وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [سورة الحجر، الآية: ٨٧]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [سورة النساء، الآيتان: ٦٦، ٦٧]، وقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [سورة النور، الآية: ١٦]، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [سورة لقمان، الآية: ١٣].
ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [سورة الصافات، الآية: ١٢] على قراءة الضم (١)، فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة.
وقال النبي ﷺ للذي آثر هو وامرأته ضيفهما: "لقد عجب الله" وفي لفظ في "الصحيح": "لقد ضحك الله الليلة من صُنعكما البارحة" (٢)، وقال: "إن الرَّبَّ ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، يقول: عَلِمَ عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا
стр. 37
أنا" (١)، وقال: "عَجِبَ رَبُّكَ من شابٍّ ليست له صَبْوَة" (٢)، وقال: "عَجِبَ رَبُّك من راعي غنم على رأس شَظِيَّة يؤذن ويقيم، فيقول الله: انظروا إلى عبدي" (٣) أو كما قال، ونحو ذلك. ا. هـ.
стр. 38
الموضع الخامس تأويل إدناء المؤمن من ربه يوم القيامة
في التعليق على "رياض الصالحين" للإمام النووي ﵀ -
стр. 39
الموضع الخامس تأويل إدناء المؤمن من ربه يوم القيامة
في التعليق على "رياض الصالحين" للإمام النووي ﵀
* لمَّا أورد الإِمام النووي (١) ﵀ حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "يُدْنَى المؤمنُ يوم القيامة من رَبِّه، حتى يضع كَنَفَهُ عليه، فيقَرِّرُهُ بِذُنُوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: ربِّ أعرف، قال: فإني قد سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فَيُعطى صحيفة حسناته" متفق عليه (٢).
стр. 40
• علَّق الشيخ شعيب الأرنؤوط على قوله: "يُدْنَى المؤمن يوم القيامة من ربِّه" فقال:
يدنى: أي: يقرب المؤمن يوم القيامة من ربه، دنو كرامة وإحسان، لا دنو مسافة، فإنه سبحانه منزَّهٌ عن المسافة. ا. هـ.
* قلت:
وتفسير إدناء المؤمن من ربه يوم القيامة بأنه دنو كرامة وإحسان وتنزيه الله سبحانه عن المسافة، هذا التفسير لم يقل به السلف ﵏ والحديث واضح وهو على ظاهره، وهو أن المؤمن يُدنى ويقرب من خالقه سبحانه، وهذا معلوم في لغة العرب، أما الكيفية فلم يطلعنا الله عليها وهو سبحانه أعلم بها.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكُلَّابية، فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته، وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته" (١).
стр. 41
وقال ﵀ -أيضًا: "ومَنْ جعل قرب عباده المقربين ليس إليه، وإنما هو إلى ثوابه وإحسانه، فهو مُعَطِّلٌ مبطل" (١).
وتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة، مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٥٧]، وقوله سبحانه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [سورة المطففين، الآية: ٢٨]، وقوله ﷺ : "أقربُ ما يكون العبدُ من رَبِّه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (٢) وما أخبر به ﷺ من نزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ودنوه جلَّ وعلا من أهل الموقف عشية عرفة (٣).
стр. 42
وأما قول الشيخ الأرنؤوط: "فإنه سبحانه منزه عن المسافة" فهذه عبارة لم يوردها السلف ولم تعرف عنهم، وإنما ذكرها غيرهم ليتوصلوا بها إلى نفي بعض صفات الله تعالى الفعلية مثل الاستواء والنزول والمجيء ونحو ذلك (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 43
الموضع السادس تأويل صفة الفرح لله -تعالى-
في التعليق على مسند الإِمام أحمد ﵀ -
стр. 44
الموضع السادس تأويل صفة الفرح لله -تعالى -
في التعليق على مسند الإِمام أحمد ﵀
* في تحقيق "المسند" (١) للإمام أحمد ﵀ والذي أشرف عليه الشيخ شعيب الأرنؤوط، لمَّا أسند الإِمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قوله: "للهُ أَفْرَحُ بتوبة أَحَدِكُم، مِنْ رَجُلٍ خرج بأرضٍ دويَّةٍ مَهْلَكَةٍ، معه راحِلَتُه عليها طعامه وشَرَابُهُ وزادُهُ وما يُصْلِحُه، فأضلَّها، فَخَرَج في طَلَبِها، حتى إذا أدركه الموتُ فلم يَجِدْها، قال: أَرْجِعُ إلى مكاني الذي أَضْلَلْتُهَا فيه، فأموت فيه، قال: فأتى مكانه، فغَلَبَتْهُ عَينُه، فاستيقظَ، فإذا راحلتُهُ عند رأسِه، عليها طعامُهُ وشرابُه وزادُه وما يصلحُه" (٢) إلخ.
