الكلامَ من الفؤادِ إلا من هذا القبيل.
ويَشهدُ لذلك قولُه سبحانه في الأمرِ خاصةً: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] فأخبرَ أن أمرهُ حرفان، وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] ولم يتقدمْ مِن القولِ إلا اسجدوا، فدَل على أنَه هو الأمر وقال لابليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقال لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] فلما أكلَ قالَ له: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] ومقام الأمرِ صيغةُ قوله: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
فصل
في جمعَ ما تعلقوا به
قالوا: إذا ثَبَتَ أن الكلامَ معنى قائم في النفسِ، وهذهِ الحروفُ والأصواتُ عبارة عنه، دَخَلَ الأمر في الجملة، لأنه ضربٌ من الكلامِ وقِسْم من أقسامِه، والذي يثبتُ به ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [المجادلة: ٨] وقولُه سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]
والكذب لا ينطبقُ إلا على الخبرِ، ولو أطبِقَ على القولِ الذي هو الشهادة، لكان تكذيباً لكلمةِ التوحيدِ، ولا يجوز ذلك، لم يبقَ إلا أنه عادَ إلى ما في أنفسِهم من الخبرِ. وقال الشاعرُ:
стр. 1017
إن الكلامَ مِنَ الفُؤادِ وإنَّما ... جُعِلَ اللِّسانُ على الفُؤادِ دَليلا (١)
والعربُ تقولُ: في نفسي كلامٌ.
فصلْ
في جمعِ الأجوبةِ عَمَّا ذكروه
أمَّا الآيةُ الأولى، فإن فيها ما يقابلُها، وهو قولُه: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، يعني بما ننطقُ به، فليس بأنْ يكونَ أَحدُهما الأصلَ، بأولى مِن أنْ يكونَ الآخرُ، هذا أدنى أحوالِ الجوابِ فيقفُ استدلالُهم منها، وأعلاهُ أن تكونَ الحقيقةُ هو الثاني، لأنَّه الذي ينصرفُ الإطلاقُ إليه، فإنهُ إذا قالَ القائلُ: قلتُ، وقالَ زيد، وقلتُ قولاً، وقيلَ لي. لا يعقلُ منه إلا النَّطقُ، وإذا عزى إلى النفسِ كان اتساعاً، لتشبيهِ ما يهجسُ في النفسِ، لأن الهاجِسَ في النفسِ كالناطِقِ، والذي يُوَضحُ صحةَ ما تعلقنا به من التأويل، قولُه تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] فأثبتَ أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وعند هذا القائل أنَّه لا ينطقُ اللسانُ إلا بعبارةٍ عما في النفسِ.
وأمَّا الآيةُ الأخرى، فإن التكذيبَ عادَ إلى قولِهم الذي أخْبروا به
стр. 1018
عن معتقدِهم، فكذَّبهم في دعواهم أنَّهم يُصَدِّقونه فيما جاءَ به، لأنَّ معنى قولِهم: نشهدُ، أي نعلمُ ونتحققُ إنَّكَ لرسولُ الله، فكذَّبَهم الله في قولِهم، لا في اعتقادِهم، لأنَّ قولَهم لما تضمنَ الإخبارَ عمَّا في نفوسِهم من التصديقِ كذبَهم الله في ذلك.
وأمَّا قولُ الشاعرِ: إنَّ الكلامَ مِن الفؤادِ، فصِدْقٌ، وإنَّه لا يتكلمُ مُتَكَلِّمٌ إلا بعدَ أن يُصَوِّرَ في نفسِه شيئاً يتكلمُ عنه، وانما كان حجةً أنْ لو قالَ: إن الكلامَ في الفؤادِ، ولم يقُلْ، ولو قالَ لكانَ مجازاً، مثل قولِ قائلهم: في نفسي بناءُ دارٍ، ونجارةُ بابٍ، وإدارةُ دولابٍ، وإنما يريدُ به في نفسي أن أبنيَ داراً، كذلك يكونُ قولُه: في نفسي كلامٌ، وإنَّ الكلامَ من الفؤادِ، تقديرُه: في نفسي أنّ أتكَلمَ، وهي القصودُ والعزومُ، وتصديرُ ما يُرادُ أن يظهرَ مِنَ الأعراضِ النَّفْسانية بالكلامِ، وقد أضافوا النُّطقَ إلى العينِ، فقال شاعرُهم:
تُخبرُني العَيْنَان مَا القلبُ كاتمٌ ... ولا خيرَ في الشَّحناءِ والنَّظَرِ الشَّزْرِ (١)
وقالَ الآخرُ:
فقالتْ له العينانِ: سمعاً وطَاعَةً (٢).
ويقولونَ: في وجهِ فلانٍ كلامٌ. أي في وجههِ أمارةٌ أنَّه سيتكلمُ.
ومِن ذلك إضافتُهُم القتل إلى القَلَم، فقولُ القائل: ما قتلتُ فلاناً إلا بقلمٍ، حيثُ كانَ الكتابُ عاملاً ومُهيئاً لأسباب أوجبتِ القتلَ،
стр. 1019
وإذا رجعَ إلى الحقيقةِ كان القاتلُ السيفَ لا القلم، كذلك إضافةُ الكلام إلى الفؤادِ مع إضافتهِ إلى اللَّسان، فاللسانُ: هو الآلةُ في الحقيقةَ وما قبلَه من القلب مجازٌ، وما بعده من إشارةٍ ورمزٍ بالعينِ مجازٌ، والحقيقة اللسانُ، بدليَلِ ما قدمنا من الدلائلِ.
فصلٌ
واعلم أن الصيغةَ التي حَصَلَ الاتفاق من القائلينَ بأن الأمرَ صيغةٌ على كونِها أمَراً، هي لفظةُ: افعلْ، إذا صَدَرَتْ مِمَّن تَلْزَمُ طاعتهُ، وهو المعبَّرُ به عن الأعلى، وذلك هو قولُ السيد لعبدِه أو السُّلطانِ لآحادِ رعيتهِ: ادخلْ واخرج وقمْ.
وتوهَّم قومٌ أنَّ الرتبةَ قرينة، وقال المحققون: إنها لم تُسم أمراً إلا لوجودِها من الأعلى للأدنى، فليست الرتبةُ قرينةً، لكنها شرطٌ، لكونِ الصيغة أمراً، كما لا يكونُ تسميةُ قولِ الممهدِّدِ: افعلْ ما شئتَ، تهديداً بقرينةٍ.
والفرقُ بينَ القرينةِ وبين نفيِها، أن ما كانَ موضوعاً لشيءٍ، فصارَ بما انضمً إليهِ لغيرِ ذلك الموضوع، فهو الذي استحقَّ الاسمَ بقرينةٍ، مثلُ صيغةِ الاستدعاءِ من الأعلى للأدنى إذا لم نَقُلْ إنها للوجوب، فقارنَها تهديدٌ أو وعيدٌ علىٍ التركِ، صارت أمراً موجباً بعد أن لم تكن موجبةً، وما لا يكونُ قرينةً، مثلُ لفظةِ: افعلْ، إذا صَدَرَتْ عن الدونِ للأعلى قيلَ: سؤالٌ ورغبةٌ، واذا وُجِدتْ من النَّاهي الزَّاجرِ عن الفِعلِ قيلِ: تهديدٌ، ولا يقال: إن الصيغةَ خَرجَتَ عن الأمرِ بقرينةٍ دونَ رتبةِ القائل عن الأمرِ إلى السؤالِ والرغبة، ولا خرجتْ عن الأمرِ بالوعيدِ إلى التَهديدِ، بل هي موضوعةٌ في كلُّ محل حقيقة لمَا وُضِعَتْ لهُ، فهي من الدّونِ حقيقةُ سؤال، ومن المُتَوَعدِ حقيقةُ تهديدٍ، ومن
стр. 1020
الأعلى للأدنى أمرٌ، وهذا مسموعُنا من أئمةِ الأصولِ واللغةِ وأهلِ العربية المُعْتَدِّ بأقوالِهم، ومفهومنا مِن الكتب المُعَوَّلِ عليها، فلا نُصْغي إلى قولِ من يقولُ: إنَّ الصيغةَ مشتركةٌ. فهذا افتئاتٌ على اللغةِ وخطأ.
ولقد بالغ بعضُ مشايخنا، فقال: مَنْ زَعَمَ أن قولَ القائِل: افعلْ، صيغةٌ متردِّدةٌ بيْن الأمرِ، والتَّهديدِ، والإيجابِ، والندب، والرغبةِ، والسؤالِ، بمثابةِ مَنْ قال: إن قولَ القائل: يا عفيفُ بنَ العفيفةِ، يا كريمُ بن الكريمِ، موضوعٌ للشتمِ والمدحِ، من حيثُ أنَّ نفسَ الصيغةِ تَرِدُ في التعريضِ للشتمِ.
فهذا فصل يكفي مؤنةً كثيرةً مِن توهماتِ المتفقهةِ، وُيزيلُ شُبُهَاتٍ قد تَخَمرَتْ عندهم.
وهذا الذي ذكرهُ هذا الشيخُ دافعٌ للشُّبهةِ، لأن غايةَ ما يُوهمهم أن الصيغةَ مشتركة، إن الحروفَ واحدةٌ، وبنيةُ افعلْ بنيةٌ واحدةٌ، وإذا سُمِعَتْ مِن وراءِ حجاب لم يُعقلْ ما المُرادُ بها، وهل القائلُ لها مهدِد أو آمرٌ أو نادبٌ أوسائل؟
فيُقالُ: إذا رَجَعْتَ إلى أصلِ الوَضْعِ في قولِ القائل: افعلْ، فإنكَ تَعْقِلُ المرادَ به مِن لفظهِ، وأنَّه مُستدعٍ للفعل مثلُ سماعِك قولَ القائلِ: يا عفيفُ ويا كريمُ، فإنهُ موضوعٌ للمدحِ، واستعمالُ مثلِ الصيغة في محلٍّ آخرَ، لا يُقالُ إنَها تلك اخرِجَتْ إلى ضِدَّها، بل تلك موضوعة في حالِ الخصومةِ للذم، وفي حالِ الواعدِ للتهديدِ والزجرِ، فأمَّا أنْ تكونَ اللفظةُ الواحدة أمراً وزجراً، فمعاذَ الله.
