← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

واختلافها معزوّا للناقلة». والقراءات القرآنية هي جزء من الأحرف السبعة التي جاء بها الحديث الشريف عن النبي ﵇: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف»، فالأحرف السبع هي أعمّ من القراءات، قال مكي بن طالب ﵀: «فإن سأل سائل فقال: هل القراءات السبعة التي يقرأ بها الناس اليوم، وتنسب إلى الأئمة، هي الأحرف السبعة التي أباح النبي ﷺ القراءة بها. . . أو هي بعضها، أو هي واحدة منها؟ فالجواب أن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان، الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه، واطرح ما سواه مما خالف خطه. .». (١) والقراءات القرآنية على أنواع ستة هي (٢): النوع الأول: القراءات المتواترة: وهي التي نقلت جمعا عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه. النوع الثاني: القراءات المشهورة: وهي ما صح سندها، ولم تبلغ درجة التواتر، ووافقت العربية والرسم العثماني، واشتهرت عند القرّاء، فلم يعدوها من الغلط، ولا من الشذوذ، ويقرأ به. النوع الثالث: القراءات الآحاد: وهي ما صح سندها، وخالفت الرسم العثماني أو العربية، ولا يقرأ به. النوع الرابع: القراءات الشاذة، وهي ما لم يصح سنده. النوع الخامس: القراءات الموضوعة. النوع السادس: المدرج: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير. وبناء على هذا التقسيم السداسي قسمت القراءة إلى قسمين: الأول: القراءة المقبولة، وتشمل: المتواترة والمشهورة. الثاني: القراءة غير المقبولة، وتشمل الأنواع الأخرى. فحكم القسم الأول هو جواز القراءة بها، وتجزئ في الصلاة، أما القسم الثاني فلا يعدّ قرآنا، ولا تجوز القراءة بها في الصلاة ولا خارجها، لكن يحتج بها في اللغة والإعراب والتفسير. رغم أهمية القراءات القرآنية في تفسير القرآن وفهمه، نجد أن المؤلف رحمه الله تعالى لم يولها اهتماما يذكر، إلا أنّه ذكرها في مواضع نادرة جدا، ومن هذه المواضع: ١ - ففي حديثه عن قوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران:٦٦] يقول:

стр. 877

«زعمهم ذلك بعد التبديل والتحريف على قراءة قنبل» (١) وقد قرأ قنبل: هأنتم، بغير ألف بعد الهاء، على معنى أأنتم. (٢) ٢ - وفي سورة الروم وعند قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٢) [الروم:٢] ينقل عن ابن عباس أنه قال: غلبت، وغلبت. وهاتان قراءتان فالجمهور من القراء على أنها غلبت، بالضم، والقراءة الأخرى بالفتح أي: غلبت. (٣) ٣ - وعند قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران:٨١]، يقول: «ولقد صرّح ابن مسعود وقرأ: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)»، (٤) ذلك أنه فسر الآية على القراءة الأولى، بأن أخذ الميثاق من الأمم وليس من الأنبياء، واستشهد بهذه القراءة. ولكنا نجده ينقل قول مجاهد: «حتى ظنّ مجاهد أنّ قراءة ابن مسعود هو لفظ القرآن وأنّ ما انعقد الإجماع من سهو الكاتب»، ويرد على هذا القول بقوله: «وليس كما ظنّ مجاهد؛ لأنّ هذا اللفظ يحتمل ما يحتمله لفظ ابن مسعود». ويذكر ما جاء في مصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبي بن كعب، ومصحف ابن عباس مستدلا على معنى من المعاني التي يريدها أو فسر بها الآية، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - فعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران:٧]، يقول: «وفي مصحف عبد الله: (إن تأويله إلا عند الله)» (٥) مستشهدا على أن المعنى لقوله: ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ هو مآله ومصيره وما يؤدي إليه، وأنه هاهنا وقف تام. ٢ - وفي معرض الحديث عن قوله تعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ [الأعراف:٤٠] يقول: «وفي مصحف ابن عباس (الجمّل)، بضم الجيم وتشديد الميم» (٦) ليأتي بمعنى آخر وهو حبل السفينة. ٣ - وفي سورة النمل وعند قوله تعالى: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾ [النمل:٨]، يستشهد بما في مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب على المعنى الذي قاله: «من في طلب النار» (٧).

стр. 878

المطلب السابع المحكم والمتشابه «ولقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه محكم كله، إذ قال سبحانه: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود:١]، وجاء ما يدل على أنه كله متشابه، إذ قال جل ذكره: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ [الزمر:٢٣]، وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، إذ قال عز اسمه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة، لأن معنى إحكامه كله أنه منظم رصين، متقن متين، لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي،. . .، ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه، وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه،. . .، وأما أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه، ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم، فالأول هو المحكم، والثاني هو المتشابه، على خلاف يأتي بين العلماء في ذلك». (١) المحكم: لغة: الإحكام: المنع، وأحكم الأمر أي أتقنه ومنعه من الفساد. (٢) والمتشابه: لغة: من شبه، وهو «أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونا ووصفا. . . والمشبهات من الأمور: المشكلات، واشتبه أمران إذا أشكلا». (٣) أما كلاهما من حيث الاصطلاح، فقد ورد فيهما أقوال عدة (٤): فالمحكم: هو ما وضح معنا. والمتشابه نقيضه. المحكم: ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما احتمل أوجها. المحكم: ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه. المحكم: ما استقل بنفسه، والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره. وهناك أقوال أخرى، ليس مجالها الحصر هنا. أما المؤلف ﵀ فقد عرف المحكم بقوله: «والمحكم: ما أحكم وجهه بتشديد اللفظ وتلخيصه، فلم يترك للمتأول فيه متعلق» (٥). ولم أجده يعرّف المتشابه. ويقول الراغب في مفردات القرآن (٦): «الآيات عند اعتبار بعضها ببعض على ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه. فالمتشابه بالجملة على ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومن جهة المعنى فقط،

стр. 879

ومن جهتهما. والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، إما من جهة الغرابة نحو (الأبّ) و (يزفون)، أو الاشتراك: كاليد والعين. وثانيهما: يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك على ثلاثة أضرب: ضرب لاخصار الكلام، نحو ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣]، وضرب لبسطه، نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] كان أظهر للسامع، وضرب لنظم الكلام، نحو ﴿أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً﴾ [الكهف:١ - ٢] تقديره: أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا. والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه، أو لم يكن من جنس ما نحسّه. والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص، نحو ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]. والثاني: من جهة الكيفية، كالوجوب والندب، نحو ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ [النساء:٣]. والثالث: من جهة الزمان، كالناسخ والمنسوخ، نحو ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]. والرابع: من جهة المكان، والأمور التي نزلت فيها، نحو ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ [البقرة:١٨٩]، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية. والخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد كشرط الصلاة والنكاح». وقد قسم المؤلف رحمه الله تعالى آيات القرآن الكريم إلى نوعين هما: المحكم والمتشابه، وذلك كما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ﴾ [البقرة:٢٠] إذ يقول: «وتقرير مثل المنافقين من أصحاب الصّيّب من حيث إنّ القرآن نازل عليهم من نحو السماء كالصيّب، وفيه متشابهات ومحكمات» (١). ويذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن إحدى فوائد نزول المتشابه هو الابتلاء. ويسأل سؤالا: هل يجب الإيمان بغير المعلوم؟ يقول مجيبا على هذا السؤال: نعم للإعجاز الحاصل بالنّظم المعلوم ووقوع بأن معناه موافق للمحكم المعلوم وفي معناه.

стр. 880

أما الأصل الذي يرجع إليه في المتشابه والمحكم، فقد جعله قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ الآية [آل عمران:٧]، (١) فكل من أوّل متشابها لابتغاء فتنة من البدعة والضلالة، يكون ضمن هذه الآية، فيكون زائغ القلب، مبتعدا عن الحق. ويستشهد بحديث عن النبي ﷺ الذي يقول فيه: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّاهم الله فاحذروهم». وقول لمحمد بن إسحق بن خزيمة عند ما سئل عن الكلام الأسماء والصفات، فقال: بدعة ابتدعوها، ولم يكن أئمّة المسلمين من الصحابة والتابعين وأئمّة الدّين يتكلّمون في تلك، وكانوا ينهون عن ذلك، ويدلّون أصحابهم على الكتاب والسّنّة. (٢) وفي موضع آخر وفي تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٨١]، يتحدث عن تفسير السنة، فيقول: «أن يسلكوا طريق السلف في كراهة الكلام، والجدال في الدين، والتعسف في تأويل متشابه كلام رب العالمين. . .» (٣). مما يدل أنه يميل في تفسيره إلى عدم التفصيل في المسائل العقدية التي تتحدث عن كلام الله تعالى، وكيفيته وصفته إلى غير ذلك. وهذا ملاحظ في تفسيره رحمه الله تعالى. وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣]، يصفها بأنها متشابهة، يجب التماس حكمها من المحكمات (٤). ولم يحدد المحكمات، ولم يفصل القول في معنى الآية. وفي تفسير ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ [النور:٣١]، يقول: «من المتشابه المختلف في تأويله». وكذلك (التابعون) في الآية نفسها. (٥) وفي تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] يقول: «يدلّ: أنّ فيه ما يعلم بالتفكير والتدبر، فأما ما لا يعلم تأويله إلا الله، فذلك جنس ثالث، وقد بين ذلك في أثناء المحكمات على طريق الإجمال دون اليقين، وما يعلم معناه عند ورود الخطاب من غير توقيف ولا تفكر جنس رابع، وهو الحجة على جميع العقلاء» (٦). فقسم آيات القرآن الكريم بهذا إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يعلم بالتفكير. الثاني: ما يعلم بالتدبر. الثالث: الذي لا يعلم تأويله إلا الله تعالى، فهذا الجنس الثالث هو المتشابه، الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ﴾

