← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

السّجستانيّ (١): إنّ قوما من المشركين كانوا قد قالوا فيما بينهم: أرأيتم لو أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا، واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد ﵇ كيف يعلم بنا؟ فأنبأ الله عمّا كتموه، وقال: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ. . .﴾ الآية (٢). ٧ - سئل ابن عبّاس ﵁ عن قوله : ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ على أيش (٣) كان الماء؟ قال (٤): على متن الريح. (٥) ٨ - ﴿أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ:﴾ مدة معلومة، (٦) قال الله تعالى: ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥]. ٩ - (اليؤوس): القنوط، (٧) أي: إنّه ليؤوس كفور إدّا (٨). ١٠ - ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ﴾ أي: ليسندنّ الفعل إلى ما لا فعل له في الحقيقة، غير معترف بالله الذي صرف عنه السّيئات، وأبدله منها نعمة. ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ:﴾ لأشر بطر في حال الرّفاهية. ١١ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا:﴾ إن كان المراد بالإنسان: عبد الله بن أبي أمية المخزوميّ (٩)، أو رجلا معينا (١٠) مثله، فالاستثناء (١١) منقطع (١٢)، (١٣) وإن كان المراد به: الجنس، فالاستثناء

стр. 912

متصل؛ (١) لأنّه مستثنى من مثبت (٢). ١٢ - ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ أي: تكاد تترك إبلاغ ﴿بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ على سبيل الفور. ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي: وتكاد تضيق صدرا (٣) بهذا البعض على سبيل الضعف، وقلّة الاحتمال، دون الكراهة، وسوء الاختيار، وإنّما قال: ﴿وَضائِقٌ﴾ ولم يقل: وضيّق؛ للتوفيق بينه وبين قوله: ﴿تارِكٌ،﴾ ولنفي إيهام تحقيق الوصف في الحال. (٤) ﴿أَنْ يَقُولُوا:﴾ مخافة أو كراهة أن (٥) يقولوا. (٦) ١٣ - ﴿اِفْتَراهُ:﴾ الضّمير عائد إلى القرآن. (٧) والتّحدّي بعشر سور. (٨) وقيل: التّحدّي بسورة، وبحديث (٩)؛ لأن الآية مكيّة، ونزول سورة هود متقدم على نزول سورة الطّور. ﴿مِثْلِهِ:﴾ بدل من (عشر سور مفتريات)، ويجوز أن يكون حالا للسّور المأتيّ بها. (١٠) ويجوز أن يكون تقديره: سور مفتريات مثله على زعمكم. ١٤ - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ:﴾ إن كان خطابا للمأمورين بدعاء من استطاعوا، (١١) فهو كقوله: ﴿إِنَّ (١٢)﴾ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ

стр. 913

[الأعراف:١٩٤]، وإن كان خطابا للنّبيّ ﵇ ولأمّته، (١) فهم تبع له، شهداء منه، كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]. ١٥ - ﴿يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ يؤثرها، والمؤمن المخلص لا يؤثرها على الآخرة، ولكن يريدها؛ لاستدراك (٢) (١٥٨ ظ) الفائت، وإصلاح الفاسد، وهو المطلع، فهو من الآخرة. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ:﴾ المحمودة لظواهرها، لا لوجه الله تعالى، (٣) كقوله ﵇: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٤). ١٦ - ﴿ما صَنَعُوا فِيها:﴾ في الحياة الدّنيا. ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ لوقوعها باطلا عند الله في الأحكام العقباويّة. ١٧ - ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ:﴾ أي (٥): هو كمن ليس على بيّنة من ربه. الذي هو على بيّنة من ربه روح النّبيّ ﵇ وقلبه وضميره. ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ:﴾ هو منظره يتبع مخبره، قال محمد بن الحنفية (٦): قلت لعليّ بن أبي طالب ﵁: إنّ النّاس يزعمون في قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ،﴾ أنّك أنت التّالي؟ فقال: وددت أنّي هو، ولكنّه لسان محمد ﵇ (٧). وقيل: ﴿يَتْلُوهُ:﴾ القرآن، ﴿شاهِدٌ مِنْهُ:﴾ من ربّه، هو (٨) جبريل ﵇. (٩) ويحتمل: أنّ الشاهد هو نفسه، أو من عشيرته، أو رجل من أمّته، ألا ترى أن جعفرا (١٠)

стр. 914

كان مبلّغا عنه بالحبشة، وأنّ عليّا كان مبلّغا عنه في الحجّ الأكبر (١)، وابن عباس كان مبلّغا عنه في تفسير كتاب الله تعالى. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ:﴾ عامّ في الملل كلّها. (٢) ١٨ - ﴿أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ:﴾ عن قتادة (٣)، عن صفوان بن محرز (٤) المازنيّ، قال: بينما أنا أطوف مع ابن عمر (٥) بالبيت، إذ عارضه [رجل] (٦)، فقال: يا ابن عمر، كيف سمعت رسول الله يذكر النّجوى؟ قال: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول له: [ربّ] (٧) أعرف ربّ أعرف، حتى يبلغ، فيقول: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وإنّي لأغفرها (٨) لك اليوم، قال: ثم يعطيه (٩) صحيفة حسناته بيمينه، وأما الكافر فينادى به على رؤوس الأشهاد: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ. . .﴾ الآية (١٠). ٢٠ - ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ:﴾ أي: عليهم. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي: لشدّة عداوتهم بعد اختيارهم العداوة أوّل مرّة، فتيسّرت عليهم العسرى، وتعسّرت عليهم اليسرى. (١١) ٢٢ - ﴿لا جَرَمَ:﴾ قال الزجاج (١٢): لا، ردّ لظنّهم، وقولهم الباطل، جرم، أي: كسب لهم

стр. 915

فعلهم الخسران (١). وقال الفرّاء (٢): لا جرم: كلمة بمنزلة (٣) لا بدّ، لا محالة، فجرت على ذلك، وكثر استعمالهم إيّاها حتى صارت بمنزلة حقّا (٤). ٢٣ - ﴿وَأَخْبَتُوا:﴾ اطمأنّوا، (٥) والخبت: الأرض المطمئنة. (٦) ٢٤ - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ:﴾ أحدهما: ﴿مَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ [هود:١٧]، الذين افتروا على الله كذبا، والآخر: من هو على بينة من ربه. (٧) و (الشّاهد): التّالي (٨) منه، والذين آمنوا وعملوا الصّالحات. ٢٦ - ﴿يَوْمٍ أَلِيمٍ:﴾ عذابه، وهو يوم الطّوفان، أو يوم القيامة. ٢٧ - ﴿أَراذِلُنا:﴾ جمع: أرذل (٩)، وأرذال: جمع رذل: وهو النّذل الخسيس، (١٠) وإنّما استحقروا المؤمنين؛ لقلّتهم، وفقرهم، ولكونهم بمنزلة السّفهاء عندهم. (١١) ٢٨ - ﴿قالَ (١٢)﴾ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ: المعنى: أنّهم تخوّفوا من نوح ﵇ ومن اجتماع أصحابه وكثرتهم على أنفسهم الإكراه والقهر، وطالبوه أن يطردهم، وينفّرهم، فأبى نوح ﵇ أن يطردهم، وقال: أرأيتموني وأصحابي نجبركم ونكرهكم على الدّين إن كثرنا؟ أي: لا نفعل ذلك؛ فإنّه ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. ٢٩ - ﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (١٥٩ و) ﴿مالاً:﴾ لست أطالبكم على الدّين، واجتماع الأصحاب، كفعل الملوك (١٣)، فتمنعوني عن ذلك لما يصيبكم من المؤونة. ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ:﴾ بأن تمنعوني عن الدعوة إلى الرشّاد بغير حجّة ثبتت لكم.