стр. 1021
فصل
وصيغةُ الأمرِ الصريحةُ: أمرتُكَ أن تفعلَ كَذا، أو افعلْ فقد أمرتُك.
وأمَّا الصريحةُ في الإِيجاب بإجماع النَّاس، قولُ الأعلى للأدني: أوجبتُ عليكَ، أو افعلْ فقدَ أوجبتُ عليكَ أَن تفعلَ.
وأصْرَحُ صيغةٍ في النَّدب، افعلْ فقد ندبتُك، أو ندبتُك إلى كذا وكذا، أو أستحبُ لكَ أنْ تفعَلَ كذا. فهذهِ ألفاط لا يقعُ الخِلافُ فيها لأنَّها صريحة فيما وُضِعَتْ لهُ.
فصل
فأمَّا إذا وَرَدَتْ هذهِ صيغةُ افعلْ مِن جهةِ المُمَاثِل، لا مِن أعلى فتكَونُ أمراً، ولا من أدنى فتكون سؤالاً، فإلى أيِّهما تُمَيَّلُ إنْ مُيِّلَتْ؟
وهل لها اسم يخصُها إن لم تُمَيَّلْ؟ قالَ بعض أهلِ العلمِ مِن أصحاب الأشعري: تكونُ أمراً.
وقال بعضُ مَن رأينا مِن الأصوليين على مذهب المعتزلةِ: الطلب والاقتضاء والاستدعاءُ أعمُ مِن قولِنا: أمرٌ وسؤالٌ، فإذا عَدِمَتَا الرُّتبةَ وتساويا فيها، فزعنا إلى الاسمِ الأعم فقلنا: إنَّ قولَ المماثل لمماثلهِ: افعل، طلبٌ واقتضاءٌ، فلا يتخصَّصُ بالسؤالِ ولا بالأمرِ، وهذا قالة اجتهاداً، وهو قولٌ حسنٌ.
وسمعتُ بعضَ مَن يتكلم في أصولِ الفقه يقول: إنَ نفسَ الاقتضاءِ مِن المماثِل، يجعل أدونَهما، السائلَ. فقيلَ لهُ: لو كان هذا صحيحاً، لكانت رتبة السيَّدِ تنحطُّ باستدعائهِ مِن عبدِه، فيصير مساوياً،
стр. 1022
ويخرجُ بدنوِ رُتْبَتهِ عن كونه آمراً.
واعتد القائلُ الأولُ من أصحابِ الأشعري في أنه أمرٌ، بقولِه تعالى إخباراً عن فرعونَ أنه قالَ لخاصتهِ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ [الشعراء: ٣٥] وبقول الشاعر:
أمرتُكَ أمراً جازماً فعصيتني.
وعمرو ليس بأعلى من معاوية الذي قال له: أمرتك، وبقول الشاعر:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فسمَّي نفسَه: اَمراً، وليس يخلو مِن أنْ يكون دُوناً أو مُمَاثِلاً.
واعتلَّ القائلُ الثاني، بأنَّ الكل أجمعوا على [عدم وجودها] في نفس الآمرِ المخلوقِ، لأن إرادتَه مُحْدثة فيه، وفي حق الخالق سبحانه لا بُد من تقدم إرادةِ مُحْدثةٍ غيرِ محلٍ.
والتحقيقُ مِن مذهبِ أصحابِنا: أنَّ الصيغةَ بمجرَّدِها إذا صَدَرَتْ عن الرَبِّ سبحانه -من لَدُنْهُ سبحانَه- أو بواسطةٍ، فهي أمرٌ، وإذا صَدَرَتْ عن المُحدثِ فكان على صفةِ التحصيلِ للنُّطقِ، ومن أهل التَعويلِ على كلامِه، فهي أمرٌ ولا تُعتبر سوى ذلك.
فهذهِ تصفيةُ المذاهبِ عن أكدارِ الحكاياتِ وتطويلِ العباراتِ وإغماضِها، مِمَّنْ قصَدَ تضليلَ المبتدىء، أو تعظيمَ هذا الشَّأنِ في نفسِه، أو عَزُبتْ عنه العبارات السَّهلةُ المأخذِ الواضحةُ المتلقى، والله الموفقُ لصوابِ القولِ وإصابةِ الحقِّ بالمُعْتقدِ.
стр. 1023
فصل
والدلالةُ على أنه ليس الأمرُ إرادةً (١)، ولا يفتقرُ إلى صدورهِ عن إرادةٍ، خِلافاً لأهلِ الاعتزالِ، إذ قد قدمْنَا الدلالةَ على أنهُ ليس بمعنى في النَفسِ، خلافاً للأشاعرةِ (٢)، قولُه سبحانه إخباراً عن إبراهيمَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وهذا يدُلُّ على أن المَنَامَ تضمن أمراً لإبراهيمَ بذبحِ إسحاقَ أو إسماعيلَ (٣)، والمنامُ وحْيٌ في حق الأنبياءِ،
стр. 1024
ولذلك صمَّمَ على العلمِ به، وإزهاقُ النفس لا يقدِمُ عليه نبيٌ إلا بوحيٍ، وقد بأنَ بالنَّسخِ أنَّهُ لم يُرِدِ الذبحَ، فهذا أمرٌ لم يصدرْ عن إرادةٍ (١).
فصل
يجمعُ الأسئلةَ على هذهِ الآيةِ، وهي عُمْدَة لأهلِ السنَةِ في هذهِ المسألةِ وفي أصولَ الدياناتِ: فمنها قولُهم: إنها لا تُعطي صيغةَ الأمرِ مِن قولِ إبراهيمَ، ولا ولدِه، لأنَ قولَ إبراهيمَ: ﴿إِنِّي أَرَى﴾، ولم يقلْ: رأيتُ أنِّي أذبحُك.
ولم يقلْ: أمِرتُ أنْ أذبحَك، وقولُ الذبيحِ: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، ولم يَقُلْ: ما أُمرتَ، و ﴿تُؤْمَرُ﴾ لفظُ الاستقبالِ.
ومنها: أنهُ لو كانَ قد أمِرَ، لكان الأمرُ بمقدماتِ الذبح، من أخْذِ المُدْيَةِ، والتَلِّ للجبين، وأُبهِمَتْ عاقبةُ ذلك عليه، فكان بلاءً مبيناً، حيثُ شهِدَتْ الأمَارات المأمورُ بها بأنْ سيكون الأمرُ بالذبحِ بعد الأمرِ بالمقدّماتِ.
ومنها أن قالوا: قد رُوِي أنَّهُ فَعَلَ الذبحَ، لكنْ كانَ إبراهيمُ كُلما قَطَعَ جُزءاً أو عِرقاً التَحَمَ بأمرِ اللهِ، وُيوضِّح هذا أنَه سُمِّيَ الولدُ ذبيحاً، وحقيقةُ الذبيحِ مَنْ حَلَّ الذبحُ فيه، كما أن حقيقةَ اسم قتيل، مَن حَل القتلُ فيه.
قالوا: ويُوضِّحُ هذا قولُه سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥﴾، ولا يكونُ مُصَدِّقاً إلا بإيقاعِ الذبحِ.
стр. 1025
فصل
في جَمْعِ الأجوبةِ عَن الأسئلةِ على هذهِ الآيةِ
أما قولُهم: إنَها لا تعطي صيغةَ الأمر، فإنَ قولَه: ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ذَكرَهُ بلفظِ المستقبلِ، لأنً الفعلَ مستقبل الأمرِ، ولَو لم يكنْ قد قدم على ذِكْرِ الذَبحِ أمْر اللهِ لة بالذبحِ، لَما قالَ الابنُ: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، فإنَ رؤيةَ الفعلِ لا تعطي الأمرَ. وقولُه: ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾، ولم يقلْ: ما أمِرْتَ، قد يَجيء الماضي، قال الله سُبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الفرقان: ٤١] والمراد به، اتخذوكَ هُزواً، وقالَ الشاعر (١):
وإذَا تكون كريهةٌ أُدْعى لها ... وإذَا يُحاس الحَيْسُ يُدعى جُندَب
والمرادُ به: إذا كانت كريهة [دُعيت]، وإذا حاسَ الحيسُ دُعيَ جُندَبُ.
ويجوزُ أن يكونَ ذَكَرَهُ بلفظِ المستقبلِ بمعنى: افعلْ بما يُستدامُ من الأمرِ، فإن استدامَ ما أمِرتَ بهِ، فافعَلْ، كأنه قولُ مُترجّ من لطفِ الله أنه لا يُسْتَدام الأمر، فعَطَفَ على الدوامِ بالذِّكْرِ، وجَعَلَة شرطاً
стр. 1026
للفعلِ، فقطعَ الله دوامَ الأمرِ بالنسخ، كما وَقَعَ لهُ من الرجاء.
