قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله -تعالى- لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇" (١).
وقال أيضًا ﵀: "وأهل السُّنَّة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله، ومحبته، ورحمته، وسائر ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى" (٢).
стр. 72
الموضع الحادي عشر تأويل قول النبي ﷺ : "فوضع يَدَهُ بين كَتِفيَّ ... "
في التعليق على "زاد المعاد" للعلاَّمة ابن القيم ﵀ -
стр. 73
الموضع الحادي عشر تأويل قول النبي ﷺ : "فوضع يَدَة بين كَتِفيَّ ... "
في التعليق على "زاد المعاد" للعلاَّمة ابن القيم ﵀
* في "زاد المعاد"، للعلاَّمة ابن القيم ﵀:
لمَّا أورد المؤلف العلاَّمة ابن القيم (١) قول النبي - صلى
الله عليه وسلم - فيما رواه عن الله ﵎ أنه قال: "يا مُحَمَّدُ، فيمَ يَخْتَصِمُ المَلأ الأعْلى؟ قلت: لا أدري، فَوَضَعَ يَدَة بَينَ كَتِفَيَّ، فَعَلِمْت ما بين السَّمَاءِ والأرض ... " الحديث (٢). ا. هـ
стр. 74
• علَّق المحققان الشيخان: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط في الحاشية على قوله: "فوضع يده بين كتفيَّ" بما يلي:
قال العلاَّمة: علي القاري: وذلك كناية عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه، وإيصال الفيض إليه، فإنَّ من شأن المتلطف بمن يحنو عليه أن يضع كفَّه بين كتفيه، تنبيهًا على أنه يريد بذلك تكريمه وتأييده. ا. هـ.
* قلت:
قوله- ﷺ : "فوضع يده بين كلتفيَّ" على ظاهره لا يُمَثَّلُ ولا يُشَبَّهُ ولا يُكَيَّف، وهو على ما يليق به تعالى، فكما أنَّا لا نحيط بكُنْهِ ذاتِهِ -تعالى وتقدس- فكذلك لا نحيط بكيفية ذلك الوضع؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن
стр. 75
الكلام في الذات.
فما ورد من صفة الفعل في هذا الحديث لا نتأوله بكناية ولا غير ذلك بل هو على ظاهره لكنه على ما يليق بذات الله تعالى وجلاله سبحانه (١) ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى، الآية: ١١] (٢).
قال العلاَّمة الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀: "وأما وصف النبي ﷺ لربه بما وصفه به؛ فكلُّ ما وصفَ النبي ﷺ به ربَهُ فهو حقٌّ وصدقٌ يجب الإيمان والتصديق به، كما وصف الله به نفسه، مع نفي التمثيل عنه، ومَنْ أشكل عليه فَهْمُ شيءٍ من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مَدَحَ الله -تعالى- به الراسخين في العلم وأخبر عنهم (أنهم)
стр. 76
يقولون عند المتشابه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٧]، وكما قال النبي ﷺ في القرآن: "وماجهلتم منه فكِلُوه إلى عالِمِهِ" (١) خرجه الإِمام أحمد والنسائي وغيرهما، ولا يتكلف ما لا علم له به، فإنه يُخْشَى عليه من ذلك الهَلَكَةُ" (٢).
стр. 77
الموضع الثاني عشر تأويل صفة الكلام
في التعليق على "المسند"
стр. 78
الموضع الثاني عشر تأويل صفة الكلام
في التعليق على "المسند"
* في "المسند" (١) علَّق المحققان الشيخ شعيب الأرنؤوط وعادل مُرشد على الحديث المخرج في الصحيحين وغيرهما وهو قوله ﷺ : "ثلاثة لا يُكَلِّمُهُمُ الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فَضْلِ ماء بالفَلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع الإِمام لا يبايعه إلا
стр. 79
لدنيا، فإن أعطاه منها وفى له، وإن لم يعطه لم يفِ له، قال: ورجل بايع رجلاً سلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخَذَها بكذا وكذا، وصدَّقه، وهو على غير ذلك".
• جاء في تعليق المحققين:
"قوله: "لا يكلمهم الله" إلخ، قال السندي: كناية عن الغضب العظيم عليهم".
