← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ويحتمل أنّه خبر بمعنى الأمر، أي: فليحذر المنافقون (١). ٦٦ - ﴿طائِفَةٍ:﴾ اسم يقع على الواحد والجماعة (٢). ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ:﴾ هو الذي لم يكن يتكلّم واعترف بذنبه وقال: استغفر لي يا رسول الله. والطّائفة المحتوم على عذابها سائر الركب (٣). ٦٧ - ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ:﴾ قال قتادة: كانوا يسمّون هذه السّورة الفاضحة؛ لأنّها فضحت المنافقين لم تزل تنزل فيها: ومنهم ومنهم، حتى لم تترك (٤) منافقا إلاّ نبّهت عليه (٥). وعن قتادة أيضا: كنّا نسمّي هذه السّورة المثيرة؛ لأنّها أثارت مثالب المنافقين ومخازيهم (٦). وعن الحسن: كانوا يسمّونها الحفّارة؛ لأنّها حفرت فاستخرجت ما في قلوب المنافقين (٧). وعن عطاء أنّ سبعين رجلا من المنافقين أنزل الله أسماءهم، ثمّ نسخ تلك الأسماء رحمة منه على خلقه فإنّ أولادهم وعشائرهم (٨) كانوا مسلمين (٩). وقيل: لمّا رجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أعرض له في الطّريق اثنا عشر نفسا من المنافقين في ليلة ظلماء متنكّرين يريدون الفتك برسول الله ﷺ ، وكان عمّار بن ياسر يقود راحلة رسول الله ﷺ وحذيفة يسوقها (١٠)، فقال ﷺ لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحّاهم وطردهم خائبين، ثمّ قال رسول الله ﷺ : من عرفت من القوم؟ قال: لم (١١) أعرف أحدا غير أنّي عرفت جمل فلان، فسمّاهم له رسول الله ﷺ حتى عدّهم أحاد أحاد، قال: وفيهم نزل (١٢) قوله: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التّوبة:٧٤]، فقال حذيفة: ألا نبعث (١٣) إليهم يا رسول الله من يقتلهم، قال ﷺ : أكره أن تقول العرب: لمّا ظفر محمّد بالعدوّ أقبل (١٤) على

стр. 772

أصحابه يقتلهم ولكنّ الله تعالى يكفيناهم بالدّبيلة، قيل: يا رسول الله وما الدّبيلة؟ (١٤٥ و) قال: شهاب من جهنّم يرسل على نياط فؤاد أحدهم (١) حتى تزهق نفسه (٢). وعن المقبريّ (٣) عن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ سمّى (٤) لحذيفة المنافقين وقال: إيّاك أن تخبر بأحد منهم حتى آذن لك في ذلك، وتوفّي رسول الله ﷺ قبل أن يأذن له، فمكث بذلك (٥) حذيفة حتى سأله عمر في خلافته فقال: أنشدك الله هل أنا في من سمّى لك رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا والله وو الله لا أبرّئ أحدا بعدك (٦). وإنّما سأل عمر لأجل الطّاعنين والمتّهمين إيّاه بالجور والميل، ولم يكن آمنا من التّخلّق ببعض أخلاقهم، وإنّما قال حذيفة: والله لا أبرّئ، لالتزام وصيّة النّبيّ ﷺ أن لا يخبر به، أو خوفه لإعجاب من يبرّئه، أو سمّاهم [على] (٧) وجه التّنبيه على النّعت دون التّعيين، وقلّ (٨) ما تجد عاريا عن تلك النّعوت جملة. ﴿نَسُوا اللهَ:﴾ تركوا ذكره ومراقبته، ﴿فَنَسِيَهُمْ:﴾ خذلهم ولم يذكرهم بالرّحمة والخير (٩). ٦٨ - ﴿وَعَدَ اللهُ:﴾ أوعد الله (١٠). ٦٩ - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ التّشبيه للوعيد عند الزّجّاج (١١)، ولأفعالهم عند الفرّاء (١٢). ويحتمل اللعن والعذاب المقيم، ويحتمل لكون بعضهم من بعض، ويحتمل النّسيان والفسوق. والاستمتاع بالخلاق هو الاستمتاع بالرّزق على غير الوجه المباح المأذون في الشّريعة كاستخراج الخمر من العنب ولبس الدّيباج والذّهب وإمساك النّرد والشطرنج للّعب واتّخاذ المعازف واتّخاذ القينات وإخصاء الغلمان ونحوها.

стр. 773

﴿كَالَّذِي خاضُوا:﴾ «أي: كخوضهم الذي خاضوا» (١). ٧٠ - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ:﴾ استفهام على سبيل التّقرير والإثبات، وحثّ على اعتبار الآيات (٢). ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ:﴾ قريات (٣) لوط، سمّيت بهذا لانقلابها ظهرا على بطن (٤)، وقيل (٥): لإفك أهلها. ٧١ - ﴿سَيَرْحَمُهُمُ:﴾ أي: سينيلهم ما أراد لهم من الخير في سابق علمه ومشيئته (٦). ٧٢ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جمع بين صفة المنافقين (٧) وما وعد لهم في معادهم وصفة المؤمنين وما وعد لهم في معادهم على سبيل الإطباق للجمع بين الوعد والوعيد والبشارة والإنذار (٨). ﴿عَدْنٍ:﴾ خلود وإقامة (٩)، تقول: عدنت بأرض كذا وكذا أعدن وأعدن عدونا وعدنا، ومنه المعدن (١٠). وسأل ابن عبّاس كعبا عن العدن فقال: هي الكروم والأعناب بالعبرانيّة (١١). وعن عطاء أنّه نهر جنّاته على حافّتيه (١٢). وعن الأعمش: وسط الجنّة (١٣). وعن الكلبيّ: أعلى درجة في الجنّة (١٤). ﴿وَرِضْوانٌ:﴾ رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَكْبَرُ﴾ (١٥). ثمّ هو يحتمل معنيين: أحدهما: الجنّة من عنده ووعده خير من النّار والعذاب المقيم. والثّاني: رضاؤه (١٦) عنهم أكبر من وعده لهم؛ لأنّ الرّضا يوجب أمن العاقبة ودوام العافية، والجنّة لا توجب ذلك فإنّ آدم وحوّاء أخرجا منها على سبيل التّأديب والتّعذيب، وأخرج منها

стр. 774

الطّاووس والحيّة على سبيل المسخ، وأخرج إبليس على سبيل الطّرد واللّعن وكان من الصّاغرين. وفي الحديث أنّ الله تعالى يقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربّنا وقد بيّضت وجوهنا ويسّرت لنا الحساب وأنقذتنا (١٤٥ ظ) من النّار وأجزتنا على الصّراط وأدخلتنا الجنّة، فيقول الله : إنّ لكم عندي أفضل من ذلك، فيقولون: وما ذلك يا ربّنا؟ فيقول الله تعالى: رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا (١). ٧٣ - ومجاهدة المنافقين هو التّعنيف في الملامة والإنذار والتّعزير والحبس ما لم يظهروا أمرهم، فإذا ظهر أمرهم فالسّيف، ومن علم منهم أنّه يتوب بلسانه تقيّة لم تقبل توبته (٢). و (الغلظة): ضدّ الرّقّة (٣). ولا تصلح المجاهدة بغير غلظة كما لا تصلح المسالمة بغير رفق. ٧٤ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا:﴾ هو قول الجلاس بن سويد: إن كان ما يقوله محمّد حقّا فنحن شرّ (٤) من حمير. وقيل: قولهم: لئن رجعنا إلى المدينة لنعقدنّ (٥) على رأس ابن أبيّ تاجا (٦). وقيل: قولهم: ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ (٧). و ﴿كَلِمَةَ الْكُفْرِ:﴾ كلّ كلمة تخالف مقتضى الإسلام. وفي الآية دلالة أنّ الإيمان والإسلام واحد. وهمّهم (٨) ﴿بِما لَمْ يَنالُوا:﴾ قصدهم الفتك (٩). ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ:﴾ في إغناء الله إيّاهم بالغنائم الإسلاميّة تحت الرّاية النّبويّة حتى صاروا أهل كنوز وصهيل بعد أن كانوا أهل زرع ونخيل، فلمّا أغناهم الله بيمن رسوله قابلوه بالعيب والطّعن والمكر وبطروا وكفروا نعمة الله فذكر الله حالهم ذلك (١٠). وسئل الحسين بن الفضل عن قولهم: اتّق شرّ من أحسنت إليه، هل يوجد في القرآن؟ فقال: نعم وذلك قوله: ﴿وَما نَقَمُوا (١١)﴾ إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (١٢).

