← Тафсир

Тафсир · id 122187

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقصّا عليه الرؤيا. قيل: إنّ الساقي قال: إنّي أرى وأنا (١) في بستان، فإذا أنا بأصل حبلة (٢) عليها ثلاث عناقيد عنب، فقطعتها، وكان كأس الملك بيدي، فعصرتها فيها، وسقيتها (٣) الملك، فشربه، فقال يوسف: نعم ما رأيت، أما العناقيد الثلاث، فإنّها ثلاثة أيّام تبقى في السجن، ثم يخرجك الملك اليوم الرابع، وتعود إلى ما كنت عليه. فقال الخبّاز: إنّي أراني وفوق رأسي ثلاث سلال في أعلاها الأطعمة، وإذا سباع الطير تقع (٤) عليها، فتأكل منها. قال يوسف: أما السلال الثلاث، فثلاثة أيّام تبقى في السجن، ثم يخرجك الملك، فيصلبك، فتأكل الطير من رأسك، فقال: إنّي لم أر شيئا، وإنّما كنت ألعب، فقال يوسف: إن رأيتما رؤياكما، أو لم ترياها (٥)، فقد قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. (٦) و (العصر): استخراج المائع من الشيء بالغمز، وإنّما سمي العنب خمرا لأنّه يؤول إليها. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ لعلم التعبير. ٣٧ - وقول يوسف: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ. . .﴾ الآية، ليس بجواب عن سؤالهما، ولكنّه دعوة نبوّته، وإظهار المعجزة، فإنّ ذلك عند وجود الفرصة كان أوجب عليه، وأهمّ عنده من تعبير الرؤيا، فلذلك ابتدأ به. (٧) ﴿بِتَأْوِيلِهِ:﴾ الضمير عائد إلى ما رأياه وسألاه. (٨) وقيل: إلى الطعام. (٩) فإن أخذنا بالقول الأوّل، ففائدته سرعة الجواب، وذلك لا يكون إلا بوحي إلهي، فإنّ المستنبط يحتاج إلى تأمّل واستخراج، وإن أخذنا بالقول الثاني، فهو كقول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ﴾ (١٠) [آل عمران:٤٩]، في محلّ الرفع (١٦٦ ظ) لإسناد الإتيان إليه، أو للابتداء وخبره. ثم أخبر أنّ المعجزة النبوية مختصة بأولياء الله لا يؤتيها الكاذبين؛ لئلا يلتبس النبيّ بالمتنبي،

стр. 947

وقال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ،﴾ وتكرارهم للتأكيد. (١) ٣٨ - ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ أي: شيئا، ف ﴿مِنْ﴾ صلة مؤكدة للنفي. (٢) ﴿ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا:﴾ دليل أنّ أسباب التوحيد مبتدأ من الله، وأن نعمة الدعوة عامة على الموفقين للإجابة والمخذولين عنها بعد التمكين. ٣٩ - ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ:﴾ سؤال على سبيل الإلجاء، ومزية المدبّر الواحد (٣) ظاهرة، يقال: لا يصلح سيفان في غمد (٤)، وروحان في جسد. ٤٠ - ﴿إِلاّ أَسْماءً [سَمَّيْتُمُوها]﴾ (٥): إن كان المراد عبادة المسمّيات، أو عبادة ذوات الأسماء لم يتوجّه الذم، فإنّ الموحّد يعبد شيئا مسمى، ونفسا ذات اسم، وهو محمود، وإن كان المراد عبادة مسمّيات بغير أسمائها، لم يتوجّه أيضا، فإن تغيير الاسم غير تغيير الصفة، فثبت أنّ المراد بعبادة الأسماء عبادة ألفاظ لا معاني لها؛ لأنّهم توهّموا أرواحا قادرة (٦) مدبرة، وأنفسا إلهية، فوضعوا الأسماء، وزعموا أنّها تحلّ ما (٧) استحبوه في المشاهدة من جسد أو حجر أو شجر، وما توهموه معدوم، وما يشاهدونه يكون قبله، فلا يبقى المعدوم إلا ألفاظا مهملة؛ لتدعوها بها، أي: العبادة، أو الأسماء، أو الموهومات المسماة. ﴿سُلْطانٍ﴾ (٨): بحجة. (٩) ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ:﴾ دليل أنّ الله متفرد بمشيئة التكوين والإبقاء والإفناء؛ لينفرد باستحقاق العبادة. ٤١ - ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ:﴾ سيده خمرا وصاحبه. (١٠)

стр. 948

٤٢ - ﴿ظَنَّ:﴾ تيقّن، وعلم. (١) وقيل: أراد غلبة أحد النقيضين من الموهوم؛ لأنّ يوسف لم يتيقّن. (٢) وإنّما قال: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ بأنّ الأمور معلقة بالأسباب، وطلب الخير مباح بالاكتساب، كقوله لأعرابي: «اعقل ناقتك وتوكّل». (٣) ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ أي: الغلام الناجي. (٤) ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ:﴾ عند ربّه. (٥) ﴿بِضْعَ:﴾ ما بين الثلاث إلى التسع، (٦) وأراد سبع سنين (٧). وقيل: لبث سبعا بعد خمس سنين. (٨) ٤٣ - ﴿إِنِّي أَرى:﴾ وإنّما لم يذكر النوم لدلالة الحال، (٩) وقال إبراهيم (١٠): ﴿إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ﴾ [الصافات:١٠٢]؛ لئلا يلتبس الرّأى بالرأي الذي هو العزم. ﴿سِمانٍ:﴾ جمع سمين، كغلاظ وغليظ، وهو ضد المهزول. (١١) و (العجاف): المهازيل. (١٢) ﴿سُنْبُلاتٍ:﴾ جمع سنبلة، والسنابل جمع تكسير. ٤٤ - ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، (١٣) كقوله: ﴿قالُوا أَساطِيرُ﴾ (١٦٧ و)

стр. 949

﴿الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل:٢٤]. والضغث: حزمة أو باقة من بقل أو حشيش أو حطب، (١) وإنّما وصفوا بها لاختلاطها في الظاهر المعقول. والأحلام: جمع حلم، وأسباب الفكرة الردية في اليقظة، وما رآه الملك كان رؤيا لا حلما، فجعلوه من الأحلام لقصور علمهم. ٤٥ - ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ:﴾ بعد أجل معدودة (٢) وخطاب الغلام إن توجّه الملك، فهو على سبيل التعظيم، كقوله: ﴿رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩]، وإن توجّه للملأ [فهو ظاهر سأ] لوا (٣)، وقالوا: ٤٦ - ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ:﴾ سمّوه لتوحيده أو لتأويله (٤). ٤٧ - ﴿دَأَباً:﴾ لزوما للزراعة، واستمرارا للعادة، (٥) جمع بين التعبير والنصيحة؛ لأنّه أراد مصالح العباد والبلاد. ٤٨ - ﴿يَأْكُلْنَ:﴾ أسند الأكل إلى السنين على طريق المجاز، (٦) كقولك: ليل نائم، وسيوف (٧) قائمة. ﴿قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ:﴾ ادخاره لأجله لأجلهنّ. ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ:﴾ على سبيل التدرج (٨) تحرزون. (٩) ٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ:﴾ إنّما توصل إلى هذا العلم لأنّ العجاف والسنبلات اليابسات كنّ عددا محصورا، فعلم أنّ حكم ما وراءهن بخلافهن، وهذه السنون كانت معجزة إلهية ليوسف ﵇ بسببها يخلص عن إفك النسوة وكيدهن، وبها تمكّن من فرعون وقومه، وبها تسلّط على إخوته فعفا عنهم، وبها وجد أبويه، فرفعهما على العرش، ودعا نبيّنا ﵇ على قريش: «سنين كسنيّ يوسف» (١٠)، فابتلاهم الله بها. ٥٠ - ﴿ما بالُ:﴾ وما شأن؟ سؤال عن حال وأمر، تقديره: ما بالهنّ إذ قطّعن أيديهنّ؟

стр. 950

٥١ - ﴿إِذْ راوَدْتُنَّ:﴾ أسند إليهنّ قبل اعترافهنّ؛ لأنّهنّ كنّ قد تعاونّ وتظاهرنّ في المراودة ولذلك اختار (١) السجن، وكان الأمر قد فشا (٢) في البلد واستفاض، ولكن لا يعلمون هل مال إليهنّ يوسف أم لا؟ وهل أطاع بعضهنّ أم لا؟، فكان السؤال لاستبانة هذا المستتر، فبرأنه و ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ.﴾ و ﴿قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ:﴾ ظهر وتبيّن الحق، (٣) أي: حقيقة الأمر، أو حقيقة الأمر ذلك، أي: توقفي في السجن، ومطالبتي بالسوء (٤). ٥٢ - إنّما كان ليعلم الملك ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بتحريف الغيب الذي أوحاه الله إليّ في تأويل رؤياه، كما لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أنّي لم أخنه في امرأته فظهر الغيب. وقيل: إنّه من كلام المرأة، أي (٥): أعترف (٦) بالمراودة، ليعلم يوسف أنّي لم أخنه (١٦٧ ظ) بظهر الغيب في الافتراء عليه، (٧) إلا أنّه يشكل بقوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾ بفتح الهمزة، فإنّه معطوف على المعلوم الأول، وذلك لا يكون إلا من يوسف. ٥٣ - ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي:﴾ أراد التنبيه على توفيق الله وعصمته، ونفي الرياء (٨) والعجب. (٩) ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي:﴾ استثناء منقطع، (١٠) أي: لكن من رحم ربّي، فهو المعصوم. وقيل: استثناء متصل تقديره: إلا رحمة من ربي. (١١) وقيل: هو كلام المرأة برّأت يوسف [ولم تبرّئ (١٢) نفسها] (١٣). (١٤)

