← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

١٢ - يستشهد بأحاديث موضوعة: كما في سورة النور وعند تفسير معنى النور في قول الله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، يورد الحديث القدسي الموضوع: «الشيب نوري»، (١) وكذلك يورد قصة الغرانيق عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨]. (٢) المطلب الثالث التفسير بأقوال الصحابة والتابعين أولا-أقوال الصحابة بعد أن يفسر المفسّر الآية بالآيات الأخرى من القرآن الكريم، ثم بما صح من أحاديث عن النبي ﵇، ينتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي البحث عن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، فإن وجد أقوالا صحيحة عنهم اعتمدها وقال بها في تفسير الآية، فإن الصحابة أدرى الناس بالقرآن؛ لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها عن غيرهم، ولما لهم من الفهم والعلم الصحيح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم ﵃. ويكون اعتماد المفسّر على الصحيح منها، لأن كثيرا من الأقوال لا تصح نسبتها إليهم، وقد يتعارض بعضها مع ظاهر كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ ، فهي كالحديث النبوي الشريف منها الصحيح والضعيف والموضوع. وقد اهتم المؤلف بهذا النوع اهتماما بالغا، إذ نقل من أقوال الصحابة في تفسير كتاب الله تعالى الكثير، وقد اتبع في ذلك أساليب مختلفة، منها: ١ - يفسر آية بقول صحابي: مثال ذلك: «قيل: جاء يهوديّ إلى عمر بن الخطّاب فقال: أرأيت قوله: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ،﴾ الآية [آل عمران:١٣٣]، فقال عمر لأصحاب محمّد ﷺ : أجيبوه، ولم يكن عندهم فيها شيء، فقال: أرأيت النهار إذا جاء يملأ السموات والأرض، قال: بلى، قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله، فقال عمر: والنّار حيث شاء الله، فقال اليهوديّ: والذي نفسك بيده، يا أمير المؤمنين، إنّها لفي كتاب الله المنزل كما قلت» (٣). ٢ - يورد أكثر من قول للصحابة في معنى الآية: في تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٥١]، يذكر عن ابن عباس: أنه الموت يوم بدر. وعن عبد الله بن عمرو: المراد به البعث. (٤) ٣ - يستشهد بقول الصحابي على معنى كلمة نحو: «قيل لعليّ: هلا احترزت من ظهرك؟ قال:

стр. 842

فإذا أمكنت من ظهرك، فلا وألت» (١)، وذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَوْئِلاً﴾ [الكهف:٥٨]. يفسر كلمة بقول صحابي: ومنها ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل:٧٢] «عن ابن عباس قال: البنون: الصغار، والحفدة: ما قد أعان والده على عمله. (٢) وقال ابن مسعود: البنون: الأولاد، والحفدة: (١٨٣ و) الأختان» (٣). ٤ - يستشهد كثيرا جدّا بأقوال ابن عباس ﵄، ولكنه كثيرا ما يذكر قوله عن طريق: الكلي عن أبي صالح عن ابن عباس، والأمثلة عليه كثيرة، منها: عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥]، يقول: «وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن السامري كان من جملة صبيان غيّبهم الآباء والأمهات مخافة أن يذبحهم فرعون، فربّتهم الملائكة، وكان جبريل هو الذي تولى تربية السامري، فكان يمص إبهام يمينه سمنا، والأخرى عسلا ولبنا، فمن ثم عرفه حين رآه، فقبض قبضة من أثره». (٤) ومن المعروف أن رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس من أضعف الروايات وأوهاها، فلا يستشهد بها. ٥ - ويستشهد بقول صحابي على معنى تدل عليه الآية: يروي عن عمر بن الخطاب قوله: لخطيئة أصبتها بمكة أعز عليّ من سبعين خطيئة أصبتها بركبة. (٥) وذلك في معرض تفسيره قول الله تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠]. ٦ - يستشهد بقول صحابي على أهمية سورة: عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ [النور:١]، يروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب: علموا نساءكم سورة النور. (٦) ٧ - يذكر قولين متعارضين لصحابي ويوفق بينهما: ففي تفسيره قول الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٥) [السجدة:٥] يورد قولين لابن عباس في تفسير مقدار اليوم فالقول الأول هو: في يوم من أيام الدنيا، ولو سار أحد من بني آدم لم يسره في ألف سنة. (٧) والقول الثاني هو ما جاء في تفسيره قول الله تعالى ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]: «وعن ابن أبي مليكة قال: مررت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسلّمنا عليه، فقال لصاحبي: من أنت؟ فانتسب له فعرفه فقال: يا أبا العباس، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤) [المعارج:٤]، أيّ يوم هذا؟ فقال:

стр. 843

إنّما سألتك لتخبرني، قال: فهي أيّام سمّاها الله تعالى في كتابه، وهو أعلم بها، أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر ضربة، فجلست إلى سعيد بن المسيّب، سئل عن المسألة، فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما شهدته من ابن عباس؟ ثمّ ذكرته له، فسرّى ذلك عنه، وقال: هذا ابن عباس قد اتّقى أن يقول فيها وهو أعلم منّي». فيقول في سورة السجدة: «وهذه الرواية مخالفة لما سبق عن ابن عباس في هذا الباب، فإن صحت فيحمل: أنه فسّر هذه الآية لتوقيف، أو لدلالة قامت له. ويحتمل: أن ما سبق قوله الأول، وهذا قوله الثاني استفاده من عليّ أو أبيّ أو غيرهما، أو فتح عليه بالإلهام، وأدركته دعوة النبي ﵇: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (١)». يمكن القول بأن المؤلف رحمه الله تعالى قد أكثر بالأخذ بأقوال الصحابة، ولكن لم يمحص هذه الأقوال تمحيصا تامّا، فذكر الصحيح منها والضعيف والموضوع، كما أنه أورد الإسرائيليات على ألسنة الصحابة، التي تجعل القارئ يحذر كثيرا من مثل هذه الأقوال. ثانيا-أقوال التابعين: يعدّ تفسير التابعين من قبيل التفسير بالمأثور، ويشمل التفسير بالمأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نقل عن النبي ﷺ ، وما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما نقل عن التابعين من كل ما هو بيان وتوضيح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم. والواقع أنّ كثيرا من أقوال التابعين في كثير من القضايا التي لا يمكن أن تكون من أقوالهم، وليس للاجتهاد مجال فيها، من مثل أسباب النزول والنسخ وغيرها، فهذه الأقوال لا بد أن تكون قد أخذت من الصحابة رضوان الله عليهم، هذا إن كان التابعي الذي نقل هذا القول ثقة، فلا يمكن أخذه على أنه كذب، وإن لم يكن مورده فيها. والصحيح أنه يكون من المرسل الذي يقع فيه سقط للصحابي، ويكون حكمه كحكم المرسل في المعاملة والأخذ به. (٢) أما ما كان في مجال الاجتهاد والرأي، فالرأي الراجح في ذلك أنه رأي قابل للصواب والخطأ، وإنما يستأنس به في التفسير، لأنهم قد شاهدوا وعايشوا الصحابة الذين بدورهم شاهدوا النبي ﷺ ، وعاصروا التنزيل. وقد نهج مؤلف درج الدرر رحمه الله تعالى نهجا واسعا في الأخذ بأقوال التابعين، وذكر أقوالهم، وأكثر النقل عنهم، سواء ذكر أن هذه الأقوال لهم أو لم يذكر، وقد اتبع الأساليب الآتية: ١ - أقوال يذكر أصحابها: وهي كثيرة وأكثر نهجه على ذلك، وأمثلته كثيرة منها: في تفسير قول الله تعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف:١٠]، يقول: «قتادة

стр. 844

وابن إسحاق: روبيل. مجاهد: شمعون» (١). وكذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢٤) [الحجر:٢٤]، يقول: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ:﴾ القرون الماضية، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ القرون الباقية، عن مجاهد. وهم المسارعون في الخيرات، والمتثاقلون عنها، عن الحسن، وهم من يسلم، ومن لا يسلم، عن سفيان بن عيينة» (٢). ٢ - أقوال لا يذكر أصحابها: بل يذكر على صيغة (قيل)، وهذا أمثلته كثيرة جدا أيضا، ومن هذه الأمثلة: ففي تفسير قول الله تعالى: ﴿هذا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] يقول: «. . . وقيل: هذا ربي بزعمهم، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]. (٣) وقيل: استدراج القوم ليطمئنوا إليها بإظهار الموافقة فيرجعوا برجوعه، ومثله يتصور في الشرع كالتقية، وعن بعض الحواريين نحو هذا. وقيل: إنه قول بظن، والذي من مقدمات اليقين. . .»، وقيل: العجل: الطين، قاله الكلبي وغيره. وفي تفسير قوله: ﴿مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦] يورد أقوالا عديدة في تفسير هذه الكلمة، فيقول: «وقيل: مصبوب. وقيل: خلق الله تعالى قالبا من سلالة الأرض على صورة آدم. . .» (٤). ٣ - يذكر أقوالا ولا يرجح بينها: ومنه في تفسير (الرياح اللواقح) في قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر:٢٢]، يقول: «التي تحمل الندى، والثرى؛ ليتكون غيوما في أثنائها بإذن الله. وقيل: الملقحات للغيوم، والأشجار. وقيل: هي التي ينتفع بها؛ لما ضمّنها الله تعالى من النفع، بخلاف العقيم، وهي الدّبور. وقيل: اللواقح ريح واحدة، وهي الجنوب وحدها، وإنما جمع على الجنس. وقيل: كل ريح أتى بالمطر النافع، فهي من جملة اللواقح» (٥). فبعد ذكر هذه الأقوال لم يرجح قولا منها، وهذا كثير، كما في الأمثلة على ما سبق. ٤ - يذكر أقوالا ثم يردها أو يرد بعضها: يرد قولا من هذه الأقوال: ومثاله ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]، يقول: «(الإخزاء): الإلجاء. . . وههنا أربعة أقوال أحدها: أنّه لا يدخل المؤمنين النّار وإن ارتكبوا الجرائم، بل يغفر لهم ويشفع فيهم؛ لأنّه تعالى لا يخزي ﴿النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التّحريم:٨]، [أي:] والمؤمنين، وهذا قول فيه مقال. . .» (٦).