стр. 775

﴿فَإِنْ يَتُوبُوا:﴾ تطميع لهم في التّوبة، قيل: لمّا سمع الجلاس هذه الآية قام وتاب إلى الله ورسوله، فاستغفر له رسول الله ﷺ (١). ٧٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ:﴾ جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه، قال: ثمّ رجع إليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني (٢) مالا، فقال: ويحك يا ثعلبة أما ترضى (٣) أن تكون مثل رسول الله ﷺ والله لو سألت الله (٤) أن يسيل عليّ الجبال ذهبا لسالت، ثمّ رجع وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني (٥) مالا والله لئن آتاني الله مالا لأوتينّ كلّ ذي حقّ حقّه، فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ ارزق ثعلبة مالا، فاتّخذ (٦) غنما فنمت حتى ضاق بها أزقّة المدينة، فتنحّى بها، فكان يشهد الصّلوات مع رسول الله ﷺ ، ثمّ خرج إليها، ثمّ نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة، فتنحّى بها، وكان يشهد الجمع مع رسول الله ﷺ ، ثمّ خرج إليها، ثمّ نمت فاشتغل بها وترك الجمع والجماعات (٧)، وجعل يتلقّى الرّكبان فقال: ما وراءكم من الخبر وما كان من أمر النّاس، فأنزل الله على رسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التّوبة:١٠٣]، قال: واستعمل رسول الله ﷺ على الصّدقات رجلين رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم، (١٤٦ و) وكتب لهما (٨) الصّدقة وأسبابهما، وأمرهما أن يصدّقا النّاس وأن يمرّا بثعلبة فيأخذا من صدقة (٩) ماله، ففعلا حتى دفعا إلى ثعلبة، فقال: صدّقا النّاس فإذا فرغتما فمرّا بي، ففعلا، فقال ثعلبة: ما أرى هذه إلاّ أخيّة الجزية انطلقا حتى ألقى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ فركب رجل من الأنصار، ابن عمّ ثعلبة، راحلة حتى أتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة هلكت فأنزل الله فيك من القرآن كذا، فأقبل ثعلبة قد وضع على رأسه التّراب وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، فلم يقبل (١٠) منه رسول الله ﷺ صدقته حتى قبض رسول الله ﷺ ، ثمّ أتى أبا (١١) بكر فقال: يا أبا

стр. 776

بكر قد عرفت موضعي من قومي ومكانتي من رسول الله ﷺ فاقبل صدقتي، فأبى أن يقبل منه، ثمّ أتى عمر فأبى أن يقبل منه (١)، ثمّ أتى عثمان فأبى أن يقبل منه، ثمّ مات ثعلبة في خلافة عثمان ﵁ (٢). وترك قتل ثعلبة مع ظهور نفاقه وقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ (٦١) [الأحزاب:٦١] إمّا لكراهة تنفير قلوب [المسلمين] (٣) ووقوع الفتنة فيما بينهم كما روينا في حديث حذيفة حيث أرادوا الفتك به، وإمّا لأنّه لم يصرّح باسم (٤) ثعلبة ولم يعيّنه (٥) وهو لم يصرّ [على] (٦) صريح كفر بل كان يعتذر ويتضرّع. وينبغي للمسلم الرّضا بالقسمة وترك الاختيار والتّسليم لله والوفاء بالعهود، فإنّ ثعلبة لو رضي باليسير من الرّزق وترك مطالبة رسول الله ﷺ بما يتمنّاه لما (٧) شغل عن الجمع والجماعات، ولو سلّم لله أمره ولم يسمّ الزّكاة أخيّة الجزية لما أعقبه الله في قلبه نفاقا، ولو وفى بعهده لما افتضح في الدّنيا والآخرة. وفي الآية دلالة أنّ النّذر فيما قبل الملك يصحّ بالإضافة وأنّ النّذر بالقرب (٨) يلزم الإنسان ويجب الوفاء به إمّا بإتيان الملفوظ به بعينه وإمّا إتيان المعبّر عنه بالألفاظ المعدولة عن ظاهرها مثل قوله: عليّ أن أذبح ولدي، أو عليّ أن أصرف بثوبي حطيم الكعبة، أو ثوبي في رتاج الكعبة، أو قال الشّيخ الكبير (٩): لله عليّ أن أصوم، أو لله عليّ (١٠) أن أتصدّق بمالي (١١). وأما (١٢) النّذر في [غير] (١٣) المباح والمعصية فكفّارته كفّارة يمين. وقوله: عليّ عهد الله، وبرئت من عهد الله، يمين. وفي الآية دلالة أنّ دفع صدقة الأموال الظّاهرة إلى الإمام، ولولا اشتهار ذلك بين الصّحابة لكان ثعلبة يدفعها إلى الفقراء ويريح نفسه من مذلّة الرّدّ.

стр. 777

وفيه دلالة أنّه كان يعرض على النّبيّ ﷺ والخلفاء من بعده رياء وسمعة وقصدا لإزالة العار لا لوجه الله تعالى؛ لأنّ النّفاق الكامن (١) في القلب يضادّ ابتغاء مرضاة الله. ٧٨ - ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ:﴾ قول ثعلبة: هذه أخيّة الجزية (٢). ٧٩ - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ:﴾ قيل: إنّ عبد الرّحمن بن عوف كان عنده ثمانية آلاف دينار، فأمسك أربعة آلاف فجاء إلى رسول الله ﷺ بأربعة آلاف وقال: أقرضتها ربّي وأمسكت مثلها لنفسي وعيالي، فقال له (٣) ﷺ : بارك الله لك (١٤٦ ظ) فيما أعطيت وفيما أمسكت. وكان عند أبي عقيل الأنصاريّ صاعان من تمر فجاء إلى رسول الله ﷺ بصاع وأمسك لنفسه صاعا، فقال المنافقون: أمّا عبد الرّحمن فأنفق على وجه الرّياء وأمّا عقيل فأنفق طمعا في الزّيادة والله غنّي عن صدقته، فأنزل (٤). ﴿إِلاّ جُهْدَهُمْ:﴾ إلاّ مقدار وسعهم وطاقتهم (٥). ٨٠ - ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ:﴾ ابن عبّاس عن عمر بن الخطّاب قال: لمّا مات ابن أبيّ [بن] (٦) سلول دعي إليه رسول الله ﷺ ليصلّي عليه، فلمّا قام رسول الله ﷺ وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلّي عليه وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، أعدّد عليه قوله، فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: أخّر عنّي يا عمر، فلمّا أكثرت قال: إنّي خيّرت فاخترت ولو أعلم أنّي لو زدت على السّبعين غفر له لزدت عليها، قال: فصلّى عليه (٧). وكذلك روى نافع عن ابن عمر (٨) والشّعبيّ عن جابر بن عبد الله (٩). والتّخيير قوله (١٠): ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.﴾ وصلاته عليه محمول على الاستغفار والدّعاء دون صلاة الجنازة لما روى (١١) نافع عن ابن عمر أنّ النّبيّ ﷺ أعطاه قميصه فكفّن به، ثمّ حضره ليصلّي عليه فجذبه عمر وقال: أتصلّي

стр. 778

عليه وقد نهاك الله، فقال: أنا بين خيرتين، فنزل قوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التّوبة:٨٤] (١). وقول عمر: أتصلّي عليه وقد نهاك الله تعالى، تأويل منه لقوله: ﴿لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.﴾ وقوله ﷺ : أنا بين خيرتين، ردّ منه على عمر تأويله. والدّليل على أنّ قوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ [ماتَ]﴾ (٢) نزل في هذه الحادثة بعد قول عمر قبل صلاة رسول الله ﷺ ما روى أبو الزّبير عن جابر أنّ؟؟؟ أبيّ بن (٣) سلول لمّا هلك جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله إنّك لم تشهده، ولم يزل يعتريه حتى أتاه وقد أدخل حفرته، فقال: يا رسول الله أفلا قبل أن يدخلوه حفرته، فاستخرج فتفل عليه رسول الله ﷺ من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه (٤)، دلّ أنّه لم يصلّ عليه صلاة الجنازة، ولكنّه كان مخيّرا بين الاستغفار وتركه لاستمالة عشائرهم وأولادهم. والمقصود من لفظة السّبعين هي المبالغة دون العدد؛ لأنّها مأخوذة من السبع التي هي نهاية كثير (٥) من الأعداد منها: عدد آيات فاتحة الكتاب، والسّور الطّوال، والمثاني، وعدد الثّابتين مع رسول الله ﷺ يوم حنين، وعدد السّموات والأرض والأنجم السّيّارة والأقاليم والأبحر والأيّام والألوان وأعضاء السّجود وطبقات النّار وليالي عاد وسني يوسف ﵇ والسّنبلات والبقرات وأشواط الطّواف وأشواط السّعي، وأركان الصّلاة وهي: الافتتاح والقيام والقراءة (٦) والرّكوع والسّجود والتّشهّد والخروج، وأجناس أموال الزّكاة وهي: الذّهب والفضّة والإبل والبقر والغنم والخيل وما أخرجت الأرض، (١٤٧ و) وأجناس الحيوان كالطّائر والقافز (٧) والماشي والزّاحف والعائم (٨) والمنساب والمختلج، والجهات المستقيمة مع الحيثيّة. وممّا أخذ من السّبع للمبالغة قوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١]، وقوله: ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً﴾ [الحاقّة:٣٢]، وقول النّبيّ ﷺ : الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة (٩)، وسمّي السّبع سبعا؛ لأنّ قوّته مضاعفة، وفي الحديث أنّ

стр. 779

المنافق يأكل في سبعة أمعاء (١)، وفي الحديث أنّ صاحب اليمين يقول لصاحب الشّمال: أمسك، فيمسك سبع ساعات من النّهار فإن تاب لم يكتب عليه (٢)، وفي الحديث: سألت الشّفاعة لأمّتي فقال: لك (٣) سبعون ألفا يدخلون الجنّة بغير حساب ولا عذاب، فقلت: ربّ زدني، فقال: مع كلّ ألف سبعون ألفا (٤)، فقلت: ربّ زدني، فقال: لك هذا فحثا (٥) بين يديه وعن يمينه وعن شماله (٦)، وفي الحديث أنّ سائلا قال: كم أعفو عن الخادم في اليوم؟ فقال: سبعين مرّة (٧)، وفي الحديث أنّ الكافر يهوي في النّار سبعين خريفا (٨). وقيل: خصّت السّبعة بالمبالغة؛ لأنّ كمّيّتها مشتملة على ثلاثة من أوتار العدد وثلاثة من الأشفاع. ٨١ - ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ:﴾ قيل: كان رسول الله ﷺ برز بعسكره (٩) إلى ثنيّة الوداع حين خرج إلى غزوة تبوك، ونزل ابن أبيّ بن سلول أسفل من الثّنيّة مع المنافقين، فلمّا ارتحل رسول الله ﷺ تخلّف ابن أبيّ مع بضع وثمانين رجلا، فأنزل الله الآية (١٠). و (المقعد): القعود، مصدر، كالمطعم والمشرب والملبس (١١). ﴿خِلافَ:﴾ مخالفة، مفعول له (١٢). ﴿فِي الْحَرِّ:﴾ في أوان الحرّ (١٣)، وهو القيظ. «والحرّ: ضدّ البرد» (١٤). وقوله: ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ كالشّرط لحصول الخبر في علمهم، وتقديره: أعلمهم أنّ نار جهنّم أشدّ حرّا (١٥) لو كانوا يفقهون، قريب منه: ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].

