إلى صيغةٍ تُفارِقُها.
على أن في لغةِ العرب من السَّعَةِ ما يكونُ بعضُها بالإضافة إلى بعضٍ كالعُجمةِ لغرابَتها، ولَذلك غُبيَ عليهم الأبُّ، فلمْ يَدْرِ عمرُ ما هو، وقال ابنُ عباس: ما كنتُ أدري ما معنى ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، حتى سمعتُ امرأةً مِن العربِ تقول: أنا فطرتُه، أي ابتدأتُه، فعَلِمْتُ أنّه أرادَ مُنْشِىءَ السمواتِ والأرض أو مبتدىء السمواتِ والأرض (١).
وأما تبعيدهُم الإِستبرقَ عن لغةِ العرب، لكونهِ لا يُعْرفُ اشتقاقهُ، ولكونهِ على وزنِ استفعل، مثل استفرغَ، واَستنفذَ، واستخبرَ، واستبرد، واستنفرَ، واستغفر، واستعلن، فلا يلْزمُ، فإِنَهُ ليس يَلْزَمُ الاشتقاقُ في الأسماءِ؛ وقد أنكرَ المطالبةَ به جماعة من أهلِ العلمِ، وكذلك فيهم مَنْ أنكرَ الاعتبارَ بالأوزانِ، وقالوا: يجوزُ أن يكونَ فيها ما ليس بمشتقٍ من شيءٍ، ولا موزونٍ بشيءٍ، ولا على وزنِ غيرِه، فمدّعي نَفْيَ جوازِ ذلك لا يجدُ عليه دليلاً.
وبرهانُ ذلك: أَنّه لو كان كلُّ اسمٍ مشتقاً من شيءٍ غيرهِ لتسلسل، وما يتسلسلُ لا يتحصلُ، كما استحالَ ذلك في الحركاتِ التي ادَّعَتْ المُلْحِدَةُ العدميون، أَنّهُ لا حركةَ إِلاَّ مثلُها حركةٌ، ولا صورةَ إلا مثلها صورة،
стр. 982
فكذلك يقالُ هاهنا، إذ لو كان لا اسمَ إِلأَ مشتقٌ، فالمشتقُ منهُ مِمَّ يُشْتَقّ؟ على أنَّكم إن أنكرتم استبرق، لأنُّه على وزنٍ استفعل واستعجل، فقد سُمعَ مِن لُغَتِهم ما يُزِيْلُ تَعَجبَكم وينفي استغرابَكم، فقالوا: يثرب وهو اسمٌ لبلادٍ ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣]، وهو على وزْنِ يَضْرِبْ، وفلانٌ اليَشْكُرِيُ مِنْ يَشْكر، ولعلها قبيلةٌ أو بلدٌ. وقالوا: رجلٌ عَدْلٌ. والعدلُ فِعْلُه، ومن ذلك قولهم: أفكل، وهو اسمُ فعلٍ من الأمراض (١)، وقيل: هو رِعْدَةُ الحمَّى، وقيل: هو نفسُ الحمَّى، قال يزيدُ بن حُجيّةَ حين انصرافِه من عسكرِ علي ﵇ إلى معاويةَ ﵁:
وقالُوا عليٌّ لَيْسَ يقْتُلُ مُسْلِماً ... فمَن ذا الذي يَسْحي الرقابَ (٢) ويقْتُلُ
وقَالوا الهُدَى هذا فإن نكرَ الهُدَى ... فشَفَتْ يَمِيْني واعْتَرىَ الجِسمَ أَفْكَلُ (٣)
стр. 983
يقولُ: اعْتَراهُ الحُمَى، فسقَطَ ما تعلقوا به.
وأما قولُهم: بُعِثَ إلى الكُل فكان كتابُه جامعاً لخطاب الكلِّ، ولغةِ آلكُل، ومُعْجِزاً للكُلِّ. فليس بلازمٍ، لأنه لو رُوْعِيَ هَذا، لكانَ مِن الواجبِ أنْ يجمعَ التركيةَ والزنجيةَ والسنديةَ والهنديةَ.
على أنَّ الخِطابَ إذا اعتبرَ للبيانِ، لم يقنعْ الرومُ بكلمةٍ، والفرسُ بكلمةٍ، والنَبَطِيةُ بحرفين، يكونُ كلُّ خطابهِ لهم: يا رجلُ، وانَّما كانَ يجب أنْ يَمُد الكلامَ ويُطَوَّلَه جامعَاً للدعاءِ لهم، والإِنذارِ، وبيانِ الأحكامِ بلُغةِ كلِّ فريقٍ، ولا يخصَّ العربَ بالكلام الجامعِ، ويُفردُ كلُّ طائفةٍ من غيرِهم بالكَلمِةِ، التي لا يَحْصُلُ بها بيانُ التكليفِ لهم، فلا فائدةَ في هذا.
وأمَّا الإِعجازُ؛ فليس فيهِ من كلامِهم ما يقتضي التعجيزَ، فإنَّ غايةَ ما فيه عند المُخَالِفِ الكَلِمَةُ والكلماتُ، وذلك مما لا يُتَحدّى بمثله، إذْ لا يتضمنُ فصاحةً ولا تُحُديَت العربُ بمثلهِ، إنَّما تُحُدِّيَتْ بالسورَةِ، حتى قال بعض النَاسِ بالسُّوَرِ الطوالِ دُوْنَ القِصَارِ.
ولأن تعجيزَ العرب كفى عن تعجيزِ غيرهم، فاذا عَجزُوا وهم أهلُ الصِّناعةِ كان غيرُهم مِمَّنْ لَيْسُوا من أهل اللسانِ أعجزَ، كما قُلنا في السَّحرةِ في حق موسى، والطَّبِّ في حق عيسى، لما عَجزُوا، وكانَ
стр. 984
عجزهم دليلًا على عجزِ جماعتهم.
وأما قولهم: إِنه لم يَدَّعِ أنه كلام، ولكن ادّعى أنَّه كلام الله سبحانه، وأنهُ إذا تعددَت منه اللغات، كان أدل على أنه كلامُ الله الذى يُحيْطُ خَبراً بجميعِ اللغَاتِ، وهو المنشىءُ لجميعِها. فلا يلْزَمُ، لأنهُ لو كانَ القصدُ ذلك، لم يقتصرْ على الكلمةِ بعدَ الكلمةِ، وإِنما كان يُطِيْل الكلامَ مِن كلِّ نوعٍ على وجهٍ يكونُ إعجازاً لأهلِ تلك اللُّغَةِ.
فصل
في الأسماءِ المسمَّى بها الأحكامُ والعباداتُ هل فيها شيءٌ منقولٌ من اللغَةِ ؟
وذلك مثلُ: وُضوء وصلاةٍ وحجٍ ونكاحٍ.
وقد اختلفَ فيها أهل العِلمِ من الفقهاءِ والأصولينَ: فذهبتْ طائفةٌ إلى أنها لم تنْقَلْ عَمَّا وُضِعتْ عليه مِن اللّغةِ وهم الأشاعرةُ (١)، وهو يَحْكي بعضَ أصولِنا في قولنا: بأن الزنا ينشرُ تحريمَ المُصاهرةِ، ومُستَندُنا قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] وأخذَ صاحبُنا بها دُوْنَ حَمْلِها على العقْدِ (٢).
وقولُه: إنً اللمس راجعٌ إلى اللَّمْسِ باليدِ، وهو أحدُ الوَجْهيَنْ لأصحابِ الشَافِعي.
стр. 985
وذَهَبَ قوم إلى أنَّ فيها ما نُقِلَ عن اللُّغَةِ إلى وضْعٍ شَرْعي، وهم المعتزلةُ والخوارجُ وجمهورُ أصحابِ الشافِعي (١).