стр. 845

المبحث الثاني عنايته بعلوم اللغة المطلب الأول عنايته باللغة يعدّ الاهتمام بمعاني المفردات، وتحقيق الألفاظ القرآنية من أول ما ينبغي أن يشتغل به المقبل على كتاب الله تعالى، فقد نص الراغب الأصبهاني في مستهل كتابه «معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم (١)» على «أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاونين لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه، وليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع، فألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم» ويشكل البيان اللغوي لألفاظ القرآن الرافد الأول المؤدي إلى فهم معاني القرآن الكريم واستيعابه، ولذلك قال الإمام مالك فيما روي عنه: «لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بالعربية إلا جعلته نكالا». (٢) ولقد اهتم المؤلف رحمه الله تعالى بمفردات القرآن الكريم أيّما اهتمام، وهذا واضح بيّن من خلال تفسيره لمعاني الكلمات القرآنية الشريفة التي تحتاج إلى بيان وتوضيح، وذلك ليكون القارئ لكتاب الله تعالى على علم بأصول كلام العرب الذي به نزل القرآن، وليكون أقدر على فهم النصوص التي تتألف من مثل هذه المفردات. وقد كان أسلوبه في توضيح ذلك على الشكل الآتي: ١ - بيان معنى المفردة القرآنية بالاعتماد على آية أو حديث نبوي شريف. ٢ - بيان معنى الآية القرآنية بالاعتماد على الشعر. ٣ - يوضح معنى الكلمة بالاشتقاق. وقد عقدت مبحثا خاصّا لكل من الأنواع السابقة، فلا حاجة للتكرار. ٤ - ينقل أقوال المفسرين واللغويين الذين سبقوه، كالفراء وأبي عبيد وأبي عبيدة وغيرهم ممن سبقوا المؤلف في التأليف في معاني ألفاظ القرآن الكريم، مما جعل المفسر يعتمد عليهم

стр. 846

كثيرا، وينتفع منهم، وينقل الكثير من أقوالهم، سواء ذكر أنّ هذه الأقوال لهم، أم لم يذكر ذلك، بل حتى إنه لا يشير إليهم بمجرد إشارة، وكانت طريقته على النحو الآتي: أ-ينقل الأقوال مبينا أصحاب الأقوال: فمثلا عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ [الرعد:١٧]، ينقل أقوال العلماء، فيقول: «قال أبو عمرو بن العلاء: أجفأت القدر، إذا غلت فعلاها الزبد، فإذا سكنت لم يبق منه شيء. وقال أبو عبيد الهروي: جفا الوادي، وأجفأ: إذا ألقى غثاء على جانبيه، وأجفأت القدر: إذا ألقت زبدها» (١). ب-ينقل أقوال العلماء، ولا يبين أصحاب الأقوال، وإنما يذكر أن هذه الأقوال ليست له بل هي أقوال لغيره بقوله: «قيل». والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ففسره هو بأنه الصك يطوى، ثم جاء بقول غير منسوب لأحد، لكنه بيّنه بأنه منقول عن أحدهم، فقال: «وقيل: السجل: الوراق الكاتب» (٢). ج-يذكر معاني للكلمات وهي أقوال لعلماء سابقين له وموجودة في كتبهم من غير أن يشير إلى ذلك، وأمثلتها كثيرة، ومنها ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ [هود:٦١]، فيقول: «ويحتمل من قوله: أعمرته الدار، أي: جعلتها له مدة عمره، وهي العمرى» (٣)، وهذا القول بنصه تقريبا في كتاب الغريبين لأبي عبيد، لكنه لم يشر إلى ذلك. وكذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَوْزِعْنِي﴾ [النمل:١٩]، يقول: «ألهمني واجعلني مولعا بشكرك وبالعمل الصالح، وفي الحديث: «كان موزعا بالسواك»، أي مولعا به» (٤). وهذا القول موجود بنصه في كتاب الغريبين (٥)، وغريب القرآن لابن قتيبة (٦). وقد انتقيت هذه الأمثلة لأنه استشهد بأقوال أصحابها كثيرا، وذكر أنها لهم، وأخذ عنهم أقوالا كثيرة من غير أن يذكر أنها لهم. المطلب الثاني عنايته بالنحو الألفاظ قوالب المعاني، والمعاني تتغير تبعا لتغير حركات الإعراب، فالموقع الإعرابي للكلمة يحدد معنى السياق اللغوي، ومن عناية المؤلف رحمه الله تعالى بالعربية، اهتمامه بالإعراب في تفسير كلمات القرآن، وقد جاءت عنايته بالشكل الآتي:

стр. 847

أ-يذكر وجها إعرابيا واحدا: ومنه ما جاء في إعرابه كلمة (قتال) في قول الله تعالى: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فيقول: «مكسور على طريق بدل الاشتمال»، ثم يعرّف بدل الاشتمال بأنه: «هو إبدال حال الشيء أو ما يجري مجراه منه». (١) ب-يذكر أكثر من وجه إعرابي للكلمة: ومن هذا النوع ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [هود:٥٩]، فيقول: ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿عادٌ﴾ خبرها، والتقدير تلك الأمة عاد. وقيل: ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿عادٌ﴾ كالبدل عنه، والخبر ﴿جَحَدُوا،﴾ أي: أنكروا» (٢). وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود:١١]، يقول: «إن كان المراد بالإنسان: عبد الله بن أمية المخزومي، أو رجلا معيّنا مثله فالاستثناء منقطع، وإن كان المراد به: الجنس، فالاستثناء متصل؛ لأنه مستثنى من مثبت» (٣). ج-وفي قول الله تعالى: ﴿وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النحل:١٣]، ذكر محل إعراب ما الموصولة، فيقول: «في محل النصب عطفا على ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ [النحل:١٢]، وقيل: في محل الخفض عطفا على قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ [النحل:١٢]، وقيل: في محل الرفع بالابتداء، وخبره الجملة» (٤). د-وفي حديثه عن قول الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ [النساء:١٧٠]، يذكر خلافا بين البصريين والكوفيين، فيقول: «نصب على القطع عند الكوفيين، وعلى المحل عند البصريين، فكأنك قلت: ائت خيرا» (٥). وقد يذكر رأي أحدهما من غير ذكر رأي الآخر، فمثلا عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء:١٧٦]، قال: «لئلا تضلوا، حذف للاكتفاء، وعند البصريين: كراهة أن تضلوا» (٦). وكأنه يقول: إن الرأي الأول هو رأي الكوفيين الذي يتبناه، وخالفهم البصريون الذين قالوا القول الثاني. وكذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة:٩٠] يقول: «(بئس) و (نعم) فعلان ماضيان مثل: لعب وشهد فمنعا الصرف، وكلّ واحد منهما يقتضي اسمين غالبا، ويكون الأوّل عامّا لعموم المدح والذّمّ، والثاني خاصّا لأنّ المقصود مخصوص، ثمّ الاسم الأوّل إمّا اسم جنس فيرتفع بالفعل، وإمّا نكرة فينتصب على التفسير، والاسم الثاني مرفوع

стр. 848

أبدا؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف، والاسم الأوّل ههنا: ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ والثاني: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا،﴾ وهذا قول البصريّين. وعند الكوفيّين هما حرفان يشبهان الفعل، وفيهما معنى الصّفة، والدليل على كونهما حرفين لزومهما صورة واحدة في التذكير والتأنيث والجمع والخطاب والحكاية عن النفس والغائب، ولأنّهما لو كانا فعلين لدخلهما (قد)، والدليل على أنّهما يشبهان الأفعال جواز قولك: بئس وبئست، ونعم ونعمت، والدليل على أنّ فيهما معنى الصفة استقلال قولك: بئس الرجل زيد، ونعم الرجل عمرو، وأيّ مذموم زيد ومحمود عمرو، وعلى هذا (ما اشتروا به أنفسهم) ههنا اسم، و (الكفر) مشترى به، و (الأنفس) مشترى لها فانتصب بنزع الخافض» (١). في هذا انتصار للمذهب الكوفي. هـ-استعماله لمصطلحات الكوفيين خلال إعرابه لكثير من الكلمات والأمثلة عليها كثيرة، منها: ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ [هود:٦٤]، إذ يستعمل مصطلح «نصب على القطع» (٢). وكذلك استعماله لمصطلح (العماد)، مثاله: عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ﴾ [الكهف:٣٩]، إذ يقول: «(أنا): عماد» (٣). وكذلك استعماله لمصطلحات أخرى مثل: التفسير (٤)، والنعت (٥)، والنسق (٦)، والجحد (٧)، والكناية (٨). و-اهتم في بعض الأماكن بتعريف أدوات الاستفهام، ومن الأمثلة عليها: في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١١٥) [البقرة:١١٥] يقول: «(أين) استفهام عن المكان، فإذا اتصلت ب (ما) صارت للشرط، وعمت الأماكن عموم (أيّ)، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:٧٨]، ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة:١٤٨]». (٩) وفي تفسيره قول الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ﴾ [البقرة:٩١] يقول: «و (لم) أداة لطلب الحجّة، وهو في الأصل (لماذا)، وتقديره: لأجل أيّ شيء ذلك الفعل وذلك القول، ونظيره في الاختصار: (عمّ) و (ممّ)». (١٠)

стр. 849

تناوب الحروف «وهذا الباب في العربية دقيق المداخل والمخارج، يفضي إلى غير قضية. وهو باب يمسك النحاة منه بطرف وأهل البيان بطرف، لأنه باب يسلط فيه النظر على المبنى والمعنى. وللعلماء فيه مذاهب شتى، ودروب متباينة، وتأويلات مختلفة، ولكنه، على ما فيه من عناء، ممتع شائق لطيف، لأن النظر فيه عمل من إعمال العقل، تنقدح الحقائق للناظر فيه بعد طول تأمل، وإمعان نظر، وبعد نفاذ في بواطن المسائل، وتجاوز الظاهر المكشوف الخفي المستتر.» (١) ومعاني الحروف من أعمال اللغوي الباحث عن دلالات الألفاظ المفردة، وإنما احتفى بها النحاة، وأفردوا لها كتبا؛ لأن الحروف روابط التركيب، وعلى التركيب ينصب عمل النحوي. وفي بعض كتب النحو نرى أن النحاة يسوقون معاني الحروف، ومنها حروف الجر أو الإضافة أو الصفات. (٢) فالعلماء في تناوب الحروف على رأيين: فالبصريون لا يجيزون وقوع بعض الحروف موقع بعضها الآخر، والكوفيون يجيزون ذلك. ويبدو أن تأدية الحرف معنى حرف آخر، عند الكوفيين، تأدية حقيقية لا مجازية، وإلا فما معنى التنويع في معاني الحرف الواحد؟ وما معنى أن يكون للحرف الواحد عدة معان؟ (٣) وكأن المؤلف ﵀ قد تبنّى رأي الكوفيين في هذه المسألة، فنجده كثيرا ما يخرج الحرف إلى معنى حرف آخر، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا في تفسيره، وأحاول أن أوضح طريقته على الشكل الآتي: ١ - تناوب (أو): تكون بمعنى (الواو)، كما في قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، فجعلها هو بمعنى (الواو)، ونقل قول غيره بأنها بمعنى (بل)، وسوّغ قوله: إنها بمعنى (الواو) بقوله: «إلا أنه في مثل هذا الموضع لاستدراك الصواب بالأصوب» (٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:٢٠٠]، جعل (أو) بمعنى (بل)، ونقل قولا بأنها بمعنى (أو) (٥)، أي: عكس سابقتها. ٢ - تناوب (ثم): فقد جعلها بمعنى (الواو)، وذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة:١٩٩]، وشبهها بالآية الأخرى من سورة يونس قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس:٤٦]. (٦) ٣ - تناوب (على): ومثال ذلك ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا﴾