وأمَّا قولُهم: إنَّه أمرَ بالمقدِّمات، فلو أمِرَ بذلك لما كان تعجلَ لابنِه الترويعَ بمجرَّدِ الظنِّ بذكْر الذَّبح، لأنَه ليس من طِباعِ الآباءِ أنْ يُرَوعُوا الأبناءَ بمجردِ الظنون، ولا يُنَفرُهُ أيضاً بذكر عاقبةٍ لا يعلم حقيقتَها عن أمرٍ إذا انفردَ كانَ أسهلَ، ولا غَرَضَ في ذلك، لأنَّه إذا بُلي بالأصعب أوجبَ الحالُ التسهيلَ، فأمَّا أنْ يُبلى بالأسهلِ فيواجهُه بالأصعب، فلَيس هذا حكمَ العادةِ ولا الشرع، ولهذا نَدَبَتْ الشرائعُ إلى التسَهيلِ وتركِ التنفيرِ، ولأن الله سبحانه سَماهُ بلاءً مبيناً، وتأكيدُ البلاءِ يدلُّ على تأكيدِ المأمورِ به، فلو كانَ بالأمارةِ ما كان بلاءً، فإذا قالَ: المبين، دلَّ على أنه تعيَّنَ الذبحُ، لا بمقدماتٍ وأماراتٍ.
وقولُهم: كتَمَ وأبهمَ العاقبةَ. فلو كان كذلك لما صَعُبَ الأمرُ بكشفِها لابنهِ، لأنه إذا كانَ الله سبحانه ما كَشَفَها لُطْفاً بإبراهيمَ، كيف يُتَصورُ أنْ يَكْشِفَها إبراهيمُ بمجرَّدِ الظن تصعيباً على إسماعيل.
وأمَّا قولُهم: إنهُ رُويَ أنه ذُبِحَ والتحمَ، فما أبعدَه!! مع كونِ الله سبحانَه أخبرَ بالفداءِ، وهل يكونُ الفداءُ إلا ما قامَ مقامَ المكروهِ دافعاً لهُ، ومانعاً منه؟ فإذا كانَ إسماعيلُ أو إسحاقُ قد ذُبِحَ، والكبشُ ذُبِحَ أيضاً، فلِمَ اختُصَّ الكبشُ بأنْ يكونَ فداءً؟
قالوا: كان فداءً عن تَعَقب الذَبح موته، فجُعِلَ الكبشُ ذبيحاً تعقَبَ ذبحَه الموتُ، وإسماعيلُ ذُبِحَ ذبحاً لم يتعقبْه الموتُ.
قيل: معظمُ البلاءِ ذوقُ الحديدِ، ومعالجة الآلام، فإذا وقعَ، فلا فِداءَ، بل هي مساواةٌ، ولو ذُبِحَ الكبش ثم أحياهُ، لمَا خَرَجَ عن أنْ
стр. 1027
يكونَ فِداءً، حيثُ لم يَقعِ الذبحُ بولدِ إبراهيمَ، وحيثُ وقَعَ فلا فداءَ.
وأما قولُه سبحانه: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] وتسميةُ ولده ذبيحاً، فلأن التصديقَ ليس يقفُ على الفعلِ، بل المُسارعةُ بالطاعةِ مع الاعتقادِ، والعزمُ: تصديق، ولهذا لا يقفُ اسمُ الإيمانِ على امتثالِ الأوامِر الشَرعيةِ، بل يَسبقُ أفعالَ العباداتِ اسمُ الإيمانِ بمجرَّدِ الالتزام.
وأمَّا تسميتُهُ ذبيحاً، لأنه أُمِرَ بذبحِه وأطاعَ، وبَذَلَ نفسَه للذبحِ. قالَ سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] يعني: يبذلونها، فسمَّي البذلَ إعطاءً، كذلكَ سمَّى بَاذِلَ النَّفسِ للذبحِ ذبيحاً، وكما سمَّى عيسى قولًا (١)، وهو توسُّعٌ في موضعِ ثناءٍ ومدحةِ.
على أنَّ الاجتماعَ بيننا وبينهم على أنَ الاسمَ لا يكونُ حقيقةً إلا حالَ الذَّبح، وما دامَ الذبحُ، ولا وقعَتْ التًسميةُ عليه إلا بعد الذَّبحِ، والتَسميةُ لِماَ كانَ من الذبحِ مجاز، كما أن الاسمَ للأمرِ بالذبحِ مجازٌ، فلا فرقَ بيننا في القولِ بالمجازِ هاهنا.
ولأنَّ الآيةَ تَضَمَّنتْ بيانَ مِدْحَةِ إبراهيمَ في تصميمه وعزمهِ، وإسماعيلَ في تسليمهِ وصبرِه، وحقيقةُ الذَّبحِ تتضمنُ بيانَ الإِعجازِ والقدرةِ وكمالَ المدحةِ، فكيف تكتمُ مثلُ هذهِ الفضائلِ العظيمة، والمعجزاتِ الباهرةِ، ويُذكرُ التَلُّ للجبينِ، وهو لا يُنسبُ إلى حقيقةِ
стр. 1028
الذَّبح، وما يتضمنُه من عِظمِ الصَّبْرِ، وما زالَ الله سبحانَه يقص فضائلَ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم على الاستيفاءِ، تعظيماً لشأنِهم وتخجيلاً لِمَن قصرَ عن حالِهم، كبني إسرائيلَ شدَّدوا في أمرِ اللهِ لهم بذبحِ بقرةٍ ذلك التشديدَ، وهذا الكريمُ أسرَعَ إلى طاعةِ اللهِ في هذا الخَطْب الجسيمَ.
فصل
في الاستدلالات
قال المحققون مِن الفقهاءِ: أجمعنا أنَّ القائلَ: أُريدُ أنْ تقومَ أو تدخلَ الدَّارَ، يحسنُ في جوابه: صدقتَ أو كذبتَ، وقولُه: قُمْ وادخلْ الدارَ، يكونُ جوابهُ: أطعتُ أو عَصيتُ، ومعلوم أنَّهُ لا يُستدلُ على طبعِ الكلمةِ وجوهرها وخَصيصَتها إلا بمتعلقاتها وأجوبتِها، ومعلوم أنَ الأمرَ ما أطيعَ أو عُصِيَ، والخبرَ ما صُدقَ أو كُذِّبَ، فلما كانَ التصريحُ بذكرِ الِإرادةِ، يُعطي الِإخبارَ بدليلِ الجواب الليِّقِ بالِإخبارِ، والاستدعاءُ من غيرِ ذكرِ الإرادة يُعطي الأمرَ, بدليلِ الجوابِ بالائتمارِ، عُلِمَ أنَّ الأمرَ ليس بإرادةٍ، ولا من (١) ضرورته صدرورُه عن إرادةٍ.
ومما استدلوا به أنْ قالوا: لو كانَ الأمرُ هوَ الإرادةَ للمأمورِ به، أو يقتضي الإرادةَ، لمَا حَسُنَ أنْ يقولَ الماكر: أمرتُكَ ولم أرِدْ، ويقولَ القائلُ: أردتُ ولم آمُر، كما لا يحسُن أنْ يقولَ: أمرتُ ولم آمرْ، ولا أردتُ ولم أرِدْ، لما كانا نقيضين.
стр. 1029
ومما استدلوا به: أن الأمرَ لو كانَ هو الإرادةَ، أو كانَ لا يصدرُ إلا عن إرادةٍ، لما عَلِمَ الَآمر آمراً، إلا مَن عَلِمه مُريداً، فلما رأينا العربَ تُسمي المُستدعي الفعلَ مِن العبدِ، آمراً، وإن لم تعلمْه مُريداً، عُلِمَ أنَهُ لا يقتضي الإِرادةَ، ولا هو أرادةٌ.
واستدل بعضُهم لهذا المذهبِ أيضاً، بأن جميعَ ما يصدُرُ من الحيِّ مِن الأفعالِ، من قيامٍ وقعودٍ، وركوعٍ وسجودٍ، وأكلٍ وشربٍ، لا يكونُ فعلًا لإِرادةِ الفاعلِ، والكلامُ عند المعتزلةِ فِعلُ المتكلمِ، فإذا لم يكن القيامُ قياماً، والمشيُ مشياً؛ لإِرادةِ القائم والماشي، كذلك يجبُ أنْ يكونَ الكلامُ. فإنْ مانعُوا هذا أحدثوا لغةً لا تعرفُها العربُ ولا أهلُ العُرفِ على اختلافِ لغاتِهم.
فصل
في جمعِ الأسئلةِ على هذهِ الأدلةِ التي وجدتُها في الكتب، وسمعتُها في النَّظرِ: قالوا: إن جوابَ: "أريدُ مِنكَ" جوابُ: افعلْ، فأمَّا إذا لم يَقُلْ: مِنكَ، لكنه قالَ: أريدُ، ولم يقلْ: مِنكَ، فهو إخبارٌ عن إرادةٍ لا معنى.
فوِزَانُه أن يقولَ: يقومُ لي، أو يدخلُ لأجلي قائمٌ أو داخلٌ، ولا بقولُ: لتقمْ أنتَ، ولا لتدخلْ أنتَ، فإنَّه إذا لم يُسَم القائمَ والداخلَ، ولا عيَّنه، فلا يَحْسُنُ أنْ يقولَ واحدٌ: السَّمْعُ والطاعةُ، أو: العصيانُ والمخالفةُ.
قالُوا: وأمَّا قولُ الماكِر: أمَرْتُ وَلم أرِدْ، فإنَّما معناهُ: ماكَرْتُ ولَمْ
стр. 1030
آمُرْ، وأتيتُ بلفظِ الأمرِ ويصيغتهِ، وما كان استدعائي صادقاً، فالماكرُ بالصيغةِ، خارج عن الآمرِ إلى الماكرِ كخروجهِ بها عَنْ الأمرِ إلى التهديدِ، وصيغةُ الأمرِ في حقِّ الماكرِ، كصيغتِها في حق المستهزىءِ والساخِر.
قالوا: وأما قولُكم: يجبُ أن لا يعلمه آمراً إلا مَن عَلِمَه مُريداً، فهو كذلك من طريقِ الاستدلالِ، فكلُ من علمه آمراً علمَ أنه مُريدٌ، حيثُ كانَ حكماءُ العرب الواضعينَ لهذهِ الصيغةِ، إنما وضعوها ترجُماناً عن دواعي تعرضُ، وَإراداتٍ تحدُثُ، فصاغوا صيغةً تدلُ السامعَ المستدعى منه على إرادتِهم لما استدعوه.