стр. 916

٣١ - ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ:﴾ كدعوى الذين يدّعون الكيمياء. ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ:﴾ كدعوى الكهنة والقائفين. ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ:﴾ كدعوى الأرواح الخبيثة الملابسة من السّحرة. ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً:﴾ كدعوى المصدقين للطّواغيت طمعا في برّهم وخيرهم. فتبرّأ نوح ﵇ من هذه الدعاوى كلّها؛ لأنّ دعواه كانت نبوته بقوة إلهيّة، كان نوح ﵇ يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وخلع الأنداد. ٣٢ - ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا. . .﴾ الآية: وعدهم الطوفان. ٣٤ - ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ:﴾ النّصيحة: مرضيّة حميدة مأمور بها، بخلاف الإغراء، والنّفع مفتقر إلى وجود النصيحة، وهي لا توجد إلا بإرادتها. (١) ٣٥ - ﴿قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ:﴾ خطاب موجه (٢) لنبيّنا ﵇، وهو عارض في أثناء القصة، والمراد به تحقيق القصة وتوكيدها، وقطع أوهام المستمعين، ودعاويهم. ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ:﴾ أي: من إجرامكم، وهو تهمتهم، وتكذيبهم وإنكارهم. (٣) ٣٦ - ﴿إِلى نُوحٍ﴾ ﵇ ﴿أَنَّهُ:﴾ الهاء ضمير الأمر والشأن. ﴿فَلا تَبْتَئِسْ:﴾ تفتعل من البؤس، والمراد: الحزن والجزع، (٤) وكان دعوة نوح ﵇ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ. . .﴾ الآية [نوح:٢٦]، بعد ما أوحى الله تعالى بهذه الآية. ٣٧ - ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ أي: بنظر خاصّ منّا إلى ما تصنع يفيد الكلاءة. ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا:﴾ لا تدع عليهم بعد، فإنّا قد استجبنا لك، أو لا تتشفع لهم عند معاينة الأهوال من الرّقّة، وقلّة الاحتمال، أو أنّه نهي عمّا علم الله أنّه سيكون، وهو ذكر ابنه «يام». ٣٨ - ﴿سَخِرُوا مِنْهُ:﴾ استهزؤوا، وإنّما فعلوا؛ لأنّهم رأوه يصلح سفينة لا على ساحل

стр. 917

بحر، ولا على شط نهر. (١) ﴿فَإِنّا (٢)﴾ نَسْخَرُ مِنْكُمْ: سنجهّلكم ونسفّهكم. (٣) ٣٩ - ﴿مَنْ:﴾ بمعنى: الذين: في محل النّصب. (٤) وقيل: بمعنى: أي، في محل الأمر بالابتداء (٥). ٤٠ - ﴿حَتّى:﴾ غاية؛ لامتداد حاله وحالهم إلى مجيء الأمر. ﴿وَفارَ:﴾ الفور: الغليان، والخروج على السرعة. ﴿التَّنُّورُ:﴾ تنّور الخابزة. (٦) وقيل: عين ماء معروفة (٧). وعن عليّ: أنّه وجه الأرض (٨). ﴿إِلاّ:﴾ استثناء منقطع، (٩) والذي سبق عليه القول من جملة الأهل، امرأته و «يام». ٤١ - ﴿مَجْراها وَمُرْساها:﴾ في محل الرّفع، الباء في ﴿بِسْمِ اللهِ،﴾ [متعلق بما قبله، والتقدير: بسم الله إجراؤها وإرساؤها] (١٠) ويحتمل: أنّ قوله: ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ متصل بما قبله، أي: اركبوا بسم الله، وأنّ مجراها، ومرساها (١١)، أي: حال إجرائها، وإرسائها، أي: إثباتها، والمنع عن جريانها. وذكر المغفرة والرحمة؛ لترغيب التائبين الذين ركبوا في السّفينة. ٤٢ - ﴿فِي مَعْزِلٍ:﴾ موضع عزله عن أبيه وإخوته، يقال: إنّا بمعزل من كذا. ٤٣ - ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ:﴾ لا معصوم، (١٢) كقوله: ﴿مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق:٦]، و ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١]، وتقدير: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا لمن رحم. (١٣) وقيل: الاستثناء

стр. 918

منقطع، لا عاصم اليوم البتة من أمر الله لكن من ﵀. (١) ٤٤ - ﴿اِبْلَعِي:﴾ البلع: الاستراط في المتصل، يقال: (١٥٩ ظ) بلعت ريقي، وأبلعته، وابتلعت ما في فمي، ولا يقال: ابتلعت ما في القصعة والكأس. ﴿أَقْلِعِي:﴾ أمسكي. يقال: أقلع فلان من المعاصي، أي: تاب وأمسك عنها. ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ أي: غاضت الأرض الماء، ونشّفته الرّيح والحرارة، فنقص، (٢) وربما كان الغيض لازما. ٤٥ - ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ:﴾ يحتمل أنّه كان قد خوطب في الأهل بعموم، وظنّ كذلك، فلذلك تعرض للوعد. (٣) ويحتمل أنّه ظنّ أنّ المستثنى من أهله امرأته وحدها دون ابنه «يام». (٤) ويحتمل أنّ ابنه كان يظهر الإيمان، والموافقة على سبيل النّفاق، فخاطب بظاهره. ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ:﴾ يعني: النجاة. ٤٦ - ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ:﴾ الموعود لهم، (٥) أو من أهلك الذين أسباب الموالاة متصل بينك وبينهم. ٤٧ - ﴿أَنْ أَسْئَلَكَ:﴾ من أن أسألك: أطلبك. ٤٨ - ﴿بِسَلامٍ مِنّا:﴾ بتحية لك من عندنا، أو بتقدير السّلامة لك من عندنا. (٦) ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ:﴾ وببركات، (٧) والبركة: النماء وزيادة (٨) الخير. ﴿عَلى أُمَمٍ:﴾ أهل السّعادة من ذرّيتهم، (٩) كآل هود وصالح وأمثالهم. ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ:﴾ أهل الشّقاوة، كسائر عاد وثمود، وأمثالهم. ٤٩ - ﴿تِلْكَ:﴾ القصة، أو تلك الأنباء. (١٠) ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ:﴾ لأنّه لا يعلم كيفيّتها إلا آحاد النّاس، وفي كتب مندرسة لا تقوم

стр. 919

الحجة بمثلها. ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ:﴾ لأنّهم لم يكونوا سمعوا بها أصلا، والثاني: أنّ علمهم لم يقع بها؛ لأنّ العلم بالخبر لا يقع إلا عند الإعجاز والتّواتر، ولم يحصل إلا بالقرآن. ٥١ - ﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً:﴾ لّما اتّهموه أنّه يدّعي النّبوة ليزاحمهم، حسم أوهامهم بذلك. ﴿عَلَيْهِ:﴾ أي: على الدعاء والإنذار. ٥٢ - ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ:﴾ إنّما وعد درّ السماء على شريطة التّوبة والاستغفار؛ لاحتياجهم إلى ذلك، وقد ذهب وفدهم للاستقساء (١) على ما قدمنا. ٥٣ - ﴿بِبَيِّنَةٍ:﴾ معجزة، التي توجب العلم ضرورة على سبيل الإلجاء، طالبوه بها جهلا منهم. ﴿عَنْ قَوْلِكَ:﴾ بقولك. وضع (عن) مكان (الباء)، كما وضع (الباء) مكان (عن) في قوله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٩]، و ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج:١]. وقيل: معناه: ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ صادرين عن رأيك، وقولك. (٢) ٥٤ - ﴿اِعْتَراكَ:﴾ مسّك، وعرض لك، تقول (٣): عروته، واعتريته، وعورته، واعتورته: إذا أتيته بطلب حاجة، (٤) ومحلّه النّصب بالاستثناء. ﴿بِسُوءٍ:﴾ بخبال (٥) وجنون، وإنّما قالوا ذلك؛ لاعتقادهم أنّ النّفع والضّر من عندها. (٦) ﴿قالَ:﴾ هود ﵇. (٧) ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ:﴾ أنّي بريء من آلهتكم. ﴿وَاِشْهَدُوا:﴾ أنتم عليّ أنّي بريء من آلهتكم التي اتّخذتموها من دون الله. ٥٥ - ﴿فَكِيدُونِي:﴾ أنتم وآلهتكم أجمعون، ولا تمهلوني، وإنّما قال ذلك ليعرّفهم عجزهم وعجزها، وينبّئهم على بطلان دعاويهم.

стр. 920

٥٦ - ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها:﴾ عبارة عن ملك الأمر والاستيلاء، والقدرة على وجوه التّصاريف، (١) والنّاصية: هي العرف. قال ﵇: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (٢). وأنّ النّبيّ ﵇ حسر عمامته، ومسح على ناصيته (٣). (٤) ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى﴾ (١٦٠ و) ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ أي: فعله وقوله على قضيّة علمه وحكمته. (٥) ٥٧ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ تتولّوا وتعرضوا. (٦) ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ:﴾ جواب للشّرط (٧)، وكأنّه (٨) قال: إن تعرضوا فلا عليّ، فإنّي قد قضيت ما عليّ. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ:﴾ يجوز أن يكون معطوفا على جواب الشّرط بالفاء، (٩) ويجوز أن يكون مستأنفا. (١٠) والاستخلاف: اتخاذ الخليفة (١١)، كالاستيزار (١٢) والاستقضاء. ﴿شَيْئاً:﴾ في شيء. وقيل: لا تنقصونه (١٣) شيئا. (١٤) ﴿مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ:﴾ إن أراد به الريح، (١٥) فهي جسم؛ لأنّها تشاهد إذا تلوّنت بالغبار، فغلظها تراكم أجزائها، وشدّة ائتلافها بخلاف الرّيح الطّيبة. وإن أراد به ما حصل من التّعذيب، فغلظه عظمته وشدّته وفخامته.