стр. 850

﴿الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فقال: «(على) بمعنى (في)» (١)، وكذلك في قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى﴾ [النور:٦١]، إذ ينقل قول الفرّاء بأنّ (على) مكان (في) (٢)، فيكون المعنى على هذا الرأي: ليس في الأعمى حرج، ولا في الأعرج حرج. ٥ - تناوب (الباء): جعل (الباء) في قول الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ﴾ [آل عمران:١٥١]، بمعنى (مع). (٣) وفي قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] جعل (الباء) بمعنى (عن) نقلا عن النضر بن شميل، فيكون معناها كما يقول: «عن ربهم يعرضون وينحرفون» (٤). وكذلك في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٩]، (٥) وقول الله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (١) [المعارج:١]، جعل (الباء) مكان (عن)، وذلك في معرض تفسيره قول الله تعالى: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود:٥٣]. ٦ - تناوب اللام: ففي الآيتين الكريمتين: ﴿هَدانا لِهذا﴾ [الأعراف:٤٣]، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٥) [الزلزلة:٥]، جعل معنى (اللام) (إلى) (٦). كما نجده ينقل عن الفراء والكسائي: بأن معنى اللام هو (أن) وذلك في قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٦]، وذكر أنها بهذا المعنى في قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقول الله تعالى: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام:٧١]، وغيرها، وقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ [الصف:٨]. (٧) وكذلك في قول الله تعالى: ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد:٢٥] يقول: «عليهم اللعنة، و (اللام) مكان (على)» (٨). ٧ - تناوب (الفاء): ومثالها ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً﴾ [الأعراف:٤]، إذ يقول: «(الفاء) بمعنى (الواو)» (٩). وكذلك في قول الله تعالى: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء:٥٦]، إذ يقول: «جواب شرط مضمر، أو هي جملة معطوفة على ما مضى، و (الفاء) بمعنى (الواو)» (١٠).

стр. 851

المطلب الثالث عنايته بالبلاغة البلاغة القرآنية هي روح المعاني، في جوانبها دلائل الإعجاز، وفي ميدانها يتسابق المتسابقون، فأعرف الناس بالبلاغة أكثرهم فهما لكلام الله تعالى، وما آمن العرب الفصحاء البلغاء إلا لطول باعهم، وعلوّ كعبهم في بلاغة الكلام. واعتنى المؤلف بفنون البلاغة، واستند إليها في بيان معاني الآيات، ويشمل ذلك موضوعات: علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع، وإليك التفصيل والأمثلة: أولا-علم المعاني: ويشمل: أ-أسلوب التعريف: من الأساليب البلاغية التي تقتضيها أحوال المخاطبين، ويقصدها المتكلم، ولها من الأسرار التي تضفي على الكلام روعة وجمالا لا يحدثه غيابهما. (١) ١ - التعريف ب (أل) التي تفيد الجنس: ومثالها ما جاء في تفسير قول الله تعالى: قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ﴾ [البقرة:٧٤]، إذ يقول: «الألف واللام في ﴿كَالْحِجارَةِ﴾ لاستغراق الجنس». (٢) وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة:١١٠] يقول: والألف واللام في (الصلاة) و (الزكاة) للجنس. (٣) ٢ - التعريف ب (أل) لإفادة العهد: ففي تفسيره قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة:١٣٢] يقول: «والألف والام في (الدين) للمعهود لا للجنس». (٤) وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٥١] يقول: «وقيل: الألف واللام للمعهود». (٥) ٣ - التعريف بضمير الشأن والقصة: وفائدته الدلالة على تعظيم المخبر عنه وتفخيمه بأن يذكر أولا مبهما ثم يفسر. (٦) والمثال عليه ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ﴾ [هود:٣٦] إذ يقول في الضمير في قوله: ﴿أَنَّهُ:﴾ «الهاء ضمير الأمر والشأن» (٧). وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ﴾

стр. 852

﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ [البقرة:٨٥] يقول: «وقيل: هو ضمير الأمر والشأن». (١) ب-التقديم والتأخير: وهو باب من أبواب البلاغة قال عنه عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز (٢): «هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعة، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء، وحول اللفظ عن مكان إلى مكان»، والمؤلف رحمه الله تعالى وقف مع بعض آيات الكتاب الكريم مبينا ما فيها من أسرار أسلوب التقديم والتأخير مشتملا على أمرين: الأمر الأول: التنبيه على وجود تقديم وتأخير، وبيان أسراره في الآية. الأمر الثاني: الاكتفاء بالإشارة إلى وجود هذا الأسلوب في الآية الكريمة متخذا منه وسيلة لفهم المعنى من غير تعقيب. والأمثلة عليه كثيرة منها: فمن النوع الأول: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٣] إذ يقول: «وإنما قدم الاستغفار على التوبة لأن الإنسان يستقبح الشر ويعرض عنه مستغفرا، ثم يستفتح الخير ويقبل عليه مستوفيا» (٣). وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥]، إذ يقول: ﴿خاسِئِينَ﴾ متباعدين على الذلّ والصّغار، وتقديره: خاسئين قردة، وإلا يقال قردة خاسئة، لكن التقديم لوفق رؤوس الآي». (٤) وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ﴾ [الكهف:١ - ٢]، يقول: «وفيها تقديم وتأخير، تقديرها: أنزل على عبده الكتاب قيّما، ولم يجعل له عوجا» (٥). وكذلك في قوله تعالى: ﴿رَسُولاً نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١]، يقول: «على التقديم والتأخير، لاعتبار نظم الآي، ومعناه أنه كان نبيّا رسولا» (٦). ومن النوع الثاني: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور:٢٧] يقول: «وفيه تقديم وتأخير، أي: حتى تسلموا وتستأنسوا» (٧). وعند قوله تعالى: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] يقول: «وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره:

стр. 853

ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور إذا أخرج يده لم يكد يراها» (١). ج-أسلوب الحذف: وهو نوع من أنواع الإيجاز، فالحذف إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام، والفائدة منه أنه تذهب فيه النفس كل مذهب. ومثال ذلك: ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] إذ يقول: «أي: كعرض السماوات، وإنما حذف لعدم الإيهام». (٢) وكذلك في قوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥] فيقول: «وقيل: يخوف بأوليائه». (٣) فحذف حرف الجر. وفي قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ﴾ [الرعد:٣٣] يقول: «حذف جوابه اكتفاء؛ لأنه يدل على الخبر بصفته، تقديره: أفمن هذه صفته كمن ليست هذه صفته، أو: أفمن صفته خير أحقّ بأن يعبد أم من ليست هذه صفته» (٤). وفي قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، يقول: «وقيل: الله جاعل نور السماوات والأرض، حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه» (٥). د-معاني الأمر: تعريف الأمر: هو طلب الفعل على جهة الاستعلاء. (٦) وقد استطاع المؤلف أن ينظر إلى صيغة الأمر في القرآن الكريم، ويحدد مطلوبها وفق سياقها مبرزا أهم معانيها التي تدل عليها، ويقول المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهر الأمر يقتضي الوجوب، ولكن يمكن أن يخرج الأمر إلى غير الوجوب، «ولفظ (افعل) يحتمل عشرة معان: (٧) ١ - الإيجاب، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة:٤٣]. ٢ - الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]. ٣ - الإباحة، كقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠]. وفي قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ [الحج:٣٦]، يقول: «أمر إباحة، وهو عام في كل بدنة. . .». ٤ - الإعجاز، كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣].

стр. 854

٥ - التهديد، كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠]. وكذلك في قوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ﴾ [هود:٩٣] يقول: «فقال على سبيل التهديد» فذكر الآية. ٦ - السؤال، كقوله تعالى: ﴿وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا﴾ [البقرة:٢٨٦]. ٧ - الندب، كقوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣]. ٨ - الحث على الاعتبار، كقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف:٢٥]. ٩ - الإكرام، كقوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:٤٩]. ١٠ - الامتنان، كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ [الملك:١٥]. ثم يقول: «والظاهر من الجميع الإيجاب، وإنما يحمل على غيره بدليل، ثم هذا اللفظ يكون أمرا لمن هو دونه في الرتبة لصيغته». ١١ - وخلال حديثه عن قول الله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ﴾ [الإسراء:٤٨] يقول: «أمر على سبيل التعجب» (١)، فزاد هنا نوعا آخر من خروج الأمر عن حقيقته. هـ-أسلوب الاستفهام: أسلوب الاستفهام من الأساليب البيانية العظيمة التي عني بها القرآن عناية كبيرة لكونه وسيلة مهمة في إيصال الأفكار والأهداف، وتثبيت المفاهيم والاتجاهات، فهو أسلوب تربوي ناجح في زرع الفكرة أو المعلومة لدى المخاطب بأسلوب فائق لا تعقيد فيه؛ لأنه أوقع في النفس، وأدل على الإلزام، وهو في الحقيقة الاستخبار عن الشيء الذي لا علم لنا به. ولقد وقف المؤلف رحمه الله تعالى أمام هذا الأسلوب، وكشف عن معانيه وأغراضه بعبارة مختصرة دالة على المقصود، ومن أبرز هذه الأغراض: ١ - التقرير: ومعناه حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده. (٢) ومثاله ما جاء في قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [البقرة:٢١١] يقول: «وفائدة السؤال تذكيرهم حالتهم الأولى وتقرير الأمر عند من لا يؤمن بالتنزيل». (٣) وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ [آل عمران:١٣٥] يقول: «استفهام بمعنى التقرير». (٤) ٢ - الاستفهام الإنكاري: ومعناه النفي، والمقصود منه هو الإنكار على المخاطب فعل أمر قام به في الماضي أو يمكن أن يحدث في المستقبل. والمثال عليه ما جاء في قول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾

стр. 855

[الإسراء:٦٢] إذ يقول: «استفهام بمعنى الإنكار» (١). وكذلك في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ [البقرة:٢٨]، فيقول: «استفهام بمعنى الإنكار». (٢). وقد يخرج الاستفهام إلى معان أخرى غير التقرير والإنكار، ومن هذه المعاني التي ذكرها المؤلف ما يأتي: ٣ - الإثبات: فعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ [البقرة:١٠٧] يقول: «بمعنى الإثبات، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، قال جرير (٣) [من الوافر]: ألستم خير من ركب المطايا ... أندى العالمين بطون راح» (٤) ٤ - الزجر والإنكار: ففي تفسيره قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنا﴾ [البقرة:١٣٩] يقول: «استفهام بمعنى الزجر والإنكار». (٥) ٥ - النفي: ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] إذ قال: «استفهام بمعنى النفي، كقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]». (٦) ٦ - الأمر: كما في قوله تعالى: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران:٢٠]، فيقول: «بمعنى الأمر، كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود:١٤]، و ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصّافّات:٥٤]» (٧). وكذلك في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:٣٩] إذ يقول: «استفهام بمعنى الأمر» (٨). ٧ - البيان لموضع التعجب: وذلك كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً﴾ [آل عمران:٨٦] إذ يقول: «استفهام بمعنى البيان لموضع التعجب». (٩) ٨ - النهي والإنكار: كما في قوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ [النساء:٢٠]، يقول: «استفهام بمعنى النهي والإنكار». (١٠) ٩ - اللوم والتقريع: فيقول عند قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ [النحل:٣٣]: «استفهام بمعنى اللوم والتقريع» (١١).

