← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٧٨ - ﴿الرَّجْفَةُ:﴾ الحركة الشّديدة، وهي الزّلزلة في أرضهم والرعدة في أبدانهم عند الصّيحة (١). و (الجثوم) للنّاس والطّير كالبروك للبعير والربوض للغنم (٢). ٧٩ - ﴿لا تُحِبُّونَ:﴾ خطاب لجنس الكفرة قاضيهم وتاليهم، أخبر عن عادتهم (٣). ٨٠ - ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ (٤): وأرسلنا لوطا؛ لأنّ هذه الأقاصيص كلّها منسوقة على قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً﴾ [الأعراف:٥٩] (٥). وقوم لوط ﵇ هم سدوم وأدوما وعمورا وصعورا وصابورا، يرجعون في النّسب إلى بعض أولاد حام، أو من وقع في تلك الدّيار من العمالقة إن شاء الله. وهم أجهل خلق الله وأخبث النّاس، كانوا كالأنعام بل هم أضلّ، ولهم أحكام وسير عجيبة لا تطّرد على قضيّة (٦) وحي إلهيّ ولا عقل منطقيّ ولا عادة صالحة ولا شهوة طبيعيّة، منها ما زعموا أنّ غريبا دخل مدينتهم فرماه أحدهم ببندقة فشجّه (٧)، (١١٩ و) ثمّ تعلّق به (٨) يطالبه بدرهم، قال الغريب: رميتني فشججتني ثمّ تطالبني بدرهم، قال: نعم هذا حكم الملك، وشهد له رجال منهم، فقال الغريب: حتى أرى الملك، فجرّوه (٩) إليه، فاحتال الغريب ليحصّل ثلاث بنادق قبل أن أدخل على الملك، فلمّا أدخل عليه رماه بهنّ وشجّه، فلم يجد بدّا من (١٠) أن يعطيه ثلاثة دراهم إمضاء لحكمه، فأخذ الغريب الدّراهم الثّلاثة ودفع منها واحدا إلى خصمه، وأضمر الملك له حقدا وحاول عليه سبيلا ليقتله، فاستضافه على أجناس اللحمان، فلمّا جلس الغريب على المائدة بدأ (١١) بالسّمك، فارتفعت الأصوات بوجوب القتل عليه، وأنّ له قبل القتل حاجة مقضيّة (١٢)، فقال الغريب: حاجتي أيّها الملك أن تنادي في البلدان من شهد على غريب (١٣) بأكل السّمكة

стр. 667

كانت عقوبته كذا وكذا، فنودي بذلك، ثمّ عقد الملك مجلس القضاء واستحضر هذا الرّجل ليقتله واستشهد النّاس عليه فلم يشهد عليه أحد، فخلّى سبيله. ومن خصالهم المذمومة الملاعبة والمراودة برمي البنادق، والتّضارط في الأندية، وإبداء السّوأة، والتفل بالبزاق في الوجوه، واللّواطة، وبسبب ذلك إنّهم كانوا أبخل النّاس على ثمارهم، وكانت ثمارهم كثيرة، وقحط ما حولهم من البلدان فكانت الغرباء يأتون ديارهم ويصيبون من ثمارهم، وذلك يشقّ عليهم فيستقبلونهم بالشّتم والضّرب، والمحتاجون لا ينزجرون، فتصوّر (١) إبليس لشقيّ منهم في صورة (٢) صبيّ وضيء مشتهى، وتسوّر حائط بستانه ليأخذ شيئا من ثماره، فقصده ليضربه، فعرض عليه (٣) إبليس نفسه ووسوس إليه حتى واقعه (٤)، ثمّ دلّ الملعون أصحابه عليه، واستفاض الفاحشة فيهم وتعوّدوا ذلك (٥). ﴿ما سَبَقَكُمْ:﴾ يدلّ أنّها لم تكن قبلهم (٦)، وقيل (٧): يدلّ على مبالغتهم فيها ولا يدلّ على ابتداعهم إيّاها. ولم يبيّن الله فيها حدّا (٨). ﴿مِنْ أَحَدٍ:﴾ (من) للتّفسير وتأكيد النّفي (٩). و ﴿مِنَ الْعالَمِينَ:﴾ لتبيين الجنس (١٠). وإنّما لم يقل: من النّاس، لتعظيم الأمر باللّفظ الأعمّ. ٨١ - ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ:﴾ يدلّ على تعليق الحكم بالجنس، فإنّه لا يفيد (١١) في هذا الموضع إباحة ولا رخصة ولا شبهة. و (الشّهوة): داعية النّفس، وأراد لما فيها من اللّذّة (١٢). ﴿مِنْ دُونِ النِّساءِ:﴾ أي (١٣): من دون أن تأتوا النّساء، أراد صرف الشّهوة عن وجهها

стр. 668

الاقتصار (١) عليها. ﴿بَلْ أَنْتُمْ:﴾ استفهام، إنّكم صرفتم (٢) بشهوتكم إلى الرّجال دون النّساء على سبيل الإلجاء والاضطرار (٣) بل أنتم مسرفون فيه باختياركم وقدرتكم. وقيل: جواب كلامهم: نحن نريد بذلك حفظ الأموال وخفّة العيال، فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ (٤)﴾ مُسْرِفُونَ في هذه الفعلة وفي سائر الخصال (٥). ٨٢ - ﴿أَخْرِجُوهُمْ:﴾ لوطا وابنتيه زعورا وربثا، وقيل: ريّة (٦) وعروبة. وقيل: لوط وابنتاه (٧) والملائكة المرسلون. وقيل: كانوا ثلاثة عشر نفسا مع لوط وابنتيه والرابع عشر امرأته، ولذلك قالوا (١١٩ ظ) لإبراهيم: لا نهلك قرية فيها أربعة عشر مؤمنا. ﴿يَتَطَهَّرُونَ:﴾ يتجنّبون عن القاذورات، وكان ذلك عيبا عندهم (٨)، كالختان عند الهنود، والاستنجاء عند المشركين، والاتّزار (٩) في الحمّام عند أصحاب (١٠) داود الأصفهانيّ. ٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ:﴾ روي أنّ الملائكة لمّا نزلوا داره على هيئة الضّيفان مضت امرأته إلى قومها تخبرهم بهم، بخلا على الطّعام، فتسارعوا إليه، وفزع لوط ﵇، فبشّره جبريل بأنّهم مرسلون لإهلاكهم، فقال مستعجلا: وما يمنعكم إذا؟ قالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١]، وأخرج جبريل ﵇ ريشة من جناحه (١١) فاختطفت أبصارهم، فرجعوا عميا يقولون: جاءنا لوط بسحرة. ولمّا جنّ عليهم اللّيل مشى لوط ﵇ إلى رجل منهم كان يذبّ عنه ويحسن جواره فأنذره بالهلاك ودعاه ليخرج معه (١٢) فلم يلتفت إلى قوله وأصرّ على كفره، فخرج لوط وقت الصّبح مع أهله، وخرجت معه امرأته فلمّا سمعت

стр. 669

الهرة التفتت فمسخها الله حجرا (١). ﴿مِنَ الْغابِرِينَ:﴾ من الباقين في العذاب (٢). وهاجر لوط إلى حضرة إبراهيم ﵇ فآواه وشاطره بماله، ولم يزل معه إلى أن توفّاه الله تعالى (٣). ٨٤ - ﴿وَأَمْطَرْنا:﴾ أراد الرّجم بالحجارة من سجّيل قبل (٤) أن اقتلع جبريل تلك القريات، وقيل: بعد ما اقتلعها وقلبها وجعل عاليها سافلها، وكأنّ تلك الحجارة كانت من تربة تلك الأرض نضجت في الهواء وحرارة (٥) الشّمس، أو بما شاء الله. وكان جبريل ﵇ رفعها فيما يروى إلى غاية سمعت ملائكة السّماء نبح (٦) كلابهم وصقاع (٧) ديكهم من غير أن انصبّ (٨) لهم كوز أو تزلزل بهم مكان، ثمّ قلبها من ثمّ وتبعتهم الحجارة إلى أن رسخوا في الأرض، واستولت على تلك النّاحية عيون منتنة من ماء أسود. وكلّ من كان منهم في سفر أصابه حجر فقتله (٩). ﴿فَانْظُرْ:﴾ أي: تفكّر واعتبر (١٠). (المجرم): الذي يأتي الجريمة، وهي الجريرة (١١) والجناية. ٨٥ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ (١٢): قيل: اسم شعيب بالعربيّة يثرون وبالعبريّة شعيب، وهو ابن شمعون بن عقبا (١٣) بن ثابت بن مدين (١٤) بن إبراهيم، وأمّه من أولاد لوط، وقال: هو ابن ميكيل، وأمّ ميكيل (١٥) ابنة لوط. وقيل: إنّ مدين بن إبراهيم ﵇ كان قد

стр. 670

تزوّج ربثا بنت لوط، وهو وذرّيّته من ذرّيّة لوط. وعن محمّد بن إسحق أنّه شعيب بن (١) يثرون، والله أعلم. أرسله الله (إلى مدين)، وهم بنو مديان بن إبراهيم، حذف المضاف وأقام المضاف (٢) إليه مقامه، وقيل (٣): التّقدير: إلى أهل مدين، فإنّ مدين اسم البلدة، اشتقّ اسمها من اسم مديان، كما سمّيت (٤) مصر مصرا باسم مصر بن قبط بن كنعان بن حام. قيل (٥): أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، سمّى الله تعالى بلدهم أيكة لالتفاف شجرها (١٢٠ و) وإحداق الغياض (٦) بها، يدلّ عليه (٧) دعوته القوم في الموضعين جميعا إلى إيفاء الكيل والوزن. وقيل (٨): أصحاب مدين غير أصحاب الأيكة لكن كانت إحدى البلدتين قريبة من الأخرى، وكان قد تواطأ أهلها على بخس الكيل والوزن، ألا ترى وصفه الله (٩) تعالى بأخوّة أصحاب مدين؛ لأنّه كان من قبيلتهم، ولم يصفه بأخوّة أصحاب الأيكة؛ لأنّه لم يكن من قبيلتهم. وقال القتبيّ: إنّ شعيبا لم يكن من ولد إبراهيم ﵇، ولكنّه من نسل رهط آمنوا بإبراهيم وهاجروا معه إلى الشّام، والله أعلم (١٠). وأجمعوا أنّه كان عربيّا، ولم يذكروا إلى من يرجع (١١). وكان مكفوفا، وكان من (١٢) أفصح النّاس في زمانه وأبينهم (١٣) لما يريد، وكان النّبيّ ﷺ يسمّي شعيبا ﵇ خطيب الأنبياء (١٤). ﴿جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ:﴾ أي: ما ثبت في العقول من دلائل التّوحيد وحسن الإنصاف وقبح الخيانة، أو ما وصل إليهم من سبيل التّواتر من أخبار عاد ونمرود والمؤتفكات، أو ما أكرم الله به

