتمرّد (٤) الجبّار تب إلى الله فارجع عن غيّك فإنّما هو يومك، قال: فهل ربّك محيي أصحابي إن آمنت؟ قال: لا يحييهم ولكن يبارك في الباقين، قال: أفيقيدني من ملائكته؟ قال: إنّ الله لا يقيد أهل معصيته من أهل طاعته (٥)، قال الخلجان: فلنا أسوة بمن هلك ولا أحبّ أن أظهر استكانة لربّك. وعن ابن سلام أنّ الرّمل بالأحقاف كانت صخورا فصارت بتلك الرّيح رملا، وتلا قوله تعالى: ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ (٦)﴾ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) [الذّاريات:٤٢]. قال ابن عبّاس: أرسل الله (٧) عليهم من الرّيح مقدار خاتم، ولو أرسل أكثر لأهلك الأرض كلّها (٨)، والرّيح ريح دبور. وخلت ديار اليمن عن الأهل إلى أن سيّر نمرود إليها قحطان بن عابر، أخا لام وفالغ ابني (٩) عابر، فتزوّج امرأة من العماليق فولدت له يعرب وجرهم وغيرهما، فعاد أخوال ولد قحطان أخوال ولد إسماعيل ﵇، وتحوّل هود ﵇ (١١٨ و) إلى حضرموت بعد هلاك قومه، ثمّ هاجر إلى مكّة وتوفّي بها ﵇، وبالأحقاف من شحر (١٠) قبر يقال: هو قبر هود ﵇ (١١). وبقي في الأرض من عاد بقايا إلى أن حاربهم يوشع بن نون بالشّام وجرهم في الحرم، وكان فرعون منهم من أولاد الوليد بن الرّيان (١٢). ٦٨ - ﴿ناصِحٌ أَمِينٌ:﴾ أي: أهل لأن تأمنوني ولا تتّهموني (١٣)، وقيل (١٤): أمين عند الله

стр. 663

في دينه، وقيل (١): أمين عندكم قبل الدّعوة. ٦٩ - (الآلاء): النعماء، واحدها (٢) ألى وإلى. ٧٠ - وقوله: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا﴾ يدلّ على أنّ الدّعوة (٣) كانت مؤخّرة إلى أن مات الآباء على الكفر وانتشأت الذّرّيّة عليه (٤). ٧١ - ﴿قَدْ وَقَعَ:﴾ «وجب» (٥). ﴿أَسْماءٍ:﴾ مسمّيات التي نحتوها (٦) ونصبوها آلهة وأربابا من عند أنفسهم (٧). وفي الآية دلالة أنّ الاسم الحقيقيّ معنى ذوويّ وإلاّ لما تبّر (٨) الله تعالى من تسميتها بالأسماء الأعلام والحروف المصطلحة الجارية مجرى الألقاب. ٧٣ - ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً﴾ (٩): عن ابن عبّاس أنّ مهلك ثمود كان في ملك نمرود بن كنعان بن جم، بعد ما ظهر إبراهيم، وذلك بعد مهلك عاد بعد خمس مئة عام. وقصّتهم فيما يروى أنّهم حذوا حذو عاد في التّمرّد والطّغيان والإشراك بالله، فبعث الله تعالى إليهم صالحا وهو ابن أربعين سنة، فكان يدعوهم إلى دين الله، يقف عليهم في مجالسهم ويهجم عليهم في أعيادهم، ويذكّرهم آلاء الله ونعماءه إلى أن شمط (١٠)، فلم يقبلوا منه وشكوه إلى رئيس عشيرته ليسلم لهم اغتياله أو يهاجره وينابذه ويكون (١١) معهم في معاداته فلم يفعل. وأنّهم خرجوا ذات يوم إلى عيد لهم على سفح جبل لهم قالوا لصالح ﵇: إن أحببت أن نؤمن بك (١٢) فأخرج لنا من هذه الصّخرة الصّمّاء (١٣) ناقة كوماء ذات عرف وناصية، فاستحيا صالح أن يسأل الله تعالى ما يتمنّونه حتى جاءته عزمة من الله تعالى وأذن له في السّؤال