стр. 780

٨٢ - ﴿فَلْيَضْحَكُوا،﴾ ﴿وَلْيَبْكُوا:﴾ أمر كينونة وإلجاء لا أمر شرع وتعبّد بدلالة ذكر الجزاء (١). وضحك الشّيء غاية ظهور جماله عند وجود مراده أو مسرّته أو شهوته أو حاجته الطّبيعيّة، يقال: ضحك الفجر إذا طلع، وضحك السّحاب إذا برق، وضحك الشّيب (٢) إذا تبيّن، وضحكت الشّمس إذا ازداد ضوؤها، وضحكت الأرض إذا اكتست بالأنوار، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣)﴾ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) [عبس:٣٨ - ٣٩]. والبكاء ضدّ الضّحك، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ (٤٣) [النّجم:٤٣]، وقوله: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدّخان:٢٩] (٤). ٨٣ - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ:﴾ نزلت في غزوة تبوك قبل رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة (٥). وإنّما قال: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً﴾ لمعنيين: أحدهما: الزّجر والمعاقبة، والثّاني: أنّه (٦) لم يخرج بعد ذلك إلى غزوة حتى قبضه الله تعالى. وقوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح:١٦] مختلف فيه، قيل: دعاهم إلى الخروج مع عليّ بن أبي طالب في غزوة طيّئ، فخرج عليّ بهم وأغار على طيّئ وسبى ابنة حاتم الطّائيّ أخت عديّ فمنّ عليها (١٤٧ ظ) وأطلقها فتبعت أخاها وأخبرته بالقصّة ولم تزل به حتى حملته على (٧) أن وفد على النّبيّ ﷺ ، فلمّا رآه قام بين يديه إكراما له، ولم يكن يقوم بين يدي أحد من المشركين، ثمّ خرج إليه من المسجد وأخذ بيده فذهب إلى الحجرة، فلمّا كان ببعض الطّريق استقبلته امرأة ترفع إليه حاجتها فجلس لها رسول الله ﷺ حتى سمع قصّتها وقضى حاجتها، ثمّ قام وانطلق مع عديّ إلى البيت، فاستدلّ عديّ بتواضعه على أنّه نبيّ وليس بملك جبّار، ثمّ عرض عليه النّبيّ ﷺ الإسلام فأسلم. وقيل: دعاهم إلى الخروج مع أسامة بن زيد إلى اليمن فتوفّي قبل خروجه وسرّحه أبو بكر مع القوم بعد ما تردّدوا في أمرهم وترفّعوا أن يكونوا تحت راية أسامة وسرّح مع عمر بن الخطّاب وخرج لمشايعته راجلا. وقيل: دعا أبو بكر إلى قتال طليحة بن خويلد الأسديّ ومسيلمة الكذّاب بعد وفاة رسول الله ﷺ (٨)، وهذا أصحّ؛

стр. 781

لأنّه لو كان دعوة رسول الله ﷺ لقال: سأدعوكم. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ:﴾ أي: أوّل مرّة لما بعدها (١). وقيل: أراد بأوّل مرّة كراهتهم الخروج في غزوة بدر. وقيل (٢): أراد تخلّفهم عن الحديبية قبل (٣) غزوة خيبر وفتح الطّائف، وهذا أقرب. ﴿الْخالِفِينَ:﴾ المتخلّفين (٤)، قال موسى ﵇ (٥) لأخيه هارون: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف:١٤٢]، وقال الله تعالى: ﴿مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزّخرف:٦٠]. ٨٤ - ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً:﴾ نزلت في شأن ابن أبيّ بن (٦) سلول، روي أنّه لمّا مرض مرضه الذي مات فيه دعا رسول الله ﷺ فحضر رسول الله ﷺ وقال: أما نهيتكم عن موالاة اليهود؟ قال: لم يوالهم سعد بن معاذ فمه (٧)، ثمّ قال: إنما دعوتك لتستغفر لي ولم أدعك لتؤنّبني (٨)، ثمّ سأله أن يعطيه قميصه الذي يلي جسده ليكفّن (٩) فيه فأعطاه قميصه، فقيل: يا رسول الله أتعطي قميصك منافقا؟ قال (١٠): إنّ قميصي لن يغني عنه من الله شيئا وإنّي أؤمّل أن يدخل في الإسلام بهذا السّبب خلق كثير، فكان كما قال، أخلص وأحسن الإسلام يومئذ ألف من الخزرج (١١). ﴿أَبَداً:﴾ نصب على الظّرف (١٢). و (القبر): الشّقّ في الأرض يدفن فيه الميّت (١٣). والنّهي عن القيام على القبور؛ لأنّه فعل الأولياء والأحباب وأصحاب المصيبة والتّفجّع. ٨٥ - ﴿وَلا تُعْجِبْكَ:﴾ خطابه، والمراد به كلّ واحد من أمّته (١٤). ٨٦ - ﴿أَنْ آمِنُوا:﴾ ترجمة وبيان للسّورة.

стр. 782

٨٧ - و ﴿الْخَوالِفِ:﴾ النّساء الفواسد، يقال (١): نبيذ خالف، أي: فاسد (٢). ٩٠ - ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ:﴾ أصحاب الأعذار الصّحيحة، عن (٣) مجاهد. وأصحاب الأعذار الكاذبة، عن قتادة (٤). وقد جاء الفريقان ليأذن لهم (٥) في القعود، ولا تنافي بين القولين. ﴿الْأَعْرابِ:﴾ أصحاب المواشي الذين ينزلون البوادي (٦). مجاهد عن ابن عمر، وعكرمة عن ابن عبّاس قال: أشار على نمرود بإحراق إبراهيم رجل من الأعراب، فقيل لابن عبّاس: ولهم أعراب؟ قال: نعم، والأكراد أعراب فارس. والمراد بالأعراب ههنا الذين ينزلون حوالي المدينة من أسد وغطفان وغيرهما (٧). (١٤٨ و) ﴿الَّذِينَ (٨)﴾ كَذَبُوا اللهَ: أي: أظهروا لله (٩) ورسوله غير ما يعلمه الله من ضمائرهم. ٩١ - فلمّا تواترت الآيات في المتخلّفين تخوّف منها أصحاب الأعذار الصّادقة فأنزل الله فيهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ (١٠). ﴿إِذا نَصَحُوا:﴾ أخلصوا العمل عن (١١) الغشّ. ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ:﴾ النّاصحين ﴿مِنْ سَبِيلٍ:﴾ في لومهم على تخلّفهم (١٢). ٩٢ - ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ:﴾ نزلت في سبعة نفر (١٣) من الأنصار وسابعهم عبد الله بن معقل [بن يسار] (١٤) الأنصاريّ، كانوا فقراء. وقيل (١٥): نزلت في أبي

стр. 783

موسى الأشعريّ. وقيل (١): في ابن أمّ مكتوم وأصحابه. ﴿قُلْتَ:﴾ أي: قلت لهم، وهو صفة (الذين)، و (إذا ما أتوك): ظرف له، وتقديره: ولا على الذين قلت لهم (٢): ﴿لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ إذا ما (٣) أتوك لتحملهم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فتولّوا، وإنّما حسن إسقاط الفاء لحسن الوقوف على ما قبله. ﴿حَزَناً:﴾ أي: من حزن، أو حزنوا حزنا، وقيل: تقديره: حازنين (٤). ﴿أَلاّ يَجِدُوا:﴾ بيان لسبب الحزن. ونصب (يجدوا) ب (أن) (٥). ٩٤ - ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ:﴾ لن نصدّقكم في أعذاركم (٦). ﴿نَبَّأَنَا:﴾ خبّرنا بأشياء ﴿مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ (٧). ﴿وَسَيَرَى اللهُ:﴾ في المستقبل من التّوبة والإصرار (٨). ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ:﴾ بعد ما عميت عليكم الأنباء. ٩٥ - والمراد بالإعراض الإعراض (٩) عن مباحثتهم ومجادلتهم. وإنّما أمروا بالإعراض لتسكين الفتنة التي يبغونها (١٠) بخلابتهم في الجدال. ٩٦ - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ:﴾ نزلت في جدّ بن قيس ومعتب [بن] (١١) قشير. والظّاهر أنّها في شأن الأعراب. ٩٧ - ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً:﴾ لغلظ (١٢) أكبادهم وقساوة قلوبهم (١٣)، وهم الفدّادون

стр. 784

الذين نعتهم رسول الله ﷺ بالجفاء والقسوة (١). وأشدّ نفاقا لمكرهم وحيلهم في الحروب. ﴿وَأَجْدَرُ﴾ (٢): وأحرى وأحقّ. ﴿أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ لبعدهم عن حضرة رسول الله ﷺ وكونهم بمعزل عن الجمع والجماعات ومجالس العلم والوعظ واشتغالهم عن القراءة والتّفقّه في دين الله بمصالح معاشهم (٣). وقد جعل الله النّهب والفتك والنّخوة والعزّة في أهل البوادي حيث كانوا فهم بمنزلة السّباع، وجعل الرّفق والانقياد والسّخرة والذّلّة في الحواضر حيث كانوا فهم بمنزلة البهائم، وجعل الحكم والعلم والسّلطنة وتصريف الأمور (٤) في البدويّين الذين نزلوا المدن والأمصار وتركوا التّبدّي فهم بمنزلة النّاس من سائر الحيوان، هذا هو الغالب. ٩٨ - ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ:﴾ نزلت في أسد وغطفان (٥). ﴿مَنْ يَتَّخِذُ:﴾ أي: يعدّ ويعتقد (٦). ﴿مَغْرَماً:﴾ «غرما» (٧)، وهو أن يلزم الإنسان من غير أن يعود إليه (٨) منه نفع. ٩٩ - ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ:﴾ نزلت في مزينة وجهينة وغفار وأسلم (٩). ﴿قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ:﴾ أي: الرتبات المضيئة التي يكون صاحبها مراقبا مشاهدا. ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ (١٠)﴾: دعواته الصّالحة (١١). والضّمير في ﴿إِنَّها﴾ عائد إلى الصّدقات، وقيل: إلى الصّلوات (١٢)، وقيل: إليهما جميعا.