стр. 671

شعيبا من الفصاحة المعجزة والإخبار من المشاهدات مع كونه أعمى، أو العصا التي كانت لموسى ﵇ وكان شعيب قد أعطاها إيّاه، أو شيء لم يبلغنا خبره (١). ﴿الْكَيْلَ:﴾ تقدير الشّيء بالظّروف (٢). ﴿وَالْمِيزانَ:﴾ ما تقدّر به ثقلا (٣). ﴿أَشْياءَهُمْ:﴾ أموالهم وحقوقهم (٤). ﴿خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ من الخيانة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ أي: إنصافكم النّاس خير لكم بعد أن تؤمنوا. ويحتمل أنّهم يدّعون الإيمان ببعض الأنبياء كادّعاء أهل الكتاب. ٨٦ - وكانوا يعترضون لمن قصد شعيبا ﵇ ويخوّفونه بالقتل والأذى إن آمن به، فنهاهم عن ذلك وقال: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ،﴾ الآية (٥). وعن السدّي أنّهم كانوا يقطعون الطّريق (٦). ﴿وَتَصُدُّونَ:﴾ معطوف على ﴿(تُوعِدُونَ)﴾. ﴿فَكَثَّرَكُمْ:﴾ بالعدد والعدد (٧). ٨٧ - وتعليق الصّبر بإيمان البعض دون البعض يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنّكم إن اختلفتم في أمري فانتظروا حكم الله ولا يحملنّكم ذلك على الاقتتال. والثّاني: أنّ المؤمنين لمّا استضعفوا ورأوا بسطة الكفّار كادوا يرتدّون على أدبارهم فقال (٨): إن كنتم آمنتم وكفر غيركم فانتظروا حكم الله في العاجلة. والثّالث: أنّ المؤمنين منهم شكوا إليه فعزّاهم وأمرهم بالصّبر إلى أن يأتي الفرج من عند الله. وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ و ﴿خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:١٥٠]، و ﴿أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥١]، و ﴿أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] كلّه على سبيل المجاز

стр. 672

واعتبار التّسمية واللّفظ دون المعنى، تعالى الله أن يجانس شيئا (١) من خلقه علوّا كبيرا. ٨٨ - ﴿لَتَعُودُنَّ:﴾ يحتمل ثلاثة معان (٢): أحدها: أنّ شعيبا وقومه كانوا على ملّة واحدة من الإيمان والتّوحيد، فلمّا أبدعوا بدعا نبّأ الله شعيبا وأحدث له ما شاء من أمره، وأمره بدعوة قومه كما أمر عيسى بدعوة اليهود، فلذلك دعوا شعيبا إلى العود. والثّاني: أنّ ملّتهم كانت كفرا، ولم يكن شعيب في ملّتهم قطّ (٣) ولكن أدخلوه في حكم سائر المخاطبين من قومه المؤمنين (١٢٠ ظ) على سبيل المجاز. والثّالث: أنّهم ادّعوا الكفر عليه وموافقته إيّاهم من قبل ظنّا منهم، أو وقاحة وبهتا، كما قالت قريش: صبأ محمّد، أي: كان على ديننا فصبأ (٤)، فقال شعيب ﵇: أتكلّفوننا العود ولو كنّا كرهين، ينبّههم على أنّ العود لا يصحّ مع الإكراه. ٨٩ - ﴿بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها (٥)﴾: يحتمل ثلاثة معان (٦): أحدها: أنّ الإيمان والتّوحيد كان ملّتهم ولكنّ الله تعالى نسخ الإصر بالتّخفيف فقال شعيب: لو عدت إلى الإصر بعد ما عفا الله لكنت مفتريا على الله. والثّاني: أجاب عن قومه المؤمنين وأدخل نفسه فيهم على المجاز. والثّالث: عنى نجاة قبل الابتلاء، كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ [آل عمران:١٠٣]، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢]، وذلك قبل أن تمسّهم النّار إلاّ أن يشاء (٧) الله، أي: حالة نسخ الشّرائع، أو حالة التقية في الأصل. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ أي: بحكمك الحقّ (٨)، حذف الاسم وأقيم الصلة مقامه. ٩٠ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ:﴾ لمؤمنيهم. ٩١ - قيل (٩): أهلك الله أصحاب مدين بالرّجفة وأصحاب الأيكة بالظّلّة. وقيل (١٠):

стр. 673

البلدة واحدة جمع الله عليهم بين حرارة الظّلّة وبين الرّجفة، كما جمع على ثمود بين الرّجفة والصّيحة. ٩٢ - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا:﴾ [مبتدأ] (١) وخبره: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ (٢). ويحتمل أنّ ﴿(الَّذِينَ)﴾ بدل عن الضّمير في ﴿(فَأَصْبَحُوا)﴾ (٣). ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا:﴾ أي: لم ينزلوا (٤)، أو لم يقيموا (٥)، أو لم يعيشوا (٦)، أو لم يكونوا فيها (٧). ٩٣ - ﴿فَتَوَلّى:﴾ أعرض عن دعوتهم عند معاينتهم البأس أو عند هلاكهم، وخاطبهم (٨) بهذا الخطاب، فأسمعهم الله تعالى ذلك كما أسمع ثمود كلام صالح بعد هلاكهم، وأصحاب القليب كلام نبيّنا (٩) ﷺ . وهذا دليل على جواز عذاب القبر. ﴿فَكَيْفَ آسى:﴾ «أحزن» (١٠)، على سبيل النّفي والإنكار (١١). ٩٤ - ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ:﴾ لمّا ذكر الله تعالى بعض الأنبياء على التّفصيل ذكرهم على سبيل الإجمال ليعمّهم بالإخبار عنهم، وليزيد وعظا وعبرة. والآية مختصّة بالذين كذّبوا الأنبياء، والحال تدلّ عليه (١٢). ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ:﴾ أي: جعلنا البأساء والضّرّاء من دواعي التّضرّع والإذعان في الظّاهر المعقول دون المعلوم المقدور (١٣). ٩٥ - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ [الْحَسَنَةَ] (١٤)﴾: فائدة التّبديل شيئان: أحدهما: فتنة

стр. 674

الامتحان بالحالتين لئلاّ يبقى لهم عذر، والثّاني: فتنة اللبس والخذلان ليظنّ الجاهل المخذول أنّ صروف الدّهر وتقلّب الأيّام عادة لا تتضمّن (١) معنى الدّعوة والإنذار. ﴿حَتّى عَفَوْا:﴾ أي: إلى أن كثروا ونموا (٢). ٩٦ - ﴿بَرَكاتٍ:﴾ أبواب البركات (٣). والبركة: النّماء والسّعة وكثرة الخير، وأبوابها: مصادرها التي تتولّد منها كالأمطار النّافعة والرّياح لوقتها (٤). ٩٧ - ﴿أَفَأَمِنَ:﴾ الفاء لتعقيب أمنهم الإنذار، والاستفهام على سبيل اللّوم والتّقريع (٥). ٩٨ - ﴿أَوَأَمِنَ:﴾ قيل: على الاستفهام، وقيل: على التّخيير (٦). من أمن مكر الله كان معتقدا العجز في صفاته تعالى، ودخول فعله تحت الحظر والإباحة، أو نفى سبيله على عباده (٧) من حيث ذنبهم وتقصيرهم، وكلّ هذه الثّلاثة كفر، ولذلك (١٢١ و) توجّه الإنكار على من أمن مكر الله (٨) تعالى. ١٠٠ - ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ:﴾ هم الموجودون وقت الإنكار والإنذار (٩). ﴿وَنَطْبَعُ:﴾ كلام مستأنف (١٠)، وقيل: معطوف على قوله: ﴿أَصَبْناهُمْ﴾ (١١)، كقوله: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ﴾ [يونس:١١]. ﴿لا يَسْمَعُونَ:﴾ الشّيء (١٢) النّافع إن شاء الله. وإنّما قال: لا يسمعون، ولم يقل: لا يفقهون، للمبالغة في النّفي، فإنّ الإنسان ربّما يسمع

стр. 675

ولا يفقه، وأمّا أن يفقه ولا يسمع (١) فلا. ويحتمل أنّ المراد به نفي الاستمتاع (٢). ١٠١ - ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا:﴾ في الحالة الثّانية بما عدّوه كذبا في الحالة الأولى لترجّح اختيارهم الكفر على الإسلام في قلوبهم وآرائهم بخذلان الله تعالى (٣). ﴿بِما كَذَّبُوا:﴾ باء السّبب وليست بالتي يتعدّى الإيمان بها، فتقديره (٤) إذا: فما كانوا ليصيروا مؤمنين بسبب تكذيبهم أول مرة (٥). والآية مختصّة بالمصرّين على الكفر دون الذين تداركهم الله برحمته (٦). ١٠٢ - ﴿مِنْ عَهْدٍ:﴾ من محافظة عهد (٧)، وقال ابن مسعود: من إيمان (٨). ١٠٣ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ (٩): لمّا شدّد فرعون على بني إسرائيل الأمر وكاد يفنيهم لذبحه المواليد أبى الله أن ينشأ موسى إلاّ (١٠) في حجره ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص:٨]، وكان فرعون قد تبنّاه، فلمّا شبّ موسى ﵇ حمله حبّ إقامة القسط وإدحاض الجور وموالاة العشيرة (١١) على أن وكز القبطيّ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً﴾ إلى قوله: ﴿لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٨] لمداومته على الجدال وملازمته الخصومة ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما،﴾ قال الغويّ (١٢): ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ﴾ [القصص:١٩]، وشنّع عليه لجهله وحمقه، واستفاض الخبر في المدينة فجاء خربيل النّجّار، وكان من قوم فرعون إلاّ أنّه قدّرت له السّعادة فقال: ﴿يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢٠ - ٢١]،

