← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقيل: نزلت في راهب بن (١) صيفيّ، كان يلبس المسوح وتنسّك في الجاهليّة، ثمّ عادى نبيّنا ﷺ وذهب إلى قيصر مستمدّا، فأهلكه الله تعالى في الطّريق. وقيل (٢): نزلت على وجه المثل في كلّ يهوديّ ونصرانيّ. ﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ لحقه (٣)، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته، وقال الفرّاء: تبعه وأتبعه بمعنى، كلحقه وألحقه (٤). ١٧٦ - ﴿لَرَفَعْناهُ بِها (٥)﴾: أي: لشرفناه بالآيات وعصمناه عن صفة الإخلاد إلى الأرض واتّباع الهوى (٦). ﴿وَلكِنَّهُ:﴾ ولكن لم نشأ عصمته ف ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ:﴾ والإخلاد إلى الأرض هو لزوم المكان والتثبط والتقاعد (٧). و ﴿الْكَلْبِ:﴾ سباع. و (اللهث): إخراج اللّسان (٨). إذا أخرج الكلب لسانه من حرّ أو عطش لم يمسكه بزجر ولا تخلية، كذلك المنسلخ من الآيات لم ينزجر عن كفره بإنذار ولا تخلية (٩). و (الحمل على الشّيء): قصده على وجه الطّرد، وكأنّه أخذ من (١٠) حمل السّلاح عليه. ١٧٧ - ﴿ساءَ:﴾ بئس، و ﴿الْقَوْمُ:﴾ مرتفع، و ﴿مَثَلاً:﴾ نصب على التّفسير (١١). ١٧٨ - ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ:﴾ الهداية: التّوفيق للاهتداء، و (الإضلال): الخذلان (١٢). واتّصالها بما قبلها من حيث ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف:١٧٦]. ١٧٩ - ﴿ذَرَأْنا:﴾ أي: شئنا بذرئهم مصيرهم.

стр. 702

واللام لام الغرض، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ الآية [مريم:٧١]، وقوله ﷺ : (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) (١)، يدلّ عليه أنّ الله تعالى كان عند ذرء الشّقيّ عالما بمصيره لا محالة فلو لم يشأ مصيره لما ذرأه، ألا ترى أنّ الحكيم لا يغشى النّساء إذا لم يرد النّسل، ولم يتمتّع بالشّهوات إذا لم يرد السّمن. وقوله: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) [الذّاريات:٥٦] ليس بمناقض لهذه الآية؛ لأنّ العبادة ليست بمضادّة ﴿لِجَهَنَّمَ،﴾ ولاحتماله أوجها سبعة: أحدها: التّسخير لقوله: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ الآية [الرّعد:١٥]، والثّاني: إظهار الخضوع لا القيام بالأوامر، والثّالث: العبوديّة وهي الكينونة لا العبادة، والرّابع: حالة الطّفولة قد خلقوا على الفطرة، والخامس: الاقتضاء والاستحقاق كقول الوالدة لولدها: ما ولدتك إلاّ لتكبر فتحسن إليّ، والسّادس: العموم بمعنى الخصوص فيصرف إلى أهل السّعادة، والسّابع: كون اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ لام العاقبة والمآل وذلك عند معاينة البأس. فلو كان يحتمل معنى واحدا لا يصحّ دعوى التّناقض، كيف وقد احتمل الأوجه. ١٨٠ - ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر الكفّار وهم ملحدون (٢). (الأسماء): التّسميات التي يكلّم (٣) الله بها. و (الحسنى): (١٢٨ و) تأنيث الأحسن (٤). ﴿الَّذِينَ (٥)﴾ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ: الذين اشتقّوا لأصنامهم أسماء من أسماء الله ، كاللاّت من الله، والعزّى من العزيز (٦)، والذين أنكروا إطلاق تسميتين على مسمّى واحد فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ [الفرقان:٦٠]. ويدخل في جملة هؤلاء الذين قالوا: أسماء الله مخلوقة، والذين أطلقوا على الله اسم الجسم (٧)، والذين فرّقوا بين الأسماء المشتقّة من صفات (٨) الذّات وبين الأسماء المشتقّة من صفات الفعل. ١٨١ - ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ:﴾ هم أهل السّنّة والجماعة. وتفسير السّنّة أن يسلكوا

стр. 703

طريق السّلف في كراهة الكلام والجدال في الدّين، والتّعسّف (١) في تأويل متشابهات كلام ربّ العالمين وحديث رسوله خاتم النّبيّين، وأن (٢) يجتهدوا في الفروع بالبحث (٣) عن النّاسخ والمنسوخ، والظّاهر القريب والخفيّ البعيد، وأن يميزوا الصّحيح من السّقيم، والمتواتر من الآحاد، والمتعارف المعتاد بين النّاس من النّادر والشّادّ، وأن يتحرّوا الأشبه فالأشبه، ويجتنبوا إهمال الحوادث كما يجتنبون مخالفة الأصول الشّرعيّة وتفسير الجماعة، والالتجاء (٤) إلى الكلمة السّواء عند اقتتال المقتتلين. وهذه (٥) الآية حجّة في صحّة الإجماع (٦)؛ لأنّ الله تعالى زكّاهم وعدلهم في أحكامهم. ١٨٢ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ أنكروها سرّا وجهرا، أو أنكروها سرّا مع الإقرار بها جهرا، وأنكروا ظاهرها المعروف أو تفسيرها المجمع عليه أو سرّها المكتوم لتعسّف في التّأويل من غير حجّة ودليل. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ:﴾ قال الخليل (٧): «سنطوي عمرهم في اغترار منهم»، وقال الضّحّاك: كلّما جدّدوا (٨) معصية جدّدنا لهم نعمة، وقال القتبيّ: هو أن يدنيهم (٩) من بأسه قليلا قليلا. واستدراج الشّيء: تحصيله على المهلة والتّدريج (١٠). ١٨٣ - ﴿كَيْدِي:﴾ مكري (١١)، ﴿مَتِينٌ:﴾ قويّ شديد وثيق (١٢). ١٨٤ - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا:﴾ قيل: صعد النّبيّ ﷺ ذات ليلة (١٣) الصّفا فلم يزل يدعو قريشا فخذا فخذا حتى أصبح، فقال أناس منهم: أصبح الرّجل مجنونا، فأنزل الله (١٤). والمراد بالاستفهام أحد شيئين: إمّا الحثّ والإغراء، وإمّا التّقرير والإثبات، أي: تفكّروا

стр. 704

وعلموا ثمّ أنكروا وجحدوا (١). ﴿بِصاحِبِهِمْ﴾ (٢): الصّاحب: الذي بينك وبينه شأن من خلاف ووفاق. و ﴿ما﴾ (٣): للنّفي، و ﴿مِنْ:﴾ لتأكيد النّفي. و (الجنّة): «الجنون» (٤)، ككلّة البصر وكلوله. ١٨٥ - ﴿يَنْظُرُوا:﴾ نظر القلب إن شاء الله ولذلك عمّ المخلوقات كلّها بقوله: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ.﴾ ﴿وَأَنْ عَسى:﴾ في محلّ النّصب معطوفا على قوله (٥): ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،﴾ أو محلّ الخفض معطوفا على قوله (٦): ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ.﴾ وفائدة النّظر في المخلوقات الاستدلال بها على صانعها (٧). ﴿بَعْدَهُ:﴾ بعد الحديث، أو بعد تمام الأجل (٨). ١٨٧ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ:﴾ لا يتولى مخلوق إلى علم (٩) أوانها حقيقة، إنّ واحدا من المخلوقين لو توصّل (١٠) إليه من جهة الوحي أو الأمارات المتقدّمة وتعيّنت له السّاعة بكميّة الأيّام والسّاعات والدّقائق لتنكّرت بكميّة الأعداد والأنفاس والأصوات (١٢٨ ظ) واللّحظات والخطرات، كيف وهي ممكنة في كلّ لحظة غير واجبة (١١). ﴿أَيّانَ:﴾ سؤال عن الوقت، يليها الاسم تارة والفعل أخرى، وهي مركّبة من أيّ أوان (١٢).

стр. 705

﴿مُرْساها:﴾ مواضع إرسائها (١). والإرساء: الثّبوت والقيام (٢). ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها:﴾ لا يظهرها لوقتها (٣) غيره. ﴿ثَقُلَتْ:﴾ أي: عظم واستصعب وقوعها (٤)، أو علمها على أهل السّموات والأرض (٥). وفائدة الكتمان استواء الأوّلين والآخرين في الإنذار بالسّاعة وعظم شأن المباغتة والمفاجأة (٦). ﴿حَفِيٌّ:﴾ مبالغ في البرّ أو السّؤال، يقال: استحفى السّؤال، وأحفى في السّؤال (٧)، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمّد:٣٧]. ﴿لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنّ علمها خاصّة لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو، فيظنّون أنّهم يقفون عليها بالبحث عنها (٨). ١٨٨ - ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث نفي علم السّاعة (٩). عن ابن عبّاس أنّ قريشا قالت لرسول الله: ألا يخبرك ربّك بالسّعر لنشتري الطّعام في الرخص وبالخصب (١٠) والجدب لننتقل من الجدب إلى الخصب (١١) قبل أن تجدب الأرض، فأنزل الله الآية (١٢). ﴿مِنَ الْخَيْرِ:﴾ من حوائج النّفس (١٣)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٨) [العاديات:٨]. ﴿السُّوءُ:﴾ ما يسوء النّفس من المصائب الدّنياويّة (١٤).