стр. 921

٥٩ - ﴿وَتِلْكَ:﴾ مبتدأ (١). ﴿عادٌ:﴾ خبرها، (٢) والتقدير: تلك الأمة عاد. وقيل (٣): ﴿وَتِلْكَ:﴾ مبتدأ، و ﴿عادٌ:﴾ كالبدل عنه، والخبر: ﴿جَحَدُوا﴾ أي: أنكروا. (٤) ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ:﴾ نوح وهود، ومن قبلهما، أو هود والملائكة، أو هود وحده، جمع على سبيل التّشريف. ويحتمل أنّ هودا ﵇ كان معه رسل كما أن هارون مع موسى، وبعض الحواريّين مع عيسى ﵇ ومثل هذا لا يثبت إلا بالسماع. (العنيد): العاند، والعنود: الذي لا يطيع. ٦٠ - ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ أي: وأتبعوا لعنة يوم القيامة. وقوله: ﴿أَلا إِنَّ عاداً:﴾ خبر مستأنف. ويحتمل أنّ يوم القيامة (٥) متصل به، وتقديره: ويوم القيامة ألا إنّ عادا كفروا ربّهم، أي: بربهم. ٦١ - ﴿وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:﴾ أي: جعلكم عمّارها. (٦) ابن عرفة (٧): أطال الله عمركم فيها. (٨) ويحتمل من قوله: أعمرته الدار، أي: جعلتها له مدة عمره، وهي العمرى. (٩) ٦٢ - ﴿كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا:﴾ نتفرّس فيك الخير. (١٠) ﴿قَبْلَ هذا:﴾ قبل (١١) دعوتك إيانا إلى التوحيد والرشد، وأمّا اليوم فقد أيسنا من خيرك. ٦٣ - ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ:﴾ يجوز أن يكون استفهاما، وأن يكون نهيا. ﴿تَخْسِيرٍ:﴾ تضليل، ونسبته إلى الخسران، وقيل: بخس ونقص ومضرّة (١٢)، من قولهم: صديق مخسر عدوّ مبين.

стр. 922

٦٤ - ﴿لَكُمْ آيَةً:﴾ نصب على القطع أو الحال، (١) وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ متّصل بما بعده، لا بما قبله. ٦٥ - ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ:﴾ إخبار عن انتهاء تمتّعهم، (٢) كقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢]. ﴿مَكْذُوبٍ:﴾ مصروف عن جهة الصدق. ٦٦ - ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا:﴾ يجوز أن يكون ﴿مِنّا﴾ متّصلا (٣) برحمة، أي: برحمة من عندنا، ويجوز أن يكون متّصلا ب ﴿نَجَّيْنا،﴾ أي: نجّيناهم من أمرنا. وإن أراد الأول، فالخزي: معطوف على مضمر، تقديره: منه، ومن خزي يومئذ. وإن أراد الثاني فهما ظاهران. وقيل: الواو في قوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ مقحمة (٤)، كما في قوله: ﴿جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر:٧١]. ٦٩ - ﴿قالُوا سَلاماً:﴾ نصب بوقوع القول عليه، (٥) كما تقول لمن قال: لا إله إلا الله: قلت صوابا، أو حقّا وحتما. ﴿قالَ سَلامٌ:﴾ رفع على الحكاية، تقديره: سلام عليكم. (٦) ﴿أَنْ جاءَ:﴾ نصب بنزع الخافض (٧)، تقديره: فما لبث عن مجيئه، وقيل: [رفع] (٨)،

стр. 923

تقديره: فما لبث مجيئه، أي: ما أبطأ. (١) ﴿حَنِيذٍ:﴾ ما شوي في الحفائر بالرّضف. (٢) وقيل: منضّج. (٣) ٧٠ - ﴿رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ:﴾ أي: رآهم ممسكين عن الطعام. (٤) ﴿نَكِرَهُمْ:﴾ استنكرهم، وأنكرهم. (٥) (١٦٠ ظ) وقيل: ظنّ أنّهم لصوص لا يتحرّمون بطعامه؛ لئلاّ يدخل في نعتهم. (٦) و (الإيجاس): شيء من الإحساس، وما خاف حقيقة، ولكن ثمّ (٧) مكروه لعل الله يوصله إليه من جهتهم. ٧١ - ﴿فَضَحِكَتْ:﴾ بالسّرور من جهتهم، حيث قالوا: ﴿لا تَخَفْ﴾ [هود:٧٠]. (٨) وقيل: ضحكت سرورا بنصرتهم لوطا ﵇ وفرحا بالولد. (٩) ﴿وَمِنْ وَراءِ:﴾ خلف إسحاق يعقوب. (١٠) وقيل: الوراء: اسم لولد الولد، فتقديره: ومن جهة إسحاق الوراء. وعن الشّعبيّ (١١): الوراء: ولد الولد. (١٢) ٧٢ - ﴿يا وَيْلَتى:﴾ الدعاء بالويل حقيقة عند شدة الأمر، وخوف الهلاك، إلا أنّه كثر استعمالها، تلفظوا بها عند كل تعجب توسّعا ومجازا. ويحتمل: أنّه توهّمت أنّها تهلك، ثم تنشأ ثانيا للولادة؛ فلذلك دعت بالويل. ﴿بَعْلِي:﴾ زوجي، وربّ الدار. ﴿شَيْخاً:﴾ حال (١٣).

стр. 924

٧٣ - ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ:﴾ إنّما أنكروا عليها التّعجب من أمر الله؛ لأنّه جميل لا يستبعد منه فعل ما يستحق الحمد. ﴿مَجِيدٌ:﴾ لا نهاية لمجده. ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ:﴾ خبر، أو (١) دعاء. (٢) ﴿أَهْلَ:﴾ نصب على النّداء، (٣) ول (أهل) معنيان: أحدهما: من يسكن بيته من عياله، كقوله: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ. . .﴾ إلى قوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣]. والثاني: بنو أبيه، ومواليه، قال ﵇: «سلمان منّا أهل البيت» (٤). وإن كان المراد بأهل البيت بيت إبراهيم ﵇ [من] (٥) الصّنف الأوّل، فلم تشتمل التّسمية على لوط ﵇ وإن كان الثّاني، فاشتملت. ٧٤ - ﴿الرَّوْعُ:﴾ الفزع والخوف. (٦) وفي الحديث: أنّهم خرجوا ذات ليلة إلى صوت، فإذا رسول الله ﵇ يستقبلهم (٧) على فرس يقول: «لن تراعوا، لن تراعوا» (٨). ﴿يُجادِلُنا﴾ أي: طفق يجادل رسلنا، (٩) وهو قوله: ﴿فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر:٥٧]، وقوله: ﴿إِنَّ فِيها لُوطاً﴾ [العنكبوت:٣٢]، وقوله: أتهلكون قرية فيها كذا كذا مؤمنا، وكل ذلك بإذن الله. (١٠) ٧٥ - ﴿لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ:﴾ يتحلّم عن قوم لوط وثناؤه عليهم، منيبا إلى الله في حوائجه

стр. 925

وأموره. والإنابة: الرّجوع. ٧٦ - ﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا:﴾ لمّا سمع هذا تيقّن بهلاك قريات [قوم لوط] (١)، والمراد (٢) في الخطاب غير ملفوظ به واستثناء منقطع معناه: لكن (٣) يخبرنا به ابتداء، لا على سبيل الحكاية. ٧٧ - ﴿سِيءَ بِهِمْ:﴾ سيء بمجيئهم؛ لما يخاف عليهم من فعل قومه. (٤) ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً:﴾ أي: ضاق ذرعه بهم. ذرعه: طاقته، واستطاعته. ﴿عَصِيبٌ:﴾ شديد. (٥) ٧٨ - ﴿يُهْرَعُونَ:﴾ يستحثّون، ويزعجون على سرعة، (٦) والمستحثّ: المزعج قضاء الله وقدره. ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ:﴾ أفعالهم الخبيثة. ﴿هؤُلاءِ بَناتِي:﴾ إشارة إلى نسائهم، وإنّما دعاهنّ بنات على سبيل التلطف في الخطاب، إذ النّبيّ من أمته بمنزلة الأب من أولاده، ألا ترى أنّ لوطا لم يكن له إلا ابنتان. (٧) ويحتمل أنّه كان له بنات غيرهما، فعرضهنّ عليهم بالتّزويج، (٨) وكان ينعقد النّكاح من الكفّار والمسلمين يومئذ (٩). ويحتمل أنّ لوطا عبّر عن ابنتيه بالبنات، وعرضهما على رئيسين؛ ليمنعا الباقين. و (الضيف): النازل عند الإنسان بزاده. ٧٩ - ﴿ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ:﴾ ليس لنا في بناتك من حاجة ومراد، (١٠) ويحتمل: أنّهم أرادوا نفي عقد النّكاح. (١١)