стр. 881

﴿تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران:٧]، فمهما تدبر الإنسان أو تفكر في هذه الآيات فلا يستطيع معرفة تأويلها، لكن الله قد وضح كثيرا منها على طريق الإجمال دون اليقين، أو ما يبينه الرسول ﷺ كما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [النحل:٤٤]، إذ يقول: «ما نزّل إليهم، يدل أن في القرآن ما لا يعلم إلا بالتوفيق النبوي»، ويقول في مكان آخر: «هل كان النبي ﷺ يعلم تأويل هذا النوع من المتشابه؟ قلنا: يجوز أن يعلم بالتوقيف لا من جهة نفسه، كما علم أشياء من الغيب» (١). مما يجعل مرد معرفة المتشابه إلى شيء واحد ألا وهو الوحي من الله تعالى لرسوله سواء أكان القرآن الكريم أم السنة النبوية المطهرة. المطلب الثامن المكي والمدني اختلف العلماء في تعريف المكي والمدني إلى ثلاثة أقوال كلّ على اعتبار خاصّ: الأول: اعتبار زمن النزول، فيكون معنى المكي: هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعدها سواء نزل بالمدينة أم بغيرها كمكة، أو بالأسفار. والمؤلف يميل إلى هذا التقسيم إذ ذكر في مطلع سورة المائدة أنها «مدنية إلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، فإنها نزلت بعرفات، وحكمها مدنية» (٢). مما يبين أن ما نزل بعد الهجرة هو مدني وإن نزل بغير المدينة. الثاني: اعتبار مكان النزول، فيكون معنى المكي: ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني: ما نزل بالمدينة. الثالث: اعتبار الذين توجه إليهم الخطاب، وعلى هذا يكون معنى المكي: ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني: ما وقع خطابا لأهل المدينة. وأشهر الأقوال وأصحها وأشملها هو القول الأول. (٣) وفائدة معرفة المكي والمدني هي: أولا-العلم بالمتأخر، فيكون ناسخا أو مخصصا على رأي من يرى تأخير المخصص. (٤) ثانيا-التعرف على مراحل الدعوة الإسلامية، وخطواتها الحكيمة المتدرجة الأحداث. ثالثا-الوقوف على أساليب الدعوة المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين وأهل الكتاب. (٥)

стр. 882

وفي درج الدرر نجد المؤلف رحمه الله تعالى يهتم بهذا الموضوع اهتماما كبيرا، فكل سورة يريد تفسيرها يكون أول شيء يتحدث عنه هو مكية السورة ومدنيتها، وله في ذلك أكثر من أسلوب، ومن ذلك: ١ - أن تكون السورة مكية، فيذكر ذلك، مثل سورة الحجر وفي أولها يقول: «مكية» (١). وكذلك مريم (٢) وطه (٣). ففي سورة الحجر جزم بمكية السورة، ولم يستثن شيئا منها بأنه مدني، لكن هذا يتعارض مع الحديث الذي أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما، والذي يتبين منه أن في السورة آية مدنية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٢٤) [الحجر:٢٤]. وهذا ما ذكره المؤلف عند تفسير هذه الآية، ولم يذكره في مقدمة السورة، عند بيانه مكية السورة. ٢ - أن تكون السورة مدنية عنده، مثل: سورة النور (٤) وآل عمران (٥)، وفي أول حديثه عنهما يقول: «مدنية»، وفي هذين الأسلوبين يتبنى هذا القول، فلا يذكر رأيا آخر مغايرا لهذا الرأي. ٣ - تكون السورة مكية، لكنه لا يتبنى هذا الرأي، فيقول في أول سورة المؤمنون: «مكية في قولهم» (٦)، ولم يعط رأيا مغايرا أو موافقا لهذا الرأي. ٤ - لكن أكثر السور القرآنية قد ذكر فيها اختلافا وأقوالا، لكنه يتبنى رأيا معينا في أول السورة، ثم يذكر الآراء المخالفة، ففي بداية سورة الأعراف يصدر القول بمكية السورة، ثم يروي عن ابن عباس وقتادة إلا خمس آيات نزلن بالمدينة، قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ.﴾ (٧) هكذا من غير أن يوضح الآيات الخمس. وكذلك في مطلع سورة يونس ﵇ بعد أن يؤكد أن السورة كلها مدنية، يذكر رواية عن ابن عباس يستثني من مكية السورة ثلاث آيات وهي: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الآيات [يونس:٩٤]، ويأتي برواية أخرى من غير أن ينسب القول لصاحبه فيقول: الآية نزلت في يهود المدينة، وهي قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس:٤٠]. (٨) ٥ - وقد يذكر مكان نزول الآية: مثل نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١]، فينقل عن عطاء أن السورة مكية إلا ثلاث آيات، هذه الآية وما

стр. 883

بعدها، نزلن بالمدينة أو بين مكة والمدينة. (١) وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاِجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً﴾ (٨٠) [الإسراء:٨٠] نزلت بين مكة والمدينة، فيما يرويه عن ابن عباس ﵄. ويذكر أكثر من قول في أنها نزلت بين مكة والمدينة، أو أنها مدنية إلا بعضها نزل في السفر، من غير تحديد للمكان. (٢) ٦ - وفي سورة التوبة وبعد أن يذكر أن السورة مدنية كلها، يروي عن مجاهد أنها آخر ما نزلت (٣)، أي: آخر ما نزل من السور. ٧ - ويحدد وقت نزول آية: فعند الحديث عن مكية سورة النحل، يقول: «وعن ابن عباس وعطاء وابن المبارك وجماعة إلا قوله: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ (١٢٦) [النحل:١٢٦]، فإنها نزلت في منصرف النبي ﵇ من أحد. (٤) ويمكن تقسيم السور القرآنية إلى المجموعات الآتية حسب ما ذكر المؤلف فيها: أولا-السور المكية: هي السور المتفق على مكيتها، حسب رأيه، ولم يذكر فيها أي خلاف، وهي: الحجر، مريم، طه، الأنبياء، النمل، الأحزاب، سبأ، فاطر، الصافات، ص، فصلت، الزخرف، الدخان، الذاريات، الطور، الملك، الحاقة، المعارج، نوح، الجنّ، المدثر، القيامة، النبأ، النازعات، عبس، التكوير، الانفطار، الانشقاق، البروج، الطارق، الأعلى، الغاشية، الفجر، البلد، الشمس، الليل، الضحى، الشرح، العلق، القارعة، التكاثر، الهمزة، الفيل، قريش، النصر، المسد. ثانيا-السور المدنية: هي السور المتفق على مدنيتها، حسب رأيه، ولم يذكر فيها خلاف، وهي: آل عمران، النساء، المائدة، التوبة، النور، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الجمعة، المنافقون، الطلاق، التحريم، الإنسان. ثالثا-المختلف فيها: وهي السور التي ذكر فيها خلافا بمكيتها ومدنيتها سواء من قوله أو قول غيره، وهي: الرعد، العنكبوت، القمر، الرحمن، الصف، التين، القدر، البينة، الزلزلة، العاديات، العصر، الماعون، الكوثر، الكافرون، الإخلاص، الفلق، الناس. رابعا-السور التي فيها استثناء: وهي السور التي ذكر فيها استثناء سواء من قوله أو قول

стр. 884

غيره، وهي: الأنعام، الأعراف، الأنفال، يونس، هود، يوسف، إبراهيم، النحل، الإسراء، الكهف، الحج، المؤمنون، الفرقان، الشعراء، القصص، الروم، لقمان، السجدة، يس، الزمر، غافر، الشورى، الجاثية، الأحقاف، محمد، ق، النجم، الواقعة، التغابن، القلم، المزمل، المرسلات، المطففين. ملحوظة: سورة الفاتحة والبقرة لم يذكر فيهما شيء.

стр. 885

المبحث الرابع متفرقات المطلب الأول الناسخ والمنسوخ إن معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن العظيم له أهمية كبيرة، تنبع من أهمية التشريع الآتية من هذا الكتاب الكريم المعجز، واهتم العلماء بهذا النوع من أنواع علوم القرآن، وتوسعوا فيه، وأهميته يمكن إيجازها بما يأتي: ١ - أنه يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويطلع الإنسان على حكمة الله تعالى في تربيته للخلق، وسياسته للبشر، وابتلائه لهم. ٢ - أنه ركن عظيم في فهم الإسلام، وفي الاهتداء إلى صحيح الأحكام، خصوصا إذا ما وجدت أدلة متعارضة لا يندفع التناقض بينها إلا بمعرفة سابقها من لاحقها، وناسخها من منسوخها. ٣ - أنه تناول مسائل دقيقة، كانت مثارا لخلاف الباحثين الأصوليين. (١) والمؤلف رحمة الله عليه منطلقا من أهمية هذا العلم، تكلم عن النسخ بشكل موسع نوعا ما، وذلك عند حديثه عن قول الله تعالى: ﴿*ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠٦) [البقرة:١٠٦]. (٢) تعريف النسخ عنده: «في اللغة: هو الإزالة والإزاحة، آخذا ذلك من قول القائل: نسخت الشمس الظل، والريح الأثر» (٣)، لكنه لم يبين كما بين غيره ممن تحدث عن النسخ بأن كلا من هاتين الجملتين تدل على معنى خاص: فالجملة الأولى: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته وحلت محله، أي: أن النسخ هنا يكون ببدل، بمعنى أن الشمس أزالت الظل فأذهبته، وحلّت محله. أما الجملة الثانية: نسخت الريح الأثر: فهي بمعنى أن الريح أزالت الأثر، بيد أنها لم تحل محله، بل زالا جميعا، فهو نسخ إلى غير بدل. (٤)