стр. 676

﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢) [القصص:٢٢]، فأكرمه الله بصحبة شعيب ﵇ وبمصاهرته، وكان شعيب قد عمر بمدين مع المؤمنين من قومه إلى ذلك الزّمان بعد هلاك الكافرين من قومه، وكانت هذه القصّة قبل هلاك الكافرين، والله أعلم. ثمّ رجع من عند شعيب بعد عشر سنين، وقيل: بعد ثنتي عشرة سنة، مع أهله، واتّفقت له في الطّريق أسباب النّبوّة (١) بإذن الله تعالى، ونودي من الشّجرة ﴿إِنَّنِي (٢)﴾ أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) [طه:١٤ - ١٦]، وشاهد من عصاه ويمينه ما شاهد، وأرسل إلى فرعون بتينك (٣) الآيتين، وغفرت له خطيئته في قتل القبطيّ الكافر (٤) قبل إباحته، وألهم وأمر أن يستشفع في الرّسالة فاستشفع وأجيب إلى ذلك، وشفع بهارون ﵇، وهارون بمصر. فردّ موسى أهله إلى شعيب وتجرّد للرّسالة متوكّلا على الله مطمئنّا على وعده: ﴿أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا (٥)﴾ الْغالِبُونَ [القصص:٣٥]. (١٢١ ظ) فلمّا انتهى إلى مصر وجد أباه قد توفّي، ووجد أمّه في الأحياء وكذلك أخاه وأخته، فنزل كهيئة الضّيف فقدّموا إليه طبيخا من خلّ وعدس بلحم، ثمّ تفرّس فيه هارون على المائدة فعرفه، وتباشروا به، وبشّر موسى أخاه بالرّسالة فقال: سمعا وطاعة، وأصبحا على باب فرعون من ساعتهما، فأذن لهما بالدّخول، وقيل: بقيا على بابه سنتين حتى انتهى أمرهما إليه واستحضرهما، وكان من قصّتهما معه ما سنذكره. ﴿بِآياتِنا:﴾ اليد والعصا وانحلال اللّسان وغير ذلك. وكانت العقدة وقعت في لسانه من جهة أنّما أخذ بلحية فرعون وهو رضيع، فهمّ فرعون بقتله متخوّفا أنّه عدوّه الذي سيهلكه، فتشفّعت امرأته وقالت: طفل لا يميز، فامتحنه فرعون بطبقين: طبق من ياقوت وطبق من جمر، فكاد موسى يلتقط ياقوتة لما جبله الله عليه من حسن الاختيار، ولو فعل ذلك لعلم فرعون علمه، فلبس الله الأمر على فرعون فضرب يد موسى إلى جمرة التقطها (٦) ووضعها في فيه على عادة الصّبيان، فانزوى طرف لسانه إلى أن حلّه الله إكراما له وآية على صدق دعواه.

стр. 677

﴿فَظَلَمُوا بِها:﴾ أي: كفروا وكذّبوا وذهبوا بها غير المذهب فقالوا: هي سحر (١). ١٠٥ - ﴿حَقِيقٌ:﴾ «واجب» (٢)، وقيل (٣): جريء. ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ أي: خلّ سبيلهم، وأمسك عن قتلهم واستبعادهم (٤). ١٠٦ - ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ:﴾ إنّما قال هذا إنكارا لدعوة: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٠٥]، ولم يرد بهذا السّؤال استرشادا واستبانة (٥). ١٠٧ - ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ:﴾ الحيّة اسم جنس ما ينساب على بطنه. والله شبّه الحيّة المنقلبة من عصا موسى بالثّعبان في عظم جثّتها والجانّ في سرعة انسيابها (٦). وقيل (٧): إنّ عصاه انقلبت مرّة ليلة البعث عند الشّجرة، ومرّة عند فرعون في داره، ومرّة يوم الزّينة بين يديه في عرصاته على أعين النّاس في مقابلة السّحرة (٨)، فاختلفت الأوصاف لاختلاف الأحوال. ١٠٨ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ:﴾ كان لون موسى إلى السّمرة ما هو، وكان عليه مدرعة صوف مضربة، فأدخل يده في جيبه ثمّ أخرجها إليهم بيضاء دريّة يغلب ضوؤها ضوء الشّمس (٩). ﴿لِلنّاظِرِينَ:﴾ أي: فحيث مضى لأجل النّاظرين. ١٠٩ - ﴿قالَ الْمَلَأُ:﴾ أشراف قومه وخاصّته الذين كانوا سفراء بينه وبين العامّة، سمعوا هذه المقالة ثمّ خرجوا من عنده وقالوا للعامّة مثلها (١٠) تبليغا عنه، فالله تعالى ذكر مقالتهم ههنا ومقالته لهم في سورة الشّعراء (١١). ١١٠ - قال الملأ للعامّة تبليغا عن فرعون: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ (١٢)﴾ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ، استأمرهم لاستمالتهم ولاجتماع الكلمة لئلاّ ينكر عليه بعضهم فعله فيقع بينهم

стр. 678

التجادل (١) ويتمكّن بنو (٢) إسرائيل من قهرهم وإعجازهم. ١١١ - ﴿أَرْجِهْ:﴾ الإرجاء: التّأخير والإمهال (٣). وإنّما أشاروا عليه بذلك إمّا للتّثبّت والاستبانة، وإمّا للهدنة وخوف المعاجلة، وإمّا لصرف الله إيّاهم عن هذا الجواب إلجاء كي يتمّ مقدوره في السّحرة وفيهم. (١٢٢ و) ١١٣ - ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ:﴾ قيل: إنّ فرعون كان عنده رجلان مجوسيّان ساحران من أهل نينوى، وكان قد دفع (٤) إليهما رجالا من قومه يعلّمانهم السّحر، فمهر في ذلك منهم سبعون رجلا وبلغوا النّهاية، وكان فرعون قد شحن بهم مدائنه (٥) حوالي مصر ورتّبهم فيها، وأجرى عليهم الجرايات ليكونوا ميسه وليزيّنوا أمره إلى العامّة بالتّمويهات، فحضروا عنده لمّا استحضرهم، واستشرطوه لئن غلبوه ليعطيهم الأموال، وإنّما استشرطوه بمشهد النّاس لما علموا من خبثه أنّه لا يعرف لهم حقوقهم من غير ضمان، وعن عكرمة أنّهم كانوا ثلاثة وسبعين، وعن ابن إسحق أنّهم كانوا خمسة عشر ألف رجل (٦). ١١٤ - ﴿قالَ نَعَمْ:﴾ أجابهم إلى سؤلهم (٧)، ووعد لهم التّقريب، ودفعه (٨) الإقرار لشدّة الاضطرار وخوف الفضيحة (٩). ١١٥ - ﴿إِمّا:﴾ للشّكّ والتّخيير، ولم يعقب كلاما مستقلا بنفسه بخلاف (أو) (١٠). واعلم أنّ ﴿(إِمّا)﴾ ربّما وصلت بالفعلين ب (أن) كههنا، وقوله: ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ [فِيهِمْ حُسْناً]﴾ (١١) [الكهف:٨٦]، وربّما وصلت بالفعلين بغير (أن) كقوله: ﴿إِمّا (١٢)﴾ يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التّوبة:١٠٦]، فإن وصلت ب (أن) حلّ الفعلان محلّ المصدر وكان فيهما معنى الأمر على سبيل التّخيير، وإن وصلت (١٣) بغير (أن) كانا خبرين، والواجب من

стр. 679

الخبرين (١) أحدهما لا بعينه (٢)، وفائدة الآخر الإيهام واللبس، والتّقدير ههنا: إمّا إلقاء منك وإمّا تسليم لنا لنلقي. وإنّما خيّروا موسى لجرأتهم ولاستواء الأمرين عندهم ولقصدهم قطع عذر موسى ﵇ من كلّ وجه (٣). ١١٦ - ﴿قالَ أَلْقُوا:﴾ سلّم لهم الابتداء ليتمكّنوا من سحرهم على طمأنينة وجرأة (٤) وعقل، فيكون إبطاله بعد إتمامه أدلّ على الحقّ وأوقع في القلوب، ولو ابتدأ موسى لما تمكّنوا من سحرهم دهشا وحيرة (٥). ﴿وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ:﴾ «أرهبوهم» (٦) واستدعوا رهبتهم (٧). وإنّما وصف سحرهم بالعظم؛ لأنّهم حرّكوا الحبال والعصيّ في الرّمضاء بالحيل، وشبّهوا (٨) الجماد بالحيوان بفعل أنفسهم في مقابلة الإعجاز من غير استعانة بالأرواح الخبيثة من الشّياطين مستبدّين (٩)، فكان يصغر بجنبه كلّ سحر. ١١٧ - ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ:﴾ «أي: فألقاها فإذا هي تلقف» (١٠). وإنّما قيل على لفظ الاستقبال؛ لأنّها تلقفت (١١) شيئا بعد شيء (١٢). قال الكلبيّ: عظمت عصا موسى حتى كادت تسدّ الأفق، وفتحت فاها سبعين ذراعا، وأقبلت على فرعون فطوّقت رقبته بذنبها ثمّ فتحت فاها لتبتلعه، فاستعاذ فرعون بموسى (١٣)، فصاح موسى وأخذها فإذا هي عصا كما كانت (١٤). وعن السدّي أنّ فرعون هرب منها وأحدث (١٥). وقيل: ابتلعت الصّخور العظام،