стр. 706

١٨٩ و١٩٠ - ظاهر قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ينبئ أنّه (١) آدم ﵇، و ﴿زَوْجَها:﴾ حوّاء (٢)، هكذا ذكر الكلبيّ وغيره، قالوا: لمّا حبلت حوّاء جاءها إبليس متصوّرا بصورة مجهولة متسمّيّا بالحارث، وأوهمها أنّها تلد بهيمة، أو تلد من فيها أو منخريها، أو تلد ولدا لا يعيش، فذكرت ذلك لآدم فأشفقا من ذلك، و ﴿دَعَوَا اللهَ﴾ ، وزعم إبليس أنّه عبد صالح مجاب الدّعوة، ومنّاهما أنّهما إن سمّيا الولد باسمه ووهباه منه دعا الله لهما (٣)، فشرطا له ذلك، وولدت حوّاء غلاما صالحا فسمّياه عبد الحارث (٤) كما يقول الصّديق للصّديق: ولدي هذا عبدك، على وجه الإكرام، ولم يعلما مراد إبليس من ذلك ولا عرفاه، فأعظم الله تعالى شأن تلك التّسمية، وأعظم الإنكار عليهما لمكان (٥) نبوّة آدم ﵇ ورفعة رتبته، ولعلمه بإبليس وبما يريد من تأسيس قاعدة الشّرك والإفك. وليس يبعد (٦) هذه الزّلّة والأكل من الشّجرة في حالة واحدة بغرور واحد لما يروى (٧) أنّ قابيل ولد في الجنّة، ويدلّ عليه ضمير الجمع في قوله: ﴿اِهْبِطُوا﴾ [البقرة:٣٦]، والولادة تتصوّر في الجنّة كما يتصوّر (٨) خلق حوّاء فيها من ضلع آدم. وقيل (٩): قوله: ﴿صالِحاً﴾ يرجع إلى الجنس، و ﴿جَعَلا:﴾ يرجع إلى التّوأمين فإنّ حوّاء كانت تلد في كلّ بطن توأمين ذكرا وأنثى، فهما اللذان (١٠) جعلا له شركاء لا آدم (١١) وحوّاء. وقيل (١٢): ﴿(جَعَلا)﴾ يرجع إلى جنس الذّكر وجنس الأنثى من جملة الأولاد والذّرّيّة لقوله تعالى: ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ.﴾ وقيل (١٣): الإشراك فعل الذّرّيّة وإنّما أسند إلى الأبوين مجازا.

стр. 707

وقيل (١): (النّفس الواحدة) غير آدم من (٢) الآباء فإنّهم آحاد إلى نوح ﵇، و (الزّوج) غير حوّاء من الأمّهات لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ [الرّوم:٢١]. وقيل (٣): الخطاب متوجّه إلى العرب من أولاد عدنان خاصّة، وإنّ (٤) المراد بالنّفس واحد من آبائهم. ﴿تَغَشّاها:﴾ غشيها. ﴿حَمْلاً خَفِيفاً:﴾ أي: النّطفة (٥). ﴿فَمَرَّتْ بِهِ:﴾ أي: قامت وقعدت من غير مشقّة (٦). ﴿أَثْقَلَتْ:﴾ صارت ثقيلة بالحمل (٧). ﴿صالِحاً:﴾ بشرا سويّا، أو بشرا يولد من موضع الولادة، أو ولدا يعيش (٨). ﴿شُرَكاءَ:﴾ مصدر (٩) يراد به الاسم. والمراد من الجمع الوحدان (١٠) كقوله: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران:٣٩]. ١٩١ - ﴿ما:﴾ يرجع إلى الجماد من الأصنام (١١). ﴿وَهُمْ:﴾ راجع إلى الذين (١٢) صوّر على مثالهم من طواغيت الإنس والجنّ، أو إلى الأصنام على ما يعتقدون فيها من الحياة والعقل (١٣).

стр. 708

١٩٣ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى:﴾ الآية غاية في نفي الخير عن هذه المعبودات من حيث إنّ اتّباع الهوى عند الدّعاء مقدور لعابديها غير مقدور لها فهي أوضع رتبة من عابديها (١). و (الصّامت): ضدّ النّاطق. ١٩٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ:﴾ سادتهم المعبودون من جملة الملائكة والأنبياء والطّواغيت، وإنّ المماثلة بالعبوديّة. ويحتمل أنّهم الأصنام (٢). ﴿عِبادٌ أَمْثالُكُمْ:﴾ أي: كعباد. ﴿فَادْعُوهُمْ:﴾ التّحدّي (٣) بدعاء مستجاب، وأنّى لهم من جهة معبوديهم، فإنّ استجابة الدّعاء قضاء الحاجة أو الجزاء عليه (٤)، ولا يقدر عليها إلاّ الله. ١٩٥ - ﴿يَبْطِشُونَ:﴾ البطش: الأخذ (٥). والمراد بهذه الأشياء نفي الأفعال دون الأعضاء، كما تقول لضعيف: ألك بدن يحتمل هذا الثقل؟ أو معدة تحتمل هذا الطّعام (٦). وهذه الآية غاية في نفي الخير عنهم أيضا من حيث إنّهم أوضع من عابديهم (٧). فإن كانت الآيات في الأصنام المنحوتة والمنصوبة فبعضها على اعتبار كونها جمادا وبعضها على اعتبار اعتقاد المشركين أو على سبيل التّشبيه، وإن كانت بعضها في الأصنام وبعضها في الملائكة والأنبياء والطّواغيت فذلك اعتبار أوهام المخاطبين وعقولهم كأنّ بعضهم لا يعرف إلاّ ما يشاهد وبعضهم متوهّم وراء المشاهدات أزواجا (٨) وأنفسا، فعمّهم بالإنكار بهذه الآيات بعضها في بعض. ١٩٦ - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي:﴾ فأمر رسول الله ﷺ أن يقول هذا القول (٩). ١٩٨ - ﴿وَتَراهُمْ:﴾ خطاب للنّبيّ ﷺ (١٠). والضّمير عائد إلى الأصنام (١١)، وقيل (١٢): إلى المخاطبين.

стр. 709

١٩٩ - ﴿الْعَفْوَ:﴾ الصّفح والمتاركة، وذلك قبل آية السّيف (١)، أو بعد ما يظهرون من أنفسهم الإيمان، أو خاصّة في الذّراري والنّسوان. وعن (٢) ابن عبّاس العفو: الزّكاة (٣). و (العرف): المعروف كلّه (٤). وقيل (٥): إنّه كلمة الإخلاص، وكذلك قوله (٦): ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ (١) [المرسلات:١] هم (٧) الأنبياء الذين أرسلوا بكلمة لا إله إلاّ الله. ٢٠٠ - (النّزغ): الهمز (٨) والوسوسة والأذى والإغراء (٩). ٢٠١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا:﴾ مبتدأ، وجملة ﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ﴾ خبره. ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ:﴾ لمفاجأة الإبصار حالة التّذكير (١٠). و (التّذكير:) ذكر الله (١١). و (الإبصار): إبصار الخير والشّرّ على سبيل التّمييز بعد إمدادهم (١٢). ٢٠٢ - ﴿لا يُقْصِرُونَ:﴾ ولا يكفون (١٣) بأنفسهم أيضا عن الغيّ (١٤). ٢٠٣ - ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ:﴾ كانت قريش إذا سكت رسول الله ﷺ أيّاما ﴿قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها﴾ ألفاظا حسنة فتقوّلتها، يطالبون بالآيات على ظنّ أنّه ربّما انقطع، فأنزل الله (١٥). ٢٠٤ - ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ:﴾ عن أبي هريرة وابن المسيب أنّها نزلت في الصّلاة (١٦). وعن مجاهد أنّ النّبيّ ﷺ كان يقرأ في الصّلاة (١٧) (١٢٩ ظ) فسمع قراءة فتى من الأنصار، فأنزل

стр. 710

[الله] (١). وعن أبي هريرة عنه ﷺ أنّه قال: (إنّما جعل الإمام إماما ليؤتمّ به). . . الخبر (٢). وعن جابر مرفوعا: (من كان له إمام (٣) فقراءة الإمام له قراءة) (٤). وعن مجاهد أنّها نزلت في الخطبة (٥). ويجوز أنّها نزلت فيهما (٦). و (الإنصات): سكوت في استماع (٧). ٢٠٥ - ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ:﴾ أي: راقب بالقلب (٨). ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ:﴾ إبانة بالتّسبيح والتّهليل، أو القراءة في الصّلاة (٩). ﴿وَالْآصالِ:﴾ جمع أصيل، وهو ما بين العصر إلى المغرب (١٠). ٢٠٦ - ﴿[إِنَّ] (١١)﴾ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ: هم الذين علمهم (١٢) به علم المشاهدة من غير اجتهاد وكسب، وهم الملائكة والأنبياء والصّدّيقون والشّهداء. والفائدة عن الإخبار عن (١٣) حالهم هو التّطميع لمن اقتدى بهم أن يلحقهم في رتبتهم بإذن الله تعالى (١٤).