стр. 664

فسأل واستجيب له، وتزحّرت الصّخرة كما تزحر (١) النّاقة وتمخّضت كما تمخّض، وخرجت منها ناقة من أحسن ما يكون أملاها النفس، فأقبلت نحوهم حتى إذا أدنت (٢) منهم بركت ووضعت سقبا (٣) مثلها، ثمّ نهضت إلى الراعي وتبعها سقبها، فلمّا رأوا ذلك آمنوا بصالح ﵇ يومهم، وفي اليوم الثّاني أصبحوا كافرين لما عظم عليهم من ترك عادتهم وقالوا: لا نترك آلهتنا لهذه النّاقة، فقال لهم صالح ﵇: أما إذ نكصتم على أعقابكم فإيّاكم أن تمسّوها بسوء فيأخذكم بعذاب أليم، وقسم الشّرب بينهما، قالوا: لك يا صالح ذلك (٤) علينا، ومكثت النّاقة ما شاء الله تستوعب الماء يوم شربها ثمّ ترجع وضرعها يسيل لبنا وهم يستقبلونها بالمحالب والأواني فيأخذون حاجتهم من لبنها إلى أن تعشّق قذار (٥) ومصدع صدوف وعنيزة، فأتياهما ذات يوم فقدّمتا إليهما طعاما كثيرا وخمرا عتيقا، فطلبا الماء ليمزجا الخمر به، فأتتاهما بلبن النّاقة وقالتا: لا ماء لنا اليوم فإنّه شرب النّاقة، قالا: فما لنا إن عقرناها (١١٨ ظ) لنسيغ (٦) لكم الشرب؟ قالتا: أنفسنا، فنشطا لذلك، فسوّل لهما الشّيطان والنّفس ذلك، وشربا من ذلك الخمر حتى سكرا، فخرجا إلى النّاقة واتبعهما سبعة من السّفهاء، فاستقبلوها وهي تصدر عن الماء، فبدأ قذار وضرب عرقوبها بسيف، وثنى مصدع فضرب عرقوبها الآخر، ثمّ لم يزالوا يرمونها حتى وجبت (٧) وصاحت برغاء شديد نحو سقبها فرجع السّقب إلى ضخرة مرتفعة ورغا إلى السّماء، فأقبلوا نحوه يرمونه بقسيهم حتى سقط، وتسامعت ثمود بذلك (٨) فخرج منهم فئام (٩) بأيديهم السّكاكين واقتسموا لحومها، وبلغ (١٠) ذلك صالحا (١١) ﵇، فأقبل نحوهم باكيا حزينا حيران يقول: يا قوم عقرتم ناقة الله التي أخرجها لكم آية وحجّة عليكم فتوقّعوا العذاب فقد أظلّكم، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال (١٢): تتلوّن وجوهكم ثلاثة

стр. 665

أيّام (١) أظنّها يوم دبار، وهو [يوم] (٢) الأربعاء، ويوم مؤنس، وهو الخميس، والعروبة، وهي الجمعة، ثمّ يصبحكم (٣) العذاب يوم شيّار، وهو السّبت، فكان (٤) كما قال. وهاجر صالح إلى مكّة، وقبره بها في المسجد الحرام بين زمزم والمقام على ما يروى. ولم ينزل ديار ثمود أحد (٥) إلى اليوم فهي موحشة، وبئرها معطّلة، وفي بيوتهم المنقورة في الجبال عظام كعظام الفيلة والجمال، إذا أرادت العرب أن تجتاز تلك الدّيار رفعت الزّاد والماء، وسدّت أفواه الإبل لئلاّ ترتعي من حشيش ذلك الوادي. ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ:﴾ (ذه): إشارة إلى المؤنّث، وهي في الأصل: ذي، فأبدلت الياء هاء ثمّ زيدت بإشباع (٦) الهاء عند الحركة. (النّاقة): الأنثى من الإبل (٧). ٧٤ - ﴿خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ:﴾ وكانت قد استولت على النّاس كلّهم، فلمّا درجوا تفرّدت ثمود في تلك النّواحي بالعدد والشّوكة (٨). و (السّهل): ضدّ الحزن من الأرض (٩). و (القصر): كالحصن (١٠). (النّحت): أخذ وجه الحجر والخشبة (١١) ونحوهما. وهذا تنبيه على تسوية سقوفها وجدرانها إن شاء الله، أو لأنّها كانت على وجه الأرض كالبيوت المبنيّة ولم تكن الأرض كالأخاديد. ٧٧ - (عقروا): قتلوا البعير (١٢). ﴿وَعَتَوْا:﴾ تمرّدوا وطغوا (١٣).