стр. 951

٥٤ - ﴿أَسْتَخْلِصْهُ:﴾ أجعله من خواصّي كي لا يشغل إلا بمصالح أمري. (١) فلمّا دخل عليه يوسف كلّمه بلسان أهل مصر، فجعل الملك يكلّمه بألسنة أخرى، وجعل يوسف يجيبه بتلك الألسنة حتى تكلّما سبعين لغة، ثمّ إنّ يوسف دعا له بالعبرية، وأثنى عليه بالعربيّة، فلم يعرفها الملك، وانقطع عن الجواب، واستحسن جميع ذلك من يوسف، فقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ:﴾ المكين: اسم من المكان والتمكّن. قيل: دعاه إلى توحيد الله، فأجابه الملك في هذا اليوم طائعا راغبا، فقوله: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ:﴾ إيمان واعتراف منه له. وقيل: جعله مكينا أمينا هذا اليوم في أمور الدنيا، والإسلام تأخر عن ذلك اليوم إلى سنتين. وقيل: تأخر إسلامه إلى سني القحط. ٥٥ - ﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ:﴾ خطب هذا العمل بإذن الله تعالى ليتم القضاء المعدود (٢) فيه، وفي إخوته، وفي أهل مصر أجمعين. جاء في التواريخ: أن الملك ولاه حفظ خزائن الارتفاعات يومئذ، ومات العزيز بعد ذلك، فولاه جميع ما كان تولاه العزيز، وزوّجه امرأته، فوجدها بكرا لم تفتض، ثم لما تأمل في حسن تدبيره، وكيفية ادخار الميرة وإنفاقها، وبيعها من الناس زاد في رتبته، وسلّم إليه الخاتم والسرير والتاج، فقال يوسف ﵇: أما الخاتم، فأستعمله لإصلاح مملكتك، وأما السرير فأجلس عليه لنظام أمرك، وأما التاج فليس لباسي في الدنيا. قال الملك: إن لم تلبس التاج لم ألبسه إجلالا لك، واستنانا بسنتك، واقتداء بك، فإنّما أنا تابع لك. وبقيا بعد ذلك كذلك (٣)، أما يوسف فكالملك، وأما الملك فكالطفل المولّى عليه حتى اشترى بالميرة المدخرة صنوف أموال (١٦٨ و) أهل مصر: العير (٤)، والحلي، والمواشي، والعقار (٥)، والرقيق، ثم استرقّ (٦) بها أولادهم، ورقابهم، وهم شاكرون له، معترفون برفقه ورحمته، وحسن تدبيره، ثم قال للملك: كيف ترى ما صنع الله بي من لطفه، وما خوّلني من نعمته؟ قال الملك: الرأي لك، والأمر أمرك، وأنا لك كبعض أهل مصر، فعند ذلك (٧) أعتقهم يوسف لوجه الله تعالى، ورد إليهم أموالهم، ورد الخاتم والسرير إلى الملك بشرط الثبات على الملّة الحنيفية، وحسن الجوار مع أهل

стр. 952

بيته. قالوا: فوفّى له الملك إلى أن توفي هذا الملك، وقام مقامه قابوس بن مصعب فهو الذي نكث العهد، وارتد عن الرشد. (١) ٥٦ - ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ عام في المؤمنين وغيرهم، والدليل: استفادة الكافر المحسن في سيرته بقاء (٢) الملك، وحسن الثناء عليه، ولذلك خص المؤمنين في الآية الثانية بأجر الآخرة، وهو ما أعد الله للمؤمنين في (٣) الآخرة، فذلك خير. ٥٨ - ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ:﴾ لما عزّت الميرة بأرض كنعان، وسمعوا بأن رجلا يمير الناس، قصدوه مع كل واحد منهم بعير. ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ:﴾ على زيّهم المعهود. ﴿فَعَرَفَهُمْ:﴾ وهم لم يعرفوه؛ لأنهم شاهدوه على غير زيّه المعهود. ﴿وَهُمْ لَهُ:﴾ إياه ﴿مُنْكِرُونَ.﴾ ٥٩ - ﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ:﴾ والتجهيز: أن تصحب الغائب حاجته، والجهاز اسم منه. ﴿بِأَخٍ لَكُمْ:﴾ بنيامين، فيه دليل: أن يوسف ﵇ بدأ بذكره، ولو بدؤوه لقال: بالأخ لكم، أو بأخيكم. روي: أنه قال لإخوته: من أنتم؟ قالوا: نحن أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. فقال: ولدكم ثلاثة من الأنبياء ما تشبهون أن تكونوا كذلك، وأوعز إلى الوكيل بإكرامهم، وحسن قراهم. فلما دخلوا عليه ثانيا من الغد، فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: أخبرناك بالأمس، قال: أنتم باللصوص أشبه، وتجهمهم، ونظر إليهم شزرا (٤)، فقالوا فيما بينهم: هذا العزيز يكرمنا، ويحسن قرانا إذا غبنا عنه، ويتجهمنا، وينظر إلينا شزرا إذا حضرناه، فلا يكونن سامعا بما صنعنا بأخينا، فإنه قاصمة الظهر، والبلاء الفادح، والأمر الفاضح، ودخلوا عليه بعد ذلك والصاع بين يديه، فقال للحاجب: انقره نقرة، فنقر (١٦٨ ظ) الحاجب، فطنّ طنينا، قال لإخوته: أتدرون ما يقول هذا الصاع؟ قالوا: لا، قال: يقول: إنكم خائنون سارقون، خنتم أباكم، وبعتم أخاكم، وأحلتم الذنب على الذئب، ثم أمر الحاجب، فنقر الصاع نقرة أخرى، قال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: يقول: طرحتم أخاكم في البئر، وبعتموه بثمن يسير، فتعجبوا، وأفحموا (٥) عن الجواب،

стр. 953

وخرجوا من عنده، ثم أمر الوكيل بتجهيزهم، ودسّ بضاعتهم في أحمالهم وهم لا يعلمون، وقال لهم: ﴿اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ ووعدهم على ذلك إيفاء الكيل، وحسن القرى. (١) ٦٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ (٢): هذا وعيد من يوسف ﵇، وإنّما عطف المجزوم على المرفوع حكما لحسن دخول الفاء الموجبة للرفع على هذا المجزوم (٣). ٦٢ - ﴿فِي رِحالِهِمْ:﴾ جمع رحل، وهو ما ترحل به الدابة من بيت أو أثاث أو طعام. ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها:﴾ يميزونها من سائر ما في رحالهم إذا فتحوا، فلا يتعذر عليهم الرجوع، لإعواز البضاعة. ٦٣ - ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ:﴾ في المستقبل؛ لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ. . .﴾ الآية [يوسف:٦٠]. ٦٤ - ﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ:﴾ ذكّرهم حديث يوسف ﵇؛ ليعلم أنّ جريمتهم الأولى حرّمت تهمتهم في سائر الأمور، فيندموا (٤) عليها، ولا يقدموا على مثلها. ٦٥ - ﴿ما نَبْغِي:﴾ بمعنى الاستفهام، أي: أيش نطلب بعد هذا؟ وقيل: التمسوا بضاعة للرحيل، فلم يقدروا عليها، ثم فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم الأولى ردّت إليهم، فقالوا: يا أبانا وجدنا الذي كنا نبغيه. (٥) ﴿نَمِيرُ أَهْلَنا:﴾ نجلب إليهم الميرة، يقال: مار فلان أهله. ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ:﴾ لأن يوسف ﵇ ما كان يكيل رجلا واحدا إلا حمل بعير واحد، وذلك إشارة إلى ما حملوه، فيكون اليسير القليل. ويحتمل: أن يكون إشارة إلى ما ازدادوه، فيكون اليسير سهل المأخذ. ٦٦ - ﴿مَوْثِقاً مِنَ اللهِ:﴾ من الحلف بالله، وفيه دلالة على صحة الكفالة بالنفس. ﴿إِلاّ أَنْ يُحاطَ:﴾ يحيط بكم أمر من الله تعالى فيعذركم. ﴿وَكِيلٌ:﴾ المتوكل عليه على حفظ ميثاقنا، أو الشهادة على هذا الميثاق موكولة (٦) إليه،

стр. 954

لا يشهد عليه أحد سواه. ٦٧ - ﴿وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ:﴾ تخوفا من العين. وقال جبريل ﵇ لنبينا ﵇: يا محمد، (١٦٩ و) صدّق بالعين؛ فإنّ العين حق. (١) ٦٨ - ﴿ما كانَ:﴾ أبوهم. ﴿يُغْنِي عَنْهُمْ:﴾ من قضاء الله وقدره شيئا بتحذيره إياهم العين. ﴿إِلاّ حاجَةً:﴾ لكن تحذيره حاجة. ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها:﴾ أمضاها، وأظهرها. والحاجة: قضية النفس، جمعه حوائج. وقيل: أصله حائجة. (٢) ﴿لِما عَلَّمْناهُ:﴾ لتعليمنا إياه، وللذي علّمناه من الأنبياء. ٦٩ - ﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ:﴾ قيل: إن يوسف أقعدهم على مائدته، وأخذ كل اثنين قصعة، وجلس بنيامين وحيدا، فسأله يوسف عن حاله؟ فقال: إني مصاب بأخي من أمي، فبقيت فردا، فرقّ عليه يوسف ﵇، وضمه إلى نفسه على المائدة، [وقال] (٣): أنا وحيد مثلك، ثم تعرف إليه، وقال: لا تبتئس، ولا تكتئب بصنيعهم إليّ، فإن الله قد عصمني، ونصرني، فاستبشر بنيامين بقول أخيه، وسكن إليه، ولم يظهر ذلك على سائر إخوته؛ لاستيحاشه. (٤) ٧٠ - ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ:﴾ روي: أن بنيامين لما عرف يوسف، ووجده بعد اليأس، اشتد عليه فراقه، وأحب المقام معه، فطلب من يوسف أن يمسكه، فقال له يوسف: قد علمت ما فيه أبونا من الحزن والغم، ولا يمكنني حبسك إلا بأن أتهمك بما لا يحل. قال: لا أبالي بما اتهمتني به، ولست براجع معهم، وفكر (٥) يوسف في ذلك، فألهمه الله تعالى هذه الحيلة؛ ليتم قضاؤه في ابتلاء آل يعقوب. (٦) و ﴿السِّقايَةَ:﴾ مكيال الملك، عن مجاهد. وعن أبي عبيدة (٧): مكيال كان يسمى: سقاية.