стр. 680

وكانت نار تخرج من فيها. ١١٨ - ﴿فَوَقَعَ:﴾ أي: وجب ولزم وثبت مشاهدة وعيانا (١). ١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ:﴾ أي: ألجئوا من غير اختيارهم، وذلك لعلمهم أنّ ما أتى به موسى ﵇ شيء إلهيّ ليس من حيلة الجنّ والإنس بانفراد ولا مشاركة، فإنّ تقليب الأعيان والإيجاد والإفناء من فعل الله تعالى، وإنّما علموا ذلك لتناهيهم في علمهم، (١٢٢ ظ) ولو كانوا مبتدئين لتوهّموا أنّه أسحر منهم، ولهذا يحمد التّناهي في كلّ علم ولو كان باطلا (٢). ومن سنّة الله تعالى أن يجعل آيات أنبيائه أشياء تلتبس بالغالب من دعاوى أهل العصر لتكون الحجّة ألزم، فبعث موسى ﵇ في عصر التّمويهات، وعيسى ﵇ في زمن الطّبّ، ومحمّد ﷺ في عصر الفصاحة والكهانة. ١٢١ - ﴿قالُوا آمَنّا:﴾ يحتمل إلجاء كالسّجود، ويحتمل إخبارا. ١٢٣ - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ:﴾ لمّا رجعت العصا كهيئتها رجع إلى فرعون قدرته، وعاد إلى عادته الخبيثة من الكفر والطّغيان، وأنكر على السّحرة إيمانهم بغير إذنه (٣)، يري العامّة أنّهم مسيؤون حيث لم ينظروا إذنه، ويريهم أنّهم كانوا قد واطؤوا موسى ﵇ في السّرّ من قبل، وأنّ دعوتهم واحدة (٤). وهدّد السّحرة بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥). ١٢٤ - ثمّ أتبعه التّصريح بالوعيد فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ لعلّهم يخافونه (٦). وإنّما اجترأ على السّحرة لما شاهد من عجزهم، أو لأنّه علم أنّهم لا يسحرونه بعد إيمانهم، أو لأنّه كان يعلم من قبل أنّهم مموّهون. ١٢٥ - ﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ:﴾ في مجادلتهم فرعون دلالة على أنّ قدرتهم رجعت إليهم فآمنوا اختيارا بعد ما سجدوا اضطرارا. وإنّما علموا أنّهم صائرون إلى الله تعالى لما ألقى الله في قلوبهم من الإلهام. ١٢٦ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ:﴾ الأشراف (٧) ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ:﴾ لمّا شاهدوا الآيات ورأوا

стр. 681

إيمان السّحرة وسمعوا مقالة خربيل النّجّار خافوا الانتشار من رعاياهم، فأنكروا على فرعون تركه موسى وقومه مطلقين سالمين، فقالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ﴾ (١). ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ:﴾ أي: ويخلعك، نصب عطفا على التفسير (٢). وفي مصحف أبيّ (٣): (وقد تركوك وآلهتك): أصنامك التي نصبتها ليتقرّب الأقاصي بها إليك، يدلّ عليه قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [النّازعات:٢٤] (٤). وقرأ ابن عبّاس (٥): (وإلاهتك)، يعني: عبادتك. فقال فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ:﴾ سنستمرّ فيهم على عادتنا قتل البنين وترك البنات (٦)، ولم يتجاسر على أكثر (٧) من ذلك لما يتخوّف من تحريك السّاكن في تغيير العادة (٨). ﴿قاهِرُونَ:﴾ متسلّطون عليهم. ١٢٨ - ﴿اِسْتَعِينُوا بِاللهِ:﴾ على الائتمار بأوامره. ﴿وَاِصْبِرُوا:﴾ على أذى فرعون وقومه (٩). ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها [مَنْ يَشاءُ] (١٠)﴾: تنبيه منه إيّاهم على التّسليم والرّضا بالقدر. ﴿وَالْعاقِبَةُ:﴾ عاقبة الخير دون الشّرّ (١١). ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ بشارة وحثّ على التّقوى (١٢). ١٢٩ - ﴿قالُوا أُوذِينا:﴾ عن وهب أنّ فرعون صنّف بني إسرائيل أصنافا، فأمّا ذوو (١٣)

стр. 682

القوّة منهم فيحملون إليه السّواري (١) من الجبال، وهم يتولّون قلعها ونحتها ونقلها، وأمّا من دونهم في (٢) القوّة فينقلون إليه الحجارة والتّراب للبناء، وأمّا الضّعفة منهم فيضربون اللّبن ويطبخون الآجر، ومن لم يستطع من ذلك شيئا كانت على رأسه ضريبة يؤدّيها كلّ يوم قبل أن تغرب الشّمس، فإن غربت قبل أن يؤدّيها (٣) غلّت يداه إلى عنقه شهرا، فضجروا لذلك وضاقوا به ذرعا، وشكوا (١٢٣ و) إلى موسى، فصرّح لهم البشارة بإذن الله تعالى ليطمئنّوا إليها (٤). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ أرض مصر (٥)، وقيل: الأرض (٦) المقدّسة؛ لأنّ بني إسرائيل لم يرجعوا إلى مصر بعد ما هربوا من فرعون، وليس بسديد. ١٣٠ - ﴿بِالسِّنِينَ:﴾ القحوط (٧)، قال ﷺ : (اللهمّ اجعل (٨) عليهم سنين كسنين يوسف) (٩). ١٣١ - ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى:﴾ التّطيّر: التّشاؤم بالمقدر الموهوم من الشّيء (١٠). ﴿طائِرُهُمْ:﴾ حظّهم المقدّر من خير أو شرّ (١١). وكأنّه سمّي الطّائر لسرعة وجوده ومجيئه، كما يقال: طارت الكلمة، والصبح المستطير. ١٣٢ - ﴿مَهْما:﴾ حرف شرط، ولا بدّ من (١٢) أن يكون كلّه أو بعضه (١٣) اسما موصولا، وهي حرف على صيغة تلك. وقيل: أصله (١٤): (ما ما)، (ما) (١٥) الأولى للشّرط والثّانية للتّأكيد دخلت على الأولى، وقيل: حرفان: (مه) للزّجر، و (ما) للشّرط (١٦).

стр. 683

١٣٣ - ﴿الطُّوفانَ﴾ (١): جمع، واحدتها: طوفانة، كالرّمّان والحصبان (٢). وقيل (٣): مصدر كالرّجحان والخسران. وقال ابن عبّاس: الطّوفان أمر من الله تعالى طاف بهم، ثمّ قرأ: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم:١٩] (٤). وقال عطاء ومجاهد: إنّه الموت الذريع (٥). وقال وهب: هو الطّاعون، بلغة [أهل] (٦) اليمن. وعن أبي قلابة: الجدري (٧). وعن الكلبيّ: المطر الدائم من السّماء من سبت إلى سبت، لم يروا فيه شمسا ولا قمرا، ولم يقدر أحد أن يخرج إلى ضيعته، فكادت مصر تكون بحرا واحدا، فاستغاثوا إلى موسى ﵇ ووعدوا له تسريح بني إسرائيل، فدعا الله ليصرف ذلك عنهم، فصرف، وأنبتت الأرض في أثره من الزّروع والثّمار والعشب ما لم يروه (٨) قطّ، فقالوا: كان المطر خيرا لنا ولم نشعر به، فرجعوا إلى تعذيب بني إسرائيل، فابتلاهم الله بالجراد، وهو الذي ركبتاه من فوق الظّهر، يحلّ أكله من غير ذبح (٩)، فصار عليهم كالسّحاب، وأكل عامّة زروعهم وثمارهم، فاستغاثوا إلى موسى ﵇، ووعدوا له تخلية بني إسرائيل، فصرف الله الجراد عنهم بالرّيح، فرجعوا إلى إيذاء بني إسرائيل وقهرهم (١٠)، فأرسل الله (١١) عليهم القمّل، قال الكلبيّ: وإحدى الرّوايتين عن ابن عبّاس: الدّبى، وهي صغار الجراد، لا أجنحة لها (١٢)، فغشيت وجه الأرض وأكلت ما أفضلت الجراد فلم تترك في مصر عودة خضرة ولا حبّة، فاستغاثوا إلى موسى ﵇ فأهلكها (١٣) الله بالحرّ (١٤). وعن ابن عبّاس وابن جبير: القمّل: دويبة (١٥) تأكل الحنطة والحبوب يخرج (١٦) منها، قال الأمير (١٧): كأنّها

стр. 684

السّوس. وعن عطاء أنّها دابّة لها سنّ تأكل شعور النّساء. وقيل: هي الحلمة (١). وقال الأحمر: واحدة القمّل قملة، وقال الفرّاء: لا واحد لها (٢). ثمّ عادوا إلى عادتهم الخبيثة فابتلاهم الله بالضّفادع، خرجت إليهم من البحر وزاحمتهم في مجالسهم ومضاجعهم، كان الرّجل منهم (٣) يستيقظ فيجد على سريره ذراعا من الضّفادع بعضها فوق بعض، والضفدع: الذي صوته النّقيق (٤)، فشكوا إلى موسى فأمات الله الضّفادع، فقال (٥) لموسى ﵇ (٦): خلّينا بني إسرائيل فاذهب بهم حيث شئت مجرّدين ولا تذهب بأموالهم ومواشيهم، (١٢٣ ظ) قال موسى ﵇: أمرني الله أن أخرج بهم وبأموالهم ولا أخلف لهم بقرة ولا حمارا ولا فضّة ولا ذهبا، قالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، فابتلاهم الله بإحالة مياههم دما، فكانت عيونهم وأنهارهم دما وأنهار بني إسرائيل صافية عذبة، فاستقوا من أنهار بني إسرائيل فصار الماء في أوانيهم دما، فركب فرعون إلى أنهارهم وأمر أناسا من قومه ليخوضوا في أنهار بني إسرائيل ويكرعوا في الماء فإذا الماء ينقلب في أفواههم دما، فكلف أناسا من بني إسرائيل ليسقوا أناسا من قومه بأفواههم فكان الماء إذا خرج من فم الإسرائيليّ إلى فم القبطيّ صار دما، وماتت الأبكار من كلّ شيء، فعجز فرعون وحلف بأيمانه لموسى (٧) ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ [بَنِي] إِسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، فدعا موسى فصرف الله ذلك عنهم، فلم يزد فرعون إلاّ تمرّدا وعنادا (٨). وكانت المهلة بين كلّ عذابين (٩) شهرين شهرين، وقيل: شهرا واحدا، وقيل: أسبوعا (١٠). ١٣٤ - ﴿عَهِدَ:﴾ العهد: الشريطة (١١). ١٣٥ - ﴿كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ:﴾ أي: على سبيل التّمهيل والإرجاء (١٢)،٧