قالوا: وأمَّا هيئاتُ الإنسانِ وأفعالُه التي يُحدثُها، مِن قيامٍ ومشيٍ وحركةٍ، فإنَّما لم تَدل على إرادةِ مَن قامَتْ به تلكَ الصفاتُ، وصدرت عنهُ تلكَ الأفعالُ، لأنها صُورٌ تستقلُ بنفوسِها وبالفاعلِ لها، سواء فَعلَها ساهياً أو ذاهلًا، فهي فعل، فأمَّا صيغةُ الأمرِ فإنها حقيقةُ استدعاءٍ لفعلٍ، من جهةِ منَ استُدعِيتْ منه، ولا يتحققُ استدعاء من غيرِ مُريدٍ لما استدعاه.
فصل
في أجوبةِ الأسئلةِ.
أما فرقهم بين أريدُ، وأريدُ منكَ، لا وجهَ له، لأنه لو كانت الإرادةُ أمراً، لما كان قولهُ: أريدُ خبراً، كما لا يكونُ ما يوازيها ويساويها خبراً، والذي يساويها أمرآ، ويوازنُ: أردتُ وأمرتُ.
ولو قال: أردتُ الماءَ، كان جوابُه من حيث اللغة: صدقتَ أو
стр. 1031
كذبتَ، ولو قال: أمرتُ بالماءِ، لم يكنْ جوابهُ: صدقتَ أو كذبتَ.
وأما المكرُ، فلا يكونُ مستحيلًا، ولا خارجاً عن الأمرِ، لأنه لم ينعدمْ سوى العلمِ بعاقبةِ الأمرِ، هل تحصُلُ من المأمورِ استجابةً، أو لا تحصلُ؟ والآمرُ ممتحن لحالهِ بأمرِه إيَّاه، ولو عُدمَ الأمرُ لأجلِ الجهالةِ بالائتمارِ، لوجبَ أنْ يكونَ من شرطِ الأمرِ علم الآمرِ بطاعةِ المأمورِ، ولا أحدٌ شرطَ ذلك.
وأما قولُهم: أنَّ أفعالَ الإنسان وهيئاته تقعُ صورةً، ويصح وجودها مع الذهول، وهذا الأمرُ يحتاجُ إلى استدعاءٍ ولا بُدٌّ من داعٍ وإرادةٍ، فليسَ بكلامٍ صحيح، لأن كلُّ واحدٍ، من صورةِ الفعل، وصيغة اللفظ، لا بُدَّ له من إرادةٍ للفظِ والهيئة، إذ ما يقعُ بغير إرادةٍ له تخصُّه يكَون عبثاً، ومن حيثُ كونُها صيغةً، وكونُ القيام حالةً، وصورةً لا يحتاجُ إلى إرادةٍ، بل قد يبقى من السَّاهين والذَّاهلين.
فصل
في جَمْعِ شُبَه المُخالفين فيها
قالوا: ترِدُ هذه الصيغةُ للإيجابِ، وتردُ للنَّدب، وتردُ للتحدّي وللتعجيز، وتردُ للتهديد، وتردُ للتكوين، فلا يفصْلُ الأمرُ بها عما ليس بأمرٍ الأ بالإرادةِ، فعلِمنا أنَّ الإرادةَ شرط في كون هذه الصيغة أمراً، وصارت كالأسماءِ المشتركة.
قالوا: ولأله لا فرقَ عند حكماءِ العرب بَيْنَ قولِ القائل لعبدِه: افعلْ. وبَيْنَ قولِه: أريدُ أنْ تفعلَ.
стр. 1032
قالوا: ولأنَّه لو بَلَغَ اعتبارُ الرُّتبةِ في الحدِّ، فقالوا: استدعاءُ الأعلى، وذكروا المُستدعى منه بالأدنى، ومتى كان القولُ من المُماثل أمراً، سقَطَتْ الرتبةُ، وصار ذِكْرُ الرتبة في الحد حشواً، والحدُّ لا يحتملُ الحشوَ.
وإذا بطَلَ هذا لم يَبْقَ إلا أنْ يُقْتَصَرَ في حقِّ المماثل على الاسم الأعمِّ، فيُقالُ: اقتضى وطَلَبَ.
قال قائل: وإذا تأملتَ القرآنَ وجَدْتَ تَنَكبَ الأمرِ في كلِّ محلٍّ تَدَنَّتْ فيه الرُّتبةُ، مثلُ قولِه عن بلقيسَ: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾ [النمل: ٣٢]، وتنكَّبَ تأمرون، وتَنَكَّبَ مُروني، فقالت: "أفتوني"، و"تشهدون"، لما كانتْ هي الملكةَ، وقالوا: ﴿والأَمْرُ إِليْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تأْمُرِيْنَ﴾ [النمل: ٣٣].
وقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ [يوسف: ٤٦] وقال في حق الشَّيطان: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ...﴾ [إبراهيم: ٢٢] إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، قيل له: فقد قال سبحانه عن إبليس، ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، وسؤى بَيْنَ الأنبياءِ والأمَمِ في لفظةِ الأمرِ، فقال: أتامرُونَي أنْ كفرَ بالله وأشركَ به ما ليس لي به علمٌ (١).
قال: قد يَرد ذلك مجازاً، وإلا فالحقيقةُ ما ذكرْنَا، لأنَّه لا خِلافَ
стр. 1033
بيْنَ أئِمةِ (١) أهلَ اللُّغة وغيرِهم، أنَّه لا يجوزُ أنَّ يقَع على الدَّاعي لله سبحانه بقوله: اغفرْ لي، وهَبْ لي، ولا تَخْذُلْنِي، أنَّه آمر الله، ولا ناهٍ له، وليس ذلك إلا لدُنُو رُتبةِ الدَّاعي، وعُلُوِّ رُتبةِ الله سبحانَه على جميع خلقِه، والنُّصرةُ لإسقاطِ الرُّتبةِ في الصيغة هدمٌ للحدِّ الذي أجمعوا عليه، أعني أهلَ الصنعةِ القائلينَ بأنَّ امرَ الأمرِ، صيغةٌ تتضمنُ استدعاءَ الفعل بالقول من الأعلى للأدنى، وكفى بذلك دَليلاً على مَن لم يَعتبر الرُّتبةَ، ولا أحدَ جَوَّزَ للابن والعبد أنْ يقولا: أمرْتُ أبي وسيّدي، بل سألناهُما ورَغِبْنا إليهما، ولا استحسنوا في اللغةِ قولَ السَّيد والأب: سألتُ عبدي وابني، بل أمرتُهما.
وأما قولُ فِرعونَ (٢): فإِنَهم بالحكمةِ والرَّأي والحاجةِ منه إليهم، جعلهم بهذه الخصيصة أَعلى، والعلو يختلفُ، وكذلك عمرو (٣) لَمَّا كان أَعلى بِبَيانِ (٤) الرَّأي، سُمِّيَ طلبُه فيه أمراً، فالعلو فنونٌ، وليس كله السلطنة.
стр. 1034
فصل
في تحقيق الأمرِ على قَولِ مَن يقول: إن الكتابةَ كلام حقيقةً .
اعلمْ أنَّ الظاهرَ مِن مَذْهب صاحبنا وأصحابِه أن الكتابةَ كالتلاوة في أصول الدين، وأنَها كالكلاَم في الفروع، فمنْ ذلك قولُهم: إنَ كاتبَ الطلاق كالمَتَلَفظِ به، وإنه لا يفتقرُ إلى النِّيَّه، بل كتابةُ الصريح كالنطقِ بالصريحِ، فلا يتحققُ منهم حد الأمرِ بأنه استدعاءُ الفعل بالقولِ، لأن الكَتْبَ ليس بقول، وإنما هو تعبير عن القولِ ودلالةَ عليه.
وقالوا في تحديدِ الكلامِ: هو الحروفُ والأصواتُ المَسْموعةُ، وليس هذا في الكتابةِ، إنما هي حروفٌ مسطورةٌ، فهو في الصُّحُفِ والمصاحفِ حروفٌ بغير أصواتٍ، وهي في الصدورِ لا حروفَ ولا أصواتَ، إذ ليس بمسموع ولا مَرْئي، وإنما هو ثبات في القلب، وهو المُسَمَّى بالحفظِ، وهو دَوامُ الذِّكْرِ له، وليس يُمكنُ أَنْ يقالَ: اَستدعاءٌ بالمفهوم، لأن الحد يجبُ انْ يُملى فيه بالأخصِّ، ولأن قولنَا بالمفهوم باطلٌ، لأنَّ الإشارةَ استدعاء بالمفهوم، وليست أمراً، ولا من أقسام الكلام، ولا قَسم أحد الكتابةَ والإشَارةَ مِن أقسام الكلام، وإنماَ استثناها اللهُ سبحانه في حق زكريا لأنَها تُعَبِّر عن اَلكلام (١)، فهي شبيهةٌ به في المُرادِ بها، فتحققَ مِن هذا أنَّ الأمرَ حقيقة لاَ ينطلقُ الأ إلى الحرفِ والصوت، وهي صيغة: افعلْ، دُونَ كَتْبها المُعَبر به عنها،
стр. 1035
ودون الإشارة المفهومةِ النائبةِ مَنَابَها.
وإنْ سميت خَبَراً وأَمْراً، فمجازاً، مثل قولهم: تُخَبرني العينانُ مَا القلبُ كاتُم، وفي وجْهِ فُلانٍ كلام، وقولُهم: في نفسِه كلام.
فصل
والأمرُ ليس بإرادةٍ، ولا من شرطِ كونِ الصيغةِ أمْراً صُدورها عن إرادةِ المعنى المأمورِ به.