стр. 955

ابن عباس، والحسن (١)، والضحاك: الصاع والسقاية شيء واحد. (٢) ويحتمل: أنها كانت مكيالا يكيلون به الخمر، كالدّورق، فاتخذها يوسف ﵇ مكيالا للطعام. ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ:﴾ الإبل والحمير التي يحمل عليها، كقولك: يا خيل الله اركبي. ﴿إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ:﴾ قول المؤذن، لم يكن أمره يوسف إلا بتعريف الصاع فقط. ويحتمل: أنها (٣) على سبيل الاستفهام. ويحتمل: أنه وصفهم بالسرق؛ لاستراقهم يوسف من أبيه. ٧١ - ﴿قالُوا:﴾ يعني: إخوة يوسف. ﴿وَأَقْبَلُوا:﴾ على أصحاب يوسف، تقديره: قالوا: وقد أقبلوا. ﴿ماذا تَفْقِدُونَ:﴾ تطلبون الفائت. ٧٢ - ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ:﴾ وعد بالجعل. ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ:﴾ تصريح بالكفالة، والتزام للضمان، وإليه يعود قوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ﴾ (١٦٩ ظ) ﴿زَعِيمٌ﴾ قال ﵇: «المنحة مردودة، والدّين مقضي، والزعيم غارم» (٤). الكفالة (٥) لا تصح إلا بقبول (٦) المكفول له؛ لأنه عقد ضمان كالبيع، أو عقد تبرع كالهبة. ٧٣ - ﴿تَاللهِ:﴾ يمين. قال الفراء: لا تدخل التاء على غيره من الأسماء، لأنه لما كثر دورها على ألسنتهم بالواو، جعلوا الواو كأنها من سنخ الكلمة، فتارة حذفوها، وتارة أبدلوها بالتاء. (٧) ٧٤ - ﴿فَما جَزاؤُهُ:﴾ حكمه وحده، والهاء عائد إلى الفعل وهو السرق (٨)، إنّما سألهم يوسف ليحكموا بشيء، فيأخذ (٩) بحكمهم، ولا يأخذ بحكم أهل مصر.

стр. 956

٧٥ - ﴿قالُوا جَزاؤُهُ:﴾ أي: السرقة، وحدّها: هو حبس من وجد في رحله واسترقاقه. ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ:﴾ فما بيننا شريعتنا. ٧٦ - الوعاء: الظرف، والمراد به: الجوالق، وإنّما بدأ بأوعيتهم لئلا يعلموا بأنه حيلة. ﴿اِسْتَخْرَجَها:﴾ أي: الصاع، وهو يذكر ويؤنث. ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ:﴾ في سلطان الملك وطاعته إلا بمشيئة الله. قيل: شاء الله ذلك، وأذن له فيها بإلهامه الكيد. (١) ويقال: لم (٢) يشأ الله ذلك؛ ولذلك وفقه لسؤال إخوته: ﴿فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ [يوسف:٧٤] فأخذ بقولهم، وحكمهم دون حكم الملك. (٣) ٧٧ - ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ يعنون: يوسف. وهب: إنه يخبئ طعاما من المائدة للفقراء إذ (٤) كان صبيا. (٥) كعب (٦): رفع عناقا من (٧) السائمة إلى السائل. (٨) قتادة، وابن جبير (٩): سرق صنما كان لأبي أمه في بيت يعقوب، فألقاه بين الجيف، وغطاه في التراب. (١٠) مجاهد: إن عمته رحمة بنت إسحاق احتضنته بعد موت أمه، فلما شب ألفته، ولم تحب أن ينتزعه يعقوب ﵇ منها، فشدّت على وسطه من تحت القميص منطقة أبيها، ثم افتقدتها، فأوهمت أنها وجدتها (١١) عند يوسف، وأنه كان قد استرقها، فأمسكته عند نفسها بهذه الحيلة. فلما ذكر إخوة يوسف ذلك الأمر بأقبح صورة، فساء يوسف قولهم. (١٢) ﴿قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً:﴾ منزلة. ٧٩ - ﴿مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ:﴾ ولم يقل: إلا السارق؛ لأنه علم

стр. 957

أن بنيامين ليس بسارق، فلذلك عرّض بقوله: ﴿إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ﴾ إن أمسكنا غير بنيامين؛ لأن بنيامين كان راضيا بالإمساك، وغيره لم يكن راضيا به. ٨٠ - ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا:﴾ افتعال من اليأس، أو من الإياس. ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا:﴾ خرجوا متناجين. ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا:﴾ تفريطكم فيه (١٧٠ و) من قبل. ﴿كَبِيرُهُمْ:﴾ كعب: إنه روبيل أكبرهم سنا. (١) وهب (٢): يهوذا كان أرجحهم عقلا. (٣) ﴿أَبْرَحَ:﴾ أزول. ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ:﴾ في تخليص بنيامين، والرجوع معه. ٨١ - ﴿إِلاّ بِما عَلِمْنا:﴾ أي: بما علمنا من طريق المشاهدة، وهو استخراج الصاع من رحله. ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ:﴾ لما لم نشاهده من كيفية الدسّ، أكان كدسّ البضاعة في رحالنا أول مرة، أو كان خيانة من جهة بنيامين؟ كان يعقوب (٤) ﵇ يرده عليهم بقوله: ٨٣ - ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ:﴾ (٥): صادقا؛ لأن بنيامين لم يكن سرق في الحقيقة (٦)، وفي ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ [يوسف:١٨] صادقا أيضا؛ لأنّ هذه الحادثة الثانية كانت من جريرة أنفسهم إياهم أول مرة في شأن يوسف ﵇. ﴿بِهِمْ:﴾ (٧) بيوسف، وبنيامين، وكبيرهم. ٨٤ - ﴿يا أَسَفى:﴾ تأسّفّ على يوسف، والتأسّف: التلهف؛ لأن المحن توالت بعد غيبته، فتأسف على حالة [عدم] (٨) وجوده وحضوره عنده. ٨٥ - ﴿تَفْتَؤُا:﴾ لا تفتؤا، أي: لا تزال، وحذف لا مع الأيمان جائز. ﴿تَكُونَ (٩)﴾ حَرَضاً: والحرض: فساد الذهن والجسم.

стр. 958

٨٦ - ﴿بَثِّي:﴾ البث: أشد الحزن، وإنّما جمع للتأكيد. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ:﴾ من لطفه وصنعه. ٨٧ - ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا:﴾ كان يعقوب ﵇ غير شاك في يوسف أنه لم يأكله الذئب، ولم يقتله إخوته، ولم يقبضه ملك الموت بعلمه بأن الله سيجتبيه، ويعلمه تأويل الأحاديث، ويحقّ رؤياه، ولكنه كان يحزن لفقده، فلذلك أمر بنيه أن يتحسسوا من أمره، وإنّما أمر الذين غيبوه لأنه (١) لا يجد غيرهم، أو لأنه كان قد أحس بشيء من ندامتهم. والتحسس: طلب الأخبار بالحس. ابن عباس: التحسس والتجسس مقاربان إلا أن (٢) الحاء (٣) في الخير، وبالجيم في الشر. (٤) ﴿مِنْ رَوْحِ اللهِ:﴾ الرّوح: الرحمة، والراحة، والفرح. ٨٨ - ﴿بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ:﴾ من متاع البادية، وهو الصوف والسمن والأقط، عن عبد الله بن الحارث. (٥) والصنوبر (٦)، والحنة الخضراء، عن أبي صالح. (٧) والغرائر، والحبال، عن (٨) ابن زيد. (٩) والمزجاة: القليلة اليسيرة التي يتبلغ بها، ويزجى بها (١٠) العيش، ولا يدخر. وقيل: وهي التي لا تصلح إلا للنقل من يد إلى يد، فهي تصرف إلى الوجوه، ولا تمسك، ولا تكنز. ﴿تَصَدَّقْ عَلَيْنا:﴾ قيل: المحاباة في البيع. (١١) وقيل: الصدقة الظاهرة؛ لأن الصدقة لم تكن محرمة إلا على آل نبينا، ولو كانت محرمة (١٢) على آل إبراهيم، لحرمت على ربيعة ومضر، ولو

стр. 959

كانت محرمة على آل يعقوب لكانت محرمة على [بني] (١) إسرائيل اليوم. (٢) ٨٩ - ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ:﴾ على (١٧٠ ظ) سبيل العتاب؛ لئلا يعتقدوا أن لا ملام عليهم في الحقيقة، أو ليفيدهم طهارة بالندامة والخجل عند العتاب، وإنّما ذكر جهلهم ليمهّد لهم عذرا، فلا يخافوا كلّ الخوف، كقوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء:١٧]، وأراد: علمتم قبح صنيعكم (٣)، فكأنه يقول: هل تبين؟ هل وضح لكم قبح ما صنعتم بيوسف وأخيه إذ (٤) كنتم جاهلين؟ فالعامل في إذ صنيعهم (٥). أما صنيعهم بيوسف فظاهر، وصنيعهم بأخيه: سلبهم أخاه، وتركه فردا وحيدا (٦)، وتركهم إياه عند يوسف متهما بالسرقة من غير بينة واعتراف، إذ أبيتم أن تقولوا: أنت أمرت بدس الصاع في رحله، كما أمرت بدس بضاعتنا في رحالنا أول مرة. ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي:﴾ زاد الجواب؛ لئلا يفرد نفسه بالثناء عليها، فيتداخله العجب، فيرده من حيّز الشكر إلى حيز الفقر. ٩١ - ﴿آثَرَكَ:﴾ اختارك. ﴿لَخاطِئِينَ:﴾ آثمين، من الخطأ، والخطيئة: الإثم وتعمد الخطأ. ٩٢ - ﴿لا تَثْرِيبَ:﴾ لا تقريع وتعذير الذنوب. ٩٣ - ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي:﴾ قيل: كان القميص من كسوة الجنة، كساه الله إبراهيم، وإبراهيم إسحق، وإسحاق يعقوب، تمّ طيّه في قصبة، وعلقها (٧) من يوسف ﵇. (٨) وقيل: هذا القميص الذي قدّ من دبر جعله الله آية له، ومعجزة على صدق دعواه. ﴿يَأْتِ بَصِيراً:﴾ يعود كما كان لا بياض في مقلته. ٩٤ - ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ:﴾ إنّما وجد لرفع الله الابتلاء، وكشفه حجب الفراق، وتعويضه منها أسباب الوصال. قال النبي ﵇: «إن لربكم نفحات في أيام دهركم، فتعرضوا لها، فعسى أن تدرككم، فلا تشقون (٩) أبدا». (١٠)