стр. 886

ويتم قوله في المعنى اللغوي: «وتسمى كتابة ما هو في كتاب سابق نسخا مجازا، وكذلك تسمى نقلا، وحقيقة النقل ما يكون به فراع محلّ لشغل محلّ» (١). وعرّف النسخ أنه: «إزالة ما سبق في كونه صلاحا في وقت دون وقت بما سبق في كونه صلاح في الوقت الأول صلاحا في الوقت الثاني» (٢). فهذا التعريف جاء به المؤلف في معرض رده على اليهود والإمامية، ليفرق بين النسخ والبداء، فركز في تعريفه على أن علم الله تعالى عام في الحكم الأول الذي جاء النسخ عليه يعلم أنه ينتهي في هذا الوقت، وأنه صالح لهذا الوقت الذي حدده الله تعالى، وليس صالحا لأن يستمر، وإنما يستمر مدة من الزمن، ينتهي عند موعد نزول الحكم الآخر الذي يبدأ من هذا الوقت الذي انتهى عنده الحكم الأول، وأن الحكم الثاني صالح لهذا الوقت، وكذلك صالح للاستمرارية، فهو في علمنا، نحن البشر، أنه استجد حكم بعد حكم وبدا لنا فيه أمر، أما في علم الله تعالى فهو معلوم في الأزل. وعرف البداء بأنه فيعرفه ليبين أنه غير النسخ، فالبداء: «هو الاستدراك عند اتّضاح الملتبس. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا». (٣) فالبداء هو عند ما يتضح عند صاحبه أمر شيء جديد ليس في معلومه، فإنه يبدل ويحول فيما كان يريد أن يقوم به، بسبب ما اتضح واستجد لديه من أمور كانت خافية عليه من قبل. وهذا لا ينطلق على علم الله تعالى، فالله تعالى عالم علما كاملا بكل شيء ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وقد أثبت النسخ من الناحية العقلية والنقلية: أولا-الناحية النقلية: أثبت النسخ بأدلة من القرآن الكريم، هي (٤): ١ - قول الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، ووجه الاستدلال «نسخ الخلق بالخلق لا يؤدّي إلى البداء فكذلك نسخ الأمر بالأمر». ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل:١٠١]. ٣ - قول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩) [الرعد:٣٩]. وكلتا الآيتين استشهد بهما في معرض رده على اليهود والإمامية. لكنه لم يذكر أدلّة في جواز النسخ من السنة النبوية المطهرة. إلا أنه ذكر أمثلة من الأمم السابقة على جواز النسخ، ومن هذه الأمثلة: ١ - تزويج آدم أولاد صلبه بعضهم من بعض.

стр. 887

٢ - جمع يعقوب ﵇ بين أختين، لايان وراحيل ابنتا خاله، ثمّ حرّمت ذلك التوراة. ٣ - حكم الختان لإبراهيم. كما أنه أثبت النسخ من الناحية العقلية بقوله: «أن قطع العضو محظور، ثم إذا أصابته آفة يرجو صاحبه السلامة بالقطع، كان له أن يقطع». ويذكر مذهبه في النسخ، فيما يجوز فيه النسخ وما لا يجوز فيه: أولا-ما لا يجوز النسخ فيه: أحدها: نسخ ما يستحيل نسخه بغير جحد أو اعتراف بالكذب، كنسخ قصّة عاد وثمود وغيرهم، وكالإخبار عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠]، وعن قول الشيطان: ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ [وَعْدَ الْحَقِّ]﴾ [إبراهيم:٢٢]، وعن قول الضعفاء والمستكبرين في النار وقول الملائكة لهم. والثاني: نسخ ما لا يجيز العقل نسخه، كنسخ الإحسان والإذعان والإيمان. والثالث: نسخ ما يؤدّي إلى اللوم والغرور، كنسخ ما أوجب الله تعالى من جزاء الإحسان. والرابع: نسخ يؤدّي إلى الحنث، كنسخ قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ،﴾ الآية [الأعراف:١٨]، وقوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢]، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها،﴾ الآية [مريم:٧١]. ولو لم يكن للقسم مزيّة على الوعد والوعيد لما ذكر القسم. والخامس: نسخ حكم لم يفد شيئا، كنسخ ما لم ينزله جبريل ﵇ بعد، إذ هو يؤدّي إلى البداء. والسادس: نسخ لم يبيّن؛ لأنّه محال إذ ترك تبيين النسخ إبقاء للحكم الأوّل، فلا يجتمعان. أما ما يجوز النسخ فيه: الأوّل: الأثقل بالأخفّ، كنسخ تحريم الرّفث ليالي الصوم بالإباحة. والثاني: نسخ المثل بالمثل، كنسخ التّوجّه إلى قبلة بإيجاب التّوجّه إلى قبلة. والثالث: نسخ ما هو أقلّ ثوابا بما هو أكثر ثوابا، كنسخ صوم يوم عاشوراء بصوم شهر رمضان. والرابع: نسخ ما أفاد معنى قبل نسخه، كنسخ خمسين صلاة ليلة المعراج بخمس صلوات. وفائدة الحكم الأوّل اعتقاد نبيّنا ﷺ وجوبها، وإكرام الله إيّاه بالتّشفيع وإمضاء ثواب خمسين صلاة بخمس صلوات. وهذا النوع يأباه بعض المتكلّمين من المعتزلة وغيرهم. والخامس: نسخ ما يحمد، كنسخ ما أوجب الله تعالى أهل الارتكاب من العذاب بالعفو، وإنّما جاز لوقوعه محمودا حسنا، لأنّه تعالى شرط لنفسه المشيئة فيه. وهذا النوع يأباه فريق من المعتزلة أيضا، ويجعلونه من حيّز الإخبار.

стр. 888

والسادس: نسخ التلاوة مع بقاء المعنى؛ لأنّ التلاوة وحدها تتفرّد بحكم غير حكم المعنى، وهو ترك مسّه محدثّا، وإقامة التحريم بها، فلم يقف نسخها على نسخه. وهذا النوع يأباه الزجّاج في ما روي عنه. ثم يقول: «وخلق النسيان جائز في الأنواع الاثني عشر كلبها، وهو مثل النسخ وليس بنسخ». وهذا القول هو ما يذكره غيره بالنوع الآخر من أنواع النسخ وهو النسخ إلى غير بدل، من مثل ما جاء في الحديث: بأن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة طولا، فنسخ الله منها ما شاء بغير عوض، وذهب حفظه من القلوب. (١) وأنواع النسخ عنده هي: ١ - نسخ القرآن بالقرآن: والمثال عليه، ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ [آل عمران:٨٥]، يقول: «وهي ناسخة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة:٦٢]، في رواية علي بن طلحة عن ابن عباس، ويصح الجمع بينهما على ما سبق». (٢) ٢ - نسخ السنة بالسنة. ٣ - نسخ القرآن بالسنة. ويقول في موضع آخر مؤكدا على هذا المعنى بقوله: «وليس يطيع الرسول من ينكر نسخ القرآن بالسنة، وإنما كانت طاعته طاعة الله تعالى؛ لأنه ﵇ لم ينطق عن الهوى». ويؤكد على هذا القول في معرض قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣]، فيقول: «دليل على وجوب الأمر، على جواز نسخ الكتاب بالسنة» (٣). لكنه لم يحدد هل هذا النسخ يكون بالسنة المتواترة أو المشهورة أو الآحاد؟ ٤ - نسخ السنة بالقرآن. وأن هذا كله جائز، ولا يختلف الحكم فيه، والسبب في هذا القول هو: أن الكلّ من عند الله، والرسول أمين ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ (٣) [النجم:٣]. ويذكر بعض المذاهب في النسخ أو أنواعا من النسخ على الشكل الآتي: أولا-اليهود والإمامية: فهم لا يقولون بنسخ الشريعة، وأنهم لا يفرقون بين النسخ والبداء. وحجة اليهود في ذلك وهي قول موسى ﵇: من جاءكم بخلاف ما أتيتكم به، فلا تقبلوه. فأجاب عن قولهم هذا بما يأتي: «أما قول موسى ﵇، فمعناه من جاءكم مكذبا بي مخطّئا إياي فلا تصدقوه، ولم يرد به من يبتني على المعلوم الأوّل إذ هذا لا يكون مخالفا، ألا ترى أنّك إذا تيقّنت الخبر ثمّ جاء إنسان وقال: إنّ ما علمت لم يكن، فإنّك تكذّبه لا محالة، ولو أخبرك بزواله بعد كونه لم تكذّبه، ولكنّك طالبته بالبيّنة والبرهان».