стр. 856

و-أسلوب التكرار: عند تفسير المؤلف رحمه الله تعالى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة:٩٢] يقول: «والتكرار ربما اتصل بزيادة فائدة، وربما لم يتصل، وفيما يتصل ثلاثة أنواع: أحدها: مثل هذا، إذ الأولى لإلزام الحجة وتذكير النعم بدلالة أنه أتبعها: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا﴾ [البقرة:٥٢]، والثانية: لتكذيبهم في دعواهم بدلالة قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:٩١]. والنوع الثاني: مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ وقال في موضع: ﴿وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٦٣]، وقال في الموضع الثاني: ﴿وَاِسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ [البقرة:٩٣]، وكلّ واحدة من الآيتين تتضمّن من المعنى ما لا تتضمّنه الأخرى لا محالة. والثالث: وصف الجنة والنار، وفائدة التكرار: تجديد الحث والإنذار. وما لا يتصل بفائدة نوع واحد، وهو ما يوجد في سورتين. والوجه في الأنواع الثلاثة أنّ تضمّن الفوائد كلّها لا يجب في قصّة واحدة، ثمّ إذا وقعت الحاجة إلى ذكر فائدة لم تذكر في القصّة فالأحسن تكرار القصّة لاستدراك ذكر الفائدة في محلّها، وربّما لا يتصوّر غير ذلك. والوجه في هذا النوع الواحد أنّ السورتين بمنزلة كتابين، والله يقول: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البيّنة:٣]، ووجود قصّة واحدة في كتابين معروف واجب، وذلك لا يسمّى تكرارا إذ كلّ كتاب في الحاجة إليها كمثله، وكذلك تضمين قصّة واحدة في قصيدتين أو خطبتين. وقيل: الفائدة في هذا النوع موجودة، وهي شهود قوم نزول الثانية لم يشهدوا نزول الأولى. وتكرار قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ أيضا على وجه اللّوم والتّكذيب، ألا ترى أنّه أعاد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.».﴾ (١) ثانيا-علم البيان: ويشتمل على: أ-الحقيقة: في الاصطلاح: هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب. (٢) والمؤلف رحمه الله تعالى بعد أن بين أن اللفظ حقيقة ومجاز في سورة الإسراء وخلال تفسيره

стр. 857

قول الله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ [الإسراء:٥٩]، (١) جاء فعرفها بأنها: «ما لا إشكال في وجهه، ولم يصرف عن ظاهره» (٢). ففي تفسيره قول الله تعالى: ﴿مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:١٠١]، قال: «وقيل: مسحورا حقيقة؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧]» (٣). وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ [النحل:٢١]، يقول: «ويحتمل الأصنام على سبيل الحقيقة عند من يجعل الموت والجمود شيئا واحدا» (٤). ب-المجاز: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصح مع قرينة عدم إرادتها. (٥) وعرفه عبد القاهر الجرجاني بأنه: «ما توسع الناس فيه لفظا، واصطلحوا عليه واستجازوه، إما ضرورة كتسمية الرجل كلبا أو أسدا، وإما اختيارا للتخفيف والعادة، كقولها: طلع الفجر، وأظلم الليل، ونبت الشجر». (٦) وقد استعمل المؤلف هذا الأسلوب على الشكل الآتي: أ-المجاز العقلي: وهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي: وهذا النوع ينسب ابتكاره إلى الإمام الجرجاني ﵀، فقد قال صاحب الطراز: «واعلم أن ما ذكرناه في المجاز الإسناد العقلي هو ما قرره الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني، واستخرجه بفكرته الصافية، وتابعه على ذلك الجهابذة من أهل الصناعة كالزمخشري وابن الخطيب الرازي وغيرهما». (٧) ومن الأمثلة عليه: ١ - ما علاقته الزمانية: فعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ﴾ [يوسف:٤٨]، يقول: «أسند الأكل إلى السنين على طريق المجاز، كقولك: ليل نائم، وسيوف قائمة» (٨). وكذلك عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] يقول: «وإنما يوصف اليوم بأنه عاصف؛ لأن اليوم يوصف بما يحدث فيه على سبيل

стр. 858

المجاز، وقال الراجز: يومين غيمين ... ويوما شمسا» (١). ٢ - ما علاقته الجزئية: مثالها ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣]، إذ يقول: «وقيل: أصل الكلمة تقال، وذكر العنق على سبيل المجاز؛ لأنه موضع ما يلزم الإنسان من قلادة أو طوق، أو غل أو نحوه» (٢). ٣ - ما علاقته السببية: يقول المؤلف في تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧]: «من مجاز الكلام، أي: يكاد الله يسقطه» (٣)، وهنا يقرر بما ذكره من المعنى أن إسناد الفعل إلى غير فاعله، فيكون هذا مجازا عقليا بعلاقة تسبب إرادة السقوط لقربه. (٤) وقد جعله بعضهم استعارة مكنية وتخييلية. (٥) وهذا ما قرره المؤلف ﵀ في موضع آخر حينما قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ﴾ [آل عمران:١٢٢]: «(همت: كادت، على سبيل الاستعارة، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧]» (٦). وكذلك في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [البقرة:٢٥] يقول: «وإنما أسند إلى الأنهار مجازا، كقوله: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة:١٦]». (٧) ٤ - ما علاقته الكلية: ففي قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ [البقرة:١٩] يقول: «يصيرون بنانهم في العضو المختص بالسمع»، فالبنان جزء من الأصابع، والأصبع لا يمكن إدخاله كله في الأذن. (٨) ٥ - ما علاقته المفعولية: ومثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:١٠١]، إذ يقول: «ساحرا، بدليل سائر النظائر» (٩). ٦ - ما علاقته الفاعلية: ومن ذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿حِجاباً مَسْتُوراً﴾ [الإسراء:٤٥]، إذ يقول: «ساترا، كقوله: ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ (٣١) [الواقعة:٣١]: ساكب» (١٠). ج-من المحسنات اللفظية ردّ العجر على الصدر: ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾

стр. 859

[النور:٤٦] إذ يقول: «وجه تكراره حسن رد الكلام على صدره» (١). وفي تفسيره قول الله تعالى: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ اِفْتَرى﴾ (٦١) [طه:٦١]، يقول: «ونظم الآية على طريقة مستحسنة غاية للبلاغة وآية للفصاحة، وهي ردّ آخر الكلام على أوّله، وإنّما قال لتقديم الدعوة والإنذار مرّة بعد أخرى» (٢). د-الاستعارة: وهي: «أن الاستعارة نقل اللفظ من معناه الذي عرف به ووضع له إلى معنى آخر لم يعرف به». (٣) والمثال عليه ما ذكره في قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]، إذ يقول: «السفيه الجاهل، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]» (٤). وهو من الاستعارة العنادية، والتي تفيد التهكم والسخرية. (٥) المطلب الرابع عنايته بأبنية الكلمات القرآنية من الأمور التي اهتم بها المؤلف ﵀ هو بناء الكلمة، وذلك لأن معرفة بناء الكلمة يزيد من بيان معنى الكلمة وتوضيحها، وأورد بعض الأمثلة التي توضح عنايته بذلك: أ-يبيّن أصل الكلمة من غير أن يورد خلافا بين العلماء: فمثلا عند تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ﴾ [الحج:١]، يقول في أصل الزلزلة نقلا عن علقمة قوله: «إن الزلزلة قبل الساعة، وهو الاضطراب الشديد، وأصله من الزلل» (٦). وفي قوله تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤] يقول: «المهد والتمهيد بمعنى، وهي توطئة المسير، وأصله من توثير الفراش» (٧). ب-يذكر الوزن الصرفي للكلمة: فمثلا عند قول الله تعالى: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩]، يذكر وزن كلمة (الصّدّيق) فيقول: «فعّيل من الصدق، وهي لأقصى غاية المبالغة في الوصف أو التصديق، والصديق المجمع عليه هو أبو بكر» (٨).

стр. 860

وكذلك عند بيانه معنى كلمة (طوبى) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ﴾ [الرعد:٢٩]، يقول: «اسم على وزن فعلى، وهو اسم جامع لكل ما يستطاب، فكأنها الحياة الطيبة بروح الاتحاد» (١). ففي هذين المثالين بين وزن الكلمة ليوضح معنى كل منهما وما فيهما من معنى يدل عليه، ففي الأولى معنى المبالغة، وفي الأخرى معنى الجمع لكل ما يستطاب. ج-ونجده يذكر اختلاف البصريين والكوفيين في أصل كلمة: فعند حديثه عن أصل كلمة (التوراة) في قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:٣]، يقول: «أصل التوراة عند الكوفيّين: تورية بوزن توصية، فلمّا أخرجوا اللفظ من حيّز الأفعال إلى الأسماء نقلوا حركة عين الفعل إلى الفتحة، فانقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها»، ويذكر أصلها عند البصريين فيقول: «وعند البصريين وزن التوراة: وورية كقوصرة، قلبت الواو الأولى تاء، كما في تولج، مشتق من الإيراء» (٢). د-يبيّن الفرق بين معنى كلمتين لهما اعتمادا على وزن الكلمة: فمن ذلك ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿تَبْغُونَها عِوَجاً﴾ [آل عمران:٩٩]، إذ يقول: «والعوج، بكسر العين: الزيغ في الرأي، والعوج، بالفتح: الميل فيما يكون منتصبا» (٣). وكذلك عند تفسيره قول الله تعالى: [آل عمران:١٧٠] يقول: «و (الفرح): السّرور. و (الفرح): ذو الفرح، كالورع والوجل» (٤). فكلا الكلمتين لهما الصورة نفسها، لكنهما مختلفتان في الوزن، لكنه لم يذكر وزن الكلمة. هـ-يوضح كلمة بكلمة أخرى أكثر شهرة منها ومشتركة معها بالوزن: ومثالها ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران:١٥٦]، فيقول: «جمع غازي، كركع وسجد، جمع راكع وساجد» (٥). و-أحيانا يبين مفرد الكلمة: فعند حديثه عن كلمة (الآلاء) في قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ [الأعراف:٦٩]، يقول: «الآلاء: النعماء، واحدها ألى وإلى» (٦). وكذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَراذِلُنا﴾ [هود:٢٧]، يقول: «جمع أرذل، وأرذال جمع رذل: وهو النذل الخسيس» (٧). وكذلك يبين مفرد (أفئدة) في قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٧]، فيقول: «واحدها فؤاد»» (٨).