стр. 960

﴿تُفَنِّدُونِ:﴾ نسبة إلى الفند، وهو الخرف (١)، وضعف الرأي، فكأنّه يقول: إني لأفندكم علما بوجودي ريح يوسف لولا تفنيدكم إياي؛ وذلك لامتناع وقوع العلم لهم بصدق مخبره بعد تفنيدهم إياه. ٩٥ - ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ:﴾ قول أولاده أولاده، ضللوه مثل آبائهم من قبل. ﴿الْقَدِيمِ:﴾ المقدم كونه. ٩٦ - ﴿جاءَ الْبَشِيرُ:﴾ هو الذي كان ابتدأ بقوله: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٧]، وبقوله: ﴿إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ﴾ [يوسف:٨١]. وقيل: هو الذي كان تخلف بأرض مصر، وقال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف:٨٠]. ٩٨ - (٢) عجّل يوسف الاستغفار عند اعترافهم، وأرجأ (٣) يعقوب استغفارهم بسوف عند مطالبتهم إياه به؛ لانتفاع من المصلحة، وهذا مثل في وقار المشايخ. ٩٩ - دخلوا عليه في ناحيته ومعسكره، وكان قد استقبلهم في الطريق (١٧١ و) واستقبلهم (٤) فرعون كذلك إكراما ليوسف. والمراد بأبويه: أبوه، وخالته، وهي بعض إخوته، ولفظة: ﴿اُدْخُلُوا،﴾ على معنى الخبر، كقول الشاعر (٥) [من الوافر]: لدوا للموت وابنوا للخراب .... . . ولذلك دخله الاستثناء. وقيل: الاستثناء للأمن لا للدخول. (٦) ﴿آمِنِينَ:﴾ نصب على الحال، وذكر الأمن لئلا يظن إخوته أنهم يكونون في مصر كالأسارى والأرقاء. ١٠٠ - ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ:﴾ ذكر السجن، ولم يذكر البئر؛ لأن البئر كانت سجنا كذلك، فالاسم مشتمل عليهما. وقيل: لئلا يخجل إخوته. (٧) ﴿مِنَ الْبَدْوِ:﴾ البادية.

стр. 961

﴿لَطِيفٌ:﴾ ملطف لما يشاء من الأعمال. وقيل: رفيق العمل (١) لما يشاء. (٢) ١٠١ - قوله (٣): ﴿آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ:﴾ اعتراف بالنعمة، وسكن للمنعم. وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ:﴾ توكل على الله، وانقطاع إليه. وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً:﴾ تقرب إلى الله بسؤال ما أوجبه الله له حتما؛ ليكون الواجب موجودا على سبيل الاختيار دون الاضطرار (٤). ١٠٢ - ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ عند إخوة يوسف ﵇. ١٠٣ - ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ:﴾ تعزية للنبي ﵇. ١٠٥ - ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها:﴾ المرور على الشيء وبالشيء واحد وهو الطواف، والمراد به مشاهدة هذه للآيات. ١٠٦ - ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ:﴾ إيمان باللسان، وأهل الملك يوحدون الله بألسنتهم، ثم يشركون في المقدمة (٥). ١٠٨ - ﴿هذِهِ:﴾ إشارة إلى السبيل، أي: هذه السبيل سبيلي، وهي الملّة الحنيفية. ﴿عَلى بَصِيرَةٍ:﴾ بيان ويقين. ١٠٨ - ﴿وَمَنِ اِتَّبَعَنِي:﴾ خلفاؤه، والأئمة المهديّون، والعلماء الراسخون، والمؤمنون. ﴿وَسُبْحانَ اللهِ:﴾ من أن يشاركه شريك، أو (٦) يزاحمه مليك. ١٠٩ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي:﴾ نزلت لنفي تعجبهم من نبوة نبينا ﵇ متوهمين أن النبي ﵇ لا يكون بشرا، أو لا يسكن فيما بين العشيرة والأهل، وليس في الآية امتناع ذلك. ١١٠ - ﴿وَظَنُّوا﴾ أي: المنافقين والكفار بأن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا، أو ظن الرسل بأنّ أصحابهم كذّبوهم في إظهار الموالاة.

стр. 962

سورة الرعد مكية. (١) وعن قتادة: مدنية. (٢) وعن الحسن: مدنية إلا آيتين: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [الرعد:٣١]، ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ. . .﴾ [الرعد:٣١]. (٣) الكلبي: مكية (٤) إلا آية نزلت في عبد الله بن سلام (٥)، وقوله: (١٧١ ظ) ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ [الرعد:٤٣]. (٦) وهي أربع وأربعون آية حجازيّ. (٧) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ:﴾ رفع بالابتداء، و [خبره] (٨) ﴿الْحَقُّ:﴾ ثم الجملة عطف على الجملة الأولى. وقيل: خفض بالعطف على الكتاب، و ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك الحقّ. (٩) ٢ - ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ:﴾ جمع عماد، كأهبة وإهاب على سبيل الخلقة والطبيعة. وقيل: على سبيل القهر والحبس (١٠). وقيل: بعمد لا ترونها؛ (١١) لأنّ الفتق بالرياح، وهي أجسام غير ملونة. ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ يوم القيامة. وقيل: وقت الغروب، (١٢) وكذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ﴾

стр. 963

﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس:٣٨]. ٣ - ﴿رَواسِيَ:﴾ هي الجبال الرّاسية، جعلها الله تعالى للأرض كالأوتاد، فهي من السهلة بمنزلة العصب، والعظم من اللحم؛ ليعتمد الرخو الصلب، فلا تنحلّ، والصعيد والأرض يتناول السهل والجبل. ﴿زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ:﴾ الذكر والأنثى. إن كان المراد بالثمرات ثمرات النفوس، والمتشابهات: المتجانسات. وإن كان ثمرات النبات، ووجه التأكيد: نفي التوحيد، كما في قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١]. ويحتمل: أنّ المراد بالزوجين اثنين: الرطب واليابس، أو الجيد والرديء، أو المستطاب والمستبشع، أو الربعيّ والحرفيّ، أو ما يصلح للناس والدواب. ٤ - ﴿قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ:﴾ عرصات متلاصقات، وفائدتها: الامتنان، أو التنبيه على لطف الصّنعة في المخالفة مع طبائعها، مع قرب المجاورة في حقّ الطوالع والغوارب، والرياح والأمطار. ﴿صِنْوانٌ:﴾ جمع صنو: مثلها النابت من أصلها. والفائدة في ذكر الصنوان، وغير الصنوان الامتنان بالنوعين، أو التنبيه على أنّ الفرع معدوم وموهوم، أو مظنون. ٥ - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ:﴾ عجبوا لبعده عن قياس العقل. ﴿أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ:﴾ أي: إنّا لنبعث في خلقة جديدة. ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى المتعجبين. ﴿الْأَغْلالُ:﴾ جمع غلّ، وهو طوق أسر وصغار، والمراد به الذنوب، والذي أعدّ لهم من أغلال النار في دار القرار. ٦ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ:﴾ بإكفار قبل الإيمان لمن قدّر له الإيمان، وقبل امتياز الخبيث من الطيب، وليس ذلك من سنة الله (١٧٢ و) تعالى؛ لأنّه (١) ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ والأشباه، والنظائر، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢]؛ لأنّ الأمم لم يهلكوا إلا بعد امتيازهم من المؤمنين. عن ابن المسيب (٢) قال: لّما نزلت ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ. . .﴾ الآية، قال ﵇:

стр. 964

«لولا عفو الله، وتجاوزه ما هنّأ (١) أحدا عيش، ولولا وعيده وعقابه لا تّكل كلّ أحد (٢)» (٣). ٧ - ﴿لَوْلا أُنْزِلَ:﴾ (٤) آية (٥) ملجئة من الله (٦). ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ:﴾ قال قتادة: إنّما أنت منذر وهاد لكلّ قوم، ولست بملجئ قاهر. وقال مجاهد: إنّما أنت منذر، ولست بملجئ ولا قاهر. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ:﴾ فيما مضى كان هاد ومنذر مثلك. وقيل: إنّما أنت منذر، ولست بقادر على إنزال الآيات، وخلق الهداية فيهم. ولكل قوم هاد واحد لا ثاني له. (٧) اتصال ما بعدها بها من حيث تكرار التعريف، والتنبيه على التوحيد. ٨ - ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى:﴾ ماهية وكيفية. ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ (٨): كمية وتغيّر. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ:﴾ دليل أنّ الكمية متناهية إلى المقدار. ٩ - ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ:﴾ قيل: خمس لا يعلمها إلا الله، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآية [لقمان:٣٤]. (٩) ١٠ - ﴿سارِبٌ﴾ (١٠): خارج، يقال: ضلّ سربه، أي: طريقه. ١١ - ﴿لَهُ:﴾ عائد إلى الرجلين، ممّن أسرّ القول، أو جهر، أو من استخفى بالليل وسرب بالنهار. ﴿مُعَقِّباتٌ:﴾ جماعات من الملائكة تعقب جماعة جماعة، وتعقيب بعضهم بعضا.