стр. 711

سورة الأنفال مدنيّة، نزلت بعد سورة البقرة بالمدينة (١). وعن ابن عبّاس وقتادة: إلاّ سبع آيات نزلن بمكّة، [أولها] (٢) قوله: ﴿وَإِذْ (٣)﴾ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:٣٠]. وقيل (٤): نزلت آية واحدة بمكّة، وهي قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ [الأنفال:٦٤]. وهي ستّ وسبعون آية حجازي بصري (٥). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ﴿يَسْئَلُونَكَ [عَنِ الْأَنْفالِ] (٦)﴾: نزلت في غزوة بدر في شهر رمضان سنة اثنتين (٧). وسبب غزوة بدر أنّ عيرا لقريش (٨) قدم من الشّام، فيهم أبو سفيان وعمرو بن العاص، فأراد النّبيّ ﷺ أن يخرج إليهم فيغير عليهم، فخرج وهو يريد العير، والله يريد النّفير، فكان ما أراد الله، وذلك (٩) أنّ أبا سفيان سمع بخروج النّبيّ ﷺ فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاريّ إلى مكّة مستنجدا مستنفرا، وكانت عاتكة بنت عبد المطّلب قد رأت في المنام قبل مقدم ضمضم أنّ رجلا أقدم على بعير له فوقف بالأبطح وقال: انفروا يا آل غدر (١٠) إلى مصارعكم في ثلاث، ثمّ صعد أبا قبيس وصرخ ثلاثا، ثمّ أخذ صخرة وأرسلها من رأس الجبل فأقبلت تهوي حتى إذا كانت في أسفله ارفضّت فما بقيت دار من دور قريش إلاّ دخل فيها (١١) بعضها، فقصّت عاتكة رؤياها على أخيها العبّاس بن عبد المطّلب، وكانا يكتمان إيمانهما، فقصّ عبّاس على الوليد بن عتبة، وكان صديقا له، فذكرها الوليد لأبيه فتحدّث (١٢) بها، ففشا الحديث في ما بين النّاس، قال (١٣) عبّاس: غدوت إلى الكعبة لأطوف بها فإذا أبو جهل في نفر من قريش يتحدّثون عن (١٤)

стр. 712

رؤيا عاتكة، ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا الفضل متى حدثت فيكم هذه النّبيّة، أما رضيتم يا بني عبد المطّلب أن تنبّأت رجالكم حتى تنبّأت نساؤكم، سنتربّص بكم هذه الثّلاث فإن كان حقّا فسيكون وإلاّ كتبنا عليكم كتابا أنّكم أكذب أهل (١) بيت في العرب، فلمّا كان يوم الثّالث جاءهم ضمضم بن عمرو ووقف بعيره بالأبطح وقد حوّل رحله وشقّ قميصه وأجدع بعيره يقول: يا معشر قريش اللّطيمة اللّطيمة، أموالكم أموالكم مع أبي سفيان قد عرض [لها] (٢) محمّد وأصحابه، ولّما سمع العبّاس هذا (١٣٠ و) شمت بهم، وطلب أبا جهل فوجده في المسجد فتبعه وناداه: كيف رؤيا عاتكة يا مصفرّا إسته؟ قال (٣) أبو جهل: دعنا عن (٤) هذا يا أبا الفضل وتأهّب للنّفير، ولم يجد عبّاس من الخروج معهم بدّا إلى أن كان ما كان على ما سبق في آل عمران (٥). واختلفوا في الأنفال ههنا، قيل (٦): إنّها الغنائم كلّها. وعن الحسن أنّها ما كان نفّلهم رسول الله ﷺ بقوله (٧): (من قتل قتيلا فله سلبه)، فتسارع الشّبّان وبقي المشايخ تحت الرّايات محدقين برسول الله، فلمّا فرغوا من القتال قالت الشّبّان: هذه الأموال يتنفل (٨) لنا رسول الله، وقالت المشايخ: نخن كنّا ردءا لكم (٩) فأشركونا فيها، وقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إن (١٠) دفعت المال إلى من نفّلتهم لم يبق لسائر النّاس شيء، فانتزع الله الأمر (١١) من أيديهم وردّه إلى رسوله ليستأنف فيه حكما على ما يرى فيه من المصلحة (١٢). وعن عطاء عن (١٣) ابن عبّاس: المراد بالأنفال ما شذّ عن الغنائم من عبد أو دابّة (١٤). والآية منسوخة على الأقوال الثّلاثة بقوله: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ،﴾ الآية [الأنفال:٤١] (١٥).

стр. 713

وقيل (١): الآية نزلت في الخمس يحكم فيه الإمام باجتهاده، وقيل (٢): هي كلّ الغنائم قبل الإحراز، والآية غير منسوخة (٣) على هذين. النّفل في اللّغة: الزّيادة من الخير (٤)، قال (٥): [من الرّمل] إنّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي (٦) وعجل والسّؤال عن كيفيّة القسمة وكمّيّتها (٧). وفي مصحف عبد الله وأبيّ (٨): (يسألونك الأنفال)، أي: يطلبونها منك، وقد منهم (٩) الأمران جميعا. ﴿ذاتَ بَيْنِكُمْ (١٠)﴾: حالتهم التي تجمعهم (١١). ٢ - ﴿وَجِلَتْ:﴾ خافت وفزعت (١٢)، وهذه الحالة (١٣) هي الأولى، وأمّا الحالة الثّانية فالاطمئنان (١٤) والاستئناس، قال الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ [مِنْهُ] (١٥)﴾ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ [الزّمر:٢٣] (١٦). ﴿زادَتْهُمْ إِيماناً:﴾ على الإيمان المعهود من وجهين: أحدهما: الأسباب والأدلّة، والثّاني: الإيمان الحادث بالنّازل الحادث (١٧). ٤ - ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا:﴾ ردّ على (١٨) الذين يشكّون في إيمانهم.

стр. 714

(حقّا): نصب على التّأكيد (١). ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ:﴾ هو الحظّ الجميل المحمود، يعني في الآخرة إن شاء الله (٢). ٥ - ﴿كَما:﴾ التّشبيه لكون الأفعال لله، أي: هي لله (٣) كما كان إخراجك من بيتك إلى الله وإن كرهه فريق من المؤمنين. وقيل: التّشبيه لسؤالهم عن الأنفال واختلافهم فيها، أي: جادلوك فيها كما كرهوا الخروج فجادلوك فيه أوّل مرّة (٤). وإنّما كان السّبب في ذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان قد خرج إلى العير، ووعدهم الله في الطّريق أحد شيئين: إمّا الظّفر بأموال العير الذي خرج قاصدا إليها، وإمّا النّصر على العدوّ (٥) عند الالتقاء، وكان الظّفر بأموال العير (٦) أقرب وأسهل على ما قدّروه، وأحبّ (٧) إليهم من لقاء العدوّ؛ لأنّهم لم يكونوا تأهّبوا للقتال كلّ التّأهّب، فلمّا سمعوا أنّ أبا سفيان أخذ طريقا آخر وأنّهم ملاقو العدوّ لا محالة كرهوا ذلك وقالوا لرسول الله: أخرجتنا قاصدين إلى العير ولم تخبرنا بلقاء العدوّ حتما، وخافوا على أنفسهم خوفا طبيعيّا، (١٣٠ ظ) وإن كانوا معتقدين بأنّ (٨) الله منجز وعده ومسلطهم بإحدى الطّائفتين لا محالة، لذكر الله تعالى حالتهم تلك على وجه الملامة ليتكلّفوا مخالفة الطّبيعة في المسارعة إلى أمره ورسوله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ أي: بالأمر الحقّ، أو بالوعد الحقّ. ٦ - ﴿فِي الْحَقِّ:﴾ شأن (٩) الجهاد. ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ:﴾ أي: بعد ما ظهر أنّه أمر الله، أو من بعد ما ظهر (١٠) أمر الله، أو من بعد ما ظهر (١١) أنّه لهم لا عليهم، وإنّما كان ظهر ذلك لهم بوعد الله. ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ:﴾ تشبيه لحالة خوفهم، أي: يخبتون عن الموهوم كأنّهم يحشرون، أي (١٢): يشاهدون فيه الهلاك والموت لا محالة.

стр. 715

٧ - ﴿وَإِذْ﴾ (١): عطفت على جملة، محله نصب بوقوع الذّكر المقدّر عليه (٢). قيل: إنّ النّبيّ ﷺ [لمّا] (٣) كان ببعض الطّريق بعث عديّ بن أبي الزّغباء عينا (٤) على العير. ونزل جبريل ﵇ مخبرا بنفر قريش ومبشّرا بالاستيلاء على إحدى الطّائفتين: إمّا العير وإمّا النّفير، فأشاروا عليه بالعير، فأعاد كلامه فأشاروا عليه بالعير وقالوا: إنّما أخرجتنا للعير وليست معنا أهبة القتال، فأعاد عليهم كلامه فأشاروا عليه بالعير حتى قام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله انظر (٥) أمرك وامض فو الله لو سرت إلى عدن ما تخلّف عنك رجل من الأنصار، ففرح النّبيّ ﷺ حتى عرف السّرور في وجهه. وقال المقداد بن الأسود الكنديّ: إنّا لا نقول كما قال بنو إسرائيل: اذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ [فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ]﴾ (٦) [المائدة:٢٤]، ولكنّا نقول: امض لأمر ربّك فإنّا بين يديك مقاتلون ما دامت عين منّا تطرف (٧). ﴿أَنَّها لَكُمْ:﴾ بدل عن ﴿إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ (٨). ﴿الشَّوْكَةِ:﴾ البأس والشّدّة وحدّة [السّلاح] (٩)، فذات الشّوكة ههنا النّفير وغير ذات الشّوكة العير لتغنموا من غير قتال، وأراد الله أن يسلّطهم على ذات الشّوكة ليقطع دابر الكافرين (١٠). روي أنّهم (١١) لّما ظفروا بالعدوّ وفرغوا من القتال والأنفال طمعوا في العير، قالوا: يا رسول الله عليك بالعير، فقال عبّاس وهو أسير مشدود: لا ينبغي لك يا رسول الله، قال: ولم (١٢)؟ قال: لأنّ الله وعدك إحدى الطّائفتين وقد أنجز (١٣). وهذا دليل على إيمان عبّاس وعقله وفطنته قبل ظهور إسلامه. ٨ - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ:﴾ إحقاق الحقّ إثبات في المشاهدة لما ثبت في العقل. وإبطال الباطل