стр. 926

﴿لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ:﴾ كناية عن فعلتهم الخبيثة. (١) ٨٠ - ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ:﴾ جواب (لو) مضمر (٢) (١٦١ و) تقديره: شديد لمنعتكم عن هؤلاء الضيف. أراد ب (الركن الشديد): ولي يعتضد به، من جار أو عشيرة. ٨١ - ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ:﴾ يدل على استعجال لوط ﵇. (٣) ٨٢ - ﴿مَنْضُودٍ:﴾ متراكم، تراكمت أجزاء السّجيل حتى تحجّر. ٨٣ - ﴿مُسَوَّمَةً:﴾ نصب على الحال، (٤) أو القطع، أي: معلمة بخطوط من الألوان. (٥) ﴿وَما هِيَ:﴾ أي: العقوبة (٦) أو الحجارة. (٧) ﴿مِنَ الظّالِمِينَ:﴾ قوم لوط، (٨) ويحتمل أهل مكة، فتلك الحجارة لم تكن ببعيد عنهم (٩)؛ لأنّهم كانوا يمرّون بها في أسفارهم إلى الشام، وقد كان وقع بمكة من جنسها عام الفيل. ويحتمل: أنّه على سبيل الوعيد لأهل مكة، ومن يعمل عمل قوم لوط، أي: لا يبعد أن يمطر عليهم مثلها؛ فإنّهم مستحقون لها، لولا فضل من الله ورحمته. وإنّما أسقط التأنيث من (بعيد) لكون التأنيث غير حقيقي، أو لتقدير: شيء، أي: وما هي بشيء بعيد، أو لوفق رؤوس الآي. ٨٤ - ﴿أَراكُمْ بِخَيْرٍ:﴾ بحالة حسنة، ونعمة وافرة غير محتاجين إلى الخيانة. (١٠) ٨٦ - ﴿بَقِيَّتُ اللهِ:﴾ ما يحدثه الله من النماء والبركة من غير بخس وتطفيف. (١١) ٨٧ - كان شعيب ﵇ كثير الصّلاة والعبادة والدّعاء، وكانوا يستحسنون ذلك منه، فلمّا دعاهم إلى خلع الأنداد، وإيثار القسط، رأوه قبيحة، فقالوا تعجبا: أصلاتك الحسنة أثمرت، وأفادت هذه الدعوة؟ وفيها اختصار، تقديرها: تأمرك، وتحملك على تكليفنا أن نترك،

стр. 927

وقيل: تقديره: أصلاتك تأمرك، وإيانا أن نترك ما يعبد آباؤنا، وتنهاك وإيّانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء. (١) ﴿الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ:﴾ السّفيه الجاهل، (٢) كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]. وقيل: هو على ظاهره، أي: كنت الحليم الرشيد حتى الآن، كقول ثمود لصالح: ﴿كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا﴾ [هود:٦٢]. (٣) ٨٨ - ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ المستفهم مضمر، (٤) تقديره: أرأيتم إن كنت بهذه أكنت جاهلا؟ أو أرأيتم إن كنت بهذه الصّفة أكنتم تجيبونني؟ وفائدته: الاستدراك. ٨٩ - ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ:﴾ كقولك: لا تحملنّك مخالفتي على أن تدحرج نفسك من شاهق إلى بئر. (٥) ٩٠ - ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ:﴾ أتى بالدعوة على سبيل التّرغيب، بعد الدعوة على سبيل التّرهيب؛ لتبلغ الدّعوة كلّ مبلغ، وتلزم (٦) الحجة كلّ اللّزوم. ﴿وَدُودٌ:﴾ متحبب، (٧) في الحديث: «إنّ الله تعالى يتحبّب إلى عبده بالنّعم، والعبد يتمقّت إليه بالمعاصي» (٨). ٩١ - لّما انقطعوا في المناظرة والجدال، أخذوا في السّفاهة (٩)، عادة الجهّال، ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ.﴾ ﴿ضَعِيفاً﴾ (١٠): مكفوفا. (١١) ﴿رَهْطُكَ:﴾ عشيرتك. (١٢) والرّهط: ما دون العشرة من الأنفس. (١٣)

стр. 928

﴿لَرَجَمْناكَ﴾ (١): شتمناك، وقذفناك. (٢) ويحتمل: الرجم بالحصى. (٣) ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ:﴾ لا يعزّ (٤) علينا مكروهك، ولكنه يعزّ علينا مكروه رهطك. (٥) ٩٢ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ:﴾ يكذّبهم، ويقول: ليس (٦) لعشيرتي عندكم ذمام وحرمة، فإنّكم أعرضتم عن حق الله، فكيف يرجى منكم رعاية حق العشيرة؟ والثاني: كان يحتجّ عليهم بحفظ ذمام العشيرة، ويقول: إن كنتم تحفظون ذمام العشيرة، فلم لا تراعون حقّ الله، ولم تعرضوا عنه؟ فإنّه أحق وأوجب. ﴿وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا:﴾ اتخذتم (٧) الرهط ملجأ (١٦١ ظ) وعده لكم من ورائكم. وقيل: اتخذتم حقّ الله شيئا لا تلتفتون إليه. (٨) ٩٣ - قوم شعيب كانوا يخوّفونه بأن يعتريه بعض آلهتهم بسوء وعذاب، ويسمّونه كاذبا، فقال على سبيل التّهديد (٩): ﴿وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ:﴾ على حالتكم التي هي حالة التمكين من الاختيار. (١٠) ﴿إِنِّي عامِلٌ:﴾ عملي على هذه الحالة. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ:﴾ عند نسخ حالة الاختيار بحالة الإلجاء والاضطرار. ٩٧ - ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ:﴾ إيّاهم، أن استخفّهم فأطاعوه في عبادته وتعبّد بني إسرائيل. ﴿بِرَشِيدٍ:﴾ مرشد. (١١) ٩٨ - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ:﴾ يقال: قدم يقدم، بضم العين فيهما، إذا صار قديما أو مقدما،

стр. 929

وقدم يقدم، بكسر العين في الماضي، وفتحها في الحاضر (١)، إذا تلقّى واستقبل، وقدم يقدم، بفتح العين في الماضي، وضمّها في الحاضر، إذا تقدّم. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ:﴾ على سبيل التّسبّب، دون التّسلط. وقال ابن عرفة: الورود: موافاة المكان قبل دخوله، وحقيقته: الوصول والبلوغ. (٢) ٩٩ - ﴿الرِّفْدُ:﴾ اسم للقوام المستفاد، (٣) والرّفد: بدل القوم، فلمّا كان قيام بؤس آل فرعون، وانتظام وبالهم، وتتمّة المقدور فيهم باللّعنة بعد اللّعنة، وقعت العبارة عنها بالرّفد. ويحتمل: أنّهم أطاعوا فرعون طمعا في الرّفد، فبدّله الله باللّعنة، فوقعت العبارة عن البدل. ١٠٠ - ﴿قائِمٌ:﴾ باق. ﴿حَصِيدٌ:﴾ فان، يقال: حصدهم بالسّيف، (٤) فالباء في مثل: مصر (٥)، وجنّة شداد، وأخواتهما، والفاء في مثل: حجر، والمؤتفكات، وأخواتهما. ١٠١ - ﴿تَتْبِيبٍ:﴾ تخسير، والتّباب: الخسار. (٦) ١٠٢ - عن أبي موسى (٧)، عنه ﵇: «أنّ الله تعالى يملي للظّالم، أو قال: يمهل (٨)، حتى إذا أخذه لم يفلت»، ثم قرأ: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ (٩)﴾. . . الآية (١٠). ١٠٤ - ﴿نُؤَخِّرُهُ:﴾ الضّمير عائد إلى اليوم الموعود. (١١) ١٠٥ - ﴿يَأْتِ:﴾ يشبه التّرخيم (١٢). ويحتمل: أن يكون شرطا؛ لأنّ (يوما) يشبه الميم

стр. 930

الموصول، وقد ينقلب حرف شرط. قال [من الكامل] (١): استغن ما أغناك ربّك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل والجواب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ،﴾ شقيّ: محروم مكدود، وسعيد: محظوظ مجدود. عن (٢) عمر بن الخطّاب، قال: لّما نزلت (٣) هذه الآية، سألت النّبيّ ﵇ فقلت: يا نبيّ الله، فعلى ما نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه (٤)؟ فقال: «بل على شيء فرع عنه، وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له». (٥) ١٠٦ - ﴿زَفِيرٌ:﴾ صوت الصّدر. ﴿وَشَهِيقٌ:﴾ صوت الحلق، وكلاهما من أصوات المكروبين. (٦) ويحتمل: أنّ هذا في نهيق الحمار. (٧) ويحتمل: هذا في القبر، كقوله تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، وقوله ﵇: «القبر روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النّيران» (٨). ١٠٧ - ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ:﴾ يحتمل: كون أنفسهم اللطيفة في النار قبل مجيء القيامة، وانفطار السّماء، وتبدّل الأرض، وبعثرة ما في القبور (٩)، والاستثناء حالة الرّقدة والصّعقة. ويحتمل: أنّ المراد بالسّماوات: سقوف النّار ودركاتها، والاستثناء حالة العرض والحساب، (١٦٢ و) أو حالة عقوبة الاستهزاء. ويحتمل: أن المراد ببقاء السّماوات والأرض: بقاء أجزائهما لا بقاء تآليفهما، ولا دلالة على فناء الأجزاء المتلاشية بعد الوجود، والاستثناء حالة الدّنيا. وقيل: جرى مجرى الأمثال (١٠)، كقولهم: لا آتيك سنّ الحسل (١١)،