* قلت:
والصواب: أن قوله- ﷺ : "لا يكلمهم الله" على ظاهره، فإن الله يكلم من شاء من خلقه، من الأنبياء والملائكة وسائر عباده، وفي الآخرة يكلم من شاء من عباده المؤمنين، وقد يعاقب بعض المسلمين- كهؤلاء المذكورين في الحديث- بأن لا يكلمهم، وهذا من لازمه غضب الله وسخطه عليهم.
"فالكلام صفة من صفات الله تعالى اللائقة بجلاله تعالى وهي صفة قائمة به سبحانه لا ابتداء لاتصافه بها ولا انتهاء، ويتكلم بمشيئته واختياره -جل وعلا-، من غير مشابهة في
الموضع الثالث عشر تأويل صفة النظر
في التعليق على "المسند"
стр. 82
الموضع الثالث عشر تأويل صفة النظر
في التعليق على "المسند"
* في تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط وزميله عادل مرشد على "المسند" (١).
على ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه" (٢).
• قال المحققان في الهامش:
قوله: "لا ينظر الله إليه" قال السندي: أي نظر رحمة،
стр. 83
فهو كناية عن غضب الله تعالى عليه، وهو كناية عن هوانِه وحقارته عنده تعالى. ا. هـ.
* قلت:
بل قول المصطفى- ﷺ : "ينظر الله إليه" على ظاهره، وليس كنايةً. نعم من مقتضى ذلك غضب الله تعالى على من لم ينظر إليه، وهوانه على ربه (١).
стр. 84
الموضع الرابع عشر تأويل قول المصطفى ﷺ : "إن الله قِبَلَ وجهِ أحدكم في صلاته ... "
في التعليق على "المسند"
стр. 85
الموضع الرابع عشر تأويل قول المصطفى ﷺ : "إن الله قِبَلَ وجهِ أحدكم في صلاته ... "
في التعليق على "المسند"
* علَّق المحققان الشيخ شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد على قول النبي ﷺ :
"إن الله قِبَلَ وجه أحدِكم في صلاته، فلا يتنخمن أحد منكم قبل وجهه في صلاته".
وهو مخرج في "الصحيحين" (١).
• جاء في الحاشية لهما على "المسند" (٢):
""قبل وجه أحدكم" أي هيئةُ إقبالكم عليه تعالى في الصلاة تشبه هيئة الإقبال على من كان قبل وجهكم، فلا يناسب
стр. 86
هذه الهيئة إلقاء النخامة في جهة القبلة". ا. هـ.
* قلت:
وهذا تأويل، فالحديث على ظاهره، وهو من أدلة الفوقية وأن الله تعالى في العلو كما قرر ذلك العلاَّمة ابن القيم ﵀ فهو -تعالى وتقدَّس- قِبَلَ وَجْهِ العبد مع علوه سبحانه (١)، ولا نشبهه تعالى في هذه الصفة ولا في غيرها بأحدٍ من خلقه ولا نكيف ذلك، كما قال جل شأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢): الحديث حقٌ على ظاهره وهو -سبحانه- فوق العرش وهو قِبَلَ وجه المصلي؛ بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضًا قِبَلَ وجهه.
ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود هو بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق. والله أكبر.
стр. 87
الموضع الخامس عشر تأويل صفة اليد والأصابع
في التعليق على "صحيح ابن حبان"
стр. 88
الموضع الخامس عشر تأويل صفة اليد والأصابع
في التعليق على "صحيح ابن حبان"
* علَّق الشيخ شعيب الأرنؤوط في "صحيح ابن حبان" (١) على الحديث المخرج في "الصحيحين" (٢) وغيرهما وهو ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "جاء حَبْرٌ من اليهود إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله: إذا كان يومُ القيامة جعل الله السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق كلَّها على
стр. 89
إصبع، ثم يَهُزُهُنَّ، ثم يقول: أنا المَلِكٌ، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا لما قال اليهودي، تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٧].
