← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وزجرهم (١) عن الإقامة في دار الحرب، ثمّ نسخت بقوله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥] (٢). ويحتمل أن تكون هذه الآية في الذين ليس لهم ذوو أرحام (٣) من المؤمنين، فلا تكون منسوخة. ٧٣ - وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ الآية دليل أنّ الكفر كلّه ملّة واحدة (٤). ﴿تَفْعَلُوهُ:﴾ يعني النّصر الواجب المأمور به (٥). ٧٤ - وحكم الموالاة وقطعها أبهم الله تعالى حكم المقيمين في دار الحرب بتخصيص المهاجرين وحكم الممتنعين عن النّصرة بتخصيص الأنصار، لترغيبهم (٦) بذلك في الهجرة والنّصرة. ٧٥ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ:﴾ ألحق الله (٧) المهاجرين الآخرين بالمهاجرين (٨) الأوّلين. فمن المهاجرين الآخرين عبّاس وابنا أخيه عقيل بن عبد المطّلب (٩) ونوفل بن الحارث. وقد روي عنه ﷺ أنّه قال لعبّاس: ختم الله بك الهجرة كما ختم بي النّبوّة (١٠)، فقوله: (لا هجرة بعد الفتح) (١١) على فتح (١٢) بدر على هذه الرّواية. ويحتمل أنّ هجرة بني هاشم ختمت بفتح بدر وهجرة سائر النّاس ختمت بفتح مكّة. وكما ألحق المهاجرين الآخرين بالأوّلين جعل أولي (١٣) الأرحام أولى بالميراث والموالاة من أصحاب العقود (١٤) والمؤاخاة بعد ارتفاع الهجرة المندوب (١٥) إليها، والله أعلم.

стр. 737

سورة التوبة «مدنيّة كلّها» (١). وعن مجاهد أنّها آخر ما نزلت (٢). وعن عطاء عن ابن عبّاس: سور القرآن مئة وثلاث عشرة، فكأنّه عدّ الأنفال والتّوبة سورة واحدة. وقال (٣) ابن عبّاس: قلت لعثمان: ما لكم عمدتم إلى الأنفال (٤) وهي من (٥) المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم (٦) بينهما ولم تكتبوا سطر: بسم الله الرّحمن الرّحيم، قال (٧): لأنّ سورة التّوبة آخر القرآن نزولا (١٣٥ ظ) وقصّتها تشبه بقصّة سورة الأنفال، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا حكمها فقرنّا بينهما ولم نكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم (٨)، وكذلك روى القاضي أبو عاصم عن أبيّ بن كعب (٩). وهي مئة وثلاثون آية في غير عدد الكوفة (١٠). ١ - ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ:﴾ إنّ الله كان (١١) قد أنزل على نبيّه ﷺ في أوّل ما أنزل بالمدينة قوله: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال:٥٨]، فكانت ذمم (١٢) النّبيّ ﷺ منعقدة على هذه الشّريطة، فلمّا فتح الله مكّة وانسلخ شهر رمضان ودخل أشهر الحجّ الأكبر وكثر من القبائل مكرها وغدرها ونكثها أمر الله تعالى نبيّه (١٣) أن ينبذ إليهم عهودهم ويعلمهم ذلك ليكونوا على سواء، وأمرهم أن يردّوا العهود الزّائدة على أربعة أشهر إلى أربعة أشهر، وبرفع (١٤) العهود النّاقصة إلى أربعة أشهر أوّلها غرّة شوّال، وقيل: أوّلها يوم الحجّ الأكبر وذلك اليوم العاشر من ذي القعدة، وكان الموسم انتقل إلى ذلك الوقت بنسيء الكفّار، وآخرها انسلاخ الأشهر الأربعة المحرّمة بالذّمّة والعهد، وقيل: انسلاخ الأشهر الحرم (١٥) انسلاخ رجب،

стр. 738

كان قد بقي من مدّة بني ضمرة وهم من كنانة تسعة أشهر أوّلها غرّة ذي القعدة، فأمر الله نبيّه أن يتمّ إليهم عهدهم إلى مدّتهم، وقيل: فإذا انسلخ الأشهر الحرم في قوم (١) لم يكن لهم ذمّة فأجلهم رسول الله بخمسين يوما أوّلها يوم الحجّ الأكبر، وليس هذا بسديد؛ لأنّ من الحجّ الأكبر إلى انسلاخ المحرّم ثمانين يوما على (٢) التّخمين. وكان ﷺ قد بعث أبا بكر إماما للنّاس في الحجّ ونزل (٣) جبريل ﵇ وأمر النّبيّ ﷺ أن يبعث رجلا من أهل بيته بثلاث عشرة آية من أوّل هذه السّورة إلى الموقف والمنحر ليقرأ على النّاس، فبعث عليّا فقرأها عليهم، قالوا: برئنا منك ومن ابن عمّك وبرئتما منّا إلاّ من الضّرب والطّعن، ثمّ ندموا وأقاموا على العهد المذكور إلى أن دخلوا في الإسلام أفواجا (٤). (براءة): خبر ابتداء محذوف، تقديره: هذه براءة، كقوله (٥): ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ [النّور:١] (٦). وقيل: (براءة): مبتدأ، ﴿إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ خبره (٧)، وكذلك (سورة)، (أنزلناها): خبره (٨). وإنّما أسندت المعاهدة إلى المؤمنين؛ لأنّ أمر رسول الله ﷺ وأمر المؤمنين واحد (٩). ٢ - ﴿فَسِيحُوا:﴾ تمهيل. والسّياحة هو الضّرب في الأرض (١٠). ٣ - ﴿وَأَذانٌ:﴾ إعلام (١١). ﴿الْحَجِّ الْأَكْبَرِ:﴾ من الحجّة المعروفة ذات الوقوف، والحجّة الصّغرى هي العمرة. وقيل: (الأكبر): صفة اليوم، وهو يوم عرفة فإنّ الوقوف فيه. وقيل: هو يوم النّحر لاشتماله على الرّمي والنّحر والحلق وطواف الزّيارة، ثمّ غلب هذا الحجّ على حجّة أبي بكر سنة تسع وحجّة النّبيّ ﷺ وسمّيت بحجّة الوداع (١٢).

стр. 739

٤ - ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ المؤمنين الذين يتمّون ويتّقون نقضه من غير سبب موجب للنّقض (١). ٥ - ﴿اِنْسَلَخَ:﴾ انكشف، فالأشهر ملابسة (٢) إيّانا فإذا مضت فكأنّها انسلخت عنّا (٣). والمراد بالقعود الاعتراض، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]. (١٣٦ و). ﴿مَرْصَدٍ:﴾ الطّريق الذي لا بدّ منه (٤). ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ:﴾ يعني بترك (٥) الاعتراض. والتّخلية أن تجعل الشّيء فارغا خاليا (٦). لمّا أمر الله برفع ذمم مشركي العرب [أراد] (٧) أن يضع بين المسلمين وبينهم أسباب الرّسالة لئلاّ تتقطّع السّبل (٨) فيتعذّر التّبليغ. ٦ - ﴿اِسْتَجارَكَ:﴾ أي: طلب منك الجوار والإجارة (٩). ﴿مَأْمَنَهُ:﴾ دار الحرب (١٠). ٧ - ﴿كَيْفَ:﴾ للتّعجّب (١١)، وأسباب التّعجّب بعدها. والاستثناء عارض [بين التّعجّب] (١٢) وأسبابه، فهؤلاء المستثنون من تقدّم ذكرهم، وقيل: قوم من بني بكر من كنانة، وقيل: هم بنو خزيمة (١٣). ولمّا طال العارض بين التّعجّب وأسبابه أعاد التّعجّب، وقريب منه قوله: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا [كَفَرُوا]﴾ (١٤) [البقرة:٨٩]، وقوله: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ [مِيثاقَهُمْ]﴾ (١٥) إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ [النّساء:١٥٥ - ١٦٠]، وقوله:

стр. 740

﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣) إلى قوله: ﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٦]. ٨ - ﴿إِلاًّ:﴾ الإلّ: «القرابة» (١)، قال حسّان (٢): [من الوافر] لعمرك إنّ إلّك من قريش ... كإلّ السّقب من رأل النّعام والإلّ: العهد والذّمّة (٣)، قال (٤): [من البسيط] كأنّه لم يكن بيني وبينكم ... إلّ ولا خلّة ترعى ولا ذمم والإلّ: اسم الله وربوبيّته (٥)، قال أبو بكر الصّدّيق: ويحكم إنّ هذا لم يخرج من إلّ (٦). ٩ - ﴿ثَمَناً قَلِيلاً:﴾ الرّياسة والعصبيّة والخمر والزّنا والقمار (٧). ١٠ - ﴿لا يَرْقُبُونَ:﴾ الخبر الأوّل (٨) خبر عن نيّاتهم معلّق بشرط القدرة، وهذا الخبر خبر عمّا هم يفعلون في الحال. وقيل: الخبران (٩) واحد والتّكرار للتّأكيد. ١٢ - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ:﴾ نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هاشم وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، أعانوا حلفاءهم من بني الدّئل بن (١٠) بكر على خزاعة حلفاء نبيّنا ﷺ ، فقدم على رسول الله عمرو بن سالم وبديل بن ورقاء (١١) المدينة مستنجدين، وكان بديل يرتجز (١٢): لا همّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا (١٣) كنت (١٤) ... لنا ولدا وكنت والدا