стр. 931

ومعز (١) الفزر. وقيل: مقدار دوام السّماوات والأرض. (٢) ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ:﴾ من الزيادة، قاله (٣) الفرّاء (٤). وقيل: ﴿ما شاءَ رَبُّكَ:﴾ من شاء ربك، وهم طائفة من أهل الإيمان، جمعوا بين شقوة المعاصي، وسعادة الإيمان، فهم مستثنون من الأشقياء؛ لانقطاع خلودهم، مستثنون من السّعداء؛ لتأخّر دخولهم. (٥) والمراد بكونهم في الجنّة: بحياة الشّهداء. ويحتمل: سائر الوجوه المذكورة. ١٠٨ - ﴿عَطاءً:﴾ أي: أعطيناهم عطاء. ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ:﴾ مقطوع. (٦) ١١٠ - والفائدة من ذكر موسى ﵇ وكتابه هو التّنبيه على جواز التّمثيل مع وجود الاختلاف كيلا يظنّ ظانّ أنّه معنى اختصّ بالقرآن. ١١٣ - ﴿وَلا تَرْكَنُوا:﴾ ولا تميلوا. (٧) ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ. . .﴾ الآية: كالعارض بين مسّ النّار، وابتغاء النّصرة. ١١٤ - ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ:﴾ الفجر والظهر والعصر. (٨) ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ:﴾ ساعاته المترادفة، (٩) أراد: صلاة المغرب والعشاء والوتر. وعن موسى بن طلحة (١٠)، عن أبي اليسر (١١)، قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا، فقلت: إنّ في البيت تمرا أطيب منه، فدخلت معي في البيت، وأهويت إليها، فقبّلتها، فأتيت أبا (١٢) بكر، رضي

стр. 932

الله عنه، فذكرت له ذلك، فقال: استر على نفسك، وتب. فأتيت عمر، ﵁، فذكرت له ذلك، فقال: استر على نفسك، وتب، ولا تخبر أحدا، ولم أصبر، فأتيت (١) النّبيّ ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟»، حتى تمنّى أنّه لم يكن أسلم تلك إلا السّاعة، حتى ظنّ أنّه من أهل النّار. وأطرق رسول الله ﵇ طويلا (٢) حتى أوحى الله (٣) إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ. . .﴾ الآية، قال أبو اليسر: فأتيت رسول الله، فقرأها عليّ، وقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصّة أم للنّاس عامّة؟ قال: «بل للنّاس عامّة» (٤). وروى الكلبيّ (٥)، عن أبي صالح (٦)، عن ابن عبّاس، ﵄: أنّ الآية نزلت في عمرو بن غزيّة الأنصاريّ (٧)، وكان يبيع التّمر، فأتته امرأة تبتاع منه تمرا، فأعجبته، وقال: إنّ في البيت تمرا أجود من هذا، فانطلقي حتى أعطيك منه، قال: فانطلقت معه المرأة، فلمّا دخلت المرأة بيته، فوثب إليها، فلم يترك شيئا مما يصنع الرّجل بالمرأة إلا وقد فعله، إلا أنّه حذف، ولم يجامعها، (١٦٣ و) وحذف (٨) شهوته، فلما حذف شهوته، ندم على ما صنع بالمرأة، فاغتسل، ثمّ أتى النّبيّ ﵇ يسأله عن ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما أدري ما أردّ عليك؟ حتى يأتيني فيك شيء من الله». قال: فبينما هم كذلك إذ (٩) حضرت العصر، فلمّا فرغ من صلاته نزل جبريل ﵇ بتوبته، فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ. . .﴾ الآية. فقرأها رسول الله من القرآن، فقال عمر بن الخطّاب: أخاصّ أم عامّ؟ قال: «لا، بل عامّ». (١٠) ١١٦ - ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ:﴾ أولو بقاء على أنفسهم؛ لتمسّكهم بالدين. (١١) ويحتمل: بقيّة

стр. 933

سنن الصّالحين، أي: هلاّ كان منهم (١) من يتمسّك بالبقيّة من سنن آدم وشيت وإدريس، ﵈، ينهون عن البدع في الأرض. ﴿قَلِيلاً:﴾ نصب على الاستثناء. (٢) (الإتراف): الإنعام فوق المقدار والكفاية. ١١٧ - ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ:﴾ أي: ما كان ليهلكهم بذنب؛ وأهلها موحدون. وقيل: ما كان الله ليهلكها؛ وأهلها متمسّكون بعدل السّيرة. (٣) وقيل: ما كان ليهلكهم بظلم نادر؛ وأهلها غير مستحقّين للعقاب. (٤) وقيل: ما كان بظالم لو أهلكها، وإن كان أهلها مصلحين. (٥) ١١٩ - ﴿وَلِذلِكَ:﴾ إشارة أن يكونوا أمة واحدة على الإسلام، وقيل: للاختلاف. (٦) وقيل: للإمساك عن الاختلاف. (٧) وقيل: للاستثناء بالرحمة. (٨) ١٢٠ - ﴿فِي هذِهِ:﴾ إشارة إلى السورة. (٩)

стр. 934

سورة يوسف مكية. وعن ابن عباس: إلا أربع آيات: ثلاث من أولها، والرابعة (١): ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [يوسف:١١١]. (٢) وهي مئة وإحدى عشرة آية بلا خلاف. (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢ - ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ:﴾ الضمير عائد إلى الكتاب. (٤) ﴿قُرْآناً:﴾ اسم من القراءة، أو مصدر (٥). ﴿عَرَبِيًّا:﴾ بلغة العرب. (٦) قال ﵇: «إنّ العربية ليست باب والد، ولكن كل من تكلم بالعربية فهو عربيّ» (٧). ٣ - ﴿أَحْسَنَ (٨)﴾ الْقَصَصِ: ما كان غاية في إفادة الصدق والعجب، الباعث على مكارم الأخلاق، الزاجر عن اللوم، بنظم سهل ممتنع (٩)، وهو (١٠) القرآن، لتضمّنه أقاصيص الأنبياء والأولياء، وذكر عاقبة المتقين، وقصارى عمل المفسدين. (١١) وقيل: قصة يوسف ﵇؛ لاشتماله على حسن تعبير يعقوب، وحسن موعظته يوسف، وحسن صبره في حزنه، وحسن تعزّيه في مصيبته، وحسن رجائه من الله، وحسن (١٦٣ ظ) معاشرته فيه حيث لم يهاجرهم، ولم ينابذهم، ولاشتماله على حسن صورة يوسف، وحسن رؤياه في صباه، وحسن إمساكه عن زليخا، وحسن اختياره السجن، وحسن تعبيره رؤيا الفتيين (١٢)، وحسن صبره في السجن،

стр. 935

وحسن تدبيره في ادّخاره الميرة، وحسن كيده في حبس أخيه، وحسن ردّه على إخوته بضاعتهم، وحسن عفوه عنهم، ولاشتماله على حسن اختيار زليخا والنسوة والملك، وحسن توبة إخوة يوسف، وحسن اعترافهم واعتذارهم، وحسن عاقبة الجميع، وحسن ذكر الله إيّاهم. (١) والقول الأول الأصحّ؛ لقوله: ﴿بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ.﴾ عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أنزل الله تعالى القرآن على رسول الله ﷺ ، فتلاه عليهم زمانا، فقيل: يا رسول الله، لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ. . .﴾ الآية، فتلا عليهم زمانا، قيل: يا رسول الله، لو حدّثتنا، فأنزل: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ. . .﴾ الآية [الزمر:٢٣]. وروي فقيل: لو خوّفتنا، فأنزل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا. . .﴾ الآية [الحديد:١٦]. (٢) ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ:﴾ أي: من قبل الوحي إلا (٣) غافلا عن هذه (٤) الأنباء. ٤ - ﴿يا أَبَتِ:﴾ الفراء (٥): كانت ها وقفة، واستجازوا تحريكها، كتحريك هاء الندبة، ثم قلبوها تاء كهاء التأنيث، فأدخلوها عليها، الإضافة بالكسر، والندبة بالفتح. (٦) وقيل: التاء عوض عن ياء المتكلّم؛ لأنّها لا تثبت مع الياء. (٧) وإنّما جمع جمع العقلاء (٨) لاعتبار فعل العقلاء، وهو السّجود، أو لأنّ تأويله: أبواه وإخوته. (٩) ٥ - ﴿لا تَقْصُصْ:﴾ لأنّه علم غيرتهم ومنافستهم في (١٠) طريق المشاهدة، أو من طريق (١١) القياس على أمر أخيه"عيصو".