стр. 685

[لا] (١) على سبيل العفو. «و (النكث): نقض (٢) العهد». ١٣٦ - ﴿الْيَمِّ:﴾ البحر (٣)، وقيل: اسم لبحر إساف (٤) خاصّة. ولمّا تمّ معلوم الله تعالى من فرعون وقومه في مجادلة موسى ﵇ أوحى [الله] (٥) إلى موسى أن أسر ﴿بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدّخان:٢٣]، وكان الميعاد ساحل البحر، وتأهّب موسى للخروج وكان لا يتّفق له ذلك، فشاور قومه فذكروا وصيّة من جهة يوسف ﵇، وهو أن يخرجوا بتابوته إذا خرجوا، فطلبوا من يدلّهم فلم يجدوا إلاّ عجوزا قبطيّة دلّتهم عليه على شريطة أن يخرج بها موسى ﵇ مع نفسه ويدخل الجنّة معها، فضمن موسى ﵇ لها ذلك، فدلّتهم على صخرة مصمّدة (٦) في قعر الوادي فاستخرجوه، ثمّ استعاروا من حليّ قوم فرعون يستدرجونهم بها، وخرجوا ليلة الأحد التّاسع من المحرّم، وكانت (٧) علامتهم لطخ الأبواب بدماء الذّبائح، من انتهى إلى باب أخيه ورأى تلك العلامة تيقّن بخروجه ولم ينتظره، فلمّا اجتمعوا بالبرية اعترضهم موسى ﵇ فكانوا ستّ مئة ألف وعشرين ألف فارس مقاتل سوى الرجالة والنّساء والمشايخ والصّبيان، وجعل موسى هارون ﵇ على مقدّمتهم وأمره بأن (٨) يقودهم إلى البحر فإنّه ميعاد جبريل ﵇، وكان هو في ساقتهم (٩) يسوق سبطا سبطا، وانتبه قوم فرعون وقت السّحر فلم يحسّوا بأصوات بني إسرائيل، فتفقّدوهم فوجدوهم قد خرجوا، فأخبروا (١٠) فرعون بذلك فأراد فرعون أن يتغافل عنهم، قالوا: كيف وقد استعاروا أموالنا وحليّنا وذهبوا بها (١١)، فحملهم ذلك على أن خرجوا في أثر بني إسرائيل غداة يوم الأحد، وقيل: غداة يوم الاثنين، والزّمان زمان الصّيف، وكان هامان على مقدّمتهم في ألف ألف فارس، فلحقوهم وقت الهاجرة

стр. 686

(١٢٤ و) ﴿فَلَمّا (١)﴾ تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) وقال موسى: ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ،﴾ فأوحى الله إلى موسى ﴿أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشّعراء:٦١ - ٦٣]، قيل: وكان موسى مأمورا بأن يخاطب البحر ويكنيه بأبي خالد. قالوا: وكان جبريل على رمكة (٢) بلقاء وفرعون (٣) على حصان، فتقدّم جبريل بين يدي فرعون والرّمكة كأنّها تستودق (٤)، فصال عليها الحصان ولم يستطع فرعون أن يمسكه حتى اقتحم البحر، ولم يلتطم، فظنّ العسكر أنّ البحر إنّما انفلق بأمر فرعون فاتّبعوه كلّهم، فلمّا خرجت بنو إسرائيل وحصل فرعون مع قومه كلّهم في البحر أتمّ الله مقدوره فيه (٥) وفيهم. ١٣٧ - ﴿الْأَرْضِ:﴾ أرض فرعون (٦)، ﴿بارَكْنا فِيها﴾ (٧): أي: بالخصب (٨)، وقيل: الأرض (٩) المقدّسة، وقيل (١٠): كلتاهما. و (الكلمة الحسنى): العدة الجميلة (١١). وإنّما قال: ﴿عَلى؛﴾ لأنّها نعمة (١٢). ﴿وَدَمَّرْنا:﴾ أهلكنا (١٣). وفائدة إهلاك قصورهم وعروشهم محو آثارهم ليعتبر به غيرهم لقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ (١٤) [النّمل:٥٢]، أو لأنّها كانت لا تصلح للمسلمين فهدموها ونقصوها وبنوا أبنية إسلاميّة. وكان نبيّنا ﷺ يأمر (١٥) بهدم الآطام بالمدينة (١٦).

стр. 687

١٣٨ - ﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ:﴾ أي: وقعوا واطّلعوا وانتهوا إليهم. وهم قوم من العمالقة من عشيرة فرعون. وقيل: من قبط، وهم قوم فرعون (١) ورعيّته. وقيل (٢): هم قوم من بني لخم بن عديّ بن عمرو بن سبأ بن شحب بن يعرب بن قحطان، كانوا نزولا على ساحل البحر، يعبدون الأصنام، فلمّا عاينت بنو إسرائيل، وكانوا قد عاينوا قوم فرعون، نصب آلهة يتقرّبون بها إلى فرعون، توهّموا جوازه من أهل التّوحيد تقرّبا إلى الله ولم يعلموا أنّه شرك، فحملتهم محاكاة (٣) على أن قالوا لموسى ﵇: ﴿يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ.﴾ وهذه القصّة قبل إيراث الأرض. ١٣٩ - ﴿مُتَبَّرٌ:﴾ «مهلك، والتّبار: الهلاك» (٤). ﴿ما كانُوا:﴾ أي: ما هم ﴿يَعْمَلُونَ.﴾ ١٤٠ - وقوله: ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ﴾ إنكار منه عليهم وتذكير لهم (٥) نعم الله. ١٤٢ - ﴿وَواعَدْنا مُوسى:﴾ قيل: إنّ موسى ﵇ كان وعد قومه أن يرجع إليهم بعد ثلاثين، ولم يعلم أنّ الله تعالى يزيده في الميقات عشرة (٦). وقيل: إنّه كان أخبرهم بأنّه قد زيد في ميقاته الثّلاثين عشرة، لكنّهم عدّوا عشرين يوما وعشرين ليلة أربعين (٧). وفائدة قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ نفي إيهام أن تكون التّتمّة بالعشرة من جملة الثّلاثين (٨). وكان بين الميقات وبين غرق فرعون عشرة أشهر؛ لأنّه غرق (٩) يوم عاشوراء، وكان الميقات (١٠) شهر ذي القعدة وعشرا (١١) من ذي الحجّة. و (الميقات): مفعال من الوقت (١٢). ١٤٣ - ﴿قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ:﴾ قال بعض أهل الزّيغ: سأل عن قومه حيث قالوا:

стр. 688

﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النّساء:١٥٣]، وهذا فاسد؛ لأنّه قال: أرني أنظر إليك، ولم يقل: أرنا ننظر، ولا أرهم ينظرون، وإنّما قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ لما (١) ابتلي بالصّعق (٢). وقال بعضهم: سأل رؤية الآيات، وهذا باطل لمخالفته ظاهر الآيات وفحواها ومشاهدته الآيات (٣). والقول الصّحيح أنّ موسى ﵇ كان عارفا ربّه (٤) متيقّنا بأنّه ﷻ مرئيّ ولكن خفي عليه أمر نفسه أنّها لا تحتمل (١٢٤ ظ) معاينة صانعها في التّركيب الدّنياويّ، فاستزلّته سكرة الاشتياق عن محافظة آداب العبوديّة حتى جاوز (٥) حدّ تقليب الوجه والتّعريض إلى النطق والتّصريح، فابتلي ب ﴿لَنْ تَرانِي﴾ وشغل بالنّظر إلى الجبل على شريطة أنّ التّركيب الدّنياويّ من الجبل إن احتمل المعاينة احتملها موسى ﵇، وأنّى للجبل ذلك، ثمّ رفع عن الجبل شيء من حجاب الآنيّة المتكوّنة، فأشرق بنور الآنيّة المتكوّنة وتلاشى لجلاله بمرأى من موسى ﵇، وهو المقصود، فصار الروح من موسى (٦) مختطفا مغلوبا كالسّراج (٧) في الشّمس ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ﴾ بإذن الله سبّح لله وتاب إليه عن سؤال ما لا ينال بالسّؤال (٨)، وكان أوّل المؤمنين بتقطّع الجبال لتجلّي ذي الجلال. يروى أنّ الجبل تقطّع قطعا فصارت قطعة منهنّ هباء منثورا، وطارت أربع قطع في الهواء فوقعن (٩) بمكّة، وطارت أربع فوقعن بالمدينة (١٠). وروي أنّ المياه كلّها عذبت تلك السّاعة، وظهرت المعادن والكنوز، وزال الشّوك عن الشّجر، وخمدت النّيران، وسقطت الأصنام. ويروى أنّ ملائكة السّماء نزلوا من السّماء بإذن الله تعالى إليه (١١)، وكانوا يقولون له:

стр. 689

أطلبت رؤية ربّ العزّة يا ابن النّساء الحيض (١). وأرسل الله على الجبل الضّباب والصّواعق والظّلمات، فأرعدت فرائص موسى، وهم يقولون: اصبر لما سألت (٢) فإنّما رأيت قليلا من كثير، ثمّ كان التّجلّي بعد هذه المقدّمات (٣). والمراد بالصّعق الموت عند قتادة (٤)، والغشي عند غيره (٥). قيل: ورجع موسى متبرقعا ببرقع، ومكث كذلك أربعين صباحا لئلاّ يخطف نور وجهه بالأبصار (٦). ١٤٤ - ﴿اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ:﴾ أي: على أهل عصرك (٧). ﴿وَبِكَلامِي:﴾ ما أسمعه من كلامه من غير وساطة (٨) سفير. ١٤٥ - ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ:﴾ وفي الحديث أنّ الله تعالى كتب التّوراة بيده، وخلق٧ آدم بيده، وخلق جنّة الفردوس وغرس شجرة طوبى بيده، وقال لسائر المرادات: كوني، فكانت (٩). و (الألواح)، قال الكلبيّ: كانت من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء، طولها عشرة أذرع (١٠). وعن وهب: من صخرة صمّاء ليّنها الله تعالى لموسى ﵇، فقطعها بيده وشقّقها بأصابعه (١١). وعن الحسن: من خشبة نزلت من السّماء (١٢). وذكر الزّجّاج والفرّاء أنّها كانت لوحين، ويجوز أن يعبّر عن الاثنين بلفظ الجماعة، كقوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النّساء:١١] (١٣). وعن ابن جريج أنّ الله تعالى كتبها بالقلم الذي كتب به الذّكر، واستمدّ من نهر النّور (١٤).