стр. 741

ثمّت أسلمنا (١) ... ولم ننزع يدا أبيض مثل البدر ينهو صعدا ... إنّ قريشا أخلفوك (٢) الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكّدا فقال رسول الله: لا نصرني الله إن لم أنصركم، ثمّ أمر النّاس (٣) أن يتجهّزوا إلى مكّة (٤). وكان أبو سفيان يومئذ عند هرقل بالشّام، فكتبت قريش إليه بالخبر، فلمّا قرأ الكتاب استأذن هرقل في الرّجوع وقال: إنّ محمّدا كان عاهدنا سنين وهو يريد النكث، قال هرقل: ولم ذلك؟ قال: لأنّا أعنّا حلفاءنا على حلفائه، قال: هو معذور فإنّكم إذا قاتلتم حلفاءه فقد (٥) قاتلتموه. وانصرف أبو سفيان من الشّام يريد الإصلاح حتى دخل المدينة على فاطمة بنت النّبيّ ﷺ وطلب منها الإجارة فلم تفعل، وطلب من الحسن والحسين فلم يفعلا، ثمّ خرج إلى أبي بكر فردّه، وإلى عمر فردّه وقال: والله لنضربنّ إستك يا أبا سفيان، فقال: ما أسفهك يا ابن الخطّاب، ثمّ خرج إلى عليّ ﵁ وطلب منه الإجارة، فقال عليّ: يا أبا سفيان أتظنّ برسول الله أنّه يردّ أمرك اخرج إلى النّاس واضرب (١٣٦ ظ) إحدى يديك على الأخرى وقل: أجرت بين النّاس، فقال أبو سفيان: أهو كما تقول؟ قال عليّ: سترى (٦) ما يكون، فخرج أبو سفيان فضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: أجرت بين النّاس، ورجع إلى مكّة وقال: أجرت بين النّاس، قالوا: كيف؟ فأخبرهم بالقصّة، قالوا: لم تفعل شيئا وإنّما استهزأ بك عليّ (٧). ثمّ سار رسول الله ﷺ في جيوشه إلى مكّة، ولم يلق أحدا مقبلا ولا مدبرا إلاّ حبسه لئلاّ يخبر أهل مكّة بمسيره (٨) إليهم، فخرج أبو سفيان متحسّسا (٩) أخبارهم فلقيه العبّاس في جوف اللّيل وأجاره وأردفه خلفه على بغلة رسول الله ﷺ حتى (١٠) أدخله عليه (١١) ﷺ ، وأحسّ به عمر فسابقه إلى النّبيّ ﷺ فسبقه وحال بينه وبين أبي (١٢) سفيان، ثمّ ردّه رسول الله ﷺ إلى مكّة، فلمّا

стр. 742

كان ببعض الطّريق أمر عبّاسا ليتبعه فيحبسه على الطّريق ليمرّ به كتائب العسكر، فلمّا لحقه العبّاس خافه أبو سفيان على نفسه وقال: أغدرا يا بني هاشم، قال: كلاّ ولكن أبصر كتائبنا (١)، وكان كلّما مرّ عليه كتيبة قال: أفي هؤلاء محمّد؟ وكان عبّاس يقول: لا هؤلاء بنو فلان وهؤلاء بنو فلان حتى مرّ رسول الله ﷺ كالبدر المنير تحت المغفر في ثلاثة آلاف فارس من الأنصار متكفرين بالسّلاح. وأسلم أبو سفيان، فقال عبّاس: يا رسول الله إنّ أبا سفيان رجل (٢) يحبّ الصيّت فاجعل له شيئا يفتخر به، قال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وانصرف أبو سفيان إلى مكّة ونادى: من دخل داري فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند وأخذت بسباله (٣) وقالت: اقتلوا هذا الخبيث، فضربوه ضربا شديدا (٤). وكان خالد بن الوليد على الميمنة فاستقبله جمع من المشركين وعليهم حماس (٥) بن قيس ومقيس بن ضبابة وعكرمة بن أبي جهل فقاتلهم خالد حتى هزمهم، وكان رسول الله ﷺ قد نهاه عن ذلك، فلمّا (٦) علم بذلك قال: عسى أن يكون خيرا. وروى ابن (٧) إسحق أنّهم قتلوا من المسلمين كرز بن جابر وحنش بن خالد، وأصيب من مزينة سلمة بن الميلاء، وأصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ثمّ هزموا (٨). وقوله ﷺ : (إنّي أعوذ من صنيع خالد) لم يكن في هذا اليوم وإنّما كان من (٩) قبله. وجمع رسول الله ﷺ الأنصار حواليه يوم فتح مكّة ثمّ أمرهم بأن (١٠) يحضروا أوباش قريش، قال أبو هريرة: وما كنّا إلا قادرين على قتل (١١) من نشاء أن نقتله، فجاء أبو سفيان وقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ : من أغلق بابه على نفسه فهو آمن (١٢)، واستثنى أربعة من المشركين وأمر بقتلهم (١٣). وأجارت أمّ هانئ رجلين من مخزوم، فأراد أخوها عليّ بن أبي طالب أن

стр. 743

يقتلهما (١)، فجاءت إلى رسول الله ﷺ تشكوه والنّبيّ ﷺ يصلّي صلاة (١٣٧ و) الضّحى، وذلك قبل أن دخل مكّة، فقال: أجرنا من أجرت (٢). وعن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: يا أبا هريرة اهتف بالأنصار، فنادى: يا معشر الأنصار أجيبوا رسول الله ﷺ ، فجاؤوا كأنّما كانوا على ميعاد، ثمّ قال: اسلكوا هذا الطّريق ولا يشرفن أحد عليكم إلا أنمتموه، أي: قتلتموه (٣). وسار رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد، وما قتل ذلك اليوم إلاّ أربعة، ودخل صناديد قريش الكعبة يظنّون أنّ السّيف لا يرفع عنهم، فأخذ رسول الله ﷺ بعضادتي الباب وقال: ما تظنّون؟ فقالوا (٤): نقول: أخ وابن عم حليم رحيم، فقال رسول الله (٥) ﷺ : إنّي أقول كما قال يوسف ﵇: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ [الْيَوْمَ] (٦)﴾، الآية [يوسف:٩٢]، فخرجوا من الكعبة كأنّما نشروا من القبر، ودخلوا في الإسلام (٧). قالت عائشة: ما من بلدة إلاّ فتحت بالسّيف إلاّ المدينة فإنّها فتحت بلا إله إلاّ الله (٨). وقوله: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ﴾ [الفتح:٢٢] في شأن أسد وغطفان، وقيل: في الحديبية (٩). وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح:٢٤] كان المشركون (١٠) بعثوا أربعين رجلا، وقيل: اثنا عشر لاغتيال أصحاب (١١) رسول الله ﷺ عام الحديبية فأظهرهم الله عليهم فأخذوهم وجاؤوا بهم إلى النّبيّ ﷺ فأطلقهم (١٢). قد دلّ كتاب الله وتواترت الرّوايات وأجمع أصحاب السّير أنّ مكّة فتحت عنوة ثمّ منّ عليهم النّبيّ ﷺ وأطلقهم ولم يقسم أموالهم فسمّوا طلقاء (١٣)، فمن قال: فتحت صلحا (١٤)، فقد

стр. 744

خالف الكتاب والسّنّة وخرق الإجماع. ١٤ - ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ:﴾ الشّفاء: إزاحة الأذى من مرض أو غضب أو حزن (١). وكان شفاء المؤمنين حين صعد بلال على سطح الكعبة ورفع صوت الأذان، قال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي لم يبق أسيدا (٢) إلى هذا اليوم (٣)، وقال الحارث [بن] (٤) هشام: إن كنت لأبغض أن ينهق عليها (٥) ابن أبي رباح، وقال سهيل بن عمرو: دعوه إنّ لها (٦) ربّا إن شاء أن ينصرها نصرها، وقالت جويرية بنت أبي جهل حين سمعت اسم رسول الله في الأذان: والله لقد رفع ذكرك، ولّما (٧) سمعت قوله: قد قامت الصّلاة قالت: أمّا القيام فسأقوم ولكنّي لا أحبّ قاتل أخيه أبدا. والمؤمنون يسمعون منهم أحاديثهم هذه ويضحكون عليهم. ١٦ - ﴿وَلِيجَةً:﴾ هو الذي يلج عليك وتلج عليه على كلّ حال ولا يكتم عنه سرّه (٨). ١٧ - ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ:﴾ نزلت في الرّدّ على المشركين حين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقي الحجيج (٩). وإنّما نزلت هذه السّورة في آخر ما نزلت في المدينة في أيّام فتح مكّة، وتوفّي [رسول] (١٠) الله قبل أن يبيّن موضعها، فالظّاهر أنّ المفتخرين أبو سفيان والحارث بن هشام وعكرمة ابن أبي جهل وسهيل بن عمرو (١١) وخالد بن أسيد. (ما كان): أي: لم يكن معتدّا به ولم يصحّ ولم يقع موقعه فعلهم ذلك (١٢). و (العمارة): ضدّ التّخريب. (شهادتهم على أنفسهم بالكفر): (١٣٧ ظ) جهرهم به وإن لم يعدّوه كفرا (١٣). ١٨ - وإنّما تصحّ (١٤) العمارة ممّن آمن بالله. ١٩ - ﴿أَجَعَلْتُمْ:﴾ فضيلة، ﴿سِقايَةَ الْحاجِّ﴾ كفضيلة من ﴿آمَنَ بِاللهِ.﴾ قال الحسن

стр. 745

البصريّ: لّما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : لا تدعوها فإنّ لكم فيها أجرا (١). فلولا أنّ الآيات نزلت في فتح مكّة ولكنّ رسول الله ولّى السّقاية عمّه عبّاسا وأولاده بعد الفتح، ورآهم (٢) يوم الفتح وقال: انزحوا ولولا أن يزاحمكم النّاس لنزحت معكم (٣)، وأذن في البيتوتة بمكّة لأجل السّقاية ليالي منى، فصار عبّاس جامعا بين السّقاية وبين الهجرة والجهاد، وفاز بكلتي الفضيلتين، ثمّ نال فضيلة الاستسقاء على منبر رسول الله في أيّام عمر، مع ما خصّه الله تعالى من عمومة نبيّه ﷺ وولاية مواليه وذرّيّته وأبوّة خلفائه من غير منازع ولا مدافع، فلله الحمد. ٢٠ - ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً:﴾ شرفا، أو ثواب الدّنيا ليصحّ التّفضيل على الكفّار، وإن حمل على درجات الآخرة كان التّفضيل على سبيل التّوسع (٤) والمجاز. ٢١ - ﴿نَعِيمٌ:﴾ رفع لقوله: ﴿لَهُمْ،﴾ فيحسن (٥) الوقوف على (جنّات). ويجوز أن يكون متعلّقا ب (جنّات)، فيوقف على (لهم). ٢٣ - ﴿اِسْتَحَبُّوا:﴾ اختاروا وارتضوا (٦). ٢٤ - ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ:﴾ قرابتكم (٧). ﴿كَسادَها:﴾ أراد ضدّ الرّواج. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ بفتح مكّة، عن مجاهد (٨). ويحتمل أنّها نزلت بعد فتح مكّة، والأمر الموعود فتح تبوك، أو تخريب مسجد ضرار، أو صدّ المشركين عن المسجد الحرام، أو الموت الذي لا بدّ منه. ٢٥ - ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ [اللهُ] (٩)﴾: لمّا فرغ رسول الله من فتح مكّة وكسر الأصنام ورجع إليه خالد وسائر السّرايا قصد إلى حنين، وحنين واد بين مكّة والطّائف، فقصد إلى حنين يغزو العرب [الذين] (١٠) كانوا تجمّعوا لقتاله، ثلاثين ألفا (١١) من هوازن وثقيف وهلال وجشم

