← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ:﴾ في العقبى. ١٠ - ﴿دَعْواهُمْ فِيها:﴾ أوّل دعواهم (١). دليل على تعجّبهم بكلّ ما يشاهدونه لحسنه وبهجته. ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ:﴾ دليل على إعجابهم بما يشاهدونه لما يعود إليهم من نفع أو لذّة. ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ:﴾ دليل على أمنهم وطهارة صدورهم من الغلّ واستراحتهم من الذّلّة. ١١ - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ:﴾ نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة وأمثاله حيث قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال:٣٢] (٢). وقيل (٣): في شأن من يدعو على نفسه وولده ودابّته وعبده في غضبه. وقيل: في شأن المستعجل بشرّ يتوهّمه خيرا. ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ:﴾ كاستعجالهم (٤). ﴿فَنَذَرُ:﴾ عطف مستقبل على ماض (٥) في جواب (لو) كما سبق (٦). ١٢ - ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ:﴾ نزل في هشام بن المغيرة (٧). وقيل: عامّة (٨) في من لزم هوى النّفس والطّبيعة واستهان بالعقل والشّريعة. وفيها تنبيه على قبح (٩) هذه الخصلة. ﴿لِجَنْبِهِ:﴾ أي: مضطجعا على جنبه، وهو حال مسّ الضرّ أو الدّعاء (١٠). ﴿مَرَّ:﴾ ذهب عن باب الدّعاء معرضا إلى شهواته (١١). وقال الفرّاء (١٢): معناه: استمرّ على طريقته. ١٤ - ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ:﴾ لننظر إلى المشاهد (١٣) من كيفيّة أعمالكم التي قدّرناها

стр. 807

في سابق (١) علمنا وعلمناها من سابق مشيئتنا. وفائدة النّظر إيجاب الجزاء (٢). وعن عرباض بن سارية الأسلميّ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل من أصحابه: إنّ هذه موعظة مودّع فما تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال (٣): أوصيكم بتقوى الله وبالسّمع والطّاعة وإن كان عبدا حبشيّا، أي: الذي عليكم، فإنّه من يعش منكم ير (٤) اختلافا كثيرا وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّها ضلالة ومن أدركته منكم فعليه بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين عضّوا عليها بالنّواجذ (٥). ١٥ - ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ:﴾ الكلبيّ: وهم خمسة نفر: الوليد بن المغيرة المخزوميّ والعاص بن وائل السّهميّ والأسود بن عبد يغوث (٦) والأسود بن عبد المطّلب والحارث بن غيطلة، فقتل الله كلّ واحد منهم بغير قتلة صاحبه، وفيهم قوله: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٩٥) [الحجر:٩٥] (٧). ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ:﴾ له معنيان: أحدهما: محاولتهم سبيلا على رسول الله ﷺ بإتيانه بما يقترحونه (٨)، والثّاني: طمعهم أن لا يكون في الثاني (٩) سبّ آلهتهم والنّهي عن عبادتهم وأن يكون محلّلا لما يحبّونه محرّما لما يكرهونه (١٥٤ و) على قضيّة شهواتهم (١٠). وقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ:﴾ الآية منسوخة بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] (١١). ١٦ - وفي قوله: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ (١٢)﴾ ما تَلَوْتُهُ دلالة أنّ القرآن لم يكن مقدورا لرسول الله ﷺ وأنّه لم يمكنه أن يأتي بمثله (١٣).

стр. 808

﴿عُمُراً:﴾ «حينا» (١) ﴿مِنْ قَبْلِهِ؛﴾ لأنّه قد بلغ أشدّه وأونس منه الرشد ولم يكن يتعاطى من القرآن شيئا حتى اكتهل ثمّ انتصب قارئا من غير كتابة ولا تعلّم (٢). ١٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث مطالبتهم رسول الله ﷺ أن يفتري على الله (٣). ١٨ - ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ:﴾ ذوات (٤) معبوديهم. ﴿أَتُنَبِّئُونَ [اللهَ] (٥)﴾: أتخبرون الله بلا شيء. وقيل (٦): أتنبّهون الله على شيء جهله ولم يعلمه. وبما (٧) لا يعلمه الله في السّموات ولا في الأرض صفات معبوديهم. ١٩ - ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ:﴾ هي كلمة التّمهيل والتّأجيل إلى حين (٨). ٢٠ - ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ:﴾ علم (٩) ما كتمه الله عن خلقه من الآيات الملجئة متى يكون وأنّى يكون (١٠). ٢١ - ﴿وَإِذا:﴾ ظرف، والعامل فيه (١١) ﴿إِذا﴾ الثّانية مع صلتها. ﴿لَهُمْ مَكْرٌ:﴾ إضافة الشّرط المتقدّم والخير القادم (١٢) إلى آلهتهم وإلى النّجوم والأيّام (١٣). و ﴿اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً:﴾ بالطّبع على قلوبهم وباستدراجهم وبإهلاك (١٤) الأوّلين وإتباع الآخرين كذلك يفعل بالمجرمين. ٢٢ - ﴿حَتّى:﴾ غاية للتّسيير (١٥) المتقدّم.

стр. 809

﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ جماعة بدلالة قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (١). ﴿جاءَتْها:﴾ عائد إلى الفلك، وقيل: إلى الرّيح الطّيّبة (٢). اختصاص العصوف بالرّيح يغني عن علامة التّأنيث (٣)، قال الفرّاء (٤): تقول: ريح عاصف وعاصفة (٥) على لغتين، وأعصفت أيضا. ﴿الْمَوْجُ:﴾ فورة الشّيء الكثير. ﴿مِنْ كُلِّ (٦)﴾ مَكانٍ: من أمكنة الموج (٧). ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ:﴾ أي: ظنّوا أنّهم هالكون، يقال: فلان محاط به، أي: هالك سدّت عليه سبيل النّجاة (٨). ﴿دَعَوُا اللهَ:﴾ أي: فدعوا الله (٩). ﴿مِنْ هذِهِ:﴾ أي: الرّيح العاصفة، أو المحنة، أو البليّة (١٠)، أو الحالة. ٢٤ - ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ إنّما وقع تمثيل الحياة الدّنيا بالنّبات الحصيد (١١) بعد الاكتهال لسرعة زوالها عند الكمال. والمراد من التّمثيل التّزهيد والتّنبيه (١٢). ﴿قادِرُونَ عَلَيْها:﴾ «على الانتفاع بها» (١٣). ﴿أَتاها أَمْرُنا:﴾ قضاؤنا وحكمنا بهلاكها ويبسها وجدبها (١٤). ﴿حَصِيداً:﴾ مستأصلا (١٥).

стр. 810

٢٥ - ﴿دارِ السَّلامِ:﴾ دار السّلامة من الآفات (١)، فالسّلام والسّلامة بمعنى كاللّذاذ واللّذاذة (٢). وقيل: السّلام اسم الله تعالى (٣)، عن مالك بن يزيد الأشجعيّ قال: الإسلام ثلاث مئة وخمسة عشر سهما فإذا كان يوم القيامة أقبل في صورة حسنة يجرّ ثوبه حتى ينتهي إلى الله تعالى فيقول: يا ربّ أنت السّلام وأنا الإسلام منك بدأت وإليك أعود اللهمّ من جاء متمسّكا بسهم من سهامي فأدخله الجنّة (٤). ٢٦ - ﴿الْحُسْنى:﴾ الجنّة، و (الزّيادة): النّظر إلى الله تعالى (٥)، تواترت الأخبار (٦). ﴿وَلا يَرْهَقُ:﴾ ولا يلحق ولا يصيب، ومنه المراهق (٧). ﴿قَتَرٌ:﴾ غبار العرصات ودخان الدّركات (٨). ٢٧ - ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ:﴾ لهم جزاء سيّئة (٩). ٢٨ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ:﴾ أي: واذكر يوم نحشرهم، أو نذكرهم يوم نحشرهم (١٠). ﴿مَكانَكُمْ:﴾ أي: قفوا والزموا مكانكم، وذلك قوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ (٢٤) [الصّافّات:٢٤] (١١). ﴿فَزَيَّلْنا:﴾ ميّزنا بينهم بعد وقفهم مسؤولين (١٢)، قال الله تعالى: (١٥٤ ظ) ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح:٢٥]: لو تميّز المؤمنون من الكافرين (١٣). ٢٩ - ﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ:﴾ قول الأصنام المصوّرة (١٤). وقيل (١٥): قول

стр. 811

الملائكة وعزير وعيسى ﵈، كما قال عيسى: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ،﴾ الآية [المائدة:١١٧]، وقول الملائكة (١): ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ [سبأ:٤١]. ويحتمل أنّ الأرواح الخبيثة من طواغيت الإنس والجنّ تتبرّأ عن عابديها وتستشهد (٢) الله كاذبة كما يحلفون به كاذبين. ٣٠ - ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ:﴾ أعيدوا إلى جزائه (٣). ٣١ - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ:﴾ اتّصالها بما قبلها من حيث سبق ذكر الإشراك (٤). ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ:﴾ سخط الله بطاعته (٥)، أو تتّقون الإشراك بالله بتوحيده (٦). ٣٢ - ﴿فَذلِكُمُ:﴾ إشارة إلى الله الرّازق من السّماء والأرض المالك للسّمع والبصر المدبّر للأمر (٧). ﴿رَبُّكُمُ:﴾ سيّدكم وخالقكم (٨). ﴿الْحَقُّ:﴾ الشّيء الواجب كونه ووجوده، الباطل نفيه وجحوده (٩). ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ:﴾ إنكار عليهم على قضيّة انقسام الكلام فإنّه حقّ وباطل، فإذا استحقّ الحقّ نفى للغير (١٠) الباطل، واتّباع الباطل الضّلال (١١). ٣٣ - ﴿كَذلِكَ:﴾ أي: كما أنّه ليس بعد الحقّ إلاّ الضّلال، أو كما يصرفون، أو كما فسقوا، أو كما نخبرك (١٢). ﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ ترجمة الكلمة (١٣).