ويُخرَّجُ مِن كلام صاحبنا وأصحابِه مثلهُ، مثلُ قَوْلِهم في الصلاةِ: إنّها إيمان بقولِه سبحاَنه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني: صلاتكم إلى بيتِ المَقْدِس، وجعلُوها إيماناً يحصلُ الإِسلامُ من الكافرِ بفعلِها، ويَخْرُجُ المُسلِمُ من الإِيْمَانِ بتركِها، وجعلوا الأعمالَ كُلها مِن جملةِ الإيمانِ، وجعلُوا أفعالَ الحَجِّ وجملتَه مع إحرامِه حَجَّاً، مع عِلْمِنا بأن أصلَ الإِيمانِ في اللغةِ هو نفسُ التصديق، والحجُّ هو القصدُ، والصلاةُ مجردُ الدعاءِ، وهذا من صاحِبنا وأصحابهِ يُعطي جواز نقلِ الأسماءِ والقول به (٢)، وعليه حَمَلُوا قولَه سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
стр. 986
وتحت هذا الاختلافِ للأصوليين مذاهبُ مبْتَدَعةٌ تتفرعُ عنْ قَوْلِهم بالنقلِ، فإِنَهم لَمَّا قالوا: بأن الِإيمانَ اسم لأعمال وتَرْكُ أفعالا وأقوالٍ، أوجبَ أصْلُهم سَلْبَ اسمِ االِإيمانِ عَن تاركِ الأعمالِ، ومُرْتَكِب المَناهي، فَسَلَبَتْهُ المعتزلةُ اسمَ الإِيمانِ، ولم تدْخِلْة فى الكُفْرِ، بل جعلتْه على منزلةٍ بَيْنَ منزلتين، مع بقائهِ على الأصلِ اللُّغوي، وهو التصديقُ، وسَلَبَتْهُ الخوارج اسمَ الإيمانِ وأكسبتْهُ اسمَ الكفْرِ، وحُكِيَ عن الحَسنِ (١) أنَّه سَمَّى الفُسَّاقَ باسمِ النَفاقِ، قال أحمدُ فيه: كان يُعَظم الذنوبَ، وقال في الخوارجِ؛ وقد سُئلَ عنهم: هَلْ هُم كُفَار؟ فقالَ: مارقةٌ، اتِّباعاً منهُ للحديثِ المرفوع: "يَمْرقُون من الدينِ كمروقِ السهمِ من الرمية" (٢)، وعلى ﵇ لما سُئِلَ عنهم نفى عنهم الكفرَ والنَفاقَ، واختبطتْ هذهِ المذاهب التي أثْبَتَتْ النقلَ غايةَ الاختباطِ، فبعضهم جعلَ نَفْلَ الطاعاتِ وفرضَها، من
стр. 987
الإيمانِ، كأبي الهذيلِ العلافِ (١). وبعضُهم أجرى هذا الاسمَ على فرائِضه دونَ نوافِلِه، وقسموا الإيمانَ أقساماً، فكفروا مَنْ تَرَكَ المعرفةَ والتصديقَ، وفَسقُوا مَنْ تركَ فرائضَ الأفعالِ وارتكبَ نواهِيهَا، ولم يكفِّروه، ولم يُكفروا ولم يُفَسقوا مَنْ ترك نوافلَ الطاعاتِ، وجعلوا أعمالَ الفرائض غيرَ مُحْبطةٍ للمعاصي الموجبةِ للفسقِ، وشَرَطُوا في كونِ أعمالِ الطَّاعاتِ إيمَاناً أن يكون تاركاً للكبائرِ، فإن ارتكبَ كبيرةً حَبطَتْ طاعاتُه، وخَرَجَتْ أن تكونَ مُوجِبةً لإِيمانِ الفاعِل لها.
وذَهَبَ أصحابُنا نحنُ، إلى أنَّه لا شيءَ من الطاعاتِ يُكَفرُ بمجرَّدِ تَرْكِهِ مع اعتقادِ وجوبِه سوى الصلاةِ.
وبعضُ المتأخرينَ في مُصَانَعته في مسائلِ النَّظَرِ، ومجالسِ الجَدَلِ، يُجري المذهبَ على الكُلِّ، وليس بصحيح عن صاحبِ المَقَالةِ، بل الصحيحُ تخصيصُه الصلاةَ. للتسميةِ الشرْعِيَّةِ، ولخصائصَ خَصَّها بها من السنَنِ الواردةِ فيها، وجعلوا جميعَ المعاصي غيرَ مُحْبِطَةٍ لشيءٍ من الطاعَاتِ، واستثنوا مِنْ ذلك ما كان مِنَ المعاصي في نفس شَرْطٍ، كالستْرةِ بالثوبِ المَغْصُوبِ، واستقرارِ القَدَمِ على البُقْعَةِ
стр. 988
المُغْضُوبةِ في الصَلاةِ، وهو أحدُ المذهبين لأحمدَ، وإنما كشَفْتُ ماتفضي إليه مقالةُ القائلِ بالنقْلِ، تحذيراً من سرعةِ الاتباع للمقالاتِ، من غيرِ تَبيين ما في تفاصيلِها من الأخطاءِ، ولزومِ ما عَسَاهُ يُفسِدُ أُصولاً، فإنّ كثيراً من المُتَفَقهَةِ يُسارِعون إلى ذلك، لعدمِ المعرفةِ بما في مَطاوي ذلك.
فصل
في جَمْع الدلائِلِ على أَن فيها منقولاً من اللغة إلى معانٍ وأحكامٍ أَن الإيمان (١) في اللغةِ مجردُ التصديقِ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، و ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، يعني صدق بهما، ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقول النبي ﷺ : "ما آمَنَ بالقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَل مَحَارِمَه" (٢)، ومعلومٌ أنَّه صارَ في الشَرع اسماً لا تقَعُ إطلاقُه ولا يفهَمُ منهُ إلا اجتماعَ التصديقِ والأعمالِ التي هي فروعهُ ودلائلُه وتروكهُ، ولاْ يقالُ في الصدق إلا مُقَيداً، ولا يُسمى تاركُ جميعِ الفروضِ، ومرتكبُ سائرِ الفجورِ مؤمناً، إلا بأنْ نُقَيدَ أنَّهُ مؤمنٌ الله، أو يُتْبَع ذلك بأنه فاسقٌ، فإنَّ الإطلاقَ اسمُ مدْحَة، وقد نَطَقَ القرآنُ بذلك حين قال سبحانه:
стр. 989
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] , وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]
وعَنَى: صلاتَكم إلى بيتِ المقدسِ، وكان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يقولون: قوموا بنا نُؤْمِنْ ساعةً (١). يعنون: الصلاةَ وأفعالَ الخير، والسُّنَن في ذلك ظاهرة عن النبي ﷺ : "الإِيمانُ بضْغ وسَبْعُونَ خَصلَةً، أعلاها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذَى عن الطريق" (٢).
والصلاةُ اسم للدعاءِ المُجَردِ، ومعلوم انها إذا أطْلِقَتْ لم تَقَعْ على دعاءٍ في الشرعِ، لكنها تقعُ على تحريمةٍ، وأفعالٍ تتلوا التحريمَة حتى يُقالَ: إنَّه في الصلاةِ بنفسِ التكبيرةِ المُرتبةِ على شروطِها التى لا دعاءَ فيها، حتى إن للأخرسِ صلاةً ولا دعاءَ في صلاتِه، ولأن الزكاةَ في أصلِ اللغةِ هي الزيادةُ، تقولُ العربُ: زَكَا المالُ يزكو إذا نَما وزادَ، وهي في الشرع: تنقيص وتَخْسيرٌ في المالِ، لأنها إخراجُ بعضهِ على وجهٍ، بقصدِ طاَعةِ اللهِ، بإغناءِ الفقيرِ ومواساتهِ، فهذا منقولٌ إلى الضدَّ لا محالةَ، وما وُجدَ فلا يجوزُ جَحْدُه، وهذا كلُّه قد وُجِدَتْ تسمِيتُه في أشياءَ ليست الَأشياءُ التي وُضِعَتْ لها الأسماءُ اللغوية، ومِمَّا يدلُّ على ذلكَ أن الله سبحانه قد حَدَدَ لنا عباداتٍ لم تكنْ لأهلِ
стр. 990
اللغةِ، ولا عَرفُوها فيضعونَ لها اسماً، فاحتيجَ إلى وَضْعِ أسماء شرعية لهذهِ الأشياءِ المُحْدَثَةِ، كما أنَّ أهلَ الصنائعِ قد حَددُوا أدواتٍ وآلاتٍ لم تكن وحددوا لها أسماءَ، كذلك هاهنا في العباداتِ المُحْدَثَةِ يجبُ أن يُحْدثَ لها أسماء.
فصلٌ
يجمعُ أسئِلَتَهم على هذهِ الأدِلةِ
قالوا: الإيمانُ غيرُ منقول بل هو التصديقُ على ما كانَ.، وإنما المرادُ بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] فإنهُ لم يُرِدْ به صلاتَكم، وما الذي أحوجنا إلى ذلك، وإنما أراد بظاهرِ الآيةِ: ومَا كانَ الله لُيضيعَ تصديقَكُم بالصلاةِ إلى بيتِ المقدسِ.
على أنَّه قد قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وأرادَ بهِ صلاةَ الفجرِ، فسمَّى الصلاة قُرآناً؛ لأن فيها قرآناً، ولا يقالُ: إن القرآنَ اسمٌ نُقِلَتْ إليه الصلاةُ، كذلك تسميتُه الصلاةَ إيماناً لا يُعطي أنه نقَلَ إليها اسمَ الإيمان، وإنما سمَّاها إيماناً، لكونِها من شواهدِ الإيمانِ.
وقولُكم رُويَ عن النبي ﷺ : "الإيمانُ بضْعٌ وسبعونَ جُزءاً أعلاه قولُ: لا إله إلأَ الله، وأدناهُ إماطةُ الأذى عن الطريقِ"، فإنَما هو خبرُ واحد، ونحنُ في أصلٍ عظيمٍ لا يجوزُ الخلافُ فيه، ولا العملُ بخبرِ واحدٍ.
ولو ثبتَ أنَّه قولُ النبي ﵊، وكان طريقُه تواتراً خارجاً عن
стр. 991
الآحادِ لما كان حجةً؛ لأنَ قولَه: "الإيمانُ بضغ وسبعونَ جُزءاً أعْلاهُ قولُ: لا إلهَ إلا الله " نحنُ مُجْمعُونَ على خلافِ الظاهر، لأنَ الإيمانَ عندنا هو التصديقُ بالقلب، وأَنً جميعَ ما ذُكِرَ من القولِ والأفعالِ شواهدُ لو تجرًدت عن اعتقاَدٍ لكانت مُنْحَبِطَةً، وعندكم أنَّ الاعتقادَ إِنْ لم يكنْ ايماناً، وإِنَما هو بعضُ ايمانٍ، فإنهُ أعلى الشُعَبِ، فلم يبقَ إلا أنه ذكَرَ الخِلالَ المعدودةَ من الأفعالِ باسمِ الِإيمان، لأنها شواهدُ على الإيمانِ، كما سُمِّيَ النبى ﷺ باسم ما بعثَ به: ﴿ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو﴾ [الطلاق:١٠ - ١١]، وسُمَّيَ عيسى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]، وهذا وأمثالُه تجوُّزٌ واتساع في الكلامِ.