стр. 746

يقودهم مالك بن عوف النّصري (١)، وكان حمل مع نفسه دريد بن الصمة الجشميّ ليستعين برأيه، وكان دريد معروفا بالبأس والنّجدة وأصالة الرّأي، وكان قد بلغ مئة وعشرين سنة وذهب بصره، وحمله مالك مع نفسه، وكلّف النّاس على (٢) حمل البيوت والأثقال إلى المعركة، فلمّا نزلوا ببعض المنازل سمع دريد جلبة وأصواتا مختلفة فسأل مالكا (٣) عنها، فقال: هذه أصوات الصّبيان والنّساء يختلف النّاس على حمل بيوتهم إلى المعركة ليقاتلوا فيها ويحموها عن النّهب والسّلب، قال دريد: بئس الرّأي ما رأيت يا مالك فإنّ هؤلاء يزيدون المقاتلين شغلا وخوفا وفشلا وجبنا، فلم يلتفت مالك إلى قول دريد، حتى إذا كان يوم اللّقاء جاء بأجفان سيوف النّاس إلى دريد وهو في الخيمة، وقال دريد: ما هذه؟ قال: هذه أجفان السّيوف أخذتها لأكسرها إذا اشتدّ الأمر، قال دريد (٤): ولماذا تكسرها؟ قال: ليعلموا أنّه لا سبيل إلى غمدها وإلى الانهزام، فضحك دريد وقال: يا مالك إنّك راعي الغنم فشأنك به ودع أمر القتال، (١٣٨ و) أترى [إلى] (٥) هؤلاء القوم لئن انهزموا ليمنعنهم (٦) كسر أجفان سيوفهم فيصبرون على القتل لمكانها. وإنّ النّبيّ ﷺ لّما خرج من مكّة استعار (٧) من صفوان بن أميّة مئة درع، وكان صفوان مؤجلا إلى أربعة أشهر ليسلم، ولم يسلم بعد، فخرج مع النّبيّ ﷺ لمكان دروعه. وكان (٨) النّبيّ ﷺ في عشرة آلاف فارس، وأمر أبا سفيان فخرج في ألفي فارس من طلقاء مكّة، فكانوا اثني عشر ألفا، فلمّا اقتربوا إلى العدوّ صعد (٩) عبّاس على بعض التّلول واطّلع على عسكر المسلمين وأعجبته الكثرة ونادى: يا رسول الله لن نغلب اليوم عن قلّة، فقال رسول الله: مه يا عمّ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فلم تمض عليهم ساعة حتى التقت الفئتان، وكان رسول الله ﷺ يومئذ (١٠) راكبا بغلته الشّهباء، وكان العبّاس آخذا (١١)

стр. 747

بلجامها وسفيان بن الحارث (١) بن عبد المطّلب آخذا بثغرها، وعليّ يقاتل بين يدي رسول الله، فأمر مالك بن عوف جموعه أن يحملوا على المسلمين حملة واحدة لم يقم لها المسلمون وانكشفوا عن رسول الله (٢)، وكان كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.﴾ وإنّما ابتلوا (٣) لكلمة عبّاس وإعجابه بالكثرة، وكما كان عبّاس أعجب بالكثرة كان كثير من النّاس أعجبوا بها، فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلاّ عبّاس وعليّ والفضل (٤) بن عبّاس وسفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيدة وأسامة بن زيد ورجل آخر، وفي ذلك يقول ابن (٥) عبّاس: [من الطويل] نصرنا رسول الله في الحرب سبعة ... وقد فرّ من قد فرّ منهم فأقشعوا وثامننا لاقى الحمام بسيفه ... بما مسّه في الله لا يتوجّع وفرح أبو سفيان بن حرب ومن معه من طلقاء مكّة فشمتوا بالمسلمين، وقال أبو سفيان: اليوم بطل السّحر، فقال (٦) له صفوان بن أميّة وهو كافر: فضّ الله فاك لأن يربّنا رجل من قريش خير من أن يربّنا رجل من هوازن. ثمّ أمر رسول الله ﷺ عمّه عبّاسا لينادي بالأنصار، وكان جهوريّ الصّوت، فقال: يا أصحاب بيعة العقبة ويا أصحاب بيعة الشّجرة ويا أصحاب سورة البقرة، فعرفوا صوته ورجعوا إلى رسول الله ﷺ (٧). ونزل رسول الله ﷺ عن بغلته وسلّ سيفه وباشر الحرب بنفسه، وكان يقول: (أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب)، فأنزل الله سكينته عليه وعليهم وأنزل جنودا لم تروها، وهزم الكفّار بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة حتى أنّ الرّجل الواحد من المسلمين قد تولّى قتل ثلاثين، أربعين، خمسين نفسا من الكفّار. والتجأ مالك بن عوف إلى الطّائف مذعورا مدحورا في نفر يسير من الأشقياء، وغنم المسلمون أموالهم ونساءهم وذراريهم، وبلغ عدد السّبي ستّة آلاف رأس. وعثر رجل من الأنصار على دريد بن الصمة يريد قتله، قال دريد: ومن أنت؟ فتعرّف له الرّجل، قال (٨) دريد: أما إنّي قد أنعمت على (٩) (١٣٨ ظ) أمّهاتك وفككت من الرّقّ ثلاثا من جدّاتك قبل أن خلقت، وسمّاهنّ له،

стр. 748

فضرب الرّجل بسيفه ضربة في عنقه فلم يخدشه خدشة فكأنّما ضرب على صمدة (١)، فقال دريد: بئس شيء سلحته أمّك خذ سيفك من وراء المحمل واضربني به ولا تضرب على العظم ولا على الجلد المنزى ولكن اتبع اللّحم، ففعل الرّجل كما علّمه دريد فاحتزّ رأسه. وأعطى رسول الله أبا سفيان وأصحابه من هذه الغنيمة أموالا كثيرة يؤلّف قلوبهم بذكر الله، واستوحش الأنصار بذلك، ثمّ رضوا بحكم الله ورسوله، فقال لهم رسول الله ﷺ : أما ترضون أن يرجع النّاس إلى ديارهم بالأموال وترجعون إلى دياركم بنبيّ الله فاستهلوا بالرّضا والحمد لله. ﴿مَواطِنَ:﴾ جمع موطن، وهو موضع القرار والسّكون (٢). و (الرّحب): «السّعة» (٣). وقوله: ﴿بِما رَحُبَتْ،﴾ أي: ضاقت برحبها ومع رحبها (٤)، وذلك من شدّة الخوف وانسداد سبيل الهزيمة بالدهش واستقبال العدوّ من (٥) كلّ وجه. ٢٧ - وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ﴾ يحتمل أنّها عامّة، ويحتمل أنّها في الذين أتوا رسول الله مستسلمين يفدون الأسارى فمنّ عليهم رسول الله ﷺ (٦). ٢٨ - ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ:﴾ الحال تدلّ [على] (٧) أنّهم مشركو العرب؛ لأنّهم كانوا يقربون المسجد الحرام ويختلفون إليه بالحجّ والعمرة دون سائر النّاس، وإن (٨) اعتبرنا بالغالب من إطلاق الكتاب والسّنّة دلّ [على] (٩) ذلك أيضا (١٠). وهم عبدة الأوثان دون سائر الكفّار (١١)؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحجّ:١٧]، وقال ﷺ : (من أسلم من أهل الكتاب كان أجره مرّتين وله ما لنا وعليه ما علينا ومن أسلم من المشركين كان له ما لنا وعليه ما علينا) (١٢). وإن اعتبرنا الشّأن والنّزول دلّ ذلك أيضا، قال أبو هريرة: كنت

стр. 749

مع عليّ بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ فنادى بأربع: أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة ولا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريانا ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر (١). وهكذا روى مقسم عن ابن عبّاس في حديث طويل (٢). ودلّته (٣) الدّلائل أن عرفة، في حرمة قربان المشركين، كالمسجد الحرام، وعرفة ليست من الحرم فهي كسائر مساجد الإسلام (٤). ودلّ كتاب الله أنّ المستجير مستثنى من جملة المشركين، ويجوز له أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ في المسجد الحرام حتى يسمع كلام الله ثمّ يعود إلى مأمنه. أبو الزّبير عن جابر في هذه الآية ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الجزية (٥). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: قال المؤمنون (٦): كنّا نصيب من متاجر المشركين، فوعدهم الله أن يغنيهم (٧) من فضله عوضا لهم (٨)، قال الطحاوي (٩): العوض هي الجزية المذكورة بعد هذه (١٠)، وقال الفرّاء (١١): العوض هو خصب تبالة وجرش (١٢) أسلموا وحملوا طعامهم إلى مكّة. (النّجس): شيء مستقذر (١٣)، وإذا (١٣٩ و) قرنت به الرّجس كسر النّون، قيل: رجس نجس (١٤).