стр. 936

و (١) ذكر (٢) الشيطان؛ لأنّه كان يعلم أنّهم يفهمون (٣) التأويل؛ لأنّ البيت كان بيت النّبوة والعلم، فيتخوف على يوسف من البوائق، وعلى إخوته البغي من وسوسة الشيطان. وعن وهب (٤): رأى هذه الرؤيا وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان رأى قبل ذلك، وهو ابن سبع سنين: إحدى (٥) عشرة عصا طوالا مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة، وإذا عصا صغيرة تثب على هذه العصيّ، فتغلبها، وتفوقها. (٦) ٦ - ﴿وَكَذلِكَ:﴾ إشارة إلى السجود والاختصاص بالرؤيا. فإنّما بشّره بالاجتباء لرؤياه، فإنّ الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، وبشّره بعلم التأويل؛ (٧) لافتتاح أمره بخصلة نبوّته، وهي الرؤيا، وبشّره بإتمام النعمة عليه؛ لأنّ الله متمّ نوره، وعلم بذلك لوقوع أمثلتهم في الرؤيا: كواكب (٨)، والكواكب نور يقتدى. ٨ - ﴿إِذْ قالُوا:﴾ (١٦٤ و) فيما بينهم. ﴿وَأَخُوهُ:﴾ لأمّه. (٩) ﴿عُصْبَةٌ:﴾ ما بين العشرة إلى الأربعين. (١٠) وضلّلوا أباهم في التدبير الدنياوي؛ لكون يوسف وأخيه غلامين ضعيفين، وكونهم عصبة أقوياء على الحماية، والانتصار من العدوّ، ولم يقصدوا ذمّ أبيهم، وإنّما قصدوا العتاب. (١١) ٩ - ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ:﴾ بغير حق؛ لأنّهم لم يكونوا بلغوا رتبة النبوّة، (١٢) ولا يوسف بعد، وقتل غير النّبيّ ليس بكفر، والكبائر قبل النبوّة ممكنة. (١٣) ويحتمل: أنّهم قالوا نصيحة

стр. 937

لأبيهم، وصرف محبّته إليهم، إذ هو الأصلح فيما بينهم. ﴿أَوِ اِطْرَحُوهُ:﴾ أسقطوه. ﴿أَرْضاً:﴾ بأرض (١) غير (٢) أرضهم. ﴿يَخْلُ لَكُمْ:﴾ يفرع ويحصل لكم. (٣) ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ من بعد هذا الذنب. (٤) ﴿صالِحِينَ:﴾ تائبين، عن ابن عباس. (٥) وقال مقاتل (٦): أراد إصلاحهم فيما بينهم. (٧) ١٠ - ﴿قالَ قائِلٌ:﴾ قتادة وابن إسحاق (٨): روبيل. (٩) مجاهد: شمعون. (١٠) وقيل: يهوذا. (١١) ﴿الْجُبِّ:﴾ الركيّة لم تطو، فإذا طويت فهي بئر. (١٢) و (الالتقاط): رفع المنبوذ. (١٣) ﴿السَّيّارَةِ:﴾ مارّة الطريق، وهي (١٤) العير. ﴿فاعِلِينَ:﴾ حائلين بين يوسف وأبيه لا محالة، فحولوا كذلك.

стр. 938

١١ - ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا:﴾ كان يعقوب كان يتخوف على يوسف من (١) إخوته؛ لما كان يعلم من غيرتهم ومنافستهم، وكان لا يرسله معهم للحشّ، ولا التماشي، ويحبسه عند نفسه؛ فلذلك قالوا: ﴿وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ على اعتقادهم أنّ إخراجه من بين أظهرهم خير له ولهم. أرادوا بقولهم: ﴿إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ:﴾ حفظه وحبسه في البئر إلى أن يلتقطه بعض السيّارة. ١٣ - يقال: حزنني، وأحزنني. (٢) وإنّما خاف أكل الذئب، لأنّه كان رأى في المنام أنّ الذئب قد اختطفه. (٣) وقيل: لأنّ الذئاب كانت كثيرة عادية (٤) في أرض كنعان. (٥) وإنّما أظهر هذه العلة دون تخوّفه من كيدهم للرّفق، وحسن العشرة. ١٤ - لما قالوا: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ سكن إلى قولهم، وأحبّ أن يرسله معهم؛ لعلّ الله يؤلّف بينهم، ولئلا يزيدهم حقدا بردّهم خائبين. ١٥ - ﴿وَأَوْحَيْنا:﴾ واو مقحمة، (٦) كما في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر:٧٢]، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]. قيل: إيحاء جبريل. (٧) وقيل: الإلهام. (٨) ﴿إِلَيْهِ:﴾ إلى يوسف. (٩) ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ:﴾ وهو قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ (١٠)﴾ وَأَخِيهِ [يوسف:٨٩]. ١٦ - ﴿يَبْكُونَ:﴾ يكلّفون البكاء، (١١) كعادة (١٢) الجاني إذا تبرّأ [أكثر] (١٣) من البكاء.

стр. 939

١٧ - ﴿نَسْتَبِقُ:﴾ نسابق بالرمي والتعادي. (١) ويحتمل: أنّهم لم يقصدوا الكذب بخبرهم من الاستباق وتركه؛ لأنّه ممكن، وعنوا بالذئب ما كان رآه أبوهم (١٦٤ ظ) في المنام، وتأويله السارق، أو الغاصب مثلا أو مجازا. وإنّما قالوا: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ لشدّة خوفهم، كما يقال: كاد المريب يقول: خذوني. ١٨ - ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ:﴾ على قميصه، أي: الدم المكذوب. (٢) كانوا قد لطخوا القميص بدم جدي، يوهمون أنّه دم يوسف. (٣) وإنّما اعتذروا بهذا لما يرجون من تصديق أبيهم، وتسليمه لهم هذا العذر بعد خوفه عليه من قبل هذا المعنى، وإنّما علم الخلاف بوحي أو إلهام، أو صدق فراسته، أو اعتبار القميص غير ممزّق. ﴿سَوَّلَتْ:﴾ زيّنت. (٤) ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ:﴾ أي: فعلي صبر جميل، وهو ما عرى من الشّكوى والعويل. (٥) ﴿عَلى ما تَصِفُونَ:﴾ على استبانة ما تصفون. ١٩ - ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ:﴾ الرفقة، (٦) كانوا من خزاعة، يريدون مصر. ﴿وارِدَهُمْ:﴾ مالك بن ذعر الخزاعي. (٧) ﴿فَأَدْلى:﴾ أرسل إلى أسفل البئر. (٨) ﴿وَأَسَرُّوهُ:﴾ يحتمل: إخوة يوسف. (٩) ويحتمل: السيارة. (١٠) ﴿بِضاعَةً:﴾ قطعة من المال يتّجر بها، وهي منصوبة على الحال. (١١)

стр. 940

٢٠ - ﴿شَرَوْهُ:﴾ يحتمل: البيع من إخوة يوسف. ويحتمل: الاشتراء من السيارة. (١) ذكر (٢) في التواريخ: أنّ إخوة يوسف لما رجعوا من الغد إلى البئر، لم يجدوا يوسف فيها، فافتقدوه، فوجدوه في هذه الرفقة، فأوهموه (٣) أنه عبد آبق، وباعوه منهم بعشرين درهما. (٤) وقيل: باثنين وعشرين. (٥) ﴿بَخْسٍ:﴾ باخس، (٦) أو مبخوس. (٧) ﴿دَراهِمَ:﴾ مضروب من الفضة للمعاملة. الزهد في الشيء: الرغبة عنه. (٨) الذي اشتراه من مصر هو عزيز مصر، اسمه قطيفرع. وقيل: قطفير، (٩) اشتراه من مالك بن ذعر دخل به السوق، وعرضه للبيع، فبلغ ثمنه في العرض مقدارا من مسك (١٠) وحرير وذهب وفضة، فاشتراه العزيز بذلك لامرأته زليخا. (١١) وقيل: راعيل. (١٢) وإنّما وكله إليها لتربّيه تربية الأمّ ولدها. ٢١ - ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ:﴾ اجعلي منزلته حميدة حسنة؛ (١٣) لئلا يفسد بتربية السوء، فيتطرق إليه خيانة العبيد. ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا:﴾ تفرس لما فيه من مخايل (١٤) الكرم (١٥)، وشمائل الأحرار، (١٦)