والذي يُوضِّحُ هذا: نقيضُ الإيمانِ، وهو الكفْرُ، فإِنَهُ الاعتقادُ، وجميعُ الأفعالِ من سجودٍ للصَّنمِ والصليب ولزوم السَّبتِ، أو الأحدِ، على ذلك دلائلٌ وشواهدٌ، وليست منَ الكُفر (١)، ولأنَ الكفرَ ما أعدم الاعتقادَ، فلمّا زالَ الإيمانُ عُلمَ أنّه ليس هو إلاّ التصديق.
وأمَّاقولُكم: إنً لنا عِباداتٍ تتجددُ، فلا بُدَّ لها من أسماءٍ؛ سِيَّما ونبينُا ﷺ بُعثَ إلى الكافَةِ مَن في زمانِه، وكل عصرٍ بعده، إلى يومِ القيامةِ. فليس بلازمٍ؛ لأنه لم يتجددْ في الشرعِ شيء لم يكنْ له في اللغةِ اسم موضوع، وإلا فبَيِّنوا، ما الذي تجدد من المسميات، كعبادةٍ لم يكنْ لها اسمٌ، أو عقد لم يكنْ له اسمٌ؟ ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً.
قالوا: ولأنَّ منْ يُسلِّمُ لكم أن اسمَ الصلاةِ جرى على الأركانِ والأفعالِ، بل لم يَجُزْ عندنا إلا على الدعاءِ فقط، وما خَلَتْ مِن دعاءٍ،
стр. 992
ولو ما تضمنته الفاتحةُ، وهي ركن لا بُدَّ منها، والتشهُّدُ الأخيرُ ركن، وما خلا من دعاءٍ واجبٍ أو ركنٍ، وأمًا الأدعيةُ المسنونةُ والمندوبةُ فكثيرة، ويكفي أن يكونَ فيها دعاء، فتُسمّى به لا لأجلِ الأفعالِ، وما ذلك إلا بمثابةِ الصوم الذي سُميَ به الإِمساكُ عن الأكلِ والشرب والجماع لا لأجلِ النَيةِ، وَالحجُ سُميَ بالقصدِ، ولا ينفكُ الحجُّ من قَصدٍ، لأنه عِدَةُ مناسكَ في أمكنةٍ مختلفةٍ، لا بُدَّ من المضيِّ اليها، والقصدِ نحوها، إذا كان في غيرِها، فَالآفاقي تقْصِدُ مِن دُويرةِ أهلهِ إلى ميقاتِه، ثُمَّ مِن الميقاتِ إلى موقفِ عرفةَ، ثم مِن عرفةَ إلى المزدلفةِ، ثم إلى منى، ثم الى الكعبةِ، ثم السعي بَيْنَ الصفا والمروةِ، ثم العَوْد الى منى، للبيتوتةِ والرمي، وهذه كُلها قُصودٌ، ويندرجُ في إثباتِها الأذكارُ والتروك والتجنباتُ التي وَقَعَ عليه لأجلِها إحراماً، والاعتكافُ ملازمةُ مكانٍ مخصوصٍ بنيةٍ، والايمانُ اعتقاد وتصديق، يستتبعُ أعلاماً ودلائلَ عليه تظهرُ على الأركانِ، ولذلك قال: "بُنِيَ الِإسلامُ على خمسٍ" (١) وذَكَرَ الأقوالَ والأفعالَ، ولو كانت مِن ذاتِ الإِيمانِ لم تكنْ مَبْنيةً عليهِ؛ لأنَّ الشيءَ لايُبْنَى على نفسِه.
قالوا: ولو سلَّمنا لكم أن الأعمالَ نفسَها تُسمى صلاةً، لم تكنْ لكم فيه حجةٌ، لأنها لا تخرجُ عن وضعِ اللغةِ، وذلك أن هذه الأفعالَ متبعٌ بها فعلَ الإمامِ ومُقْتَفٍ بها على أثرهِ، والتالي للسابقِ يُسمى في
стр. 993
اللغةِ المُصلَّي، من حيثُ إنه تالٍ، وذلك يُسمى في السبقِ أوَّلًا ومُصلياً، والزكاةُ الزيادةُ، وقد نَطَقَ القرآنُ بالمضاعفةِ لثوابِها، فما أوقَعَ عليها اسمَ الزكاةِ، إلا بفاعلِ الوضْعِ الذي هو الزيادةُ، وسَقَطَ حكم النقصانِ من المالِ في الحالِ، نظراً إلى الزيادةِ في المالِ، والوضوءُ مأخوذٌ مِن الوَضَاءَةِ، وأصلُه في اللغةِ ما أزالَ الدرَنَ والوَسَخَ، والطهارةُ النزاهةُ، وهذا هو الحقيقةُ مِن الطهارتين: الوضوءُ وإزالةُ النجاسةِ، فأين النقلُ والحالُ هذه؟!
فهذا في باب العباداتِ، وأمَّا العقودُ، فإن النكاحَ: الجمعُ والضمُّ، والعقدُ: جمعٌ بَيْنَ قولين، وجمعٌ بين شَمْلَيْن وثمرتين، ولا يخلو ذلك العقدُ من اجتماعِ أشخاص، وبعد العقدِ يُفضي إلى اجتماعِ أشخاص، والسَّلَمُ استسلامٌ، والضربُ مصارفةٌ، فلا حاجةَ إلى القولِ بالنقلَ.
فصلٌ
يجمعُ الأجوبةَ عن الأسئلةِ على طُرقِنا في نقلِ الأسماءِ.
اما دعواهم أن الإيمانَ مجردُ التصديقِ، وانكارُهم أنَه منقولٌ، فلا تَصِح، لأن الوضعَ الأصلي ينبغي أنْ يكونَ حقيقةً لغةً وشرعاً، فإذا كان الوضعُ اللغوي مُعْتدَّا بهِ وضعاً، فالتسميةُ الشرعيةُ لا يجوزُ أن تَقعَ على أشياءَ أَغْياراً لما وَقَعتْ التسميةُ اللغويةُ عليه، أو مزيدةً إلا نقلاً، ألا ترى أن الاستعارةَ والمجازَ لم تكُنْ بوضعِهم لها على ما استعاروه لها من الأسماءِ، مبقاةً بل مستعارةً، فكذلك الوضعُ الشرعيُ يجبُ أنْ لا يكونَ مُبقىً على ما أريدَ به في اللغةِ، مع قولِ الشرعِ: إنهُ الأفعالُ
стр. 994
المخصوصةُ والأقوالُ، ولا تكونُ الصلاةُ هي الدعاءَ، مع تسميةِ صاحبِ الشريعةِ للأفعالِ صلاةً.
وقولُهم: ما الذي أحوجَنا إلى حَمْلِ الإيمانِ على الصلاةِ؟ فلأنَّ القومَ أظهروا التأسفَ على من ماتَ من أقاربِهم قبلَ النسْخِ، وقد كان صلى إلى بيتِ المقدسِ (١)، وما كان الموتى تركوا الإيمانَ والتصديقَ حتى يتأسَّفوا عليهِ، فترجعَ التسليةُ بنفي الإضاعةِ اليه، بل يندموا على نفي الصلاةِ، فعاد قولُه سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] إليها دون التصديقِ.
وقولُهم: إن خبرَ شُعب الإيمانِ خبرُ واحدٍ، ونحنُ في أصل عظيم لا يثبتُ بمثلهِ. لا يَصِح، لأَنَّ الأمةَ تلقته بالقَبولِ، فصار كخبرٍ متواترٍ، وأصولُ الفقهِ ليس يُطلبُ لها قواطعُ الأدلةِ، ولا حكمُها حكمُ أصولِ الدينِ، ولذلك لا يفسقُ ولا يكفرُ مخالفُنا فيها، ولأنَّ خبرَ الواحدِ من الأصولِ الذي صَلَح للقضاءِ على أصلٍ ثَبَتَ بدليلِ العقلِ، وهو براءةُ الذِّمَمِ من الحقوقِ، فجاءت البيناتُ وهي آحادٌ، وأخبارُ الديانات (٢)
стр. 995
الآحادُ، فشغلت الذِّمَمَ، وأزالت ما كان ثبتَ من فراغِها وخلوَّها بدلائل العقولَ.
وأما حملُهم لها على أنَّها شواهد ودلائل على التصديقِ، ودعواهم أن الإجماعَ منا ومنهم حاصل على أن الإيمان وراء ذلك، هو أمرٌ في القلب، فإن النبي ﷺ لما سألَه جبريلُ ﵇ عن الإسلامِ فسرة بالشهادتين، وعَجبَتِ الصحابةُ مِن سؤالهِ وتصديقهِ، فقال: "ذاك جبريلُ أتاكم يُعَلِّمكُم أمرَ دينكُم" (١)، وما خَرَجَ مَخْرَجَ البيانِ لا يكونُ على سبيلِ التوسعِ والمجازِ والاستعارةِ، وصَدقَ ذلك القرآنُ، حيثُ فسرَ الإيمانَ بقولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وسَاق أفعالَهم مِن الطاعَاتِ، وتَجنبهم للمعاصي الموبقاتِ، وقال: "الحَج عَرَفَة" (٢)، وأرادَ به الوقوفَ، وليس الوقوفُ هو القصد، وقالَ:" الحَجُّ العَجُّ والثَّج" (٣) ففسره بالفعلِ والقولِ، وقال:
стр. 996
"مِفْتاحُ الصَلاةِ الطهُورُ، وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التَسليمُ (١) وقال: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] وإنما رَجَعَ ذلك إلى القراءةِ، والأصلُ في كلامِه ﷺ الحقيقةُ، فمُدَّعِي المجاز عليه الدليلُ.