стр. 45
• جاء في التعليق عليه:
قوله: "أفرح بتوبة أحدكم" أي إنه يحب توبة أحدكم ويرضى بها فوق ما يحب أحدكم ضالته ويرضى بها، والمقصود الحث على التوبة لكونها محبوبة مرضية عنده تعالى والله تعالى أعلم. قاله السندي. ا. هـ.
* قلت:
والصواب في هذا إثبات صفة الفرح على الوجه اللائق به ، ففرحه -جلَّ شأنه- من صفات كماله، ولا يلزم منه نقصٌ ولا مشابهة لكون المخلوق يفرح (١)، فله فرحٌ يناسبه تعالى، وللمخلوق ما يناسبه (٢).
قال العلَّامة ابن القيم - رحمه الله تعالى- عن صفة الضحك لله -جلَّ شأنه-: إنها من صفات أفعاله -سبحانه
стр. 46
وتعالى- التي لا يُشبهه فيها شيءٌ من مخلوقاته، كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيلَ إلى رَدِّها، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها (١).
стр. 47
الموضع السابع تفويض صفة الضحك
في التعليق على "مسند الإِمام أحمد" ﵀ -
стр. 48
الموضع السابع تفويض صفة الضحك
في التعليق على "مسند الإِمام أحمد" ﵀
* في تحقيق "المسند" للإمام أحمد بن حنبل -رحمه
الله- والذي أشرف عليه الشيخ شعيب الأرنؤوط، عندما أسند الإِمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ آخر من يدخل الجنة رجل يمشي على الصراط، فينكَبُّ مرة، ويمشي مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوز الصراط، التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدًا من الأولين والآخرين، قال: فترفع له شجرة، فينظر إليها، فيقول: يا رب أدنني من هذه الشجرة، فأستظلَّ بظلها، وأشرب من مائها، فيقول: أي عبدي، فلعلي إن أدنيتك منها سألتني غيرها، فيقول: لا يا رب، ويعاهد الله أن لا يسألَهُ غيرها، والرب يعلم أنه سيسأله، لأنه يرى ما لا صبر له -يعني عليه- فيدنيه منها، ثم ترفع له شجرة، وهي أحسن منها، فيقول: يا رب أدنني من
стр. 49
هذه الشجرة، فأستظلَّ بظلها، وأشربَ من مائها، فيقول: أي عبدي ألم تعاهدني، -يعني أنك لا تسألني غيرها- فيقول: هذه لا أسألك غيرها، فيعاهده، والرب يعلم أنه سيسأله غيرها، فيدنيه منها، فترفع له شجرة عند باب الجنة، هي أحسن منها، فيقول: رب أدنني من هذه الشجرة أستظلَّ بظلها، وأشربَ من مائها، فيقول: أي عبدي ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها، فيقول: يا رب هذه الشجرة، لا أسألك غيرها، ويعاهده، والرب يعلم أنَّه سيسأله غيرها، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: يا رب الجنة، الجنة، فيقول: أي عبدي ألم تعاهدني أنك لا تسألني غيرها، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، قال: فيقول : ما يصريني منك (١)، أي عبدي، أيرضيك أن أعطيك من الجنة الدنيا ومثلها معها، قال: فيقول: أتهزأ بي أي ربِّ وأنت ربُّ العِزَّة، قال: فضحك عبد الله حتى بدت نواجده، ثم قال: ألا تسألوني لِمَ ضحكت؟ قالوا له: لِمَ ضحكت؟ قال: لضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال لنا رسول الله -صلى الله عليه
стр. 50
وسلم-: "ألا تسألوني لِمَ ضحكت"؟! قالوا: لِمَ ضحكت يا رسول الله؟ قال: "لضحك الرب حين قال: أتهزأ بي وأنت رب العزة" (١).