• علَّق الشيخ شعيب الأرنؤوط في الحاشية بما يلي:
قال الخطابي - ونقله عنه البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٣٣٥ - ٣٣٨) ولخصه الحافظ في "الفتح" (٣/ ٣٩٨): وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب ولا من السنة المقطوع بصحتها، وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع، بل هو توقيف شرعي أطلقنا الاسم فيه على ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهود، فإن اليهود مشبهة، وفيما يَدَّعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه، ولا تدخل في مذاهب المسلمين، وأما ضحكه ﷺ من قول الحبر، فيحتمل الرضا والإنكار، وأما قول الراوي: "تصديفا له" فظنٌ منه وحسبان، وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة، وعلى تقدير صحتها، فقد يستدل بحمرة الوجه على الخجل، وبصفرته على الوجل،
стр. 90
ويكون الأمر بخلاف ذلك، فقد تكون الحمرة لأمرٍ حدث في البدن كثوران الدم، والصفرة لثوران خلط ونحوه، فالاستدلال بالتبسم والضحك في مثل هذا الأمر الجسيم قَدْرُه، الجليلِ خَطْرُه، غير سائغ مع تكافؤ وجهي الدلالة المتعارضين فيه.
وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظًا، فهو محمول على تأويل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٧]، أي: قدرته على طيها وسهولة الأمر عليه في جمعها، بمنزلة من جمع شيئًا في كفه، واستقلَّ بحمله من غير أن يجمع كفَّه عليه، بل يُقِلُّهُ ببعض أصابعه، وقد جرى في أمثالهم: فلانٌ يُقِلُّ كذا بأصبعه ويعمله بخنصره، ويؤكد ما ذهبنا إليه حديث أبي هريرة رفعه "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" رواه البخاري في "الصحيح"، وهذا قول النبي ﷺ ولفظه جاء على وفاق الآية من قوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وليس فيه ذكر الأصابع، وتقسيم الخليقة على أعدادها، فدلَّ أن ذلك من تخليط اليهود وتحريفهم وأن ضحك النبي ﷺ إنما كان على التعجب منه
стр. 91
والنكير له (١)، والله أعلم.
* قلت:
هذا الكلام ليس على الجادَّة، بل هو تحريفٌ للكلم عن مواضعه، وتأويلٌ قبيح لصفات الربَّ -سبحانه-، فصفة اليد ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته -سبحانه- ثبتت بذلك الأدلة من القرآن والسنة "الصحيحة" قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص، الآية: ٧٥]، وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: "إنَّ الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" أخرجه مسلم (٢).
стр. 92
وقد أثبت أئمة أهل السُّنَّة من الصحابة وتابعيهم صفة الأصابع لله تعالى، مع تنزيهه عن مشابهة خلقه أو تكييف ذلك، واسترشدوا في هذا بخبر المعصوم ﷺ .
فعن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله- ﷺ يقول: "إنَّ قُلوبَ بني آدم كُلِّها بين إصْبَعَين من اصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يُصَرِّفُه حيث يشاء" خَرَّجه مسلم (١).
وعن أنس ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: "إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلِّبها كيف يشاء، أخرجه الترمذي وغيره (٢).
стр. 93
وإثبات الأصابع لله -سبحانه- لا يقتضي مشابهته في ذلك لخلقه، بل الأمر في هذا وفي سائر صفاته -تعالى- كما قال -جل وعلا- عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى، الآية: ١٤].
ولما سُئل سفيان بن عيينة ﵀ عن هذا الحديث -الذي ذكر فيه الأصابع- في عِدَّةٍ من أحاديث الصفات قال ﵀: هي كما جاءت، نُقِرُّ بها، ونُحَدَّثُ بها بلا كيف (١).
стр. 94
وقال الإِمام الحافظ البغوي ﵀: والأصبع المذكورة في الحديث صفةٌ من صفات الله وكذلك كُلُّ ما جاء به الكتابُ أو السُّنَّةُ من هذا القبيل في صفات الله -تعالي- كالنَّفْسِ، والوجه، والعين، واليد، والرِّجْل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح، فهذه ونظائرها صفاتٌ لله -تعالى- وَرَدَ بها السمع ويجب الإيمانُ بها، وإمرارُها على ظاهرها، مُعْرِضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أنَّ الباري لا يشبهُ شيء من صفاته صفات الخَلْق، كما لا تشبه ذاتُه ذوات الخلق، قال الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ سورة الشورى، الآية: ١١] ا. هـ (١).