وقد اختلفَ أهلُ الاعتزالِ:
فقال بعضُهم: لا يكونُ أمراً إلا بإرادةٍ.
وقال بعضُهم: بثلاثِ إرادات: إرادة لإحداثِ الصيغةِ، والثانية: إرادة للمأمورِ به، والثالثة: إرادة كونهِ أمراً لِمَنْ هو آمِرٌ له، فقد اجتمعَ أهلُ الاعتزالِ والأشاعرة على أن هذه الصيغةَ لا بُدَّ لها من مُسْتَنَدٍ، فقال هؤلاء: مُستَنَدُها معنى في النَفْس هو الأمر، والصيغةُ عبارةٌ عنه ودلالة عليه، وقال هؤلاء: لا بُدَّ من إرادةَ الآمْرِ أمراً، إلا لحُسْنِ المأمورِ به، ولا النهي إلا لقُبحِ المنهي (عنه) (١).
فصلٌ
في الأَجوبةِ
والجوابُ: أن حُسْنَ مَا أَمَرَ الله به سبحانَه، وقُبْحَ مَا نَهى عنه إنَّما عُلِمَ بدلالةٍ هى الإجماعُ، ومَا استند إليه الِإجماعُ.
فأمّا أَنْ يكونَ لأجْلِ كونهِ أمراً أو نَهياً فلا، ولو جازَ أَنْ يقال: إن
стр. 1036
حُسْنَ المُستدعى المأمورِ به، وقُبْحَ المَنْهيِّ عنه كان كذلك لأجلِ الأمرِ والنَّهي، لكان القُبْحُ والحسنُ لأمرٍ يعودُ إلى الفعلِ والتَّركِ، وإِنْ صَدَرَ عن العقلاءِ، ولَمَّا كانَ القبحُ والحسنُ وراءَ الفعلِ، كذلك هما وراءَ الأمر والنَّهي، وتعلقُهم بالحكمةِ وبالِإضافةِ إلى الله تعلُقٌ بالقرينةِ الدَّالةِ على الحُسْنِ، وإلاَّ فمطلقُ الأَمرِ لا يقتضي إلاّ الاستدعاءَ مِن طريقٍ، وأدلةُ الشَرعِ دَلَّتْ على حُسنِ أمرِ الله سبحانه، وقُبْحِ بعضِ ما نَهى [عنه].
وأَمَّا قُبحُ المنهي عنه، فلا يجبُ، فإِنَّه قد نَهى الشَرعُ عن أشياءَ الأَولى تركُها، لا لقُبحِها، كالنهي عن القِران بَيْنَ التمرتين (١)، [وكَسَتْرِ البيت] (٢) بالخِرقة، والجلوس في طريق المارَّة (٣)، والشُّربِ من ثُلْمةِ الِإنَاءِ (٤)،
стр. 1037
والأكلِ في المُنْخُل (١)، وغيرِ ذلك، وليس ذلك قَبيحاً.
فأَمَّا المقبحاتُ من المنْهيَّاتِ، فلأدلةٍ شرعية إنْ كانت منهيَّات الشرعِ، أو لأدلةٍ عُرفيةٍ إنْ كانت من حيثُ اللغةُ, فأمَّا بمجرَّدِ صيغةِ النَّهي فلا، وهذا خلطٌ منهم للكلامِ باللغةِ، كخلطِهم الأمرَ باقتضاءِ الِإرادةِ وإلا فأيْنَ التَّحسينُ والتَّقبيحُ من الصِّيغَ اللغوية؟
فصَل
في ذِكرِ مَن تَجِبُ طاعتُه
اعلمْ أَنَّ الواجبَ: هو الأمرُ اللآَزمُ الحتمُ، الذى سقَطَ على المُكلَّفِ سقوطاً لا يمكنهُ الخروجُ عنه، إلاّ ويُكْسِبهُ ذلك الذَّمَّ واسمَ العصيانِ.
مأخوذٌ من قولهم: وجَبَ الحائطُ، ووَجبتِ الشَّمسُ، أيمما سقطا، ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] [أي: سقطت]. والذين تجبُ طاعتهُ هو اللهُ سبحانه، وَمن أَوجَبَ طاعتهُ مِنْ رُسُلِه صلواتُ الله عليهم، والأئمةِ وخلفاءِ الأئمةِ، والوالدين، وسادةِ العبيد الذين مَلكهم رِقَهم، وأَوجَبَ عليهم بحُكْمِ الشَرعِ طاعتَهم، فأمَّا مَنْ عدا ذلك مِن مُسَلطٍ بنفسه ومُستعْلٍ بوضعهِ الاستعلاءَ لا بحُكْمِ الشَّرعِ، فليس بواجبِ الطاعةِ، وإِنْ حَسنتْ متابعتهُ لاستعلائهِ والانقيادِ له، فذلك مصانعةٌ له، حراسةٌ للنَّفسِ بحكْمِ الشَرعِ أيضاً، أَلا ترى أنه لمَّا جاءَ الشَرعُ بالنَّهي عن طاعةِ الوالديْن، حَسنَ عصيانُهما، فقال سبحانَه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥]، وهذا
стр. 1038
الفصل ينبني على أن الحَسَنَ ما حَسنَه الشرعُ، والقَبيحَ ما قَبحَة الشَّرعُ، خِلافاً للقَدَرِية.
فصل
في الدلائِل على ذلك
وهو أن المخلوقين في الخَلْقِ والجنْسِ والبُنْيَةِ الحيوانيةِ المُحتاجةِ إلى القوام مِنَ الأغذيةِ سواء، وكذلكَ في تَسَلطِ المَضَارِّ عليهم، ولا فَضْل لبعضِهم على بعض يقتضي طاعةَ بعضِهم أمرَ بعض، وانَما رَتَبَهم الشرع مرأتبَ، فجعلَ مِنهم أنبياءَ، ورُسُلاً، وأئمةً، وخلفاءَ، ووالديْنَ، ومالِكينَ، وفَضلَ هؤلاءِ على مَنْ دُونَهم مِن المُرسَلِ إليهم، كالرَّعَايا والأولادِ والعبيدِ، وجَعَلَ لهم تَعَلُّقَ الرُّتبةِ الشرعيةِ الأمر الواجب، والطاعة اللازمة في مقابلتهِ، ولولا ذلك لم يكُ لأحدٍ على أحد طاعة، لان ما عدا هذه الرتَب التي عَظمها اللهُ سبحانه، وجَعلها سبباً لإيجابِ الطاعةِ، إِنما هي أوضَاع لا لحَقٍ، ولا فَضْلٍ علِمْنَاهُ سَبَباً للإيجابِ.
فصل
يجمعُ شبهَهُم
قالوا: إنَ أهلَ اللُّغةِ قد حَكموا لِما وَضَعوهُ آمِراً برُتْبةٍ، وقابلُوه بطاعةٍ أو عصيانٍ، فسمَّوا الممتثل مطيعاً، والممتنعَ عاصياً، ولو كان الَامرُ لا يُشترط له الإرادةُ، لكان البهيمةُ إذا وجِدَ منه رَوْمُ (١) العلفِ
стр. 1039
والماءِ أنْ يكونَ آمراً، ولَوجَب أنْ يكونَ المستهزىء والهاذِي المُبَرْسَمُ (١) القاثلُ لعبيده: افعلوا واصنعوا، آمراً، ولَمَا لم يُسَم آمِراً، وما عُدِمَ سِوى ما أمرَ به؛ عُلِمَ أن الأمرَ مشروط بالإرادة.
قالوا: ولان النهي لا يكونُ نهياً إلا بكراهةِ الناهي، والكراهةُ ضِد الإِرادةِ، فوجبَ أنَّ لا يكونَ الأمرُ إلا بإرادةٍ.
قالوا: لا يخلوا أنْ تكونَ الصيغةُ أمراً لمجردِ كونِها ووجودِها، أو لقرينةٍ معها، ولا يجوزُ أنْ تكونَ بمجردِها، لأنها توجدُ مِن المُبَرْسَمِ إلمَصْروع والنائم والطفل، وليست امراً، ولا يجوزُ أنَّ تكونَ لوجودِ قرينةٍ معهاَ في الجُملةِ، لأنَ مِن القرائِن ما يخرجُ به عن كونهِ أمراً، وهو التهديدُ والتعجيزُ، مثلُ قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ [الإسراء: ٥٠]، لم يبقَ إلأ أنْ يكونَ لقرينةٍ تَصْلُحُ لجعلِها أمْراً، وليس إلا الِإرادةَ.
وإن قلتم: إِنها إِنما تعتبرُ أنْ تَرِدَ مِن عاقل، فذلك يُعْرَضُ ويحْرَسُ بالإِرادةِ، لأنَّه ليس يُرادُ العقلُ، ولا يُشترطُ إلا ليرِدَ الأمرُ عن إرادةِ الآمرِ.
قالوا: ولأنها متى لم تصدرْ عن إرادةٍ، قيل فيمَنْ صَدَرَتْ عنه: إنه ساهٍ أو ذاهل أو هازل أو ماكر، ولا يُسمَى آمراً، كالفعل إذا صَدَرَ مِن غيرِ مُريدٍ لِمَا فَعَلَه كان عَبَثاً، وكان مَن صَدَرَ عنه عابثاً، قال: وهل
стр. 1040
خَرَجَتْ لفظةُ افعلْ مِن المُهَددِ والمُعَجِّزِعن كونِها أمْراً، إَلا لعدم إرادةِ مَنْ صدَرَت عنه!
قالوا: اللُّغةُ تُوجبُ أنْ نَعْرِفَ بظاهرِ خطاب الله سبحانه مرادَه فيما يستدعيه، والحِكْمَةُ تُوجبُ أنْ لا يأمرَ إِلا بماَ يُريدُه، وما ذهبتُم إليه يُخالفُ اللُّغةَ والحِكمةَ، وإِنْ جَازَ دَعْوى ذلك، فهلّا جوزتُم أنْ يكونَ يؤيدُ بالاستدعاءِ التجنُّبَ، فَيَشْتَبِهُ الأمرُ المُطْلَقُ بالتهدِيدِ.