стр. 812

٣٤ - ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ:﴾ للإعادة معنيان: الإماتة كقوله: ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه:٥٥]، والنّشأة للمعاد (١). ٣٦ - ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا:﴾ يعني أوهامهم التي توهّموها. وفي الآية ردّ على القائلين بالهيولى والفضاء وسببيّة (٢) المعدوم وبحدوث صفات الذّات والفعل وبالجهة والهيئة فإنّها أوهام كلّها. ٣٧ - ﴿أَنْ يُفْتَرى:﴾ في محلّ النّصب على خبر (كان) (٣). ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ:﴾ كقوله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحزاب:٤٠]. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ:﴾ الكتب (٤) المتقدّمة. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ:﴾ أحكامه (٥). الكتاب هو التّوراة والإنجيل واللّوح المحفوظ، أو (٦) ما كتب الله علينا. ٤٠ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ:﴾ إخبار عن خاتمتهم ومآلهم دون أحوالهم. ٤١ - ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ:﴾ المراد (٧) منها التّهديد، وقيل: المتاركة (٨). وهي منسوخة بآية السّيف (٩). ٤٢ - ﴿مَنْ يَسْتَمِعُونَ:﴾ إن كان الاستماع للانتفاع فالصّمّ قوم آخرون، وإن كان الاستماع للاستهزاء (١٠) فالصّمّ هم المستمعون. والمراد به (١١) صمم القلب؛ لأنّه قال: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٢).

стр. 813

٤٥ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (١)﴾: واذكر يوم نحشرهم (٢). ٤٦ - ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ:﴾ «قبل أن نريك» (٣). ﴿مَرْجِعُهُمْ:﴾ محشرهم للحساب والعذاب. فدمّر عليهم يوم بدر ومحقهم في سائر المشاهد واستأصلهم يوم فتح مكّة (٤). ﴿ثُمَّ اللهُ:﴾ لترادف الأخبار دون المعاني المخبر عنها (٥). ٤٧ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ:﴾ الآية في مثل قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] (٦)، وقيل: قوله: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى [بِظُلْمٍ]﴾ (٧) [هود:١١٧]. وفيها دلالة أنّ الجماعة وإن عظمت لم ينطلق عليها اسم الأمّة حقيقة ما لم تقرّ برسول الله. ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ:﴾ ثبتت (٨) أحكامهم وشرائعهم وميّز بين الخبيث والطّيّب والهالك والنّاجي. وقيل (٩): فإذا جاء رسولهم يوم القيامة شهيدا عليهم (١٠) حوسبوا على أعمالهم ووفّوا ثوابها وعقابها. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ ذكر للتّنبيه على قيام الحجّة ووجوب الجزاء (١١). ٤٨ - ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ:﴾ سؤال (١٥٥ و) على وجه الاستعجال بالبوار (١٢). (الوعد): الوعيد. ٤٩ - ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ:﴾ لا أقدر على ضرّ نفسي ونفعها فكيف أقدر على تعجيل الوعد الموعود (١٣). ثمّ بيّن وجه تأخّر العذاب فوجوب الهلاك معلّق بإتيان الرّسل وإتيانه معلّق (١٤)

стр. 814

بتتمّة الأجل. ٥٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ:﴾ وزانها قولك لغريم: أرأيت (١) إن أزنك هذه الدّنانير أيش تطالبه، أي: ليس لك عندي سوى هذه الدّنانير شيء، فكذلك ليس للكفّار عند الله إلاّ البوار وإدخال النّار. ٥١ - ﴿أَثُمَّ﴾ (٢): معناه: يقول، أو قيل، أو يقال للمجرمين إذا آمنوا عند معاينة البأس: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ.﴾ ٥٢ - ﴿ثُمَّ قِيلَ:﴾ بعد ذلك ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣). ٥٣ - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ:﴾ على وجه الاستهزاء (٤). ﴿أَحَقٌّ هُوَ:﴾ أكائن (٥) هذا الوعيد. ﴿إِي:﴾ «نعم» (٦). ﴿وَرَبِّي:﴾ «قسم، وجوابه: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ»﴾ (٧). وقيل (٨): القسم متّصل بقوله: (إي)، ويكون قوله: (إنّه لحقّ) كلاما مبتدأ. ٥٤ - ﴿وَلَوْ أَنَّ:﴾ جواب مضمر. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ:﴾ عند أوّل لحظة ثمّ الحسرة من بعد كما يحلفون ويجحدون ثمّ يعترفون ويتلاعبون (٩). ٥٥ - اتّصال: ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ﴾ بما قبلها: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ (١٠)﴾، فأخبر أنّه لله فكذلك ما في السّموات (١١). ٥٧ - ﴿وَشِفاءٌ:﴾ برء وزوال علّة.

стр. 815

٥٨ - ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ:﴾ «الإسلام والقرآن» (١). ﴿هُوَ:﴾ أي: الكتاب ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ:﴾ من المال (٢). ٥٩ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ:﴾ فيه ضمير تقديره: أرأيتم هذا الرّزق الذي جعلتم منه حراما وحلالا أأنتم (٣) مأذونون فيه؟ أو أجعلتم (٤) ذلك بإذن الله؟ فيقول: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ.﴾ ٦٠ - ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ نصب بالظّنّ، أي: ما يظنّون (٥) بالله يومئذ بأن يفعل بهم (٦). وإنّما ذكر الفضل من حيث ذكر الرّزق، أو من حيث تقديم الدّعوة والإنذار، أو من حيث الإرجاء والإمهال (٧). ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ:﴾ دليل على أنّ النّعمة الدّنياويّة عمّت البرّ والفاجر، وأنّ الشّكر (٨) واجب عليهم في النّفع والدّفع جميعا. ٦١ - ﴿فِي شَأْنٍ:﴾ أمر وبال (٩). ﴿مِنْهُ:﴾ أي: من الله (١٠)، وقيل (١١): من القرآن، وقيل: إلى العمل (١٢). ﴿يَعْزُبُ:﴾ يبعد (١٣). ٦٣ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ اعترفوا بقضيّة المعرفة (١٤). ﴿يَتَّقُونَ:﴾ بقضيّة الاعتراف.

стр. 816

٦٤ - ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ هي الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم أو ترى (١) له، رواه أبو الدّرداء وعبادة بن الصّامت عنه ﷺ (٢). وعن أبي قتادة الأنصاريّ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الرّؤيا من الله والحلم من الشّيطان فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضرّه (٣). وفي الصّحاح عن ابن سيرين عن أبي هريرة: إذا اقترب الزّمان لم تكذب رؤيا الرّجل المسلم وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ورؤيا الرّجل المسلم جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوّة، والرؤيا ثلاث: الرّؤيا الصّالحة من الله تعالى ورؤيا من تحزين الشّيطان ورؤيا من شيء يحدّث الإنسان به نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث وليقم فليصلّ (٤). ٦٥ - ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ:﴾ ادّعاؤهم العزّة لأنفسهم. ثمّ ردّ عليهم: ﴿هُوَ السَّمِيعُ:﴾ لادّعائهم (٥) العزّة لأنفسهم، ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بضمائرهم (٦). ٦٦ - ﴿وَما يَتَّبِعُ:﴾ يحتمل وجوها أربعة: العطف وتقديره: وما يتّبعه الذين (٧)، والجحد، أي: وما يتّبعك، أو (٨) وما يتّبع الحقّ (٩)، (١٥٥ ظ) والاستفهام على وجه الإنكار، أي: أيّ شيء يتّبع (١٠)، والمصدر، أي: اتّباع الذين (١١). ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ:﴾ إن هو إلاّ اتّباع الظّنّ. ٦٧ - ﴿فِي ذلِكَ:﴾ إشارة إلى البيان والقرآن، أو إلى الجعل (١٢). ٧٠ - ﴿مَتاعٌ:﴾ أي: لهم متاع، أو متاعهم متاع (١٣).

стр. 817

٧١ - ﴿إِذْ:﴾ في محلّ النّصب بالذّكر، تقديره: واذكر لهم إذ قال لقومه (١). ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ:﴾ اجعلوا الآراء المختلفة جامعا. ﴿غُمَّةً:﴾ سترة، أي: لا يكوننّ عليكم أمركم مستترا (٢) ملتبسا. ﴿ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ:﴾ أتّموا أمركم (٣). وكلّ هذا (٤) تحدّ من نوح ﵇ توكّلا على الله وإظهارا لآياته. ٧٢ - ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ:﴾ جواب للتّولّي (٥) المشروط لمعنى خفيّ، فكأنّه يقول: فإن تولّيتم فلم تفوّتوا عليّ أجرا ولم تنقصوني شيئا ولم يعظم عليّ توليتكم. ٧٤ - ﴿إِلى قَوْمِهِمْ:﴾ المراد بهم الهالكون دون المفلحين (٦)، وإنّما خصّهم لتمحض الوعيد. ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ:﴾ أي: لم يكن (٧) الملتزمون بطريقة الماضين بمؤمنين بالذي (٨) كذّبت به أئمّتهم من قبل. وقيل: فما كانوا ليؤمنوا به في المستقبل من أعمارهم بسبب تكذيبهم أوّل مرّة فإنّه ران على قلوبهم (٩). ٧٦ و ٧٧ - ﴿أَتَقُولُونَ:﴾ ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ (١٠)﴾ مُبِينٌ ﴿لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ.﴾ وقوله: ﴿أَسِحْرٌ:﴾ من كلام موسى ﵇ على وجه الإنكار (١١). ٧٨ - ﴿لِتَلْفِتَنا:﴾ «لتصرفنا» (١٢). ﴿الْكِبْرِياءُ:﴾ العظمة والملك (١٣).

стр. 818

٨٣ - ﴿إِلاّ ذُرِّيَّةٌ:﴾ أربعون أهل بيت من القبط ولدهم نساء بني إسرائيل كانوا يسمّون الذّرّيّة (١). ﴿لَعالٍ:﴾ خبر عمّا مضى (٢). ٨٤ - ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا:﴾ إنّما أمرهم لئلاّ يخافوا دون الله فيفسد إيمانهم. ٨٥ - ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً:﴾ كون المسلم فتنة (٣) للكافر أن تسوء عاقبته العاجلة ويشمت الكافر به ويقيس عليه عاقبته الآجلة وأن يرتدّ المسلم فيزيد الكافر إصرارا (٤). ٨٧ - ﴿تَبَوَّءا:﴾ اتّخذا المنزل، وأصله البواء وهو اللّزوم (٥). ﴿بُيُوتاً:﴾ مساجد (٦). الكلبيّ وغيره: كانت مساجد بني إسرائيل ظاهرة فأمر فرعون بهدمها عند منابذة موسى ﵇ إيّاه فأمر الله اتّخاذ المساجد في بيوتهم وأن يجعلوها مستقبلة للكعبة قبلة إبراهيم وإسماعيل (٧). ﴿وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً:﴾ مستقبلة القبلة (٨)، وقيل (٩): اجعلوها قبلة لكم تصلّون إليها، وقيل (١٠): اجعلوا بعضها مقابل بعض. وقيل (١١): المراد به المصلّى، وقيل (١٢): المسجد. وإنّما لم يؤمروا بالزّكاة؛ لأنّ أكثرهم كانوا مماليك لآل فرعون، أو كانوا (١٣) فقراء. ٨٨ - ﴿رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ:﴾ لمّا دعا انقلبت أعيان أموالهم حتى صار سكّرهم حجارة (١٤). ﴿فَلا يُؤْمِنُوا:﴾ «عطف على ﴿لِيُضِلُّوا»﴾ (١٥). وقيل (١٦): نصب على جواب الأمر