стр. 690

﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ أي: علما وخبرا من كلّ شيء، إمّا مجملا وإمّا مفسّرا (١). ﴿وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ:﴾ من الحلال والحرام، والحسن والقبيح، والمباح والمكروه (٢). ﴿بِأَحْسَنِها:﴾ بحسنها؛ لأنّ الله تعالى قد بيّن فيه الخير والشّرّ والحسن والقبيح، فالأحسن هو الحسن، وقيل: بأحسنها (٣)، أي: أحسن قصصها وسيرها، تعبّدهم الله (٤) بذلك دون ما دونه من الحسن (٥). ﴿دارَ الْفاسِقِينَ:﴾ منازل آل فرعون، وعدهم (٦) الله أن يردّهم إليها ويريهم إيّاها، وقيل: ما أراهم الله من منازل قوم لوط وأمثالهم (١٢٥ و) ليعتبروا (٧). ١٤٦ - ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ:﴾ تقديره: تكبّروا، أي: كانوا يتكبّرون، لاقتضاء أن تكون الجريمة مقدّمة على الجرائم. يحتمل أنّ الآية منزلة على موسى ﵇، والمراد بهؤلاء السّامريّ وقارون والذين قالوا لموسى: اجعل لنا إلها. ويحتمل أنّها مبتدأة الإنزال على نبيّنا ﷺ ، والمراد بهؤلاء اليهود. ١٤٨ - ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً:﴾ قيل (٨): إنّ هارون قال لقومه: معكم حليّ آل فرعون وهي لا تحلّ لكم فادفنوها في موضع من الأرض، واحتال السّامريّ حتى جعل في تلك الحفرة (٩) قالب عجل، فلمّا ألقوا الحليّ فيها وواروها بالتّراب أوقد السّامريّ عليها النّار فصارت عجلا منه شبه خوار بالطلسم. وقيل (١٠): إنّه كان رأى فرس جبريل ﵇ لا يضع حافره على موضع (١١) إلاّ اخضرّ بإذن الله تعالى، فأخذ من موقع حافره كفّا من التّراب، ويقول: ليكوننّ لهذا (١٢) شأن، وذلك بإلهام من الله، قال الله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ (٨) [الشّمس:٨]، فلمّا أخرج العجل ألقى التّراب في فيه فصار الجسد

стр. 691

لحما ودما ذا روح له خوار. وقيل (١): لم يحصل الخوار من حيلته، ولكنّ الله ابتلاهم به ليمدّهم في طغيانهم عقوبة لسوء اختيارهم. وخوار البقرة كرغاء الإبل وثغاء الضّأن ويعار المعز (٢). وفي قراءة عليّ (٣): (له جؤار) بالجيم، وهو الصّوت، قال الله تعالى: ﴿إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤]. ١٤٩ - ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ:﴾ أي: ندموا (٤)، هذه لفظة موضوعة للنّدامة. ١٥٠ - (الأسف) (٥): الممتلئ غضبا. وقيل (٦): إنّ الألواح تكسّرت إلاّ سدسها. ﴿بِرَأْسِ أَخِيهِ:﴾ بلحيته، وقيل: قبض على ناصيته، وقيل: أخذ برأسه كما يأخذه (٧) المصارع. وهذه الفعلة يحتمل أن تكون جائزة من موسى ﵇؛ لأنّه كان متبوعا وهارون تابعا وإن كانا نبيّين، ويحتمل أن تكون زلّة ولكنّ الله لم يؤاخذه بها لزوال التّمالك، ولأنّها كانت في ذاته (٨). وفي الآية دلالة أنّ صبر الخليفة على جنايات قومه والتّغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة كمنابذته (٩) ومضاجرته إيّاهم، ولذلك يصبر (١٠) خلفاء نبيّنا ﷺ من آل عبّاس على قبائح هذه الأمّة وافتراق (١١) أهوائها. و (الشّماتة): سرور العدوّ بما يسوء عدوّه، والإشمات: إنالة العدوّ ذلك (١٢). ١٥١ - ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي:﴾ لأخذه برأس أخيه (١٣)، ﴿وَلِأَخِي:﴾ لما ظنّ به من التّقصير (١٤). وقيل (١٥): الاستغفار عبادة وإن لم تكن الزّلّة معلومة.

стр. 692

﴿رَحْمَتِكَ:﴾ «جنّتك» (١). ١٥٢ - وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ،﴾ الآية، دلالة على نسخ الوعيد؛ لأنّه تعالى عفا عنهم وجعل القتل توبة لهم (٢). ١٥٣ - ﴿عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا:﴾ هي ما تاب عنها (٣) أصحاب الصّوامع وأمثالهم من التّهتّك والمجون. وقيل (٤): التّوبة والإيمان واحد، جمع بين اللّفظين للتّأكيد. وقيل: التّوبة ترك اعتقاد الكفر، والإيمان ابتداء اعتقاد (٥) الإسلام، وهما شيئان لا محالة. ١٥٤ - ﴿سَكَتَ:﴾ سكن (٦)، ومنه السّكتة، والسّكوت: الكفّ عن النّطق (٧). ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ:﴾ أي: أعيد له ما تكسّر (٨) في لوحين. وقيل (٩): أخذ الباقي، وكانت فيه كفاية؛ لأنّ الأحكام كانت فيه، وإنّما ذهب الأخبار والأمثال والمواعظ. ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ:﴾ لأجل (١٠) وعيده يخافون. (١٢٥ ظ) ١٥٥ - ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ:﴾ من قومه (١١). وقيل: اختار موسى ﵇ من قومه ستّين شيخا، لم يجد من الشّيوخ المرضيّين غيرهم، فأمره الله بأن يختار من كلّ سبط شابّين، فاختار فأصبحوا شيوخا، ثمّ أراد موسى أن يخلف منهم اثنين ويذهب بالسّبعين، فتشاجروا في ذلك، فقال موسى: من قعد منكم كان له أجر من انطلق معي، فقعد يوشع بن نون وكالوب، وذهب موسى إلى الجبل، فلمّا انتهى إلى سفحه تركهم هناك، وصعد موسى الجبل، وكلّمه الله تكليما، وشاهد ما شاهد (١٢)، ثمّ رجع إليهم كالشّمس الطّالعة فقالوا (١٣): نحبّ أن نسمع كلام الله كما سمعته، فأسمعهم الله كلامه،

стр. 693

فقالوا (١): نحبّ أن نرى الله جهرة كما رأيته، قال: إنّي لم أر الله جهرة، ولم تسكن قلوبهم إلى قوله فأخذتهم الرّجفة، فقال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ فإنّك قادر على ما تشاء ولك السّبيل والحجّة، ثمّ قال: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ﴾ كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة:٣٠] (٢)، وقال نبيّنا ﷺ : (أتعذّبهم وأنا فيهم (٣)؟ أتعذّبهم وهم يستغفرون؟) (٤). وإنّما علم موسى ﵇ فعل السّفهاء بقوله تعالى: ﴿فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥]. ثمّ أثنى عليه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ (٥)﴾ فِتْنَتُكَ: أي: ما هي إلاّ ابتلاؤك وامتحانك، فإنّه لا طير إلاّ طيرك ولا إله غيرك. ﴿تُضِلُّ بِها:﴾ بالفتنة (٦) ﴿مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ:﴾ أي: بها وبغيرها. ١٥٦ - ﴿وَاُكْتُبْ:﴾ «وأوجب» (٧). ﴿هُدْنا إِلَيْكَ:﴾ «تبنا إليك» (٨)، وقال ابن عرفة: سكنّا إلى أمرك، ومنه الهوادة (٩). قيل (١٠): ومن هذا اللّفظ اشتقاق لقب اليهود، وقيل (١١): بل اللّفظة من لقبهم. ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ:﴾ أي: يسع كلّ شيء إن شئت. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ:﴾ بالآلاء والنّعماء (١٢). ﴿فَسَأَكْتُبُها:﴾ أي: الحسنة في الدارين والرحمة (١٣)، أو الآخرة (١٤) نفسها للمذكورين

стр. 694

خالصة يوم القيامة. ﴿بِآياتِنا:﴾ كلّها. ١٥٧ - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ:﴾ يحتمل أنّها نزلت على موسى ﵇، ويحتمل أنّها نزلت على نبيّنا ﷺ مستأنفة ليقطع دعاوى (١) اليهود والنّصارى عن الإيمان بالآيات. وإنّما وصف بالأمّيّ لأنّه لم يكن يتلو قبله من كتاب ولا يخطّه بيمينه، ولأنّه كان من أمّ القرى، ولأنّه لم يكن من (٢) نسل أهل الكتاب (٣). ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ:﴾ دليل أنّ اسم الشّيء لا يغاير. و (الإصر) (٤): ما كلّفهم الله من الأحكام الثّقيلة. ﴿وَالْأَغْلالَ:﴾ ما لزمهم من الضيق والحرج (٥) عقوبة لجرائمهم لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ﴾ [النّساء:١٦٠]. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ:﴾ أمثال ورقة وبحيرا الرّاهب، والذين ﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ:﴾ أمثال عبد الله بن سلام والقسّيسين والرّهبان، والذين اتّبعوا ﴿النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ:﴾ أمثال كعب الأحبار إلى يوم القيامة. ١٥٩ - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ:﴾ أمّة منقرضة (٦) في سالف الزّمان، تقديره: ومن الأمّة أمّة (٧) يهدون بالحقّ، قال (٨): ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، ثمّ قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف:١٦٩]. وقيل: الأمّة الهادية قوم استقاموا على شرائع التّوراة قبل نسخها بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ﴾ (١٢٦ و) ﴿دِيناً﴾ [آل عمران:٨٥]. وقيل: المراد بها عبد الله بن سلام وأصحابه ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧]. وقيل: المراد بها قوم وقعوا بأرض وراء الصّين رآهم نبيّنا ﷺ ليلة المعراج ودعاهم إلى الإسلام وتحويل السّبت إلى الجمعة على سنّة الإسلام، فأجابوه وآمنوا به.