стр. 889

أما حجة الإمامية فهي: ١ - قول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ [الشورى:١٣]، ورده بقوله: «بأن المراد بالآية ما بقي من شرائعهم غير منسوخ». ٢ - قول الله تعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، وردّه بقوله: «والآية الأخرى على ما قال الله تعالى، لكنه في تبديل على وجه البداء دون النسخ، بدلالة قول الله تعالى: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل:١٠١]». ٣ - ويجعلون ما تجده منسوخا من الأحكام مؤقّتا بوقت معين مقدّر يعلمه النبيّ أو الوصيّ من بعده، فينتهي بانتهاء وقته من غير نسخ. والجواب عليه هو «ولو كان توقيت القبلة يعلمه النبي ﷺ لما كان لتقلب وجهه في السماء معنى». ٤ - يفسرون الآية بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ. وجوابه عليه: «وتأويل النسخ بالانتساخ خطأ، بدليل ما تلونا من قوله: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل:١٠١]، وقول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩]». ثانيا-أن الزجاج يأبى نسخ التلاوة مع بقاء المعنى. وردّ عليه في معرض تعليله هذا النوع من النسخ، وهو أن التلاوة وحدها تنفرد بحكم غير حكم المعنى، وهو ترك مسه محدثّا، وإقامة التحريم بها، فلم يقف نسخها على نسخه. ثالثا-أن بعض الزيدية زعم أنه لا ينسخ الحكم مع بقاء التلاوة. ورد هذا بقوله: «وهو غير صحيح، لأن أحدهما لا يقف على نسخ الآخر» وجاء بمثال على ذلك ألا وهو: «وقد أجمع أهل الإسلام على أن قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٦) [الكافرون:٦]، منسوخ بآية السيف». أما منهجه في الآيات الناسخة والمنسوخة، فهو كالآتي: ١ - يذكر أن هذه الآية ناسخة لآية أخرى: فعندما يتحدث عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ [آل عمران:٨٥]، يقول: وهي ناسخة لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة:٦٢]، في رواية علي بن طلحة عن ابن عباس، ويصح الجمع بينهما. (١). ٢ - يورد قولا بنسخ آية ويرده: ومثال ذلك عند ما نقل عن الكلبي في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران:٩٢]، فيرد هذا القول بقوله: «وليس كذلك، لأنه لا تنافي بينهما إذ الزكاة إنفاق من بعض المحبوب» (٢). وكذلك في سورة النحل نجده يورد قولا ولا يذكر القائل أو أنه قول لأحد، فعند قوله تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، يقول: «الآية

стр. 890

منسوخة بآية السيف، وليس فيها ما يوجب كونها منسوخة» (١). ٣ - ويرد على اليهود مستنبطا من قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ﴾ [آل عمران:٩٣]، فيقول: «نزلت ردّا على اليهود حيث أنكروا النسخ. . .» (٢). ٤ - وقد يبين أن آية يتحدث عنها هي ناسخة لآية أخرى نقلا عن غيره ولا يبين رأيه في ذلك: ومن ذلك عند الحديث عن قوله: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، نجده ينقل عن السدي وقتادة وابن زيد: أنّ هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، (٣) ولم يعلق على هذا القول بشيء. ٥ - يذكر معنى كلمة، وبناء على هذا المعنى يبين أن الحكم منسوخ: والمثال عليه هو عند تفسيره (الفاحشة المبينة): هو النّشوز، عن ابن عبّاس وأبي مجلز يجوز للرّجل قبول الفداء حينئذ. وقال قتادة والسدّيّ: هو الزّنا، والحكم على هذا منسوخ. (٤) وفي سورة الحجر وعند قوله تعالى: ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥]، يقول: «إن كان متاركة فهو منسوخ بآية السيف، وإن كان ما يضاد الإكراه، فهو باق في حق العرب؛ لأنهم إذا قبلوا الجزية صفحنا عنهم، وإن كان المراد به ترك الفحش والشتم، فهو باق في حق الكافّة» (٥). ٦ - يبين أن الحكم منسوخ، ويذكر قولا يردّ هذا القول: والمثال عليه: ما جاء في تفسير قول الله تعالى: قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة:٤١]، يقول: ««والتخيير بين الحكم والإعراض منسوخ بقوله: ﴿وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة:٤٩]. وقيل: ليس بمنسوخ». (٦) ٧ - يبني المعنى للكلمة على النسخ: فعند قوله: ﴿وَذَرِ﴾ [الأنعام:٧٠] يقول: «أي: كفّ عنهم، إن كانت الآية منسوخة، ونابذ، إن لم تكن منسوخة». (٧) ٨ - ونجده يقول بنسخ القرآن بالسنة، هكذا مطلقا دون تحديد بمتواتر أو آحاد أو غيره، فيقول: «وليس يطيع الرسول من ينكر نسخ القرآن بالسنة، وإنما كانت طاعته طاعة الله تعالى؛ لأنه ﵇ لم ينطق عن الهوى». ويؤكد على هذا القول في معرض قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣]، فيقول: دليل على وجوب الأمر، على جواز نسخ الكتاب بالسنة (٨).

стр. 891

٩ - يقول بنسخ الوعيد، فيقول عند تفسيره قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء:١١٥]: «ثم لله المشيئة فيه بعد ذلك على قول من لا يرى نسخ الوعيد، وعلى قولنا فله أن لا يفعل الوعيد بمن شاء من خلقه». (١) ١٠ - يبين سبب تقدم الناسخ على المنسوخ في المكان في القرآن الكريم: فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٤]: «ناسخة لقوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة:٢٤٠]، وتقديم الناسخ على المنسوخ في التلاوة والكتابة لأحد سببين: إما التعبد، وإما الاتفاق الذي كان بعد فطم رسول الله ﷺ ، كما اتفق تقديم سورة الجهاد على سورة المتاركة وهي ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ»﴾ (١). (٢) المطلب الثاني الإسرائيليات تعريف الإسرائيليات لغة: جمع مفرده إسرائيلية، نسبة إلى بني إسرائيل، وإسرائيل كلمة عبرانية تعني عبد الله، وإسرائيل هو نبي الله يعقوب بن إسحاق ﵉، وإليه ينتسب بنو إسرائيل. (٣) اصطلاحا: هي قصة أو حادثة تروى عن مصدر إسرائيلي. (٤) إلا أن علماء التفسير والحديث يطلقونه على ما هو أوسع من ذلك واشمل، فهو في اصطلاحهم: يدل على ما تطرق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما، وما دسّه أعداء الإسلام من أخبار لا أصل لها؛ ليفسدوا بها عقائد المسلمين. (٥) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه». (٦) والإسرائيليات تدخل في موضوعها في العقائد والأحكام الشرعية، ومعظمها في المواعظ والقصص وبدء الخلق، وقد اعتمد أهل التفسير في رواية هذه الأقاويل عن أهل الكتاب على ما

стр. 892

جاء عن رسول الله ﷺ : «بلغوا عنّي ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فيتبوأ مقعده من النار». (١) لكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، كالذي يرد في أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعدّتهم، وعصا موسى من أي الشجر هي، وأسماء الطيور التي أحياها الله تعالى لإبراهيم،. . . إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن مما لا فائدة من تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. وقد شحنت كتب التفسير بالمأثور وغيرها بالأحاديث الإسرائيلية. والمؤلف رحمه الله تعالى من الذين أولعوا بهذه الإسرائيليات إلى حد كبير، فنجدها كثيرة في ثنايا الكتاب، وتكون على أشكال متعددة، منها ما هو على شكل أقوال للنبي ﵇، ومنها ما هو على شكل أقوال للصحابة، ومنها ما هو على شكل قصة مختلقة لا يقبلها العقل، ومن هذه الأشكال التي يوردها: ١ - أن يوردها على شكل حديث للنبي ﵇: مثال ذلك ما يذكره عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (٨٣) [الكهف:٨٣]، يقول: «عن عقبة بن عامر قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ ، فخرجت من عنده، فوجدت ناسا من أهل الكتاب معهم كتب ومصاحف، قالوا: استأذن لنا على محمد رسول الله، قال: فدخلت، فأخبرته بمكانهم، قال: «ما لي ولهم يسألونني عما لا أعلم، وإنما أنا عبد لا أعلم شيئا إلا ما علمني ربي، أبغني وضوءا»، فتوضأ، ثم دخل في مصلى بيته، فصلى ركعتين، فلم ينصرف حتى رأيت البشر في وجهه، فقال: «اخرج إليهم، فأذن لهم، وانظر من كان بالباب من أصحابي، فأدخله»، فلما دخلوا قال: «إن شئتم أنبأتكم بالذي جئتم له، وإن شئتم سألتموني فأخبركم»، قالوا: بل أخبرنا لأي شيء جئنا؟ وعن أي شيء نسألك؟ قال: «جئتموني تسألونني عن ذي القرنين، وكيف كان أوّل شأنه؟ فقال: وسأخبركم ما تجدونه في كتابكم إن شاء الله، إنه غلام من الروم، فأتى ساحلا من سواحل مصر، فبنى له مدينة، يقال لها: الاسكندرية، فلما فرغ من بنائه بعث الله إليه ملكا، فرفعه إلى السماء، فقال له: انظر ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي قد اختلطت في المدائن، قال: ثم رفعه، فقال: انظر ما ترى؟ قال: أرى مدينتي وحدها، ولا أرى غيرها، قال: هذه التي ترى الدنيا، والمدير بها البحر الأخضر، قيل له: فاذهب فحدث العالم، وعلم الجاهل، قد جعل الله لك سلطانا، فانطلق حتى أتى مغرب الشمس، أتى مطلعها، وأتى الدين، وهو جبلان زلقان يزل عنهما كل شيء، فبناهما، ثم أتى يأجوج ومأجوج، ثم جاوزهما، فأتى على قوم قصار يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم جاوزهم، فوجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم الذي وجوههم على وجوه الكلاب، ثم جاوزهم، فوجد أمة من الحيّات، الحية الواحدة تلتقم الصخرة العظيمة، ثم جاوزها حتى انتهى إلى البحر المستدير بالدنيا. فقالوا:

стр. 893

نشهد أنا نجده هكذا.» (١). متن هذا الحديث ظاهر النكارة، فلا يمكن أن يخرج من النبي ﷺ مثل هذا القول. والله تعالى أعلم. ٢ - أن يورد القصة على شكل قول لأحد الصحابة: والمثال عليها ما جاء في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، قوله: «وعن ابن عباس قال: إن غنم قوم وقعت في كرم قوم ليلا حين خرج عناقيده فأفسدتها، فاختصموا إلى داود بن أنشا النبيّ ﵇، فقوّم داود الغنم والكرم،. . . نعم ما قضيت، فقضى داود بينهم بذلك، فقوّموا بعد ذلك الكرم، وقوّموا ما أصاب أهل الكرم من الغنم، فوجدوه مثل ثمن الكرم، فقضى به داود ﵇، وحكم سليمان ﵇ وهو ابن أحدى عشرة سنة» (٢). ٣ - يورد الإسرائيلية نقلا عن مؤرخ: والمثال على ذلك ما رواه عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧] يقول: «عن الواقدي عن أشياخه قال: كان آلهتهم العظمى عشرة من نحاس على سرر من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد،. . . وإذا خرجوا لم يخرجوا حتى يسجدوا لها، وإذا نزل بأحدهم أمر ذهب إليها» (٣). ٤ - يأتي بالإسرائيلية على شكل قول غير منسوب لأحد لكنه يبين أنه من قول أحدهم ولم يعرّفه، والمثال على ذلك ما جاء في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ [طه:١٠] فيقول: «وكانت القصة في زمن كيقباذ. . . وأما الباكون من خشيتي فهم في الرفيق الأعلى من الجنة لا يشاركون فيها، ولا يلحقهم أحد» (٤). ٥ - أن يوردها في سياق تفسير الآية: وذلك بأن يورد الآية، ثم يذكر القصة أو الإسرائيلية بشكل مباشر أو استطرادا منه، إذ يعتبر ذلك توضيحا لمعنى الآية، والمثال على ذلك: «فلما دخل عليه يوسف كلمه بلسان أهل مصر، فجعل الملك يكلمه بألسنة أخرى، وجعل يوسف يجيبه بتلك الألسنة حتى تكلما سبعين لغة، ثم إن يوسف دعا له بالعبرية، وأثنى عليه بالعربية، فلم يعرفها الملك، وانقطع عن الجواب، واستحسن جميع ذلك من يوسف، فقال: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤]» (٥). أما ما كان على الشكل الثاني وهو الاستطراد، فالمثال عليه: عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ (١٠) [طه:١٠]، يقول: «وقيل: كانت القصة في زمن. . . في الرفيق الأعلى من الجنة لا

стр. 894

يشاركون فيها، ولا يلحقهم أحد» (١). فيذكر فيها تفاصيل كثيرة. ٦ - أن يورد الإسرائيلية في معرض مناقشة الأقوال: فعند شروعه بتفسير الآية يأتي بأقوال متعددة، تكون على شكل إسرائيليات، لكنها من أقوال بعض التابعين، ولم يرجح بينها سواء بترجيح أحد الأقوال أو قولا آخر يذكره، وأمثل عليه بما يأتي: فعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤]، يذكر عددا من الأقوال، قيقول: «قيل: صورة يعقوب عاضّا على أصبعه يقول: مثلك قبل المواقعة كذا، وبعد المواقعة كذا. مقاتل: سمع صوتا: إياك ومواقعتها، فإنك إن واقعتها صرت كالطير الواجد. وقيل: سمع صوتا: أتهمّ بعمل السفهاء، وأنت مكتوب في الأنبياء. وقيل: رأى مكتوبا في السقف: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً﴾ (٣٢) [الإسراء:٣٢]» (٢). ٧ - يذكر الإسرائيلية على شكل قصة ينسبها إلى راويها: والمثال على ذلك عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٦٨) [الأنبياء:٦٨]، يقول: «عن الواقدي، عن شيوخه قالوا: أمر نمرود بإبراهيم. . .» (٣) فيذكر في ذلك كلاما كثيرا، لا داعي لإعادته. وذكر هذه الإسرائيليات في التفاسير أمر ليس منه فائدة ترتجى، فإنّ أكثرها من نسج خيال اليهود وغيرهم، وفيها من الدسائس على دين الإسلام الكثير، مما يشوّه التفاسير ويخرجها من غرضها الأساس، وهو فهم كتاب الله تعالى وتوضيحه للعامّة، إلى أن يكون كتاب تاريخ فيه الغث والسمين، والصالح والطالح، والأولى بالمفسر الاكتفاء بما جاء في القرآن أو السنة النبوية المطهرة واللغة العربية وغيرها من أصول التفسير التي تعطي ثمارها في شرح وتوضيح كتاب الله تعالى، ولا تشتت فكر القارئ في موضوعات لا تنفع، وفي الغالب تضرّ، والله تعالى أعلم. المطلب الثالث عنايته بالأحكام الفقهية إن تعرض المؤلف رحمه الله تعالى للأحكام الفقهية لم يكن بشكل واسع كما نجده عند غيره من المفسرين الذين اهتموا في تفاسيرهم بالأحكام الفقهية، ولكون تفسير «درج الدرر» مختصرا فإنّ تعرضه للأحكام الفقهية مقتضب، وهو إن تعرض لحكم في آية فإنه يكون بكثير من الاختصار والإيجاز، أو على شكل استنباط لهذا الحكم أو ذاك من هذه الآية أو تلك، لأنه لم يضع تفسيره من أجل المسائل الفقهية أو الأصولية. ويمكن تبيّن ملامح طريقته في عرض الأحكام الفقهية من خلال ما يأتي:

стр. 895

١ - يستدل بالآية على مذهبه الذي ذهب إليه في حكم من الأحكام من غير أن يبين أن هذا الحكم هو على مذهب معين: فمثلا: عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ﴾ [النساء:٩٥] يقول: «وفيها دليل بأن الجهاد فرض على الكفاية؛ لأنه وعد القاعد بالحسنى». (١) وكذلك في تفسيره ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ [الحج:٢٥]، يستدل على حكم ويدعم قوله بحديث عن النبي ﷺ ، فيقول: «يدل على أن المقيم برباع مكة ليس بأولى من الحاج. عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﵇ قال: «حرم مكة، فحرام بيع رباعها، وأكل ثمنها». وفي رواية: «وحرام أجر بيوتها».» (٢). وقد يبين أنّ هذا الحكم لواحد من الصحابة أو التابعين أو غيرهم، فيستدل على ذلك متبنيا هذا الحكم، ومشعرا أنه مذهبه الذي يسير عليه. فمثلا: عند بيان معنى (اليتيمة) في قول الله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى﴾ [النساء:٣]، يقول: «الصّغيرة، وفيه دليل على أنّ للوليّ أن يتزوّجها، وهو مذهب عليّ». (٣) فانتصر بالآية لمذهب علي بن أبي طالب في هذه المسألة. ٢ - ولما كان تفسير درج الدرر، كما أشرت، ليس الغرض منه استنباط الأحكام الفقيهة، كما هو شأن بعض كتب التفسير وأحكام القرآن، فإن مؤلفه لم يسرف في ذكر الأحكام، ولم يشغل نفسه كثيرا بتقرير المسائل الخلافية على مذهبه الذي يتبناه، فنجد أنه لم يذكر المذهب المالكي أو الحنبلي في كل تفسيره، فهو يتطرق إلى مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام الشافعي، رحمهما الله تعالى، ولم يفصّل القول في هذين المذهبين، بل يشير إليهما إشارة بذكر قول المذهب الذي هو عليه، والمخالف له. ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، إذ يقول: «ولا يجوز التكفير قبل الحنث، خلافا للشافعي ﵀». (٤) وكذلك يقول في الآية نفسها عند ما يتحدث عن الإطعام يكون لكل مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير: «وإن غدّاهم وعشّاهم جاز خلافا للشافعي، وإن أطعم واحدا عشرة أيام جاز، خلافا للشافعي، ويجوز دفع القيمة خلافا له». (٥) ففي هذا المثال بيّن المؤلف ﵀ أن هناك رأيين: أحدهما المذهب الذي يتبناه، وهو رأي مذهب أبي حنيفة، الذي يخالف رأي الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وجاء به مختصرا من غير تفصيلات دقيقة، وأيضا لم يأت برأي المذاهب الأخرى، كما ذكر.

стр. 896

وقد يذكر الرأي الذي يذهب إليه، والرأي المناقض له، وينتصر للرأي الذي يتبناه، فمثلا عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣) [البقرة:٤٣]، يقول: «وفي الآية دليل أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع بشرط تقديم الإيمان، وإليه ذهب كثير من أصحابنا، فإن قيل: لو كانوا مخاطبين لما سقط القضاء عنهم كالمسلمين، قلنا: القضاء فرض مبتدأ لا يتبع المقضيّ كفوت الجمعة وفوت صلاة الحائض لا إلى قضاء» (١). ٣ - يذكر رأي مذهبه فقط من غير أن يذكر رأيا مخالفا لهذا الرأي: فمثلا عند حديثه عن صيد البر في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة:٩٦]، يقول: «كلّ ما كان جنسه متوحّشا مأكول اللّحم أو غيره، قال ﷺ : «خمس يقتلن في الحلّ والحرم: الغراب والحدأة والفأرة والحيّة والكلب العقور»، حصره بعدد، ويلحق غيرها بها حالة وجود العدوان، ثمّ جزاء السبع قيمة لحمه عندنا لا قيمة إمساكه للتّفاخر كما في الجارية المغنية». (٢) وفي هذا المثال ذكر فقط المذهب الذي تبناه فقال: عندنا، ولم يذكر رأي مذهب آخر مخالف. ٤ - ونجده أحيانا قليلة يتحدث عن بعض الأمور المتعلقة بأصول الفقه، ويشير إليه إشارة، فيعرّف فرض الكفاية في معرض حديثه عن الأمر بأنه فرض كفاية، فيقول: «إذا قام به البعض، وحصل المعروف، وزال المنكر سقط الفرض عن الباقين» (٣) وذلك في معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤) [آل عمران:١٠٤]. وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ﴾ [المائدة:١٠١]، بين أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار إلا بقرينة، معللا ذلك بإنكار رسول الله ﷺ سؤال الأعرابي له: أفي كل عام يا رسول الله؟ بقوله: «لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم». (٤) وعند حديثه عن قول الله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥]، يبيّن أن إجماع هذه الأمة حجة، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وقول الرسول ﷺ «لا تجتمع أمتي على الضلالة» (٥)، وكذلك يستدل على حجية الإجماع في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١٨١)