стр. 819

بالفاء. وقيل (١): جزم على الدّعاء. ٨٩ - ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما:﴾ كان موسى يدعو وهارون يؤمّن (٢). ٩٠ - ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ:﴾ [عن] (٣) ابن عبّاس عنه ﷺ أنّه ذكر أنّ جبريل ﵇ يدسّ في في فرعون الطّين خشية أن يرحمه (٤)، كان جبريل يعاجل (٥) فرعون ليتمّ فيه دعوة موسى ﵇، فمن كان يعاجل رحمة الله كفر؛ لأنّه يتقرّب إلى الله بإظهار موالاة نبيّه ومعاداة عدوّه. ٩١ - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ:﴾ قيل (٦): إنّ جبريل ﵇ فرح حين سمع وتيقّن أنّ فعله وقع مرضيّا لله (٧). ٩٢ - ﴿بِبَدَنِكَ:﴾ «بجسدك» (٨). فقيل: الآية استفهام على سبيل الإنكار، تقديرها: أفاليوم (٩) ننجّيك (١٠)، من النّجاة (١١)، (١٥٦ و) فتكون قدوة وحجّة لمن خلفك. وقيل: إنّها على سبيل الخبر (١٢)، ومعناها: اليوم نلقي بدنك بعد إزهاق الرّوح على نجوة من الأرض لتكون عبرة ونكالا لمن خلفك (١٣). ٩٣ - ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ:﴾ ما أورثهم من ديار آل فرعون (١٤). وقيل: المراد به التّيه حيث ظلّل عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسّلوى. وقيل: ديار العمالقة حيث افتتحها (١٥) يوشع ﵇، أو البيت المقدّس حين ابتناه داود وسليمان ﵉ (١٦).

стр. 820

٩٤ - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ:﴾ خطاب للنّبيّ ﷺ ، والمراد به أمّته (١)، كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزّمر:٦٥]. وقيل (٢): هذا شرط لم يوجد والمراد به التّأكيد، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ،﴾ الآية [الزّخرف:٨١]. وقيل (٣): لم يشكّ ولم يسأل، كقوله: ﴿إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرّحمن:٣٣]. وقيل: معناه: إن كنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك هل هو موجب لك أمن العاقبة والختم على السّعادة فسل (٤) الأنبياء إذا لقيتهم ليلة المعراج، لقوله (٥): ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ،﴾ الآية [الأحقاف:٩]، وإن كانت الآية مكّيّة فيكون (ممّا) بمعنى ممّن (٦) أنزل وهو جبريل ﵇ في الصّورة التي ظهر فيها لرسول الله في ابتداء الوحي حتى سألت خديجة له ورقة بن نوفل. وقيل: لما جرى على لسانه في سورة النّجم أنّه شيء ابتلي به وحده وخاف مثله في المستقبل فأخبر الله في سورة الحجّ أنّه ما أرسل من قبله ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ،﴾ الآية [الحجّ:٥٢]. ٩٧ - ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ:﴾ أنّث لإضافة ﴿كُلُّ﴾ إلى مؤنّث، كقوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق:١٩] (٧). ٩٨ - ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ:﴾ الإيمان النّافع: الذي يكون عند إحساس العذاب قبل عين اليقين، كما كان من قوم يونس ﵇ لمّا غلب على ظنّهم أنّ العذاب سينزل بهم ندموا وتضرّعوا وأنابوا إلى الله ولم ينتظروا عين اليقين (٨). انتصب ﴿قَوْمَ يُونُسَ؛﴾ لأنّه مستثنى منقطع؛ لأنّهم لم يكونوا من عداد الأمم الهالكة (٩). وعن ابن عبّاس أنّ يونس بن متّى كان يسكن فلسطين (١٠) هو وقومه فغزاهم ملك من الملوك يقال له يغلث بالعساكر من أهل نينوى، وهي التي تسمّى نصيبين، فغزا بني (١١) إسرائيل فسبى منهم تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطان ونصف، وكانوا من وراء الأردن وهم من سبط

стр. 821

يهوذا ونصف سبط من سبط ميشا، فسبوهم جميعا غير هذين السّبطين ونصف سبط، فرجعوا بهم إلى أرضهم، وقد كان أوحى الله تعالى إلى بني إسرائيل إذا أسركم (١) عدوّكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني فإذا دعوتموني استجبت (٢) لكم، فلمّا أسروا نسوا أن يدعوا الله زمانا من الدّهر حتى إذا ذهبت أيّام عقوبتهم ونزلت أيّام عافيتهم أوحى (٣) الله تعالى إلى نبيّ من أنبياء (٤) بني إسرائيل يسمّى شعيا فقال: ائت حزقيا، وهو الملك يومئذ، فقل له: ابعث إلى بني إسرائيل نبيّا قويّا أمينا، وكان في ملكه خمسة من الأنبياء، فقد ذهبت أيّام عقوبتهم ونزلت أيّام عافيتهم (٥) وإنّي (١٥٦ ظ) ملق في قلوب ملوكهم وأشرافهم أن يرسلوهم معهم، فجاء شعيا إلى حزقيا حتى أبلغه ذلك، فقال له حزقيا: أنت الذي أمرت بذلك فابعث، فقال له: إنّ الله تعالى أوحى أن آمرك بأن تبعث فابعث، فقال له حزقيا: فيمن تشير عليّ؟ قال: ابعث يونس بن متّى فإنّه قويّ أمين، قال: فأرسل حزقيا الملك إلى يونس فأتاه، فقال له: إنّ (٦) شعيا النّبيّ ﵇ أتاني فقال: إنّ الله أوحى إليّ أن ائت حزقيا فمره يبعث نبيّا إلى بني إسرائيل فإنّه قد ذهبت أيّام عقوبتهم ونزلت أيّام عافيتهم وإنّي ملق في قلوب ملوكهم وأشرافهم أن يرسلوهم معه فأنت نبيّ قويّ أمين فانطلق إلى بني إسرائيل، [قال] (٧): آلله أمرك بهذا؟ قال: لا، قال: فسمّاني لك؟ قال: لا ولكن أمرت أن أبعث نبيّا قويّا أمينا فأنت نبيّ قويّ أمين، قال: إنّ في بني إسرائيل قويّا أمينا غيري فابعث غيري، فقال حزقيا: بحقّ الملك إلاّ ذهبت، فلمّا عزم الملك على يونس انطلق فلم يجد بدّا، ورجع يونس ليتزوّد، وخرج مغاضبا لحزقيا حتى أتى بحر الرّوم فوجد قوما قد شحنوا سفينتهم، فقال لهم: احملوني معكم، فعرفوه فحملوه، فلمّا كانوا في البحر اضطربت السّفينة وكادت تغرق، فقال ملاّحوها: يا هؤلاء إنّ فيكم رجلا عاصيا؛ لأنّ السّفينة لا تفعل (٨) هذا من غير الرّيح إلاّ وفيها (٩) رجل عاص، فقالت التّجّار: إنّا قد جرّبنا مثل هذا وكنّا نقترع بالسّهام فمن خرج سهمه ألقيناه في البحر فإنّه لأن يغرق (١٠) رجل واحد خير من أن يغرق جميع أهل السّفينة، قال: فاقترعوا بسهامهم فخرج سهم يونس ﵇، فقالت التّجّار: نحن أولى

стр. 822

بالمعصية من نبيّ الله، ثمّ اقترعوا الثّانية فخرج سهمه ﵇، فقال: يا هؤلاء أنا والله العاصي، قال: فتلفّف في كسائه ثمّ قام على رأس السّفينة، قال: وإنّ السّمكة التي أمرت به أن تجعله في جوفها لتساير السّفينة من حيث ركب، فرمى يونس بنفسه فابتلعته السّمكة فصار في بطنها وهو يقول: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فذلك قوله : ﴿فَساهَمَ،﴾ يقول: فقارع أهل السّفينة ﴿فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصّافّات:١٤١]، أي: من المقروعين الذين ليست لهم حجّة، وذهبت (١) به السّمكة إلى نيل مصر ثمّ إلى بحر فارس ثمّ دخلت به البطائح ثمّ دخلت به دجلة فصعدت به وكان يسدّ جنباه شاطئ دجلة حتى رمته بنصيبين بالعراء على ظهر الأرض بعد أربعين ليلة مكث في بطنها، وهو كهيئة الفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا لحم، فأنبت عليه شجرة من يقطين، قال: وسأل رجل ابن عبّاس: زعموا أنّ اليقطين هو القرع، قال: فقال ابن عبّاس ﵁: ما الذي جعل القرع أحقّ من البطّيخ وغيره كلّ شيء ينبت بسطا فهو يقطين، فكان يستظلّ في ظلّ ذلك اليقطين ويأكل من ثمرها حتى تشدّد (٢)، فبينما هو كذلك إذ سلّط الله عليه الأرضة فأكلتها فخرّت من أصلها، فحزن يونس ﵇ لذلك حزنا شديدا، (١٥٧ و) فقال: يا ربّ كنت أستظلّ تحت هذه الشّجرة من الشّمس والرّيح وأمصّ من ثمرها وقد سقطت منّي (٣)، فقيل له: يا يونس أتحزن على شجرة أنبتت في ساعة واقتلعت في ساعة ولا تحزن على مئة ألف أو يزيدون لم تذهب إليهم وقد نزلت أيّام عافيتهم؟ فتوجّه يونس ﵇ نحوهم حتى دخل أرضهم ومنهم غير بعيد، فأتى بني إسرائيل فقال: إنّي بعثت إليكم، قالوا: إنّك لمصدّق عندنا ولكنّا عبيد أسارى فائت أمراءنا فاذكر لهم ذلك (٤) فإن خلّونا خرجنا معك، فأتى يونس ﵇ ملوكهم وأشرافهم وقال: إنّ الله أرسلني إليكم لتبعثوا معي بني إسرائيل، قالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنّك صادق لفعلنا ولكنّا أتيناكم في دياركم وقراركم فسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعكم (٥) الله، فطاف فيهم ثلاثة أيّام يدعوهم إلى ذلك، فأبوا عليه (٦)، فأوحى [الله] (٧) إليه أن قل لهم: إن لم تؤمنوا من ليلتكم هذه صبّحكم العذاب، فأبلغهم ذلك فأبوا، فتزوّد زادا وخرج من عندهم، فلمّا فقدوه ندموا على صنيعهم وقالوا: أيّ شيء صنعنا؟ ثمّ