• جاء في حاشية التحقيق عند هذا الموضع:
"لضحك الرب تعالى: قال النووي: الضحك من الله تعالى هو الرضى والرحمة، وإرادة الخير لمن يشاء رحمته من عباده. انتهى. قلت: -القائل هو الشيخ شعيب الأرنؤوط وزميلاه محمَّد نعيم العرقسوسي وإبراهيم الزيبق-: ظاهر الحديث أنه ﷺ ضحك موافقة لربه تعالى، والحمل على ما ذكر يفوِّت الموافقة، فالوجه في مثله التفويض. والله تعالى ولي التوفيق" ا. هـ (٢).
علق على هذا الموضع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فأَمْلَى عليَّ ما يلي:
стр. 51
هذا من الشيخ شُعيب موافقة على رأي المفوضة، وهو مذهب باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة.
والصواب: إثبات الضحك لله -سبحانه- وسائر الصفات على الوجه اللائق بالله من غير تحريف ولا تمثيل ولا تكييف ولا تفويض ولا تعطيل. هذا هو قول أهل الحق من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم من أهل السنة والجماعة، وهو الحق الذي لا يجوز العدول عنه. والله ولي التوفيق.
стр. 52
الموضع الثامن تأويل صفة الساق
في التعليق على "صحيح ابن حبان" و"رياض الصالحين" و"شرح السُّنَّة"
стр. 53
الموضع الثامن تأويل صفة الساق
في التعليق على "صحيح ابن حبان" و"رياض الصالحين" و"شرح السُّنَّة"
* لمَّا أسند ابن حبان في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله، أنرى ربَّنا؟ قال رسول الله ﷺ : "هل تُضَارُّونَ في رؤية الشمس إذا كان يومَ صحوٍ"؟ قلنا: لا، قال: "هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر إذا كان صحوًا"؟ قلنا: لا، قال: "فإنكم لا ئضَارُّون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما، ينادي منادٍ فيقول: "ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، قال: فيذهب أهل الصليب مع صليبهم، وأهل الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهةٍ مع آلهتهم، ويبقى من يعبد الله من بَرٍّ وفاجر، وغُبَّرَاتٌ (١) من أهل الكتاب.
стр. 54
ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب فيقال لليهود: ما كنت تعبدون؟ فيقولون: كُنَّا نعبد عزيرًا ابنَ الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله صاحبةً ولا ولدًا، ما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن له صاحبةٌ ولا ولد، ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من يعبد الله من بَرٍّ وفاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: قد فارقناهم، وإنما سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنا ننتظر ربَّنا.
قال: فيأتيهم الجبار لا إله إلا هو، فيقول أنا ربكم، فلا يكلمه إلا نبي، فيقال: هي بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: الساق، فيُكْشَف عن ساق، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد له رياءً وسمعة، فيذهب فيسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا، ثم يؤتى بالجِسْر، فيجعل بين ظهراني جهنم".
стр. 55
فقلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: "مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوك عقيفاء، تكون بنجدٍ يقال لها: السعدان، يجوز المؤمن كالطَّرْف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، وكالركاب، فناجٍ مُسَلَّم، ومخدوش مُسَلَّم، ومكدوس في جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، والحق قد تبين من المؤمنين إذا رأوا أنهم قد نجوا، وبقي إخوانهم، يقولون: يا ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، فيقول الرب -جل وعلا-: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من النار، ثم يعودون ثانية، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من النار، ثم يعودون الثالثة، فيقال: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه حبَّة إيمان، فأخرجوه، فيخرجون.