стр. 750

﴿عَيْلَةً:﴾ فقرا (١). ووجه تعليق الموعود بالمشيئة تصوّر موت كثير منهم (٢) قبل إنجاز الوعد وتصوّر فقر كثير منهم مع وجود الشّرط وهو خوف العيلة بسائر أسباب الفقر، وكلّ ذلك بتقدير الله. ٢٩ - ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ:﴾ عامّة في قتال أهل الكفر (٣)، وتقديرها: والذين لا يحرّمون، والذين لا يدينون. وقد خرج من (٤) عمومها النّساء والذّرّيّة والمشايخ غير ذي الرّأي والعميان والزّمنى (٥) والأساقفة والرّهابين الذين وقع الأمن من جهتهم. قال عليّ: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشا من المسلمين (٦) قال: انطلقوا بسم الله في سبيل الله، إلى أن قال: ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا شيخا كبيرا (٧). وعن ابن عبّاس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: اغزوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصّوامع (٨). وكذا أوصى أبو بكر الصّدّيق إلى يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حين (٩) بعثهم إلى الشّام (١٠). ويحتمل أنّ الآية خاصّة في المقاتلين دون من وقع الأمن من جهتهم (١١)، وإلى هذا أشار ﷺ حين رأى امرأة مقتولة (١٢). و (الجزية): اسم المقضيّ عن الرّقاب (١٣). والظّاهر أن يكفّ عن قتالهم (١٤). ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ:﴾ نقدا، إلاّ أنّ الدّلالة قامت على وجوب الكفّ بالالتزام على شرط اليسار. ﴿عَنْ يَدٍ:﴾ عن نعمة منكم عليهم وذمّة منكم لهم (١٥). وقيل (١٦): عن قهر. وقيل (١٧): عن

стр. 751

نقد، كقوله في حديث الرّبا: (يدا بيد). ومقدار الجزية ما روي عن عمر أنّه بعث حذيفة بن (١) اليمان وعثمان بن حنيف إلى السّواد حتى وضعا عليهم الجزية، فصنّفا (٢) النّاس ثلاثة أصناف (٣)، ووضعا على الأغنياء ثمانية وأربعين درهما، وعلى الأوساط المعتملين أربعة وعشرين (٤)، وعلى الفقراء المكتسبين اثني عشر درهما، ولم يوجبا على النّساء والصّبيان والفقراء الذين لا يقدرون على الكسب شيئا (٥). ودلّت الآية على سقوط الجزية بالموت والإسلام لفوات القتال (٦). وفي الآية جواز أخذ الجزية عن (٧) أهل الكتاب، وليس فيها نفي جوازه عن غيرهم، وقد صحّ عنه ﷺ جواز أخذها عن عبدة الأوثان من العجم وعن مجوس هجر وهم عبدة النّيران (٨). ٣٠ - ﴿عُزَيْرٌ:﴾ بن سويا، من أولاد فنحس بن عازور بن هارون بن عمران. وكان عزير يوم سبى بختنصر بني إسرائيل ابن ستّ سنين معه أمّه، ثمّ ماتت أمّه وتكفّله دانيال ﵇ وعلّمه الكتابة قصدا من التّوراة، وهما دعوا كيرش الملك ملك فارس إلى توحيد الله ودينه وعمارة بيت المقدس وردّ خزائنه وأهله إليه، ثمّ توفّي دانيال وهو ابن مئة وثلاثين سنة فخلفه عزير وهو ابن ثلاث وتسعين سنة فصار قاضي القضاة وحكم الحكماء. وقد ذهب أكثر التّوراة عن اليهود ولم يبق منها نسخة إلاّ نسخة الصّابئين باليمن، ونسخة مدفونة ببيت المقدس بحث عنها المسيح ﵇ (١٣٩ ظ) فكتبها لهم عزير بإذن الله تعالى وإلهامه بخمسة أقلام، وكان (٩) يستمدّ بقلم من تلك الأقلام فيكتب (١٠) به ما شاء الله فإذا انقطع المداد كسر القلم ورمى به وأخذ قلما آخر، فانتهت التّوراة بانتهاء هذه الأقلام الخمسة، وكان ذلك آية من آيات الله تعالى معجزة لعزير ﵇. فلمّا فرغ من الكتابة مرض من يومه فختم على التّوراة وسلّمها إلى رجل صالح يسمى زكريّا وأوصى إليه إملاء التّوراة إلى بني إسرائيل، وتوفّي عزير وتوفّي بعده بيومين هذا الرّجل الصّالح، وصارت التّوراة عند ينجايل بن

стр. 752

نيبا وكان رجلا خّميرا شرّيبا، فرفع الختم وحرّف الكلم عن مواضعه، ثمّ ردّ الختم كما كان حتى رفع الختم ثانيا بمشهد من بني إسرائيل وأملاها بالتّبديل والتّحريف ولبس الأمر عليهم. قال ابن عبّاس: كان عزير يصلّي فبينا (١) هو كذلك إذ نزل نور ودخل جوفه وعاد إليه ما ذهب من التّوراة فأدّن في قومه وقال: قد ردّ الله عليّ التّوراة، فجعل يعلّمهم، فقابلوا ما أخذوا عنه بما وجدوه في التّابوت فوجدوه مثله، فقالوا (٢): ما أوتي عزير هذه إلاّ أنّه ابن الله (٣). وعن الكلبيّ أنّه مات (٤) مئة سنة ثمّ أحياه الله تعالى فجاء إلى بني إسرائيل بالتّوراة فلم يصدّقوه حتى أخبرهم عن أبيه عن جدّه أنّ نسخة من التّوراة مدفونة في موضع كذا وكذا، فانطلقوا إليه وبحثوا عنها، فلم يجدوه غادر منها حرفا، فعند ذلك وقعت لهم الشّبهة وقالوا: إنّه ابن الله (٥). وإنّما أسند هذه المقالة إلى جماعة من اليهود على طريق المجاز كما تقول: قالت الرّوافض: عليّ إله، وقالت الخوارج: تعذب الأطفال، وإنّما قالت الإسماعيليّة من الرّوافض والأزارقة من الخوارج فقط (٦). ﴿يُضاهِؤُنَ:﴾ يشابهون ويماثلون (٧). ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ:﴾ هم الذين ادّعوا حلول الباري في أجسام تربيّة، منهم جمّ الملك والذين عبدوه ونمرود وفرعون والهنود وبنو المليح الذين زعموا أنّ الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك (٨). ٣١ - ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً:﴾ وهو تركهم كتاب الله بتأويلاتهم وإعراضهم عن القرآن وسائر الآيات المعجزة الإلهيّة إلى اعتقادهم الباطل في المسيح ﵇. ٣٢ - إطفاء نور الله: تمنّيهم إبطال القرآن والإيمان بتأويلاتهم وأكاذيبهم (٩). ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ:﴾ أي: ولا يريد (١٠) الله لنوره إلاّ إتمامه وإن كره الكافرون ذلك، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

стр. 753

٣٣ - ﴿بِالْهُدى:﴾ الأصل، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ:﴾ الفرع إن شاء الله. ويحتمل (بالهدى): الفرقان، وب (دين الحقّ): الإسلام (١). وقيل: هما واحد واختلاف اللّفظين [للتّأكيد] (٢). ﴿لِيُظْهِرَهُ:﴾ لينصر أهله على أهل الأديان كلّها وليجعله أبين وأوضح من سائر الأديان، وقد كان (٣) كذا بحمد الله. ٣٤ - وإنّما أخبر عن حال الأحبار والرّهبان ليبيّن أنّهم ليسوا معصومين كالأنبياء فيجوز (٤) تصديقهم وتقليدهم (١٤٠ و) من غير مطالبة بالدّليل. و ﴿(الْأُكُلِ)﴾: الأخذ (٥) والإمساك، ولذلك ابتدأ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ:﴾ وهم المرادون بهذه الصّفة المشروطة. و (الكنز) (٦): كلّ مال مدّخر لا ينفق، والاكتناز: الاجتماع (٧). والهاء في ﴿يُنْفِقُونَها﴾ عائدة إلى الأموال والكنوز (٨)، وقيل (٩): إلى الذّهب، وقيل (١٠): إلى الفضّة وحدها على [ما] (١١) قدّمنا. وجواب الشّرط ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ (١٢). ٣٥ - ﴿يَوْمَ:﴾ نصب على الظّرف، والعامل (العذاب) لا (البشارة) (١٣). ﴿يُحْمى:﴾ يولد الحرارة. يحتمل أن يحمى (١٤) الذّهب على الفضّة في نار جهنّم، ويحتمل يحمى شيء من الحطب والفحم على كنوزهم في نار جهنّم حتى يصير نارا. و (الكيّ): إمساس (١٥) البشرة شيئا حاميا حتى (١٦) تحترق.

стр. 754

و (الجبهة): ما فوق الأنف (١)، وكيّها أقبح وأبلغ في العلامة (٢). وكيّ الجنوب والظّهور يمنع راحة الاضطجاع (٣). ﴿هذا:﴾ أي: يقال لهم: هذا (٤) ﴿ما كَنَزْتُمْ.﴾ ٣٦ - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث الإنكار على الأحبار (٥) والرّهبان وذكر صدّهم عن سبيل الله، فمن جملة صدّهم عن سبيل الله (٦) أنّهم وجدوا الزّمان المشتمل على الشّهور الاثني عشر قاصرا عن الاشتمال على (٧) الفصول الأربعة، نقلوا عن (٨) مواضعها بعد ما كانت معلّقة بالقمر، أمّا اليهود فجعلوا السّنة المجبورة ثلاثة عشر شهرا وكرّروا السّنة التّاسعة عشرة جامعة لكسوره المجتمعة من الشّرعيّات وسمّوا الشّهر الزّائد آذار (٩)، فكان لهم في السّنة المجبورة آذاران (١٠)، والسريانيّون جعلوا لها تشرين الأوّل زائدا بيوم والكانون الأوّل زائدا والكانون الآخر زائدا، وجعلوا شباط ثمانية وعشرين في ثلاث سنين وتسعة (١١) وعشرين يوما في السّنة الرّابعة فاستدركوا بهذا الحساب أوقات زرعهم وتجارتهم وضربهم في الأرض، وأبطلوا مناسكهم وأعيادهم ومواسم دينهم فضلّوا وأضلّوا بتركهم مصالح معادهم لمصالح (١٢) معاشهم، فأنكر الله ذلك عليهم وأخبر أنّ الشّهور في كتاب الله اثنا عشر شهرا يوم خلق السّموات والأرض ودوّر الأفلاك وسيّر الشّمس والقمر والنّجوم في بروجها، فتبيّن أنّ الشّهور معلّقة بالقمر لا محالة، وإلى هذا ذهبت العانانية من اليهود فاتّخذوا رؤوس شهورهم بالأهلّة وعدّوا ثلاثين إذا لم يروا الهلال، واتّخذ (١٣) المغاربة من اليهود رؤوس شهورهم من ليلة القدر. ﴿مِنْها:﴾ من جملة الشّهور الاثني عشر (١٤).