стр. 823

انطلقوا يطلبونه فلم يجدوه، فأتوا علماءهم وذكروا لهم أمره وأمرهم، فقالت العلماء: انظروا في المدينة فإن كان بها فليس ممّا قال لكم شيء؛ لأنّه لم يكن يجلس فيها والعذاب ينزل بها وإن كان قد خرج فهو كما قال والعذاب (١) مصبّحكم، قال: فطلبوه فقيل لهم: قد رأيناه (٢) خرج بالعشيّ منطلقا، فسألوا بني إسرائيل عنه، فقالوا: ما قال لنا شيئا إلاّ كما قال لكم، فلمّا أمسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها والوالد عن ولده وعزلوا النّساء والصّبيان، وكذلك الأولاد من الأمّهات من البقر والغنم، وقاموا ينتظرون الصّبح فلمّا انشقّ الصّبح نظروا إلى العذاب ينزل من السّماء وهو شيء أحمر، فشقّوا جيوبهم ووضع الحوامل ما في بطونها وصاحت الصّبيان وثغت الأغنام وخارت البقر، وجعل العذاب ينزل عليهم حتى غشيهم ووجدوا حرّه في أكتافهم، ثمّ رفع عنهم فبعثوا إلى يونس بن متّى (٣) ﵇ فأتاهم فآمنوا به وصدّقوه وبعثوا معه بني إسرائيل، فذلك قوله: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ (٤)﴾ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ يقول: رفعنا عنهم العذاب (٥). ﴿وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ:﴾ يقول: وأجّلناهم إلى الموت (٦)، عرف الله الصّدق منهم فرفع العذاب عنهم ولم يقبله من غيرهم (٧). وعن محمّد بن المنكدر أنّه بلغه أنّ الحوت لمّا التقم يونس ﵇ أوحى الله إلى الحوت أن لا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما (٨). ٩٩ - ﴿جَمِيعاً:﴾ نصب على التّأكيد بعد التّأكيد (٩). ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ:﴾ أي: لست تكرههم (١٠) ليؤمنوا. ١٠١ - ﴿قُلِ اُنْظُرُوا:﴾ أي: تفكّروا (١١).

стр. 824

تمهيد المطلب الأول نسبة الكتاب لمؤلفه من أهمّ القضايا التي يبدأ المحقّق ببيانها وتوضيحها هي: هل هذا الكتاب لصاحبه أو أنّه منسوب إليه؟ وبخاصة إذا كان المؤلف من الإئمة الأعلام كالإمام عبد القاهر الجرجانيّ العلاّمة الأديب النحويّ البلاغيّ، فهذا يحتاج إلى جهد ومشقّة وعناء، وممّا يزيد الأمور تعقيدا ومشقّة أنّ السيرة الذاتيّة لهذا العالم الكبير، وعلى الرغم من شهرته، لا تسعفنا كثيرا في مثل هذه المسألة. فأوّل من ذكر هذا الكتاب في كتب الفهارس والتي تذكر أسماء الكتب ومؤلّفيها هو حاجي خليفة في كتابه «كشف الظنون» فيقول: «درج الدرر في التفسير، مختصر للشيخ عبد القاهر الجرجانيّ ظنّا» (١)، وهذا الكلام يشكّك في نسبة هذا الكتاب للإمام عبد القاهر الجرجانيّ، كما ذكره إسماعيل باشا البغداديّ في «هدية العارفين» إذ يدرج في ضمن الكتب التي ألّفها الجرجاني كتابا باسم «درج الدرر في تفسير الآي والسور» (٢)، وهذا أيضا يجعل في النفس شيئا من نسبة الكتاب وذلك لاختلاف العنوان. ومما يثبت نسبة الكتاب إلى عبد القاهر الجرجانيّ ما يأتي: ١ - ما ورد في الأصول المخطوطة وعلى الصفحة الأولى من النسخ الأربع، التي تدلّ على أنّ المخطوطة له، إذ جاء في النسخة الأصل ما نصّه: «كتاب درج الدرر في تفسير القرآن العظيم للإمام العلامة علامة العالم، قدوة السلف والخلف عبد القاهر الجرجانيّ»، وفي النسخة الأخرى من مكتبة كوبرلي: «كتاب درج الدرر في تفسير القرآن العظيم، تأليف الإمام العالم العلامة وحيد دهره وفريد عصره عبد القاهر الجرجانيّ تغمّده الله برحمته»، وفي نسخة نور عثمانية يقول: «كتاب تفسير القرآن العظيم المسمّى بدرج الدرر، تأليف الإمام والحجة الهمام عمدة المفسرين وزبدة. . . (٣) مولانا عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ تغمّده الله بالرحمة والرضوان». أما نسخة الأسكريال فكتب على صفحتها الأولى: «تفسير القرآن العظيم المسمّى بدرج الدرر، تأليف سلطان. . . (٤) سيدنا الشيخ المحقّق عبد القاهر الجرجانيّ تغمّده الله برحمته آمين».

стр. 825

٣ - نجده يقرّر في كتابه أنّ إعجاز القرآن إنّما كان بالنظم العجيب فيقول: «وحدّ الإعجاز هو الإتيان بناقض العادة، والخارج عن طوق من هو مثل صاحب المعجزة في الخلقة،. . . وإذا وقع التحدّي هاهنا بنظم عجيب بديع، تضمّن معنى صحيحا غير مناقض ولا هزل. . .» (١). ٤ - وجود كثير من الإشارات البلاغيّة المودعة في هذا التفسير، كالحذف والمجاز والكناية ومعاني (افعل) الأمر، ومعاني الاستفهام، وغيرها. (يرجع إلى مبحث عنايته بالبلاغة في قسم الدراسة). ٥ - الاستئناس بما جاء في بعض الترجمات لعبد القاهر الجرجانيّ بأنّ له تفسيرا، كما جاء عند الأدنه وي والسيوطي (٢)، إذ يقولان عند تعدادهما لمصنفات عبد القاهر: «وصنّف التفسير»، وفي كشف الظنون (٣) يقول: «تفسير عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ المتوفّى سنة ٤٧٤ هـ مختصر في مجلّد، ولعلّه تفسير الفاتحة». ٦ - ومما يستأنس به لإثبات أنّ هذا الكتاب له هو ما ورد من أسماء لأعلام كانت وفاتهم قبله، ممّا يدلّ على أنّها في عصر الشيخ الجرجانيّ. ٧ - نسب التفسير في فهرس آل البيت لعبد القاهر الجرجاني. (٤) ومما يشكّك بنسبة الكتاب إلى عبد القاهر الجرجانيّ أمور متعدّدة، منها: ١ - ما دكر فيما سبق أنّ أول ذكر للكتاب جاء في كشف الظنون لحاجّي خليفة، وجاء بشكل مشكّك إذ قال: «درج الدرر في التفسير، مختصر للشيخ عبد القاهر الجرجانيّ ظنّا»، وقوله: ظنّا، مشكل إذ يشكّك في نسبة الكتاب له، ولكنّ هذا القول لم يكن متثبّتا منه إذ في مكان آخر ينسبه إليه من غير شكّ فأدرجه ضمن التفاسير فقال: «تفسير عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيّ»، ولكنّه ذكر أنّه «مختصر في مجلّد ولعلّه تفسير الفاتحة» (٥). وقوله هذا دليل على عدم اطّلاعه على الكتاب، إذ لو اطّلع عليه لعلم أنّه ليس تفسير الفاتحة. ٢ - جاء في هديّة العارفين اسم هذا الكتاب ضمن كتب الجرجانيّ «درج الدرر في تناسب الآي والسور دلائل الإعجاز في المعاني والبيان، شرح الفاتحة في مجلّد» (٦)، وهذا مخالف لما هو مدرج في المخطوطات الأربع بأنّ اسم هذا الكتاب هو «درج الدرر في تفسير القرآن

стр. 826

الكريم». وهذا أيضا يدحض قول حاجي خليفة بأنّ درج الدرر غير تفسير الفاتحة، كما أنّ هذا العنوان الذي ذكره إسماعيل باشا هو الأنسب لهذا الكتاب، وذلك لعادة المؤلفين في ذلك الوقت أن يسمّوا الكتب بأسماء مسجوعة، ولعلّه اطلع على نسخة أخرى من الكتاب لم تصل إلى مكتبات المخطوطات العامّة. ٣ - أما بروكلمان فقد ذكر أنّ التفسير ينسب خطأ للشريف الجرجانيّ، فقال: «درج الدرر وهو في التفسير. . . وينسب خطأ للشريف الجرجانيّ» (١) وعبارته هذه تحمل ادعاء لأحدهم ينسب الكتاب لغير عبد القاهر الجرجانيّ، وهي في الوقت نفسه نفت هذا الخطأ. كما أنّه بعيد أن يكون له إذ خلا الكتاب في نقله عن علماء من العصور التي بعد عبد القاهر الجرجانيّ، ممّا يجعل النسبة إليه من باب الوهم، فالشريف الجرجانيّ قد توفي سنة ٨١٦ هـ (٢)، كما أنّه لم ينقل من المؤلفات في التفسير أو غيره بعد عصر الجرجانيّ، وبخاصّة الزمخشريّ وأبي حيان وغيرهما من الأعلام الذين جاؤوا بعده. وقد رجعت إلى مظانّ ترجمة السيد الشريف الجرجانيّ، فلم أجد ذكرا لهذه النسبة. (٣) ٤ - المعروف عن عبد القاهر الجرجانيّ وما ذكرته كتب التراجم التي ترجمت له: أنّه شافعيّ المذهب، فقد ذكره الإسنويّ في طبقات الشافعيّة (٤)، وقال عنه: «كان شافعيّا»، وكذلك في سير أعلام النبلاء، (٥) وغيرها. وقد بحثت في مذهب المؤلّف الفقهيّ من خلال دراستي لهذا الكتاب، وقد تولّد لديّ أنّ صاحب هذا الكتاب له مذهب فقهيّ هو المذهب الحنفيّ، وذلك من خلال المسائل التي ذكرتها في مبحث (عنايته بالأحكام الفقهيّة) فدرست مذهبه الفقهيّ من خلال ثماني مسائل، هذه المسائل الثماني خالف فيها المؤلف المذهب الشافعيّ أو الرأي الراجح في المذهب الشافعيّ، ووافق فيها أصحاب المذهب الحنفيّ بل المشهور في المذهب الحنفيّ، وأحيانا يصرّح بمخالفته للشافعيّ. أضف إلى ذلك أنّه يذكر الإمام أبا حنيفة فيترضّى عنه أو يترحّم عليه في أكثر من موضع (٦)، ويستشهد بقوله كذلك، (٧) بل إنّه يروي عنه بعض الأحاديث والآثار على الرغم من وجودها عند غيره، فيختار طريق أبي حنيفة (٨).