وأمّا دعواهم أنَّ الكُفر هو الاعتقادُ، فكذلك ينبغي أنْ يكونَ الإيمانُ هو الاعتقادُ، فهذا دفعُ وضعِ الشريعةِ لاسم الإيمانِ بالقياس على الكفرِ. ولأنه ليس إذا لم يتخلَّفِ الإيمانُ بتخلفِ الَأفعالِ، يَدُلُّ على أنَ الأعمالَ ليست من جملةِ الإيمانُ، ألا ترى أنّ الأعمالَ في الصلاةِ والحجِ، والإمساكَ في الصوم، لا تتخلَّفُ العبادةُ بتخلفِه مع زوالِ النيةِ، ولا يَدُل على أن العباداتِ مجردُ نِيةٍ.
وأما جَحْدُهم عباداتٍ تتجددُ، وسؤالُهم عنها، فلا شكَ أنّ العربَ لم تكُ تعرفُ كيفياتُ هذه التعبدات، كمناسكِ الحجِ المخْتلفة، وأركانِ الصلاة، والكفاراتِ المختلفة باختلافِ أسبابِها، ولا الحدودَ المختلفة باختلافِ الجرائمِ، ثُمَ إنّ الشرعَ أوجَبها، وتَعبدنا بها، فلا بُدَّ مِن أنْ يَضَعَ لها أسماء نعرفها بها، فسمّى كُلاً منها باسم: إمَّا موضوع لغيرها، أو جَدّدَ لها اسماً.
стр. 997
وأما تعويلهم على أنَّ الصلاةَ ما خَلَتْ من دعاءٍ والحج من قصدٍ والزكاةَ من مضاعفةِ أجرٍ، والصَّومَ من إمساكٍ، فهذا نظر إلى مالا يستَحِق به الاسمُ شرعاً إلا بانضمام شيء، فلو أتى بالدعاءِ، وتركَ ركناً من الأفعالِ، وأمسَكَ عن كُلِّ مبَاحٍ ومحظورٍ، وقَصَدَ كل مَنْسَكٍ، وأقامَ بكلِّ مكانٍ محترمٍ لكنْ بغير نيةٍ، وغيرِ ستارةٍ وطهارةٍ للصلاةِ، وإلى غيرِ القبلة، لم يَقَعْ الاسم الشًرعي مع وقوع الاسمِ اللغوي في وَضْعِ القَوْم، ومحال أنْ يَكونَ الوَضْع اللغوي مبْقى، وهو ينفى في الشرع، لمكانَ اختلالِ ما اعتبرة الشرع، فما صار الاسم اللغوي بعد وضعَ الشرع ما وضعَ واعتباره لما اعتبرَ من الشروطِ، إلا بمثابةِ المجازِ الذي يحْسُنُ نفيهُ، حتى إنَّه يقالُ للمُمْسكِ من غير نِيَّة: ليس بصائمٍ، وللحاجِّ مع الوطءِ متعمداً: ليس بحاج، لكنه مُفسدٌ للحج، ونقيسه على هذا في صلاةِ المحْدِثِ، فعلِمَ بأن الوَضْعَ منقولً إلى معنى آخر.
ألا ترى أن الوَضْعَ اللغويَ الذي لم ينْقلْ، إذا تشعبَ معناة، لم تَقَع التسميةُ عليهِ إلا مجازاً، كالرُّمح إذا قُلعَ سنانُه قيلَ: قناةٌ، والمائدة إذا رُفعَ الطعام عنها قِيل: خِوان، فصَارَ الحجُّ والصلاة إذا رُفع عنهما بعض أنساكِهما وشرائطِهما، في رفعِ الاسمِ عنهما شرعا بعدما سُمِّيتْ، كالأسماءِ الموضوعةِ لغةً لأشياءَ مخصوصه، لا تقع عليها إذا اختلَّت تسمياتها، مع حراسةِ ما وضِعَتْ لأجلهِ في اللغةِ، وهو القصد في الحج، والدعاءُ في الصلاةِ، والإِمساك في الصومِ.
وأمَّا تعويلهم على أنها سميَتْ صلاة للاتباع، وأن المأمومَ تالٍ ومُتابع، فهذا إنْ وُجِدَ في المأمومِ، يجب أَن يفْقَدَ في الإمامِ
стр. 998
والمنفردِ، كما يفقدُ في كلُّ مبتدىٍء في الرمي والسباقِ وغير ذلك، مما يقالُ فيه: أولُ، ومُصَلِّي، ودعواهُم بقاء الوُضوءِ من حيثُ الوَضَاءةُ، فالغاسلُ أعضاء وُضُوئِهِ بماءِ الوردِ، وَضِيءٌ ومُتَوَضِّىءٌ لغةً، فلِمَ نُفِيَ عَنْهُ الاسمُ شرعاً؟ للإخلالِ بنيةٍ عند قومٍ، وطهورٍ مخصوص عند قوم، وأبدلَ عِند العَدَم بماءٍ يُلَوثُ ولا يَغْسلُ دَرَنَاً، وأجِيزَ بماءِ اُلمدَودِ والآسنِ، ولم يَقًعْ عليهَ الاسمُ، مع حصولِ المعنى اللغوي بالمياهِ المستخرجةِ من الأشجارِ.
وأما تعلقهم في العُقودٍ بالاشتقاقِ، فإن العربَ تُوقعُ الاسمَ على من استسلمَ وأسلفَ، وإنْ لم يدفعْ جميعَ ثمنِ السلفِ في مجلس العقدِ، والنَّكاح يُعقَدُ بَيْنَ مشرقيٍّ ومغْربيه ولا جَمْعَ، وإن اجتمعا حقيقة ومشاهدةً من غير إيجابٍ وقبول واقع عليه التسمية في اللغة، وانتَفَتْ عنه تسميةُ النَّكاحِ في الشرعِ، فأين البقاءُ على الوضعِ اللغوي والحالُ هذا؟.
فصل
يجمعُ ما تعلقوا به من شُبَهِهِم بدعوى ما يحكمُ على أدلتِنا.
فمن ذلك قولُه سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]، وهذا يعني أنَّ القراَنَ جميعهُ عربيٌ، سِيَّما على قول مَنْ يجعلُ للعموم صيغةً، وأنْتُم مِن جُملةِ القائلينَ بالعموم، فاقتضى أنَه ليس في القرآنِ غَيرُ العربي، وجميعُ مادَللتم على نًفيَ اْلنَبَطيةِ والفارسيةِ عنه،
стр. 999
ينبغي أن تستدلوا بهِ على نفيِ نقلِ شيءٍ منهُ عن العربيةِ، إلى ما ليس منها ولا من وَضْعِها، وأجمعت الأمةُ قاطبةً على أن الله لم يَبْعَث محمداً ﷺ إلا باللغةِ العربيةِ، ولا أنْزَلَ كتابَه إلا بالعربيةِ، فدعوى نقلِه عنها، أو نقلِ بعضِه أمر يحتاجِ إلى دلالةٍ صالحةٍ للنسخِ، لأنَ النقلَ مِن لغةٍ إلى لغةٍ، أكثرُ من النَقْلِ من قِبْلَةٍ إلى قِبْلةٍ، ومن سجودٍ إلى ركوع، وما شاكَلَ ذلك من هيئاتِ التعَّبداتِ.
ولو كان قد نقلَه الله من لُغتِهم إلى غيرِها، لبينهُ النبى ﷺ بياناً شافياً، ولو بينهُ كذلك، لنُقِلَ إلينا نقلًا متواتراً، كما نُقِلَ كلُّ ناسخٍ لمنسوخ، وكل ما نُقِلَ إليهِ من الأفعال، كما نُقلَ مَسحُ الخُفينِ بعد إيجاب غَسلِ الرجلين، والجمعةُ رَكعتانِ في وقتِ الظهرِ التي هي أربعُ، وكما نُقِل قصرُ الصلاةِ في السَّفرِ بعد تمامِها في الحضِر، بل الهمة بكلامِ الله، وبيانُ نقلهِ عن وضعِ اللغةِ العربيةِ، من عباداتٍ وأحكامٍ وعقودٍ، أشدُ وأكَثرُ منَ الهمَّةِ بنقلِ همه في فعل أو مقدارِ فعل متعبدٍ به، فهذه دعوى عظيمة تحتاجُ إلى نقل يكشفُها، ودليل يوازيها ويصلحُ لها، وإذا لم نجدْ، فالتمسكُ بما أخبَرَ الله سبحانَه من كونِ كتابهِ عربياً، ولسانِ نبيه عربياً، واجبٌ لا يجوزُ الميلُ عنهُ والتسهيلُ فيه، أولا تراهم كيف شحوا بأن يغيروا التابوتَ من التاءِ إلى الهاءِ، ونافسوا في ذلك من لغةِ هُذيلٍ إلى لغةِ قُريش، فَمُذْ ظهرت فنقلتْ عنهُ المُشاحةُ في تغييرِ حرفٍ من لغةٍ عربية إلى لغةٍ عربية أيضاً، تمسكاً بلغةِ قريش، حيث كانَ النبى منهم، يعلمون أنَ في القرآن منقولًا عن أصل اللغةِ العربية إلى وضع آخرَ، ولا يكشفوَنه ويتلونه كشفاً ونقلًا يليقُ به! فلما كان النَبى ﷺ ، وهو المُخاطبُ بإيجاب البيانِ
стр. 1000
بيَّنَ هذا بياناً شافياً، ولا الصحابةُ الذين لم يُسامحوا في كتاب اللهِ تعالى بحرفٍ، نقلوا ذلك نقلاً متواتراً، يَقْطَعُ العُذْرَ ويُوجبُ العِلْمً، ولا ظَهرَ عنهم إجماع يقطعُ به، عُلِمَ أن هذا توهم من قائلهَ ومخاطرةُ من معتقده.