стр. 965

﴿يَحْفَظُونَهُ:﴾ على الحالة الرضية. وعن الحسن: معقبات أمراء وولاة. (١) وقيل: كلمات الأمن والعافية. (٢) ﴿مِنْ أَمْرِ اللهِ:﴾ بأمر الله لا يغيّر (٣) ما اقترن بقوم من الثواب العاجل بالعقاب العاجل حتى يغيّروه بتغيير ما أسلفوه وقدّموه؛ وذلك (٤) لسبق رحمته، ولو شاء لابتدأ الشرّ غير ظالم، ولا استلب الخير غير جائر. ١٢ - ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً:﴾ منصوبان على أنّه مفعول لهما، فالخوف خوف المسافرين والنازلين في مجاز السبيل، ومهابط (٥) الصواعق، والطمع طمع أصحاب الزروع، ورائدي (٦) الكلأ. ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ:﴾ قيل: السحاب: شيء متركب من غبار البر، وبخار البحر، فيلبد في الجو، ومن طبعه إلا أن (٧) الحرارة المنعكسة. وقيل: الريح بعينها تنكدر، وتتلبّد في البعاد من الجو؛ لبعدها عن حرارة الشمس، وإنّما يكون هذا في النواحي الجنوبيّة، والشمس في البروج الشامية حينئذ، والزمان (١٧٢ ظ) قيظ، ثم إذا جاوزت الشمس نقطة الاعتدال الميزاني الخريفي، وانحدرت إلى البروج الجنوبيّة أثارت بحرارتها ما تكدّرت هناك، وساقته إلى نحو الشمال. ١٣ - ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ:﴾ وقيل: الرعد (٨): اسم ملك. (٩) وقيل: صوت ملك يزجر السحاب، (١٠) وهي اضطراب الرياح واضطرامها. وقيل: هي زفرات الشياطين في الهواء.

стр. 966

﴿الْمِحالِ:﴾ الحوال (١)، والحيلة. والميم عند الأزهريّ أصليّة، (٢) وعند القتيبيّ (٣) غير أصليّة. (٤) ١٤ - ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ:﴾ العبادة. كان النبيّ ﵇ يقول إذا سجد: «سجد وجهي للذي خلقه، وشقّ سمعه وبصره» (٥). وكان داود ﵇ يقول: سجد وجهي متعفّرا في التراب لخالقي، وحقّ له (٦). ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾ أي: الداعي كباسط كفّيه. وقال الفراء: هو الظمآن المشرف على الماء في البئر يدعوه بيديه، وليس معه آلة الاستقاء. (٧) وقال مجاهد: هو الذي يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيديه. (٨) ويحتمل: أنّه الذي يعتمد بكفيه على الماء ليبلغ فاه، فلا يتمّ له المقصود؛ لتعذّر الاعتماد. ويحتمل: أنّه الذي شلّت يده مبسوطة لا تنقبض عند الاغتراف. ١٥ - ﴿يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ بمعنى الطاعة والانقياد. عن الأحنف بن قيس (٩) قال: مررت برجل يصلي، يكثر السجود، قلت: يا عبد الله، على شفع انصرفت أم على وتر؟ فقال: إن أك لا أدري فالله يدري، ثم حدّثني حبيبي أبو القاسم ﷺ : «أنّه ليس عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، ورفع بها درجة، وحطّ عنه بها سيئة». قال: قلت: من أنت يا عبد الله؟ قال: أبو ذر (١٠) صاحب رسول الله، فتقاصرت إليّ نفسي. (١)

стр. 967

(١) ١٦ - فائدة قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ الإفحام. وفائدة الإتيان بالجواب هو الإثبات بعد الزوال، أو بمعنى الاستفهام، وهو متّصل بما مضى. ﴿شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ:﴾ أي: خالقين مثله. ﴿فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ:﴾ أي: التبس عليهم أقسام المخلوقات، فأوجب ذلك الالتباس عبادتهم، وإشراكهم بالله. ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ أخبرنا من طريق الوحي: أنّه خالق الظلمات والنور، والمنافع والمضارّ، والخير والشرّ، والحسن والقبيح، والصامت والناطق، وهو خالق أفعال العباد من الطاعة (٢) والمعصية، (١٧٣ و) والمباح والمضطرّ إليه، وما يخطر ببالهم، لا خالق على سبيل الابتداء والإيجاد إلا هو الله (٣) الواحد القهّار. ١٧ - ﴿أَوْدِيَةٌ:﴾ جمع واد، كناد وأندية. ﴿بِقَدَرِها﴾ (٤): بمقدارها الذي يسعه، ويحتمله. ﴿السَّيْلُ:﴾ ما يسيل من الماء فوق عادته. ﴿زَبَداً رابِياً:﴾ فالزّبد: ما يجتمع على وجه الماء (٥) من الوسخ والدرن. والربوّ: النموّ، ونما الزبد بانتفاخه وطفوه. ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ (٦)﴾ عَلَيْهِ فِي النّارِ: واو الاستئناف، أي: ومن الأشياء التي يذيبونها بالنار؛ ليتّخذوا منها حليّا وأمتعة زبدا مثل: زبد الهليل. ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ:﴾ أي: المثل الحقّ، والمثل الباطل. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً:﴾ أي: كلّ واحد من الزبدين يزول على وجه ما تريد عليه متلاشيا، فيصفوا ما تحته، كما تصحو السماء إذا انقشع عنها الغيم.

стр. 968

قال أبو عمرو بن العلاء (١): أجفأت القدر، إذا غلت فعلاها الزبد، فإذا سكنت لم يبق منه شيء. (٢) وقال أبو عبيد الهروي (٣): جفا الوادي، وأجفأ: إذا ألقى غثاء على جانبيه، وأجفأت القدر: إذا ألقت زبدها. (٤) ﴿فَيَمْكُثُ:﴾ فيلبث. هذا هو المثل المضروب للحق والباطل، فالماء المنزّل مثل القرآن والوحي والإلهام والرؤيا النبويّة، والأودية مثل القلوب من هذه العلوم، مقدار ما تسعه، والسيل مثل العلم الحاصل من هذه الجهات، وزبده مثل ما يلقي الشيطان في الأمنية، أو يوسوس في التأويل، وما يذوب على النار من جواهر الحليّ والأمتعة مثل العلم المكتسب بالقرائح، وإعمال الفكر في الاعتبار والاجتهاد، وزبده هواجس النفس الأمّارة بالسوء ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، ويهدي الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، ويبطل الآراء المدخولة بالرأي المتين الحنيفيّ؛ ليتمّ نوره ولو كره الكافرون. ٢٥ - ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ:﴾ عليهم اللعنة، و (اللام) مكان (على). ويحتمل: أنّ اللام لازدواج الكلام، واعتبار قوله: ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد:٢٢]. ويحتمل: أنّ المراد به: حظّهم ونصيبهم ونعمتهم، وهذه الأشياء تضاف باللام. ٢٦ - ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ:﴾ يعطي الفضل. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ يعطي ما لا يكفي الأقلّ منه في الآخرة في قياس الآخرة، وإضافتها إليها. ٢٧ - وجه الجواب في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ. . .﴾ الآية، وهو أنّ إنزال الآية الملجئة المسخرة (١٧٣ ظ) غير واجب عليه، فإنّ له أن يضلّ من يشاء بالخذلان واللبس، ويوفّق للهداية إلى دينه من وفّقه الإنابة إلى الاعتبار الصالح أول مرة. ٢٨ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ في محلّ الرفع. ﴿أَلا بِذِكْرِ:﴾ عارض.

стр. 969

٢٩ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ بدل من المبتدأ الأوّل (١)، والخبر قوله: ﴿طُوبى لَهُمْ،﴾ ويحتمل: أن يكون الأوّل في محلّ النصب؛ لوقوع الهداية عليه بدلا عن قوله: ﴿مَنْ أَنابَ﴾ [الرعد:٢٧]، واطمئنان القلب بذكر الله أن يسأم ذكر غيره. ﴿طُوبى:﴾ اسم على وزن فعلى، وهو اسم جامع لكل ما يستطاب، فكأنّها الحياة (٢) الطيبة بروح الاتحاد. وقيل: هي شجرة الخلد أصلها في دار نبيّنا ﵇، ولا دار في الجنّة إلا وفيها غصن منها، فهي تثمر ما يشاؤون فيها. ٣٠ - ﴿كَذلِكَ:﴾ إشارة إلى قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ [الرعد:١٧]، أو إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ﴾ [الرعد:٢٧]، ويحتمل: إلى ما بعده من البيان والكيفيّة، أي: كما تقول وتبيّن. ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ:﴾ بالله تعالى. وقيل: هو إنكارهم تسمّيه، وإلحادهم إلى كذّاب اليمامة. (٣) ٣١ - ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً:﴾ جواب متقدم، والفعل المشروط مضمر، اكتفاء بدلالة الاسم عليه، تقديره: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أنّ قرآنا موصوفا بهذه الصفات (٤) أنزل عليهم. فالقرآن دالّ على الإنزال، مجازه: أنّهم يكفرون بالرحمن (٥)، ويصرّون على كفرهم، وإن أنزل إليهم قرآن موصوف بهذه الصفات. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس:٩٦ - ٩٧]. وقيل: جواب لو محذوف، (٦) تقديره: ولو أنّ قرآنا موصوفا بهذه الصفات قرئ عليهم، آمنوا على سبيل الإلجاء، ولم يك ينفعهم إيمانهم. ويحتمل: أنّ الكفار قالوا قبل النزول (٧) على سبيل الاقتراح: ولو أنّ قرآنا كذا