стр. 755

﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ:﴾ محرّمة، وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب، ثلاثة سرد وواحد فرد (١). وتحريمها تحريم القتال فيها على وجه الابتداء، وكان هذا الحكم فيها (٢) بين العرب وفي ابتداء الإسلام، وهو اليوم منسوخ ولا يعرف له ناسخ (٣). وقيل (٤): تحريمها تشريفها وتعظيمها ليكون الثّواب فيهنّ أعظم وكذلك العقاب. ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ:﴾ في هذه الأشهر الأربعة (٥)، ويجوز تخصيص النّهي مع كونه عامّا كقوله في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ،﴾ الآية [الحجّ:٢٥]. (١٤٠ ظ) وفائدة تعظيم الذّنب في الزّمان والمكان كفائدة تفضيل العمل فيها، كما أنّه يجوز أن يكون حالا للمأمورين (٦) ثمّ يسقط الفرض عن القاعدين بكفاية المجاهدين. ويجوز أن يكون حالا للمشركين، ثمّ تخصّص (٧) هذا العموم في آية الجزية. ٣٧ - ﴿لِيُواطِؤُا:﴾ ليوافقوا ويماثلوا (٨)، وأصله أن تطأ سيرة غيرك. والهمز وترك الهمز لغتان (٩). محمّد بن مروان عن الكلبيّ عن أبي (١٠) صالح عن ابن عبّاس قال: كان النّاسئ رجلا من كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة بن عوف، وكان يكون على النّاس بالموسم فإذا همّ النّاس للصدر وفرغوا عن حجّهم قام فخطب النّاس وقال: يا أيّها النّاس أنا الذي لا أعاب ولا أجاب (١١) ولا مردّ لما قضيت، فيقول له (١٢) المشركون: لبّيك ربّنا، ثمّ يسألونه أن ينسئهم شهرا يغيرون فيه، فإن قال: إنّ صفر العام حرام (١٣). حلّوا الأوتار ونزعوا الأزجّة والقطب (١٤)، وإن قال:

стр. 756

حلال عقدوا الأوتار وشدّوا الأزجّة والقطب وخرجوا فأغاروا على النّاس، قال محمّد: فقلت للكلبيّ: إذا كانوا يحلّونه عاما ويحرّمونه فكيف كان النّاس لا يأخذون حذرهم في نوبة الحلال، قال: إنّما يفعلون ذلك في السّنين وهم أغرّ ما كانوا، فكان التّحريم والتّحليل في هذين الشّهرين المحرّم وصفر، وإنّما فعل ذلك بهم لأنّهم كانوا يصيبون على ظهور الدّوابّ من الغارة وكانت معيشتهم منها، فشقّ عليهم توالي الأشهر الحرم (١). محمّد بن إسحق عن الكلبيّ قال: أوّل من أنسأ الشّهر من مضر مالك بن كنانة، وذلك أنّه (٢) نكح إلى معاوية بن ثور الكنديّ، وكانت النساءة في كندة وهم ملوك ربيعة ومضر وأرداف المقاول، فورثها مالك بن كنانة منهم، ثمّ نسأ ثعلبة بن مالك بن الحارث، ثمّ نسأ بعده سريد (٣) بن القلمّس، ثمّ كانت النساءة في بني فقيم من بني ثعلبة وكان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن آمنة بن عبد بن فقيم، قال: وكانوا يسمّون المحرّم صفر الأوّل، فيقولون (٤): صفران وشهرا ربيع وجماديان ورجب وشعبان وشهر رمضان وذو القعدة وذو الحجّة، فكان النّاسئ ينسئ سنة ويترك سنة ليحلّوا الحرام ويحرّموا الحلال، فإذا قال: نسأت من هذه السّنة صفرا طرحوه ولم يعتدّوا به وقالوا لصفر (٥) وشهر ربيع الأوّل صفران، ولشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى شهرا ربيع، ولجمادى الآخر ورجب جماديان، على هذا التّرتيب، ثمّ يمسك عن الإنساء في السّنة الثّانية ويقول: يا أيّها النّاس لا تحلّوا حرماتكم وعظّموا شعائركم وقد أحللت دماء المحلين طيّئ وخثعم في الأشهر الحرم، وإنّما يحلّ دماء هاتين القبيلتين لاستحلالهما الأشهر الحرم ومخالفتهما سائر العرب في اعتقاد تحريم هذه الأشهر، ثمّ ينسأ في السّنة الثّانية صفر الأوّل عنده، وهو صفر الثّاني في الحساب (٦) المستقيم، فيقول لشهري (٧) ربيع صفران، ولجماديين شهرا ربيع، ولرجب وشعبان جماديان، (١٤١ و) على هذا التّرتيب، حتى يستدير الحجّ في كلّ أربع وعشرين سنة إلى الشّهر الذي ابتدأ منه (٨). وكان الحجّ سنة الفتح، وهي (٩) سنة ثمان، قد انتهى إلى ذي القعدة، فلم يأمر رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد، وحجّ أبو بكر سنة تسع، وحجّ رسول الله ﷺ سنة عشر فوقف بعرفة وقال:

стр. 757

يا أيّها النّاس إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّموات والأرض فلا شهر ينسئ ولا عدّة تخطئ وإنّ الحجّ في ذي الحجّة (١). وعن مجاهد وغيره قال: كانوا يحجّون في كلّ شهر عامين فإذا مضت الثلاث عشرة (٢) سنة استقبلوا العدّة، وكانت حجّة (٣) أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة، وكذلك كانوا قد حجّوا في ثمان، ثمّ استقبل النّبيّ ﷺ ذا الحجّة فذلك قوله: (إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّموات والأرض) (٤). ٣٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ:﴾ نزلت في شأن غزوة تبوك، استنفرهم رسول الله ﷺ حالة العسرة والجدب، والزّمان زمان قيظ، والشقة (٥) بعيدة، والعدو الرّوم، فتثاقل المؤمنون، وتكاسل المنافقون، وتخوّفوا مثل يوم مؤتة الذي قتل فيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله ﷺ في خلاصة المؤمنين واثقا بالله متوكّلا عليه حتى انتهى إلى تبوك فلم يجد من يقابله، وخرج إليه رئيس البلد مستسلما والتزم الجزية، وكذلك التزم الجزية أهل جرباء (٦) وأدرح، وأرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى دومة الجندل (٧) فصادف صاحبها متصيّدا مع نفر يسير، وهو أكيدر بن عبد الملك الكنديّ، من أبناء الملوك، فأخذه وجاء به إلى رسول الله ﷺ فمنّ عليه وأطلقه بعد أن التزم الجزية. ثمّ رجع (٨) رسول الله ﷺ على رغم المنافقين إلى المدينة سالما غانما مظفّرا بفضل من الله ورحمته. ﴿مِنَ الْآخِرَةِ:﴾ أي: بدلا منها وعوضا (٩). ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ في قياس الآخرة ومقابلتها (١٠). وكان ﷺ قد استخلف على المدينة في هذه الغزوة عليّ بن أبي طالب. عن مصعب بن سعد عن أبيه أنّ النّبيّ ﷺ قد خلف عليّا (١١) في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله أتخلفني في النّساء

стр. 758

والصّبيان؟ فقال رسول الله ﷺ : أما ترضى أن تكون منّي (١) بمنزلة هارون من موسى ﵉ غير أنّه لا نبيّ بعدي. أخرجه مسلم والبخاريّ وأبو عيسى (٢). ٣٩ - ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ (٣)﴾: قال ابن عبّاس: نزلت في حيّ من أحياء العرب، قعدوا عن الخروج مع رسول الله، فأمسك الله عنهم المطر وابتلاهم بالجدب، فذلك العذاب الأليم (٤). والمراد بالإبدال اليمن، وقيل: أبناء فارس وسائر الغزاة إلى اليوم (٥). روي أنّ عليّا خطب يوما، فأتاه الأشعث وهو يخطب على المنبر فقال: غلبتنا عليك هذه الحمراء، يعني الموالي، فقال عليّ: من يعذرني من هذه الضياطرة يتخلّف أحدهم يتقلّب على حشاياه (٦)، إن طردتهم إنّي إذا لمن الظّالمين، والله (١٤١ ظ) لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليضربنكم (٧) على الدّين كما ضربتموهم عليه بدءا (٨). عن ابن شهاب قال: قدمت على عبد الملك بن مروان قال: من أين قدمت يا زهريّ؟ قلت: مكّة، قال: من خلفت يسود أهلها؟ قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي (٩)، قال: وبم سادهم؟ قلت: بالدّيانة والرّواية، قال: إنّ أهل الدّيانة والرّواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال (١٠): وبم سادهم؟ قلت: بما ساد عطاء، قال: إنّه لينبغي، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال (١١): ومن يسود أهل الشّام؟ قلت: مكحول، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: عبد نوبيّ أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن [يسود] (١٢) أهل الجزيرة؟ قلت: ابن مهران، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي (١٣)، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضّحّاك بن مزاحم،

стр. 759

قال: من العرب أم (١) من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: ويلك من يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعيّ، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهريّ فرّجت عليّ، والله ليسودنّ الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال الزهريّ: قلت: يا أمير المؤمنين إنّما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيّعه سقط (٢). ٤٠ - ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ:﴾ نزلت في تذكيرهم نصرة الله (٣) نبيّه ﷺ وصاحبه أبا بكر الصّدّيق حين خرجا من مكّة (٤). و ﴿الْغارِ:﴾ الشّقّ الكبير في الجبل (٥). ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنا:﴾ في الموالاة والحفظ (٦). ﴿سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ:﴾ يحتمل في النّبيّ ﷺ (٧)، ويحتمل في أبي بكر (٨). ويحتمل فيهما لكن كنى عن أحدهما على سبيل الاقتصار كقوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التّوبة:٦٢] (٩). وتأييده بالخير (١٠) ويومئذ بإنزال الملائكة ليصرف عنهما (١١)، وقيل (١٢): أراد تأييده يوم بدر ويوم حنين. وأراد بالكلمة الدّين والدّعوة (١٣). وخرج (١٤) إلى طلبهما سراقة بن مالك بن جعشم. . . القصّة (١٥).