стр. 941

كفراسة ابنة شعيب في موسى ﵇، (١) وفراسة خديجة في نبينا ﵇. (٢) ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً:﴾ لأنّه كان غنيّا لا وارث له، عنّينا لا يولد له. (٣) ﴿وَكَذلِكَ﴾ أي: فكما نخبرك. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ:﴾ معطوف على ضمير، أي: ليتمكّن ولنعلّمه. (٤) ﴿عَلى أَمْرِهِ:﴾ قيل: أمر الله. (٥) وقيل: أمر يوسف. (٦) ٢٣ - وقيل: إنّ يوسف إذ وقع بمصر كان [عمره] (٧) سبع عشرة سنة، فلما بلغ (١٦٥ و) ثماني عشرة سنة بلغ أشدّه، وآتاه الحكم والحلم، وذلك حين رأى برهان ربّه ليصرف عنه السوء والفحشاء، ثم بقي بعد ذلك على حالته ستّ سنين، ثم ابتلاه الله بالسجن سبع سنين، وأتاح له الفرج على رأس ثلاثين سنة من عمره. وقيل: بلوغ أشدّه بلوغه ثلاثين سنة. (٨) والمراد بالحكم: ما حكم بين الناس، (٩) وبالعلم: ادخار الميرة، وغيره. ٢٣ - ﴿وَراوَدَتْهُ:﴾ طالبته عن نفسه. (١٠) ﴿عَنْ:﴾ للتعدية، كما يقال: سأل عن كذا. ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ:﴾ لئلا يدخل عليهما داخل. ﴿مَعاذَ اللهِ:﴾ أي (١١): ألتزم معاذ الله، وأعوذ بالله من هذا الفعل القبيح.

стр. 942

﴿إِنَّهُ (١)﴾ رَبِّي أَحْسَنَ (٢): أي (٣): الله تعالى. (٤) ﴿الظّالِمُونَ:﴾ الزانون. (٥) وتقديم جواب لولا عليه، كتقديم الجزاء على الشرط، وجواب لو هاهنا: همّ يوسف، تقديرها: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها. (٦) ٢٤ - ﴿بُرْهانَ رَبِّهِ:﴾ قيل: صورة يعقوب عاضّا على أصبعه يقول: مثلك قبل المواقعة كذا، وبعد المواقعة كذا. (٧) مقاتل: سمع صوتا: إيّاك ومواقعتها، فإنّك إن واقعتها صرت كالطير الواجد. (٨) وقيل: سمع صوتا: أتهمّ بعمل السفهاء، وأنت مكتوب في الأنبياء. (٩) وقيل: رأى مكتوبا في السقف: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسراء:٣٢] (١٠) (١١). ﴿كَذلِكَ:﴾ أي: عصمناه عن الفاحشة كذلك. ٢٥ - ﴿وَاِسْتَبَقَا:﴾ تبادرا إلى الباب، أما يوسف فللإعراض عن الفاحشة، وأما المرأة فللولوع بيوسف. (١٢) ﴿قَدَّتْ:﴾ شقّت. (١٣) ﴿مِنْ دُبُرٍ:﴾ من خلف؛ لأنّها لحقته، وتعلّقت به، لئلا يخرج من الباب. ﴿وَأَلْفَيا سَيِّدَها:﴾ زوجها. (١٤)

стр. 943

﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً:﴾ قالت؛ لخوفها من أن يفضحها يوسف عند زوجها، وإنّما أشارت بالسجن لصرفه عن بيعه وقتله. (١) وقيل: لانعكاس المحبة؛ لأنّ الشيء إذا تناهى انعكس. (٢) ٢٦ - ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ:﴾ مقاتل والضحاك (٣): رجل كبير ابن عمّها. (٤) وقيل: رجل حكيم من قرابتها. (٥) وقيل: ابن خالها، وهو صبي في المهد، (٦) وشهادته على طريق الاستدلال، كشهادة خزيمة بن ثابت. (٧) ﴿مِنْ قُبُلٍ:﴾ قدّام (٨) واستدل بدلالة الحال رجع (٩) الزوج إلى شهادته، فتبيّن له أنّ الجناية (١٠) من قبلها. ٢٩ - ﴿يُوسُفُ:﴾ يا يوسف، (١١) تغافل عن هذا الحديث، فلا تذكره لأحد. ﴿وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ:﴾ دليل أنّ الزنا والبهتان كانا محظورين عندهم، وإنّما لم يجاوز

стр. 944

إنكاره وغيرته لأنّ عنّته كانت (١٦٥ ظ) ذهبت بحميّته. ٣٠ - ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ:﴾ اللائمات، كنّ خمسا: امرأة الساقي، وامرأة الخبّاز، وامرأة صاحب الدوابّ، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب أفشين حديثهما في البلد على ما جرت به عادة النساء. (١) ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا:﴾ أي: أصاب يوسف شغاف قلبها من حبّ، كما يقال: كبده ورأسه إذا أصاب ذلك. والشغاف: «غلاف القلب» (٢)، وقيل: حبّة القلب، وهي علقة سوداء في صميمه. (٣) وإنّما ضلّلنها في رأيها لإيثارها عبدا مملوكا مقدورا عليه، موجودا عنده على عزيز مصر. (٤) ٣١ - ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ:﴾ دعتهن للضيافة. ﴿وَأَعْتَدَتْ:﴾ أحضرت، وحصلت. ﴿مُتَّكَأً:﴾ معتمدا عليه. (٥) قيل: الطعام. (٦) وقيل: متكا. (٧) قيل: هو الأترنج (٨) وقيل: الزّماورد. (٩) ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً:﴾ دليل على طعام، أو فاكهة يحتاج فيه إلى السكين، والسكين: الشفرة. (١٠)

стр. 945

﴿اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ:﴾ أمرته (١)؛ لأنّه كان لا يجد من الخدمة والائتمار بأمرها بدّا. (٢) ﴿أَكْبَرْنَهُ:﴾ أعظمنه من أن يكون بشرا. (٣) نصب ﴿بَشَراً﴾ لنزع الخافض. (٤) ﴿كَرِيمٌ:﴾ في حسن الصورة، وصفاء الخلقة. وإنّما عرضت المحبوب على صواحباتها لكون المحبوب مصونّا مأمونا، أو لرجاء العون والإعانة. ٣٢ - ﴿فَاسْتَعْصَمَ:﴾ استمسك بالرشد والعصمة. ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ:﴾ وعيد منها، وذلك في حال امتزاج المحبة بحظوظ النفس قبل صفائها، فلما صفت المحبة قالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ.﴾ ٣٥ - ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ:﴾ الفعل منه مسند إلى الجملة متركبة من جواب (٥) وقسم، تقديره: ثم بدا لهم أن والله ليسجننّه، وهذا كقوله: نويت لأذهبنّ إلى فلان. وإنّما بدا لهم ذلك لأنّهم رأوا تجنية يوسف وحبسه، وتبرئة المرأة أسهل من تبرئة الغلام، وفضيحة المرأة، وتشويش البيت، فأقدموا على تجنية البريء الصادق، وتخلية الجانية الخائنة لمصلحة الحال بعد مشاهدة الآيات على الكيفية. ٣٦ - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ:﴾ حصل معه داخل السجن، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة:٢١٤]. قال وهب: كانا عبدين لفرعون، أحدهما: خبازه، والآخر: ساقيه. (٦) وكان سبب وقوعهما في السجن أنّ جماعة (١٦٦ و) من أهل مصر خرجوا على فرعون، وأرادوا المكر به، فرشوا إلى هذين فضمّنوا لهما مالا، ليسمّا فرعون، فأجاباهم إلى ذلك، ثم ندم الساقي، وقبل الخبّاز الرشوة، فسمّ طعام فرعون، فلما حضروا منه، قال الساقي: أيّها الملك، لا تأكل فإنّ الطعام مسموم، وقال الخبّاز: لا تشرب؛ فإنّ الشراب مسموم، فقال فرعون للساقي: اشرب أنت هذا الشراب، فشرب، ولم يضره، وقال للخبّاز: كل هذا الطعام، فأبى أن يأكله، فجرّب الطعام على حيوان، فنفذ السمّ فيه، فأمر بهما الملك إلى السجن، فكانا في السجن سنة، فأتياه