стр. 716

إزهاق (١) في المشاهدة لما زهق في العقل. ٩ - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ:﴾ الاستغاثة: طلب الغوث، وهو عون الملهوف (٢). والرّدافة (٣) أن تتبع الشّيء الشّيء، قال: ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النّمل:٧٢]، واللام مقحمة (٤). «والتّرادف: التّتابع» (٥). ١١ - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ:﴾ قيل: إنّ الله تعالى ألقى عليهم النّوم والأمن ليلتئذ حتى احتلم بعضهم ثمّ أصبحوا على غير ماء، فوسوس (٦) لهم الشّيطان بأنّهم لو كانوا على الحقّ لوجدوا ماء ليتطهّروا (٧) به لصلاتهم، فأرسل الله عليهم مطرا حتى اغتسلوا وشربوا، وكان الموضع تسوخ فيه الأقدام لكثرة الرّمل فاشتدّ بذلك الوشي (٨) أيضا فثبتت عليه أقدامهم (٩). والرّبط على القلب هو عقده (١٠) بالصّبر الحائل بينه وبين الجزع والوجل والهلع والفشل (١١). ﴿بِهِ:﴾ راجع إلى الماء، أو إلى الرّبط (١٢). (١٣١ و) و ﴿الْأَقْدامَ:﴾ جمع قدم، وهو من الرّجل كالكفّ من اليد (١٣). ١٢ - ﴿فَثَبِّتُوا:﴾ تثبيت الملائكة المؤمنين إنّما كان على سبيل التّشجيع دون القتال (١٤). وقيل (١٥): تثبيتهم إيّاهم مشاركتهم في القتال تشريفا لهم، ولو شاء الله لأهلكهم بملك واحد منهم. ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ:﴾ ما فوق الأعناق وهو الرّأس (١٦). وقيل: (فوق) زيادة وصلة مثل

стр. 717

(على) (١)، تقول: ضربت الشّيء، وضربت عليه بمعنى. و (العنق): الرّقبة، وهو المتوسّط بين الرّأس والذّفرى (٢). ﴿بَنانٍ:﴾ (٣) أطراف من الأيدي والأرجل (٤)، واحدتها: بنانة (٥). فإن كان الأمر للمؤمنين فالمراد ضربهم بالسّيوف والمقارع، والمراد ببيان هذه المواضع إباحة (٦) القتل من كلّ وجه، وإن كان الأمر للملائكة فالمراد بالضّرب ضربهم بما شاء الله من سلاح أو جناح على سبيل القتل (٧) والتسويم أو الرّدّ والطّرد (٨). ١٣ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الإمداد والإرداف، أو الأمر بالقتل (٩). ١٤ - ﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ:﴾ خطاب متوجّه إلى الكفّار من جهة الله تعالى أو من جهة الملائكة عند معاينة البأس، تقديره: ذلكم جزاؤكم فذوقوه، أو ذوقوا ذلكم فذوقوه (١٠). ﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ:﴾ معطوف على ﴿شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١١). ١٥ - ﴿زَحْفاً:﴾ الزّحف: التّقرّب إلى الشّيء قليلا قليلا، وأكثر استعماله في ما له أرجل كثيرة، وهو مصدر ههنا أقيم مقام الاسم، أي: زاحفين (١٢). ١٦ - ﴿مُتَحَرِّفاً:﴾ مائلا، نصب على الحال (١٣)، وتقديره: ومن يولّهم يومئذ دبره على أيّ حال كان إلاّ متحرّفا لقتال (١٤). و (التّحيّز) والانحياز: التّنحّي (١٥)، وفيه معنى النّقيض.

стр. 718

﴿إِلى فِئَةٍ:﴾ قال ابن عبّاس (١): إنّها الكتيبة العظمى في المعركة، وعن أبي سعيد الخدريّ أنّهم لو تحيّزوا إلى فئة في دار الإسلام لم يكونوا منهزمين (٢). قال ابن عمر: خرجت سريّة، وأنا فيهم، ففرّوا، فلمّا رجعوا إلى المدينة استحيوا من النّاس، فسألوا رسول الله: أنحن الفرارون؟ قال: بل أنتم العكّارون وأنا فئتكم (٣). «قال ثعلب: العكّارون: العطّافون» (٤). ثمّ يحتمل أنّ الآية مجمل لا يمكن العمل بظاهرها، وتفسيره: ﴿مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾ [الأنفال:٦٥]، ويحتمل أنّها كانت عامّة يمكن العمل بظاهرها (٥) عند الإتيان على النّفس ثمّ خصّصها قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ [الأنفال:٦٥]، ثمّ نسخت تلك الآية بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦] (٦). ١٧ - ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ:﴾ نفي هذه الأفعال عن فاعلها وإسنادها إلى الله من جهة وقوعها يومئذ معجزة إلهيّة خارجة عن طوق البشر والرسم الموضوع المعهود (٧). روي أنّ النّبيّ ﷺ أخذ كفّا من حصى الوادي يوم بدر ورمى به في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه (٨). وروى الزهريّ عن ابن المسيب أنّه ﷺ رمى يوم أحد أبيّ بن خلف (٩). وعن عبد الرّحمن ابن جبير أنّه ﷺ دعا بقوس في محاربة اليهود فرمى عليها بسهم إلى الحصن فأصاب كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه فقتله (١٠). ﴿وَلِيُبْلِيَ:﴾ معطوف على مضمر، تقديره: ليهلكهم (١١) وليبلي المؤمنين. ١٨ و١٩ - ﴿ذلِكُمْ:﴾ الذي سمعتم حقّ أو صدق واعلموا أنّ الله (١٢). ويجوز أن يكون (ذلكم) في محلّ النّصب بإضمار اعلموا (١٣). (١٣١ ظ)

стр. 719

الإيهان والتّوهين: إحداث الوهن والضّعف (١). كان المشركون (٢) عند خروجهم إلى بدر تعلّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهمّ انصر أحبّ الفئتين إليك (٣). وكان أبو جهل يقول يوم بدر (٤): اللهمّ أقطعنا للرّحم وأفسدنا للجماعة فأحنه (٥) اليوم، فنزلت (٦) ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآية. ٢٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر مجادلتهم في الخروج (٧). والواو في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ للحال (٨)، أي: لا تتولّوا عنه سامعين دعاءه إيّاكم وأمّا (٩) من لم يسمع فهو معذور (١٠). ٢١ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ:﴾ نزلت في بني عبد الدّار بن قصيّ، لم يسلم منهم إلاّ اثنان، وكان أكثرهم منافقين (١١). وقيل (١٢): نزلت في الذين قالوا: ﴿قَدْ (١٣)﴾ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال:٣١]، أو (١٤) أنّهم لم يسمعوا سمع (١٥) الانتفاع والاعتبار. ٢٢ - ﴿شَرَّ الدَّوَابِّ:﴾ «النّاس» (١٦) بدليل قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٥٥]، جمعهم جمع العقلاء. ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ:﴾ الذين لا يستمعون إلى الحقّ ولا ينطقون بالحقّ (١٧).

стр. 720

والمراد ب ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ المخاذيل عن العمل بقضيّة العقل (١). ٢٣ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ (٢)﴾ فِيهِمْ خَيْراً: يدلّ على تفاوت طبائع السّعداء والأشقياء (٣)، وأنّ السّعيد مجبول على خير طبيعيّ متقدّم على الخير الكسبيّ، مظهر عند التّوفيق للكسب، ثمّ يثمر الاستقامة، وأنّ الشّقيّ غير مجبول عليه فلا (٤) يستقيم وإن وفّق للاستماع والاعتبار. ٢٤ - ﴿لِما يُحْيِيكُمْ:﴾ إحياء القلوب للتّفكّر والاعتبار بروح الإلهام والقرآن، وإحياء الشّهداء للثّواب قبل يوم البعث (٥). و (الحائل): الحاجز (٦). وقوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾ أي: يملك قلبه فيقلّبه كيف يشاء، إن شاء جعله مشرقا بنور الغيب، وإن شاء جعله ميتا (٧) محجوبا. ٢٥ - ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً:﴾ عامّة، ما يعمّ الفاسق والمداهن عن ابن عبّاس (٨)، وللعصبية (٩) عن غيره. ﴿لا تُصِيبَنَّ:﴾ كالصّفة للفتنة (١٠). وإنّما دخلت النّون المشدّدة بإضمار قسم (١١)، يقيم القسم وجوابه مقام الصّفة. ٢٦ - ﴿إِذْ أَنْتُمْ:﴾ عدد ﴿قَلِيلٌ﴾ (١٢)، أو شيء قليل، ولو وصف آحاد الجماعة بالقلّة لقال: إذ أنتم قليلون. ﴿النّاسُ:﴾ كفّار قريش، عن عكرمة وقتادة والكلبيّ، وقيل: فارس والرّوم (١٣). ﴿فَآواكُمْ:﴾ أراد تبوئة المدينة مراغما ومهاجرا لهم (١٤).