قال أبو سعيد: وإن لم تصدقوني فاقرأوا قول الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٠].
"فتشفع الملائكة والنبيون والصديقون، فيقول الجبار
стр. 56
-﵎ لا إله إلا هو-: بقيت شفاعتي، فيقبض الجبار قبضة من النار، فيخرج أقوامًا، قد امتحشوا، فيلقون في نهر، يقال له: الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حَمِيلِ السَّيل، هل رأيتموها إلى جانب الصخرة، أو جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل كان أبيض، فيخرجون مثل اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الله بغير عمل عملوه ولا قَدَمٍ قَدَّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتموه ومثله معه".
قال أبو سعيد: بلغني أن الجسر أَدَقَّ من الشَّعر، وأَحَدُّ من السيف (١).
قال أبو حاتم: الساق: الشدة.
• علَّق على هذا الشيخ شعيب الأرنؤوط فقال:
قلت: وقد جاء عن ابن عباس في قوله تعالى:
стр. 57
﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [سورة القلم، الآية: ٤٢]، قال: عن شدة في الأمر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق، إذا اشتدت، ومنه:
قد سَنَّ أصحابُك ضَرْبَ الأعناق
وقَامَتِ الحربُ بِنَا على سَاق
وأسند البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٣٤٥) الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كُلٌّ منهما حسن، وزاد: إذا خفي عليكم شيء من القرآن، فابتغوه من الشعر فإنه ديوان العرب، ثم أنشد الرجز المتقدم.
وأسند البيهقي (ص ٣٤٦) من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: يريد القيامة والساعة لشدتها.
وأنشد الإِمام الخطابي في "الأسماء والصفات" في إطلاق الساعة (١) على الأمر الشديد:
عجبت من نفسي ومن إشفاقها
ومن طرادي الطير عن أرزاقها
في سَنَةٍ قد كشفت عن ساقها
стр. 58
وفي "جامع البيان" (٢٩/ ٣٨) للطبري: قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمرٍ شديد.
وقال الألوسي في "تفسيره" (٢٩/ ٣٤ - ٣٥): المراد بذلك اليوم عند الجمهور يوم القيامة، والساق: ما فوق القدم، وكشفها والتشمير عنها مَثَلٌ في شدة الأمر، وصعوبة الخطب، حتى إنه يستعمل بحيث لا يتصور ساق بوجه، كما في قول حاتم:
أخو الحرب إن عَضَّتْ به الحربُ عضَّها
وإن شَمَّرَتْ عن ساقها الحربُ شَمَّرَا
وقال الراجز:
عجبتُ من نفسي وإشفاقها
..........................
وأصله تشمير المُخَدَّرات عن سوقهن في الهرب، فإنهن لا يفعلن ذلك إلاَّ إذا عَظُمَ الخطب، واشتدَّ الأمر، فيذهلن عن الستر بذيل الصيانة، وإلى نحو هذا ذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وعكرمة وجماعة، وقد روي -أيضًا- عن ابن عباس أخرج عَبْدُ بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم
стр. 59
وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" من طريق عكرمة عنه أنه سئل عن ذلك فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب، أَمَا سمعتم قول الشاعر:
صبرًا عناق إنه شرّ باق
قد سَنَّ لي قومُك ضرب الأعناق
وقامت الحربُ بنا على ساق
انتهى تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط.
وقال في حاشية "رياض الصالحين" (١) عن قوله- ﷺ : "وذلك يوم يكشف عن ساق" قال: "أي يكشف عن شدة وهول عظيم" ا. هـ.
وفي تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط على "شرح السنة" (٢) للإمام البغوي ﵀ جنح أيضًا إلى تأويل صفة الساق لله -تعالى وتقدس- وأورد بعض النقول في ذلك بنحو ما تقدم.