قالوا: ولأنَه لو جازَ أن يخاطبهم بالصلاةِ، وهي في لغتهم الدعاءُ، وهو لا يريدُ الدعاءَ، والزكاةِ، وهي في لغتهم الزيادةُ، وهو لا يريدُ إلا التنقيصَ والتشعيثَ، وخاطبهم بالحجِّ، وهو لا يريدُ القصدَ، بل الوقوفَ والرميَ والطوافَ والسعيَ، لجازَ أن يخاطبهم بالقتلِ، وهو يريد منهم قطعَ اليدِ أو الجلدِ، ويخاطبهُم بالصومِ، وهو يريدُ منهم الأكلَ والشربَ، وأن يقولَ: اقتلوا المشركينِ، وهو يريدُ المؤمنينَ، فلما لم يَجُزْ هذا لم يَجُزْ أن يُدعى أنهُ أمرهم بما ليسَ في لغتهم، بل هذا أحسنُ لأن جميعَ ما غيرت إليهِ من الأسماءِ لغة لهم، لأنَ قَطْعَ اليدِ الذي نُقِلَ القتلُ إليهِ، والأكلَ والشربَ الذي أرادَ به الصومَ على ما بينا، كلَّه لغتهُم، والذي جعلتم النقلَ إليه ليس بلغةٍ رأساً، فإذا لم يَجُزْ فيما ذكرنا، ففيما ذكرتُم أولى أنْ لا يجوزَ، لأنَّه ليس مِن لغةِ القومِ رأساً.
وقد تكلفَ قومٌ منهم بأنْ نقلوا الوضعَ الأصلي، واستشهدوا عليه بقولِ العرِب، فقالوا: إنَّ الصلاةَ الدعاءُ بدليل كتاب الله، وكلام العربِ في نثرِهم ونظمِهم.
فمن كتاب الله سبحانه قولُه: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ﴾ [التوبة: ٩٩] ومنه سُمَيتْ الصلاةُ على الميت صلاةً؛ لأنها دعاءٌ
стр. 1001
له، وإن لم تَجمعْ رُكُوعاً ولا سجوداً ولا تَشهداً.
وقال الأعشى يصفُ خَمَّاراً وخَمراً:
لَها حَارِس لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَها ... وإن ذُبِحَتْ صَلَّى عَليها وزَمْزَمَا (١)
أي: دعا لها بالبركةِ خيفةَ فنائِها.
وقولُ الآخر:
وقابلَها الرِّيحُ في دَنِّها ... وصلى على دَنِّها وارتسمْ (٢)
يريد: دعا لها.
وقولُ الآخر:
تَقُولُ بِنْتي وقَدْ أزمَعتُ مُرْتحلاً ... يارَب جَنِّبْ أبي الأوصَابَ والوَجَعَا
عليكِ مثل الذي صلَّيت فاغتمضي ... جفناَ فإنَّ لجنبِ المرءِ مُضطَجعا (٣)
стр. 1002
فصلُ
يجمعُ الأجوبةَ عن ذلك إن شاء الله
أمَّا تعلقهم بالآياتِ المُضمنةِ بأنَ الخطابَ عربيٌ والقرآن بلغتِهم، فليس فيه حُجةٌ لمنع نقل أسماء منه، كما لم تمنعْ زياداتٌ لا يمكن إنكارُها، جَعْلَ الاسمِ الذين كان خاصَّا لغيرِها أو لبعضِ ما فيها شاملاً لها، فقال ﷺ : "الحج عَرَفَةَ" (١)، "الحجُّ العجُّ والثج" (١)، ولما سُئلَ عن الصَّلاةِ قال:"صَل معنا" (٢)، وقالَ: "صَلوا كما رَأَيْتموني أصلي" (٣)، ووصفَ الصلاةَ بالأفعالِ، وفعلَها على هذه الهيئاتِ والأركانِ، وحكمَ على من تَرَك ركناً منها بالِإبطالِ والِإحباطِ، ورفعَ عنها الاسمَ بتركِ شرطٍ من شرائِطها، وفعلَ أفعالاً مخصوصةً، وقال: "هذا الوُضوءُ الذي لا يقبلُ الله الصلاةَ إلاّ بهِ"وكررَ وقال:"هذا وُضوئي ووضوءُ الأنبياءِ من قبلي" (٤)، ووقف بعرفة وقال: "مَنْ شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً ونهاراً فقدتم حجه وقضى تفثه" (٥) وأمر بالنداءِ إِلى الصلاةِ
стр. 1003
خمسَ دفعاتِ في النهارِ والليلِ، فلمْ يفعل إلا هذه الأفعالَ المَخصوصةَ، وفي هذا جواب عن مطالبتهم بالنقلِ، وجواب عن تكلفهِم نقلَ اللغةِ بالآي والأشعارِ، لأنَّ ذلك يدلُّ على الوضعِ اللغوي، ولم ننكرهُ، وكيف نُنكِرُ الوضع ونحنُ ندَّعي النقلَ، وهل النقلُ إلا فرعٌ للوضعِ.
وأمَّا إنكارُهم تغييرَ الوضعِ، فذلك دأْبُ القومِ في مجازاتِهم واستعاراتِهم، نقلُ اسمٍ إلى مسمّى غيرِ ما وُضِعَ له الاسمُ، فما جاءَهم إلا بما هو عادتهم في مواضعتِهم، ولا يُشبه ما ذكروه من خطابِه بالقتلِ يريدُ الجلدَ، وبالصومِ يريدُ الأكلَ، لانه لم يَسْبِقْ منه وضْع قبلَ خطابه، وهنا سبقَ منه الأمرُ بالصلاةِ، ولم يؤخر بيانَ ما أمرَ به منها حتى صار البيانُ وضعاً منه، فَوِزانه أن ينقلَ أسماء ممّا ذكرت، فلا يمنعُ من أن ينتقلَ المرادُ من الوضعِ الأول إلى الوضعِ الثاني، وطلبُ التواترِ وكشفُ النقلِ فلا يلزمُ أكثرَ ممَّا نقلنا، لأنَّ حجتَهُ ﵇ كانت ظاهرةً ولم ينقل نَسْخُها (١)، والأذان كذلك، وقنعَ في نقلِ القِبلةِ بالواحدِ ينادي أهلَ قباء: ألا إنَّ القِبلةَ قد حُوِّلت (٢)، وقنعَ في تبليغِ الشَّرع
стр. 1004
والأمرِ بالإسلام بالواحدِ والاثنين يحملون خطابه وكتابَه، وفيه الدعايةُ إلى الِإسلام، وَإنما لم يَنطبقْ النقلُ على البيانِ بحسب اشتهارِه، لأن الناقلينَ قليلٌ، وكان أكثرُ القوم لا ينقلون، ولهم في الَنقلِ مذاهبُ: فقومٌ لا يَرَوْنَ النقلَ بالمعنى والَلب، فلم تكنْ عادَتهم.
وقوم إذا نُقِلَ إليهم شددوا، حتى إن بعضَهم كان يحلفُ على ما ينقلُ وَيرْوي، فلذلك لم يقعْ اشتهارُ النقل، كاشتهارِ بيانِه ﷺ ، وشاهدُ ذلك بيانُ الحج منه على رؤوسِ الأشهادِ، والأذانِ عدةَ دفعاتٍ في الليلِ والنهارِ، وضعفَ النَّقلُ حتى اختلفَ العلماءُ فيه هذا الاختلافَ، ولو طلبنا من النقلِ ما يُوازي المنقولَ في الطهورِ، لوجَب أنْ لا نَقْبَلَ خبرَ الآحادِ في العباداتِ، لاشتهارِها وتكررِها منه ﷺ .
فصل
جامع في المجازاتِ التي سمتها الفقهاءُ المقدرات
يحتاجُ إلى معرفتها، لأنها واردة في الأوامرِ والنواهي، وجميعِ خطابِ الشرعِ من الكتابِ والسنةِ، وهي لائقةٌ بهذا البابِ، وهو بابُ الخطاب.
وهي التعبيرُ عن الأفعالِ بالأعيانِ والأجسام التي يقع فيها، وهي محالٌّ لها، إمَّا إيقاعاً فيها بالأمر، أو تجنباً لها بالَنهي، وذلك مثلُ: قولهِ
стр. 1005
سبحانه: ﴿حُرمتْ عليكُمْ أمهاتُكم﴾ [النساء: ٢٣]. وساقَ ذِكْرَ المحرماتِ، والمرادُ به: حُرم عليكم أفعال وأقوال؛ كالنكاح والجماعِ والاستمتاعِ، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، والمراد به: إمساكُكُم إيَّاها، وتناولُكم منها أكْلًا واستعمالًا، فعادَ النَّهيُ إلى أفعالِنا فيها، ومقصودِنا إلى التناولِ لها والانتفاعِ بها، الذي يَدْخُلُ تحتَ مقدورِنا، إذْ لم تكنْ هي بأعيانِها داخلةً تحتَ مقدورِنا، فتحرمُ ذواتُها علينا.