стр. 721

٢٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا:﴾ نزلت في الغلول (١). وقيل: في أبي لبابة (٢) بن عبد المنذر حيث استشاره بنو قريظة في النّزول عن الحصن على حكم رسول الله فقال لهم بلسانه: انزلوا، وأشار بيده إلى الحلق، أي: إن نزلتم على حكمه ذبحكم (٣)، وإنّما حمله على ذلك مال له (٤) كان عندهم في الحصن فخاف عليه النّهب إن فتحوا الحصن، قال أبو لبانة: ما برحت قدماي حتى علمت أنّي خنت الله ورسوله. قيل: ولم يأكل أبو لبانة طعاما ولا شرابا سبعة أيّام، وخرّ مغشيّا عليه حتى بيّن الله (٥) توبته. ٢٨ - فائدة ذكر الأموال والأولاد التّنبيه على أنّها من دواعي الخيانة (٦). ٢٩ - ﴿فُرْقاناً:﴾ مخرجا في الدّنيا والآخرة، عن ابن عبّاس ومجاهد والضّحّاك (٧). ٣٠ - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ:﴾ اجتمعت جبابرة قريش (١٣٢ و) في دار النّدوة يدبّرون في أمر رسول الله، ودخل معهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ نجديّ، ثمّ قالوا فيما بينهم: إنّ محمّدا ليس يزداد بمرّ (٨) الأيّام إلاّ اشتهارا وعظم شأن وإنّا نخشى أن نقاسي منه أكثر ممّا قاسينا إلى (٩) اليوم، فما الحيلة في تطفية ناره وتجلية غباره؟ فقال عمرو بن هشام: أرى أن تأخذوه وتحبسوه في بيت وتسدّوا عليه الباب وتخلّوا كوّة تطرحون إليه منها قوتا يعيش به إلى أن يموت، فقال إبليس لعنه الله: بئس الرّأي ما رأيت فإنّ أقاربه يتعصّبون له إذا ويستنقذونه (١٠)، قالوا جميعا: صدق الشّيخ النّجديّ، ثمّ قال أبو البختريّ بن هشام: أمّا أنا فأرى أن تحملوه على بعير وتخرجوه من أرضكم يذهب حيث يشاء، قال: بئس الرّأي ما رأيت كأنّي به (١١) إذا وقد كرّ (١٢) عليكم بعسكر لجب (١٣) لينتقم منكم، قالوا جميعا: صدق الشّيخ النّجديّ، ثمّ قال الفاسق أبو جهل لعنه الله: لكنّي أرى أن يجتمع من كلّ بطن ورهط واحد ومعه سيفه ثمّ نمشي جميعا ونضربه ضربة رجل

стр. 722

واحد، [ثمّ] (١) وديناه إلى عشيرته، ولا يقدرون على المطالبة بالقود فإنّهم لا يقاومون قريشا بأجمعهم، قال إبليس: صدق هذا الشّابّ والرّأي ما رآه، وأثنى عليه. فتفرّقوا على ذلك، وهبط جبريل ﵇ يخبر رسول الله ﷺ ويأذن له في الهجرة، فلمّا كان ليلة الاغتيال وثب عن (٢) فراشه وخلّف عليّا مكانه، وخرج من باب بيته وإذا هم وقوف مجتمعون، فصرف الله أبصارهم عنه حتى أخذ التّراب وحثا على رؤوسهم، ثمّ انطلق إلى أبي بكر فصحبه أبو بكر في الهجرة، وكانا قد دبّرا في ذلك من قبل فوفّقهما الله تعالى لذلك، فنزلت الآية بذكر الله نعمته وإن كان هو ذاكرا ليزداد شكرا وليعتبر به المعتبرون (٣). ٣١ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا:﴾ نزلت في المشركين الذين تحدّاهم رسول الله ﷺ بمثل (٤) سورة من القرآن عامّة. وفي النضر بن الحارث بن كلدة، كان يتجر إلى الرّوم وفارس ويسمع أقاصيص رستم وإسفنديار فقال (٥): قد سمعنا القرآن ولو شئنا لقلنا مثله (٦). وقد كذب الملعون وادّعى ما لا يقدر عليه وأصحابه، ولو قدروا لقالوا شيئا مع طول المحاورة والمجاورة وكثرة التّحدّي، فإنّ ذلك لو قدروا عليه لكان أيسر في ردّ النّبيّ ﷺ وأهون وأوجد (٧) وأمكن من القتال وبذل الأموال ومصادفة الرّجال، ألا ترى أنّ طليحة الأسديّ ومسيلمة الكذّاب كيف تكلّفا وتوخّيا المقابلة (٨) بما افتضحا به حتى قال أبو بكر الصّدّيق لطليحة وأصحاب مسيلمة: ويحكم هذا الكلام لم يخرج من إلّ (٩)، فاعترفوا له بالاغترار والخسران والإدبار. ٣٢ - ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ:﴾ نزلت في النضر بن الحارث أيضا وأصحابه، فلم يمطر بالحجارة ولكن قتل صبرا يوم بدر، فذاق العذاب الأليم (١٠). قال أبو عبيدة (١١): يقال في (١٣٢ ظ) العذاب: أمطر، وفي الرّحمة: مطر. ٣٣ - ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ:﴾ كأنّهم لمّا دعوا بهذا الدّعاء ولم يمطروا ولم ينزل بهم

стр. 723

عذاب ازدادوا جراءة واتهام رسول الله ﷺ ، وكان المؤمنون تعجّبوا بتأخير العذاب بعد دعائهم هذا فبيّن الله تعالى وجه تأخير العذاب عنهم فإنّ الله تعالى لم يعذّب قوما قطّ حتى خرج نبيّهم من بينهم، كانت هذه سنّته في الأمم الخالية (١). ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ:﴾ فهم الذين سبق علم الله فيهم أنّهم سيؤمنون ويستغفرون، هكذا عن ابن عبّاس في بعض الرّوايات (٢). وقال قتادة والسدّي وابن زيد: إنّه على وجه التّرغيب لهم في الإيمان والاستغفار (٣). ٣٤ - ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ:﴾ الآية في إثبات العذاب وتحقيق نزوله بهم عند ارتفاع المعنيين. (ما لهم): أي: أيش لهم من الحجّة والعذر، ﴿(أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ (٤)﴾ [اللهُ] (٥)): أن لا يعذّبهم بالاستئصال لتلك الحجّة أو لذلك العذر، فأخبر (٦) عن موجب العذاب فقال (٧): ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ،﴾ أي: يصدّون المؤمنين عن الحجّ والعمرة غضبا (٨) من غير أن يكون إليهم (٩) ولاية المسجد الحرام عند الله تعالى وفي حكمه. ثمّ أخبر عن أولياء المسجد (١٠) الحرام فقال: ما أولياؤه ﴿إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ (١١). ٣٥ - ﴿مُكاءً:﴾ صفيرا (١٢)، ﴿وَتَصْدِيَةً:﴾ تصفيقا وتوليد الصّدى (١٣)، والصّدى هو الصّوت المنعكس (١٤). كانت قريش تصفّر وتصفّق وتعتقد أنّها صلاة ودعاء (١٥)، وذلك من

стр. 724

وساوس (١) الشّيطان لهم ليصدّهم عن التّسبيح والتّهليل، قال حسّان (٢): [من الوافر] إذا قام الملائكة اتّبعتم ... صلاتكم التّصفّر والمكاء فأنكر الله تعالى ذلك عليهم، وأخبر (٣) بقبح فعلهم وسوء رأيهم. ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ:﴾ خطاب لهم بلغهم يوم بدر (٤). ٣٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ:﴾ نزلت في المطعمين يوم بدر، عن الضّحّاك (٥). وفي أبي سفيان حين استأجر ألفي رجل من الأحابيش من كنانة واستجاش من سائر العرب يوم أحد، عن قتادة ومجاهد وغيرهما (٦). ٣٧ - ﴿لِيَمِيزَ اللهُ:﴾ لام المفعول الثّاني، يحشرون إلى جهنّم لهذا (٧). ﴿الْخَبِيثَ:﴾ جنس الكفّار، ﴿مِنَ الطَّيِّبِ:﴾ جنس المؤمنين (٨). ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى الخبيث (٩). ﴿فَيَرْكُمَهُ:﴾ يضع بعضه على بعض (١٠)، ومنه السّحاب المركوم (١١). ٣٨ - ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ (١٢): الانتهاء عن العداوة، ولا يصحّ ذلك إلاّ بالإسلام (١٣). ﴿سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ:﴾ يوم بدر، يهدّدهم [الله] (١٤) بمثله. ٣٩ - ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ:﴾ كفر إن أجرينا على مشركي العرب، ومحاربة

стр. 725

الكفّار إن (١) أجرينا على العموم؛ لأنّ القتال ممتدّ إلى أن يستسلم أهل الشّرق والغرب أجمعون (٢) أو تنتهي أيّام الدّنيا. ﴿الدِّينُ:﴾ التّديّن. ﴿كُلُّهُ:﴾ للتّأكيد (٣). ﴿لِلّهِ:﴾ لوجه الله خالصا (٤). ٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإسلام والاستسلام (٥). ﴿أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ:﴾ يواليكم وينصركم (٦) عليهم. ٤١ - ﴿وَاِعْلَمُوا:﴾ أي: اعتقدوا. وهو تكليف وليس بمجرّد إعلام ولذلك علّقه بشرط الإيمان (٧). ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ تفسير لقوله: (ما غنمتم)، كقوله: ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الشّورى:١٠]. وقوله ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ:﴾ يدلّ على قوله: ﴿أَنَّما غَنِمْتُمْ.﴾ وروى سفيان الثّوريّ (١٣٣ و) عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب عن قوله (٨): ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ،﴾ قال: هذا مفتاح كلام، لله (٩) الدنيا والآخرة (١٠). وسهم رسول الله كان ينفق مقدارا على عياله ويصرف الباقي إلى حوائج المسلمين، وقد نقل عنه من طريق الاستفاضة قال: ما لي في ما أفاء الله عليكم إلاّ الخمس والخمس مردود فيكم. ثمّ سقط سهمه بوفاته؛ لأنّ خلفاءه جعلوا لأنفسهم رزقا دارّا في بيت المال فاستغنوا عن هذا السّهم. ولو رأى الإمام أن يفرز هذا السّهم ويجعله في بيت المال عدّة للمسلمين لكان في سعة إن شاء الله (١١).