стр. 785

﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ في قضيّة رحمته وهي النعمة والجنّة (١). ١٠٠ - ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ:﴾ عن الشّعبيّ أنّ السّابقين الأوّلين ﴿مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ هم (٢) الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرّضوان (٣) بالحديبية (١٤٨ ظ) تحت الشّجرة (٤). ويحتمل أنّ (من) لتبيين الجنس (٥)، كما في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [النّساء:٦٩]، والدّليل لزوم اسم التّابعين (٦) قوما أدركوا الصّحابة وأخذوا العلم منهم ورووا الحديث عنهم فلو كان (من) للتّبعيض لكان اسم التّابعين لازما لسائر المهاجرين والأنصار. ١٠١ - وفي قوله: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ دلالة أنّ النّبيّ ﷺ ما كان يعلمهم بأعيانهم علما مقطوعا به لكن بغلبة الظّنّ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [محمّد:٣٠]. ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ:﴾ في الدّنيا مرّة وفي القبر مرّة (٧). أبو (٨) مطيع عن أبي حنيفة ﵀: من قال: لا أعرف عذاب القبر فهو من الطّبقة (٩) الخبيثة الجهميّة الهالكة؛ لأنّه أنكر قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ،﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ﴾ [الطّور:٤٧]، فإن قال: أؤمن بالآية ولا أؤمن (١٠) بتأويلها وتفسيرها، فهو كافر؛ لأنّ من القرآن ما تأويله تنزيله. ١٠٢ - ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا:﴾ قال الكلبيّ: نزلت في ثلاثة: أبي (١١) لبابة وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام (١٢)، وعن الضّحّاك وقتادة أنّهم كانوا (١٣) سبعة، وعن زيد بن أسلم كانوا ثمانية (١٤)، وعن ابن عبّاس كانوا عشرة فشدّ منهم سبعة أنفسهم على السّواري (١٥)، قيل:

стр. 786

وحلف أبو لبابة أن لا يحلّ نفسه حتى يحلّه رسول الله فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فحلف أن لا يحلّه حتى يأمر الله بأمره فيه (١). قيل: وكان أوّل أمر أبي لبابة أنّه خاصم يتيما إلى رسول الله ﷺ في عذق فقضى له به، ثمّ تشفّع إليه ليعطيه اليتيم فأبى، فقال: أعطه إيّاه ولك مثله في الجنّة فأبى، فانطلق إليه أبو الدّحداح واشتراه منه بحديقة له ثمّ أتى رسول الله ﷺ [وقال] (٢): أرأيت إن أعطه اليتيم ألي مثله في الجنّة؟ قال: نعم، فأعطاه (٣) اليتيم، فكان ﷺ يقول (٤): كم من عذق مذلل (٥) في الجنّة لأبي الدّحداح. ثمّ إنّ أبا لبابة أدركه شؤم هذه المعصية فخان رسول الله ﷺ حين استنزل بني قريظة وأشار إلى حلقه يخوّفهم بالذّبح، ثمّ تخلّف عن غزوة تبوك، ثمّ ألقى الله في قلبه التّوبة والنّدم فشدّ نفسه بالسّارية فبقي كذلك سبعة أيّام حتى غشي عليه، فأنزل الله فيه وفي أصحابه الآية (٦). ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً:﴾ كقولك (٧): خلطت الماء واللّبن، ولو قلت: خلطت الماء باللّبن، لجاز أيضا (٨). ١٠٣ - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ:﴾ لمّا أنزل الله (٩) توبة هؤلاء جاؤوا بأموالهم إلى رسول الله ﷺ وقالوا: هذه خلفتنا عنك فتصدّق بها، وتوقّف (١٠) في ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله (١١). روي أنّه أخذ ثلث أموالهم وترك الباقي عليهم (١٢). ﴿تُطَهِّرُهُمْ:﴾ خطاب للنّبيّ ﷺ (١٣)، وهو في تقدير الحال (١٤). ﴿سَكَنٌ:﴾ سكينة وطمأنينة (١٥).

стр. 787

١٠٤ - ﴿هُوَ يَقْبَلُ﴾ و ﴿هُوَ التَّوّابُ:﴾ لتأكيد الوصف (١). والأخذ هو (٢) القبول والإثابة. ١٠٥ - ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ عطف على ﴿اللهُ﴾ (٣) لتشريفهم، أو لتعليق الأحكام الشّرعيّة بهم بعد وفاة رسول الله ﷺ . ١٠٦ - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ:﴾ نزلت في الثّلاثة الذين خلّفوا: كعب بن مالك وهلال بن أميّة ومرارة بن الرّبيع (٤). وكلّ المؤمنين بهذه الصّفة إلاّ المبشّرين بالجنّة. ١٠٧ - ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً:﴾ نزلت في سبع عشرة نفسا من بني عمرو بن عوف، بنوا قريبا من مسجد قباء مسجدا لأجل أبي عامر الفاسق، وكانوا (٥) يسمّونه الرّاهب، وكان بالشّام، (١٤٩ و) فبنوا هذا المسجد لأجله ينتظرون قدومه عليهم في ذلك المسجد، وكان يؤمّهم مجمع ابن حارثة كالنّائب عن أبي عامر الفاسق، وكان منافقا قارئا للقرآن، فطلبوا من رسول الله ﷺ قبل خروجه إلى غزوة تبوك أن يحضرهم فيصلّي بهم في مسجدهم، يبتغون بذلك (٦) عذرا لأنفسهم، فقال ﷺ : حتى أنصرف من هذه الغزوة، فأنزل الله في منصرفه (٧). (ضرارا): «مضارّة» (٨)، وهو نصب على أنّه مفعول له (٩). ومن ﴿حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ هو أبو عامر الفاسق، كان قد ترهّب ولبس المسوح بالمدينة قبل مقدم رسول الله، فلمّا هاجر إليها رسول الله ﷺ أتاه (١٠) أبو عامر الفاسق وقال: ما هذا الدّين جئت به؟ قال ﷺ : هذا دين إبراهيم، قال أبو عامر: فأنا على دين إبراهيم، فقال ﷺ : هذا دين إبراهيم الذي أنا عليه، قال أبو عامر: بلى أدخلت فيه ما ليس منه، قال رسول الله: بل جئت بالحنيفيّة بيضاء نقيّة، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا طريدا وحيدا (١١) لا أجد قوما يقاتلونك إلاّ قاتلتك معهم، وانضوى إلى الكفّار فقاتلوا يوم أحد وبعد ذلك إلى يوم حنين، فلمّا

стр. 788

انهزمت هوازن ويئس الملعون (١) عن مشركي العرب خرج (٢) إلى الشّام ليستنصر قيصر، وكان يأمر المنافقين ببناء هذا المسجد ويخبرهم بأنّه سيأتيهم بجنود لا قبل لأحد بها، فلم يمكنه الله من ذلك، وأماته بالشّام طريدا وحيدا (٣). وابن أبي عامر الفاسق إنّما هو حنظلة غسيل الملائكة (٤). ﴿إِنْ أَرَدْنا:﴾ «ما أردنا» (٥). ﴿إِلاَّ الْحُسْنى:﴾ إلاّ استمالة أبي عامر ليرجع ويسلم، فكذّبهم الله تعالى. ١٠٨ - ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً:﴾ قال مقاتل: أرسل النّبيّ ﷺ بعد نزول هذه الآية مالك بن الدخشم ومعن بن معدي وعامر بن السّكن ووحشيّا قاتل حمزة إلى هذا المسجد الظّالم أهله (٦) فهدموه وأحرقوه، وأمر أن يتّخذ ذلك الموضع كناسة يلقى فيه الجيف (٧). وفيه دليل (٨) لمحمّد على أنّ المسجد إذا خرب وتعطّل رجع إلى الملك، قال أبو يوسف: هم لم يكونوا بنوه على نيّة المسجد حقيقة. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ:﴾ مسجد رسول الله ﷺ (٩). وعن أبي سعيد الخدريّ أنّ النّبيّ ﷺ قال: هو مسجدي هذا (١٠)، يدلّ عليه (١١) ما روى أبو أيّوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أنّه لمّا أنزلت (١٢): ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال النّبيّ ﷺ : يا معشر الأنصار إنّ الله قد أثنى عليكم في الطّهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضّأ للصّلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء، قال: هو ذلك فعليكموه (١٣). وقيل: إنّه مسجد قباء (١٤)، روي عن عبد الله بن الحارث أنّ أهل قباء أتوا (١٥) النّبيّ ﷺ

стр. 789

فذكروا له الاستنجاء بالماء، فقال: إنّ الله أثنى عليكم فدوموا ﴿رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.﴾ وعن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا،﴾ الآية، قال (١): كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم (٢). والأصحّ (١٤٩ ظ) أنّ المسجد مسجد رسول الله ﷺ ، وأنّ الرّجال المتطهّرين عامّة الأنصار من أهل المسجدين جميعا، ودلّ (٣) عليه ما روي أنّه حمّ الأنصار فعادهم رسول الله ﷺ وقال: أبشروا فإنّها كفّارة وطهور، قالوا (٤): يا رسول الله ادع الله أن يديمها علينا أيّاما حتى تكون كفّارة لنا، فأنزل الله تعالى يثني عليهم: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا:﴾ بالحمّى عن معاصيهم (٥). والتّأسيس: موضع الأساس، والأساس قاعدة البناء (٦). ١٠٩ - من (٧) ﴿أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ:﴾ هو رسول الله مع أصحابه المهاجرين والأنصار، و ﴿مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ:﴾ هو أبو عامر الفاسق مع أصحابه المنافقين. والأوّل هو التّأسيس على حالة التّقوى أو نيّة التّقوى، والثّاني على وجه المثل (٨). و (الجرف): هو التّجويف الذي جرفت (٩) السّيول والأودية حشوه (١٠). (هار): «هائر» (١١)، قدّمت لام الفعل وأخّرت عينه على سبيل القلب، كقولك: هو شاكي السّلاح وشائك (١٢). وقد تحذف الهمزة (١٣) من (هائر) حذفا حقيقيّا من غير قلب، في حديث خزيمة وذكر السّنة قال: تركت المخّ رارا والمطيّ هارا (١٤).