стр. 60
*قلت:
وهذا الذي جنح له الشيخ الأرنؤوط موافق لعقيدة الأشاعرة، والصواب ما قرره السلف ﵏ كما قال الترمذي في صفة القدم لله تعالى ونحوها من الصفات قال: "والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك ابن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء، ثم قالوا: نروي هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال: كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويُؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه" (١) ا. هـ.
وقرر العلامة ابن القيم ﵀ أن صفة الساق لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم الآية: ٤٢]، وأما السُّنَّة فحديث أبي سعيد المخرج في "الصحيحين" وغيرهما (٢).
стр. 61
نعم الآية لم تُضفْ الساق فيها إليه تعالى وإنما ذُكرتْ مجردةً عن الإضافة مُنكَّرة فصار فيها احتمال الوجهين، وهذا هو الموضع الوحيد من آيات الصفات الذي تنازع فيه الصحابة وفي إثبات الصفة بظاهر القرآن (١).
لكن ذلك فصَّله حديث أبي سعيد المذكور ودلَّ على الصفة لله -تعالى- بما يليق به -سبحانه- ولذا قال العلامة الشوكاني في تمام بحثه عند هذه الآية في "تفسيره" (٢):
"وقد أغنانا الله -سبحانه- في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله- ﷺ كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا، فليس كمثله شيء.
دعوا كل قول عند قول محمَّد
فما آمِنٌ في دينه كمخاطر" (٣)
الموضع التاسع تأويل بعض صفات الأفعال الاختيارية
في التعليق على "رياض الصالحين" و"المسند"
стр. 64
الموضع التاسع تأويل بعض صفات الأفعال الاختيارية
في التعليق على "رياض الصالحين" و"المسند"
* في "رياض الصالحين" (١) لما أورد المؤلِّف النوويُّ ﵀ الحديث الذي رواه أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: "إذا تقربَ العبدُ إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا، وإذا تقرَّب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيتة هرولة"
رواه البخاري (٢).
• عقَّبَ عليه المحقق الشيخ شعيب الأرنؤوط في الحاشية بقوله:
"هذا من باب التمثيل في الجانبين. والمعنى من أتى شيئًا من الطاعات ولو قليلاً، قابلته عليه بأضعاف من الإثابة
стр. 65
والإكرام، وكلما زاد في الطاعة زدته في الثواب، وإن كان إتيانه بالطاعة على التأني تكون كيفية إتياني بالثواب على السرعة، وأحال على "فتح الباري" (١).
ونحو هذا أيضًا نقله وزميله المحقق الآخر في حاشية "المسند" (٢) عند قوله ﷺ : "يقول الله : أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خيرٍ منهم، وإن اقترب إليَّ شبرًا، اقتربت إليه ذراعًا، فإن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، فإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
نقل عن النووي ﵀ قوله: "هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره، ومعناه: من تقرب إليَّ بطاعتي، تقرَّبت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة، وإن زاد زدتُ، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيتُه هرولة، أي:
стр. 66
صببت عليه الرحمة وسبقتُه بها، ولم أُحْوِجْهُ إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب قربه. ا. هـ.
*قلت:
وهذه النقولات في شأن تلك الصفات مخالفة لما قرره أهل السنة والجماعة في هذا الباب، بل كل تلك الصفات صفات اختيارية لائقة بجلاله سبحانه وعظمته وهو -جل وعلا- الفعَّال لما يريد، ولا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه (١).
وأورد الإِمام أبو إسماعيل الهروي ﵀ هذا الحديث في كتابه: "الأربعين في دلائل التوحيد" (٢) وبَوَّب عليه فقال: باب الهرولة لله .
وقد وُجَّه استفتاء للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وعضوية كل من الشيخ عبد الرزاق عفيفي
стр. 67
- ﵀ والشيخ عبد الله بن غديان والشيخ عبد الله بن قعود ونصُّه: هل لله صفة الهرولة.
وجاء في الجواب (١): نعم صفة الهرولة على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على ما يليق به، قال تعالى: "إذا تقرَّب إليَّ العبد شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإذا تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، وإذا أتاني ماشيًا أتيته هرولة" رواه البخاري ومسلم (٢). ا. هـ.