فصل
يجمعُ الأجوبةَ عن شُبَهِهم .
أمَّا القول بأنها تَرِدُ متردِّدةً، فليس بصحيح، بل هي موضوعة للاستدعاءِ والطلب والاقتضاءِ لا غير، فإذا ورَدَتْ مع قرينةٍ، كانت بحسَب القَرينة، إمَّا تهديداً، وإما تعجيزاً، وليست في الترددِ كالصيغِ المُشترَكةِ مثل: لونٌ، وجونٌ، وقُرءٌ، وشفقٌ، ألا ترى أنَّ تلك إذا وَرَدَتْ لم نَعْقِلْ منها واحداً مِن الأشياءِ التي اشتركتْ فيها، ويوضِّحُ ذلك أنه إِذا قال لعبده: اصبغْ ثوبي لوناً، وائتني غروبَ الشَّفَقِ، فإنَّه يحسُنُ الاستفسارُ عن أيَ الشفقين، وأي الألوان، ولا يَحْسُنُ استفسارُ القائلِ لعبده: افعل، أتريدُ أنْ يَفعَلَ أمْ لا تريدُ أنْ يَفعَلَ؟ ولا استعلامُه عن التهديدِ والتعجيزِ، وما صارتْ إلا بمثابةِ أسماءِ الحقائقِ المَوضُوعةِ لمَا وضِعَتْ له، تُصْرَفُ إلى غيرِ ما وضِعَتْ له بضرب من الاتَساعِ، ولا يُعطي ذلك أنَّها عند الِإطلاقِ تحتاجُ إلى إرادةِ النَاطقِ بها ما وضِعَتْ له، وإِنَما لم تصحَّ مِن البهيمةِ، لأنَّ القولَ والرتبةَ أبعدُها، وهما شرطا الأمرِ، فلا رتبةَ للبهيمةِ ولا قولَ، ولربَّما انقلبَ هذا
стр. 1041
عليهم، لأن إِشارةَ البهيمةِ بِطَلَبِ العليقِ والماءِ والحنينِ إلى فصيلِها، وسخلِها، والخروجِ للرَّعي دالة على إرادةٍ منها ذلك، ولم تكن آمِرةً، فقد تكاملَ شرط الأمرِ عندهم، وليست آمرة.
وأما دعواهُم أنَّ لا فَرْقَ بَيْنَ قولِهم: أريدُ مِنك أنَّ تفعلَ، وبَيْنَ قولِهم: افعلْ، غيرُ صحيحةٍ، لأنَ أريدُ منك إخبار عن إرادتهِ، ولفظةُ: افعل، استدعاءٌ، والخبرُ يَدْخُلُه الضَدقُ والكذِب.
وأَصَحُّ الاجوبةِ عن هذا ما سمعتهُ مِن إمامٍ في الجَدَل، أَنَّ: أريدُ، وأودت، صيغتان تتجردان عن ذِكْرِ فرادٍ منه، بل يكفي فيهما نفسُ المرادِ، فيقولُ القائل: أردتُ كذا، وأريدُ كذا، فلا يقال: ممن تريدُ؟، ولفظةُ: افعل، وآمُرُ، وأمرتُ، لا بُدَّ لها مِن مُعَلقٍ عليه الاستدعاء، وأريدُ، وِزَانُ أشتهي وأحتاجُ، وأردتُ، وِزَانُ اشتهيتُ واحتجتُ، وهما خبران عن أمر وقَعَ في النَّفْسِ من شهوةٍ، والأمْرُ إِنَما هو استدعاء، فبانَ الفرقُ بينهما.
وأمًا المُبَرْسَمُ والمَصْرُوعُ، فإِنما لم يكونا آمِرينَ مع وجودِ الصيغةِ، فلأنهما ما قَصَدا الصيغةَ، لا لأنَهما لم يُريدا المُستدعى، وقد اتفقنا على أنَ إرادةَ النُطقِ مُعْتَبَرَةٌ، وإِلا فلا تكونُ طلباً ولا اقتضاءً ولا استدعاءً، وكذلك ما يَسْبقُ على اللسان وَيغْلِبُ بالبرْسَام تكون صورتُه صورةَ الكلامِ.
واختلفَ النَاسُ هل هو كلامٌ؟
فعلى مذهبِ المُحَقِّقينَ: ليس بكلامٍ.
стр. 1042
ثم اختلفوا في علَّةِ نفي اسمِ الكلامِ عنه:
فقال قوم: لأنَّه ليس يعَبِّر عَمَّا في النَّفْسِ، وهم نُفَاةُ الضَيغِ عن كونِها كلاماً، والمُثبتونَ للكلام قائماً بالنَفْسِ.
وقومٌ نفوه لأنَه لا يصدُرُ عن إرادةٍ لِمَا يتضمنهُ مِن الاستدعاءِ. ونحنُ نَسْلُبُه (١) اسمَ الكلام؛ لأنَه مدفوعٌ إليه، فهو كما يخرجُ من الحروفِ عن غَلَبةِ عُطاسٍ أو سُعالٍ أو تثاؤبٍ.
وأَمَّا النهيُ، فلا نُسَلِّمُ كوَنه نهياً لكراهةِ المَنْهي عنه، بل لاستدعاءِ التركِ مع الرُّتبةِ، كما أن الأمرَ استدعاءُ الفعلِ مع الرتبةِ، فلا فرقَ بينهما، وهذا ينبني على أصلٍ كبيرٍ، وان جميع الأفعالِ والكائناتِ مُرادةٌ، وأنَها لا تقعُ إلا بإرادةِ القديمِ سبحانه، وان ما شاءَ كان، وما لم يشأ لم يكن.
وأَمَّا التقسيمُ الآخرُ، فالجواب عنه: أنها أمرٌ بكونِها استدعاءً بالقولِ مِن الأعلى للأدنى، ولا يفتقرُ إلى ما هو أكبرُ مِن ذلك، ولا يقتنعُ فيها بدُون ذلك.
والقرائنُ تعملُ عملَها في صرفِها لها عن موضوعِها عند قوم، والصحيحُ على ما سمعناه مِن الأئمةِ في اللُّغةِ والنحوِ والأصولِ، أنَ الصيغةَ للتهديدِ وللتعجيزِ تُشَابِهُ صيغةَ الأمرِ، وليست أمراً صُرفَ إلى غيرِ الأمرِ بقرينةٍ.
وأّمَّا قولُهم: يكون ساهياً أو ذاهلاً فليس بصحيحٍ، لأنَّه بإرادةِ
стр. 1043
الصيغةِ يخرجُ عن كونه ذاهلاً وساهياً، ولو لَزِمَ اعتبارُ إرادةِ المأمورِ به لكونِ الصيغةِ أمراً، لوَجَبَ أن يُعتبرَ عِلْمُ الآمرِ بطاعةِ المأمورِ واستجابتهِ، فلَما صَحَّ كونُ الآمر آمراً، وهو الله سبحانه، مع كونِه عالماً بأَنَه لا فَرْفَ بَيْنَ الأَمْرِ بما لا يريدُهو وبَيْنَ الأمرِ بما يَعْلَمُ أَنّه لا يكونُ مراده ومأمور به (١)، والله أعلم.
وأَمَّا دعواهُم مخالفَتنا للّغةِ والحكمةِ، فغايةُ ما تُعطي اللغةُ الاستدعاءَ، وقد أثبتناه، وما دعوى الإِرادةِ إلاّ مِن طريق فى دلائلِ أحوالِ المخلوقينَ، وقد دَلتْ دلائلُ أحوالِهم على الانتفاعِ بما أُمروا به، والحاجة إليه اقتراناً بشرطِه في الأمرِ في الجملةِ وفي حقِّ الله سبحانه، وإِنَّما الذي يقتضيه الإِطلاق إرادة صيغةِ الاستدعاءِ، وما وراء ذلك يقفُ علي دلائلِ الأحوالِ، فالإرادة للمأمورِ، والحاجةُ إليه والميلُ وما شاكلَ ذلك، فموقوفٌ على القرائنِ، دلائل الأحوالِ وتفرُّعها يحتاج إلى دلالة.
فصل
وقال أصحابُنا: والفعلُ لا يسمَّى أمراً حقيقةً، كما لا يُسَمَّى كلاماً حقيقةً، سواءٌ كانت إشارةً مفهومةً أو غير ذلك (٢).
فعلى هذا فعلُ النبيّ ﷺ ، وإن دلَّ على وجوبِ الاقتداءِ بالنبي ﷺ
والمتابعةِ له، فإنّه ليس بأمرٍ.
стр. 1044
وذهبَ بعضُ أصحاب الشافعي المتأخّرين، إلى أنه أمر حقيقة (١)، وهو ليق بمذهبنا، حيث قَلنا: الكتابة كلام حقيقة، وما في النفس من المحفوظ كلام حقيقة.
قال أصحابنا في القرآن: متلوٌ بالألسن مكتوبٌ فى المصاحفِ، محفوظٌ في الصدورِ.
فالدلالةُ على أنه (٢) ليس بأمرٍ، ما تقدم من أنَ الأمرَ صيغةُ استدعاءٍ أو اقتضاءٍ، من الأعلى فعْلًا من الأدنى، وليس هذا منطبقاً على ذلك، وأين الفعلُ من الاستدعاءِ؟!
وكذلكَ جعلُ الأقوالِ مُستدعىً بها، وهذه مُستَدعى إلى متابعتِها بغيرِها، فقال ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلّي" (٣)، وقال للذي سألَ عن الصلاةِ: "صَلِّ معنا" (٤)، وقال في الحج: "خذوا عنّي مناسككم" (٥).