стр. 827

٥ - من المعلوم عن عبد القاهر الجرجانيّ أنّه أشعريّ المذهب عقائديّا، وهذا ما ذكرته كتب التراجم التي ترجمت له. ولكن عند الدراسة في عقيدته في هذا الكتاب يتبيّن أنّ مؤلف الكتاب ليس أشعريّ المذهب، فهو ينهج منهج الإمام أبي حنيفة النعمان في بعض. المسائل العقدية التي ذكرها في تفسيره، ومن هذه المسائل: أ-قوله بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقد جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٥٠] إذ يقول: «وفي الآية دليل على أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص» (١)، وهذا القول يقول به الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومن وافقه من بعده فقد جاء في شرح المقاصد (٢) ما نصّه: «وعند أبي حنيفة ﵀ وأصحابه وكثير من العلماء، وهو اختيار إمام الحرمين، أنه لا يزيد ولا ينقص، لأنّه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، ولا يتصوّر فيه الزيادة والنقصان». ب-وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥]، يقول: «و (وجه الله) ليس كأوجه خلقه، وهو خالق الوجوه، متعال عن الحلول في الجهات والأقطار، وهو أقرب من حبل الوريد، . وقد أوّل من أوّل من أصحابنا بأنّه الإقبال بالرحمة والرضوان والقبول، وهو ممكن أن يكون مرادا» (٣). ج-كذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] يقول: «دليل أنّ إتيان الربّ صفة له لا يجوز حملها على إتيان الأمر، إذ الشيء لا يعطف على نفسه». د-أمّا عن صفة الكلام فيقول: «والتكليم صفة لله تعالى حقيقية من غير كيفيّة» وذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤]، وأيضا يقول في موضع آخر: «وقول الله تعالى حقيقة، وقد أكّد بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤]، والتأكيد لنفي إيهام الاستعارة، وفي فحوى قوله: ﴿وَما كانَ﴾

стр. 828

﴿لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً،﴾ الآية [الشورى:٥١] ما يدل على أنّ القول صفته حقيقة» (١). ٦ - ومن المعلوم أيضا عن الإمام عبد القاهر الجرجانيّ أنّه نحويّ بصريّ، فقد تتلمذ على تلميذ الإمام أبي عليّ الفارسيّ، وهو أبو الحسين الفارسيّ، أحد أئمة البصريين، بل لم يكن له شيخ له غيره، وقد شرح كتابه «الإيضاح» واعتنى به عناية فائقة، وسمّاه «المغني» وقد بلغ هذا السفر نحوا من ثلاثين مجلدا، ولكننا نلحظ أنّ مؤلّف هذا الكتاب لم ينقل عن أبي عليّ إلا في موضع واحد فقط (٢). كما نجده ميّالا إلى مذهب الكوفيين، فهو يقدّم آراءهم في كثير من الأحيان على آراء البصريين، ويعتدّ بها، بل قد يكتفي بذكرها. ٧ - هناك أمر يلفت انتباه المتتبع لهذا الكتاب إذ نجد في موضع يقول: «وفي الآية دلالة أنّ صبر الخليفة على جنايات قومه والتغافل عنها جائز لابتغاء المصلحة، كمنابذته ومضاجرته إيّاهم، ولذلك يصبر خلفاء نبيّنا ﷺ من آل عباس على قبائح هذه الأمّة وافتراق أهوائها» (٣) وكذلك عند حديثه عن قول الله تعالى: ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ بأنّ المراد هو «أمّة محمد ﵇، وقد اختصّت بها الخلفاء الأربعة وبنو عمّه الأئمة المهديّون» (٤)، ولعلّه يقصد به الخلفاء العباسيّين، وفي هذا الكلام دلالة واضحة على أنّ مؤلف الكتاب كان يميل لخلفاء بني عباس، على عكس ما ذكر في سيرة عبد القاهر الجرجانيّ أنّه كان يكره الحكام، ولا يميل إليهم، ويتبرّم منهم. ٨ - أورد في كثير من المواضع ما يخالف نظريّة النظم التي ابتكرها الجرجانيّ، فنلاحظ أنّه في عدد من المواضع يقول: «كذا لوفق رؤوس الآي»، وهذا يتعارض مع نظرية النظم، إذ يقول في دلائل الإعجاز: «واعلم أن ليس النّظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو، وتعمل على قوانينه وأصوله» (٥). فالتّقديم والتّأخير، أو تغيير التّركيب لوفق رؤوس الآي لا يتّفق مع قوله: «أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النّحو». وقد يردّ على ما سبق: أنّ عبد القاهر الجرجانيّ ربّما ألّف «درج الدرر» في أوّل حياته العلمية قبل أن تنضج لديه فكرة نظريّة النظم، وكان هذا التفسير بداية طريقه مع هذه النظريّة، لما تضمّن من أمور بلاغيّة كثيرة، تدلّ على بذرة جيّدة لنظرية النظم، كما أنّه لم يتتلمذ على أحد

стр. 829

سوى أبي الحسين الفارسيّ، وكان هذا التتلمذ متأخّرا، فقد كان في بداية حياته العلمية حنفيّ المذهب والاعتقاد، كوفيّا نحويّا، وبعد أن نضج وتتلمذ على يد أبي الحسين الفارسيّ، وقرأ كتبا أخرى، جعلته يغيّر منهجه الذي يسير عليه إلى منهج آخر مختلف تماما، نظرا لسعة اطّلاعه، وسعة أفقه ومداركه. ٩ - ومما تجدر الإشارة إليه أنّ المؤلف أورد خلال حديثه عن اسم الله تعالى (البارئ) خلال تفسير الآية ٢٤ من سورة الحشر يقول: «وقد استوفينا الكلام في الأسماء في مفتاح الهدى» (١)، وقد استبشرت خيرا بهذا فقد ذكر أنّ للجرجانيّ كتابا هو المفتاح، فقلت: إنّ ضالّتي قد وجدت، فبحثت عن الكتاب، وبعد جهد توصّلت إلى كتاب للجرجانيّ اسمه «المفتاح في الصرف»، وبحثت فيه عن ذلك فلم أجد شيئا يدلّ على ما ذكره، ولو بالإشارة، فكان المفتاح في الصرف ليس له علاقة في اشتقاق بأسماء الله من قريب ولا بعيد، كما أنّي لم أجد كتابا بهذا الاسم فيما لديّ من مصادر يذكر كتابا اسمه مفتاح الهدى، سواء للجرجانيّ أو غيره. وخلال بحثي في الكتاب عن شيء يدلّ على المؤلّف في محاولة لمعرفة المؤلّف وجدت عبارة مهمة وهي: «قال الأمير» (٢)، ولعلّها من أهمّ العبارات التي تشير إلى المؤلّف، إذ قد يكون الأمير هو مؤلّف الكتاب، إذ من المعتاد في كتب القدماء أن يذكر المؤلف باسمه أو بلقيه، لأنّ كثيرا منهم قد أملى كتابه إملاء على تلاميذه، فقام هؤلاء التلاميذ بذكر أسمائهم فيها، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: «معاني القرآن» للفراء، والذي ترد فيه عبارة «قال الفراء» أو «حدثنا شيخنا» (٣). ونظرا لأهميّة هذه العبارة قمت بالبحث في المصادر عمّن يلقب بالأمير من العلماء الذين عاشوا في عصر المؤلّف في القرن الخامس، فلم أجد سوى الأمير العالم ابن ماكولا، وهو سعد الملك أبو نصر عليّ بن هبة الله بن عليّ بن جعفر، صاحب كتاب «الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب» المتوفّى سنة نيّف وسبعين، أو نيّف وثمانين وأربع مئة للهجرة، فيكون كما ذكرت، من عصر عبد القاهر الجرجانيّ، وهو العصر الذي رجحت أن يكون قد كتب فيه الكتاب.

стр. 830

ورغم أنّ مصادر ترجمة ابن ماكولا ذكرت «أنّه كان نحويّا مجوّدا وشاعرا مبرّزا» (١) لكنّي لم أقف في مصادر ترجمته على تاليف في التفسير، فلم تذكر أنّه كان له تفسير أو حتى تفسير سورة واحدة. كما أنّه ممّا يظهر من هذا التفسير والأحاديث الواردة فيها أنّ صاحب التفسير هذا لم تكن لديه اهتمامات المحدّثين في ضبط الأحاديث وأسانيدها والحكم عليها، بل نجده يستشهد بأحاديث ضيعفة جدّا بل موضوعة، وكذلك يهتمّ بالإسرائيليات والتاريخ، مما يدفع كون مؤلّف الكتاب هو من أهل الحديث كما هو معروف عن ابن ماكولا، ودقته واحترافه لهذا الفنّ، وبخاصّة أنّه ألّف كتابا في نقد الرجال وتاريخهم وهو كتاب «الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب». وخلاصة القول: إنّ كتاب «درج الدرر في تفسير القرآن العظيم» وحسب ما ترجح لديّ، والله أعلم، أنّ الكتاب ليس لعبد القاهر الجرجاني، بل هو لغيره، ولم أستطع نسبته لغيره، إذ لم توجد علامات دالّة على ذلك، فهو، في رأيي المتواضع، منسوب له، ويبقى كذلك حتى يتبيّن لي أو لأحد غيري مؤلّف الكتاب. المطلب الثاني أهمية الكتاب إنّ تفسير «درج الدرر» وبالرغم من أنّه مختصر، إلا أنّه يعدّ من التفاسير القيّمة، فهو ليس من المختصرات المخلّة، ولا من المطولات المملّة، فهو ذو فائدة للقارئ العاديّ غير المختصّ، كما أنّه ذو فائدة عالية للقارئ المختصّ في آن واحد. وقد حوى الكتاب على كثير من النقولات عن علماء سابقين من أعلام التفسير والحديث واللغة والنحو وغيرها من العلوم، فهو بذلك جمع بين التفسير بالمأثور بهذه النقولات، وبين التفسير بالرأي بما كان يبدي من رأي في كثير من المسائل التي فيها اختلاف، سواء في المعاني أو الإعراب أو غيرها. وهذه النقولات تدلّ بشكل لا ريب فيه على غزارة علم المؤلف، وسعة اطّلاعه، كما أنّها تعطي صورة واضحة عن المرحلة التي عاش فيها المؤلّف، وهي مرحلة مهمّة من مراحل سير التأليف في ذلك الوقت، ومنها كتب تفسير القرآن الكريم، إذ انصرف اهتمام العلماء في تلك المرحلة إلى جمع أقوال العلماء المتقدّمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وتدوين آرائهم، فيناقشون أراءهم وأقوالهم، ويردّون على أصحابها، ويرجّحون بعضها على بعض. ونلاحظ هذا في كتاب «درج الدرر»، فنجده ينقل الأقوال من غير ترجيح، وقد يرجّح بينها، وقد يردّها جميعا، وأحيانا يأت برأي مغاير لهم.