стр. 68
الموضع العاشر تأويل صفة المَحَبَّة
في التعليق على "المسند"
стр. 69
الموضع العاشر تأويل صفة المَحَبَّة
في التعليق على "المسند"
* في "المسند" (١) عند قول النبي ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان" حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم".
• جاء في الحاشية قولُ المحققين الشيخ شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد:
"وقوله: "حبيبتان إلى الرحمن" قال (٢): تثنية حبيبة،
стр. 70
وهي المحبوبة، والمراد أن قائلها محبوب لله، ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتكريم، وخصَّ الرحمن من الأسماء الحسنى للتنبيه على سعة رحمة الله، حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، ولما فيه من التنزيه والتحميد والتعظيم " ا. هـ.
* قلت:
وهذا النقل في معنى محبة الله للعبد تأويل غير صحيح لصفة المحبة، إذ الواجب إثبات صفة المحبة لله -تعالى- على ما يليق بجلاله سبحانه، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، كما يقال في سائر الصفات، "وصفة المحبة قد دلَّ عليها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة" (١) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢٢]، وقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٥٤].
стр. 71
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله -تعالى- لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇" (١).
وقال أيضًا ﵀: "وأهل السُّنَّة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله، ومحبته، ورحمته، وسائر ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى" (٢).
стр. 72
الموضع الحادي عشر تأويل قول النبي ﷺ : "فوضع يَدَهُ بين كَتِفيَّ ... "
في التعليق على "زاد المعاد" للعلاَّمة ابن القيم ﵀ -
стр. 73
الموضع الحادي عشر تأويل قول النبي ﷺ : "فوضع يَدَة بين كَتِفيَّ ... "
في التعليق على "زاد المعاد" للعلاَّمة ابن القيم ﵀
* في "زاد المعاد"، للعلاَّمة ابن القيم ﵀:
لمَّا أورد المؤلف العلاَّمة ابن القيم (١) قول النبي - صلى
الله عليه وسلم - فيما رواه عن الله ﵎ أنه قال: "يا مُحَمَّدُ، فيمَ يَخْتَصِمُ المَلأ الأعْلى؟ قلت: لا أدري، فَوَضَعَ يَدَة بَينَ كَتِفَيَّ، فَعَلِمْت ما بين السَّمَاءِ والأرض ... " الحديث (٢). ا. هـ
стр. 74
• علَّق المحققان الشيخان: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط في الحاشية على قوله: "فوضع يده بين كتفيَّ" بما يلي:
قال العلاَّمة: علي القاري: وذلك كناية عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه، وإيصال الفيض إليه، فإنَّ من شأن المتلطف بمن يحنو عليه أن يضع كفَّه بين كتفيه، تنبيهًا على أنه يريد بذلك تكريمه وتأييده. ا. هـ.
* قلت:
قوله- ﷺ : "فوضع يده بين كلتفيَّ" على ظاهره لا يُمَثَّلُ ولا يُشَبَّهُ ولا يُكَيَّف، وهو على ما يليق به تعالى، فكما أنَّا لا نحيط بكُنْهِ ذاتِهِ -تعالى وتقدس- فكذلك لا نحيط بكيفية ذلك الوضع؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن
стр. 75
الكلام في الذات.
فما ورد من صفة الفعل في هذا الحديث لا نتأوله بكناية ولا غير ذلك بل هو على ظاهره لكنه على ما يليق بذات الله تعالى وجلاله سبحانه (١) ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى، الآية: ١١] (٢).
قال العلاَّمة الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀: "وأما وصف النبي ﷺ لربه بما وصفه به؛ فكلُّ ما وصفَ النبي ﷺ به ربَهُ فهو حقٌّ وصدقٌ يجب الإيمان والتصديق به، كما وصف الله به نفسه، مع نفي التمثيل عنه، ومَنْ أشكل عليه فَهْمُ شيءٍ من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مَدَحَ الله -تعالى- به الراسخين في العلم وأخبر عنهم (أنهم)