стр. 1045
ولو كان الفعل أمراً، لما احتاجَ إلى أمرٍ من جهة القول باتباعه، مثل قوله: "صلوا كما رأيتموني"، "خذوا عني مناسككم"، كما لا نقولُ في القولَ.
ولأنه يَحْسُن أن تقول: فعلتُ وما أمرتُ، ولا تقول: أمرتُ وما أمرتُ، ومن خصائص المجازِ صحةُ نفيه [عن] (١) غيرِ المسمى به.
ولأنهُ لما لم يكنِ التركُ نهياً، لم يكنِ الفعلُ أمراً، ألا ترى أن استدعاءَ الفعْلِ بالقولِ لما كان أمراً، لا جَرَمَ كانَ استدعاءُ التركِ بالقول نهياً.
ولأن الفاعلَ قد يفعلُ لا مُستدعَىً من غيره بفعلهِ، لكنه يفعل لمعنىً يخصه، فإذا كانَ الأمرُ من طبعهِ الاقتضاءَ والاستدعاءَ، وليس في طبيعةِ الفعلِ ولا جَوْهَرِهِ ذلكَ، بَطل أنْ يكونَ أمراً سِوى ما كانَ في جوهِره، وليسَ إلا القولُ الذي يستَدعي به الأعلى من الأدنى فعلًا.
ولأنَّه لا يُشتقُّ لفاعلِه منه اسمُ آمرٍ، ولا الفاعلُ مثله مطيع، لكنْ يقال: فَعلَ، ولا يُقال: أمَرَ، ويقالُ: فاعلٌ، ولا يقالُ: آمر، وقد فرقوا بينهما في الجمعِ، فقالوا في جَمعِ أمْرٍ: أوامِر، وفي جَمْع أمر الشأنِ: أمور.
стр. 1046
فصل
فيما تعلقوا به
فمن ذلك قولهم: ما أمرُ فلانٍ بسديد، قال سُبحانَه: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾ [هود: ٩٧]، وقال سبحانَه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقال الشاعر:
فقلت لها: أمْري إلى الله كُله ... وإنّي إليه في الِإيابِ لراغبُ (١)
قالوا: ولأنَّ الأمرَ مأخوذٌ من الأمارة، وهي: العَلاَمة، وفي الفِعْل أمارَةٌ على ما يُراد، فالنبيّ ﷺ إذا فَعَل فِعلاً، فانما فعله ليُقتدى به.
فصل
في الأجوبة عنه
أما قولُهم: أمْرُ فُلانٍ، فالمرادُ به: حالُه وشأنُه، والحالُ والشأنُ ليس بأمرٍ حقيقةً، وأما أضافَهُ الله سُبحانَه إلى فرعون، فلا حاجةَ بنا إلى حَمْلهِ على الفعْل، فإنَه سُبحانه أخْبَرَ عنه بأن قال: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ [غافر: ٢٩]، فكذّبه الله فيما قال، فقالَ: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾ [هود: ٩٧] يعني ما يدعو إليه.
على أنه لو كانَ في الجميعِ يُراد به الفعلُ والحالُ والشأنُ، فإنهُ مجازٌ، ولذلكَ يَحْسُنُ أن يُقالَ: ما أمرتُ ولا أمرَ فلانٌ، وإن كان فَعَل، وكانَ له حالٌ وشأنٌ.
وأمّا قولُهم: إنه من الأمارةِ، فلا يُعرفُ ذلكَ عن موثوقٍ به في
стр. 1047
اللغة، ولو كان منقولًا، احتملَ أنْ يكونَ مأخوذاً من أمارةٍ على الاستدعاءِ الذي في نفس المستدعي، وهي القول، وإلا فلو كان عاماً لوقعَ على الكنايةِ والإشارةِ، ولم يختص بالقولِ.
فصلٌ
فيما وُضعَ له الأمرُ
اعلمْ أنَّ الأمرَ لم يوضَعْ في اللغةِ لإِفادةِ [حُسْنِ] المأمورِ به أو قُبحِه، وكذلك النهى لا يقتضي قبحَ المنهي عنه، وإنما وُضِعَ للزجرِ عن فِعْلِ المنهى عنه واستدعاءِ تركهِ، والتقبيحُ والتحسينُ وراءَ ذلكَ موقوفٌ على دلالةٍ تدلُّ عليه، هذا مَذْهَبُ أهلِ السُنة، وهو مَذْهَبُنا.
وزعَمتِ القدرية أن مقتضى الأمرِ كَوْنُ المأمورِ به حسناً في العقلِ، ولولا كونُه في العقلِ حسناً، لما امِرْنا به، ولولا كونُ المنهى قبيحاً في العقل، لما نهانا الشرعُ عنه.
فصلٌ
في الدلالةِ على ذلك
إنّنا نعلمُ أن الآمرَ من أهلِ اللغة، قد يأمرُ بالظلمِ والتعدّي، ويعاقبُ على مخالفته في ذلك، ولا تَنافيَ بين الأمرِ والقبح، يقال: أمرَ بالحسَن، وأمَرَ بالقبيح، وكذلكَ السلطانُ الجائر، يأمرُ بالجَوْرِ، وينهى عن العَدْل، ولا يصيرُ الجَورُ بأمرِه حسناً، ولا يخرجُ بأمرهِ بالجورِ، عن كونهِ بذلك آمراً، فهذا واضحٌ من طريقِ اللغةِ، وما هو إلا بمثابة قولنا: إن القبيحَ مستدعىً، فلا يخرجُ بكونه مستدعىً عن
стр. 1048
كونه قبيحاً، ولا يخرج المستدعى بكون المستدعى قبيحاً عن كونه استدعاء، كذلك لا يخرج عن كونه أمراً، ولا يقف الاستدعاء على كون المستدعى حسناً، كذلك لا يقفُ الأمرُ على كَونِ المأمور به حسناً.
فصل
في شبهةِ المخالفين
قالوا: أجمعنا على أن الله سبحانه ما أمرَ إلا بالحسَن، بل ما أباحَ إلا الحَسَن، على خلافٍ بين الناس في الإباحةِ، هل هَي أمرٌ أوْلا؟ ولا نهى إلا عن قبيح.
وثبت في العقلِ أنْ لا اعتداد إلا بأوامِر الحكماءِ العقلاءِ، من العربِ والآمرين في الجملة، فوجَبَ أنْ لا يكون، ولم يوقفوه على أمرِ الشرع، ولا الوالِد والنبيّ خاصة، بل عمّوا كلُّ ذي رتبة، فمِنْ أين لكم تخصيصُ ذلكَ بحُكمِ الله سبحانَه؟ وهذا تعاطٍ على اللغةِ بمجردِ اقتراحٍ لا يدل عليه دليل.
قالوا: وما تنكرونَ أنْ يكونَ ذلك لوجهٍ هو في العقلِ عليه، أو بحكمِ بعضِ الخلق ومواضعتِهم ذلكَ؟ كما جازَ وضعُ بعض الخلقِ أسماءً ولغاتٍ يتخاطبون بها.
قالوا: وبالطريقِ الذي كانَ الشرعُ هو الموجبَ لطاعةِ الأنبياءِ صلواتُ الله عليهم، والخلفاءِ من قِبَلِهِمْ، وساداتِ العبيد، والوالِدين،
стр. 1049
وجَبَ الحكمُ بوجوبِ ما وضعَ في العقل حسن الطاعة فيه لذي رتبةٍ من الخلقِ، ولا فَرْقَ بين ما وضعه شرعاً وما وضَعه في العقولِ، وليس سلوككم لإِيجابِ طاعةِ الأنبياء صلواتُ الله عليهم ومن ذكرتُم من الخلقِ إلا لرتبةٍ وضعَها الله، وقد وضعَ الله سبحانَه للعقلِ رتبةً، هي التحسينُ والتقبيحُ، فإذا أمرَ آمِر من الخلقِ بحُكمِ ما وُضِعَ في العَقْل، وجَبَت طاعتهُ ولا فَرْق.
فصل
يجمعُ الأجوبةَ
والجوابُ: أن أهلَ اللغةِ وضعوا الأمرَ صيغةً تستندُ إلى رتبةٍ، فما خرجنا عن وضعِهم في اعتبارِ الرتبة، لكنْ خالفناهم في عَيْنِ الرتبةِ، ومَعْلوم أن الأممَ على الغايةِ في الاختلافِ في التحسينِ والتقبيحِ، فالبراهمةُ والهنودُ والثنوية يحسنونَ أشياء تُقَبحها الشرائعُ، ويستقبحونَ أشياءَ لا تستقبحُها الشرائعُ بل تُحسنها، وليسَ من يقولُ بأن الله قد جعلَ اعتقادَ بعضِ هذه الفِرَق لِحُسْنِ الشيءِ أو قُبحهِ، حُكماً منه بذلك، أولى ممن قال: إنَ اعتقادَ غيرهم من الخلقِ لقبح ما استحسنه الفريقُ الآخر حُكم منه بقبحه، وهذا يوجبُ أنْ يكونَ الله سبحانَه قد حَكَمَ بأنَّه حَسن قبيحٌ، واجبٌ ساقِط، وذلكَ باطلٌ باتفاق.
стр. 1050
فصل
في الإباحةِ هل هي أمر ؟
اعلمْ وفقكَ الله أنَ الإِباحةَ إطلاقٌ وإذنٌ، وليست استدعاءً للفعل، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ من الأصوليين والفقهاء.
خلافاً للبَلخي (١) وأصحابه في قوله: إن الإباحةَ أمرٌ، والمباحٍ مأمورٌ به، وهو أمرٌ دونَ رتبة الواجبِ والندبِ، فجعلَ الإباحةَ مرتبة ثالثة، وهي أدنى الثلاثِ مراتب (٢).