стр. 726

وليس في الآية ما يدلّ على أنّ ذوي القربى سوى القائمين؛ لأنّ الخطاب متوجّه إليهم كما في (١) قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، وفي قوله: ﴿قُلْ (٢)﴾ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة:٢١٥]، وقوله: ﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى﴾ [النّساء:٣٦]، لكنّ الدّلالة قد قامت على أنّهم فقراء بني هاشم، كان ﷺ يعطيهم من الخمس مقدار الحاجة يقول لهم: أليس في خمس الفيء ما يغنيكم عن غسالة أيدي النّاس (٣). ثمّ عندنا استحقاقه بالفقر بعد موت النّبيّ ﷺ ، وعند الشّافعيّ بمجرّد القرابة (٤). واستحقاق اليتامى بالفقر بالإجماع، والمساكين عامّ في الهاشميّين وغيرهم، وكذلك ابن السّبيل. وفائدة تخصيص ذوي القربى التّنبيه على أنّهم في هذا المال (٥) بخلاف ما هم في الزكوات (٦) والصّدقات، أو تشريفهم على غيرهم (٧) كما في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧]، وقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ [البقرة:٩٨] (٨). وتخصيص اليتامى أن لا يوكلوا إلى (٩) أقاربهم الأغنياء لحقّ الحضانة، أو التّنبيه على تفقد المحتاجين. ٤٢ - ﴿إِذْ أَنْتُمْ:﴾ بدل عن قوله: ﴿يَوْمَ اِلْتَقَى،﴾ وذلك بدل عن قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ (١٠). ﴿بِالْعُدْوَةِ:﴾ جانب الوادي (١١)، قال النّابغة (١٢): [من البسيط] في عدوتين أقام القوم بينهما ... والقوم من (١٣) بين محروم ومحتوم ﴿الدُّنْيا:﴾ تأنيث الأدنى، و ﴿الْقُصْوى:﴾ تأنيث الأقصى، أي: الأبعد (١٤).

стр. 727

﴿وَالرَّكْبُ:﴾ العير في أسفل منكم بالسّاحل (١). ويحتمل أنّ الرّكب جماعة من ركبان إحدى الطّائفتين اللّتين التقتا. ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ:﴾ لكراهتهم لقاء العدوّ ومجادلتهم في ذلك، أو لرفع التقادير التدابير على ما شاهدوه ونجربه. ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً:﴾ ليمضي وليتمّ شأنا (٢) كان مقدورا محقّقا مثبتا في اللّوح. ﴿لِيَهْلِكَ:﴾ ليموت من مات بعد استبانة ويعيش من عاش بعد استبانة (٣)، وذلك تتمّة وعد الله تعالى بهلاك قريش في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ [الفرقان:٧٧]، وقال ﷺ : (والله لقد جئتكم بالذّبح) (٤). وقيل (٥): ليكفر من كفر بعد اتّضاح قيام الحجّة عليه ويؤمن من آمن بعد اتّضاح قيام الحجّة له، فإنّ الحجّة وإن كانت قائمة فلا شكّ أنّها ازدادت يوم بدر بما ظهرت (٦) يومئذ وشاهد كثير من الطّائفتين الملائكة يومئذ. ٤٣ - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ:﴾ بدل ممّا تقدّم في محلّ النّصب (٧). والظّاهر أنّه ﷺ رأى رؤيا في المنام (٨). وعلم الرّؤيا علم (٩) على طريق المثل والإشارة والانعكاس ولذلك يجوز التّفاوت فيه، ومعناه: قلّة شوكتهم، (١٣٣ ظ) أو قلّة بقائهم في الدّنيا. وقال الحسن البصريّ: رآهم النّبيّ ﷺ قليلا في اليقظة، والمراد بالمنام العين (١٠). ﴿سَلَّمَ:﴾ أي: رزق السّلامة (١١). ٤٥ - ﴿فَاثْبُتُوا:﴾ أراد به المصابرة وترك الانهزام، أو الوقوف (١٢) والتّكبير عند أوّل وهلة (١٣). أمّا الوقوف فلاجتماع الرّأي، والتّكبير فللاستنصار وتوهين الكفّار.

стр. 728

٤٦ - ﴿وَلا تَنازَعُوا:﴾ في القتال، وهو أن يخالفوا الإمام عند (١) التّعبئة فيتقدّموا ويتأخّروا بغير إذنه، وأن يتزاحموا أو يتجادلوا فيتخاذلوا (٢). ﴿رِيحُكُمْ:﴾ «ريح النّصر» (٣)، قال (٤) ﷺ : (نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور) (٥). وقيل: الرّيح (٦) تزايد الأنفاس في الصّدر عند الغضب بطول الاهتمام، واحتباسها قليلا في الصّدر (٧)، وذلك يزيد في قوّة الأعضاء، فإذا تنازعوا استوفوها في جهة التّنازع ولم يبق للمطاعنة والمسايفة منها شيء. ٤٧ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً:﴾ قيل: إنّ قريشا لمّا بلغهم سلامة العير [قال] (٨) بعضهم: ارجعوا فقد كفيتم، وقال أبو جهل وأمثاله: بل (٩) ننتهي إلى بدر فنطعم الطّعام ونسقي الخمور وتعزف على رؤوسنا القينات لنفتخر به إلى آخر الأبد، فقلب الله عليهم أحوالهم (١٠) وأطعم لحومهم (١١) السّباع والنّسور والدّيدان، وسقاهم مكان كؤوس الخمور كؤوس المنايا وناحت عليهم النّوائح مكان القينات وأبدلهم من الفخر الخزي والعار وعذاب النّار إلى أبد الآباد. ونهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم في البطر والرّياء؛ لأنّ البطر هو الطّغيان يحمل النّفس على تمنّي المحال والقصد لما لا ينال حتى تقتحم الخسران والوبال، ورياء النّاس (١٢) يحمل النّفس (١٣) على ترك ما يعنيها من الأصلح الأوفق الأوجب والاشتغال بما لا يعنيها (١٤). ٤٨ - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ:﴾ قيل: أراد سراقة بن مالك بن جعشم، كانت قريش

стр. 729

حين خرجت تخاف من كنانة وبني بكر، وكان سراقة شاعرا مكينا في كنانة (١)، فعرض لهم في الطّريق وقال: إنّي جار لكم (٢) من كنانة وإنّهم سيتبعونكم وينصرونكم، ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾ (٣) شاهد سراقة [الملائكة] (٤) وتولّى مدبرا، وكان قد شاهد مثله حين عرض للنّبيّ (٥) ﷺ وأبي بكر الصّدّيق حين خرجا من مكّة وهاجرا إلى المدينة، وقال له الحارث [بن] (٦) هشام: أفرارا من غير قتال؟ فقال: ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ﴾ (٧). وأكثر المفسّرين على أنّ الشّيطان هو إبليس لعنه الله تزوى لهم في صورة سراقة بن مالك، أرسل إلى قريش: إنّكم تقولون خذلنا سراقة وانهزم عن النّاس وإنّي والله ما شعرت (٨) بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم (٩). و (الجار): المجاور في الحقيقة، إلاّ أنّه صار اسما للخفير والمجير؛ لأنّ الجيران كانوا يخفرون ويجيرون (١٠). ﴿نَكَصَ:﴾ رجع وانقلب (١١). و (العقب): مؤخّر القدم (١٢). ٤٩ - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ:﴾ المعتقدون خلاف الإسلام (١٣). ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ شكّ وتردّد، من جملة (١٤) المنافقين. كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويقولون: اغترّ هؤلاء بدينهم فيظنّون أنّه حقّ سينصرون به (١٥).

стр. 730

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ:﴾ كلام مستأنف. (١٣٤ و) ٥٠ - وجواب (١) (لو) محذوف. و ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ أعوان ملك الموت (٢). والضّرب على الوجوه لزجر المتقدّم، وعلى الأدبار لطرد المتأخّر، كأنّهم يسوقونهم سوق الخيل ويمنعونهم عن الانتشار. ويحتمل (٣) أنّ الضّرب على الوجوه للتّعذيب لا بمعنى آخر، والضّرب على الأدبار للسّوق والحشر. ٥١ - ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أو إلى تعقيب (٤) المؤاخذة وترك المعاجلة. ٥٣ - ﴿لَمْ يَكُ:﴾ لم يكن. وإنّما اختصّ الكون بالإخبار لاقتضائه الآنيّة العامّة. وإنّما سقطت النّون؛ لأنّها تشبه (٥) حروف المدّ واللّين في خفائها فجاز سقوطها بالجزم (٦). والمراد ب (النّعمة) سوى نعمة التّوفيق والشّكر. وقيل: نعمة التّوفيق داخلة فيه؛ لأنّ الله لا يخذل ولا يمنع التّوفيق إلاّ مع سوء الاختيار، لا يتقدّم هذا على ذلك ولا ذاك على هذا. ﴿ما بِأَنْفُسِهِمْ:﴾ على أنفسهم من الشّكر، فتغييرهم الشّكر (٧) تبديله بالكفر. وقيل: (ما بأنفسهم): عند أنفسهم من النّعمة، وتغييرهم إيّاها تسبّبهم (٨) لزوالها. و (التّغيير): تبديل الكيفيّة في الحقيقة إلاّ أنّه يستعمل في تبديل الأعيان (٩) مجازا كما يقال: انقلب التّرح فرحا والبكاء ضحكا. ٥٤ - وإنّما كرّر التّشبيه بدأب آل فرعون للحثّ على الاعتبار. وإنّما عيّن فرعون وإهلاكه (١٠) بالغرق؛ لأنّه أشدّ استفاضة من أخبار عاد وثمود والذين من قبلهم. ٥٥ - ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء لتعقيب امتناعهم في الحالة الثّانية كفرهم في الحالة الأولى (١١).