стр. 970

وكذا أنزل علينا لآمنّا، أو كان المؤمنون قالوا على سبيل الاشتهاء والحرص: لو أنّ قرآنا كذا وكذا أنزل إلى (١) هؤلاء المشركين لآمنوا. ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ:﴾ نحّيت عن مواضعها لبرز ما تحت الأرض. ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ:﴾ السير فيها على غير العادة، والتشديد للتكثير والتّكرار. وقيل: تفجير الينابيع والقنوات والأنهار فيها. ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ:﴾ أفلم يعلم؟ وقال الفراء: أفلم يقنط؟ (٢) ﴿قارِعَةٌ﴾ (١٧٤ و): مصيبة وداهية، مثل: يوم بدر، وهلاك المستهزئين والقحط. ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ:﴾ بدر الصغرى، وافتتاح خيبر وفدك، وغزوة المريسيع والحديبية، ونحوها. ﴿وَعْدُ اللهِ:﴾ فتح مكّة. ويحتمل: أنّ المراد بالقوارع: إغارة خالد بن الوليد (٣)، والمثنى بن حارثة (٤)، وسعد بن أبي وقاص (٥) على تخوم أرض العجم، وإغارة خالد (٦)، وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهما على أطراف نواحي الروم، وإغارة سائر الغزاة على سائر أطراف بلاد الترك، وحلولها قريبا من دارهم، شحن الثغور بترتيب الجيوش فيها، ووعد الله أن يتمّ نوره، ويظهره على الدين كلّه، ولو كره المشركون. ٣٣ - ﴿أَفَمَنْ هُوَ:﴾ حذف جوابه اكتفاء؛ لأنّه يدلّ على الخبر بصفته، تقديره: أفمن هذه صفته، كمن ليست هذه صفته، أو: أفمن هذه صفته خير وأحقّ بأن يعبد أم من ليست هذه صفته، كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ [الزمر:٩] بالتخفيف. ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ:﴾ هو تولّي كلّ نفس بتمكينه من كسب ما خلق له،

стр. 971

وتيسيره، ومدّه في ذلك على سبيل التوفيق أو الخذلان. ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ:﴾ يجوز أن يكون على سبيل التهديد، كقوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠] و ﴿اِسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء:٦٤]، ويجوز أن يكون على سبيل التحدي بالتعيين؛ لأنّ التعيين إنّما يكون بالإشارة إلى الذات، أو إلى الفعل، أو لتحذير الوصف، وكانوا لا يقدرون على شيء من ذلك؛ لأنّ إشارتهم لو وقعت إلى ذات لوقعت إلى جماد لا يستحقّ العبادة، ولو وقعت إلى فعل لوقعت إلى أفعال الله تعالى، وهم معترفون بذلك، ولو قصدوا تحذيرا بالوصف لأحالوا كلامهم إلى مجهول. ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ:﴾ مكان ألف الاستفهام على سبيل الإنكار، أي: أتنبئون الله بما خفي عليه. وقيل: أم بمعنى بل، (١) أي: بل تنبئون الله بلا شيء على سبيل الإحالة، أم بظاهر يترتّب على أم الأولى. ٣٤ - ﴿أَشَقُّ:﴾ أكثر مشقة وعناء. ٣٥ - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ:﴾ صفة الجنّة التي وعدها (٢) المتّقون. ٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:﴾ عن ابن عباس: أنّهم عبد الله بن سلام، وأصحابه فرحوا بنزول تسمية الرحمن. (٣) ٣٧ - ﴿وَكَذلِكَ:﴾ إشارة ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ والضمير عائد إلى القرآن، وإنّما وصف بأنّه حكم لتضمنّه الأحكام. ﴿عَرَبِيًّا:﴾ بلغة العرب، وعبارتهم، ويجوز أن يكون موصوفا (١٧٤ ظ) بأنّه عربيّ؛ لمكان الحج والغزو والنحر والقصاص وبيعة الإمامة والأذان والخطبة وهذه الأشياء شعار العرب، وهم معنيون، والناس كالأتباع لهم. ٣٨ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا:﴾ نزلت في تعجب المشركين من كون رسول الله بشرا مثلهم، وفي تعجّبهم من تأخير العذاب، والآيات الملجئة، فنفى الله تعالى وجه تعجيبهم، وأخبر بسنّته فيمن (٤) مضى من المرسلين والرسل. واتصال قوله: ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾

стр. 972

٣٩ - (١) والمحو والإثبات عام في الأعيان، والأحكام كلها. و (الكتاب): هو ما قضى الله به من الحوادث في الأفهام أنّها تكون أو تكاد تكون، أو لا تكاد تكون. ٣٩ - و ﴿أُمُّ الْكِتابِ:﴾ كلمة الله التي لا تبديل لها؛ لاختصاصها بحقيقة المراد في علم الله تعالى. ٤٠ - ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ:﴾ أي: إن أريناك في حياتك بعض ما نتوعّد به الكافرين، ونعدّ للمسلمين، أو إن توفّيناك قبل وجود ذلك، ولم نرك شيئا منه، فأنت مخبر صادق ليس عليك إلا البلاع، وكأنّهم توهموا أنّ النبيّ ﵇ لو لم يأت بنفسه بهذه المواعيد لكان كاذبا، فبيّن أنّ صدقه غير متوقف على شيء. ٤١ - ﴿نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها:﴾ إن كان المراد قريشا (٢)، فنقصان الأرض من أطرافها فتح القرى حول مكّة، وإن كان الكفّار فتحيّز الكفر إلى أقطار الأرض (٣) باتساع دولة الإسلام، وإن كان جميع الناس، فتراجع الأعمار إلى القصر، وعود القوى ضعفا وشيبة، واستحالة الصلاح إلى الفساد، وقلّة نماء الحرث والنسل، وذهاب الفقهاء والجياد. قال ﵇: «ما مات مسلم إلا انثلمت في الإسلام ثلمة، لا يسدّها من بعده شيء». (٤) ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ:﴾ أي: لا رادّ، ولا راجع، ولا مكرر، ولا مستدرك له. ويحتمل: لا مؤخر. ٤٣ - ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً:﴾ شهادة الله تعالى لنبيّنا ﵇ هو فعله الإعجاز له. وشهادة ﴿مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ إظهارهم نعته، ودلالتهم عليه، واعترافهم به، منهم عبد الله بن سلام.

стр. 973

سورة إبراهيم مكية. وعن ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها في قتلى (١) بدر، قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ. . .﴾ الآيتين [إبراهيم:٢٨]. (٢) وهي أربع وخمسون آية في عدد أهل الحجاز. (٣) (١٧٥ و) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ:﴾ استحباب الشيء: اعتقاد محبته، وإدخاله في عداد المحبوبات. والمراد به: الاختيار والإيثار، ولذلك وقعت التعدية ب (على). ٤ - ﴿إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ:﴾ بعبارة قوم الرسول عامّة، مشاهدته ومخاطبته. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ:﴾ بالإعجاز ما يترجمون عنه على سبيل التواتر. ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ:﴾ أي: فبعد البيان وقيام الحجّة، يخذل الله من يشاء؛ ليصرّ على الضلالة. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ ليعترف بالحقّ إن خرج ترجمة للوحي الذي في فحوى الإرسال، أو ترجمة الآيات، أو القول مضمر. ٥ - ﴿قَوْمَكَ:﴾ أي: بني إسرائيل. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾ من الشبهات إلى اليقين. ﴿بِأَيّامِ اللهِ:﴾ أيّام أنجى الله إيّاهم من آل فرعون، ومجاوزته بهم البحر، وآيات إصابة القرون الماضية بأنواع العذاب على سبيل الانتقام. وفائدة التذكير بهذه الأيّام هي التنبيه على استحقاق الشكر والخوف (٤). ٧ - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ:﴾ واذكروا حالة إيذانه (٥) إيّاكم، والتأذّن والإيذان (٦) واحد،

стр. 974

كالتوعّد (١) والإيعاد، فإنّ (إذ) (٢) قائم مقام الجزاء، فحواه (٣): فلا يضرّونه شيئا، فإنّه غير مفتقر إلى إيمانكم وحمدكم. ٩ - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ:﴾ حكاية عن موسى (٤). وقيل: خطاب لهذه الأمة. (٥) ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ الأمم المنقرضة في مشارق الأرض ومغاربها، درست آثارهم وانقطعت أخبارهم. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ:﴾ عضّوا أناملهم غيظا. ويحتمل: معنى التعجب على ما جرت به العادة في العامّة، كصكّ الوجه. ويحتمل: معنى الأهلال بالسكوت على سبيل الإشارة. (٦) ويحتمل: معنى الامتناع عن الإقرار على سبيل التشبيه، أي: كأنّهم أخذوا على أفواههم متناكبين عن الإيمان والإقرار. ويحتمل: منعهم الرسل عن النطق على سبيل التشبيه، فكأنّهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل، وأسكتوهم. (٧) ويحتمل: معنى ردّهم الشيء القريب. ١٠ - ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ:﴾ أي: شيئا، أو كثيرا، أو الكل من ذنوبكم. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ أي: صرف العذاب العاجل عنهم، وتعميرهم إلى الموت المعهود. ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ:﴾ آية ملجئة التي توجب العلم مشاهدة. ١١ - ﴿إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ:﴾ سلّموا للإنصاف في الجدال بما استدركوا الغلط في سائر دعاويهم بإثبات المشيئة لله في تفضيل بعض البشر على بعض بالخصال الحميدة؛ لإفحامهم في الجدال لعجزهم عن إنكار المشاهدة. ١٤ - ﴿خافَ مَقامِي:﴾ أي: مقامه بين يديّ يوم العرض الأكبر، ولقد صدق (٨) وعده لرسله، وللخائفين مقامه، والخائفين وعيده، أولياء رسول الله، والخلفاء، والأئمة.