стр. 790

والهور والانهيار: الميل، ومنه التّهوّر والهوارة، في الحديث: من أطاع ربّه فلا هوارة (١) عليه، وروي: من اتّقى الله وقي الهوارة (٢). ١١٠ - ﴿بَنَوْا رِيبَةً:﴾ أي: سبب ريبة (٣). ﴿تَقَطَّعَ:﴾ تفسخ (٤)، فمن حمل الكلام على الغاية والتّوقيت قال: ترتفع الرّيبة عند تقطّع القلوب؛ لأنّ الارتياب في فعل الأحياء دون من هلك وتلاشى، ومن حمل على المبالغة والتّأكيد قال: يجوز بقاء الرّيبة مع تقطّع القلوب لجواز بقاء الحياة والعقل فيها بتبقية الله تعالى كحياة الشّهداء وحياة الذين يسألون في القبور، وهذا أشبه. ويمكن الجمع بين القولين بأن يحمل أحدهما في طائفة من المنافقين والآخر (٥) في طائفة أخرى منهم. ١١١ - ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر الرّجال الذين يحبّون أن يتطهّروا. عن عبد الله بن رواحة قال يوم البيعة: اشترط يا رسول الله لربّك ولنفسك، قال: أشترط (٦) لربّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما (٧) تمنعون منه أنفسكم وأهاليكم، قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنّة، قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فأنزل الله بها (٨) هذه الآية. واشتراء الله من عباده [المؤمنين] (٩) ما يملكه عليهم إنّما على سبيل التّفضيل واللّطف، وهو كالاستقراض منهم، وإيجاب الأجر لهم. أبو هريرة يحدّث عن النّبيّ ﷺ : (تكفّل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلاّ الجهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنّة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة) (١٠). ١١٢ - ﴿التّائِبُونَ:﴾ أي: هم التّائبون، وقيل: رفع على المدح (١١).

стр. 791

﴿السّائِحُونَ:﴾ السّياحة (١) هي رحلة الشّتاء والصّيف في الجهاد والحجّ وطلب العلم وزيارة المشايخ في بيوتهم وقبورهم، قال ﷺ : (سياحة أمّتي الجهاد) (٢)، وقال ﷺ : (١٥٠ و) (الصّوم سياحة أمّتي) (٣)؛ لأنّ [الصائم] (٤) يلقى من الشّدّة ما يلقاه السّائح في الأرض (٥). ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ بأنّ هذه صفتهم عند الله ورسوله مع ما يتعاطونه من الذّنوب سرا وجهرا. ١١٣ - ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر محافظة حدود الله (٦). عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لمّا حضر أبا طالب الوفاة جاء رسول الله ﷺ فوجد أبا جهل وعبد الله ابن أبي (٧) أميّة عنده، فقال النّبيّ ﷺ لأبي طالب: أي عمّ قل: لا إله إلاّ الله، كلمة نجاح أشهد لك بها عند الله، وقال (٨) أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: أترغب عن ملّة عبد المطّلب، فلم يزل النّبيّ ﷺ يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: على ملّة عبد المطّلب (٩)، وأبى أن يقول: لا إله إلاّ الله، فقال النّبيّ (١٠) ﷺ : والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه، فأنزل الله الآية، وأنزل (١١) في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ،﴾ الآية [القصص:٥٦] (١٢). وعن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ خرج يوما وخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر فأمرنا فجلسنا، ثمّ تخطّى القبور حتى انتهى إلى قبر فجلس إليه فناجاه طويلا، ثمّ ارتفع نحيب رسول الله ﷺ بالبكاء فبكينا لبكائه ﷺ ، ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ أقبل إلينا فتلقّاه (١٣) عمر فقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله فقد أبكانا وأفزعنا؟ فأخذ رسول الله بيد عمر ثمّ أقبل إلينا (١٤) فقال:

стр. 792

أفزعكم بكائي؟ فقال: نعم يا رسول الله، فقال: إنّ القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر آمنة بنت وهب وإنّي استأذنت ربّي في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل عليّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ [وَالَّذِينَ آمَنُوا (١)﴾] أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، الآية، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدين من الرّقّة (٢). قال الأمير: ويمكن الجمع بين الرّوايتين: كان يستغفر لأبي طالب سنين حتى زار قبر أمّه (٣) يومئذ فأنزل الله الآية فانتهى عن استغفارهما. قال ابن عبّاس: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت الآية فلمّا نزلت أمسكوا عن الاستغفار للأموات ولم ينههم عن الاستغفار للأحياء حتى يموتوا ثمّ أنزل (٤): ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ،﴾ الآية، استغفر له ما كان حيّا فلمّا مات أمسك عن الاستغفار له (٥). ١١٤ - (الأوّاه): كثير التّأوّه خوفا من الله ، عن الأزهريّ (٦). وقال أبو عبيدة (٧): الأوّاه: المتأوّه شفقا وفرقا ويقينا ولزوما للطّاعة. ويحتمل أنّه كان يتأوّه على هلاك قومه وكفرهم بالله ويتحلّم عنهم ولا يخاشنهم ولا يزيد على التّأوّه؛ لأنّه لم يكن مأمورا بالقتال. ١١٥ - ﴿لِيُضِلَّ:﴾ الإضلال ههنا لومه وتخطئته وتضليله ومؤاخذته إيّاهم بما لا علم لهم به. ثمّ اختلفوا فقيل: نزلت الآية في مؤاخذة الله إيّاهم للعمل بالأحكام المنسوخة قبل العلم بالنّسخ كالصّلاة إلى بيت المقدس وشرب الخمر (٨)، وقيل: نزلت في مؤاخذة الله إيّاهم (٩) بالاستغفار للمشركين قبل بيانه (١٠) أنّه لا يجوز. وإنّما وصف بالعلم؛ لأنّ (١١) هذا الحكم المذكور من قضية علمه وحكمته. ١١٦ - وإنّما وصف نفسه بأنّ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليبيّن جواز تصرّفاته (١٥٠ ظ) في مملكته من النّسخ والإضلال والمغفرة والعذاب وغير ذلك (١٢).

стр. 793

١١٧ - ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ:﴾ وهو قوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التّوبة:٤٣] (١). والتّوبة على المهاجرين والأنصار عفوه عنهم زلاّتهم من التّخلّف وغير ذلك. ﴿فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ:﴾ وقت الضّيق والشّدّة، كان الأمر قد بلغ إلى [أن] (٢) نحر بعضهم ناقته فعصر أكراشها وشرب عصارتها. وعن مقاتل أنّ التّمرة كانت فيهم بين الاثنين والثّلاثة، يلوك هذا ثمّ يعطي هذا (٣). وعن الحسن أنّهم كانوا يعتقبون على رواحلهم، وزادهم شيء من دقيق (٤) الشّعير وإهالة (٥) منتنة. وعن عمر قال: أصابنا عطش شديد فدعا النّبيّ ﷺ فأمطر الله السّماء فعشنا بذلك (٦). ﴿كادَ يَزِيغُ (٧)﴾ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ: لشدّة الابتلاء وقلّة الصّبر وكثرة الوسواس (٨). ١١٨ - ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا:﴾ أي: خلّفهم الله بتقديره، أو الشّيطان بغروره، أو أموالهم وأهلوهم بفتنتها. ويحتمل تخليف (٩) رسول الله إيّاهم عن مجلسه وحضرته ومهاجرته إيّاهم لخمسين (١٠) صباحا. ﴿بِما رَحُبَتْ:﴾ أي: برحبها وسعتها (١١). ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ:﴾ أي: صدورهم وقلوبهم (١٢). وضيق النّفس: أن تمتلئ بالحزن والهمّ حتى (١٣) تختنق فلا تسع شيئا. ﴿وَظَنُّوا:﴾ أيقنوا (١٤). وإنّما استثنى الملجأ إليه للتّنبيه على رحمته ورأفته بعد ابتلائه ومحنته (١٥).

стр. 794

وفي الآية دلالة أنّ توبة الله عليه توبة العبد. عن (١) كعب بن مالك قال: لم أتخلّف عن رسول الله في (٢) غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلاّ بدرا، ولم يعاتب النّبيّ ﷺ أحدا تخلّف عن بدر، إنّما خرج يريد العير فالتقوا عن غير موعد كما قال الله تعالى، ولعمري إنّ أشرف مشاهد رسول الله ﷺ في النّاس لبدر، وما أحب أنّي كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام، ثمّ لم أتخلّف عن النّبيّ ﷺ بعد (٣) في غزاة غزاها حتى كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، وآذن النّبيّ ﷺ النّاس بالرّحيل وأراد أن يتأهّبوا أهبة غزوهم وذلك حين طاب الظّلال وطابت الثّمار، وكان قلّ ما أراد غزوة إلاّ ورّى بغيرها وكان يقول: الحرب خدعة، فأراد النّبيّ ﷺ غزوة تبوك أن يتأهّب النّاس (٤) أهبتهم، وأنا أسير ما كنت قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفّة الحاذ (٥)، وأنا في ذلك أصغو إلى الظّلال وطيب الثّمار، فلم أزل كذلك حتى قام النّبيّ ﷺ غاديا بالغداة وذلك يوم الخميس فأصبح غاديا، قلت: أنطلق إلى السّوق وأشتري جهازي ثمّ ألحق بهم، فانطلقت إلى السّوق بالغد فعسر عليّ بعض شأني فرجعت، فقلت: أرجع غدا (٦) إن شاء الله فألحق بهم، فعسر عليّ بعض شأني أيضا، فلم أزل كذلك حتى التبس بي الذّنب تخلّفت عن رسول الله ﷺ ، فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة يحزنني أن لا أرى [إلا] (٧) رجلا مغموصا عليه في النّفاق، وكان ليس أحد (٨) تخلّف إلا رأى أنّ ذلك سيخفى (٩) وكان النّاس كثيرا (١٠) لا يجمعهم ديوان، وكان جميع (١٥١ و) من تخلّف عن النّبيّ ﷺ بضعة وثمانين رجلا، ولم يذكرني ﷺ حتى بلغ تبوك، قال: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من قومي: خلّفه يا نبيّ الله برداه والنّظر في عطفيه، فقال معاذ: بئس ما قال والله يا نبيّ الله لا نعلم إلاّ خيرا، قال: فبينا (١١) هم كذلك إذا هم برجل يزول به السّراب، فقال النّبيّ ﷺ : كن