стр. 731

٥٦ - ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ:﴾ نزلت في بني قريظة، نقضوا العهد مرّة بعد أخرى (١). و (الذين) بدل عن (الذين) في الآية الأولى (٢)، وهو إبدال البعض من الكلّ (٣). ٥٧ - ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ:﴾ التّشريد: التّفريق والتّنكيل (٤). ٥٨ - ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ:﴾ الخوف: العلم أو غلبة الظّنّ (٥). ﴿خِيانَةً:﴾ مكر المعاهدين (٦). ﴿فَانْبِذْ:﴾ العهد ﴿إِلَيْهِمْ﴾ جهرا (٧). ﴿عَلى سَواءٍ:﴾ حال، كقوله: ﴿وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النّساء:١٠٣]، تقديره: كائنا، أو كائنين على سواء في العداوة (٨). ٥٩ - ﴿لا يُعْجِزُونَ:﴾ للإعجاز معنيان: أحدهما: أن تفعل فعلا يعجز عنه غيرك، والثّاني: أن تصير إلى حال تعجز (٩) غيرك عن الاستيلاء عليك (١٠). ٦٠ - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ (١١)﴾ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ: عامّ في كلّ ما يتقوّى به على الأعداء من سلاح وكراع (١٢). عن (١٣) عقبة بن عامر قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ:﴾ الرّمي (١٤) لهو المؤمن في الخلاء وقوّته عند اللّقاء، قال: ومات عقبة فأوصى بتسعين قوسا مع (١٥) كلّ قوس قرنها وسهامها في

стр. 732

سبيل الله، قال: قرنها سيف، فقال (١): قرن الرّجل إذا تقلّد سيفه وتنكّب قوسه (٢). وعن عقبة قال: إنّ الله تعالى ليدخل الجنّة (٣) بالسّهم الواحد ثلاثة: صانعه الذي يحتسب بصنعته الخير والرّامي به والممدّ (٤) به. قال: وقال ﷺ : اركبوا (٥) واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا وكلّ شيء يلهو به الرّجل باطل (٦) إلاّ رمي الرّجل بقوسه وتأديبه (٧) فرسه وملاعبته امرأته فإنّهنّ من الحقّ (٨). وعن عروة البارقيّ قال: قال ﷺ : (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم) (٩). والمراد بعدوّ الله (١٠) وعدوّهم قوم واحد وهم الكفّار، (١٣٤ ظ) كما في قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ [الممتحنة:١] (١١). وقيل: عدوّ الله الكفّار، وعدوّنا أهل البغي من المؤمنين. ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ:﴾ الجنّ، عن ابن عبّاس (١٢). وقيل (١٣): سوى بني قريظة والمعروفين من الأعداء. ٦١ - ﴿لِلسَّلْمِ:﴾ إلى السّلم (١٤). ﴿فَاجْنَحْ لَها:﴾ ضمير المسالمة (١٥) أو الفعلة أو الخصلة (١٦).

стр. 733

والآية غير منسوخة، وقيام الدّلالة على امتناع مشركي (١) العرب لا يدلّ على أنّ الآية منسوخة في حقّ غيرهم (٢). ٦٢ - ﴿أَيَّدَكَ:﴾ «قوّاك» (٣). ﴿بِنَصْرِهِ:﴾ ما قدّر الله من التّأييد بغير سبب، ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ ما قدّره من التّأييد بسببهم (٤). ٦٣ - ﴿وَأَلَّفَ:﴾ والتّأليف: الجمع بين شيئين بتوفيق الطّبيعة دون القهر (٥). والمراد به ما ألّف الله به قلوب أوليائه من معرفته والموالاة في ذاته (٦) من غير رحم ولا عصبة ولا جوار ولا (٧) صحبة ولا اصطلاح (٨) زمان، فهم كنفس واحدة تجسّدت من جوهر طيّب ثمّ نطقت بروح الوحي معصومة من الفتن والبغضاء وأمراض الأهواء (٩). وقيل (١٠): أراد التّأليف بين الأوس والخزرج من بعد ما كانت بينهم عداوة قديمة. ٦٤ - ﴿وَمَنِ اِتَّبَعَكَ:﴾ في محلّ الخفض عطفا على الضّمير في ﴿حَسْبُكَ،﴾ وقيل: الكاف في (حسبك) في محلّ النّصب، وقيل: إنّه في محلّ الرّفع عطفا على اسم الله (١١). وتأويله (١٢): حسبك (١٣) تأييد الله بلا سبب وتأييد من اتّبعك من المؤمنين. ٦٥ - ثمّ تعبّد الله المؤمنين بمصابرة عشرة أمثالهم ووعد لهم النّصر عليها، ثمّ نسخ هذا بالمصابرة لمثليهم (١٤). ولم يبلغنا أنّهم عملوا بهذا المنسوخ وغلبوا على هذه الشّريطة قبل نسخ الوجوب، وأمّا بعد نسخ الوجوب (١٥) فقد بلغنا ذلك وأعظم منه (١٦).

стр. 734

﴿حَرِّضِ:﴾ التّحريض: الحثّ (١) والإغراء. وإنّما لم يقتصر على عدد واحد لئلاّ يتوهّم أنّ الحكم أو الوعد مختصّ بالقليل دون الكثير أو الكثير دون القليل، وليشترك (٢) فيه الحاذق والجاهل (٣). ٦٧ - ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ:﴾ إخبار عن ما مضى من شأن الأنبياء نزل (٤) على سبيل الإنكار والعتاب، أي: ما جاز لنبيّ قطّ. ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى:﴾ يفتدون منه (٥). ﴿حَتّى يُثْخِنَ:﴾ إلى أن يثخن القتل في أعدائه (٦). ويحتمل إلى أن يتمكّن في الأرض التقتيل (٧). وقد كان النّبيّ ﷺ منّ على أساراه وأنعم عليهم بقبول الفداء قبل أن يثخن في أعدائه القتل، وكان ذلك بمشاورة بعض الصّحابة، فعاتبه الله على ذلك، وأخبر عن غرض أصحابه في قبول الفداء (٨). ٦٨ - ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ:﴾ أن لا يعذّب أهل بدر، عن مجاهد والحسن وقتادة (٩). وقيل: أن (١٠) يرزق الإسلام بعض الأسارى. وقيل: أن لا يؤاخذ النّاس بالأوامر الشّرعيّة السّماعيّة قبل السّماع (١١). وقيل: أن تكون (١٢) الغنائم حلالا لأمّة محمّد ﷺ (١٣)، وذلك أنّ الكتاب السّابق ما تقدّم على هذه الحادثة من الآيات النّازلة من قوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) [النّجم:٣ - ٤]، وقوله: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾

стр. 735

﴿فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ [فَانْتَهُوا]﴾ (١) [الحشر:٧]، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:١]، فالنّبيّ ﷺ غير مخطئ مراد الله وما فيه المصلحة وما سيأذن الله (٢) له فيه ويجعله (١٣٥ و) شريعة له (٣)، ولكنّه عجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه، وكان (٤) أصحابه غير مخطئين في طاعته ولكنّهم لم ينتظروا الوحي وعجلوا بالإشارة عليه. ويحتمل أنّ الكتاب السّابق قضاء الله وحكمه أن يغفر لنبيّه ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. ٦٩ - الغنم: الاستفادة وإصابة (٥) الخير. ٧٠ - والخير المعلوم: الإيمان، والخير الموعود: الثّواب، وهو على سبيل التّفضيل على المأخوذ. وقال العبّاس عمّ النّبيّ ﷺ : أبدلني الله مكان عشرين أوقية من الذّهب (٦) عشرين عبدا كلّهم يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم، وأعطاني زمزم (٧) وما أحبّ أنّ لي بها جميع أموال بكّة، وأنا أنتظر المغفرة من ربّي ، هذا الذي أخلفه في نفسه وأمّا الذي أخلف على ولده فلا يحصيه إلاّ الله (٨). ٧١ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا:﴾ نزلت في الذين عاهدوا النّبيّ ﷺ أن لا يعودوا حربا عليه إن أطلقهم وردّهم إلى مأمنهم (٩). ﴿فَأَمْكَنَ:﴾ مكّنك ﴿مِنْهُمْ﴾ وسلّطك عليهم. ٧٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ كان ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار على أن يرث بعضهم بعضا، وقطع الموالاة بينهم وبين (١٠) القاعدين من الهجرة المقيمين في دار الحرب إلاّ (١١) على سبيل النّصرة في الدّين على غير المعاهدين بقضيّة هذه الآية، وفائدته ترغيبهم في الهجرة