стр. 946

وقصّا عليه الرؤيا. قيل: إنّ الساقي قال: إنّي أرى وأنا (١) في بستان، فإذا أنا بأصل حبلة (٢) عليها ثلاث عناقيد عنب، فقطعتها، وكان كأس الملك بيدي، فعصرتها فيها، وسقيتها (٣) الملك، فشربه، فقال يوسف: نعم ما رأيت، أما العناقيد الثلاث، فإنّها ثلاثة أيّام تبقى في السجن، ثم يخرجك الملك اليوم الرابع، وتعود إلى ما كنت عليه. فقال الخبّاز: إنّي أراني وفوق رأسي ثلاث سلال في أعلاها الأطعمة، وإذا سباع الطير تقع (٤) عليها، فتأكل منها. قال يوسف: أما السلال الثلاث، فثلاثة أيّام تبقى في السجن، ثم يخرجك الملك، فيصلبك، فتأكل الطير من رأسك، فقال: إنّي لم أر شيئا، وإنّما كنت ألعب، فقال يوسف: إن رأيتما رؤياكما، أو لم ترياها (٥)، فقد قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. (٦) و (العصر): استخراج المائع من الشيء بالغمز، وإنّما سمي العنب خمرا لأنّه يؤول إليها. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ لعلم التعبير. ٣٧ - وقول يوسف: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ. . .﴾ الآية، ليس بجواب عن سؤالهما، ولكنّه دعوة نبوّته، وإظهار المعجزة، فإنّ ذلك عند وجود الفرصة كان أوجب عليه، وأهمّ عنده من تعبير الرؤيا، فلذلك ابتدأ به. (٧) ﴿بِتَأْوِيلِهِ:﴾ الضمير عائد إلى ما رأياه وسألاه. (٨) وقيل: إلى الطعام. (٩) فإن أخذنا بالقول الأوّل، ففائدته سرعة الجواب، وذلك لا يكون إلا بوحي إلهي، فإنّ المستنبط يحتاج إلى تأمّل واستخراج، وإن أخذنا بالقول الثاني، فهو كقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ﴾ (١٠) [آل عمران:٤٩]، في محلّ الرفع (١٦٦ ظ) لإسناد الإتيان إليه، أو للابتداء وخبره. ثم أخبر أنّ المعجزة النبوية مختصة بأولياء الله لا يؤتيها الكاذبين؛ لئلا يلتبس النبيّ بالمتنبي،

стр. 947

وقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ،﴾ وتكرارهم للتأكيد. (١) ٣٨ - ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ أي: شيئا، ف ﴿مِنْ﴾ صلة مؤكدة للنفي. (٢) ﴿ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا:﴾ دليل أنّ أسباب التوحيد مبتدأ من الله، وأن نعمة الدعوة عامة على الموفقين للإجابة والمخذولين عنها بعد التمكين. ٣٩ - ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ:﴾ سؤال على سبيل الإلجاء، ومزية المدبّر الواحد (٣) ظاهرة، يقال: لا يصلح سيفان في غمد (٤)، وروحان في جسد. ٤٠ - ﴿إِلاّ أَسْماءً [سَمَّيْتُمُوها]﴾ (٥): إن كان المراد عبادة المسمّيات، أو عبادة ذوات الأسماء لم يتوجّه الذم، فإنّ الموحّد يعبد شيئا مسمى، ونفسا ذات اسم، وهو محمود، وإن كان المراد عبادة مسمّيات بغير أسمائها، لم يتوجّه أيضا، فإن تغيير الاسم غير تغيير الصفة، فثبت أنّ المراد بعبادة الأسماء عبادة ألفاظ لا معاني لها؛ لأنّهم توهّموا أرواحا قادرة (٦) مدبرة، وأنفسا إلهية، فوضعوا الأسماء، وزعموا أنّها تحلّ ما (٧) استحبوه في المشاهدة من جسد أو حجر أو شجر، وما توهموه معدوم، وما يشاهدونه يكون قبله، فلا يبقى المعدوم إلا ألفاظا مهملة؛ لتدعوها بها، أي: العبادة، أو الأسماء، أو الموهومات المسماة. ﴿سُلْطانٍ﴾ (٨): بحجة. (٩) ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ:﴾ دليل أنّ الله متفرد بمشيئة التكوين والإبقاء والإفناء؛ لينفرد باستحقاق العبادة. ٤١ - ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ:﴾ سيده خمرا وصاحبه. (١٠)

стр. 948

٤٢ - ﴿ظَنَّ:﴾ تيقّن، وعلم. (١) وقيل: أراد غلبة أحد النقيضين من الموهوم؛ لأنّ يوسف لم يتيقّن. (٢) وإنّما قال: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ بأنّ الأمور معلقة بالأسباب، وطلب الخير مباح بالاكتساب، كقوله لأعرابي: «اعقل ناقتك وتوكّل». (٣) ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ أي: الغلام الناجي. (٤) ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ:﴾ عند ربّه. (٥) ﴿بِضْعَ:﴾ ما بين الثلاث إلى التسع، (٦) وأراد سبع سنين (٧). وقيل: لبث سبعا بعد خمس سنين. (٨) ٤٣ - ﴿إِنِّي أَرى:﴾ وإنّما لم يذكر النوم لدلالة الحال، (٩) وقال إبراهيم (١٠): ﴿إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ﴾ [الصافات:١٠٢]؛ لئلا يلتبس الرّأى بالرأي الذي هو العزم. ﴿سِمانٍ:﴾ جمع سمين، كغلاظ وغليظ، وهو ضد المهزول. (١١) و (العجاف): المهازيل. (١٢) ﴿سُنْبُلاتٍ:﴾ جمع سنبلة، والسنابل جمع تكسير. ٤٤ - ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، (١٣) كقوله: ﴿قالُوا أَساطِيرُ﴾ (١٦٧ و)

стр. 949

﴿الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل:٢٤]. والضغث: حزمة أو باقة من بقل أو حشيش أو حطب، (١) وإنّما وصفوا بها لاختلاطها في الظاهر المعقول. والأحلام: جمع حلم، وأسباب الفكرة الردية في اليقظة، وما رآه الملك كان رؤيا لا حلما، فجعلوه من الأحلام لقصور علمهم. ٤٥ - ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ:﴾ بعد أجل معدودة (٢) وخطاب الغلام إن توجّه الملك، فهو على سبيل التعظيم، كقوله: ﴿رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩]، وإن توجّه للملأ [فهو ظاهر سأ] لوا (٣)، وقالوا: ٤٦ - ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ:﴾ سمّوه لتوحيده أو لتأويله (٤). ٤٧ - ﴿دَأَباً:﴾ لزوما للزراعة، واستمرارا للعادة، (٥) جمع بين التعبير والنصيحة؛ لأنّه أراد مصالح العباد والبلاد. ٤٨ - ﴿يَأْكُلْنَ:﴾ أسند الأكل إلى السنين على طريق المجاز، (٦) كقولك: ليل نائم، وسيوف (٧) قائمة. ﴿قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ:﴾ ادخاره لأجله لأجلهنّ. ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ:﴾ على سبيل التدرج (٨) تحرزون. (٩) ٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ:﴾ إنّما توصل إلى هذا العلم لأنّ العجاف والسنبلات اليابسات كنّ عددا محصورا، فعلم أنّ حكم ما وراءهن بخلافهن، وهذه السنون كانت معجزة إلهية ليوسف ﵇ بسببها يخلص عن إفك النسوة وكيدهن، وبها تمكّن من فرعون وقومه، وبها تسلّط على إخوته فعفا عنهم، وبها وجد أبويه، فرفعهما على العرش، ودعا نبيّنا ﵇ على قريش: «سنين كسنيّ يوسف» (١٠)، فابتلاهم الله بها. ٥٠ - ﴿ما بالُ:﴾ وما شأن؟ سؤال عن حال وأمر، تقديره: ما بالهنّ إذ قطّعن أيديهنّ؟

стр. 950

٥١ - ﴿إِذْ راوَدْتُنَّ:﴾ أسند إليهنّ قبل اعترافهنّ؛ لأنّهنّ كنّ قد تعاونّ وتظاهرنّ في المراودة ولذلك اختار (١) السجن، وكان الأمر قد فشا (٢) في البلد واستفاض، ولكن لا يعلمون هل مال إليهنّ يوسف أم لا؟ وهل أطاع بعضهنّ أم لا؟، فكان السؤال لاستبانة هذا المستتر، فبرأنه و ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ.﴾ و ﴿قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ:﴾ ظهر وتبيّن الحق، (٣) أي: حقيقة الأمر، أو حقيقة الأمر ذلك، أي: توقفي في السجن، ومطالبتي بالسوء (٤). ٥٢ - إنّما كان ليعلم الملك ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بتحريف الغيب الذي أوحاه الله إليّ في تأويل رؤياه، كما لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أنّي لم أخنه في امرأته فظهر الغيب. وقيل: إنّه من كلام المرأة، أي (٥): أعترف (٦) بالمراودة، ليعلم يوسف أنّي لم أخنه (١٦٧ ظ) بظهر الغيب في الافتراء عليه، (٧) إلا أنّه يشكل بقوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾ بفتح الهمزة، فإنّه معطوف على المعلوم الأول، وذلك لا يكون إلا من يوسف. ٥٣ - ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي:﴾ أراد التنبيه على توفيق الله وعصمته، ونفي الرياء (٨) والعجب. (٩) ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي:﴾ استثناء منقطع، (١٠) أي: لكن من رحم ربّي، فهو المعصوم. وقيل: استثناء متصل تقديره: إلا رحمة من ربي. (١١) وقيل: هو كلام المرأة برّأت يوسف [ولم تبرّئ (١٢) نفسها] (١٣). (١٤)
следующие страницы →