стр. 795

أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة (١). فلمّا قضى النّبيّ ﷺ غزوة تبوك وقفل (٢) ودنا من المدينة جعلت أتذكّر بماذا أخرج من سخطة النّبيّ ﷺ وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي، حتى إذا قيل (٣): النّبيّ ﷺ مصبّحكم بالغداة، زاح عنّي الباطل وعرفت أن لا أنجو إلاّ بالصّدق. ودخل النّبيّ ﷺ ضحى وصلّى في المسجد ركعتين، وكان إذا جاء من سفر فعل ذلك، دخل المسجد فصلّى ركعتين، ثمّ جلس فجعل يأتيه من تخلّف فيحلفون له ويعتذرون إليه، فيستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرّ أبدانهم إلى الله تعالى، فدخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس، فلمّا رآني تبسّم تبسّم (٤) المغضب فجلست بين يديه، فقال: ألم تكن (٥) اتبعت ظهرك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فما خلّفك؟ قلت: والله لو بين يدي أحد من النّاس غيرك جلست لخرجت من سخطه عليّ بغير عذر لقد أوتيت جدلا ولكن قد علمت يا نبيّ الله أنّي إن أخبرك اليوم بقول تجد عليّ فيه وهو حقّ فإنّي أرجو فيه عقبى الله وإن حدّثتك اليوم حديثا ترضى عني (٦) فيه وهو كذب أوشك الله أن يطلعك عليّ والله يا نبيّ الله ما كنت قطّ أيسر ولا أخفّ حادّا منّي حين تخلّفت عنك، فقال: أمّا هذا فقد صدقكم الحديث قم حتى يقضي الله فيك، فقمت، فثار على أثري ناس من قومي يؤنّبونني، فقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنبا قبل هذا فهلاّ اعتذرت إلى النّبيّ ﷺ بعذر يرضى عنك فيه، وكان استغفار النّبيّ ﷺ سيأتي من وراء ذنبك ولم تقف نفسك موقفا لا تدري ماذا يقضي الله لك فيه، فلم يزالوا يؤنّبونني حتى هممت أن أرجع فأكذّب (٧) نفسي، فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم هلال بن أميّة ومرارة بن ربيعة، ذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي (٨) فيهما أسوة حسنة، فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبدا ولا أكذّب نفسي. قال: ونهى النّبيّ ﷺ النّاس عن كلامنا أيّها الثّلاثة، قال: فجعلت أخرج إلى السّوق فلا يكلّمني أحد، وتنكّر لنا النّاس حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان (٩) حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكّرت لنا الأرض حتى ما هي

стр. 796

بالأرض التي نعرف (١)، وكنت أقوى أصحابي فكنت أخرج وأطوف بالسّوق وإلى المسجد وأدخل فآتي النّبيّ ﷺ فأسلّم عليه فأقول: هل حرّك شفتيه (٢) بالسّلام، فإذا قمت أصلّي إلى سارية فأقبلت قبل صلاتي نظر إليّ بمؤخّر عينه (٣) فإذا نظرت إليه أعرض عنّي، واستكان صاحباي فجعلا يبكيان اللّيل والنّهار ولا يطلعان (١٥١ ظ) رؤوسهما. قال: فبينا أنا أطوف بالسّوق وإذا رجل نصرانيّ جاء بطعام له يبيعه يقول: من يدلّ على كعب بن مالك، فطفق النّاس يشيرون له إليّ، فأتاني بصحيفة من ملك غسّان فإذا فيها: أمّا بعد فإنّه بلغني أنّ صاحبك قد جفاك وأقصاك ولست بدار مضيعة ولا هوان فالحق بنا نواسك، فقلت: هو أيضا من البلاء والشّرّ، فسجرت لها التّنّور فأحرقتها. فلمّا مضت أربعون (٤) ليلة إذا رسول الله ﷺ قد أتاني فقال: اعتزل امرأتك، فقلت: أطلّقها؟ قال: لا ولكن لا تقربها، فجاءت امرأة هلال فقالت: يا نبيّ الله إنّ هلال بن أميّة شيخ ضعيف هل تأذن لي أخدمه؟ قال: نعم ولكن لا يقربنك، فقالت: يا نبيّ الله (٥) والله ما به حركة لشيء ما زال مكبّا يبكي اللّيل والنّهار مذ كان من أمره ما كان. قال (٦) كعب: فلمّا طال عليّ البلاء اقتحمت على أبي قتادة حائطه، وهو ابن عمّي، فسلّمت عليه فلم يردّ عليّ، فقلت: أنشدك الله يا أبا قتادة أتعلم أنّي أحبّ الله ورسوله؟ فسكت حتى قلتها ثلاثا، فقال أبو قتادة في الثّالثة: الله ورسوله أعلم، فلم أملك نفسي أن بكيت، ثمّ اقتحمت الحائط خارجا. حتى إذا مضت خمسون ليلة من حيث نهى النّبيّ ﷺ عن كلامنا صلّيت على ظهر بيت لنا صلاة (٧) الفجر، ثمّ جلست وأنا في المنزلة التي قال الله: قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا، إذ سمعت نداء من ذروة سلع أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجدا وعلمت أنّ الله قد جاءنا بالفرج، ثمّ جاء رجل يركض على فرس يبشّرني، فكان الصّوت أسرع من فرسه، فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين. قال: وكانت توبتي نزلت ثلث اللّيل على النّبيّ (٨) ﷺ فقالت أمّ سلمة: يا رسول الله ألا نبشّر كعب ابن مالك؟ قال: إذا يحطمكم النّاس ويمنعونكم (٩) النّوم سائر اللّيل، وكانت أمّ سلمة محسنة في

стр. 797

شأني تحزن بأمري. فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فإذا هو جالس في المسجد (١) وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر، وكان إذا سرّ بالأمر استنار، فجئت وجلست بين يديه، فقال: أبشر يا كعب بخير يوم أتى عليك مذ ولدتك أمّك، فقلت: يا رسول الله أمن عند الله أم من (٢) عندك؟ قال: بل من عند الله، ثمّ قرأ عليه: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ حتى ﴿رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبة:١١٧]، وفيها أنزل أيضا: ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التّوبة:١١٩]، فقلت: يا نبيّ الله إنّ من توبتي أن لا أحدّث إلاّ صدقا وأن أنخلع من مالي كلّه صدقة إلى الله تعالى وإلى رسوله، فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإنّي أمسك سهمي الذي بخيبر. قال كعب: فما أنعم الله عليّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ حيث صدقته أنا وصاحباي أن لا نكون (٣) كذبنا فهلكنا كما هلكوا وإنّي لأرجو أن لا يكون الله أبلى أحدا من الصّدق (١٥٢ و) مثل الذي أبلاني ما تعمدت للكذب (٤) بعد، وإنّي لأرجو أن يحفظني الله في ما بقي. قال الزهريّ: هذا ما انتهى إلينا من حديث كعب بن مالك (٥). ١١٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ قال أبو بكر الصّدّيق: «إيّاكم والكذب فإنّ الكذب مجانب الإيمان» (٦)، سئل النّبيّ ﷺ : (أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم، فقيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم، فقيل: أيكون المؤمن كذّابا؟ قال (٧): لا). ١٢٠ - ﴿وَلا يَرْغَبُوا:﴾ «ولا أن يرغبوا» (٨)، ويحتمل أنّه مجزوم على النّهي. ورغبتهم بأنفسهم عن نفسه إيثارهم أنفسهم على نفسه (٩). ﴿ظَمَأٌ:﴾ عطش (١٠). ﴿وَلا نَصَبٌ:﴾ تعب (١١).