стр. 666

٧٨ - ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ الحركة الشّديدة، وهي الزّلزلة في أرضهم والرعدة في أبدانهم عند الصّيحة (١). و (الجثوم) للنّاس والطّير كالبروك للبعير والربوض للغنم (٢). ٧٩ - ﴿لا تُحِبُّونَ:﴾ خطاب لجنس الكفرة قاضيهم وتاليهم، أخبر عن عادتهم (٣). ٨٠ - ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ (٤): وأرسلنا لوطا؛ لأنّ هذه الأقاصيص كلّها منسوقة على قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً﴾ [الأعراف:٥٩] (٥). وقوم لوط ﵇ هم سدوم وأدوما وعمورا وصعورا وصابورا، يرجعون في النّسب إلى بعض أولاد حام، أو من وقع في تلك الدّيار من العمالقة إن شاء الله. وهم أجهل خلق الله وأخبث النّاس، كانوا كالأنعام بل هم أضلّ، ولهم أحكام وسير عجيبة لا تطّرد على قضيّة (٦) وحي إلهيّ ولا عقل منطقيّ ولا عادة صالحة ولا شهوة طبيعيّة، منها ما زعموا أنّ غريبا دخل مدينتهم فرماه أحدهم ببندقة فشجّه (٧)، (١١٩ و) ثمّ تعلّق به (٨) يطالبه بدرهم، قال الغريب: رميتني فشججتني ثمّ تطالبني بدرهم، قال: نعم هذا حكم الملك، وشهد له رجال منهم، فقال الغريب: حتى أرى الملك، فجرّوه (٩) إليه، فاحتال الغريب ليحصّل ثلاث بنادق قبل أن أدخل على الملك، فلمّا أدخل عليه رماه بهنّ وشجّه، فلم يجد بدّا من (١٠) أن يعطيه ثلاثة دراهم إمضاء لحكمه، فأخذ الغريب الدّراهم الثّلاثة ودفع منها واحدا إلى خصمه، وأضمر الملك له حقدا وحاول عليه سبيلا ليقتله، فاستضافه على أجناس اللحمان، فلمّا جلس الغريب على المائدة بدأ (١١) بالسّمك، فارتفعت الأصوات بوجوب القتل عليه، وأنّ له قبل القتل حاجة مقضيّة (١٢)، فقال الغريب: حاجتي أيّها الملك أن تنادي في البلدان من شهد على غريب (١٣) بأكل السّمكة