ولربما كانَ الخلافُ في عبارة، ولربما وقع الخلافُ في معنى: فأمَّا الخلافُ في العبارة؛ أنْ يقال: معنى قولنا: إن المباحَ مأمور به، أنه مأذون في فِعْلِهِ، ومطلقٌ ومحلل له ذلك، ومدلولٌ من جهة السّمْع على أن له فعلهُ، وله تركَهُ، وأن تركَه وفعلَه سيان، لا ثوابَ ولا عقابَ عليهما، فإن اريد ذلك، فهو اتفاق على المعنى، وخلاف في عبارة.
فأمَّا الخلاف في المعنى؛ فهو أنْ يقولَ القائل بذلك: إن الِإباحةَ
стр. 1051
للفعلِ اقتضاءٌ له، ومطالبة به. واستدعاء على جهة الإيجابِ أو الندبِ، وأنها نهيٌ عن تركِ المباح، وأن فعلَ المباحِ خير من تركِه الجاري مجراه، وهذا باطلٌ.
فصل
والدلالةُ على فسادِه: عِلمُ كلُّ عاقل من نفسهِ الفرقَ بين كونهِ آذِناً ومطلقاً لعبده ومن تلزمُه طاعته في الفعل، كوَلَدِه وخادِمه، وبين كونهِ آمراً لذلك الذي تلزمهُ طاعتهُ، ومقتضياً له، وطالباً له، ومستدعياً منه، واذا كانَ ذلك الفرقُ موجوداً للنفس، ومعروفاً لها، بَطلَ دعوى من قال: إن الإباحةَ أمرٌ، لأنَّ الحقيقةَ الواحدةَ لا تنفصلُ ولا تنقسِمُ في النفس، كما لا تنقسمُ حقيقةُ الخبر.
ومما يَدل على ذلك: أن حقيقةَ الإباحةِ تعليقُ المباحِ بمشيئةِ المأذونِ له في الفعل، وبمعنى القولِ له: افعله إنْ شئتَ. ومِنْ حقِّ الأمرِ بالفعلِ، أنْ يكونَ اقتضاءً له ومطالبةً به، واستدعاءً لحصوله، ونهياً عن تركِه على وجهِ ما هو آمر به، على ما نُبينه من بعد، فافترقَ لهذا حالُ الإباحةِ والأمرِ.
فإِن قيل: وجودُ الفصلِ والفرق في النفس، بينَ الإِباحةِ والاقتضاءِ المطلقِ، لا يمنع من كون الإِباحة ضرباً من ضروبِ الأمرِ، بدليلِ الندب والإِيجاب، فإِنَّ بينهما فصلَاَ وفَرْقاً في النفسَ، ومع هذا فإِنّهما جميعاً أمرٌ، لكنْ بينهما مرتبة، [فَكَما] تدنو مرتبة الندبِ عن الِإيجاب، كذلك هاهنا تدنو مرتبةُ الِإباحةِ عن الندب، فلأجلِ الرتبةِ وُجد الفصلُ في النفسِ، لا لأجلِ أنَّ الِإباحةَ غيرُ الأمر.
стр. 1052
قيل: الفصل الذي يجدُه العاقلُ في نفسهِ بينَ الإباحةِ والأمرِ، فصلٌ يمنعُ أن يكونَ في الإباحةِ نوعُ اقتضاءٍ، أو مطالبةٍ، أو استدعاءٍ، لكنَّه يجدُ في النفس تخليةٌ وهي نفيُ التقييدِ والكف والمعارضةِ في الفعل أو المؤاخذةِ عليه، وهذا يُخرجُ الإباحةَ عن أنواعِ الأمر إنْ كان متنوعاً. وسنذكرُ مذهَبنا في الندب إن شاء الله.
فصل
صيغةُ الأمرِ بمجودِها تقتضي الوجوبَ لغةً وشرعاً
هو ظاهرُ كلامِه (١)، لأنهُ قال: إذا ثبتَ الخبرُ عن النبيَّ ﷺ وجبَ العملُ بهِ.
وبذلك قال جمهورُ الفقهاءِ (٢).
وقالتِ الأشعريةُ: إذا دلَّتْ دلالة على أن الصيغةَ للاستدعاءِ وَجَبَ التوقفُ إلى أنْ تَرِدَ دلالة بإيجابٍ أو ندبٍ (٣).
стр. 1053
وقالت المعتزلةُ (١): يقتضي الندبَ، ولا يُحملُ على الوجوبِ إلا بدليلٍ، وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ (٢).
فصل
في الدلائلَ من الكتابِ العربيِّ
والدلالةُ على ما ذهبنَا إِليه قولُه تعالى: ﴿ما مَنَعَك ألا تَسجُدَ إذْ أمرتُك﴾ [الأعراف: ١٢] والتوييخُ على التركِ دلالة على الإيجاب بمطلقِ الأمرِ، وأن مقتضاهُ الوجوبُ، وأيضاً قولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وهذا يَدلُّ على أن أمرَهُ حتم، لا تخييرَ فيه بين تركٍ وفعل، ولا توقفَ فيه انتظاراً لدلالةٍ، فهي دلالةٌ على الجميعِ.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، والزجرُ والوعيدُ على مخالفةِ أمرِه، دلالةٌ على أن مقتضاهُ الإيجابُ.
فصل
يجمعُ الأسئلةَ عليها
قالوا: أمَّا الآيةُ الأولى، فإن القرائنَ المقترنَةَ بالأمرِ دلتْ على الوجوب، وهو أن الله سبحانَهُ لم يُعْقِبْ تركَهُ للسجودِ بالوعيدِ، بل أبانَ عن مخَالفتِه بالتَقسيمِ عليهِ: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ [ص: ٧٥]
стр. 1054
والقصةُ واحدةٌ، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص: ٧٦]، وأَبانَ عن استكبارٍ.
ومَنْ قابَلَ أمرَ اللهِ سبحانَهُ بالاستكبارِ استحق الوعيدَ، وقد نطَقَ القرآن بذلك، فقال: ﴿إلا إبليس استكبر وكان منِ الكافرين﴾ [ص: ٧٤]، ولو لم ينطِقْ بذلكَ لكفى علمُ الله سبحانه بأنَهُ تركَ الائتمارَ لأمرِه على وجهِ الاستكبارِ، فعِلْمُهُ في حقَ اللهِ كنطقِ العبدِ بالاستكبارِ على سيدِهِ فيما أمَرَهُ بهِ، فيصيرُ الوعيدُ منصرفاً إلى استكبارِه عن الندب، ومَنْ تَرَكَ مندوبَ الشرع بعلةِ الاستكبارِ كَفرَ واستحق الوعيدَ، كمنْ قال: أنا أكبَرُ وأجلُّ مِنْ أن اقبلَ الحجَرَ، وأطوفَ بالكعبةِ، لأنني حيٌّ، ناطقٌ، عاقلٌ، وهي جمادٌ.
ولو لم يَكُ هذا، لاحتمَلَ أنْ يكون قرينةً اقْترنَتْ بالضَيغةِ فاقْتَضَتْ بالمخالفةِ التوبيخَ والوعيدَ.
قالوا: ولأن هذا يدل على وجوب أوامرِ اللهِ سبحانهُ وأوامرِ رسولِهِ، وكلامُنَا في مُقْتَضى الأمرِ في اللغةِ، ولأنه إنما دلَّ على الوجوب لِمَا اقترنَ بهِ مِنَ الوعيدِ على مخالفتِه، ولا يُتَواعَدُ إلا على تركِ واجَبٍ، وكلامُنَاَ على أمرٍ مطلقٍ.
стр. 1055
فصل
في الأجوبةِ
أمَّا قولهم على الآيةِ الأولَة: إِن الوعيدَ كان للقرائنِ التي ذَكَروَها، فإِنّ استدلالَنا من قوله: ﴿مَالِكِ﴾، ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ وهذا لا يقعُ إلاّ مَوْقع ما يلزمُ فِعْلُهُ. وقولُه: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ بيانُ الموجِب، كقولِ القائلِ: ما مَنَعَكَ أنَّ تستجيبَ لي إِذْ دعوتُك، ولو كان هناَكَ قرينةٌ لذكرَها، لأنَّ الموضعَ موضعُ تقريرِ الحجّةِ، وكيفَ يتركُ مَوضِعَ الحجةِ وَيذكرُ خلقَهُ له بيديهِ، وقد كان الأشبهُ أنْ يقولَ: ما مَنَعَكَ أنَّ تسجدَ لِما امرتُكَ بالسجودِ لَهُ بالأمر المُقْتَضِي للإيجابِ؟، أوْ: ما مَنَعَكَ أنْ تسجدَ مع إيجابِ السجودِ عليك؟.
ولأنَهُ يجوزُ أنْ يعودَ الوعيدُ إلى مخالفةِ الأمرِ، وإلى الاستكبارِ، كما أخبرَ الله سبحانهَ عن أهل النار حيث قيلَ لَهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) , ..﴾
[المدثر: ٤٢، ٤٣، ٤٤] إلى آخر الآية، وعندنا يجوزُ أنْ يُعَاقَبَ الكافرُ على كُفْرِهِ ومخالفةِ أمرِ الله، لأن الخطابَ يتجهُ إليه بالكُل.
ولو لم يكنِ الأمرُ على ما ذكَرْنا، لمَا ذَكَرَ الأمرَ وعلق عليه الوعيدَ والتوبيخَ، ولو كان هُناك قرائنُ تزيدُ على ما ذُكِرَ، لما طواها في محل إقامةِ الحُجةِ وتأكيدِ المَعْتَبةِ. وقولهم: كلامُنا في اللغةِ. فأمَّا أوامرُ الله سبحانَهُ، فقد يكونُ فيها أمرُ إيجاب بدلالةٍ، فليسَ عندهم أمرٌ يحصل الوعيدُ بمخالفتِهِ، من حيث كونُهً أمراً لا في حقّ الله، ولا في حق