стр. 760

وقصّة مرض النّبيّ ﷺ وقيل: مروا أبا بكر ليصلّي بالنّاس إلى أن بايعوا أبا (١) بكر. عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله (٢) قال: لمّا كان اليوم الذي قبض فيه أبو بكر الصّدّيق فسجّوه بثوب ارتجّت المدينة بالبكاء وأبلس النّاس كيوم قبض فيه النّبيّ ﷺ ، وجاء عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه مسرعا مسترجعا باكيا وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النّبوّة من أمّة محمّد ﷺ ، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر ﵁ مسجّى فقال: رحمك الله [يا] (٣) أبا بكر، كنت إلف رسول الله ﷺ وأنسه ومستراحه وثقته وموضع سرّه، (١٤٢ و) كنت أوّل القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدّهم يقينا وأخوفهم قلبا وأعظمهم غناء في دين الله وأحوطهم على رسوله (٤) وأحدبهم على الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة من رسول الله وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا ورحمة وفضلا وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيرا، صدّقت رسوله (٥) حين كذّبه النّاس فسمّاك الله في تنزيله صدّيقا فقال : ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزّمر:٣٣]، جاء بالصّدق بمحمّد وصدّق به (٦) أبو بكر [الصّدّيق] (٧)، وآسيته حين بخلوا، وكنت معه عند المكاره وحين عنه قعدوا، وصحبته في الشّدّة وأكرم صحبة ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ،﴾ وصاحبه في الغار، والمنزّل عليه السّكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمّته، فأحسنت الخلافة حين ارتدّ النّاس فقمت في دين الله قياما لم يقم به خليفة نبيّ قطّ، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت (٨) حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله ﷺ إذ همّوا، كنت خليفته حقّا لم تنازع ولم تصدّع برغم المنافقين وكبت الكافرين وكره الحاسدين وصغر الفاسقين وغيظ الباغين، فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا (٩)، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، واتّبعوك فهدوا، كنت أخفضهم صوتا وأعلاهم فوتا وأقلّهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا

стр. 761

وأبلغهم قولا وأكبرهم رأيا وأشجعهم قلبا (١) وأشدّهم يقينا وأحسنهم عملا وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدّين يعسوبا أوّلا حين تفرّق عنه (٢) النّاس وآخرا حين فشلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما حين صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ووعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا وأدركت بعلمك ما جهلوا وشمّرت إذ خنعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا فأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم (٣) برأيك فظفروا، ونالوا (٤) بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبّا وللمؤمنين رحمة وأنسا وللمؤمنين غيثا وخصبا (٥)، فطرت والله بغنائها وفزت (٦) بحبائها، وذهبت بفضائلها (٧)، وأدركت سوابقها، لم تفلل حجّتك (٨) ولم تضعف بصيرتك ولم يزغ قلبك ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف ولا تزلزله القواصف، كنت كما قال رسول (٩) الله ﷺ : ضعيفا في بدنك قويّا في أمر الله، متواضعا في نفسك عظيما عند الله، جليلا في الأرض كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك ولا لقائل فيك مغمز ولا لأحد فيك مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة، الضّعيف الذّليل عندك (١٠) قويّ عزيز حتى تأخذ له بحقّه والقويّ العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحقّ، القريب (١٤٢ ظ) والبعيد (١١) عندك سواء، أقرب النّاس إليك أطوعهم لله وأتقاهم (١٢) له، شأنك الحقّ والصّدق والرّفق، قولك حكم وختم (١٣) أمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم، فأقلعت وقت نهج السّبيل وسهل العسير، وأطفئت النّيران واعتدل الدّين فقوي الإيمان وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فجلّيت (١٤) عنهم فأبصروا فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا، فجللت عن (١٥) البكاء وعظمت رزيّتك في السّماء وهدّت مصيبتك الأنام، فإنّا لله

стр. 762

وإنّا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه وأسلمنا لأمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدا، كنت للدّين عزّا وحوزا وكهفا وحرزا، وللمؤمنين فئة وحصنا وغيثا وأنسا وعلى المنافقين غلظة وكظما وغيظا، فألحقك الله بنبيّنا (١) ونبيّك ﷺ ولا حرمنا أجرك ولا أضلّنا بعدك، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. قال: وسكت النّاس حتى انقضى كلامه، ثمّ بكى وبكوا حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله (٢). ٤١ - ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً:﴾ خفافا: أهل اليسار، وثقالا: المعسرين، عن ابن عبّاس (٣). وقال مقاتل وطاووس عن ابن عبّاس: نشاطا وغير نشاط (٤). وقال ابن زيد: الثّقال: أصحاب الضيعة، والخفاف: غيرهم (٥). وقيل: العزاب والمتأهلون (٦). وعن عطيّة العوفيّ: الرّكبان والمشاة (٧). وعن مرّة الهمدانيّ: الأصحّاء والمرضى (٨). وعن الحسن البصريّ: الشّبّان والشّيوخ (٩). وعن الحسن أيضا: المتفرّغون والمشاغيل (١٠). وعن الزهريّ أنّ سعيد بن المسيب خرج إلى العدوّ وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل (١١): ليس عليك حرج فإنّك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الخفيف والثّقيل وإن لم يمكنّي (١٢) الحرب فكثّرت السّواد وحفظت المتاع (١٣). وهذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى﴾ [التّوبة:٩١] عند بعض النّاس (١٤)، وغير منسوخة عند الأكثرين (١٥). ٤٢ - ﴿لَوْ كانَ:﴾ ما تدعوهم (١٦).

стр. 763

﴿عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً:﴾ مقتصدا دون البعيد فوق القريب (١). ﴿الشُّقَّةُ:﴾ النّاحية، عن ابن عرفة، جمعه: شقق. قال الفرّاء (٢): ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ:﴾ يعلمهم كاذبين، العلم واقع على ذواتهم (٣) وأخبارهم جملة، يدلّ عليه كسرة الهمزة من قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ ودخول اللام في الخبر، ولو كان العلم واقعا على مجرّد فعلهم لكانت مفتوحة ولما دخلت اللام في الخبر. روي أنّ الحجّاج بن يوسف أخطأ في العاديات فقرأ: أنّ ربّهم، بفتح الهمزة، فلمّا علم أنّه أخطأ استدرك بإسقاط اللام فقال: يومئذ خبير (٤). ٤٣ - ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ:﴾ إنّما قدّم العفو لتلطيف العتاب كقولك: رحمك الله لم فعلت، وعافاك الله لم فعلت (٥). كان النّبيّ ﷺ أذن في التّخلّف للمعتذرين إليه على الفور من غير تثبّت وتمييز بين الصّادقين والكاذبين معتبرا بالظّاهر من أحوالهم، وكان ذلك له جائزا لقوله: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النّور:٦٢] إلاّ أنّه سلك سبيل الرّخصة وترك الاحتياط فأنكر الله ذلك عليه وبيّن له أنّه لو فعل غير ذلك لكان أحسن وأحوط (٦). ٤٤ - الاستئذان (١٤٣ و) المنفيّ عن المؤمنين استئذانهم لئلاّ يجاهدوا وكراهة أن يجاهدوا (٧). والاستئذان المختصّ بالمؤمنين في سورة النّور (٨) توقّفهم للإذن وتركهم الانسلال والانتشار للحوائج من غير إذن الرّسول ﷺ (٩). ٤٥ - وفي قوله: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ﴾ دليل على أنّ الإيمان لا يصحّ من غير معرفة الله سبحانه؛ لأنّ للرّيب مدخلا وللشّبهة موضعا في الإيمان ما لم يتّصل (١٠) بمعرفة الله تعالى. ٤٦ - وإنّما كره انبعاثهم لأنّ انبعاثهم لو وحد لكان معصية ولم يكن طاعة لقوله (١١): ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً،﴾ فهذه الكراهة ككراهة الصّلاة بغير طهارة، كره

стр. 764

فعلها من (١) وجه وتركها من وجه. و (التّثبيط): التّعويق، وقيل: التّثقيل، وفلان ثبط (٢)، أي: ثقيل (٣). والقول لهم: ﴿اُقْعُدُوا﴾ هو إذن النّبيّ ﷺ (٤). ويحتمل قول بعضهم لبعض (٥). ويحتمل أنّه أمر تكوين وتقدير من الله تعالى (٦). ﴿الْقاعِدِينَ:﴾ النّساء والصّبيان وأصحاب الأعذار (٧). ٤٧ - إيضاع (٨) الإبل: حملها على الإسراع في السّير (٩)، والمراد به إسراع المنافقين في المشي بالنّميمة بين (١٠) المؤمنين وبالأراجيف المكروهة (١١). وفي قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ دليل أنّ بعض المنافقين أو بعض من كان يخالطهم ويعاشرهم كان قد خرج مع النّبيّ ﷺ (١٢). ٤٨ - ابتغاؤهم ﴿الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ:﴾ رجوع ابن أبيّ بن سلول يوم أحد بثلث النّاس، وإرجافهم في المدينة بالأراجيف المكروهة، وإغراؤهم بين المؤمنين (١٣). ٤٩ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي:﴾ نزلت في جد (١٤) بن قيس، قال له النّبيّ ﷺ : هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ فقال: ائذن لي يا رسول الله ولا تفتنّي، أي: لا تؤثمني (١٥)، فإنّي رجل كلف بالنّساء مستهتر (١٦) بهنّ فإذا رأيت بنات [بني] (١٧) الأصفر لم أصبر عنهنّ (١٨).

стр. 765

وبنو الأصفر هم الرّوم ينسبون إلى حبشي ملكهم واستولد نساءهم (١). ٥٠ - ﴿أَخَذْنا أَمْرَنا:﴾ شأننا من الحزم والاحتياط (٢). ٥١ - ﴿ما كَتَبَ اللهُ:﴾ هو أن يرزقهم إحدى الحسنيين: إمّا النّصرة والغنيمة وإمّا التّمحيص والشّهادة في كلّ جهاد لا محالة (٣). ٥٢ - ﴿بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ:﴾ من عند الله: ما يرسل عليهم في الدّنيا من الشّدائد ليجعلهم نكالا ثمّ يسوقهم إلى عذاب النّار. وما يصيبهم الله بأيدينا: الحدّ والتّعزير في الجنايات، والحبس في التّهم، والقتل على ظهور الكفر منهم (٤). ﴿فَتَرَبَّصُوا:﴾ تهديد (٥). ٥٣ - ﴿قُلْ أَنْفِقُوا:﴾ قال ابن عبّاس: نزلت في جدّ بن قيس حيث قال: ائذن لي ولا تفتنّي وهذا مالي خذ منه ما شئت فإنّي أعينك به (٦). وقوله: (قل أنفقوا) في معنى الشّرط (٧)، كقوله: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التّوبة:٨٠]، وقال أبو الدّرداء: وجدت [النّاس] (٨) اخبر تقله، وفي المثل: عش رجبا (٩)؟؟؟ عجبا. ويجوز أنّه إنّما لا تقبل نفقاتهم طوعا؛ لأنّ النّفقة لا تكون قربة إلاّ مع بقاء التّكليف وقد زال عنهم تكليف الإنفاق في الغزو مع رسول الله ﷺ . ويحتمل أنّهم لو كانوا ينفقون لكانوا يريدون بذلك غير وجه الله (١٠). ٥٤ - ﴿وَما مَنَعَهُمْ:﴾ يجوز أن يكون المنع فعل الله، والمستثنى في محلّ الخفض بإضمار حرف التّعليل، أي: (١١) وما منعهم الله عن مساواة غيرهم في قبول الصّدقات إلاّ أنّهم كفروا