стр. 897

[الأعراف:١٨١]، إذ يقول: «وهذه الآية حجة في صحة الإجماع؛ لأن الله تعالى زكّاهم وعدّلهم في أحكامهم». (١) وفي فعل الأمر وصيغة الأمر، نجده يخرجه عن الأمر الحقيقي إلى أمور متعددة منها: الندب والاستحباب والإباحة، وغيرها. والأمثلة كثيرة منها: ما جاء في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، إذ يقول عن اللام في (ولتكن): لام أمر،. . .، والأمر فرض على الكفاية. كما نجده في سورة الحج وعند الحديث عن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا﴾ [الحج:٣٦]، يقول: «أمر إباحة». وفي المثالين كليهما لم يبين وجه إخراج الأمر من حقيقته إلى ما خرج إليه. مذهبه الفقهي في هذا الكتاب وردت أحكام فقهية خلال هذا التفسير تشير إلى المذهب الفقهي لمؤلف الكتاب، ومن هذه الأحكام ما يأتي: ١ - في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] يقول: «وفرض الحج على الفور خلافا لمحمد»، (٢) أي: محمد بن الحسن، وهذا يعني أنه يتبنى القول بأن الحج متى ملك الإنسان الاستطاعة فإن عليه أن يحج على الفور لا على التراخي. يقول النووي في المجموع: «فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه على التراخي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس ﵃، وقال مالك وأبو يوسف: هو على الفور، وهو قول المزني، كما سبق، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة في ذلك» (٣). ٢ - وفي سورة النساء وعند قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء:٤٣] يقول: «والمراد بالماء الماء الشرعي دون اللغوي لجواز التيمم مع وجود الماء النجس، ولهذا جوّزنا الوضوء بنبيذ التمر؛ لأنه ماء شرعي». (٤) وهذا الرأي الذي قال به المؤلف هو ذاته رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى. (٥) قال النووي في المجموع: «وهو أن رفع الحدث وإزالة النجس لا يصح إلا بالماء المطلق، فهو مذهبنا ولا خلاف فيه عندنا» (٦). ٣ - عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء:١٠١] قال: «والقصر: النّقص.

стр. 898

والإقامة التي توجب الإكمال خمسة عشر يوما». (١) وهذا ما قال به الحنفية ففي المبسوط قال: «وأقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما» وهو قول ابن عمر، وقال الشافعي ﵁: أربعة أيام، وهو قول عثمان ﵁» (٢). ٤ - ويستشهد بقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] فيقول: «وفي الآية دليل على جواز الصلاة بقراءة ما تيسر من القرآن من غير تخصيص فاتحة أو غيرها. وعن ابن مسعود قال: من اقترى منكم بالثلاث الآيات التي في سورة البقرة فقد أكثر وأطاب» (٣). وهذا قول الحنفية، إذ يقول صاحب الهداية: «وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة آية عند أبي حنيفة ﵀، وقالا (٤): ثلاث آيات قصار أو آية طويلة؛ لأنه لا يسمى قارئا بدونه فأشبه قراءة ما دون الآية. . .» (٥). ٥ - ويتحدث عن كفارة اليمين في تفسيره قول الله تعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ [المائدة:٨٩]، فيقول: «ولا يجوز صوم الكفّارة إلا متتابعا خلافا للشافعي، لما روي في قراءة ابن مسعود وأبي: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)» (٦). وهذا ما قاله في المبسوط وهذا نصه: «فأما صوم كفارة اليمين فثلاثة أيام متتابعة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى، قال: إنه مطلق في القرآن، ونحن أثبتنا التتابع بقراءة ابن مسعود فإنها كانت مشهورة إلى زمن أبي حنيفة رحمه الله تعالى. . .» (٧). وقال الماوردي في الإقناع (٨): «ولا يجب تتابع في الصوم لإطلاق الآية. . .». ٦ - واستشهد على جواز الزيادة في المهر بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] قال: «دليل على جواز الزيادة في المهر» (٩). يقول الجصاص في أحكام القرآن (١٠): «وقد اختلف الفقهاء في الزيادة في المهر، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: الزيادة في الصداق بعد النكاح جائزة، وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، وإن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة، وكان لها نصف المسمى في العقد، وقال زفر بن الهذيل والشافعي: الزيادة بمنزلة هبة مستقبلية إذا قبضتها جازت في قولهما جميعا، وإن لم تقبضها بطلت». ٧ - وعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما﴾

стр. 899

﴿تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، يتحدث عن الإطعام فيقول: «وإن غدّاهم وعشاهم جاز خلافا للشافعي، وإن أطعم واحدا عشرة أيام جاز خلافا للشافعي» (١). فهو بهذا يأخذ بالرأي الأول المخالف للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة، «عن أبي يوسف أنه قال: إذا أطعم مسكينا واحدا غداء وعشاء أجزأه من إطعام مساكين،. . . ». (٢) وقال في المجموع: «إذا ثبت هذا فعليه أن يطعم ستين مسكينا،. . .، ولا يجوز أن ينقص من عدد المساكين ولا من ستين مدا، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إن أعطى الطعام كله مسكينا واحدا في ستين يوما جاز،. . .» (٣). ٨ - وفي تفسيره قول الله تعالى: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، يقول: «. . فإن الشرك أخفى في هذه الأمة من أثر النملة في الصخرة الصمّاء، ولهذا كره للإمام الراكع إذا سمع خفق نعل أن ينتظره» (٤). يقول النووي في المجموع: «فرع في انتظار الإمام وهو راكع قد ذكرنا أن الأصح عندنا استحبابه،. . .، وعن أبي حنيفة ومالك والأوزاعي وأبي يوسف والمزني وداود لا ينتظره،. . . واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث الصحيحة في الأمر بالتخفيف، وبأن فيه تشريكا في العبادة، وبالقياس على الانتظار في غير الركوع» (٥). ومما سبق يتبين أن المؤلف رحمه الله تعالى يذهب مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، وليس كما هو معروف عن الجرجاني، كما ذكر من ترجم له، أنه شافعي المذهب.

стр. 900

الفصل الثّاني نسخ الكتاب المخطوطة ومنهج التحقيق ويتضمن ثلاثة مباحث: المبحث الأول: نسخ الكتاب المخطوطة. المبحث الثاني: منهج التحقيق. المبحث الثالث: مصطلحات التحقيق.

стр. 901

المبحث الأول نسخ الكتاب المخطوطة حصلت على أربع نسخ مخطوطة لكتاب (درج الدرر في تفسير القرآن العظيم)، وهي ما ذكرته كتب وفهارس المخطوطات سواء المختصة بالمكتبات أو غيرها، وقد استطعت الوصول إلى هذه النسخ عن طريق مكتبة الجامعة الأردنية مشكورة على هذا الجهد الطيب، فأول الأمر حصلت على ثلاث نسخ من تركيا، نسختين من مكتبة كوبرلي، والأخرى من مكتبة نور عثمانية، وجميعها نسخ كاملة للكتاب، وقد كان وصف المخطوطات على الشكل الآتي: ١ - نسخة مكتبة كوبرلي ذات الرقم (٩٥)، بالشريط رقم (١١٦٩) في مكتبة الجامعة الأردنية من المخطوطات المصورة هناك، وهي نسخة واضحة، بخط النسخ، وعناوين السور كتبت بالخط الثلث، وتقع في (٣٢٨ ورقة)، بمقياس (٥,٢٠١٢ سم)، وعدد الأسطر فيها ٢٣ سطرا، وقد اختلف عدد الكلمات في كل سطر إلى ما بين (١١ - ١٥ كلمة تقريبا)، والسبب في ذلك أن هذه المخطوطة قد تعاقب عليها أكثر من ناسخ فيما يبدو لأن الخط اختلف أكثر من مرة. وعلى الآيات والكلمات المفسرة خط أحمر كذلك ليميزها القارئ. وعليها قيود تفيد أنها من مكتبة محمد بن محمد بري وفي نوبته. وجاء في فهرس مخطوطات مكتبة كوبرلي (١): أن عناوين السور قد كتبت في هامش المخطوطة باللون الأحمر. وقد اعتمدت هذه النسخة المخطوطة لأنّ عليها كثيرا من الهوامش والتصحيحات، وكأنها قد قورنت مع غيرها، أو درست على يد شيخ فكتب التلميذ عليها بعض التعليقات في الهامش، كما يقدر القرن الذي كتبت فيه هذه المخطوطة، كما جاء في فهرس مخطوطات كوبرلي، هو القرن الثامن الهجري، فتكون بذلك هي أقدم المخطوطات الأربع. ٢ - النسخة الأخرى من كوبرلي أيضا، وهي النسخة التي تحمل الرقم (٩٤)، ورقم شريطها في المكتبة الأردنية هو (١١٦٨)، وهي أيضا واضحة، بخط النسخ، وتقع في (٢٨٥ ورقة)، بمقياس (٥,٥١٤,٢١ سم)، وعدد الأسطر فيها (٢٩ سطرا)، وعدد الكلمات في كل سطر تقريبا (١٩ كلمة). وفي فهرس المخطوطات لمكتبة كوبرلي (٢) أن فيها إطارا بالحبر الأحمر، وكذلك الآيات كتبت بالخط الأحمر، في جلد جيد مزخرف. ويقدّر أنها بخط أواخر القرن التاسع الهجري.