стр. 667

كانت عقوبته كذا وكذا، فنودي بذلك، ثمّ عقد الملك مجلس القضاء واستحضر هذا الرّجل ليقتله واستشهد النّاس عليه فلم يشهد عليه أحد، فخلّى سبيله. ومن خصالهم المذمومة الملاعبة والمراودة برمي البنادق، والتّضارط في الأندية، وإبداء السّوأة، والتفل بالبزاق في الوجوه، واللّواطة، وبسبب ذلك إنّهم كانوا أبخل النّاس على ثمارهم، وكانت ثمارهم كثيرة، وقحط ما حولهم من البلدان فكانت الغرباء يأتون ديارهم ويصيبون من ثمارهم، وذلك يشقّ عليهم فيستقبلونهم بالشّتم والضّرب، والمحتاجون لا ينزجرون، فتصوّر (١) إبليس لشقيّ منهم في صورة (٢) صبيّ وضيء مشتهى، وتسوّر حائط بستانه ليأخذ شيئا من ثماره، فقصده ليضربه، فعرض عليه (٣) إبليس نفسه ووسوس إليه حتى واقعه (٤)، ثمّ دلّ الملعون أصحابه عليه، واستفاض الفاحشة فيهم وتعوّدوا ذلك (٥). ﴿ما سَبَقَكُمْ:﴾ يدلّ أنّها لم تكن قبلهم (٦)، وقيل (٧): يدلّ على مبالغتهم فيها ولا يدلّ على ابتداعهم إيّاها. ولم يبيّن الله فيها حدّا (٨). ﴿مِنْ أَحَدٍ:﴾ (من) للتّفسير وتأكيد النّفي (٩). و ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ لتبيين الجنس (١٠). وإنّما لم يقل: من النّاس، لتعظيم الأمر باللّفظ الأعمّ. ٨١ - ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ:﴾ يدلّ على تعليق الحكم بالجنس، فإنّه لا يفيد (١١) في هذا الموضع إباحة ولا رخصة ولا شبهة. و (الشّهوة): داعية النّفس، وأراد لما فيها من اللّذّة (١٢). ﴿مِنْ دُونِ النِّساءِ:﴾ أي (١٣): من دون أن تأتوا النّساء، أراد صرف الشّهوة عن وجهها

стр. 668

الاقتصار (١) عليها. ﴿بَلْ أَنْتُمْ:﴾ استفهام، إنّكم صرفتم (٢) بشهوتكم إلى الرّجال دون النّساء على سبيل الإلجاء والاضطرار (٣) بل أنتم مسرفون فيه باختياركم وقدرتكم. وقيل: جواب كلامهم: نحن نريد بذلك حفظ الأموال وخفّة العيال، فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ (٤)﴾ مُسْرِفُونَ في هذه الفعلة وفي سائر الخصال (٥). ٨٢ - ﴿أَخْرِجُوهُمْ:﴾ لوطا وابنتيه زعورا وربثا، وقيل: ريّة (٦) وعروبة. وقيل: لوط وابنتاه (٧) والملائكة المرسلون. وقيل: كانوا ثلاثة عشر نفسا مع لوط وابنتيه والرابع عشر امرأته، ولذلك قالوا (١١٩ ظ) لإبراهيم: لا نهلك قرية فيها أربعة عشر مؤمنا. ﴿يَتَطَهَّرُونَ:﴾ يتجنّبون عن القاذورات، وكان ذلك عيبا عندهم (٨)، كالختان عند الهنود، والاستنجاء عند المشركين، والاتّزار (٩) في الحمّام عند أصحاب (١٠) داود الأصفهانيّ. ٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ:﴾ روي أنّ الملائكة لمّا نزلوا داره على هيئة الضّيفان مضت امرأته إلى قومها تخبرهم بهم، بخلا على الطّعام، فتسارعوا إليه، وفزع لوط ﵇، فبشّره جبريل بأنّهم مرسلون لإهلاكهم، فقال مستعجلا: وما يمنعكم إذا؟ قالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١]، وأخرج جبريل ﵇ ريشة من جناحه (١١) فاختطفت أبصارهم، فرجعوا عميا يقولون: جاءنا لوط بسحرة. ولمّا جنّ عليهم اللّيل مشى لوط ﵇ إلى رجل منهم كان يذبّ عنه ويحسن جواره فأنذره بالهلاك ودعاه ليخرج معه (١٢) فلم يلتفت إلى قوله وأصرّ على كفره، فخرج لوط وقت الصّبح مع أهله، وخرجت معه امرأته فلمّا سمعت