ومِن ذلك قولُه: "رُفعَ عنْ أمتي الخطأ والنسيان" (١)، والمرادُ به بعُرْفِ اللغةِ: رَفعُ حُكْمِ الفِعْلِ العَمْدِ ومأثمهُ، ويتجوَّز الفقهاءُ فيقولون: رُفعَ مأثَمُ الخطأ، وإنَّما هو رَفْعُ مأثم الفعلِ والذم عليه والعقاب، وقامَ الدليلُ على أنه لا يرتفعُ الغُرْمُ والضَمانُ الثابت بالعمدِ، ولا يجوَزُ أنَّ يكونَ رفعُ عين الخطأ، إذْ عينُ الفعلِ عمداً وخطأً لا يختلفُ في الوجودِ والفناءِ، لانهما عرضان لهما حكمُ سائر الأعراضِ.
стр. 1006
فصل
مما ألحقه قوم بهذا القبيلِ ، وأبى قوم من الأصوليينَ أنْ يكونَ منه مثلُ قولِه ﷺ "لا صلاةَ إلا بطَهور" (١) و" إلا بفاتحةِ الكتاب" (٢) و"لا صيامَ لِمنْ لم يبيِّت الصيامَ من الليلِ" (٣)، "ولا وضؤَ لمنْ لم
стр. 1007
يذكْر اسمَ اللهِ عليه" (١) و"لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ" (٢) وأمثالُ ذلك، فتضمن اللفظُ نفيَ عينهِ عما تضمن في المحرمات تحريمَ أعيانِها، وفي عفوِ الخطأ والنسيانِ عفو عن أعيانِها، ثم إنَ المرادَ به نفيُ أحكامِ أعيانِها، فمن هذا الوجهِ ألحقه أقوام بالفصلِ الأولَ.
وقال بعضُ الأصوليين: هذا موضوعٌ عند أهلِ الجاهليةِ (٣) ومفهوم لهم قبلَ الرسالةِ إليهم والشريعةِ، لِإزالةِ النفعِ بالعينِ، من ذلك قولهُم: لا كلامَ إلا ما أفادَ ونفعَ، ولا عملَ إلا ما أجدى، ولا عشيرةَ إلا ما عصمتْ ومنعتْ، فيكون المعقولُ من قولي: "لا صلاةَ" و"لا صيامَ" معتدٌ بهما منتفع بثوابِهما مجدٍ ومجزٍ، إلا ما كانَ بتلك الصفاتِ، فعُقلَ من ذلك أنه لا تقعُ تلكَ الأعمالُ شرعيةً إلا بالشروطِ والحدودِ المذكورة التي صيرها بنفيها منفيةً.
فهذا هو الأصلُ، وإنْ جازَ أنْ تصرفنا عنه دلالة، فيحملُ النفيُ
стр. 1008
على نفي الفضلِ، كقولِ العرب: لا رجلَ في هذا البلدِ. إذا كانت حالُه مختلةً في السياسةِ، وفيه عالمٌ من الرجالِ. لكنْ قرينة من دلالةِ الحال دلتْ علي نفي رجلةِ السياسةِ، لا رجلة الذكوريَّةِ، وذلك كقولهِم: لا سيفَ إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا عليٌ، ولا طعامَ إلا البر واللحمُ.
فيكونُ في الشرعياتِ: "لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ" من هذا القبيلِ، إذا قامَ بذلك دليل يصرفُنا عن حملهِ على نفي الإجزاءِ إلى نفي الفضلِ، وقد أحالَ القاضي أبو بكر العمومَ في ذلك، فقال: لا يَصح أن يحملَ على نفي الإِجزاءِ والفضيلةِ، وذكر أنَ في ذلك إحالةً وتناقضاً، لأنَ النفيَ لكونِها مجزيةً ومعتداً بها، ينفي كونَها شرعيةً، والنفي لكونِها كاملةً فاضلةً، يوجبُ كونَها شرعيةً معتداً بها، ومحالٌ أنْ يُرادَ باللفظِ الواحدِ عمومُ أمرين متناقضين، أو أمورٌ متنافية، وإنما يحملُ على نفيِ الِإجزاء أو نفيِ الفضلِ، على طريق البَدَلِ كقولهِ تعالى: ﴿وَإذَا حَلَلْتُم فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] يصلحُ أنَ يُحملَ على الإيجابِ من اللهِ سبحانه للاصطيادِ تارةً، وعلى الندْب تارةً، أو على الإِباحةِ على طريقِ البدلِ، فلا يَصِحُ أن يُحملَ علىَ العموم، لما بيْنَ الإيجابِ والندبِ والإِباحةِ مِن التضادِ والتنافي في محتملاتِها.
فصل
ويجبُ أنْ يُعلمَ أنَه ليس كلُّ شرعي مجزئاً، كالصلاةِ التي دخلها بظن الطهارةِ، وبانَ أنه كان غيرَ مُتطهرٍ، وكالحِجةِ بعد الإفسادِ، يمضي فيها مُضياً شرعياً بمعنى مأموربه، ولايقعُ الإِجزاءُ في الموضعين، بل يجبُ قضاءُ الصلاةِ والحج.
стр. 1009
فصل
ويجوزُ أن يُراد بالكلمةِ الواحدةِ معنيانِ مختلفان (١)، ومعانٍ مختلفة، وبه قالَ الفقهاءُ والأصوليون مِن أهلِ السُّنَةِ.
خلافاً لابنِ الجبائي، وفرقةٍ وافقته من أصحابِ أبي حنيفةَ في قولِهم: لا يجوزُ ذلك إلا أن تتكررَ اللفظةُ أو تَرِدَ في وقتين مختلفينِ، يُرادُ بها في أحدِ اللفظين، أو في أحدِ الوقتين معنى وفي الآخرِ خلافهُ.
ومثالُ ذلك فيما يُفيدُ معنىً واحداً، كلونٍ يفيدُ تغييرَ هيئةِ الجسم، وإنْ اختلفتِ الألوانُ بين سوادٍ وحُمرةٍ، وما يُفيدُ معانيَ مختلفةَ المنافعِ والمقاصدِ، كجاريةٍ تقعُ على السفينةِ، والحدثةِ من النساءِ، وعينٍ تفيدُ الذهبَ، وعينَ الماءِ، والعينَ المبصرةَ، وبيضةٍ تفيدُ بيضَ الطائر، والخُوذةَ، ونكاح يفيدُ الجماعَ والعقدَ، والقروءِ تُفيدُ الحيض [والطهر] (٢)، والشفقِ يُفيدُ الحُمرةَ والبياضَ.
والدلالةُ على صحةِ جوازِه، أنَّ كلُّ عاقل يعلمُ أنَّ قولَ القائلِ: لاتنكِحْ ما نَكَحَ أبوكَ، يصحُّ أنْ يُقصدَ به، لاتعقدْ على ما عقدَ عليه أبوك ولا تطأ منْ وطأ أبوكَ، وإذا نهى عن مَسَاسِ النساءِ، حَسُنَ أن يُقْصَدَ به الوطءُ واللمسُ باليدِ، فإنَّ ذلكَ ليس بمُستقبحٍ في النُطقِ، ولا مُستحيلٍ في العقلِ، فمن ادَّعى امتناعَ ذلك فقد ارتكبَ ما يدفعهُ الوجودُ.
стр. 1010
ويقالُ لهُ أيضاً: لِمَ أنكرتَ القصدَ إلى ذلك؟ فإن قالَ: يتعذرُ القصدُ باللفظةِ الواحدةِ إلى معنيين مختلفين، قيل: فقد دَللنا على جوازِه، فانتفاءُ التعذُّرِ ينفي الاستحالةَ.
وإن قال: لأنه لما لم يجُزْ أن يُرادَ بالقولِ "افْعل" الإباحةُ والحظرُ والزجرُ والإيجابُ والندبُ، كذلك هاهنا.
قيلَ له: إنما استحالَ ذلك لأجلِ تضادِّ كلِّ أمرين من هذا القبيل، وعَلِمْنا باستحالةِ القصد إليهما.
فصل
في جميع ما تعلقَ به المُخالفُ
فمن ذلك أنْ قالَ: لو جازَ أنْ يُرادَ باللفظةِ الواحدةِ معنيان مختلفان، لجازَ أن يُريدَ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، المشركين والمؤمنين، وبقولهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] الناسَ والبهائمَ، قال: ولأنَّه لو جازَ ذلك، لجازَ أن يُرادَ بالكلمةِ الواحدِة التي لها حقيقة ولها مجازٌ، حقيقتُها ومجازُها، ولما لم يَجُزْ ذلك، كذلك فيما ذكرتُم من الألفاظِ.
قالَ: ونحنُ نسألكُم عن حقيقةِ هذهِ الدعوى وتفصيلها، فنقولُ: هل يَجِبُ حملُ الكلمةِ الواحدةِ التي يصح أن يُرادَ بها معنى واحد، ويَصِحُّ أن يُرادَ بها معنيانِ على أحدِهما، أو عليهما بظاهِرها وإطلاقِها أم بدليلٍ يقترنُ بها؟
قالَ: وهل يريدُ المتكلمُ بالكلمةِ الواحدةِ، المعنيين إذا أرادهما
стр. 1011
بإرادةٍ واحدةٍ أو بإرادتين؟
فصلٌ
في جميعِ الأجوبةِ
فأمَّا الأولُ: فإنما لم يَصِح، لأنه إنما يصح أنْ يُرادَ مِن اللفظِ ما يصح أنْ يجريَ عليه من المعنى في حقيقةٍ أو مجازٍ إذا لم تكنْ متضادَّةً، واسمُ الناسِ لا يجري على البهائمِ في حقيقةٍ ولا مجازٍ، وكذلك اسمُ المشركينَ لا يقعُ على المسلمين في حقيقةٍ ولا مجازٍ، ولو وَقَعَ على ذلك لصح أنْ يُرادَ.