стр. 902

وفيها نقص كلمات في مواطن متعددة. ٣ - النسخة الثالثة، وهي نسخة مكتبة نور عثمانية والتي تحمل الرقم (٣٠٦)، ورقم شريطها في الجامعة الأردنية (١١٧٣)، كتبت بالخط النسخ، وهي واضحة، وعدد أوراقها ٢١٠ ورقة، وعدد الأسطر في كل صفحة (٣٥ سطرا)، وعدد الكلمات في كل سطر (١٨ كلمة). وعليها وقف السلطان عثمان خان ونصه: «وقف السلطان السعيد الأعظم وتخليد الخاقان الأكرم الأفخم مفسر العدل والإحسان، وموضح إجمال الأمور بالرشد والعرفان، السلطان بن السلطان أبو المحاسن والمكارم عثمان خان ابن السلطان مصطفى خان، ثبت الله أساس دولته الطاهرة، وخلّد خلافته الباهرة، وأنا الداعي لدولته الحاج إبراهيم حنيف الحرمين المحرمين غفر له». وقد جاء في آخر المخطوطة: «تمّ الكتاب بعون الله وتوفيقه، والصلاة والسّلام على نبيه وصّديقه، بتاريخ يوم الأربعاء المبارك، تاسع عشر رجب، سنة سبع وستين وتسع مئة». مما يدل على أنها قد كتبت في النصف الثاني من القرن العاشر. ٤ - أما النسخة الرابعة فهي من مكتبة الأسكوريال في مدريد أسبانيا، وتحمل الرقم (١٤٠٠)، وليس لها رقم في الجامعة الأردنية، لأنها حديثة، فلم تدخل الترقيم بعد، إذ جاءت بها مكتبة الجامعة الأردنية بناء على طلب مني مشكورة، وعدد صفحاتها (٤٣٢ ورقة) في كل ورقة (٢٩ سطرا)، وفي كل سطر (١٠ كلمات تقريبا)، وهي مكتوبة بخط النسخ، وواضحة، إلا أن فيها نقص بعض الكلمات.

стр. 903

المبحث الثاني منهج التحقيق ١ - بعد الحصول على النسخ الأربع المخطوطة من الكتاب، اخترت النسخة الأصل، وهي أقدم النسخ، النسخة التركية من مكتبة كوبرلي ذات الرقم (١١٦٨)، وشرعت في كتابتها وفق القواعد الإملائية الحديثة، ومن ثمّ قابلتها مع النسخ الثلاث الأخرى. ٢ - قمت بزيادة كلمة أو أكثر في بعض المواضع التي اقتضاها السياق لإقامة العبارة، والتي تكون مشكلة في فهمها لولا هذه الزيادة، فوضعتها بين معقوفتين، وأشرت إلى ذلك بالحواشي. ٣ - وضعت رقم الآية المفسرة في بداية تفسيرها على يمين الصفحة، فإذا تكرر ورود الآية أو جزء منها في الموضع نفسه لا أذكر رقمها مرّة أخرى. ٤ - نسبت الآيات القرآنية المستشهد بها أو محال عليها، ووضعت اسم السورة ورقم الآية بجوارها بهذا الشكل [اسم السورة: رقم الآية]. ٥ - وضعت الآيات بالرسم العثماني، ضمن قوسين مزهرين. ٦ - في بعض الأحيان يذكر المؤلف الكلمة ويفسرها، ولكن لا يكتبها كما في المصحف، فأقوم بوضعها بين (قوسين). ٧ - وردت في مواضع قليلة جدّا بعض الآيات من غير رواية حفص عن عاصم، فكتبت الآية برواية حفص، ثم أشرت إلى القراءة التي ذكرها في الحاشية. ٨ - خرجت الأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال الصحابة والتابعين من كتب الحديث الشريف قدر المستطاع. ٩ - وثقت أقوال المفسرين والنحويين واللغويين من مصادرها الأصلية، أو من المصادر التي ذكرت فيها، مبتدئا بمصنفات المؤلفين أنفسهم ما أمكن. ١٠ - علّقت بشكل مقتضب على بعض المسائل، ولم أجعله مضطردا كي لا أثقل الكتاب بالهوامش الطويلة. ١١ - ضبطت الشواهد الشعرية، وخرجتها من مصادرها من كتب اللغة والأدب، مبتدئا بدواوين الشعر، وإن كان في النص جزء من الشاهد أكمل البيت في حواشي التحقيق إن استطعت. ١٢ - ضبطت من النص ما يمكن أن يشكل على القارئ. ١٣ - ترجمت للأعلام الذين وردت أسماؤهم في النص، باستثناء المشهورين، كالأنبياء ﵈، والخلفاء الراشدين ﵃، وأحلت على مصادر الترجمة ملتزما عدم ذكر أكثر من أربعة مصادر.

стр. 904

١٤ - شرحت بعض الألفاظ التي تحتاج إلى بيان، ويصعب على القارئ معرفتها، وكذا المصطلحات التي وردت في النص. ١٥ - صححت الأخطاء النحوية القليلة التي وجدتها في نسخ التحقيق في المتن، وأشرت إلى ذلك في الحاشية، وكذا ما يخصّ الآيات القرآنية. ١٦ - وضعت أرقام صفحات نسخة الأصل بين (قوسين) في داخل النصّ، ورمزت إلى وجه الورقة بالرمز (و)، وظهرها بالرمز (ظ). ١٧ - وضعت اسم السورة في أعلى كل صفحة من صفحات الكتاب، محاولا التيسير على القارئ بذلك. ١٨ - ألحقت بالنص بعض صفحات من النسخ المخطوطة للتوثيق. ١٩ - اتبعت في التحقيق المنهج الذي يؤكّد عدم إثقال الهوامش، فالتزمت عدم ذكر أكثر من أربعة مصادر في تخريج أيّ مسألة من مسائل النص المحقق.

стр. 905

المبحث الثالث الرموز والمصطلحات

стр. 906

الخاتمة وفي نهاية المطاف مع هذا الكتاب المفسر لكتاب الله تعالى، والعيش مع ظلال هذا الكتاب العظيم، ألخص فيه أهم النتائج التي توصلت إليها: ١ - مؤلف هذا الكتاب حنفي المذهب، وهذا يخالف ما عرف عن عبد القاهر الجرجاني من أنه شافعي. ٢ - أنه ليس أشعري المذهب العقدي، فهناك أراء تدل على أنه يميل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان في الاعتقاد. ٤ - مؤلف الكتاب يميل إلى المذهب النحوي الكوفي، على عكس ما عرف عن عبد القاهر الجرجاني بأنه بصري المذهب. ٥ - هناك تشكيك بنسبه الكتاب لعبد القاهر الجرجاني، ولم أهتد إلى مؤلفه الحقيقي، إذ لم أستطع أن أنسب الكتاب له بشكل قاطع، ولم أستطع أن أحدد المؤلف الحقيقي له. وكان التشكيك بسبب أن المعروف عن الجرجاني أنه شافعي المذهب الفقهي، وصاحب الكتاب حنفي المذهب، كما أن الجرجاني أشعري المذهب العقدي، وصاحب الكتاب ليس كذلك. ٦ - تنوع أسلوب المؤلف في تفسير الآيات الكريمة، فأحيانا يفسرها بآيات أخرى، وأحيانا بأحاديث شريفة، وأحيانا. . .، وفي بعض الأحيان يجمع أكثر من أسلوب في تفسير آية. ٧ - استشهد بأحاديث كثيرة ضعيفة وبعضها موضوعة. ٨ - اهتمامه بالتاريخ، مما أخرج الكتاب، في بعض الأحيان، من كونه تفسيرا إلى مؤلف تاريخي. ٩ - هذا التفسير من الكتب المختصرة اختصارا غير مخلّ.

стр. 907

القسم الثاني النص المحقق

стр. 908

(١٥٧ ظ) سورة هود ﵇ مكية (١). وعن المعدل، عن ابن عباس (٢) ﵁: إلا آية نزلت بالمدينة، وهي قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ. .﴾ الآية [هود:١١٤] (٣). وهي مئة واثنتان وعشرون آية عند أهل المدينة والشام (٤). بسم الله الرّحمن الرّحيم عن عكرمة (٥)، عن ابن عباس ﵁ قال: قال أبو بكر الصّدّيق ﵁: يا رسول الله قد شبت؟ قال: قال رسول الله ﷺ : «شيّبتني هود والواقعة والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت» (٦). عن أبي جحيفة (٧)، قال: قالوا (٨): يا رسول الله، نراك قد شبت؟ قال: «شيبتني هود وأخواتها». واعلم أنّ المعنى المشيب لرسول الله ﷺ : إما سر من أسرار الله تعالى في القرآن، لم يطلع عليه إلا نبيّه. وإما أحد أشياء أربعة: أحدها: أنّ بعض السور اختصت بالاسترقاء، (٩) وبعضها بالتّنفّل، (١٠) وبعضها بالتّعوّذ، (١١)

стр. 909

وبعضها بتلقين الموتى، (١) وهذه السّور (٢) بالتّرهيب، والتشيب للطيفة من القوي، كما بلغنا أنّ بعض أهل الإلحاد تصوّر (٣) له أنّه يحاكي القرآن بهذيان، فلمّا انتهى إلى قوله: ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ [هود:٤٤]، انشقّت مرارته. والثاني: أنّ هذه السّور كلّهن مكيّات، فلعلّهنّ (٤) نزلن أيّام النّفير إلى الشّعب (٥)، وأيّام وفاة خديجة (٦)، ﵂، وأبي طالب (٧)، فقوله: «شيّبتني هود وأخواتها» من كثرة ما لقي (٨) من مكروه المشركين. والثالث: أنّ نزول الوحي عليه (٩) قد كان سهلا، وقد كان ثقيلا. روي أنّ النّبيّ ﵇ كان إذا نزل عليه الوحي يتبرّد وجهه، ويجد بردا في ثناياه. (١٠) وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، [عن أبي أروى الدوسي (١١) ﵁] (١٢) قال: رأيت الوحي ينزل على النّبيّ ﵇ وإنّه على راحلته، فترغو، وتفتل يديها حتى أظنّ أنّ ذراعها تنفصم (١٣)، فربّما بركت، وربّما قامت موتّدة (١٤) يديها حتى يسرّى عنه؛ من ثقل الوحي، وإنّه ليتحدّر (١٥) منه مثل الجمان (١٦). (١٧) فيحتمل: أنّ جبريل ﵇ أنزل عليه سورة هود، وأخواتها على هذه الطّريقة الشّديدة؛ فلذلك شيّبنه.