стр. 695

وقيل: هؤلاء القوم على شريعة التّوراة بعد، وهم معذورون؛ لأنّهم لم يروا نبيّنا ﷺ ولم يسمعوا القرآن ولم يبلغهم خبر الإسلام على سبيل التّواتر والاستفاضة، فإنّ جهة الوصول إليهم جهة واحدة وهي واد من رمل جار يخسف بمن يجتازه إلاّ يوم السّبت، ولا يستنكر أن يكونوا قد غيّروا وبدّلوا في أيّامنا، وكانوا (١) كما وصفهم الله تعالى حالة نزول الآية: ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ:﴾ أي: يهدون من يصل إليهم من كفّار نواحيهم ويهدون صبيانهم بالقول الحقّ والأمر الحقّ (٢). ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ:﴾ في ما بينهم. ١٦٠ - ﴿فَانْبَجَسَتْ:﴾ «انفجرت» (٣). ١٦٣ - ﴿وَسْئَلْهُمْ:﴾ وفائدة السّؤال التّقرير (٤). ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ:﴾ عمّا أصاب أهلها إذ (٥) اعتدوا في أمر السّبت. ﴿حِيتانُهُمْ:﴾ جمع حوت، كغيلان جمع غول، والحوت: السّمكة (٦). ﴿شُرَّعاً:﴾ قال أبو عبيدة معمر (٧): شوارع في الماء: بادية، قال اللّيث: حيتان شروع: رافعة رؤوسها (٨). ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ:﴾ «لا يفعلون السّبت» (٩)، والسّبت مصدر (١٠). ﴿كَذلِكَ:﴾ يحتمل معنيين: التّشبيه بالإتيان، أي: لا تأتيهم شرّعا، والثّاني: أن يبتدئ، أي (١١): كما أخبرناك ﴿نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٢). ١٦٤ - ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ (١٣)﴾ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ: قيل: الأمّة السّائلة المبالغون في الأمر

стр. 696

بالمعروف والنّهي عن المنكر، قالوا هذه المقالة بمسمع من المعتدين لتأكيد الزّجر. وقيل: هم المداهنون. وقيل: هم المعتدون أنفسهم، سألوا على وجه الاستهزاء (١). ١٦٦ - ﴿فَلَمّا عَتَوْا:﴾ الآية كالبدل عن الآية الأولى (٢). ﴿قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ:﴾ كالبيان للعذاب البئيس (٣). ١٦٧ - ﴿تَأَذَّنَ﴾ وآذن بمعنى، كتوعّد وأوعد (٤). وعن الزّجّاج: معناه: تألّى (٥) ربك. و (المبعوثون): هم المسلّطون عليهم من كافر ومسلم (٦). وفي فحوى الآية بشارة لنا بالاستيلاء على الدّجّال (٧) وأتباعه، ودلالة على بقاء بقيّة من هؤلاء الأرجاس إلى انتهاء الدّنيا مقهورين مسخّرين. ١٦٨ - ﴿وَقَطَّعْناهُمْ:﴾ فرّقناهم (٨) في أيّام بختنصر وبعده. ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ:﴾ «الوصف» (٩). ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ يتوبون (١٠). ١٦٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ نزلت في يهود عصر الوحي ومن يجانسهم (١١). وقيل: نزلت في الجائرين (١٢) من فقهاء الأمّة وقضاتها. (الخلف) بسكون اللام: العقب السوء (١٣). ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ:﴾ أي: وجدوه عن آبائهم ومقدّميهم (١٤).

стр. 697

﴿يَأْخُذُونَ:﴾ على إظهار ما في الكتاب وكتمانه منافع هذا الزمان ﴿الْأَدْنى﴾ رشوة (١). ﴿سَيُغْفَرُ:﴾ أي: يغفر لنا أخذ هذه الرشوة الواحدة، وهم مصرّون وفي عزمهم أنّه إن ﴿يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ،﴾ وهذا القول منهم كفر وافتراء على الله تعالى وتألّ عليه؛ لأنّ الله تعالى لم يعد ولم يوجب لمصرّ (٢) على الصّغيرة مغفرة فكيف لمصرّ على الكبيرة (٣). ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ:﴾ قيل: مستأنف، والواو لعطف جملة على جملة (٤)، (١٢٦ ظ) كقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦)﴾ [الضّحى:٦]، أي: وجدك يتيما وضالا وعائلا (٥) فآوى وهدى وأغنى. ١٧٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ:﴾ عطف على ﴿(الَّذِينَ)﴾ في الآية المتقدّمة، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره: نوفّيهم أجورهم، مضمرا بدليل المظهر (٦)، وقيل: خبره: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ على اعتبار أنّ ﴿(الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ)﴾ و ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ شيء واحد (٧). ١٧١ - ﴿نَتَقْنَا:﴾ النّتق: رفع المظل على ما تحته (٨)، في حديث علي: البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها (٩)، ومنه نتق السّقاء وهو أن يرفعه فينفضه (١٠)، ومنه المرأة النّاتق وهي كثيرة الولد (١١)؛ لأنّها كالمظلة على أولادها، وفي الحديث: (عليكم بالأبكار فإنّهنّ أطيب أفواها وأنتق أرحاما) (١٢). ١٧٢ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ:﴾ عن أبي العالية (١٣) عن أبيّ بن كعب قال: جمعهم يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم أزواجا (١٤) في صورهم، ثمّ استنطقهم وأخذ عليهم

стр. 698

العهد والميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ قال: فإنّي أشهد عليكم السّموات السّبع والأرضين السّبع وأشهد عليكم أباكم آدم ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ لم نعلم بهذا، اعلموا أنّه لا إله غيري ولا ربّ غيري فلا تشركوا بي شيئا فإنّي سأرسل إليكم رسلي يذكّرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: ﴿شَهِدْنا:﴾ بأنّك إلهنا وربّنا (١) لا ربّ لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقرّوا له (٢) يومئذ بالطّاعة. ورفع عليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى الغنيّ والفقير وحسن الصّورة ودون ذلك، فقال: ربّ لو سوّيت بين عبادك، فقال: إنّي أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السّرج عليهم النّور وخصّوا بميثاق آخر في الرّسالة والنّبوّة وهو الذي يقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآية [الأحزاب:٧]، وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الرّوم:٣٠]، وفي ذلك قال: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ (٥٦) [النّجم:٥٦]، أي: أخذ عليه الميثاق مع النّذر الأولى (٣)، وفي ذلك: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف:١٠٢]، وفي ذلك قال: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يونس:٧٤]، فكان في علمه يوم أمروا به من يكذّب ومن يصدّق به. قال: فكان روح عيسى ﵇ من تلك الأرواح التي أخذ الله عليها العهد والميثاق من زمان آدم ﵇، فأرسل [الله] (٤) ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا فحملته، أي: فحملت الذي خاطبها (٥) وهو روح عيسى ﵇، دخل في فيها (٦). وروي في إخراج الذّرّيّة من صلب آدم ﵇ أمثال الذّرّ روايات كثيرة عن ابن عبّاس، وإلى هذا القول ذهب أكثر أهل السّنّة، قالوا: أخرج ذلك اليوم أولاد صلبه من صلبه، وأولاد أولاده من أولاده، وأولاد أولادهم من أولادهم، وكذلك إلى انقطاع النّسل، وكانوا أقلّ وأصغر وأخفى من الذّرّ لا محالة، فإنّ الذّرّ مركّب من أجزاء كثيرة فلا شكّ أنّهم كانوا أصغر وأخفى حين كانوا كمنا إلاّ أنّ الله تعالى أنماهم بعد (١٢٧ و) الإخراج كما شاء فجعلهم أرواحا كما قال أبيّ، وأمثال الذّرّ كما قال ابن عبّاس، فأسمعهم وبصّرهم وأنطقهم بمشهد أبيهم آدم

стр. 699

عليه السّلام ليشهد عليهم (١). قال: وفائدة ذلك أحد أشياء أربعة: إمّا تطييب قلب آدم ﵇ وتسليته بشبه عذر من النّاكثين، وإمّا تذكّر الأنبياء والصّدّيقين ذلك الميثاق في مدّة أعمارهم، كالمستيقظ يذكّر ما رأى فيذكره بعينه وصورته، أو تذكير (٢) غيرهم كالسّكران يفعل شيئا في سكره ثمّ يتخيّله فيتفكّر فيه، وليس يبعد أن يكون توهّم الناسخ (٣) من جري هذا الميثاق، وإمّا ما (٤) تذكره من هبة آدم ﵇ من (٥) داود ﵇ سنين من عمره ويجوز (٦) ذلك، وإمّا معنى لم يطلعنا الله عليه (٧). وقيل: المراد بالإخراج إخراج المواليد في كلّ عصر وقرن، والميثاق الإلهام في قلوب ذوي العقول قبل (٨) اختيارهم الكفر أو الكتاب السّماويّ والأخبار المتواترة. والمأخوذ به ما هو موافق لظاهر الكتاب وعليه الجمهور (٩). ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ:﴾ بدل ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ (١٠)، وهو عطف البيان. ﴿وَأَشْهَدَهُمْ:﴾ «أي: أشهد بعضهم على بعض» (١١). ﴿شَهِدْنا:﴾ من كلامهم (١٢). [﴿أَنْ تَقُولُوا:﴾] (١٣) تقديره: لأن لا تقولوا، أي: لردّ قولهم هذا وللنفي اتجاهه من أيّ وجه. ١٧٣ - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا:﴾ لّما كان أخذ هذا الميثاق ممّا يذكره الأنبياء والصّدّيقون (١٤) ويتحيله الشّهداء والصّالحون ويعترف به العوامّ والمقلّدون مع ما نبّه الله عليه كافّة النّاس في القرآن المعجز لم تصحّ دعوى المنكرين بأنّهم (١٥) كانوا مجيبين من جهة آبائهم الأوّلين (١٦).

стр. 700

١٧٥ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا:﴾ نزلت في بلعام بن باعور، كان في مدينة الجبّارين، وكان من ذرّيّة لوط ﵇، وكان يعرف اسم الله الأعظم فدعا به على بني إسرائيل فحبسوا في التّيه أربعين سنة، فدعا موسى ﵇ بإذن الله تعالى بنزع (١) الاسم الأعظم عنه. ويروى أنّه كان في زمن يوشع ﵇، لمّا حاصر (٢) يوشع هذه المدينة طلب بالق من بلعام أن يدعو عليهم، وكان يعرفه أنّه مجاب الدّعوة، فلم يفعل بلعام وقال: هؤلاء أولياء (٣) ربّي لا أدعو عليهم، فرشا بالق امرأته بأموال كثيرة ولؤلؤ وحليّ فاستزلّته امرأته، فركب أتانا له وخرج إلى صومعته ليدعو على بني إسرائيل فلم تسر تحته (٤) الأتان، فنزل عنها وتوجّه إلى صومعته (٥) راجلا، فاستقبله ملك من الملائكة وأخذ عليه الطّريق، فخرّ ساجدا ودعا الله تعالى ليخليه، فانكشف عنه الملك، فلمّا انتهى إلى الصّومعة وتهيّأ للدّعاء نساه الله ذلك الاسم، وصار كافرا بعزمه على الدّعاء لنصرة الكافرين على المؤمنين، فلمّا نسي الاسم غضب وسخط على ربّه، ورجع إلى (٦) بالق وعلّمه حيلة وهي أن يسرّح إلى بني إسرائيل جواري حسانا ليزنوا بهنّ فيخذلهم الله تعالى (٧). وعن مجاهد والمعتمر بن سليمان عن أبيه أنّ بلعام كان نبيّا (٨)، وهذا (٩) محمول على أنّه كان نبيّا عند نفسه، أو عند النّاس، أو يشبه الأنبياء لاطّلاعه على شيء من الغيب على سبيل التّبع والاتفاق كالشّهداء (١٢٧ ظ) لا على سبيل التّخصيص والاجتباء كالأنبياء. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب أنّ الآية نزلت في أميّة بن [أبي] (١٠) الصلت، كان قد قرأ الكتب ووجد فيها نبيّا يبعث من العرب، فطمع أن يكون هو ذلك، وكان مع ذك فاجرا خبيثا يقول بلسانه غير ما يفعله بأركانه، فلمّا بعث نبيّنا ﷺ كذّب به حسدا ولم يؤمن ومات كافرا، وفيه قال (١١) ﷺ : (هو رجل آمن بلسانه وكفر قلبه (١٢)).