стр. 831

المطلب الثالث مصادر المؤلف في الكتاب لقد كان كتاب «درج الدرر» زاخرا بالنقول عمّن سبقه من آراء لأئمّة التفسير والحديث واللغة والسيرة، وغيرها، وهذه النقول التي ذكرها تفصح عن اطلاع واسع، وكثرة مراجع اعتمد عليها، وقد قسّمت المصادر التي اعتمدها المؤلف إلى نوعين: النوع الأوّل مصادره من الأعلام الذين ذكرهم في كتابه، وليس على سبيل الحصر، والنوع الثاني مصادره من الكتب التفسيريّة واللغويّة وغيرها. أولا-الأعلام الذين أكثر من النقل عنهم: أ-أئمة التفسير والحديث: ١ - الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ (ت ٣٢ هـ). ٢ - الصحابي الجليل أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ (ت ٥٧ هـ). ٣ - أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ (٥٨ هـ). ٤ - التابعي العلامة مجاهد بن جبر المكي (١٠٣ هـ). ٥ - الحسن البصري (١١٠ هـ). ٦ - قتادة بن دعامة السدوسي (١١٧ هـ). ٧ - إسماعيل بن عبد الرحمن السدي (١٢٧ هـ). ٨ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي (١٨٢ هـ). ب-أئمة اللغة والنحو: ١ - أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء (٢٠٧ هـ). ٢ - أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢١٣ هـ). ٣ - عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (٢٧٦ هـ). ٤ - إبراهيم بن السرّي الزجاج (٣١١ هـ). ٥ - إبراهيم بن عرفة الشهير بنفطويه (٣٢٣ هـ). وثمة أعلام آخرون لم يكثر النقل عنهم، منهم: ١ - أبو عمرو بن العلاء الحضرمي (١٥٤ هـ). ٢ - النضر بن شميل (٢٠٣ هـ). ٣ - محمد بن المستنير الشهير بقطرب (٢٠٦ هـ).

стр. 832

٤ - أحمد بن يحيى الكوفي الشهير بثعلب (٢٩١ هـ). ٥ - محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ). ٦ - أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (٣٢١ هـ). ثانيا-مصادره من الكتب: ثمة كتب كثيرة أخذ عنها المؤلّف رحمه الله تعالى، لكنّه لم يصرح إلا بما ندر من هذه الكتب، ولكن بعد التحقيق، والرجوع إلى هذه الكتب تبيّن أنّه يعتمد على كثير من الكتب منها: أ-كتب التفسير: ١ - تفسير ابن عباس (٦٨ هـ). ٢ - تفسير مجاهد: للإمام مجاهد بن جبر المكي (١٠٢ هـ). ٣ - تفسير الطبري: للإمام محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ). ٤ - تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين: للإمام عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي ابن أبي حاتم (٣٢٧ هـ). ب-كتب تفسير غريب القرآن: ١ - تفسير غريب القرآن: ابن قتيبة الدينوري (٢٧٦ هـ). ٢ - الغريبين في القرآن والحديث: للعلامة أبي عبد الرحمن أحمد بن محمد الهروي صاحب الأزهري (٤٠١ هـ). وهو من الكتب التي اعتمد عليها كثيرا جدّا في تفسيره الكلمات والآيات، وكذلك النقولات عن بعض الأئمة في اللغة والتفسير. ج-كتب الحديث: ١ - صحيح البخاري: للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (٢٥٦ هـ). ٢ - صحيح مسلم: للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت ٢٦١ هـ). ٣ - سنن أبي داود: للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (٢٧٥ هـ). ٤ - سنن ابن ماجه: للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه (٢٧٥ هـ). ٥ - سنن الترمذي: لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (٢٧٩ هـ). ٦ - سنن النسائي: للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النّسائي (٣٠٣ هـ). د-كتب السيرة: ١ - السيرة النبوية: للإمام أبي محمد عبد الملك بن هشام المعافري (٢١٣ هـ). ٢ - دلائل النبوة: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠ هـ). هـ-المعجمات: ١ - مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن بن فارس بن زكريا (١٧٠ هـ). ٢ - تهذيب اللغة: لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (٣٧٠ هـ).

стр. 833

المآخذ على الكتاب ١ - عدم وجود مقدمة في الكتاب، ممّا جعل هناك صعوبة في فهم منهجه. ٢ - اختصاره في بعض المواضع إلى حدّ الإخلال، وتوسّعه في مواضع أخرى إلى حدّ الإطالة المملّة. ٣ - أورد كثيرا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولم ينبّه عليها، خاصّة ما يتعلّق بأسباب النزول. ٤ - ذكره للإسرائيليات بشكل كبير، ممّا أخرج الكتاب، في بعض الأحيان، من كونه تفسيرا إلى كتاب تاريخي، أو كتاب قصص. ٥ - إقلاله من ذكر المصنّفات التي أخذ عنها، والاكتفاء بذكر اسم من ينقل عنه من المفسرين والنحويّين واللغويّين وغيرهم، وأحيانا لا يذكر حتى اسم من يأخذ عنه. ٦ - عدم اهتمامه بالقراءات القرآنية.

стр. 834

الفصل الأوّل منهج المؤلف في «درج الدرر» ويتضمن أربعة مباحث: المبحث الأول: التفسير بالمأثور. المبحث الثاني: عنايته بعلوم اللغة. المبحث الثالث: عنايته بعلوم القرآن. المبحث الرابع: متفرقات.

стр. 835

المبحث الأول التفسير بالمأثور المطلب الأول تفسير القرآن بالقرآن عند ما يقبل العالم على تفسير كتاب الله تعالى، فإنّ عليه في المقام الأوّل أن ينظر في آيات القرآن الكريم نفسها، لأنّ آيات القرآن الكريم يفسّر بعضها بعضا، ويوضّح بعضها الآخر، فإنّ القرآن الكريم قد اشتمل على الإيجاز والإطناب، والإجمال والتبيين، والإطلاق والتقييد، والعامّ والخاصّ، وما أوجز في مكان فقد بسط في مكان آخر. وكذلك نجد في قصص القرآن تأتي القصة في مكان مختصرة، ثمّ تفصّل في موضع آخر، وقد يذكر في مكان جزء منها لا يذكر في المكان الآخر، فعندما تجمع الآيات تعطي صورة واضحة لهذه القصّة أو تلك. يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إنّ أصحّ الطرق في ذلك: أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فإنّه قد فسّر في مكان آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر» (١)، فهو كتاب الله تعالى المعجز، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٨٢) [النساء:٨٢]. فإذن ينبغي على المفسّر عند ما يفسّر آية من القرآن أن يستذكر الآيات الأخرى في موضوعها ويستحضرها، فقد يحتاج إلى بعضها، لتوضيح معنى الآية التي هو بصددها. وهذا يتطلّب منه أن يكون متمكّنا من القرآن الكريم، وتعبيره عن الموضوع الواحد في عدّة سور، إذ إن من طبيعة القرآن في عرض موضوعاته أنّه لا يعرض الموضوع الواحد في موضع واحد، وسورة واحدة، وإنّما يوزّعه على سور ومواضع متعددة، لحكم تربوية وتشريعية،. . . . ونجد المؤلّف رحمه الله تعالى قد اهتمّ بهذا النوع من التفسير كثيرا، واعتمد عليه اعتمادا كبيرا، فقد أكثر من ظاهرة الاستشهاد بالآيات الكريمة لبيان معاني القرآن الكريم، وقد نوّع أساليبه على أشكال متعددة منها: ١ - يفسّر آية بآية أخرى: ففي تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ [النحل:٧٩]، يفسّرها بالهواء، ويقول: «مجملة تفسيرها: ﴿صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك:١٩]» (٢). وعند

стр. 836

تفسيره قول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] يقول: «هم اليهود؛ لقول الله تعالى: ﴿فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠]. ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]: النصارى؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]». (١) ٢ - استشهاده على معنى كلمة بآية: مثال ذلك عند تفسيره كلمة ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران:١٤]، فبعد أن فسّرها بالراعية، يستشهد على هذا المعنى بقول الله تعالى: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل:١٠]. وعند بيانه لمعنى (التظاهر) في قول الله تعالى: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة:٨٥]، يقول: «تعاونون عليهم، قال الله تعالى: ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص:٤٨]». (٢) ٣ - يستشهد بآية في معرض حديثه عن القضايا النحويّة: ففي قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ [آل عمران:١٢٢]، يقول: «و ﴿إِذْ:﴾ بدل عن ﴿إِذْ﴾ الأوّل، لاتّحاد وقتهما، كقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠]». (٣) وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة:١٩] يقول: «أو هاهنا للعطف، كقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان:٢٤]». (٤) ٤ - في تفسيره لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]، يستشهد بقول الله تعالى: ﴿مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ على أنّ (كان) في (كنتم) هي زائدة، كما في الآية الأخرى. (٥) ٥ - يشابه بين حالين في آيتين من حيث المعنى: فعند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ [النساء:٧٨]، يقول: «إخبار عن بعض المنافقين، تشاءموا بالنبيّ ﷺ وقالوا: نقص بقدومه غلاّتنا، وغلت أسعارنا، وهو قريب من قصّة آل فرعون، ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ﴾ الآية [الأعراف:١٣١]». (٦) فشابه بين حال المنافقين في عهد النبيّ ﷺ وحال بني إسرائيل في معاملة نبيّهما ﵉. ٦ - يستشهد بالآية على معنى بلاغيّ: ففي قوله تعالى: ﴿الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧] يبين أن معنى هذا هو السفيه الجاهل، فيستشهد بقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، (٧) فخرج بهذا من المعنى الظاهر إلى المعنى المجازيّ في الآيتين.