стр. 798

﴿وَلا مَخْمَصَةٌ:﴾ «مجاعة» (١). والوطء: موضع القدم، وكذلك الموطئ، ويجوز أن يكون مصدرا (٢). ﴿يَغِيظُ الْكُفّارَ:﴾ صفة للموطئ، أي: يغيظ الكفّار وطؤهم إيّاه (٣). و (النّيل): الإصابة (٤). والضّمير في ﴿بِهِ﴾ عائد إلى كلّ واحد من الأشياء المذكورة (٥). ١٢١ - (قطع الوادي): سلوكه. والوادي (٦): ما بين العدوتين. ١٢٢ - ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا (٧)﴾ كَافَّةً: قال الكلبيّ: لمّا أنزل الله عيوب المنافقين المتخلّفين (٨) قال المؤمنون: والله لا نتخلّف عن سريّة بعد هذا، فكانوا يخرجون السّرايا ويتركون رسول الله ﷺ بالمدينة فأنزل (٩). قال الكلبيّ: وفيه وجه آخر وهو أنّ أحياء من بني أسد قدموا على رسول الله ﷺ بالنّساء والذّراري فنزلوا في سكك (١٠) المدينة وأفسدوا الطّرق (١١) على النّاس، فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمرهم بأن يفد من كلّ قبيلة وفد على النّبيّ ﷺ ولا يفدوا بأجمعهم (١٢). وعن مجاهد أنّ رسول الله ﷺ كان أرسل بعض أصحابه إلى قبائل العرب (١٣) دعاة يدعونهم إلى الإسلام ويعلّمونهم الشّريعة، فلمّا سمعوا ما نزل في المتخلّفين عن رسول الله ﷺ خافوا أن يكونوا من المتخلّفين فالتحقوا بالنّبيّ ﷺ ، فأنزل الله الآية (١٤). والمتفقّه في الدّين المنذر قومه إذا رجع هذا النّافر إن كان مع النّبيّ ﷺ بالمدينة (١٥)، والله أعلم بالمراد. وقوله: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ يجوز أن يكون خبرا حقيقيّا، فإنّهم لم ينفروا

стр. 799

كافّة قطّ منذ زمان رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا. ويجوز أن يكون خبرا بمعنى النّهي (١). وفي الآية دلالة أنّ خبر الواحد يوجب العمل والحذر وإن لم يوجب العلم (٢)؛ لأنّ (الطّائفة) اسم لواحد فصاعدا (٣). ١٢٣ - ﴿يَلُونَكُمْ:﴾ يجاورونكم. وفيها دلالة على كراهة أن يترك أهل كلّ ثغر جهتهم ويسيروا (٤) إلى جهة أخرى إلاّ بعد الكفاية والاستغناء، قال ﷺ : (عصابتان من أمّتي أحرزهما الله تعالى من النّار عصابة تغزو الهند وعصابة تكون مع عيسى ﵇ عند نزوله من السّماء) (٥). أبو هريرة قال: وعدنا رسول الله ﷺ غزوة الهند، فإن أدركها (٦) أنفق فيها نفسي ومالي فإن قتلت كنت من أفضل الشّهداء وإن رجعت فأنا أبو (٧) هريرة المحرّر (٨). وكتب عثمان بن عفّان من المدينة إلى عبد الله بن عامر بن كريز يأمره بأن يوجّه إلى ثغر الهند من يعلم علمه وينصرف إليه بخبره، فوجّه (٩) حكيم بن حزام بن جبلة العبديّ، فلمّا رجع أنفذه إلى عثمان فسأله عن حال البلاد، فقال: يا أمير المؤمنين (١٥٢ ظ) ماؤها وشل وتمرها دقل (١٠) ولصّها بطل إن قلّ الجيش ضاعوا وإن كثروا بها جاعوا (١١). ١٢٤ - ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث ذكر الذين يلوننا من الكفّار، والمنافقون من جملتهم؛ لأنّهم أقرب الكفّار (١٢) إلينا جوارا. كانوا يتساءلون: ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ﴾ السّورة ﴿إِيماناً﴾ على وجه الإنكار (١٣). وفي قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ردّ من الله عليهم إنكارهم وبيان بأنّ المؤمنين ازدادوا

стр. 800

بهذه السّورة إيمانا. ١٢٥ - وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قريبة من قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦]. ١٢٦ - فتنتهم ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ:﴾ إظهار نفاقهم (١)، وعن مجاهد أنّها القحط والشّدّة (٢)، وعن الحسن وقتادة أنّها الدّعوة إلى الجهاد (٣). ١٢٧ - ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ:﴾ كان المنافقون إذا رأوا رسول الله قد غشي عليه ليوحى إليه نظر بعضهم إلى بعض (٤) يتفقّدون المسلمين المخلصين هل يجدونهم ناظرين (٥) إليهم متتبّعين أحوالهم فإن وجدوهم كذلك سكنوا ونكسوا (٦) رؤوسهم وقعدوا كارهين، وإن لم يجدوهم كذلك تفرّصوا (٧) غفلتهم وانصرفوا خوف الفضيحة، فأنزل الله الآية فيهم (٨). وقوله: ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يجوز أن يكون على وجه الإخبار، ويجوز أن يكون على وجه الدّعاء (٩). ١٢٨ - ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ:﴾ عن أبيّ بن كعب قال (١٠): آخر آية أنزلت (١١) على رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ،﴾ الآية (١٢). ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ أي: من العرب (١٣). قال الزّجّاج (١٤): معناه أنّه بشر مثلكم. وفي الشّواذّ (١٥): (أنفسكم) من النّفاسة وهي الكرم والرّفعة والقدر (١٦).

стр. 801

﴿عَنِتُّمْ:﴾ «أثمتم» (١)، تقول: عزّ عليّ ما نزل بك. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ:﴾ على إيمانكم ورشدكم (٢). ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ:﴾ مثل قوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩]. في الحديث أنّ (٣) النّبيّ ﷺ لم ينتصر من مظلمة (٤) ظلمها قطّ ما لم (٥) تنتهك محارم الله ، فإذا انتهك شيء من محارم الله كان من أشدّ النّاس غضبا (٦). وعنه ﷺ : (ما خيّر (٧) بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما) (٨). وقال ﷺ : (ارحموا الضّعيفين النّساء والذّراري) (٩). وقال ﷺ : (استوصوا بالنّساء خيرا فإنّهنّ عندكم عوان) (١٠). وقال يوم وفاته: (الصّلاة وما ملكت أيمانكم) (١١). والله أعلم.

стр. 802

سورة يونس ﵇ مكيّة كلّها (١)، وعن ابن عبّاس إلاّ ثلاث آيات: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ،﴾ الآيات [يونس:٩٤ - ٩٦] (٢). وقيل (٣): الآية نزلت في يهود المدينة وهي قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس:٤٠]. وهي مئة وتسع (٤) آيات (٥) إلاّ عند أهل الشّام (٦). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ﴿الر:﴾ «أنا الله أرى» (٧). وقيل (٨): قسم، أقسم بأنيّته (٩) ولطفه وربوبيّته. وقيل: إشارة إلى رأفة الله تعالى ورحمته وبرّه ببريّته (١٠)، أو إشارة إلى القرآن والذّكر (١١). ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ:﴾ جملة مركّبة من مبتدأ وخبر (١٢)، وقيل: خبر لمبتدأ مضمر. ﴿الْحَكِيمِ:﴾ المشتمل على الحكم (١٣). والدّلالات في الخبر أنّ القرآن شافع مشفّع وماحل مصدّق (١٤). ٢ - ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً:﴾ استفهام تعجّب وإنكار الشّيء المستبعد جوازه على قضيّة العادة والطّبيعة (١٥). و (النّاس) (١٦): قريش (١٥٣ و) وأمثالهم (١٧).

стр. 803

﴿أَنْ أَوْحَيْنا:﴾ في محلّ الرّفع على أنّه اسم (كان) (١). ﴿إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ:﴾ هو خيرة الله من خلقه خاتم النّبيّين أبو القاسم محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب (٢). ﴿أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ:﴾ ترجمة للوحي (٣). ﴿أَنْ:﴾ بأنّ ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ (٤): «منزلة رفيعة» (٥). عن القتبيّ (٦): ما قدّموه من عمل صالح، وعن (٧) أبي سعيد الخدريّ: محمّد شفيع صدق لهم يوم القيامة (٨)، وعن زيد بن أسلم أنّه (٩) محمّد ﷺ لقوله ﷺ : (أنا فرطكم على الحوض) (١٠). ﴿قالَ الْكافِرُونَ:﴾ حكاية لقولهم الذي قالوه عند (١١) تعجّبهم بالوحي النّازل على محمّد (١٢). ٣ - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ:﴾ قال ابن سابط: يدبّر أمر الرّسالة أربعة أملاك: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ﵈، فأمّا جبريل فعلى (١٣) الرّياح والجنود وأما ميكائيل فعلى القطر والنّبات وأمّا ملك الموت فعلى الأنفس وأمّا إسرافيل فينزل عليهم بما يؤمرون (١٤). وهذا على المجاز، وهو في تفسير قوله: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ (٥) [النّازعات:٥]، فأمّا حقيقة التّدبير فهي لله تعالى. ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ:﴾ يكفي كلّ شيء ولا يكفيه شيء، ويغني عن كلّ شيء ولا يغني منه شيء.

стр. 804

٤ - ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا:﴾ أي: وعدا حقّا (١). ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ أي: بأعمالهم التي أقسطوا فيها، وقيل: إنّ الله يجزيهم بالقسط ولا يبخسهم شيئا (٢). ﴿حَمِيمٍ:﴾ ماء مسخن (٣)، ومنه الحمام والمستحم. وحميم جهنّم يشوي الوجوه بئس الشّراب. ٥ - ﴿ضِياءً:﴾ مصدر كالبناء (٤). والضّياء أغلب من النّور؛ لأنّه يتعدّى إلى غير ذاته أبدا، والنّور قد يتعدّى وقد لا يتعدّى (٥). روي أنّ كعبا لقي عبد الله بن عمرو بن العاص والنّاس حوله يستفتونه، قال: هلك أخي عبد الله عند هذا يكون الخبر (٦) اذهب إليه فقل له: لا تكذبنّ على الله، فإن غضب (٧) فدعه وإن لم يغضب فاسأله، فأتاه فقال: إنّ كعبا يقول لك (٨) لا تكذبنّ على الله، قال: نصح لي أخي من كذب على الله سوّد الله وجهه يوم القيامة، قال: إنّه يسألك عن الشّمس والقمر أهما في السّموات السّبع أم في السّماء (٩) الدّنيا أم في الهواء دون الفلك؟ قال: بل هما في السّموات السّبع (١٠) ووجوههما إلى العرش وأقفيتهما إلى الأرض، قال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ (١٦) [نوح:١٦] (١١). وقيل: الشّمس في السّماء الرّابعة والقمر في السّماء الدّنيا (١٢). وقيل: الشّمس في الفلك الرّابع والقمر في الفلك الأدنى، والأفلاك غير السّموات، وقيل: السّماء والهواء واحد. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ:﴾ إلاّ بأمره الحقّ (١٣) بقضيّة حكمه من غير لهو ولا عبث (١٤).