стр. 701

وقيل: نزلت في راهب بن (١) صيفيّ، كان يلبس المسوح وتنسّك في الجاهليّة، ثمّ عادى نبيّنا ﷺ وذهب إلى قيصر مستمدّا، فأهلكه الله تعالى في الطّريق. وقيل (٢): نزلت على وجه المثل في كلّ يهوديّ ونصرانيّ. ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ لحقه (٣)، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته، وقال الفرّاء: تبعه وأتبعه بمعنى، كلحقه وألحقه (٤). ١٧٦ - ﴿لَرَفَعْناهُ بِها (٥)﴾: أي: لشرفناه بالآيات وعصمناه عن صفة الإخلاد إلى الأرض واتّباع الهوى (٦). ﴿وَلكِنَّهُ:﴾ ولكن لم نشأ عصمته ف ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ:﴾ والإخلاد إلى الأرض هو لزوم المكان والتثبط والتقاعد (٧). و ﴿الْكَلْبِ:﴾ سباع. و (اللهث): إخراج اللّسان (٨). إذا أخرج الكلب لسانه من حرّ أو عطش لم يمسكه بزجر ولا تخلية، كذلك المنسلخ من الآيات لم ينزجر عن كفره بإنذار ولا تخلية (٩). و (الحمل على الشّيء): قصده على وجه الطّرد، وكأنّه أخذ من (١٠) حمل السّلاح عليه. ١٧٧ - ﴿ساءَ:﴾ بئس، و ﴿الْقَوْمُ:﴾ مرتفع، و ﴿مَثَلاً:﴾ نصب على التّفسير (١١). ١٧٨ - ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ:﴾ الهداية: التّوفيق للاهتداء، و (الإضلال): الخذلان (١٢). واتّصالها بما قبلها من حيث ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف:١٧٦]. ١٧٩ - ﴿ذَرَأْنا:﴾ أي: شئنا بذرئهم مصيرهم.

стр. 702

واللام لام الغرض، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ الآية [مريم:٧١]، وقوله ﷺ : (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) (١)، يدلّ عليه أنّ الله تعالى كان عند ذرء الشّقيّ عالما بمصيره لا محالة فلو لم يشأ مصيره لما ذرأه، ألا ترى أنّ الحكيم لا يغشى النّساء إذا لم يرد النّسل، ولم يتمتّع بالشّهوات إذا لم يرد السّمن. وقوله: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) [الذّاريات:٥٦] ليس بمناقض لهذه الآية؛ لأنّ العبادة ليست بمضادّة ﴿لِجَهَنَّمَ،﴾ ولاحتماله أوجها سبعة: أحدها: التّسخير لقوله: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ الآية [الرّعد:١٥]، والثّاني: إظهار الخضوع لا القيام بالأوامر، والثّالث: العبوديّة وهي الكينونة لا العبادة، والرّابع: حالة الطّفولة قد خلقوا على الفطرة، والخامس: الاقتضاء والاستحقاق كقول الوالدة لولدها: ما ولدتك إلاّ لتكبر فتحسن إليّ، والسّادس: العموم بمعنى الخصوص فيصرف إلى أهل السّعادة، والسّابع: كون اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ لام العاقبة والمآل وذلك عند معاينة البأس. فلو كان يحتمل معنى واحدا لا يصحّ دعوى التّناقض، كيف وقد احتمل الأوجه. ١٨٠ - ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر الكفّار وهم ملحدون (٢). (الأسماء): التّسميات التي يكلّم (٣) الله بها. و (الحسنى): (١٢٨ و) تأنيث الأحسن (٤). ﴿الَّذِينَ (٥)﴾ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ: الذين اشتقّوا لأصنامهم أسماء من أسماء الله ، كاللاّت من الله، والعزّى من العزيز (٦)، والذين أنكروا إطلاق تسميتين على مسمّى واحد فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ [الفرقان:٦٠]. ويدخل في جملة هؤلاء الذين قالوا: أسماء الله مخلوقة، والذين أطلقوا على الله اسم الجسم (٧)، والذين فرّقوا بين الأسماء المشتقّة من صفات (٨) الذّات وبين الأسماء المشتقّة من صفات الفعل. ١٨١ - ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ:﴾ هم أهل السّنّة والجماعة. وتفسير السّنّة أن يسلكوا

стр. 703

طريق السّلف في كراهة الكلام والجدال في الدّين، والتّعسّف (١) في تأويل متشابهات كلام ربّ العالمين وحديث رسوله خاتم النّبيّين، وأن (٢) يجتهدوا في الفروع بالبحث (٣) عن النّاسخ والمنسوخ، والظّاهر القريب والخفيّ البعيد، وأن يميزوا الصّحيح من السّقيم، والمتواتر من الآحاد، والمتعارف المعتاد بين النّاس من النّادر والشّادّ، وأن يتحرّوا الأشبه فالأشبه، ويجتنبوا إهمال الحوادث كما يجتنبون مخالفة الأصول الشّرعيّة وتفسير الجماعة، والالتجاء (٤) إلى الكلمة السّواء عند اقتتال المقتتلين. وهذه (٥) الآية حجّة في صحّة الإجماع (٦)؛ لأنّ الله تعالى زكّاهم وعدلهم في أحكامهم. ١٨٢ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ أنكروها سرّا وجهرا، أو أنكروها سرّا مع الإقرار بها جهرا، وأنكروا ظاهرها المعروف أو تفسيرها المجمع عليه أو سرّها المكتوم لتعسّف في التّأويل من غير حجّة ودليل. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ:﴾ قال الخليل (٧): «سنطوي عمرهم في اغترار منهم»، وقال الضّحّاك: كلّما جدّدوا (٨) معصية جدّدنا لهم نعمة، وقال القتبيّ: هو أن يدنيهم (٩) من بأسه قليلا قليلا. واستدراج الشّيء: تحصيله على المهلة والتّدريج (١٠). ١٨٣ - ﴿كَيْدِي:﴾ مكري (١١)، ﴿مَتِينٌ:﴾ قويّ شديد وثيق (١٢). ١٨٤ - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا:﴾ قيل: صعد النّبيّ ﷺ ذات ليلة (١٣) الصّفا فلم يزل يدعو قريشا فخذا فخذا حتى أصبح، فقال أناس منهم: أصبح الرّجل مجنونا، فأنزل الله (١٤). والمراد بالاستفهام أحد شيئين: إمّا الحثّ والإغراء، وإمّا التّقرير والإثبات، أي: تفكّروا

стр. 704

وعلموا ثمّ أنكروا وجحدوا (١). ﴿بِصاحِبِهِمْ﴾ (٢): الصّاحب: الذي بينك وبينه شأن من خلاف ووفاق. و ﴿ما﴾ (٣): للنّفي، و ﴿مِنْ:﴾ لتأكيد النّفي. و (الجنّة): «الجنون» (٤)، ككلّة البصر وكلوله. ١٨٥ - ﴿يَنْظُرُوا:﴾ نظر القلب إن شاء الله ولذلك عمّ المخلوقات كلّها بقوله: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ.﴾ ﴿وَأَنْ عَسى:﴾ في محلّ النّصب معطوفا على قوله (٥): ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،﴾ أو محلّ الخفض معطوفا على قوله (٦): ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ.﴾ وفائدة النّظر في المخلوقات الاستدلال بها على صانعها (٧). ﴿بَعْدَهُ:﴾ بعد الحديث، أو بعد تمام الأجل (٨). ١٨٧ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ:﴾ لا يتولى مخلوق إلى علم (٩) أوانها حقيقة، إنّ واحدا من المخلوقين لو توصّل (١٠) إليه من جهة الوحي أو الأمارات المتقدّمة وتعيّنت له السّاعة بكميّة الأيّام والسّاعات والدّقائق لتنكّرت بكميّة الأعداد والأنفاس والأصوات (١٢٨ ظ) واللّحظات والخطرات، كيف وهي ممكنة في كلّ لحظة غير واجبة (١١). ﴿أَيّانَ:﴾ سؤال عن الوقت، يليها الاسم تارة والفعل أخرى، وهي مركّبة من أيّ أوان (١٢).

стр. 705

﴿مُرْساها:﴾ مواضع إرسائها (١). والإرساء: الثّبوت والقيام (٢). ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها:﴾ لا يظهرها لوقتها (٣) غيره. ﴿ثَقُلَتْ:﴾ أي: عظم واستصعب وقوعها (٤)، أو علمها على أهل السّموات والأرض (٥). وفائدة الكتمان استواء الأوّلين والآخرين في الإنذار بالسّاعة وعظم شأن المباغتة والمفاجأة (٦). ﴿حَفِيٌّ:﴾ مبالغ في البرّ أو السّؤال، يقال: استحفى السّؤال، وأحفى في السّؤال (٧)، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمّد:٣٧]. ﴿لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنّ علمها خاصّة لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو، فيظنّون أنّهم يقفون عليها بالبحث عنها (٨). ١٨٨ - ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث نفي علم السّاعة (٩). عن ابن عبّاس أنّ قريشا قالت لرسول الله: ألا يخبرك ربّك بالسّعر لنشتري الطّعام في الرخص وبالخصب (١٠) والجدب لننتقل من الجدب إلى الخصب (١١) قبل أن تجدب الأرض، فأنزل الله الآية (١٢). ﴿مِنَ الْخَيْرِ:﴾ من حوائج النّفس (١٣)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٨) [العاديات:٨]. ﴿السُّوءُ:﴾ ما يسوء النّفس من المصائب الدّنياويّة (١٤).
следующие страницы →