وأمَّا الثاني: فغيرُ مستحيلٍ، وكذلك صلحَ حَمْلُ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] على العَقْدِ والوطءِ، وكان مجازاً في أحدِهما، اللَّهُم إلا أنْ يريدَ قَصرَ اللفظِ على حقيقتهِ وتعدِّيهِ إلى مجازهِ، فإن ذلك متضادٌّ لا يصحُّ القصدُ إليه.
وأما سؤالهُم الأول: فالجوابُ عنه أنَه بدليلٍ يقترنُ بها، وإنَما اعتبرنا دليلًا، لمكانِ التردُّدِ والاحتمالِ، وذلك سبيلُ كلُّ مُحتمل مُترددٍ لا يُصرفُ إلى أحدِ مُحَّتَمَلَيْهِ إلَا بدليلٍ.
وأما سؤالهم الثاني في الإرادةِ: فإنْ كان المتكلمُ بها هو الله سبحانه فإنَه يريدُه، ويريدُ جميعَ مُراداتِه بإرادةٍ واحدةٍ، كما يعلمُ سائرَ المعلوماتِ بعلمٍ واحدٍ، وإنْ كانَ المُتكلِّمُ باللفظةِ المرادِ بها المعنيَانِ محدثاً فإنَهُ يريدُهما جميعاً بإرادتينِ غير متضادين، وإنَما وَجَبَ ذلك فيه، لصحةِ إرادتهِ لأحدِهما وكراهتِه للآخرِ، فلو كانَ يريدُهما بإرادةٍ واحدةٍ، لاستحالَ أنْ يريدَ أحدَهما دون الآخر.
стр. 1012
فصول الكلام في الأوامر
فصل
في حقيقةِ الأمرِ
وهو الصيغةُ الموضوعةُ لاقتضاءِ الأعلى للأدنى بالطاعةِ ممَّا استدعاهُ منه، وعينُها: افعل كذا أو قُلْ كذا (١).
وقال أبو الحسن الأشعري: هُو قِسمٌ من أقسام الكلام، وهو المعنى القائمُ في النفسِ الذي هو في حقِّ القديمِ واحَدٌ، أمرٌ ونهيٌ وخبرٌ، إلى غيرِ ذلك، وهو في حقِّ المُحدَثِ معانٍ مختلفةٌ، والأمرُ الذي هو قسمٌ منه: ما قولُ القائلِ: افعلْ. عبارة عنه في حقِّ القديم والمُحدث، وحَده عنده المقتضى به الفعل من المأمورِ.
وقيل: ما كانَ الممتثِلُ له مُطيعاً والمؤتمِرُ له مُطيعاً، وخاصيةُ الفعلِ عنده أنَّه اقتضاءُ الطاعة والانقياد بالفعل.
قالوا: وإنْ قيلَ: طلبُ الفعلِ على غيرِ وجهِ المسألةِ، وكان ذلك صحيحاً، ليفرقوا بينَ الرَّغبةِ والسؤالِ، وبينَ الأمرِ.
стр. 1013
والدلالةُ على هذا، هو الدليلُ على إثباتِ الكلامِ حروفاً وأصواتاً.
ونَخُصُّ هذا الفصل بما يحتملُه الكتابُ مِن الدلالةِ، فنقول: بأن العربَ قسمتِ الكلامَ أقساماً، فقالوا: اسم وفعلٌ وحرفٌ، ووَسَمُوه بسماتٍ لا يحتمِلُها إلا النطقُ، دون ما قامَ في النفسِ.
فقالوا: الاسمُ ما دخلَه الألفُ واللامُ، وما كان عبارةً عن شخصٍ، وما حَسُن فيه التصغيرُ، وما حَسُن فيه التَّثْنيةُ، وما إخبِرَ بهِ أو عَنهُ.
وهذا كلُه لا ينطبق إلا على النُّطقِ، ولما جاؤوا إلى ما تَحْتَ هذه الثلاثة الأنحاء قالوا: أمرٌ ونهيٌ وخبر واستخبارٌ ونداء وتمن، ثم قالوا: فالأمرُ: قول الأعلى للأدنى: افعلْ، والنهيُ: قولُه له: لا تفعلْ، والخبرُ: زيد في الدارِ، والاستخبارُ: أزيدٌ في الدارِ؟ والتمني: ليتَ وليتني، والنداءُ: يا زيدُ أقبلْ، وصرفوا مِن هذا الكلامِ أنواعَ التصريفِ، وقالوا في الترخيمِ: يا فُلْ مِن فلان، ويا صاحِ من يا صاحبي، فحذفوا في الترخيمِ حرفاً أو حرفين أو حُروفاً من آخرِ الاسم. وقالوا في النُّدبةِ: يا سَيِّداه يا أبتَاه، فزادوا حرفَ الهاءِ، فطلبوا بالأولِ التعجلَ، وبالثاني التفجعَ، لأنَ حرفَ الهاءِ يخرجُ من الصدرِ وهو محلُ الحزنِ والكمدِ.
وقالوا: لعلً للترجّي، وما أحسنَ زيداً للتعجب، وليتَ للتمني، وهذا كلُه مبنيٌّ من حروفٍ وأصواتٍ، ولأنً العربَ لا تصفُ بالعاهةِ في محلٍّ إلا وصحةُ ذلك المحلِ يُضَادُّ العاهةَ، كقولهم: أعمى لِمَنْ كانت العاهةُ في محلِ بصرهِ، وأطروش لِمَنْ كانت العاهةُ في محلِّ سمعهِ، وقد قالوا: أخرسُ لمن كانت العاهةُ في محلِّ نطقهِ، والخَرَسُ ضد
стр. 1014
الكلام، كما أن العَمى ضد صحةِ البصرِ، فثبتَ أنَّ الكلامَ ما كان في محَلِّ الخَرَس، وهو النطقُ.
ولأنَّ الإجماعَ منهم حاصلٌ على أنَّ للكلام صفاتِ مدح وصفاتِ ذمٍ، فالمدحُ كقولهِم: فصاحةٌ وبيانٌ، وفي المَتكلمِ، فصيح ومبين وناطقٌ وخطيبٌ ومِصقَعٌ، والاختلالُ فيه والذمُّ، اللكنَةُ والفَهَاهَةُ والعِيّ، والمتكلمُ، عييٌ وألْكنُ، والكُلُّ إنما يرجعُ إلى الحروفِ والأصواتِ وإلى مَنْ جَوَّدَ في النُّطقِ وقَصر فيه، دون أن يُعادَ إلى النفس أو إلى ما فيها.
وقسموا ما في النفسِ إلى هاجس وخاطر، وفكرٍ، وأَجْروا اسمَ الأمرِ على النطقِ والاستدعاءِ بالقولِ خاصةً، فقالَ دريدُ بن الصِّمَّة (١):
أمَرْتُكُم أمْرِي بمُنْعَرجِ اللِّوى ... فلم تَسْتَبْيِنوا الرشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ
فقلتُ لهم ظُنوا بَألْفَيْ مدجَّج ... سَرَاتهم في الفارسيِّ المُرَدَّدِ (٢)
стр. 1015
وقولُ عمرو بن العاص لمعاويةَ رحمة الله عليهما:
أمرتُكَ أمراً حازماً فعصيتني ... وكان من التوفيق قتلُ ابنِ هاشم (١)
وقول الحُبَاب بن المنذر ليزيدَ بنِ المهلب:
أمرتُكَ أمراً حَازِماً فعصيتَني ... فأصبحتَ مَسْلوبَ الامارِة نادما (٢)
والمعصيةُ لا تُقَابَلُ، ولاتصحُ إلا في الأمرِ الذي هو النطقُ، وليس يجوزُ أن يكونَ هذا التوسعُ والمجازُ، ويكونُ الحقيقة قولهم: (إنَّ الكلامَ من الفؤاد) هو الحقيقةُ، كما أن جميعَ الصنائع لاتجذب إلى محالِّها من الأجسامِ صوراً وأبنيةً ونجارةً، إلا بعد أن تُشَكَّل في النفسِ صورُها ومقاديرها، وكم تضاف الأفعالُ إلى آلات ومَحَال، والحقيقةُ في ذلك لغيرِها، فمن ذلك إضافتُهم القتلَ إلى القلمِ، كإضافتِه إلى السيفِ، وقولُهم: قَتَلَ فلانٌ فلاناً بقلمِه، والمرادُ به: تسببَ بالقلمِ والسعيِ عليه، والحقيقةُ للسيفِ، ويُقال للساعي: قتلَه بلسانهِ، وجارحةُ القتلِ يدُ المباشرِ دونَ لسانِ الساعي، فليس قولُهم: إن
стр. 1016
الكلامَ من الفؤادِ إلا من هذا القبيل.
ويَشهدُ لذلك قولُه سبحانه في الأمرِ خاصةً: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] فأخبرَ أن أمرهُ حرفان، وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] ولم يتقدمْ مِن القولِ إلا اسجدوا، فدَل على أنَه هو الأمر وقال لابليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقال لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] فلما أكلَ قالَ له: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] ومقام الأمرِ صيغةُ قوله: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
فصل
في جمعَ ما تعلقوا به
قالوا: إذا ثَبَتَ أن الكلامَ معنى قائم في النفسِ، وهذهِ الحروفُ والأصواتُ عبارة عنه، دَخَلَ الأمر في الجملة، لأنه ضربٌ من الكلامِ وقِسْم من أقسامِه، والذي يثبتُ به ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [المجادلة: ٨] وقولُه سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]
والكذب لا ينطبقُ إلا على الخبرِ، ولو أطبِقَ على القولِ الذي هو الشهادة، لكان تكذيباً لكلمةِ التوحيدِ، ولا يجوز ذلك، لم يبقَ إلا أنه عادَ إلى ما في أنفسِهم من الخبرِ. وقال الشاعرُ:
стр. 1017
إن الكلامَ مِنَ الفُؤادِ وإنَّما ... جُعِلَ اللِّسانُ على الفُؤادِ دَليلا (١)
والعربُ تقولُ: في نفسي كلامٌ.