стр. 861

ز-قد يعلل مجيء كلمة على صيغة معينة: ومنه قوله جل وعز: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٧٢) [الإسراء:٧٢]، يقول: «إنما جاءت التفضيل على لفظة أعمى عند الفراء، بخلاف التفضيل في الألوان؛ لأن المراد به: عمى القلوب، وعمى القلب من فعل الإنسان بغفلته. يجوز أن يقال: فلان أعمى من فلان في القلب، ولا يجوز في العين» (١). المطلب الخامس عنايته بالشواهد الشعرية كان للشواهد الشعرية عند مؤلف درج الدرر رحمة الله عليه حضور في تفسيره، لكن هذا الحضور لم يكن كبيرا، ففي أول الكتاب اهتم به أكثر من وسطه وآخره، ولذلك سنجد أن أكثر الاستشهادات من أول الكتاب. وذكره للشواهد على الشكل الآتي: ١ - في أكثر الأحيان يذكر البيت من الشعر كاملا، وقد يذكر جزءا منه، كما في استشهاده بقول الشاعر: وروضة سقيت فيها نضوتي .... . . في تفسير قوله تعالى: ﴿رَوْضَةٍ﴾ [الروم:١٥]، فذكر الشطر الأول من البيت. (٢) ٢ - قد يعزو البيت من الشعر إلى قائله: كعزوه إلى جرير (٣) وحاتم الطائي (٤) وذو الرمة (٥) ولبيد (٦)، وغيرهم. أما طريقته في الاستشهاد بالشعر فكانت على الشكل الآتي: ١ - الاستشهاد بالشعر لبيان المعاني اللغوية لألفاظ القرآن الكريم وتوضيح غريبها: فعند حديثه عن السجود، وأن معناه اللغوي: ميل القامة إلى الأرض، يستشهد بقول حميد (٧) [من المتقارب]: فضول أزمّتها أسجدت ... سجود النّصارى لأربابها وكذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢]، قال: «اسمان أعجميان، مثل طالوت وجالوت. وقيل: هاروت من الهرت، وماروت من المرت، والهريت

стр. 862

الفصيح، قال الشاعر (١): [من البسيط] عاد الأذلّة في دار وكان بها ... هرت الشّقاشق ظلاّمون للجند والمرت مفازة لا ماء فيها ولا كلأ، قال الشاعر (٢): [من البسيط] أنّى طربت ولا تلحي على طرب ... ودون إلفك أمرات أماليس» (٣) وفي تفسيره قول الله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ [البقرة:١١٢]: يقول: «وإسلام الوجه للشيء صرف الإقبال إليه، وتسليم النفس، وتفويض الأمر، ومنه يقال في عقد السلم: أسلم كذا وكذا إليه. وهذه صفة المسلمين دون اليهود والنصارى، قال زيد بن عمرو بن نفيل (٤): [من المتقارب] وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا إذا هي سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبّت عليها سجالا» (٥) ٢ - ويستشهد بالشعر على أن الاختصار على حرف من الكلمة مشهورة في لغة العرب: وذلك عند تفسير قول الله تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة:١]، وقد استشهد بأكثر من بيت: قال الشاعر (٦): [من الرجز] نادوهم أن ألحموا ألا تا ... قالوا جميعا كلّهم ألا فا وقال آخر (٧): [من الرّجز] بالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشّرّ إلاّ أن تا وذلك تأكيدا على قول من قال: إن لكل حرف من هذه الأحرف معنى خاصّا. (٨) ٢ - الاستشهاد النحوي: نجد أن المؤلف يستشهد في بعض الأحيان على إعراب الكلمة، فمثلا عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة:١٧٧] ينقل قول الفراء: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ خبر (البرّ)، على الاكتفاء بالمعنى الدالّ في الاسم على المصدر، كما قيل (٩): [من الوافر]

стр. 863

قليل همّه والعيب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ كريم (١) وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَأُخْرى﴾ [آل عمران:١٣]: رفع على سبيل الابتداء، كأنّك قلت: إحداهما، فيستشهد بقول الشاعر: [من الطويل] إذا متّ كان النّاس نصفين شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع (٢) ويتحدث عن (حتى) في قول الله تعالى: ﴿حَتّى تَتَّبِعَ﴾ بأن يقدر بعدها (أن) الناصبة، وبعد أن يستشهد بآية، يستشهد بقول الشاعر: [من الطويل] وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الدّم حتّى تحسب الجون أشقرا (٣) ٣ - الاستشهاد على معنى بلاغي: في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (١٥٤) [البقرة:١٥٤]، يقول: «واختلفوا في حياة الشهداء، فمن الناس من ذهب إلى المجاز، وإلى بقاء ذكرهم، والثناء عليهم، كما في قول الشاعر (٤): [من البسيط] موت التّقيّ حياة لا انقضاء لها ... قد مات قوم وهم في النّاس أحياء»» (٥) وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٠٧]، هنا يخرج الاستفهام من معناه إلى معنى الإثبات، ويستشهد بقول جرير (٦): ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح (٧) ويستشهد بقول الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب .... . . على أن الأمر في قوله تعالى: ﴿وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:٩٩]، خرج من معناه الأصلي إلى معنى الخبر (٨). ٤ - الاستشهاد بالشعر على معنى عقدي: ففي تفسيره قول الله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، أخرج الاستئهزاء من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي، فقال: «يجازيهم على استهزائهم»، واستشهد بقول الشاعر (٩): [من الوافر]

стр. 864

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١) والسبب في هذا الخروج إلى المجاز هو أن فعل الاستهزاء لا يجوز في حق الله تعالى، وكما يقول البلاغيون: هو على سبيل المشاكلة. ٥ - يستشهد بالشعر على أن الحروف في الكلمة قد تتناوب: فعند تفسير الفوم في قول الله تعالى: ﴿وَفُومِها﴾ [البقرة:٦١]، يقول: و (الفوم)، والثوم: كالجدث والجدف، ويقال: زيد فمّ عمرو، أي: ثمّ، قال (٢): [من المتقارب] وأنتم عبيد لئام الأصول ... طعامكم الفوم والحوقل (٣) ٦ - يستشهد بالشعر على معنى اسم من أسماء الله تعالى وهو (الواسع): «الذي لا يضيق علما ورحمة وقدرة، قال زيد بن عمرو (٤): [من البسيط] إنّ الإله عزيز واسع حكم ... بكفّه الخير والباساء والنّعم» (٥)

стр. 865

المبحث الثالث عنايته بعلوم القرآن المطلب الأول الأحرف المقطعة اختلف العلماء والمفسرون في تفسير الأحرف المقطعة التي صدّرت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم، على قولين رئيسين: الأول: أن هذا علم مستور، وسر محجوب استأثر الله تعالى به، فهو من المتشابه. الثاني: أن المراد منها معلوم، وذكرت فيها أوجها كثيرة تصل إلى عشرين وجها، منها المحتمل القريب، ومنها غير المحتمل البعيد، ومن هذه الأقوال: ١ - إنها أسماء للسور. ٢ - إن كلا منها مأخوذ من اسم من أسماء الله تعالى، وكذلك اختلفوا في ذلك كثيرا. ٣ - إن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف الهجائية العربية التي ينطق بها العرب، ولم يأت بغيرها. ٤ - إنها كالمهيجة لمن سمعها من الفصحاء، والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل والأخذ في التفاصيل. (١) ونجد أن المؤلف رحمه الله تعالى قد أكثر من ذكر الأقوال في تفسير هذه الأحرف، وكانت على الشكل الآتي: ١ - ففي مفتتح سورة البقرة وعند حديثه عن قوله تعالى: ﴿الم،﴾ يذكر أقوالا عدة في معناها ناقلا ذلك عن ابن عباس أكثر من قول، وعن غيره، بأنها مختصرات لكلمات محددة، سواء كانت أسماء لله تعالى أو صفات ونعم، وبعد انتهائه من ذكر هذه الأقوال، يقول: «وطريق الاختصار على حرف من الكلمة مشهور في لغة العرب»، ويستشهد ببيت من الشعر على ذلك. (٢) ٢ - ونجده يذكر قولا لابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿المص،﴾ ولكنه هنا يذكر احتمالات يفسر فيها هذه الأحرف، فيقول: «ويحتمل أن تكون الصاد إشارة إلى الفصل، أي: إلى هذا الفصل، فإن السور فصولا لا محالة. ويحتمل إشارة إلى الصدق، أي: أنا الله أعلم