стр. 95
الموضع السادس عشر تأويل صفة القَدَم لله- تعالى-
في التعليق على "المسند"
стр. 96
الموضع السادس عشر تأويل صفة القَدَم لله -تعالى -
في التعليق على "المسند"
* في "المسند" (١) عند حديث أبي هريرة المرفوع إليه ﷺ قال: "احتجَّت الجنة والنار، فقالت الجنة: يا رب مالي لا يدخلني إلا فقراء الناس وسقَطُهم؟ وقالت النار: يا رب مالي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون؟ فقال للنار: أنتِ عذابي أُصيب بك من أشاء، وقال للجنة: اتتِ رحمتي أُصيب بك من أشاء، ولكل واحدةٍ منكما ملؤها، فأمَّا الجنة، فإن الله ينشيءُ لها ما يشاء، وأما النار فيلقون فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها، فهنالك تمتليء، ويُزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط، قط، قط" الحديث مخرج في "الصحيحين" (٢).
стр. 97
• جاء في حاشية المحققين شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد:
""قدمه" وجاء "رجله" هو من المتشابه، وقيل: تأويل الرِّجْل بالجماعة، والقدم: بالذين قدمهم لها من شرار خلقه، كما أن المسلمين قدمه إلى الجنة".
وقيل: هو كناية عن الرَّوع والقَمْع، أي: حتى يأتيها أمر الله، فيكفها عن طلب المزيد، وقيل: أراد تسكين فورتها، كما يقال لأمر أراد إبطاله: وضعته تحت قدمي.
وقال أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" (٢٦٨) بإثر حديث أنس بن مالك رفعه: "يلقى في النار، فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الربُّ جل وعلا قدمه فيها فتقول: قط قط": هذا الخبر من الأخبار التي أُطلِقت لتمثيل المجاورة، وذلك أن يوم القيامة يلقى في النار من الأُمم والأمكنة التي عُصِيَ الله عليها، فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب -جل وعلا- موضعًا من الكفار والأمكنة في النار فتمتليء فتقول: قط قط، تريد: حسبي حسبي؛ لأن العرب تطلق في لغتها اسم القدم على الموضع، قال الله -جل وعلا-: ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة يونس، الآية: ٢]، يريد: موضع صدق، لا أن الله -جَلَّ
стр. 98
وعلا- يضع قَدَمه في النار، جل رَبُّنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه" ا. هـ.
* قلت:
وهذا الذي قرره المحققان مجانب للصواب وكذا ما نقلاه عن ابن حبان ﵀، فصفة القَدِمِ وكذا الرَّجْل ثبت بها الحديث عن المصطفى- صلى الة عليه وسلم - فوجب إثباتها لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه (١).
وهذا الحديث أورده الإِمام الحافظ أبو إسماعيل الهروي المتوفى عام (٤٨١ هـ) ﵀ في كتابه: "الأربعين في دلائل التوحيد" (٢) وبوَّب عليه فقال: باب إثبات القدم لله .
стр. 99
قال الحافظ البغوي ﵀ في "شرح السنة" (١):
"القدم والرِّجلان (٢) المذكوران في هذا الحديث من صفات الله المنزَّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كُلُّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكِرُ معطِّل، والمكيف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى، الآية: ١١]. اهـ (٣).
стр. 100
فتوى حول تأويل آيات الصفات
وحديث: " ... من تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا ... "
من إجابات سماحة الشيخ العلاَّمة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - نفع الله به-
стр. 101
فتوى حول تأويل آيات الصفات من إجابات سماحة النسخ العلَّامة عبد العزيز بن باز (١)
يقول السائل: سمعنا من بعض العلماء أن أهل السُّنَّة والجماعة يتأوَّلون بعض الآيات التي في الصفات، فهل هذا صحيح أن مذهبهم التأويل أم أنهم يضطرون إلى ذلك، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب: الصواب الذي أقرَّه أهل العلم من أهل السُّنَّة والجماعة أنه لا تأويل في آيات الصفات ولا في أحاديثها، وإنما المؤولون هم الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة في بعض الصفات، وأما أهل السُّنَّة والجماعة المعروفون بعقيدتهم النقيَّة فإنهم لا يؤولون، وإنما يقرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت بغير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، لا استواء، ولا القدم، ولا اليد، ولا الأصابع، ولا الضحك، ولا الرضا، ولا الغضب، كلها يمرونها كما جاءت مع الإيمان بأنها
стр. 102
حق، وأنها صفات لربنا ، يجب إثباتها له على الوجه اللائق به -سبحانه- من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وبعض الناس يؤول الضحك بأنه الرضا، ويؤول المحبة بأنها إرادة الثواب، والرحمة كذلك، وهذا كله لا يرضاه أهل السُّنَّة والجماعة، بل الواجب إمرارها كما جاءت، وأنها حق، فهو سبحانه يحب محبة حقيقية تليق به لا يشابهها محبة المخلوقين، ويرضى، ويغضب، ويكره، وهي صفات حقيقية قد اتصف بها ربنا على الوجه اللائق به لا يشابه فيها خلقه، كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى، الآية: ١١].