стр. 669

الهرة التفتت فمسخها الله حجرا (١). ﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ من الباقين في العذاب (٢). وهاجر لوط إلى حضرة إبراهيم ﵇ فآواه وشاطره بماله، ولم يزل معه إلى أن توفّاه الله تعالى (٣). ٨٤ - ﴿وَأَمْطَرْنا:﴾ أراد الرّجم بالحجارة من سجّيل قبل (٤) أن اقتلع جبريل تلك القريات، وقيل: بعد ما اقتلعها وقلبها وجعل عاليها سافلها، وكأنّ تلك الحجارة كانت من تربة تلك الأرض نضجت في الهواء وحرارة (٥) الشّمس، أو بما شاء الله. وكان جبريل ﵇ رفعها فيما يروى إلى غاية سمعت ملائكة السّماء نبح (٦) كلابهم وصقاع (٧) ديكهم من غير أن انصبّ (٨) لهم كوز أو تزلزل بهم مكان، ثمّ قلبها من ثمّ وتبعتهم الحجارة إلى أن رسخوا في الأرض، واستولت على تلك النّاحية عيون منتنة من ماء أسود. وكلّ من كان منهم في سفر أصابه حجر فقتله (٩). ﴿فَانْظُرْ:﴾ أي: تفكّر واعتبر (١٠). (المجرم): الذي يأتي الجريمة، وهي الجريرة (١١) والجناية. ٨٥ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ (١٢): قيل: اسم شعيب بالعربيّة يثرون وبالعبريّة شعيب، وهو ابن شمعون بن عقبا (١٣) بن ثابت بن مدين (١٤) بن إبراهيم، وأمّه من أولاد لوط، وقال: هو ابن ميكيل، وأمّ ميكيل (١٥) ابنة لوط. وقيل: إنّ مدين بن إبراهيم ﵇ كان قد

стр. 670

تزوّج ربثا بنت لوط، وهو وذرّيّته من ذرّيّة لوط. وعن محمّد بن إسحق أنّه شعيب بن (١) يثرون، والله أعلم. أرسله الله (إلى مدين)، وهم بنو مديان بن إبراهيم، حذف المضاف وأقام المضاف (٢) إليه مقامه، وقيل (٣): التّقدير: إلى أهل مدين، فإنّ مدين اسم البلدة، اشتقّ اسمها من اسم مديان، كما سمّيت (٤) مصر مصرا باسم مصر بن قبط بن كنعان بن حام. قيل (٥): أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، سمّى الله تعالى بلدهم أيكة لالتفاف شجرها (١٢٠ و) وإحداق الغياض (٦) بها، يدلّ عليه (٧) دعوته القوم في الموضعين جميعا إلى إيفاء الكيل والوزن. وقيل (٨): أصحاب مدين غير أصحاب الأيكة لكن كانت إحدى البلدتين قريبة من الأخرى، وكان قد تواطأ أهلها على بخس الكيل والوزن، ألا ترى وصفه الله (٩) تعالى بأخوّة أصحاب مدين؛ لأنّه كان من قبيلتهم، ولم يصفه بأخوّة أصحاب الأيكة؛ لأنّه لم يكن من قبيلتهم. وقال القتبيّ: إنّ شعيبا لم يكن من ولد إبراهيم ﵇، ولكنّه من نسل رهط آمنوا بإبراهيم وهاجروا معه إلى الشّام، والله أعلم (١٠). وأجمعوا أنّه كان عربيّا، ولم يذكروا إلى من يرجع (١١). وكان مكفوفا، وكان من (١٢) أفصح النّاس في زمانه وأبينهم (١٣) لما يريد، وكان النّبيّ ﷺ يسمّي شعيبا ﵇ خطيب الأنبياء (١٤). ﴿جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ:﴾ أي: ما ثبت في العقول من دلائل التّوحيد وحسن الإنصاف وقبح الخيانة، أو ما وصل إليهم من سبيل التّواتر من أخبار عاد ونمرود والمؤتفكات، أو ما أكرم الله به
следующие страницы →