стр. 975

١٥ - ﴿وَاِسْتَفْتَحُوا:﴾ أي: الأنبياء ﵈، كقوله (١): ﴿رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا﴾ [الأعراف:٨٩]، وقوله: ﴿مَتى نَصْرُ اللهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، وقول موسى: ﴿رَبَّنَا اِطْمِسْ﴾ [يونس:٨٨]، وقول لوط: ﴿رَبِّ اُنْصُرْنِي﴾ [العنكبوت:٣٠]، وإليه ذهب مجاهد (٢)، وقتادة. (٣) وعن ابن عباس، ومقاتل: استفتاح الكفّار، كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس:٤٨]، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ (٤) [الشعراء:١٥٤]، ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم:١٠]. (٥) ١٦ - ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ:﴾ أي: هو على شفا حفرة (٦) (١٧٥ ظ) منها، ومآله إليها. ﴿مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ:﴾ ممتزج من القيح والدّم، ووصف الماء به لمعنيين: التشبيه أنّه ما أنتن وتكدّر بالإحماء (٧) والغلي، والعرب تسمّي الماء الحارّ بالشمس: صديدا، والثاني: اعتبار حقيقة العنصر، فإنّ اسم الماء يشتمل على جنس المياهات بهذا (٨) الاعتبار، ألا ترى سمّوا النطفة ماء؟ ١٧ - ﴿يَتَجَرَّعُهُ:﴾ يتكلّف الشرب قليلا قليلا، جرعة جرعة. ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ:﴾ يستوخمه (٩) المتجرع، ولا يكاد يستمريه للتضاد، وعدم الإيجاد، ثمّ تقبله الطبيعة قهرا لعجزها (١٠) عن دفعه، فيفسد المزاج، ولا علاج. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ:﴾ أي: تعرض له أسباب الموت من كلّ جهة، وفي كلّ عضو وعرق، ولا يموت لوجوب الخلود في النار ذات الوقود. ﴿مِنْ وَرائِهِ:﴾ سوى هذا العذاب ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ.﴾ ١٨ - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ:﴾ أي: هذا مثل الذين كفروا على سبيل ترجمة، والفصل في الكتاب، كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد:٣٥]. وقيل: إنه مبتدأ، وقوله: ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ خبره بإضمار أنّ أعمالهم الحسنة التي وقعت لا لوجه الله. (١١)

стр. 976

﴿كَرَمادٍ:﴾ ما (١) تفتّت بالاحتراق. والمراد بالتشبيه حبوط الأعمال. وإنما يوصف (٢) اليوم بأنّه عاصف؛ لأنّ اليوم يوصف بما يحدث فيه على سبيل المجاز، وقال الراجز: يومين غيمين ... ويوما شمسا (٣) ونقول: يوم حارّ ويوم بارد، وإنما الحرارة والبرودة للجوهر في الحقيقة (٤) دون الأحوال، والأيّام جديد محدث، وهو ضدّ القديم العتيق. ٢٠ - ﴿بِعَزِيزٍ:﴾ بصعب ممتنع. ٢١ - ﴿وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً:﴾ عرضوا (٥) على (٦) الله للحساب. ﴿تَبَعاً:﴾ جمع تابع، كحرس وحارس، ورصد وراصد. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا:﴾ يحتمل: الإنكار على سبيل التعجيز والاستفهام، والطلب على سبيل نفا (٧) الجهل، واعتقاد الكفر. وجوابهم بأن ﴿لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ يحتمل معنيين: لو هدانا الله في الدنيا إلى دين الإسلام، لهديناكم إليه، وهذا على سبيل الاعتذار. والثاني: لو هدانا الله اليوم إلى محيص لهديناكم إليه، ولكنّه لم يهدنا، فنحن باقون في العذاب. عن أبيّ بن كعب (٨): ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] قال: يقومون ثلاث مئة عام لا يؤذن (٩) لهم فيقعدوا، وأما المؤمنون فيهوّن عليهم، كما تهون المكتوبة. (١٠) عن خيثمة (١١)، قال: كنّا عند ابن عمر، فقلنا: إنّ عبد الله بن مسعود (١٢)، ﵄،

стр. 977

قال: إنّ الرجل ليعرق حتى يسبح في عرقه، ثم يدفعه العرق حتى يلحمه. قال: وما ذلك إلا ما يرى الناس يفعل بهم، قال: فقال ابن عمر: هذا للكفار، فما للمؤمنين؟ فقلنا: الله أعلم، وما ندري!، قال: فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، حدثكم أوّل الحديث، ولم يحدّثكم آخره، إنّ للمؤمنين كراسي يجلسون عليها، ويظلّ عليهم (١) الغمام، ويكون يوم القيامة عليهم كساعة من نهار، أو أحد طرفيه. (٢) ٢٢ - ﴿بِمُصْرِخِكُمْ:﴾ بمغيثكم، وناصركم. ﴿بِما أَشْرَكْتُمُونِ﴾ (٣): بمن أشركتموني به، يعني: الله، عن الفراء. (٤) وقيل: (١٧٦ و) بإشراككم إيّاي، لم أعتقد في نفسي ما اعتقدتم فيّ. (٥) وإنما يقّيض الشيطان لهذا القول زيادة في التعيير واللوم والتقريع. ٢٤ - ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً:﴾ هذا مثل الإيمان، وقيل: المراد بالشجرة الطيبة: النخلة، (٦) وإنّما شبّه الإنسان [بها] (٧) من حيث تهلك بقطع رأسها، وأنّها تحمل بالإلقاح. (٨) وقال ﵇: «أكرموا عمّتكم النخلة». (٩) وروي: أنّ النخلة خلقت من فضلة طينة آدم. (١٠) وقيل: إنّ البعير خلق من تلك الفضلة أيضا. وروي: أنّه ﵇ خرج على أصحابه، وهم يذكرون الشجرة الطيبة، فقال ﵇: «ذلك المؤمن أصله في الأرض، وفرعه في السماء». ﴿كُلَّ حِينٍ:﴾ ستة أشهر. ٢٦ - وقيل: ﴿كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ:﴾ كلمة الكفر. ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (١١): الحنظلة. (١٢)

стр. 978

﴿اُجْتُثَّتْ:﴾ اقتلعت وسقطت، ليس لها أصل ثابت في الأرض، ولا في السماء، وهي تتلاشى عن قريب، فكذلك كلمة الكفر. عن البراء، عنه ﵇ في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: «في القبر إذا قيل له: من ربّك، وما دينك، ومن نبيّك» (١). وعن عمر في هذه الآية قال: قال ﵇: «إذا أدخل المؤمن قبره أتاه فتّانا القبر، فأجلس في قبره، وإنّه ليسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين، فيقولان له: من ربّك، وما دينك، ومن نبيّك؟ فيقول: ربّي الله، وديني (٢) الإسلام، ونبيّي محمد ﵇ فيقولان: ثبّتك الله، نم قرير العين، وهو قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا. . .».﴾ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ:﴾ في القبر. [﴿بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾] (٣): بالتوحيد. ﴿الثّابِتِ:﴾ الحقّ (٤). ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ:﴾ الكافرين. وقيل: إذا دخل المنافق أو الكافر (٥) قبره، قالا له: من ربّك، ومن نبيّك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: لا دريت، نم كما ينام المنهوش، ويضرب بمرزبة يسمعها من بين الخافقين إلا الجنّ والإنس، (٦) وهو قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ﴾ المشركين، ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ.﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ على القول الثابت، أو يثبّت الله قلوب الذين آمنوا؛ بسبب قولهم الثابت، أو بتمكّنهم من القول الثابت. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف بك يا عمر لو (٧) جاءك فتّانا القبر منكر ونكير، ملكان أسودان أزرقان يبحثان الأرض، ويطان في شعورهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف». قال: يا رسول الله، أمعي عقلي، وأنا على ما أنا عليه اليوم؟ قال: «نعم»، قال: إذا أكفيهما بإذن الله،

стр. 979

فقال ﵇: «إنّ عمر موفّق». (١) وفائدة السؤال في القبر: ما علمه الله تعالى كفائدة (٢) أخذ الميثاق. وقيل: في حق المؤمن تتمّة إبلائه بتمحيص إقراره، وتوفير ثوابه، أو لتجليته على الملائكة أنّه غير معرض عن الله، ولا ناس إيّاه، ولو عظمت بلواه، وفي حقّ الكافر تتمّة ابتلائه؛ لقطع أعذاره، وتوكيد عقابه. ٢٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا:﴾ نزلت في رؤساء بني أميّة وبني المغيرة يوم بدر. ﴿وَأَحَلُّوا:﴾ حملوهم على الحلول، وهو النزول. و (٣) ﴿دارَ الْبَوارِ:﴾ (١٧٦ ظ) الهلاك. ٢٩ - ﴿جَهَنَّمَ:﴾ بدل من ﴿دارَ الْبَوارِ﴾ [إبراهيم:٢٨]. ٣١ - ﴿لا بَيْعٌ:﴾ كسب الخير. ﴿وَلا خِلالٌ:﴾ شفاعة. ٣٣ - ﴿دائِبَيْنِ:﴾ ملازمين للعادة. ٣٤ - ﴿مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ:﴾ قيل: بعض مقدار من المسؤول. (٤) وقيل: كلّ المسؤول، مبذول للجماعة، وإن تفاوت منه آحادها بالتخصيص. (٥) الإحصاء: الإطاقة. وقيل: إدراك العدد. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ المخذول عن التوفيق الإلهاميّ الروحانيّ الموكول إلى الهيجان الأنعاميّ النفسانيّ (٦). ٣٥ - أهل (٧) الحجاز يقولون: جنبني فلان شرّه، بالتخفيف. وأهل نجد: جنّبني، وأجنبني، بالتشديد والألف. (٨)