وهكذا، يضحك ربنا كما جاء في النصوص ضحكًا يليق بجلاله، لا يشابه خلقه في شيء من صفاته، وهكذا استواؤه على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته لا يشابه الخلق في شيء من صفاته .
والمقصود أن التأويل لا يجوز عند أهل السُّنَّة بل الواجب إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، لكن مع الإيمان بأنها حق، وأنها صفات الله لائقة به، أما التفويض فلا يجوز،
стр. 103
والمفوضة قال أحمد فيهم: إنهم شر من الجهمية، والتفويض أن يقول القائل: الله أعلم بمعناها فقط وهذا لا يجوز؛ لأن معانيها معلومة عند العلماء.
قال مالك ﵀: الاستواء معلوم والكيف مجهول، وهكذا جاء عن الإِمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعن غيره من أهل العلم، فمعاني الصفات معلومة، يعلمها أهل السُّنَّة والجماعة؛ كالرضا والغضب والمحبة والاستواء والضحك وغيرها وأنها معاني غير المعاني الأخرى، فالضحك غير الرضا، والرضا غير الغضب، والغضب غير المحبة، والسمع غير البصر، كلها معلومة لله -سبحانه- لكنها لا تشابه صفات المخلوقين، يقول ربنا : ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٧٤]، ويقول -سبحانه-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الثورى، الآية: ١١].
ويقول : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [سورة
الإخلاص، الآية: ٤]، هذا هو الحق الذي عليه أهل السُّنَّة من أصحاب النبي ﷺ ، وأتباعهم بإحسان، ومن تأوَّل ذلك فقد خالف أهل السُّنَّة في صفة أو في أكثر.
стр. 104
حول حديث: " ... من تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبت إليه ذراعًا ... "
سؤال:
لقد قرأت في رياض الصالحين بتصحيح (السيد) علوي المالكي، ومحمود أمين النواوي حديثًا قدسيًّا يتطرق إلى هرولة الله ، والحديث مروي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ، قال: "إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا، وإذا تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة" [رواه البخاري].
فقال المعلقان في تعليقهما عليه: إن هذا من التمثيل وتصوير المعقول بالمحسوس لزيادة إيضاحه، فمعناه أن من أتى شيئًا من الطاعات ولو قليلاً أثابه الله بأضعافه، وأحسن إليه بالكثير، وإلاَّ فقد قامت البراهين القطعية على أنه ليس هناك تقربٌ حسيٌّ، ولا مشي، ولا هرولة من الله ، عن صفات المحدثين.
стр. 105
فهل ما قالاه في المشي والهرولة موافق لما قاله سلف الأمة على إثبات صفات الله وإمرارها كما جاءت، وإذا كان هناك براهين دالة على أنه ليس هناك مشي ولا هرولة فنرجو منكم إيضاحها والله الموفق؟
الجواب (١): الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فلا ريب أن الحديث المذكور صحيح، فقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: "يقول الله : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبت منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".
وهذا الحديث الصحيح يدل على عظيم فضل الله ، وأنه بالخير إلى عباده أجود، فهو أسرع إليهم بالخير
стр. 106
والكرم والجود، منهم في أعمالهم، ومسارعتهم إلى الخير والعمل الصالح.
ولا مانع من إجراء الحديث على ظاهره على طريق السلف الصالح، فإن أصحاب النبي ﷺ سمعوا هذا الحديث من رسول الله- ﷺ ولم يعترضوه، ولم يسألوا عنه، ولم يتأولوه، وهم صفوة الأمة وخيرها، وهم أعلم الناس باللغة العربية، وأعلم الناس بما يليق بالله وما يليق نفيه عن الله .