стр. 766

بالله (١). ويجوز أن يكون المنع فعل شيء مجهول، والمستثنى في محلّ الرّفع، أي: ما منعهم شيء عن مساواة غيرهم في قبول الصّدقات إلاّ كفرهم (٢). ﴿وَلا يَأْتُونَ:﴾ (١٤٣ ظ) ﴿وَلا يُنْفِقُونَ:﴾ يحتمل بمعنى الماضي، ويحتمل على ظاهره. ٥٥ - تعذيبهم بأموالهم ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ تشديد خوفهم على فوتها وتعظيم فوتها على قلوبهم فيمسكونها ويكتمونها ويتباغون عليها ويتحاسدون فيها ولا يزالون في اهتمام وعناء، وإنّما يجمعون لوارث يبغضهم ويبغضونه. وتعذيبهم بأولادهم: ما يصابون فيهم ويرون منهم من المكروه ما لا يرون (٣) من الأعداء (٤). وقال ابن عبّاس: في الآية تقديم وتأخير، فلا تعجبك أموالهم وأولادهم في الحياة الدّنيا (٥). ﴿وَتَزْهَقَ:﴾ تلاشى وتبطل (٦). ٥٦ - ﴿يَفْرَقُونَ:﴾ الفرق: الخوف والخشية (٧). وفيه دليل أنّ من تحقّق خوفه من غير الله لم يكن مؤمنا، وفي الحديث: لا يجتمع البخل والجبن في قلب مؤمن ولا تجتمع الشّجاعة والسّخاوة في قلب منافق (٨). ٥٧ - ﴿مَلْجَأً:﴾ مفرّا وملاذا (٩). ﴿أَوْ مَغاراتٍ:﴾ كلّ ما يغور الإنسان (١٠) فيه وهو أن يستتر، يقال: غارت الشّمس، أي: غابت، ومنه الغور والغار (١١). ﴿أَوْ مُدَّخَلاً:﴾ مدخلا (١٢)، أصله: مدتخلا على وزن (مفتعل) (١٣).

стр. 767

وفي قراءة ابن مسعود: (متدخّلا) (١). ﴿يَجْمَحُونَ:﴾ يميلون، عن ابن عرفة (٢). ويسرعون، عن الأزهري (٣). ٥٨ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ:﴾ كان المنافقون ينسبون رسول الله ﷺ في قسم الصّدقات إلى الميل ووضعها في غير موضعها، فإن أعطاهم أمسكوا عن العيب وإن لم يعطهم سخطوا، فأنزل الله الآية (٤). و (اللّمز): العيب (٥). ٥٩ - وجواب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ مضمر، وتقديره: لكان خيرا لهم (٦). وفضل الله: الغنائم والصّدقات وسائر أبواب الرّزق، ندب إلى مثله قول عليّ ﵁ (٧): [من المتقارب] رضيت بما قسم الله لي ... وفوّضت أمري إلى خالقي لقد أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي ٦٠ - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الصّدقات، فبيّن الله أنّ أهل الصّدقات هؤلاء دون المنافقين الذين يلمزون رسول الله في الصّدقات. وفيه دلالة أنّ حقّ الأخذ إلى الإمام بدليل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التّوبة:١٠٣] (٨)، ويجوز أن يكون مستحق الأخذ غير مستحق العين كما في الجزية وأموال اليتيم. (الفقراء): المحتاجون (٩). ﴿وَالْمَساكِينِ:﴾ أهل الترحم والرّأفة، وهم أسوأ حالا من الفقراء عندنا (١٠). ﴿وَالْعامِلِينَ:﴾ الذين يلون جمع الصّدقات وأخذها بإذن الإمام لهم، عماله في

стр. 768

الصّدقات (١). وهي مكروهة للهاشميّين (٢). ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ:﴾ أبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان ثمّ حسن إسلامه، وحكيم ابن حرام (٣) ثمّ حسن إسلامه، والحارث بن هشام ثمّ حسن إسلامه، وسهيل بن عمرو ثمّ حسن إسلامه، وحكيم خويطب بن عبد العزّى ثمّ حسن إسلامه، وصفوان بن أميّة والعلاف (٤) بن حارثة الثّقفيّ وعيينة ابن حصن والأقرع بن حابس ومالك بن عوف النصري، والعبّاس بن مرداس السلميّ ثمّ حسن إسلامه، وقيس بن مخرمة ثمّ حسن إسلامه، وجبير بن مطعم ثمّ حسن إسلامه (٥). كان رسول الله ﷺ (١٤٤ و) يرفع إليهم شيئا من الصّدقات ليقطع به شرورهم عن المسلمين، فكان يعود نفع ذلك إلى الفقراء والمساكين، ثمّ انقطع ذلك فلم يعطهم عمر وعثمان وعليّ شيئا (٦). وسأل بعضهم عمر، فقال: إنّا لا نعطي على الإسلام شيئا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وإنّما قال ذلك بعد عزّ الإسلام وضعف الشّرّ ووقع الأمن من جهة هؤلاء (٧). ولكنّ أبا بكر الصّدّيق دفع إلى عديّ بن حاتم من صدقة قومه ثلاثين بعيرا، ولا نعلم أنه من سهم المؤلّفة قلوبهم ليؤلّف قلوب أقربائه، أم من سهم العاملين؛ لأنّه كان حقها، أم من سهم ابن السّبيل؛ لأنّه أمره بأن يلحق بخالد بن الوليد فلحق (٨) به في زهاء ألف فارس (٩). ﴿وَفِي الرِّقابِ:﴾ المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدّون به الكتابة (١٠)، ويدخل فيهم من أعتق شقصه (١١) واستسعى في الباقي، وقال ﷺ : من أعان مكاتبا في رقبته أو غارما في عسرته أو مجاهدا في سبيل الله أظلّه الله يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه (١٢). ﴿وَالْغارِمِينَ:﴾ الذين عليهم الدّين ولا يجدون القضاء (١٣). والغرم: اللّزوم والضّمان (١٤).

стр. 769

﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ الجهاد، يدفع إلى فقراء المجاهدين (١). ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ:﴾ المسافر المنقطع عن ماله (٢). والإسلام شرط في هؤلاء (٣) لقوله ﷺ : (وأردّها في فقرائكم) (٤). سعيد بن جبير عن عليّ عن ابن عبّاس: إذا آتى الرّجل الصّدقة صنفا من هذه الأصناف الثّمانية أجزأه (٥). وروي مثل ذلك عن عمر وسعد بن أبي وقّاص وحذيفة، وتابعهم عليه سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وأبو (٦) العالية. ٦١ - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ:﴾ كان المنافقون يطعنون الدّين ويتكلّمون بالكفر ويعيبون (٧) رسول الله ﷺ ، ويقولون: إن بلغه قولنا اعتذرنا إليه وحلفنا عنده، فسيقبل عذرنا فإنّما هو أذن سامعة (٨). وإنّما يوصف بهذا من كان سريع الاستماع سريع التّصديق من غير تحقيق. والمتكلّم بهذه الكلمة جلاس بن سويد أو الحلاس بن سويد (٩). فبيّن الله أنّه ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ وصلاح ورحمة يؤمن بما يخبره الله ويشهد للمؤمنين بالصّدق، وليس أذن شرّ وفساد ليصدّق المنافقين في أعذارهم الكاذبة (١٠). ٦٢ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ:﴾ نزلت في جماعة من المنافقين، كانوا قعودا وفيهم غلام من الأنصار، وقيل: زيد بن أرقم، وقيل: عامر بن قيس، فقال بعض المنافقين: إن كان ما يقوله محمّد حقّا فأنا شرّ من حمار، فقال له المؤمن: والله إنّ ما يقوله محمّد لحقّ وإنّكم لشرّ من حمير، فخاصمهم وخاصموه، ثمّ رافعهم إلى رسول الله ﷺ وأخبره بمقالتهم، وأنكروا وحلفوا، فاستحيى المؤمن من ذلك وقال: اللهمّ لا تفرق بيننا حتى تفرق الصّادق من الكاذب، فأنزل (١١). قيل: واعترف الجلاس فاستغفر له (١٢) النّبيّ ﷺ فأخلص (١٣) وحسن إسلامه.

стр. 770

وإرضاء الله لفظ مجاز وحقيقته إتيان ما يرضاه الله من الفعل (١)، والتغير حاصل في مبتغي الرّضا دون الله. ﴿يُرْضُوهُ﴾ (٢): عائد إلى الله. وقيل: (١٤٤ ظ) إلى رسوله، وهذا لكراهة الجمع بين اسم الله واسم من دونه في كتابة واحدة، ولهذا قال ﷺ لمن قال (٣): ومن يعصهما فقد غوى: (بئس الخطيب أنت) (٤). ٦٣ - ﴿يُحادِدِ:﴾ يشاقق ويجانب (٥). ٦٤ و٦٥ - ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ:﴾ نزلت في جدّ بن قيس ووديعة بن حرام والجهين بن حميد، كانوا يسيرون فيما بين (٦) العسكر بين يدي رسول الله ﷺ في غزوة تبوك يتحدّثون ويتضاحكون، وكان من كلامهم: يطمع هذا الرّجل أن يستولي على قصور الشّام وحصونها، فنزل، وقال ﷺ لعمّار بن ياسر: أدركهم قبل أن يحترقوا وسلهم (٧) عمّا هم فيه، فسيقولون لك: إنّا ﴿كُنّا (٨)﴾ نَخُوضُ في حديث العسكر ﴿وَنَلْعَبُ،﴾ فأدركهم عمّار فسألهم فقالوا: إنّا كنّا نخوض في حديث العسكر ونلعب، فقال: احترقتم حرقكم الله. فجاؤوا إلى النّبيّ ﷺ معتذرين، وقال الجهين بن حميد: أنا ما تكلّمت بشيء ولكن كنت أضحك معهما، فمنّاه رسول الله ﷺ الجميل ووعد له التّوبة. وقيل: إنّهم كانوا أربعة نفر، والذي لم يكن يتكلّم هو المختبى، وقيل: المخشى بن حمار (٩). وكيفيّة حذرهم عن نزول السّورة أنّهم يظنّون أنّ هذه السّورة من جهة النّبيّ ﷺ يتقوّلها من جهة نفسه فيهم وفي أمثالهم، فكانوا يكتمون عنه كفرهم لئلاّ ينزل من جهته (١٠) الرّفيعة شيء في شأنهم الوضيع.