стр. 980

٣٦ - ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ:﴾ إن كان المراد بها الأرواح الخبيثة من الشياطين، فإسناد الإضلال إليهنّ كإسناده (١) إلى الناس. وإن كان المراد بها الصور المصوّرة، فإسناد الفعل إليهنّ كإسناده إلى الدراهم والدنانير. يقال: أهلك الناس الدرهم والدينار. ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي:﴾ في الإعراض عن الأصنام والطواغيت. ﴿وَمَنْ عَصانِي:﴾ فيما دون الشرك، عن مقاتل بن حيّان (٢). (٣) ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ تغفر للمشركين، وترحمهم إذا تابوا، عن الكلبي (٤). ويحتمل: أنّ إبراهيم ﵇ ذكر المغفرة والرحمة تنزيها لله عن أن يأخذه ومن تبعه بذنب من عصاه. ويحتمل: أنّه تعرض (٥) على قضية استجازة العقل قبل التوقيف السماعيّ مغفرة الكفّار، كما كان يستغفر لأبيه حتى علم أنّه عدو لله، فتبرّأ منه. ٣٧ - ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي:﴾ بعضا من ذرّيتي. ﴿أَفْئِدَةً:﴾ واحدها فؤاد. ﴿تَهْوِي:﴾ تميل، وتسرع. ٤١ - ﴿يَقُومُ الْحِسابُ:﴾ كما يقال: قام السوق، والحرب، والصلاة. ٤٢ - ﴿تَشْخَصُ:﴾ ترتفع عن مواضعها، وتجحظ للدهش (٦). ٤٣ - ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ مسرعين إلى (٧) الداعي، وهو حالة سيلانهم عند الحشر. ﴿هَواءٌ:﴾ خالية عن الخواطر دهشا، واشتغالا بالمشاهدات. ٤٥ - ﴿وَسَكَنْتُمْ:﴾ معطوف على ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ [إبراهيم:٤٤]. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ من الأمم الماضية الذين تسكن ديارهم، وتشاهد آثارهم، وتسمع أخبارهم. ﴿لَكُمُ الْأَمْثالَ:﴾ أمثال القرآن.

стр. 981

٤٦ - ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ:﴾ أراد المعاني العامّة المستفخمة العظيمة من الشرائع، والسنن، وقواعد الدين. ٤٧ - ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ:﴾ أي: مخلفا وعده رسله، وإنّما قدّم الوعد على الرسل؛ لأنّه أليق بالإخلاف، والكلام يستقل به دون المفعول الثاني. ٤٨ - ﴿يَوْمَ:﴾ نصب؛ لوقوع الانتقام فيه (١). ﴿تُبَدَّلُ:﴾ يقلب ظهرها بطنا، وترتفع الجبال عنها، وتسطّح من المشرق إلى المغرب. ﴿وَالسَّماواتُ:﴾ تغيّر هيأتها بخسف الشمس والقمر، وتناثر الكواكب، والانفطار. وقرأت عائشة (٢) هذه الآية، فقالت: يا رسول الله، فأين (٣) يكون الناس؟ قال: «على الصراط». (٤) ٤٩ - ﴿الْأَصْفادِ:﴾ جمع صفد، وهو الغلّ والقيد. ٥٠ - ﴿قَطِرانٍ:﴾ ما تطلى به الإبل. (السربال): يشتمل على: القميص، والجبّة، والدرع. ٥١ - ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ بدل عن قوله: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ﴾ [إبراهيم:٤٤]، أو ليوم يجزي الله. وقيل: التعليل: التفريق في الأصفاد. ٥٢ - ﴿هذا:﴾ إشارة إلى القرآن. ﴿بَلاغٌ لِلنّاسِ:﴾ نهاية لهم في الوعظ.

стр. 982

سورة الحجر مكيّة. (١) وهي تسع وتسعون آية. (٢) (١٧٧ و) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿آياتُ الْكِتابِ:﴾ مجاهد، وقتادة: «التوراة والإنجيل». (٣) وقيل (٤): الكتاب والقرآن (٥) واحد. (٦) ٢ - ﴿رُبَما:﴾ [ربّ] حرف جارّ ولا (٧) يدخل إلا على الأسماء المنكورة، فإن صرف إلى فعل كفّ عن العمل بما الكافّة (٨)، ولا يدخل إلا على فعل ماض أو حال، وإنما دخل هاهنا على الفعل المستقبل لأنه واجب لا محالة، فكأنه ماض، (٩) ألا ترى أنّ أكثر أحوال القيامة مذكور في القرآن على لفظ الماضي. عن ابن عباس: يأتي على الكافر يوم يودّ فيه لو كان مسلما. أبو حنيفة (١٠)، عن حماد (١١)،

стр. 983

عن إبراهيم (١): سألت (٢) عن قول الله : ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ،﴾ قال: يعذّب الله قوما ممن كان يعبده، ولا يعبد غيره، وقوما ممن كان يعبد غيره، ثم يجمعهم في النار، فيعيّر الذين كانوا يعبدون غير الله [الذين] (٣) كانوا يعبدون الله تعالى فيقول: عذّبنا لأنّا عبدنا غيره، فما أغنى عبادتكم إيّاه، وقد عذّبكم معنا؟ فيأذن الربّ للملائكة (٤)، فيشفعون، فلا يبقى أحد ممن كان يعبده إلا أخرجه حتى يتطاول للشّفاعة إبليس لعبادته، يعني: الأولى، يقول (٥): ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ الآية. (٦) ٣ - ﴿يُلْهِهِمُ:﴾ يشغلهم. ﴿الْأَمَلُ:﴾ الطمع، كانت أطماعهم الفاسدة تشغلهم عن التوبة والإنابة، فتوعّدهم على ذلك، أي: إصابتهم بعذاب من عنده، أو بأيدي المؤمنين. ٤ - ﴿إِلاّ وَلَها:﴾ فذكر الواو بعد الاستثناء، وقد يحذف إذا كان الكلام مستقلا بنفسه مع طرح الاستثناء، فأما إذا لم يستقل لا يجوز إلا بغير واو، كقولك: ما أنت إلا بشرا. ﴿كِتابٌ مَعْلُومٌ:﴾ أجل مسمّى. ٦ - ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ:﴾ نزلت في عبد الله بن أمية، والنضر بن الحارث، وجماعة من قريش. (٧) قيل: على زعمك. (٨) وقيل: على سبيل الاستهزاء. (٩) (المجنون): المستور قلبه أو دماغه بما يضادّ العقل من خبال الجنّ، أو فساد الطبع، وإنما وصفوه بذلك لخرقه إجماعهم الفاسد (١٠)، وخلافه عادتهم القبيحة.

стр. 984

٧ - ﴿لَوْ ما:﴾ بمنزلة لولا. ٨ - ﴿ما (١)﴾ نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ: ظاهرين يعرفون بسيماهم. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ:﴾ الملجئ الذي يبطل الرأي والاجتهاد. ﴿وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ:﴾ إذا نزّلناهم على هذا الوجه حقّت على قريش كلمة العذاب، وارتفع الإمهال، ولم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. واتصالها بأنّ الذكر القرآن في قوله: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر:٦] وهاهنا. ٩ - ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ:﴾ قيل: حفظ الله كتابه من الدروس. (٢) وقيل: حفظه عن الجنون والخبال، والمجون والضلال. (٣) ١٠ - ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ رسلا. ١٢ - ﴿نَسْلُكُهُ:﴾ السلك: الإيغال، والسلوك: الوغول، والمسلك: شبه السّرب (٤). والضمير عائد إلى الاستهزاء. والآية ردّ على المعتزلة. ١٤ - ﴿فَظَلُّوا:﴾ يقال: ظلّ يفعل إذا كان عامّة نهاره في فعله، (٥) وبات يفعل إذا (١٧٧ ظ) كان عامّة ليله في فعله، (٦) وإذا لم يرد تخصيص ليل ولا نهار قلت: طفق يفعل. (٧) ﴿يَعْرُجُونَ:﴾ يصعدون. ١٥ - ﴿سُكِّرَتْ:﴾ حبست بالتخييل عن حقيقة المشاهدة. ١٦ - ﴿فِي السَّماءِ بُرُوجاً:﴾ بروج السماء: أقسامها، وأجزاؤها الاثنا عشر، كلّ جزء

стр. 985

بالمساحة على ثلاثين درجة، وهي ستّون دقيقة لا تفاوت بينها، وفي المشاهدة على كواكب من منازل القمر بينها تفاوت، ثم هذه السماء محدقة بالنار والريح والأرض إحداق قشر البيضة بما فيها، تدور على قطبين: قطب معلوم شماليّ، وقطب موهوم جنوبي عند بعض الناس، وهي معلّقة بالقطب الشماليّ من فوق الأرض، كهيئة الكلية لا قطب لها من ناحية الجنوب عند بعض، وهي مختصة ببروج غير (١) هذه البروج الاثني (٢) عشر الفلكية عند بعض. فمن تلك البروج الضراح، وهو بيت المعمور، وسائر البروج مساجد الملائكة ومقاماتهم، ومقامات الأنبياء والصديقين والشهداء. ﴿وَزَيَّنّاها:﴾ حسّنّاها بصفاء لونها، وبالشّمس والقمر والكواكب. ١٧ - ﴿وَحَفِظْناها:﴾ بالكواكب المنقضّة، التي هي رجوم للشياطين. قيل: لم تزل السماء محفوظة محروسة بهذه الكواكب المنقضة. (٣) عن ابن عباس: أنّ رجالا من الأنصار أخبروه: أنّه بينما هم جلوس مع رسول الله ﷺ ليلة من اللّيالي رمي بنجم، فاستنار، فقال لهم رسول الله: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنّا (٤) نقول: مات اللّيلة عظيم، وولد اللّيلة عظيم، قال ﵇: «إنه لا يرمى لموت أحد، ولا لحياته (٥)، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرا سبّح حملة العرش، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم، ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ثم يسأل أهل السماء السادسة أهل السماء السابعة، وكذلك ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، فيحفظه الجنّي ليقذفه إلى صاحبه، ويرمي به، فما جاؤوا به على وجهه، فهو الحقّ، ولكنّهم يوفّون (٦) فيه ويزيدون». (٧) وعن نافع بن جبير (٨)، ومحمد بن كعب: أمسكت في أيام الفترة، فلما بعث نبيّنا
следующие страницы →