стр. 805

٦ - ﴿لَآياتٍ:﴾ دلائل وحدانيّة الله تعالى ودلائل انقضاء الدّنيا والمآل (١). ٧ - ﴿لا يَرْجُونَ:﴾ أبو عبيدة: لا يخافون (٢). ﴿لِقاءَنا:﴾ الحساب والعرض، وقيل: لقاء الله (٣). هم (٤) الذين أيسوا عن لقائه لجهلهم به. ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ الذين آثروا شهواتها على السّعي للآخرة (٥)، وقنعوا بالحياة الدّنيا؛ لأنّها مبلغهم من العلم فليست لهم همّة الآخرة (٦). روي أنّ النّبيّ ﷺ بعث أبا عبيدة الجرّاح إلى البحرين يأتي (٧) بجزيتها، وكان هو صالح أهل البحرين وأمّر عليهم العلاء بن الحضرميّ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدومه. (١٥٣ ظ) فوافت (٨) صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلمّا صلّى صلاة الفجر وانصرف تعرّضوا له فتبسّم رسول الله ﷺ حين رآهم وقال: أظنّكم قد سمعتم أنّ (٩) أبا عبيدة قد جاء (١٠) وجاء بشيء، قالوا: أجل يا رسول الله، فقال: أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتلهيكم كما ألهتهم، وروي: فتهلككم كما أهلكتهم (١١). ﴿وَاِطْمَأَنُّوا:﴾ أخلدوا إليها لجهلهم بالآخرة ولكراهة ما قدّمت أيديهم. هم الذين يحجبهم المحسوس عن المعقول. ٩ - ﴿يَهْدِيهِمْ:﴾ إلى الفلاح. ﴿بِإِيمانِهِمْ:﴾ بنور إيمانهم وبسبب إيمانهم (١٢).

стр. 806

﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ:﴾ في العقبى. ١٠ - ﴿دَعْواهُمْ فِيها:﴾ أوّل دعواهم (١). دليل على تعجّبهم بكلّ ما يشاهدونه لحسنه وبهجته. ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ:﴾ دليل على إعجابهم بما يشاهدونه لما يعود إليهم من نفع أو لذّة. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ:﴾ دليل على أمنهم وطهارة صدورهم من الغلّ واستراحتهم من الذّلّة. ١١ - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ:﴾ نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة وأمثاله حيث قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال:٣٢] (٢). وقيل (٣): في شأن من يدعو على نفسه وولده ودابّته وعبده في غضبه. وقيل: في شأن المستعجل بشرّ يتوهّمه خيرا. ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ:﴾ كاستعجالهم (٤). ﴿فَنَذَرُ:﴾ عطف مستقبل على ماض (٥) في جواب (لو) كما سبق (٦). ١٢ - ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ:﴾ نزل في هشام بن المغيرة (٧). وقيل: عامّة (٨) في من لزم هوى النّفس والطّبيعة واستهان بالعقل والشّريعة. وفيها تنبيه على قبح (٩) هذه الخصلة. ﴿لِجَنْبِهِ:﴾ أي: مضطجعا على جنبه، وهو حال مسّ الضرّ أو الدّعاء (١٠). ﴿مَرَّ:﴾ ذهب عن باب الدّعاء معرضا إلى شهواته (١١). وقال الفرّاء (١٢): معناه: استمرّ على طريقته. ١٤ - ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ:﴾ لننظر إلى المشاهد (١٣) من كيفيّة أعمالكم التي قدّرناها

стр. 807

في سابق (١) علمنا وعلمناها من سابق مشيئتنا. وفائدة النّظر إيجاب الجزاء (٢). وعن عرباض بن سارية الأسلميّ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل من أصحابه: إنّ هذه موعظة مودّع فما تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال (٣): أوصيكم بتقوى الله وبالسّمع والطّاعة وإن كان عبدا حبشيّا، أي: الذي عليكم، فإنّه من يعش منكم ير (٤) اختلافا كثيرا وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّها ضلالة ومن أدركته منكم فعليه بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين عضّوا عليها بالنّواجذ (٥). ١٥ - ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ:﴾ الكلبيّ: وهم خمسة نفر: الوليد بن المغيرة المخزوميّ والعاص بن وائل السّهميّ والأسود بن عبد يغوث (٦) والأسود بن عبد المطّلب والحارث بن غيطلة، فقتل الله كلّ واحد منهم بغير قتلة صاحبه، وفيهم قوله: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٩٥) [الحجر:٩٥] (٧). ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ:﴾ له معنيان: أحدهما: محاولتهم سبيلا على رسول الله ﷺ بإتيانه بما يقترحونه (٨)، والثّاني: طمعهم أن لا يكون في الثاني (٩) سبّ آلهتهم والنّهي عن عبادتهم وأن يكون محلّلا لما يحبّونه محرّما لما يكرهونه (١٥٤ و) على قضيّة شهواتهم (١٠). وقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ:﴾ الآية منسوخة بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] (١١). ١٦ - وفي قوله: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ (١٢)﴾ ما تَلَوْتُهُ دلالة أنّ القرآن لم يكن مقدورا لرسول الله ﷺ وأنّه لم يمكنه أن يأتي بمثله (١٣).

стр. 808

﴿عُمُراً:﴾ «حينا» (١) ﴿مِنْ قَبْلِهِ؛﴾ لأنّه قد بلغ أشدّه وأونس منه الرشد ولم يكن يتعاطى من القرآن شيئا حتى اكتهل ثمّ انتصب قارئا من غير كتابة ولا تعلّم (٢). ١٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث مطالبتهم رسول الله ﷺ أن يفتري على الله (٣). ١٨ - ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ:﴾ ذوات (٤) معبوديهم. ﴿أَتُنَبِّئُونَ [اللهَ] (٥)﴾: أتخبرون الله بلا شيء. وقيل (٦): أتنبّهون الله على شيء جهله ولم يعلمه. وبما (٧) لا يعلمه الله في السّموات ولا في الأرض صفات معبوديهم. ١٩ - ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ:﴾ هي كلمة التّمهيل والتّأجيل إلى حين (٨). ٢٠ - ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ:﴾ علم (٩) ما كتمه الله عن خلقه من الآيات الملجئة متى يكون وأنّى يكون (١٠). ٢١ - ﴿وَإِذا:﴾ ظرف، والعامل فيه (١١) ﴿إِذا﴾ الثّانية مع صلتها. ﴿لَهُمْ مَكْرٌ:﴾ إضافة الشّرط المتقدّم والخير القادم (١٢) إلى آلهتهم وإلى النّجوم والأيّام (١٣). و ﴿اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً:﴾ بالطّبع على قلوبهم وباستدراجهم وبإهلاك (١٤) الأوّلين وإتباع الآخرين كذلك يفعل بالمجرمين. ٢٢ - ﴿حَتّى:﴾ غاية للتّسيير (١٥) المتقدّم.

стр. 809

﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ جماعة بدلالة قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (١). ﴿جاءَتْها:﴾ عائد إلى الفلك، وقيل: إلى الرّيح الطّيّبة (٢). اختصاص العصوف بالرّيح يغني عن علامة التّأنيث (٣)، قال الفرّاء (٤): تقول: ريح عاصف وعاصفة (٥) على لغتين، وأعصفت أيضا. ﴿الْمَوْجُ:﴾ فورة الشّيء الكثير. ﴿مِنْ كُلِّ (٦)﴾ مَكانٍ: من أمكنة الموج (٧). ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ:﴾ أي: ظنّوا أنّهم هالكون، يقال: فلان محاط به، أي: هالك سدّت عليه سبيل النّجاة (٨). ﴿دَعَوُا اللهَ:﴾ أي: فدعوا الله (٩). ﴿مِنْ هذِهِ:﴾ أي: الرّيح العاصفة، أو المحنة، أو البليّة (١٠)، أو الحالة. ٢٤ - ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ إنّما وقع تمثيل الحياة الدّنيا بالنّبات الحصيد (١١) بعد الاكتهال لسرعة زوالها عند الكمال. والمراد من التّمثيل التّزهيد والتّنبيه (١٢). ﴿قادِرُونَ عَلَيْها:﴾ «على الانتفاع بها» (١٣). ﴿أَتاها أَمْرُنا:﴾ قضاؤنا وحكمنا بهلاكها ويبسها وجدبها (١٤). ﴿حَصِيداً:﴾ مستأصلا (١٥).

стр. 810

٢٥ - ﴿دارِ السَّلامِ:﴾ دار السّلامة من الآفات (١)، فالسّلام والسّلامة بمعنى كاللّذاذ واللّذاذة (٢). وقيل: السّلام اسم الله تعالى (٣)، عن مالك بن يزيد الأشجعيّ قال: الإسلام ثلاث مئة وخمسة عشر سهما فإذا كان يوم القيامة أقبل في صورة حسنة يجرّ ثوبه حتى ينتهي إلى الله تعالى فيقول: يا ربّ أنت السّلام وأنا الإسلام منك بدأت وإليك أعود اللهمّ من جاء متمسّكا بسهم من سهامي فأدخله الجنّة (٤). ٢٦ - ﴿الْحُسْنى:﴾ الجنّة، و (الزّيادة): النّظر إلى الله تعالى (٥)، تواترت الأخبار (٦). ﴿وَلا يَرْهَقُ:﴾ ولا يلحق ولا يصيب، ومنه المراهق (٧). ﴿قَتَرٌ:﴾ غبار العرصات ودخان الدّركات (٨). ٢٧ - ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ:﴾ لهم جزاء سيّئة (٩). ٢٨ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ:﴾ أي: واذكر يوم نحشرهم، أو نذكرهم يوم نحشرهم (١٠). ﴿مَكانَكُمْ:﴾ أي: قفوا والزموا مكانكم، وذلك قوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ (٢٤) [الصّافّات:٢٤] (١١). ﴿فَزَيَّلْنا:﴾ ميّزنا بينهم بعد وقفهم مسؤولين (١٢)، قال الله تعالى: (١٥٤ ظ) ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح:٢٥]: لو تميّز المؤمنون من الكافرين (١٣). ٢٩ - ﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ:﴾ قول الأصنام المصوّرة (١٤). وقيل (١٥): قول
следующие страницы →