стр. 771

ويحتمل أنّه خبر بمعنى الأمر، أي: فليحذر المنافقون (١). ٦٦ - ﴿طائِفَةٍ:﴾ اسم يقع على الواحد والجماعة (٢). ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ:﴾ هو الذي لم يكن يتكلّم واعترف بذنبه وقال: استغفر لي يا رسول الله. والطّائفة المحتوم على عذابها سائر الركب (٣). ٦٧ - ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ:﴾ قال قتادة: كانوا يسمّون هذه السّورة الفاضحة؛ لأنّها فضحت المنافقين لم تزل تنزل فيها: ومنهم ومنهم، حتى لم تترك (٤) منافقا إلاّ نبّهت عليه (٥). وعن قتادة أيضا: كنّا نسمّي هذه السّورة المثيرة؛ لأنّها أثارت مثالب المنافقين ومخازيهم (٦). وعن الحسن: كانوا يسمّونها الحفّارة؛ لأنّها حفرت فاستخرجت ما في قلوب المنافقين (٧). وعن عطاء أنّ سبعين رجلا من المنافقين أنزل الله أسماءهم، ثمّ نسخ تلك الأسماء رحمة منه على خلقه فإنّ أولادهم وعشائرهم (٨) كانوا مسلمين (٩). وقيل: لمّا رجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أعرض له في الطّريق اثنا عشر نفسا من المنافقين في ليلة ظلماء متنكّرين يريدون الفتك برسول الله ﷺ ، وكان عمّار بن ياسر يقود راحلة رسول الله ﷺ وحذيفة يسوقها (١٠)، فقال ﷺ لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحّاهم وطردهم خائبين، ثمّ قال رسول الله ﷺ : من عرفت من القوم؟ قال: لم (١١) أعرف أحدا غير أنّي عرفت جمل فلان، فسمّاهم له رسول الله ﷺ حتى عدّهم أحاد أحاد، قال: وفيهم نزل (١٢) قوله: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التّوبة:٧٤]، فقال حذيفة: ألا نبعث (١٣) إليهم يا رسول الله من يقتلهم، قال ﷺ : أكره أن تقول العرب: لمّا ظفر محمّد بالعدوّ أقبل (١٤) على

стр. 772

أصحابه يقتلهم ولكنّ الله تعالى يكفيناهم بالدّبيلة، قيل: يا رسول الله وما الدّبيلة؟ (١٤٥ و) قال: شهاب من جهنّم يرسل على نياط فؤاد أحدهم (١) حتى تزهق نفسه (٢). وعن المقبريّ (٣) عن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ سمّى (٤) لحذيفة المنافقين وقال: إيّاك أن تخبر بأحد منهم حتى آذن لك في ذلك، وتوفّي رسول الله ﷺ قبل أن يأذن له، فمكث بذلك (٥) حذيفة حتى سأله عمر في خلافته فقال: أنشدك الله هل أنا في من سمّى لك رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا والله وو الله لا أبرّئ أحدا بعدك (٦). وإنّما سأل عمر لأجل الطّاعنين والمتّهمين إيّاه بالجور والميل، ولم يكن آمنا من التّخلّق ببعض أخلاقهم، وإنّما قال حذيفة: والله لا أبرّئ، لالتزام وصيّة النّبيّ ﷺ أن لا يخبر به، أو خوفه لإعجاب من يبرّئه، أو سمّاهم [على] (٧) وجه التّنبيه على النّعت دون التّعيين، وقلّ (٨) ما تجد عاريا عن تلك النّعوت جملة. ﴿نَسُوا اللهَ:﴾ تركوا ذكره ومراقبته، ﴿فَنَسِيَهُمْ:﴾ خذلهم ولم يذكرهم بالرّحمة والخير (٩). ٦٨ - ﴿وَعَدَ اللهُ:﴾ أوعد الله (١٠). ٦٩ - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ التّشبيه للوعيد عند الزّجّاج (١١)، ولأفعالهم عند الفرّاء (١٢). ويحتمل اللعن والعذاب المقيم، ويحتمل لكون بعضهم من بعض، ويحتمل النّسيان والفسوق. والاستمتاع بالخلاق هو الاستمتاع بالرّزق على غير الوجه المباح المأذون في الشّريعة كاستخراج الخمر من العنب ولبس الدّيباج والذّهب وإمساك النّرد والشطرنج للّعب واتّخاذ المعازف واتّخاذ القينات وإخصاء الغلمان ونحوها.

стр. 773

﴿كَالَّذِي خاضُوا:﴾ «أي: كخوضهم الذي خاضوا» (١). ٧٠ - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ:﴾ استفهام على سبيل التّقرير والإثبات، وحثّ على اعتبار الآيات (٢). ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ:﴾ قريات (٣) لوط، سمّيت بهذا لانقلابها ظهرا على بطن (٤)، وقيل (٥): لإفك أهلها. ٧١ - ﴿سَيَرْحَمُهُمُ:﴾ أي: سينيلهم ما أراد لهم من الخير في سابق علمه ومشيئته (٦). ٧٢ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جمع بين صفة المنافقين (٧) وما وعد لهم في معادهم وصفة المؤمنين وما وعد لهم في معادهم على سبيل الإطباق للجمع بين الوعد والوعيد والبشارة والإنذار (٨). ﴿عَدْنٍ:﴾ خلود وإقامة (٩)، تقول: عدنت بأرض كذا وكذا أعدن وأعدن عدونا وعدنا، ومنه المعدن (١٠). وسأل ابن عبّاس كعبا عن العدن فقال: هي الكروم والأعناب بالعبرانيّة (١١). وعن عطاء أنّه نهر جنّاته على حافّتيه (١٢). وعن الأعمش: وسط الجنّة (١٣). وعن الكلبيّ: أعلى درجة في الجنّة (١٤). ﴿وَرِضْوانٌ:﴾ رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَكْبَرُ﴾ (١٥). ثمّ هو يحتمل معنيين: أحدهما: الجنّة من عنده ووعده خير من النّار والعذاب المقيم. والثّاني: رضاؤه (١٦) عنهم أكبر من وعده لهم؛ لأنّ الرّضا يوجب أمن العاقبة ودوام العافية، والجنّة لا توجب ذلك فإنّ آدم وحوّاء أخرجا منها على سبيل التّأديب والتّعذيب، وأخرج منها

стр. 774

الطّاووس والحيّة على سبيل المسخ، وأخرج إبليس على سبيل الطّرد واللّعن وكان من الصّاغرين. وفي الحديث أنّ الله تعالى يقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربّنا وقد بيّضت وجوهنا ويسّرت لنا الحساب وأنقذتنا (١٤٥ ظ) من النّار وأجزتنا على الصّراط وأدخلتنا الجنّة، فيقول الله : إنّ لكم عندي أفضل من ذلك، فيقولون: وما ذلك يا ربّنا؟ فيقول الله تعالى: رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا (١). ٧٣ - ومجاهدة المنافقين هو التّعنيف في الملامة والإنذار والتّعزير والحبس ما لم يظهروا أمرهم، فإذا ظهر أمرهم فالسّيف، ومن علم منهم أنّه يتوب بلسانه تقيّة لم تقبل توبته (٢). و (الغلظة): ضدّ الرّقّة (٣). ولا تصلح المجاهدة بغير غلظة كما لا تصلح المسالمة بغير رفق. ٧٤ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا:﴾ هو قول الجلاس بن سويد: إن كان ما يقوله محمّد حقّا فنحن شرّ (٤) من حمير. وقيل: قولهم: لئن رجعنا إلى المدينة لنعقدنّ (٥) على رأس ابن أبيّ تاجا (٦). وقيل: قولهم: ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ (٧). و ﴿كَلِمَةَ الْكُفْرِ:﴾ كلّ كلمة تخالف مقتضى الإسلام. وفي الآية دلالة أنّ الإيمان والإسلام واحد. وهمّهم (٨) ﴿بِما لَمْ يَنالُوا:﴾ قصدهم الفتك (٩). ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ في إغناء الله إيّاهم بالغنائم الإسلاميّة تحت الرّاية النّبويّة حتى صاروا أهل كنوز وصهيل بعد أن كانوا أهل زرع ونخيل، فلمّا أغناهم الله بيمن رسوله قابلوه بالعيب والطّعن والمكر وبطروا وكفروا نعمة الله فذكر الله حالهم ذلك (١٠). وسئل الحسين بن الفضل عن قولهم: اتّق شرّ من أحسنت إليه، هل يوجد في القرآن؟ فقال: نعم وذلك قوله: ﴿وَما نَقَمُوا (١١)﴾ إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (١٢).

стр. 775

﴿فَإِنْ يَتُوبُوا:﴾ تطميع لهم في التّوبة، قيل: لمّا سمع الجلاس هذه الآية قام وتاب إلى الله ورسوله، فاستغفر له رسول الله ﷺ (١). ٧٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ:﴾ جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه، قال: ثمّ رجع إليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني (٢) مالا، فقال: ويحك يا ثعلبة أما ترضى (٣) أن تكون مثل رسول الله ﷺ والله لو سألت الله (٤) أن يسيل عليّ الجبال ذهبا لسالت، ثمّ رجع وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني (٥) مالا والله لئن آتاني الله مالا لأوتينّ كلّ ذي حقّ حقّه، فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ ارزق ثعلبة مالا، فاتّخذ (٦) غنما فنمت حتى ضاق بها أزقّة المدينة، فتنحّى بها، فكان يشهد الصّلوات مع رسول الله ﷺ ، ثمّ خرج إليها، ثمّ نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة، فتنحّى بها، وكان يشهد الجمع مع رسول الله ﷺ ، ثمّ خرج إليها، ثمّ نمت فاشتغل بها وترك الجمع والجماعات (٧)، وجعل يتلقّى الرّكبان فقال: ما وراءكم من الخبر وما كان من أمر النّاس، فأنزل الله على رسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التّوبة:١٠٣]، قال: واستعمل رسول الله ﷺ على الصّدقات رجلين رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم، (١٤٦ و) وكتب لهما (٨) الصّدقة وأسبابهما، وأمرهما أن يصدّقا النّاس وأن يمرّا بثعلبة فيأخذا من صدقة (٩) ماله، ففعلا حتى دفعا إلى ثعلبة، فقال: صدّقا النّاس فإذا فرغتما فمرّا بي، ففعلا، فقال ثعلبة: ما أرى هذه إلاّ أخيّة الجزية انطلقا حتى ألقى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ فركب رجل من الأنصار، ابن عمّ ثعلبة، راحلة حتى أتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة هلكت فأنزل الله فيك من القرآن كذا، فأقبل ثعلبة قد وضع على رأسه التّراب وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، فلم يقبل (١٠) منه رسول الله ﷺ صدقته حتى قبض رسول الله ﷺ ، ثمّ أتى أبا (١١) بكر فقال: يا أبا
следующие страницы →