стр. 866

وأصدق، أو الرسول صادق، أو الوحي صدق». (١) ٣ - أما مفتتح سورة مريم ﴿كهيعص﴾ (١) فإنه يذكر أكثر من قول ثم يتبع ذلك باحتمال آخر فيقول: «ويحتمل: أنّه يتّصل بما بعده، والتقدير: كتابنا هدانا بها العالم الصادق» (٢) يزيد فيه على تلك الأقوال قولا. ٤ - وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿طه﴾ (١) يذكر قولا يعتمد هذا القول على حساب الجمّل، فيقول بعد أن ذكر عددا من الأقوال: «وقيل: الطاء تسعة، والهاء خمسة من حساب الجمل، وهم أربعة عشر، والليلة الرابعة عشر ليلة البدر، فكأنه قيل: أيها البدر» (٣)، يستشهد بحديث على أن النبي ﵇ كان وجهه كالبدر. ٥ - وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿طسم﴾ (١) [الشعراء:١] ينقل عن ابن عباس ﵄ قوله: عمي على العلماء علمه (٤). ٦ - وفي سورة الشورى في تفسيره قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق﴾ (٢) [الشورى:١ - ٢]، يذكر أقوالا تبين أن هذه الأحرف هي إشارة إلى أشياء معينة، مثل: العين إشارة إلى العلم، وفي السين إشارة إلى سر الله في افتراق الفرق،. . . (٥). فعلى هذا يمكن القول: إن رأيه هو أنه يمكن تفسيرها، سواء كانت مختصرات لكلمات معينة، كأسماء الله تعالى، أو صفات له، أو صفات للنبي ﵇، أو غير ذلك، بدليل قوله: ويحتمل كذا أو يحتمل كذا. والله أعلم. المطلب الثاني أسباب النزول أسباب النزول اصطلاحا: فقد عرفة الشيخ الطاهر بن عاشور بقوله: «هي حوادث يروى أن آيات من القرآن الكريم نزلت لأجلها، كبيان حكمها، أو لحكايتها، أو إنكارها، أو نحو ذلك». (٦) وأسباب النزول لآي القرآن يتعدى كونه علما من علوم القرآن إلى كونه أصلا من أصول التفسير، التي لا يمكن للمفسر-مهما أوتي من العلم-أن يستغني عنها، لأن قضية أسباب النزول تشكل قضية هامة على فهم بعض آي التنزيل، إذ إن بعض آيات القرآن الكريم يتوقف فهمها على معرفة سبب النزول، فعندما نقرأ مثلا قول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى﴾

стр. 867

﴿التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] نجد أن بعض الجهلة يستشهد بهذه الآية الكريمة في معرض الدفاع عن النفس حين يجبنوا ويتخاذلوا في الدفاع عن الدين والأرض والعرض، فيأتي سبب النزول لهذه الآية الكريمة موضحا ومفسرا لهذه الآية الكريمة يوضح معناها، ويزيل الغشاوة عن عيون أولئك، فقد جاء في الحديث الذي يخرجه الترمذي في سننه (١) عن أسلم بن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفّا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله، يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لّما أعز الله الإسلام، وكثير ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرّا دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فانزل الله على نبيه ﷺ يردّ علينا ما قلنا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب. ولكن عند ما يدرس موضوع أسباب النزول في كثير من الكتب-سواء المختصة بها أو كتب التفسير-نجد فيها الصحيح الذي يعتمد عليه، ونجد فيها الضعيف والواهي، بل نجد فيها الموضوع المختلق، وهذه آفة من آفات كتب التفسير والتاريخ وغيرها، هذا من جهة أما الجهة الأخرى لأسباب النزول فإنها تلقي ضوءا على الحياة والبيئة التي نزل فيها القرآن الكريم، وجاء بها الوحي، ليصحح المعوج منها، ويرسم معالم صورة واضحة للحياة التي يريدها الإسلام للناس، كما تساعد على فهم صور الصراع بين الدعوة الإسلامية وأعدائها، إلى آخر ما يمكن الاستفادة منه في أسباب النزول. (٢) أهمية معرفة سبب النزول: إن إدراج علم أسباب النزول في علوم القرآن نابع من أهمية معرفة المفسر له، فتكون معرفته من جملة المعارف التي تكون آلة المفسر، وقد أفرده بعض العلماء في كتب مستقلة دلالة على أهميته. يقول الإمام الشاطبي ﵀ في الموافقات (٣): «معرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:

стр. 868

أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلا عن معرفة مقاصد الكلام إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال فحال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطب أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك. . . والوجه الثاني: هو أنّ الجهل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنّة النّزاع». ولذلك نجد أن صاحب الكتاب ﵀ قد اهتم بأسباب النزول اهتماما كبيرا، يوضحه كثرة ذكره لأسباب نزول الآيات، وهذا من عادة المفسرين السابقين الذين أولعوا بأسباب النزول، وتلقفوا الروايات فيها من غير تمحيص ولا تدقيق، من حيث هي صحيحة أو ضعيفة، ولكن المؤلف رحمه الله تعالى لم يكتف بذكر الضعيف فيها فحسب، بل نجده يذكر الموضوع الذي لا أصل له، وهذه بعض الأمثلة على ذلك: ١ - أسباب نزول صحيحة الرواية: فعند قول الله تعالى: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٦٤) [مريم:٦٤]، يأتي برواية عن ابن عباس قوله: قال النبي ﵇: «يا جبريل، ما لك لا تزورنا أكثر مما تزورنا»، فأنزل الله (١). هذا حديث أخرجه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم. وعن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أنزل الله تعالى القرآن على رسول الله ﷺ ، فتلاه عليهم زمانا، فقيل: يا رسول الله، لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية [يوسف:٣]، فتلا عليهم زمانا، قيل: يا رسول الله، لو حدثتنا، فأنزل ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ الآية [الزمر:٢٣]. وروي فقيل: لو خوّفتنا، فأنزل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية [الحديد:١٦]. (٢) ٢ - أسباب نزول ضعيفة وموضوعة: وعند تفسير قوله تعالى: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء:٧٣]، يذكر سبب النزول لهذه الآية فيقول: وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب: رأى رسول الله من قومه كفا عنه، فجلس خاليا يتمنى أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه، وقاربهم، وقاربوه، ودنوا منه، وألقى الشيطان في أمنيته في سورة النجم ما ألقى، فرضوا بما تكلم به رسول الله ﷺ ، وقالوا: قد عرفنا أن الله هو يحيي، ويميت، ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا (٣)، ولما سجد في آخر السورة سجدوا معه أجمعون، ورفع الوليد بن المغيرة، وأبو أحيحة سعيد بن العاص التراب إلى وجوههما يسجدان عليهما من ضعفهما، وعجزهما، وقال أبو أحيحة: يا

стр. 869

محمد، إن لك أن تراجع، ولقد أصبت حيث ذكرت آلهتنا بخير، فاغتم رسول الله، وجلس في بيته حزينا، فلما أتاه جبريل ﵇ قرأ عليه سورة والنجم، قال: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال ﵇: قلت عليه ما لم أقل فأنزل. وهذا حديث باطل بلا شك، موضوع مختلق على النبي ﵇. (١) ولم يكن المؤلف رحمه الله تعالى يميز بين ما كان سببا للنزول حقيقة أو كان في حكم سبب النزول، فإنه يستعمل تعبير «فنزلت الآية، فنزل قوله. .»، وهذا ليس بكاف على كون هذا الحدث سببا لنزول هذه الآية أو تلك، فقد تكون الحادثة التي قال إنها سبب للنزول حادثا حدث في الجاهلية أو بعد نزول الآية فتلاها النبي ﵇ ليبين أن حكم هذه الحادثة كحكم الآية التي نزلت بسببها هذه الآية، أو أن الصحابي قرأ الآية ليدل على ذلك أيضا. والأمثلة على ذلك كثيرة: ففي سورة النحل وعند تفسيره الآية: ﴿يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ. . .﴾ [النحل:٥٩]، وبعد بيان معنى الدس، يقول: «كانوا يقتلون أؤلادهم خشية إملاق، فأنزل: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ (٨) [التكوير:٨]» (٢). وهذا ليس سببا للنزول، أعني: أنه لم تحدث هذه الحادثة فنزل القرآن ليحرم هذه المسألة، وإنما كانت تحدث في الجاهلية كوضع عام سائد، فجاء القرآن الكريم محرما لها ابتداء ليعالج هذه الحالة من حالات المجتمع الجاهلي. قوله بتعدد النزول: فقد ذكر في معرض كلامه عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢٤) [الحجر:٢٤]، هل هي مكية أو مدنية بعد أن يذكر رواية عن ابن عباس أن الآية نزلت بالمدينة، في الذين قصدوا بيع دورهم القاصية عن المسجد، واشتروا دورا قريبة من المسجد، لازدحامهم على الصف الأول. يقول: «فعلى هذا القول مكية، أي سورة الحجر، إلا هذه الآية، أو الآية نزلت مرتين» (٣). والقول بتعدد النزول أكثر من مرة، هو محاولة للتخلص من قبول بعض الأقوال وردّ بعضها الآخر، مع صعوبة الجمع بينهما، فيصار إليهما جميعا، والحكم عند ذلك بتعدد النزول. وهذا الكلام غير مقنع البتة، فقد ذكر الآلوسي الاعتراض على القول بتعدد النزول بعد أن عرف النزول بأنه ظهور من عالم الغيب إلى الشهادة، والظهور بها لا يقبل التكرار، فإن ظهور

стр. 870

الظاهر ظاهر البطلان. (١)، وقال الأستاذ الدكتور فضل عباس: «وتعدد النزول على الرغم من أن بعض العلماء لا يرى به بأسا، إلا أن الذي يبدو لنا بعد نظر ثاقب، أن الأمر ليس كذلك، فليس هناك داع لأن تنزل الآية أكثر من مرة واحدة». (٢) المطلب الثالث التناسب بين الآيات القرآن الكريم كتاب الله تعالى، أنزله على نبيه محمد ﷺ منجما على فترة من الزمن، امتدت ثلاثة عشر عاما، ولكن هذا الكتاب ليس كباقي الكتب، فإنه وحدة واحدة متماسكة مترابطة، يأخذ بعضها بحجز بعض، فلا يجد القارئ لآياته اختلافا بينها نتيجة لهذا الوقت. وعلم المناسبة علم شريف دقيق، حتى قيل فيه: أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط. وقيل: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني. (٣) المناسبة في اللغة: المشاكلة والمقاربة. (٤) اصطلاحا: «هو المعنى الرابط بين الآيات، عام أو خاص، عقلي أو حسي، خيالي أو غير ذلك من أنواع العلاقات، أو التلازم الذهني، كالسبب والمسبب، والعلّة والمعلول، النظيرين والقيدين ونحوه» (٥). وفائدته: جعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء. (٦) والمناسبة على ضربين: الأول: مناسبة في المعاني: وهي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتم كلامه بما يناسبه من معنى دون لفظه. الثاني: مناسبة لفظية: وهي دون رتبة المعنوية، فهي الإتيان بكلمات تامة أو غير تامة. فالتامة تكون مقفاة موزونة، وغير التامة، أي: ناقصة، موزونة غير مقفّاة. (٧) لم يهتم المؤلف رحمه الله تعالى بمناسبة السور بعضها مع بعض، لكنه في كثير من المواضع نجده يربط الآية بسابقتها واتصالها بها، وفي بعض الأحيان يذكر صلة نهاية الآية بالآية نفسها، ونجده يصرح في أكثر تلك المواضع بقوله: واتصال الآية بما قبلها من حيث. . . فمن الأمثلة على ذلك ما يأتي:

стр. 871

أولا-مناسبة الآية لما قبلها: وهذا كثير، نضرب عليه بعض الأمثلة: ١ - في سورة آل عمران آية ٩٦ يقول: «واتصال قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ بما قبلها من حيث اتباع ملة إبراهيم». (١) ٢ - وعند قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ﴾ [النحل:٩٨] يقول: «اتصالها من حيث إن الاستعاذة من الأعمال الصالحة» (٢). ٣ - وقد يذكر أكثر من اتصال للآية مع ما سبقها: ففي السورة نفسها وعند قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٠٩] يقول: «اتصالها بما قبلها لأن الإساءة إلى المملوك على الإطلاق لا يكون ظلما ما لم يخالف للحكمة، يدل عليه إحداث الآلام الدنياوية في الحيوان ابتداء من غير جزاء. وعلى المعنى الثاني من حيث ذكر الملك والاستيلاء ليكون الوعد والوعيد أمكن في قوالب المخاطبين». (٣) ثانيا-مناسبة نهاية الآية للآية: وهذا النوع قليل جدّا، ونعطي عليه الأمثلة الآتية: ١ - يقول عند قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [آل عمران:١٩٩]: «واتصال هذا القول بما قبله من حيث إن الجزاء بعد الحساب». (٤) ٢ - وفي الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٢٩) [النساء:٢٩]، يقول: «وإنّما وصف نفسه بالرّحمة؛ لأنّه أراد بنا الخير حيث نهانا عن أكل المال بالباطل وقتل النّفس المحظورين بالعقل قبل الوحي». ٣ - ويقول: «وذكر المغفرة والرحمة لترغيب التائبين الذين ركبوا السفينة» (٥)، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤١) [هود:٤١]. ثالثا-مناسبة قصة لما سبقها من آيات: وهذا نادر عنده، لم أجد عنده إلا مثالا واحدا، وهو: عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ (١٠١) [الإسراء:١٠١]، يقول: «اتصالها من حيث اقتراحهم الآيات» (٦).

стр. 872

المطلب الرابع ذكره عدد آيات السورة يذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، عدد آيات كل سورة من سور القرآن الكريم التي يفسرها، ويذكر معه العدد الذي ذكره، سواء كان العدد مكيا أو مدنيا، أو. . . . وفي ذكر هذا العدد فوائد عديدة، لم يذكرها المؤلف، وذلك أن بعض أهل العلم قد أفرد هذا العلم بكتب مخصوصة، فصّلت القول في هذا، ومن هذه الفوائد ما يأتي (١): ١ - معرفة الوقف. ٢ - إن الإجماع منعقد على أن الصلاة لا تصح بنصف آية. (٢) وقال بعض العلماء: تجزئ بآية. وقال غيرهم: تجزئ بثلاث آيات. ٣ - إن الإعجاز القرآني لا يقع بدون آية. وقال بعضهم: بثلاث آيات. والسبب في الاختلاف في عدد آي القرآن أن النبي ﷺ كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، ثم إن بعض العلماء يعدّ البسملة آية من الفاتحة، وبعضهم لا يعدّها. (٣) ومما ينبغي التنبيه إليه الاختلاف في عدد الآيات للسورة، كثرة وقلّة، لا يعني زيادة القرآن أو نقصانه، وإنما هو معرفة للفواصل القرآنية فحسب. (٤) ومن المفيد أن أذكر أنواع العدد التي ذكرها المؤلف، وأبين المراد منها كي تكون الصورة واضحة للقارئ: «العدد المكي: هو ما روي عن عبد الله بن كثير القارئ عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ ، وعدد آي القرآن الكريم عنده هو ٦٢١٠ آية. العدد المدني الأول: هو ما رواه نافع عن شيخيه لكن اختلف أهل الكوفة والبصرة في روايته عن المدنيين. فأما أهل الكوفة فرواه عن أهل المدينة بدون تعيين أحد منهم، ورواه أهل البصرة عن ورش عن نافع عن شيخه، وعدد آي القرآن في رواية الكوفيين عن أهل المدينة ٦٢١٧، وفي رواية أهل البصرة ٦٢١٤، والذي اعتمده الإمام الشاطبي رواية أهل الكوفة، قد تبع في ذلك الإمام الداني. العدد المدني الأخير: وهو ما يرويه إسماعيل بن جعفر عن يزيد وشيبة (بوساطة) نقله عن سليمان بن جماز عن شيبة ويزيد، وعدد آي القرآن عنده ٦٢١٤. العدد الدمشقي (الشامي): وهو ما رواه يحيى الذماري عن عبد الله بن عامر اليحصبي عن أبي الدرداء، وينسب هذا العدد إلى عثمان بن عفان ﵁، وعدد الآي فيه ٦٢٢٧، وقيل:٦٢٢٦.

стр. 873

العدد البصري: هو ما يرويه عطاء بن يسار وعاصم الجحدري، وهو منسوب بعد إلى أيوب بن المتوكل، وعدد آي القرآن عنده ٦٢٠٤. العدد الكوفي: هو ما يرويه حمزة وسفيان عن علي بن أبي طالب ﵁ (بوساطة) ثقات ذوي علم وخبرة، وهذا العدد الذي اشتهر بالعدد الكوفي، فيكون لأهل الكوفة عددان: أحدهما مروي عن أهل المدينة، وهو المدني الأول، السابق ذكره، وثانيهما: ما يرويه حمزة وسفيان، كما تقدم. والحاصل أن ما يروى عن أهل الكوفة موقوفا على أهل المدينة فهو المدني الأول، وما يروى عنهم موصولا إلى علي بن أبي طالب فهو المنسوب إليهم، وعدد آي القرآن فيه ٦٢٣٦». (١) وهناك أمثلة كثيرة ذكرها المؤلف في مطلع كل سورة من سور القرآن نذكر أمثلة على ذلك: أولا-في مطلع سورة هود ﵇ يذكر أن عدد آياتها هو: «مئة واثنتان وعشرون آية عند أهل المدينة والشام» (٢). مما يدل على أنه يتبنى هذا القول، إذ لم يذكر بقية العادّين لآيات هذه السورة، كما أنه لم يبين أن العدد المدني هو العد الأول أو الأخير، مما يشكل أنه هذا العدد للمدني الأول والأخير، لكن في كتاب البيان في عد آي القرآن يوضح أن هذا العدد الذي ذكره هو العد المدني الأول والشامي، أما العدد المدني الأخير والمكي والبصري لهذه السورة هو (مئة وإحدى وعشرون آية). وكذلك سورة الإسراء يذكر أن عدد آياتها هو «مئة وعشر آيات في غير عدد أهل الكوفة» (٣)، ولم يذكر كم عدد آياتها عند أهل الكوفة الذي هو مئة وإحدى عشرة آية. ثانيا-هناك بعض السور يذكر عددها وأنه لا خلاف في هذا العدد كما في سورة يوسف، فيقول: «مئة وإحدى عشرة آية بلا اختلاف» (٤)، وكذلك سورة الفرقان (٥). ثالثا-وبعض السور يذكر العد الحجازي فقط، وهو العدد الذي يشمل العدد المدني الأول والأخير والمكي، وكأنه يتبنى هذا العدد أو يميل إليه، ففي سورة الرعد يذكر أنها «أربع وأربعون آية حجازي» (٦)، وسورة الكهف «مئة وخمس آيات في عدد أهل الحجاز» (٧)، إلى غير ذلك من السور. رابعا-وسور أخرى يذكر عدد آياتها من غير أن يبين أنه لا اختلاف فيه، أو هو لعدد معين، كما نجد ذلك في سورة الحجر إذ يقول: «وهي تسع وتسعون آية» (٨). وسورة النحل «مئة

стр. 874

وثمان وعشرون آية» (١)، وكذلك سورتي القصص والعنكبوت. وهو في الحقيقة لا اختلاف فيه، وأجمع العادّون على عدد آيات هذه السور. خامسا-في سورة مريم يقول: «وهي ثمان وتسعون آية في غير عدد أهل مكة وإسماعيل» (٢)، وسورة المؤمنون «مئة وتسع عشرة آية في غير عدد أهل الكوفة» (٣). وذكر هنا أن العدد لإسماعيل مخالف ما ذكره في غيرها بأنه عدد أهل المدينة الأخير. المطلب الخامس فضائل السور والآيات وردت أحاديث كثيرة في فضائل سور القرآن الكريم، بيد أن قسما من هذه الأحاديث ليس صحيحا، كما قرر أهل العلم، قال ابن تيمية (٤)، رحمه الله تعالى: «وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سورة القرآن سورة سورة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم». وقد ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، في كثير من السور فضائل لهذه السور وبعض آياتها: أولا-فضائل بعض الآيات: ومن الأمثلة على ذلك: ١ - في مطلع سورة الكهف يذكر ثلاثة أحاديث في فضل أوائل سورة الكهف، فيقول: عن أبي الدرداء، عنه ﵇: «من حفظ أول الكهف عصم من فتنة الدجال»، وعنه مرفوعا: «من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من الدجال»، وروي عنه ﵇: «من قرأ عشر آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال». (٥) ٢ - وفي آخر سورة الكهف يذكر حديثا في فضل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «أنه أوحي إليّ من قال: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» (٦). ٣ - وفي سورة المؤمنون يذكر فضل الآيات في مطلع السورة فيقول: «وعن عمر بن الخطاب قال: كان النبي ﵇ إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسرّي عنه، فاستقبل الكعبة، فرفع يديه وقال: «اللهم زدنا ولا

стр. 875

تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنّا»، ثم قال: «أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة»، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) [المؤمنون:١] حتى ختم عشر آيات» (١). ثانيا-فضائل السور: ومن الأمثلة عليه: ١ - ما جاء في آخر سورة الكهف: «قال البراء بن عازب: بينما رجل يقرأ سورة الكهف إذا رأى دابته تركض، فنظر فإذا مثل الغمامة أو السحابة، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال ﵇: «تلك السكينة نزلت مع القرآن، أو نزلت على القرآن»» (٢). ٢ - ونجده يذكر في كثير من السور حديث أبي بن كعب في فضل القرآن الكريم سورة سورة، ففي آخر سورة مريم يقول: عن أبي بن كعب، عنه ﵇: «من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا، وصدّق به، ويحيى وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإدريس، وبعدد من دعا لله ولدا، لا إله إلا الله، وبعدد من لم يدع لله ولدا» (٣). وهذا حديث موضوع باتفاق العلماء كما ذكرنا قول ابن تيمية في صدر هذا المبحث، وفي تخريج الحديث في موضعه هناك. ٣ - وكذلك مطلع سورة طه، فيذكر حديثا في فضل سورة طه وسورة يس ما نصه: «عن أبي هريرة، عنه ﵇: «أن الله ﵎ قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمة ينزل هذا عليها، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا»» (٤). وهو حديث موضوع. وكذلك يذكر قول عمر ابن الخطاب ﵁ في سورة النور، فيقول: «عن أبي عطية قال: كتب عمر: علموا نساءكم سورة النور» (٥). المطلب السادس القراءات القرآنية القراءات: جمع قراءة، وهي في اللغة مصدر سماعي لقرأ. (٦) وتدل في أصل معناها على الجمع والضم. (٧) أما في الاصطلاح: فقد عرفه ابن الجزري (٨) بأنها: «علم بكيفية أداء كلمات القرآن