стр. 736

وزجرهم (١) عن الإقامة في دار الحرب، ثمّ نسخت بقوله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥] (٢). ويحتمل أن تكون هذه الآية في الذين ليس لهم ذوو أرحام (٣) من المؤمنين، فلا تكون منسوخة. ٧٣ - وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ الآية دليل أنّ الكفر كلّه ملّة واحدة (٤). ﴿تَفْعَلُوهُ:﴾ يعني النّصر الواجب المأمور به (٥). ٧٤ - وحكم الموالاة وقطعها أبهم الله تعالى حكم المقيمين في دار الحرب بتخصيص المهاجرين وحكم الممتنعين عن النّصرة بتخصيص الأنصار، لترغيبهم (٦) بذلك في الهجرة والنّصرة. ٧٥ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ:﴾ ألحق الله (٧) المهاجرين الآخرين بالمهاجرين (٨) الأوّلين. فمن المهاجرين الآخرين عبّاس وابنا أخيه عقيل بن عبد المطّلب (٩) ونوفل بن الحارث. وقد روي عنه ﷺ أنّه قال لعبّاس: ختم الله بك الهجرة كما ختم بي النّبوّة (١٠)، فقوله: (لا هجرة بعد الفتح) (١١) على فتح (١٢) بدر على هذه الرّواية. ويحتمل أنّ هجرة بني هاشم ختمت بفتح بدر وهجرة سائر النّاس ختمت بفتح مكّة. وكما ألحق المهاجرين الآخرين بالأوّلين جعل أولي (١٣) الأرحام أولى بالميراث والموالاة من أصحاب العقود (١٤) والمؤاخاة بعد ارتفاع الهجرة المندوب (١٥) إليها، والله أعلم.

стр. 737

سورة التوبة «مدنيّة كلّها» (١). وعن مجاهد أنّها آخر ما نزلت (٢). وعن عطاء عن ابن عبّاس: سور القرآن مئة وثلاث عشرة، فكأنّه عدّ الأنفال والتّوبة سورة واحدة. وقال (٣) ابن عبّاس: قلت لعثمان: ما لكم عمدتم إلى الأنفال (٤) وهي من (٥) المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم (٦) بينهما ولم تكتبوا سطر: بسم الله الرّحمن الرّحيم، قال (٧): لأنّ سورة التّوبة آخر القرآن نزولا (١٣٥ ظ) وقصّتها تشبه بقصّة سورة الأنفال، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا حكمها فقرنّا بينهما ولم نكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم (٨)، وكذلك روى القاضي أبو عاصم عن أبيّ بن كعب (٩). وهي مئة وثلاثون آية في غير عدد الكوفة (١٠). ١ - ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ:﴾ إنّ الله كان (١١) قد أنزل على نبيّه ﷺ في أوّل ما أنزل بالمدينة قوله: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال:٥٨]، فكانت ذمم (١٢) النّبيّ ﷺ منعقدة على هذه الشّريطة، فلمّا فتح الله مكّة وانسلخ شهر رمضان ودخل أشهر الحجّ الأكبر وكثر من القبائل مكرها وغدرها ونكثها أمر الله تعالى نبيّه (١٣) أن ينبذ إليهم عهودهم ويعلمهم ذلك ليكونوا على سواء، وأمرهم أن يردّوا العهود الزّائدة على أربعة أشهر إلى أربعة أشهر، وبرفع (١٤) العهود النّاقصة إلى أربعة أشهر أوّلها غرّة شوّال، وقيل: أوّلها يوم الحجّ الأكبر وذلك اليوم العاشر من ذي القعدة، وكان الموسم انتقل إلى ذلك الوقت بنسيء الكفّار، وآخرها انسلاخ الأشهر الأربعة المحرّمة بالذّمّة والعهد، وقيل: انسلاخ الأشهر الحرم (١٥) انسلاخ رجب،

стр. 738

كان قد بقي من مدّة بني ضمرة وهم من كنانة تسعة أشهر أوّلها غرّة ذي القعدة، فأمر الله نبيّه أن يتمّ إليهم عهدهم إلى مدّتهم، وقيل: فإذا انسلخ الأشهر الحرم في قوم (١) لم يكن لهم ذمّة فأجلهم رسول الله بخمسين يوما أوّلها يوم الحجّ الأكبر، وليس هذا بسديد؛ لأنّ من الحجّ الأكبر إلى انسلاخ المحرّم ثمانين يوما على (٢) التّخمين. وكان ﷺ قد بعث أبا بكر إماما للنّاس في الحجّ ونزل (٣) جبريل ﵇ وأمر النّبيّ ﷺ أن يبعث رجلا من أهل بيته بثلاث عشرة آية من أوّل هذه السّورة إلى الموقف والمنحر ليقرأ على النّاس، فبعث عليّا فقرأها عليهم، قالوا: برئنا منك ومن ابن عمّك وبرئتما منّا إلاّ من الضّرب والطّعن، ثمّ ندموا وأقاموا على العهد المذكور إلى أن دخلوا في الإسلام أفواجا (٤). (براءة): خبر ابتداء محذوف، تقديره: هذه براءة، كقوله (٥): ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ [النّور:١] (٦). وقيل: (براءة): مبتدأ، ﴿إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ خبره (٧)، وكذلك (سورة)، (أنزلناها): خبره (٨). وإنّما أسندت المعاهدة إلى المؤمنين؛ لأنّ أمر رسول الله ﷺ وأمر المؤمنين واحد (٩). ٢ - ﴿فَسِيحُوا:﴾ تمهيل. والسّياحة هو الضّرب في الأرض (١٠). ٣ - ﴿وَأَذانٌ:﴾ إعلام (١١). ﴿الْحَجِّ الْأَكْبَرِ:﴾ من الحجّة المعروفة ذات الوقوف، والحجّة الصّغرى هي العمرة. وقيل: (الأكبر): صفة اليوم، وهو يوم عرفة فإنّ الوقوف فيه. وقيل: هو يوم النّحر لاشتماله على الرّمي والنّحر والحلق وطواف الزّيارة، ثمّ غلب هذا الحجّ على حجّة أبي بكر سنة تسع وحجّة النّبيّ ﷺ وسمّيت بحجّة الوداع (١٢).

стр. 739

٤ - ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ المؤمنين الذين يتمّون ويتّقون نقضه من غير سبب موجب للنّقض (١). ٥ - ﴿اِنْسَلَخَ:﴾ انكشف، فالأشهر ملابسة (٢) إيّانا فإذا مضت فكأنّها انسلخت عنّا (٣). والمراد بالقعود الاعتراض، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]. (١٣٦ و). ﴿مَرْصَدٍ:﴾ الطّريق الذي لا بدّ منه (٤). ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ:﴾ يعني بترك (٥) الاعتراض. والتّخلية أن تجعل الشّيء فارغا خاليا (٦). لمّا أمر الله برفع ذمم مشركي العرب [أراد] (٧) أن يضع بين المسلمين وبينهم أسباب الرّسالة لئلاّ تتقطّع السّبل (٨) فيتعذّر التّبليغ. ٦ - ﴿اِسْتَجارَكَ:﴾ أي: طلب منك الجوار والإجارة (٩). ﴿مَأْمَنَهُ:﴾ دار الحرب (١٠). ٧ - ﴿كَيْفَ:﴾ للتّعجّب (١١)، وأسباب التّعجّب بعدها. والاستثناء عارض [بين التّعجّب] (١٢) وأسبابه، فهؤلاء المستثنون من تقدّم ذكرهم، وقيل: قوم من بني بكر من كنانة، وقيل: هم بنو خزيمة (١٣). ولمّا طال العارض بين التّعجّب وأسبابه أعاد التّعجّب، وقريب منه قوله: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا [كَفَرُوا]﴾ (١٤) [البقرة:٨٩]، وقوله: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ [مِيثاقَهُمْ]﴾ (١٥) إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ [النّساء:١٥٥ - ١٦٠]، وقوله:

стр. 740

﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣) إلى قوله: ﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٦]. ٨ - ﴿إِلاًّ:﴾ الإلّ: «القرابة» (١)، قال حسّان (٢): [من الوافر] لعمرك إنّ إلّك من قريش ... كإلّ السّقب من رأل النّعام والإلّ: العهد والذّمّة (٣)، قال (٤): [من البسيط] كأنّه لم يكن بيني وبينكم ... إلّ ولا خلّة ترعى ولا ذمم والإلّ: اسم الله وربوبيّته (٥)، قال أبو بكر الصّدّيق: ويحكم إنّ هذا لم يخرج من إلّ (٦). ٩ - ﴿ثَمَناً قَلِيلاً:﴾ الرّياسة والعصبيّة والخمر والزّنا والقمار (٧). ١٠ - ﴿لا يَرْقُبُونَ:﴾ الخبر الأوّل (٨) خبر عن نيّاتهم معلّق بشرط القدرة، وهذا الخبر خبر عمّا هم يفعلون في الحال. وقيل: الخبران (٩) واحد والتّكرار للتّأكيد. ١٢ - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ:﴾ نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هاشم وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، أعانوا حلفاءهم من بني الدّئل بن (١٠) بكر على خزاعة حلفاء نبيّنا ﷺ ، فقدم على رسول الله عمرو بن سالم وبديل بن ورقاء (١١) المدينة مستنجدين، وكان بديل يرتجز (١٢): لا همّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا (١٣) كنت (١٤) ... لنا ولدا وكنت والدا
следующие страницы →