فالواجب في مثل هذا أن يُتلقى بالقبول، وأن يحمل على خير المحامل، وأن هذه الصفة تليق بالله لا يشابه فيها خلقه فليس تقرُّبه إلى عبده مثل تقرُّب العبد إلى غيره، وليس مشيه كمشيه، ولا هرولته كهوولته، وهكذا غضبه، وهكذا رضاه، وهكذا مجيئه يوم القيامة وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده وهكذا استواؤه على العرش، وهكذا نزوله في آخر الليل كل ليلة، كلها صفات تليق بالله -جل وعلا- لا يشابه فيها خلقه.
فكما أن استواءه على العرش، ونزوله في آخر الليل في الثلث الأخير من الليل، ومجيئه يوم القيامة، لا يشابه استواء
стр. 107
خلقه ولا مجيء خلقه ولا نزول خلقه؛ فهكذا تقرُّبه إلى عباده العابدين له والمسارعين لطاعته، وتقربه إليهم لا يشابه تقربهم، وليس قربه منهم كقربهم منه، وليس مشيه كمشيهم، ولا هرولته كهرولتهم (بل هو شيء) يليق بالله لا يشابه فيه خلقه كسائر الصفات، فهو أعلم بالصفات وأعلم بكيفيتها .
وقد أجمع السلف على أن الواجب في صفات الرب وأسمائه إمرارها كما جاءت، واعتقاد معناها وأنه حق يليق بالله ، وأنه لا يعلم كيفية صفاته إلا هو.
كما أنه لا يعلم كيفية ذاته إلا هو، فالصفات كالذَّات، فكما أن الذَّات يجب إثباتها لله وأنه هو الكامل في ذلك، فهكذا صفاته يجب إثباتها له -سبحانه- مع الإيمان والاعتقاد بأنها أكمل الصفات وأعلاها، وأنها لا تشابه صفات الخلق، كما قال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [سورة الإخلاص].
стр. 108
وقال : ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [سورة النحل، الآية: ٧٤].
وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى، الآية: ١١].
فردَّ على المشبهة بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾.
وردَّ على المُعطلة بقوله:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾.
و ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلى غير ذلك.
فالواجب على المسلمين علماء وعامة إثبات ما أثبته الله لنفسه، إثباتًا بلا تمثيل، ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وتنزيه الله عما نزَّه عنه نفسه، تنزيهًا بلا تعطيل، هكذا يقول أهل السُّنَّة
стр. 109
والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم من سلف الأمة كالفقهاء السبعة وكمالك بن أنس، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم من أئمة الإِسلام، يقولون: أَمِرُّوهَا كما جاءت، وأَثْبِتُوهَا كما جاءت من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وأما ما قاله المعلقان في هذا "علوي وصاحبه محمود" فهو كلام ليس بجيد وليس بصحيح، ولكن مقتضى هذا الحديث أنه -سبحانه- أسرع بالخير إليهم، وأولى بالجود والكرم، ولكن ليس هذا هو معناه، فالمعنى شيء، وهذه الثمرة، وهذا المُقْتَضَى شيء آخر، فهو يدل على أنه أسرع بالخير إلى عباده منهم، ولكنه ليس هذا هو المعنى، بل المعنى يجب إثباته لله من التقرب، والمشي، والهرولة، يجب إثباته لله على الوجه اللائق به ، من غير أن. يشابه خلقه في شيء من ذلك، فنثبته لله على الوجه الذي أراده الله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وقولهم: إن هذا من تصوير المعقول بالمحسوس: هذا غلط، وهكذا يقول أهل البدع في أشياء كثيرة، وهم يؤولون، والأصل عدم التأويل، وعدم التكييف، وعدم التمثيلِ
стр. 110
والتحريفِ، فَتُمَرُّ آياتُ الصفات وأحاديثُها كما جاءت، ولا يُتَرَّضُ لها بتأويل ولا بتحريف ولا بتعطيل، بل نثبت معانيها لله كما أثبتها لنفسه، وكما خاطبنا بها، إثباتًا يليق بالله لا يشابه الخلق في شيء منها، كما نقول في الغضب، واليد، والوجه، والأصابع، والكراهة، والنزول، والاستواء، فالباب واحد، وباب الصفات باب واحد.