فصلْ
في جمعِ الأجوبةِ عَمَّا ذكروه
أمَّا الآيةُ الأولى، فإن فيها ما يقابلُها، وهو قولُه: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، يعني بما ننطقُ به، فليس بأنْ يكونَ أَحدُهما الأصلَ، بأولى مِن أنْ يكونَ الآخرُ، هذا أدنى أحوالِ الجوابِ فيقفُ استدلالُهم منها، وأعلاهُ أن تكونَ الحقيقةُ هو الثاني، لأنَّه الذي ينصرفُ الإطلاقُ إليه، فإنهُ إذا قالَ القائلُ: قلتُ، وقالَ زيد، وقلتُ قولاً، وقيلَ لي. لا يعقلُ منه إلا النَّطقُ، وإذا عزى إلى النفسِ كان اتساعاً، لتشبيهِ ما يهجسُ في النفسِ، لأن الهاجِسَ في النفسِ كالناطِقِ، والذي يُوَضحُ صحةَ ما تعلقنا به من التأويل، قولُه تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] فأثبتَ أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وعند هذا القائل أنَّه لا ينطقُ اللسانُ إلا بعبارةٍ عما في النفسِ.
وأمَّا الآيةُ الأخرى، فإن التكذيبَ عادَ إلى قولِهم الذي أخْبروا به
стр. 1018
عن معتقدِهم، فكذَّبهم في دعواهم أنَّهم يُصَدِّقونه فيما جاءَ به، لأنَّ معنى قولِهم: نشهدُ، أي نعلمُ ونتحققُ إنَّكَ لرسولُ الله، فكذَّبَهم الله في قولِهم، لا في اعتقادِهم، لأنَّ قولَهم لما تضمنَ الإخبارَ عمَّا في نفوسِهم من التصديقِ كذبَهم الله في ذلك.
وأمَّا قولُ الشاعرِ: إنَّ الكلامَ مِن الفؤادِ، فصِدْقٌ، وإنَّه لا يتكلمُ مُتَكَلِّمٌ إلا بعدَ أن يُصَوِّرَ في نفسِه شيئاً يتكلمُ عنه، وانما كان حجةً أنْ لو قالَ: إن الكلامَ في الفؤادِ، ولم يقُلْ، ولو قالَ لكانَ مجازاً، مثل قولِ قائلهم: في نفسي بناءُ دارٍ، ونجارةُ بابٍ، وإدارةُ دولابٍ، وإنما يريدُ به في نفسي أن أبنيَ داراً، كذلك يكونُ قولُه: في نفسي كلامٌ، وإنَّ الكلامَ من الفؤادِ، تقديرُه: في نفسي أنّ أتكَلمَ، وهي القصودُ والعزومُ، وتصديرُ ما يُرادُ أن يظهرَ مِنَ الأعراضِ النَّفْسانية بالكلامِ، وقد أضافوا النُّطقَ إلى العينِ، فقال شاعرُهم:
تُخبرُني العَيْنَان مَا القلبُ كاتمٌ ... ولا خيرَ في الشَّحناءِ والنَّظَرِ الشَّزْرِ (١)
وقالَ الآخرُ:
فقالتْ له العينانِ: سمعاً وطَاعَةً (٢).
ويقولونَ: في وجهِ فلانٍ كلامٌ. أي في وجههِ أمارةٌ أنَّه سيتكلمُ.
ومِن ذلك إضافتُهُم القتل إلى القَلَم، فقولُ القائل: ما قتلتُ فلاناً إلا بقلمٍ، حيثُ كانَ الكتابُ عاملاً ومُهيئاً لأسباب أوجبتِ القتلَ،
стр. 1019
وإذا رجعَ إلى الحقيقةِ كان القاتلُ السيفَ لا القلم، كذلك إضافةُ الكلام إلى الفؤادِ مع إضافتهِ إلى اللَّسان، فاللسانُ: هو الآلةُ في الحقيقةَ وما قبلَه من القلب مجازٌ، وما بعده من إشارةٍ ورمزٍ بالعينِ مجازٌ، والحقيقة اللسانُ، بدليَلِ ما قدمنا من الدلائلِ.
فصلٌ
واعلم أن الصيغةَ التي حَصَلَ الاتفاق من القائلينَ بأن الأمرَ صيغةٌ على كونِها أمَراً، هي لفظةُ: افعلْ، إذا صَدَرَتْ مِمَّن تَلْزَمُ طاعتهُ، وهو المعبَّرُ به عن الأعلى، وذلك هو قولُ السيد لعبدِه أو السُّلطانِ لآحادِ رعيتهِ: ادخلْ واخرج وقمْ.
وتوهَّم قومٌ أنَّ الرتبةَ قرينة، وقال المحققون: إنها لم تُسم أمراً إلا لوجودِها من الأعلى للأدنى، فليست الرتبةُ قرينةً، لكنها شرطٌ، لكونِ الصيغة أمراً، كما لا يكونُ تسميةُ قولِ الممهدِّدِ: افعلْ ما شئتَ، تهديداً بقرينةٍ.
والفرقُ بينَ القرينةِ وبين نفيِها، أن ما كانَ موضوعاً لشيءٍ، فصارَ بما انضمً إليهِ لغيرِ ذلك الموضوع، فهو الذي استحقَّ الاسمَ بقرينةٍ، مثلُ صيغةِ الاستدعاءِ من الأعلى للأدنى إذا لم نَقُلْ إنها للوجوب، فقارنَها تهديدٌ أو وعيدٌ علىٍ التركِ، صارت أمراً موجباً بعد أن لم تكن موجبةً، وما لا يكونُ قرينةً، مثلُ لفظةِ: افعلْ، إذا صَدَرَتْ عن الدونِ للأعلى قيلَ: سؤالٌ ورغبةٌ، واذا وُجِدتْ من النَّاهي الزَّاجرِ عن الفِعلِ قيلِ: تهديدٌ، ولا يقال: إن الصيغةَ خَرجَتَ عن الأمرِ بقرينةٍ دونَ رتبةِ القائل عن الأمرِ إلى السؤالِ والرغبة، ولا خرجتْ عن الأمرِ بالوعيدِ إلى التَهديدِ، بل هي موضوعةٌ في كلُّ محل حقيقة لمَا وُضِعَتْ لهُ، فهي من الدّونِ حقيقةُ سؤال، ومن المُتَوَعدِ حقيقةُ تهديدٍ، ومن
стр. 1020
الأعلى للأدنى أمرٌ، وهذا مسموعُنا من أئمةِ الأصولِ واللغةِ وأهلِ العربية المُعْتَدِّ بأقوالِهم، ومفهومنا مِن الكتب المُعَوَّلِ عليها، فلا نُصْغي إلى قولِ من يقولُ: إنَّ الصيغةَ مشتركةٌ. فهذا افتئاتٌ على اللغةِ وخطأ.
ولقد بالغ بعضُ مشايخنا، فقال: مَنْ زَعَمَ أن قولَ القائِل: افعلْ، صيغةٌ متردِّدةٌ بيْن الأمرِ، والتَّهديدِ، والإيجابِ، والندب، والرغبةِ، والسؤالِ، بمثابةِ مَنْ قال: إن قولَ القائل: يا عفيفُ بنَ العفيفةِ، يا كريمُ بن الكريمِ، موضوعٌ للشتمِ والمدحِ، من حيثُ أنَّ نفسَ الصيغةِ تَرِدُ في التعريضِ للشتمِ.
فهذا فصل يكفي مؤنةً كثيرةً مِن توهماتِ المتفقهةِ، وُيزيلُ شُبُهَاتٍ قد تَخَمرَتْ عندهم.
وهذا الذي ذكرهُ هذا الشيخُ دافعٌ للشُّبهةِ، لأن غايةَ ما يُوهمهم أن الصيغةَ مشتركة، إن الحروفَ واحدةٌ، وبنيةُ افعلْ بنيةٌ واحدةٌ، وإذا سُمِعَتْ مِن وراءِ حجاب لم يُعقلْ ما المُرادُ بها، وهل القائلُ لها مهدِد أو آمرٌ أو نادبٌ أوسائل؟
فيُقالُ: إذا رَجَعْتَ إلى أصلِ الوَضْعِ في قولِ القائل: افعلْ، فإنكَ تَعْقِلُ المرادَ به مِن لفظهِ، وأنَّه مُستدعٍ للفعل مثلُ سماعِك قولَ القائلِ: يا عفيفُ ويا كريمُ، فإنهُ موضوعٌ للمدحِ، واستعمالُ مثلِ الصيغة في محلٍّ آخرَ، لا يُقالُ إنَها تلك اخرِجَتْ إلى ضِدَّها، بل تلك موضوعة في حالِ الخصومةِ للذم، وفي حالِ الواعدِ للتهديدِ والزجرِ، فأمَّا أنْ تكونَ اللفظةُ الواحدة أمراً وزجراً، فمعاذَ الله.