стр. 876

واختلافها معزوّا للناقلة». والقراءات القرآنية هي جزء من الأحرف السبعة التي جاء بها الحديث الشريف عن النبي ﵇: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف»، فالأحرف السبع هي أعمّ من القراءات، قال مكي بن طالب ﵀: «فإن سأل سائل فقال: هل القراءات السبعة التي يقرأ بها الناس اليوم، وتنسب إلى الأئمة، هي الأحرف السبعة التي أباح النبي ﷺ القراءة بها. . . أو هي بعضها، أو هي واحدة منها؟ فالجواب أن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان، الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه، واطرح ما سواه مما خالف خطه. .». (١) والقراءات القرآنية على أنواع ستة هي (٢): النوع الأول: القراءات المتواترة: وهي التي نقلت جمعا عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه. النوع الثاني: القراءات المشهورة: وهي ما صح سندها، ولم تبلغ درجة التواتر، ووافقت العربية والرسم العثماني، واشتهرت عند القرّاء، فلم يعدوها من الغلط، ولا من الشذوذ، ويقرأ به. النوع الثالث: القراءات الآحاد: وهي ما صح سندها، وخالفت الرسم العثماني أو العربية، ولا يقرأ به. النوع الرابع: القراءات الشاذة، وهي ما لم يصح سنده. النوع الخامس: القراءات الموضوعة. النوع السادس: المدرج: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير. وبناء على هذا التقسيم السداسي قسمت القراءة إلى قسمين: الأول: القراءة المقبولة، وتشمل: المتواترة والمشهورة. الثاني: القراءة غير المقبولة، وتشمل الأنواع الأخرى. فحكم القسم الأول هو جواز القراءة بها، وتجزئ في الصلاة، أما القسم الثاني فلا يعدّ قرآنا، ولا تجوز القراءة بها في الصلاة ولا خارجها، لكن يحتج بها في اللغة والإعراب والتفسير. رغم أهمية القراءات القرآنية في تفسير القرآن وفهمه، نجد أن المؤلف رحمه الله تعالى لم يولها اهتماما يذكر، إلا أنّه ذكرها في مواضع نادرة جدا، ومن هذه المواضع: ١ - ففي حديثه عن قوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران:٦٦] يقول:

стр. 877

«زعمهم ذلك بعد التبديل والتحريف على قراءة قنبل» (١) وقد قرأ قنبل: هأنتم، بغير ألف بعد الهاء، على معنى أأنتم. (٢) ٢ - وفي سورة الروم وعند قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٢) [الروم:٢] ينقل عن ابن عباس أنه قال: غلبت، وغلبت. وهاتان قراءتان فالجمهور من القراء على أنها غلبت، بالضم، والقراءة الأخرى بالفتح أي: غلبت. (٣) ٣ - وعند قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران:٨١]، يقول: «ولقد صرّح ابن مسعود وقرأ: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)»، (٤) ذلك أنه فسر الآية على القراءة الأولى، بأن أخذ الميثاق من الأمم وليس من الأنبياء، واستشهد بهذه القراءة. ولكنا نجده ينقل قول مجاهد: «حتى ظنّ مجاهد أنّ قراءة ابن مسعود هو لفظ القرآن وأنّ ما انعقد الإجماع من سهو الكاتب»، ويرد على هذا القول بقوله: «وليس كما ظنّ مجاهد؛ لأنّ هذا اللفظ يحتمل ما يحتمله لفظ ابن مسعود». ويذكر ما جاء في مصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبي بن كعب، ومصحف ابن عباس مستدلا على معنى من المعاني التي يريدها أو فسر بها الآية، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - فعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران:٧]، يقول: «وفي مصحف عبد الله: (إن تأويله إلا عند الله)» (٥) مستشهدا على أن المعنى لقوله: ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ هو مآله ومصيره وما يؤدي إليه، وأنه هاهنا وقف تام. ٢ - وفي معرض الحديث عن قوله تعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف:٤٠] يقول: «وفي مصحف ابن عباس (الجمّل)، بضم الجيم وتشديد الميم» (٦) ليأتي بمعنى آخر وهو حبل السفينة. ٣ - وفي سورة النمل وعند قوله تعالى: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾ [النمل:٨]، يستشهد بما في مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب على المعنى الذي قاله: «من في طلب النار» (٧).

стр. 878

المطلب السابع المحكم والمتشابه «ولقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه محكم كله، إذ قال سبحانه: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود:١]، وجاء ما يدل على أنه كله متشابه، إذ قال جل ذكره: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ [الزمر:٢٣]، وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، إذ قال عز اسمه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة، لأن معنى إحكامه كله أنه منظم رصين، متقن متين، لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي،. . .، ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه، وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه،. . .، وأما أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه، ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم، فالأول هو المحكم، والثاني هو المتشابه، على خلاف يأتي بين العلماء في ذلك». (١) المحكم: لغة: الإحكام: المنع، وأحكم الأمر أي أتقنه ومنعه من الفساد. (٢) والمتشابه: لغة: من شبه، وهو «أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونا ووصفا. . . والمشبهات من الأمور: المشكلات، واشتبه أمران إذا أشكلا». (٣) أما كلاهما من حيث الاصطلاح، فقد ورد فيهما أقوال عدة (٤): فالمحكم: هو ما وضح معنا. والمتشابه نقيضه. المحكم: ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما احتمل أوجها. المحكم: ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه. المحكم: ما استقل بنفسه، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره. وهناك أقوال أخرى، ليس مجالها الحصر هنا. أما المؤلف ﵀ فقد عرف المحكم بقوله: «والمحكم: ما أحكم وجهه بتشديد اللفظ وتلخيصه، فلم يترك للمتأول فيه متعلق» (٥). ولم أجده يعرّف المتشابه. ويقول الراغب في مفردات القرآن (٦): «الآيات عند اعتبار بعضها ببعض على ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه. فالمتشابه بالجملة على ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومن جهة المعنى فقط،

стр. 879

ومن جهتهما. والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، إما من جهة الغرابة نحو (الأبّ) و (يزفون)، أو الاشتراك: كاليد والعين. وثانيهما: يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك على ثلاثة أضرب: ضرب لاخصار الكلام، نحو ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣]، وضرب لبسطه، نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] كان أظهر للسامع، وضرب لنظم الكلام، نحو ﴿أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً﴾ [الكهف:١ - ٢] تقديره: أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا. والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه، أو لم يكن من جنس ما نحسّه. والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص، نحو ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]. والثاني: من جهة الكيفية، كالوجوب والندب، نحو ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ [النساء:٣]. والثالث: من جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ، نحو ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]. والرابع: من جهة المكان، والأمور التي نزلت فيها، نحو ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ [البقرة:١٨٩]، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية. والخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد كشرط الصلاة والنكاح». وقد قسم المؤلف رحمه الله تعالى آيات القرآن الكريم إلى نوعين هما: المحكم والمتشابه، وذلك كما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ﴾ [البقرة:٢٠] إذ يقول: «وتقرير مثل المنافقين من أصحاب الصّيّب من حيث إنّ القرآن نازل عليهم من نحو السماء كالصيّب، وفيه متشابهات ومحكمات» (١). ويذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن إحدى فوائد نزول المتشابه هو الابتلاء. ويسأل سؤالا: هل يجب الإيمان بغير المعلوم؟ يقول مجيبا على هذا السؤال: نعم للإعجاز الحاصل بالنّظم المعلوم ووقوع بأن معناه موافق للمحكم المعلوم وفي معناه.

стр. 880

أما الأصل الذي يرجع إليه في المتشابه والمحكم، فقد جعله قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ الآية [آل عمران:٧]، (١) فكل من أوّل متشابها لابتغاء فتنة من البدعة والضلالة، يكون ضمن هذه الآية، فيكون زائغ القلب، مبتعدا عن الحق. ويستشهد بحديث عن النبي ﷺ الذي يقول فيه: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّاهم الله فاحذروهم». وقول لمحمد بن إسحق بن خزيمة عند ما سئل عن الكلام الأسماء والصفات، فقال: بدعة ابتدعوها، ولم يكن أئمّة المسلمين من الصحابة والتابعين وأئمّة الدّين يتكلّمون في تلك، وكانوا ينهون عن ذلك، ويدلّون أصحابهم على الكتاب والسّنّة. (٢) وفي موضع آخر وفي تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٨١]، يتحدث عن تفسير السنة، فيقول: «أن يسلكوا طريق السلف في كراهة الكلام، والجدال في الدين، والتعسف في تأويل متشابه كلام رب العالمين. . .» (٣). مما يدل أنه يميل في تفسيره إلى عدم التفصيل في المسائل العقدية التي تتحدث عن كلام الله تعالى، وكيفيته وصفته إلى غير ذلك. وهذا ملاحظ في تفسيره رحمه الله تعالى. وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣]، يصفها بأنها متشابهة، يجب التماس حكمها من المحكمات (٤). ولم يحدد المحكمات، ولم يفصل القول في معنى الآية. وفي تفسير ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ [النور:٣١]، يقول: «من المتشابه المختلف في تأويله». وكذلك (التابعون) في الآية نفسها. (٥) وفي تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] يقول: «يدلّ: أنّ فيه ما يعلم بالتفكير والتدبر، فأما ما لا يعلم تأويله إلا الله، فذلك جنس ثالث، وقد بين ذلك في أثناء المحكمات على طريق الإجمال دون اليقين، وما يعلم معناه عند ورود الخطاب من غير توقيف ولا تفكر جنس رابع، وهو الحجة على جميع العقلاء» (٦). فقسم آيات القرآن الكريم بهذا إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يعلم بالتفكير. الثاني: ما يعلم بالتدبر. الثالث: الذي لا يعلم تأويله إلا الله تعالى، فهذا الجنس الثالث هو المتشابه، الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ﴾
следующие страницы →