стр. 910

والرابع: هو تكرار المعنى المزعج، يعني: [في] (١) سورة هود: تكرار لفظة (بعد) (٢) أي: هلك، وفي سورة الواقعة: تكرار (أنتم) (٣)، أو (نحن) (٤)، وفي سورة المرسلات: تكرار لفظة (ويل) (٥)، وفي سورة عمّ يتساءلون: تكرار لفظة (وكان) (٦)، و (كانت) (٧)، وفي سورة التكوير: تكرار لفظة (إذا) (٨) على سبيل الوعيد. ١ - قوله: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بمعنى: الخصوص، وهو إحكام التلاوة، وتهذيبها (١٥٨ و) ممّا يلقي الشّيطان في الأمنيّة. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ من عنده بلا وساطة، أو التفصيل: هو تفسير رسول الله مجملات الآي. ٢ - ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا:﴾ مضمر آتيناكه لتقوم بالوعظ أن لا يعبدوا. ٣ - وإنما قدّم الاستغفار على التّوبة (٩) لأنّ الإنسان يستقبح الشّرّ، ويعرض عنه مستغفرا، ثم يستفتح الخير، ويقبل عليه مستوفيا، والمراد (١٠) بالاستغفار كسب سبب المغفرة، وهو إصلاح العقيدة، وبالتّوبة سبب الاستقامة، بإصلاح العزيمة. (١١) ويوفّ (١٢) الله تعالى ﴿كُلَّ ذِي فَضْلٍ:﴾ خصلة فاضلة (١٣). ﴿فَضْلَهُ:﴾ فضيلتها من الثّواب. ٥ - ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ ابن عباس ﵁: نزلت في الأخنس [بن] شريق بن عمرو بن وهب الثّقفيّ (١٤)، (١٥) وقال أبو بكر (١٦) محمد بن عزيز

стр. 911

السّجستانيّ (١): إنّ قوما من المشركين كانوا قد قالوا فيما بينهم: أرأيتم لو أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد ﵇ كيف يعلم بنا؟ فأنبأ الله عمّا كتموه، وقال: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ. . .﴾ الآية (٢). ٧ - سئل ابن عبّاس ﵁ عن قوله : ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ على أيش (٣) كان الماء؟ قال (٤): على متن الريح. (٥) ٨ - ﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ:﴾ مدة معلومة، (٦) قال الله تعالى: ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥]. ٩ - (اليؤوس): القنوط، (٧) أي: إنّه ليؤوس كفور إدّا (٨). ١٠ - ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ﴾ أي: ليسندنّ الفعل إلى ما لا فعل له في الحقيقة، غير معترف بالله الذي صرف عنه السّيئات، وأبدله منها نعمة. ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ:﴾ لأشر بطر في حال الرّفاهية. ١١ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا:﴾ إن كان المراد بالإنسان: عبد الله بن أبي أمية المخزوميّ (٩)، أو رجلا معينا (١٠) مثله، فالاستثناء (١١) منقطع (١٢)، (١٣) وإن كان المراد به: الجنس، فالاستثناء

стр. 912

متصل؛ (١) لأنّه مستثنى من مثبت (٢). ١٢ - ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ أي: تكاد تترك إبلاغ ﴿بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ على سبيل الفور. ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي: وتكاد تضيق صدرا (٣) بهذا البعض على سبيل الضعف، وقلّة الاحتمال، دون الكراهة، وسوء الاختيار، وإنّما قال: ﴿وَضائِقٌ﴾ ولم يقل: وضيّق؛ للتوفيق بينه وبين قوله: ﴿تارِكٌ،﴾ ولنفي إيهام تحقيق الوصف في الحال. (٤) ﴿أَنْ يَقُولُوا:﴾ مخافة أو كراهة أن (٥) يقولوا. (٦) ١٣ - ﴿اِفْتَراهُ:﴾ الضّمير عائد إلى القرآن. (٧) والتّحدّي بعشر سور. (٨) وقيل: التّحدّي بسورة، وبحديث (٩)؛ لأن الآية مكيّة، ونزول سورة هود متقدم على نزول سورة الطّور. ﴿مِثْلِهِ:﴾ بدل من (عشر سور مفتريات)، ويجوز أن يكون حالا للسّور المأتيّ بها. (١٠) ويجوز أن يكون تقديره: سور مفتريات مثله على زعمكم. ١٤ - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ:﴾ إن كان خطابا للمأمورين بدعاء من استطاعوا، (١١) فهو كقوله: ﴿إِنَّ (١٢)﴾ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ

стр. 913

[الأعراف:١٩٤]، وإن كان خطابا للنّبيّ ﵇ ولأمّته، (١) فهم تبع له، شهداء منه، كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]. ١٥ - ﴿يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ يؤثرها، والمؤمن المخلص لا يؤثرها على الآخرة، ولكن يريدها؛ لاستدراك (٢) (١٥٨ ظ) الفائت، وإصلاح الفاسد، وهو المطلع، فهو من الآخرة. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ:﴾ المحمودة لظواهرها، لا لوجه الله تعالى، (٣) كقوله ﵇: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٤). ١٦ - ﴿ما صَنَعُوا فِيها:﴾ في الحياة الدّنيا. ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ لوقوعها باطلا عند الله في الأحكام العقباويّة. ١٧ - ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ:﴾ أي (٥): هو كمن ليس على بيّنة من ربه. الذي هو على بيّنة من ربه روح النّبيّ ﵇ وقلبه وضميره. ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ:﴾ هو منظره يتبع مخبره، قال محمد بن الحنفية (٦): قلت لعليّ بن أبي طالب ﵁: إنّ النّاس يزعمون في قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ،﴾ أنّك أنت التّالي؟ فقال: وددت أنّي هو، ولكنّه لسان محمد ﵇ (٧). وقيل: ﴿يَتْلُوهُ:﴾ القرآن، ﴿شاهِدٌ مِنْهُ:﴾ من ربّه، هو (٨) جبريل ﵇. (٩) ويحتمل: أنّ الشاهد هو نفسه، أو من عشيرته، أو رجل من أمّته، ألا ترى أن جعفرا (١٠)

стр. 914

كان مبلّغا عنه بالحبشة، وأنّ عليّا كان مبلّغا عنه في الحجّ الأكبر (١)، وابن عباس كان مبلّغا عنه في تفسير كتاب الله تعالى. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ:﴾ عامّ في الملل كلّها. (٢) ١٨ - ﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ:﴾ عن قتادة (٣)، عن صفوان بن محرز (٤) المازنيّ، قال: بينما أنا أطوف مع ابن عمر (٥) بالبيت، إذ عارضه [رجل] (٦)، فقال: يا ابن عمر، كيف سمعت رسول الله يذكر النّجوى؟ قال: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول له: [ربّ] (٧) أعرف ربّ أعرف، حتى يبلغ، فيقول: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وإنّي لأغفرها (٨) لك اليوم، قال: ثم يعطيه (٩) صحيفة حسناته بيمينه، وأما الكافر فينادى به على رؤوس الأشهاد: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ. . .﴾ الآية (١٠). ٢٠ - ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ:﴾ أي: عليهم. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي: لشدّة عداوتهم بعد اختيارهم العداوة أوّل مرّة، فتيسّرت عليهم العسرى، وتعسّرت عليهم اليسرى. (١١) ٢٢ - ﴿لا جَرَمَ:﴾ قال الزجاج (١٢): لا، ردّ لظنّهم، وقولهم الباطل، جرم، أي: كسب لهم

стр. 915

فعلهم الخسران (١). وقال الفرّاء (٢): لا جرم: كلمة بمنزلة (٣) لا بدّ، لا محالة، فجرت على ذلك، وكثر استعمالهم إيّاها حتى صارت بمنزلة حقّا (٤). ٢٣ - ﴿وَأَخْبَتُوا:﴾ اطمأنّوا، (٥) والخبت: الأرض المطمئنة. (٦) ٢٤ - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ:﴾ أحدهما: ﴿مَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ [هود:١٧]، الذين افتروا على الله كذبا، والآخر: من هو على بينة من ربه. (٧) و (الشّاهد): التّالي (٨) منه، والذين آمنوا وعملوا الصّالحات. ٢٦ - ﴿يَوْمٍ أَلِيمٍ:﴾ عذابه، وهو يوم الطّوفان، أو يوم القيامة. ٢٧ - ﴿أَراذِلُنا:﴾ جمع: أرذل (٩)، وأرذال: جمع رذل: وهو النّذل الخسيس، (١٠) وإنّما استحقروا المؤمنين؛ لقلّتهم، وفقرهم، ولكونهم بمنزلة السّفهاء عندهم. (١١) ٢٨ - ﴿قالَ (١٢)﴾ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ: المعنى: أنّهم تخوّفوا من نوح ﵇ ومن اجتماع أصحابه وكثرتهم على أنفسهم الإكراه والقهر، وطالبوه أن يطردهم، وينفّرهم، فأبى نوح ﵇ أن يطردهم، وقال: أرأيتموني وأصحابي نجبركم ونكرهكم على الدّين إن كثرنا؟ أي: لا نفعل ذلك؛ فإنّه ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. ٢٩ - ﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (١٥٩ و) ﴿مالاً:﴾ لست أطالبكم على الدّين، واجتماع الأصحاب، كفعل الملوك (١٣)، فتمنعوني عن ذلك لما يصيبكم من المؤونة. ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ:﴾ بأن تمنعوني عن الدعوة إلى الرشّاد بغير حجّة ثبتت لكم.
следующие страницы →