стр. 837

٧ - يستشهد بأكثر من آية مؤيّدا قولا ذهب إليه: ففي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا﴾ [يوسف:١٥]، فيقول عن الواو: إنّها مقحمة، فيؤكّد ذلك بأنّها كما في قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر:٧٣]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (١٠٣) [الصافات:١٠٣]. (١) ٨ - يستشهد بالآية ليرجّح رأيا على آخر: يقول عن (ما) في ﴿(إِنَّما)﴾ في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، إنّ (ما) هنا كافّة، إذ لو كانت بمعنى (الذي) لكان ﴿أُجُورَكُمْ﴾ بالرفع، ولكان قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ من الصلة، والصلة لا تنفك عن الموصول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ [يس:١١]، ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ﴾ [فاطر:٢٨]، ﴿إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ [النّحل:٩٢]. (٢) المطلب الثاني تفسير القرآن بالسنة تأتي هذه المرحلة بعد المرحلة الأولى التي هي تفسير القرآن بالقرآن، والسنّة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وهي موضّحة للقرآن الكريم. يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة، فإنّها شارحة وموضّحة له، بل قد قال الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ: (كلّ ما حكم به رسول الله ﷺ ، فهو ممّا فهمه من القرآن). قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ (١٠٥) [النساء:١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦٤) [النحل:٦٤]، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «ألا إنّي أوتيت القرآن ومثله معه». (٣) والغرض: أنّك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنّة». (٤) وعلى المفسّر أن يكون حذرا في اعتماده على أحاديث رسول الله ﷺ ، وذلك أن يأخذ بالصحيح الثابت منها، ويترك الضعيفة والموضوعة، فينزّه تفسيره عنها. ومؤلف درج الدرر رحمه الله تعالى اعتمد اعتمادا كبيرا على السنّة النبويّة المطهّرة ليفسّر بها القرآن الكريم، وبأوجه مختلفة ومتنوّعة، موليا اهتمامه لهذا النوع من التفسير، لكنّه لم ينقّح الأحاديث التي أوردها في هذا التفسير، فنجده يروي الأحاديث الصحيحة الثابتة، والأحاديث

стр. 838

الضعيفة، بل والموضوعة كذلك. والملحوظة العامّة المهمّة أنّه لا يذكر إسناد الحديث، فيكتفي بذكر المتن، ولا يذكر درجة الحديث أو مصدره من كتب الحديث، وقد يعتمد في تفسيره لآية على حديث ضعيف أو موضوع، فيبني عليه آراء معيّنة، مستندا في ذلك على ما أورده من قول الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، مبرّرا استشهاده بهذه الأحاديث الضعيفة، فعن أحمد بن حنبل قال: إذا روينا عن رسول الله في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا في الأسانيد، وإذا روينا في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد. (١) وأظنّ أنّ الإمام أحمد لم يرد بهذه المقولة الأحاديث الضعيفة المتهالكة التي لا تجبّر، أو الأحاديث الموضوعة المختلقة على النبيّ ﷺ ، ولكنّه أراد الأحاديث التي يمكن أن تجبر بغيرها سواء بالمتابعة أو الشواهد، فهذا القول ليس مبرّرا أن يورد هذه الكثرة من الأحاديث الضعيفة والضعيفة جدّا والموضوعة، وهذه آفة كثير من المفسرين. ونجد أنّ أسلوبه في ذكر الأحاديث النبويّة المطهّرة في التفسير جاء على النحو الآتي: ١ - يذكر الحديث بشكل مباشر لمعنى الآية، إذ يذكر الآية في ضمن الحديث، والمثال عليه: في سورة هود ﵇ يقول: «عن أبي موسى، عنه ﵇: أنّ الله تعالى يملي للظّالم، أو قال: يمهل، حتى إذا أخذه لم يفلت، ثم قرأ: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ. . .﴾ الآية [هود:١٠٢]». (٢) ٢ - يستشهد بحديث على معنى استنبطه من معنى آية: مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، يقول: «إنما ذكر الرسول ليعلم أن أوامره شريعة واجبة، وإن لم ينطق بها الكتاب لتقرير الله ذلك بتبقية إعجازه، وقد تواترت الأخبار أنه ﷺ قال: «أوتيت القرآن ومثله مرتين» (٣)». ٣ - يستشهد بحديث على معنى بلاغي، وهو الحذف، في الآية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، يقول: «أي: كعرض السماوات، وإنما حذف لعدم الإيهام، كقوله ﷺ : (الضبع نعجة سمينة) (٤)». ٤ - يستشهد بالحديث على معنى عام يمكن أن يؤخذ من الآية، فبعد أن يعطي معنى (المرابطة) في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] إذ يقول: «والظاهر من الرباط ارتباط الخيل، ولكنه يستعمل في كل ما يلزم ويثبت» فيستشهد بالحديث بقوله: «وفي الحديث: ألا أدلكم ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به

стр. 839

الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء في السّبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرّباط فذلكم الرّباط فذلكم الرّباط» (١)». (٢) ٥ - ويستشهد بحديث على حكم فقهي: فعندما يتحدث عن ميراث البنات حالة الانفراد فإنهن يرثن بالفرض: للابنتين الثلثان، فيقول مستشهدا بما روي من أن سعد بن الربيع استشهد وترك ابنتين وامرأة وعمّا، فورث النبي ﵇ الابنتين الثّلثين والمرأة الثّمن وأعطى الباقي العمّ. (٣) ٦ - يذكر الحديث أو معناه ولا يشير إليه: من ذلك حين فسر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٣٩) [الشورى:٣٩]، قال: «المستبّان ما قالا من شيء فعلى البادئ، حتى يعتدي المظلوم» (٤) وهذا نص حديث للنبي ﷺ ، ولكنه لم يذكر أنه حديث ولم يشر إليه بشيء. ويقول في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا:﴾ نفى كل استطاعة كل العدل بينهن لأنّ الإنسان وإن سوّى بينهنّ في القسم لم يقدر أن يسوّي بينهنّ في الحبّ والمفاكهة والمطايبة، (٥) مشيرا إلى الحديث: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». يعني القلب. (٦) ، وكذلك أشار إلى قول النبي ﷺ : «من نوقش الحساب فقد عذب» (٧)، في معرض بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ [المائدة:٤] ولم يبين أنه حديث. ٧ - يعلل أمرا في الآية بحديث ليزيد من توضيح الآية: فعندما يتحدث عن قول الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١]، يعلل هذا الندم من القاتل بحديث عن النبي ﷺ بقوله: «وإنما لم تنفعه الندامة لقوله ﷺ : (ثلاث لا تقبل توبتهم: إبليس رأس الكفرة، وقابيل رأس القتلة، ومن قتل نبيّا أو قتله نبي) (٨)». (٩) ٨ - يستشهد بأحاديث مرسلة: فمثلا عن ابن المسيب قال: لما نزلت ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ﴾ الآية [الرعد:٦]، قال ﵇: «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا عيش، ولولا وعيده وعقابه لاتّكلّ كل أحد». (١٠) وكذلك في قوله تعالى: ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾

стр. 840

[الحجر:٩٧] يروي حديثا «عن الحسن البصري ﵀ يقول: كان عند النبي ﷺ رجل، فجعل يعرض عليه الإسلام، قال: فقال: والله إنّي لكاره لما تدعوني إليه، قال: «وأنا، والله، لقد كنت كارها له، ولكني أكرهت عليه، إنّ الله بعثني بالرسالة، فضقت ذرعا، ووعدني فيها: لأبلغنّ أو ليعذبنّي». فقال الحسن: فبلّغ، والله، رسول الله حتى عذره الله، فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ (٥٤) [الذاريات:٥٤]». (١) ٩ - يستشهد بأكثر من حديث على معنى الآية: ففي تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]، وبعد ذكر سبب نزول الآية، فإنه يذكر حديثين ليؤكد أن المعنى الآية هو ما جاء في سبب النزول، والحديثان هما: عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن نيّته خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيّته، وكل يعمل على نيته، وليس من مؤمن يعمل عملا إلا سار في قلبه سورتان، فإن كانت الأولى لله، فلا تهدم الآخرة»، والحديث الآخر: عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشريك». (٢) ١٠ - ونجده يذكر أحاديث تدل على معنى واحد ولكن في أماكن مختلفة: فمثلا قسم أحاديث فضل السجود وسجود التلاوة على مواطن كثيرة، فعندما يصل إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (١٥) [الرعد:١٥]، يذكر حديثا عن رسول الله ﷺ : كان رسول الله ﷺ يقول إذا سجد: «سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره» (٣)، وكذلك يورد حديث أبي هريرة ﵁، عنه ﵇ قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار» (٤)، وذلك عند قول الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاِجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]. ١١ - أكثر من الاستشهاد بأحاديث ضعيفة، مثال ذلك: ما روي عن النبيّ ﵇: «إن لربكم نفحات في أيام دهركم، فتعرضوا لها، فعسى أن تدرككم، فلا تشقوا أبدا» (٥)، وذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف:٩٤].

стр. 841

١٢ - يستشهد بأحاديث موضوعة: كما في سورة النور وعند تفسير معنى النور في قول الله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، يورد الحديث القدسي الموضوع: «الشيب نوري»، (١) وكذلك يورد قصة الغرانيق عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨]. (٢) المطلب الثالث التفسير بأقوال الصحابة والتابعين أولا-أقوال الصحابة بعد أن يفسر المفسّر الآية بالآيات الأخرى من القرآن الكريم، ثم بما صح من أحاديث عن النبي ﵇، ينتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي البحث عن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، فإن وجد أقوالا صحيحة عنهم اعتمدها وقال بها في تفسير الآية، فإن الصحابة أدرى الناس بالقرآن؛ لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها عن غيرهم، ولما لهم من الفهم والعلم الصحيح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم ﵃. ويكون اعتماد المفسّر على الصحيح منها، لأن كثيرا من الأقوال لا تصح نسبتها إليهم، وقد يتعارض بعضها مع ظاهر كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ ، فهي كالحديث النبوي الشريف منها الصحيح والضعيف والموضوع. وقد اهتم المؤلف بهذا النوع اهتماما بالغا، إذ نقل من أقوال الصحابة في تفسير كتاب الله تعالى الكثير، وقد اتبع في ذلك أساليب مختلفة، منها: ١ - يفسر آية بقول صحابي: مثال ذلك: «قيل: جاء يهوديّ إلى عمر بن الخطّاب فقال: أرأيت قوله: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ،﴾ الآية [آل عمران:١٣٣]، فقال عمر لأصحاب محمّد ﷺ : أجيبوه، ولم يكن عندهم فيها شيء، فقال: أرأيت النهار إذا جاء يملأ السموات والأرض، قال: بلى، قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله، فقال عمر: والنّار حيث شاء الله، فقال اليهوديّ: والذي نفسك بيده، يا أمير المؤمنين، إنّها لفي كتاب الله المنزل كما قلت» (٣). ٢ - يورد أكثر من قول للصحابة في معنى الآية: في تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٥١]، يذكر عن ابن عباس: أنه الموت يوم بدر. وعن عبد الله بن عمرو: المراد به البعث. (٤) ٣ - يستشهد بقول الصحابي على معنى كلمة نحو: «قيل لعليّ: هلا احترزت من ظهرك؟ قال:

стр. 842

فإذا أمكنت من ظهرك، فلا وألت» (١)، وذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَوْئِلاً﴾ [الكهف:٥٨]. يفسر كلمة بقول صحابي: ومنها ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل:٧٢] «عن ابن عباس قال: البنون: الصغار، والحفدة: ما قد أعان والده على عمله. (٢) وقال ابن مسعود: البنون: الأولاد، والحفدة: (١٨٣ و) الأختان» (٣). ٤ - يستشهد كثيرا جدّا بأقوال ابن عباس ﵄، ولكنه كثيرا ما يذكر قوله عن طريق: الكلي عن أبي صالح عن ابن عباس، والأمثلة عليه كثيرة، منها: عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥]، يقول: «وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن السامري كان من جملة صبيان غيّبهم الآباء والأمهات مخافة أن يذبحهم فرعون، فربّتهم الملائكة، وكان جبريل هو الذي تولى تربية السامري، فكان يمص إبهام يمينه سمنا، والأخرى عسلا ولبنا، فمن ثم عرفه حين رآه، فقبض قبضة من أثره». (٤) ومن المعروف أن رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس من أضعف الروايات وأوهاها، فلا يستشهد بها. ٥ - ويستشهد بقول صحابي على معنى تدل عليه الآية: يروي عن عمر بن الخطاب قوله: لخطيئة أصبتها بمكة أعز عليّ من سبعين خطيئة أصبتها بركبة. (٥) وذلك في معرض تفسيره قول الله تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠]. ٦ - يستشهد بقول صحابي على أهمية سورة: عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ [النور:١]، يروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب: علموا نساءكم سورة النور. (٦) ٧ - يذكر قولين متعارضين لصحابي ويوفق بينهما: ففي تفسيره قول الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٥) [السجدة:٥] يورد قولين لابن عباس في تفسير مقدار اليوم فالقول الأول هو: في يوم من أيام الدنيا، ولو سار أحد من بني آدم لم يسره في ألف سنة. (٧) والقول الثاني هو ما جاء في تفسيره قول الله تعالى ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]: «وعن ابن أبي مليكة قال: مررت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسلّمنا عليه، فقال لصاحبي: من أنت؟ فانتسب له فعرفه فقال: يا أبا العباس، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤) [المعارج:٤]، أيّ يوم هذا؟ فقال:

стр. 843

إنّما سألتك لتخبرني، قال: فهي أيّام سمّاها الله تعالى في كتابه، وهو أعلم بها، أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر ضربة، فجلست إلى سعيد بن المسيّب، سئل عن المسألة، فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما شهدته من ابن عباس؟ ثمّ ذكرته له، فسرّى ذلك عنه، وقال: هذا ابن عباس قد اتّقى أن يقول فيها وهو أعلم منّي». فيقول في سورة السجدة: «وهذه الرواية مخالفة لما سبق عن ابن عباس في هذا الباب، فإن صحت فيحمل: أنه فسّر هذه الآية لتوقيف، أو لدلالة قامت له. ويحتمل: أن ما سبق قوله الأول، وهذا قوله الثاني استفاده من عليّ أو أبيّ أو غيرهما، أو فتح عليه بالإلهام، وأدركته دعوة النبي ﵇: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (١)». يمكن القول بأن المؤلف رحمه الله تعالى قد أكثر بالأخذ بأقوال الصحابة، ولكن لم يمحص هذه الأقوال تمحيصا تامّا، فذكر الصحيح منها والضعيف والموضوع، كما أنه أورد الإسرائيليات على ألسنة الصحابة، التي تجعل القارئ يحذر كثيرا من مثل هذه الأقوال. ثانيا-أقوال التابعين: يعدّ تفسير التابعين من قبيل التفسير بالمأثور، ويشمل التفسير بالمأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نقل عن النبي ﷺ ، وما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما نقل عن التابعين من كل ما هو بيان وتوضيح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم. والواقع أنّ كثيرا من أقوال التابعين في كثير من القضايا التي لا يمكن أن تكون من أقوالهم، وليس للاجتهاد مجال فيها، من مثل أسباب النزول والنسخ وغيرها، فهذه الأقوال لا بد أن تكون قد أخذت من الصحابة رضوان الله عليهم، هذا إن كان التابعي الذي نقل هذا القول ثقة، فلا يمكن أخذه على أنه كذب، وإن لم يكن مورده فيها. والصحيح أنه يكون من المرسل الذي يقع فيه سقط للصحابي، ويكون حكمه كحكم المرسل في المعاملة والأخذ به. (٢) أما ما كان في مجال الاجتهاد والرأي، فالرأي الراجح في ذلك أنه رأي قابل للصواب والخطأ، وإنما يستأنس به في التفسير، لأنهم قد شاهدوا وعايشوا الصحابة الذين بدورهم شاهدوا النبي ﷺ ، وعاصروا التنزيل. وقد نهج مؤلف درج الدرر رحمه الله تعالى نهجا واسعا في الأخذ بأقوال التابعين، وذكر أقوالهم، وأكثر النقل عنهم، سواء ذكر أن هذه الأقوال لهم أو لم يذكر، وقد اتبع الأساليب الآتية: ١ - أقوال يذكر أصحابها: وهي كثيرة وأكثر نهجه على ذلك، وأمثلته كثيرة منها: في تفسير قول الله تعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف:١٠]، يقول: «قتادة

стр. 844

وابن إسحاق: روبيل. مجاهد: شمعون» (١). وكذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢٤) [الحجر:٢٤]، يقول: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ:﴾ القرون الماضية، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ القرون الباقية، عن مجاهد. وهم المسارعون في الخيرات، والمتثاقلون عنها، عن الحسن، وهم من يسلم، ومن لا يسلم، عن سفيان بن عيينة» (٢). ٢ - أقوال لا يذكر أصحابها: بل يذكر على صيغة (قيل)، وهذا أمثلته كثيرة جدا أيضا، ومن هذه الأمثلة: ففي تفسير قول الله تعالى: ﴿هذا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] يقول: «. . . وقيل: هذا ربي بزعمهم، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]. (٣) وقيل: استدراج القوم ليطمئنوا إليها بإظهار الموافقة فيرجعوا برجوعه، ومثله يتصور في الشرع كالتقية، وعن بعض الحواريين نحو هذا. وقيل: إنه قول بظن، والذي من مقدمات اليقين. . .»، وقيل: العجل: الطين، قاله الكلبي وغيره. وفي تفسير قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦] يورد أقوالا عديدة في تفسير هذه الكلمة، فيقول: «وقيل: مصبوب. وقيل: خلق الله تعالى قالبا من سلالة الأرض على صورة آدم. . .» (٤). ٣ - يذكر أقوالا ولا يرجح بينها: ومنه في تفسير (الرياح اللواقح) في قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر:٢٢]، يقول: «التي تحمل الندى، والثرى؛ ليتكون غيوما في أثنائها بإذن الله. وقيل: الملقحات للغيوم، والأشجار. وقيل: هي التي ينتفع بها؛ لما ضمّنها الله تعالى من النفع، بخلاف العقيم، وهي الدّبور. وقيل: اللواقح ريح واحدة، وهي الجنوب وحدها، وإنما جمع على الجنس. وقيل: كل ريح أتى بالمطر النافع، فهي من جملة اللواقح» (٥). فبعد ذكر هذه الأقوال لم يرجح قولا منها، وهذا كثير، كما في الأمثلة على ما سبق. ٤ - يذكر أقوالا ثم يردها أو يرد بعضها: يرد قولا من هذه الأقوال: ومثاله ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]، يقول: «(الإخزاء): الإلجاء. . . وههنا أربعة أقوال أحدها: أنّه لا يدخل المؤمنين النّار وإن ارتكبوا الجرائم، بل يغفر لهم ويشفع فيهم؛ لأنّه تعالى لا يخزي ﴿النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التّحريم:٨]، [أي:] والمؤمنين، وهذا قول فيه مقال. . .» (٦).

стр. 845

المبحث الثاني عنايته بعلوم اللغة المطلب الأول عنايته باللغة يعدّ الاهتمام بمعاني المفردات، وتحقيق الألفاظ القرآنية من أول ما ينبغي أن يشتغل به المقبل على كتاب الله تعالى، فقد نص الراغب الأصبهاني في مستهل كتابه «معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم (١)» على «أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاونين لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه، وليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع، فألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم» ويشكل البيان اللغوي لألفاظ القرآن الرافد الأول المؤدي إلى فهم معاني القرآن الكريم واستيعابه، ولذلك قال الإمام مالك فيما روي عنه: «لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بالعربية إلا جعلته نكالا». (٢) ولقد اهتم المؤلف رحمه الله تعالى بمفردات القرآن الكريم أيّما اهتمام، وهذا واضح بيّن من خلال تفسيره لمعاني الكلمات القرآنية الشريفة التي تحتاج إلى بيان وتوضيح، وذلك ليكون القارئ لكتاب الله تعالى على علم بأصول كلام العرب الذي به نزل القرآن، وليكون أقدر على فهم النصوص التي تتألف من مثل هذه المفردات. وقد كان أسلوبه في توضيح ذلك على الشكل الآتي: ١ - بيان معنى المفردة القرآنية بالاعتماد على آية أو حديث نبوي شريف. ٢ - بيان معنى الآية القرآنية بالاعتماد على الشعر. ٣ - يوضح معنى الكلمة بالاشتقاق. وقد عقدت مبحثا خاصّا لكل من الأنواع السابقة، فلا حاجة للتكرار. ٤ - ينقل أقوال المفسرين واللغويين الذين سبقوه، كالفراء وأبي عبيد وأبي عبيدة وغيرهم ممن سبقوا المؤلف في التأليف في معاني ألفاظ القرآن الكريم، مما جعل المفسر يعتمد عليهم
следующие страницы →