← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فَعُلم بذلك أَنَّ التكليفَ حصل بعد عَودِ العقلِ وحصولِ الإِفاقة. وقد تكون التكاليفُ بعد حُصول أسبابِ سبقت، لا من جهةِ المكلفِ ولا من فِعله رأساً، ولا كَسْبَ له فيها؛ كَإيجاب الاغتسال على الحائضِ بعد انقِطاعِ الدم، وإن كانَ جريُ الدمِ ليس من كَسبها، فأوجبَ (١) الغُسلَ مستنداً إلىَ ذلك، وكذلك وجوبُ قَطع القُلْفَة التي وُجدت من خَلقِ اللهِ سبحانه، فتناولَ التكليفُ إزالتَها وقَطعَها بعد البلوغِ بنفسِهِ، وقبلَ البلوغِ خِطاباً لوليّه، فَلسنا نمنعُ أمثالَ هذا، وإنما نمنعُ الخِطاب لهم (٢) في حالِ الغَيْبة، وزَوالِ العقلِ. ولأنه قد يكونُ فِعلُ البهيمة، وقَتلُ الخطأ، وحُكم الحاكم، وفُتيا المُفتي، أسباباً لوجوب أفعالٍ على غيرِ الفاعلينَ لها، لا لأن فعلَ البَهيمةِ وفعلَ قاتل الخطإِ داخلانِ تحتَ تكليفِ العاقلةِ وصاحب البهيمةِ، لكن جاءَ الشرعُ بذلك تحكماً منه، ولم يلجئنا (٣) ذلك أَن نقولَ بدخولِ هذه الأفعالِ تحت التكليفِ، فبطلَ أن يكونَ وجوبُ القَضاءِ لحكايةِ ما مضى من العباداتِ الواجبةِ في الأزمانِ الماضيةِ في حالِ الغَلبَة والسّكر والصَغر، وجوباً يدل على تَقدم التكليف. فأما توهّم من تَوهم أن حدَّ السكران إنما وَجب عليه بسببِ أَدْخَلَه على عقلِهِ وهو السُّكر، فإنه باطلٌ، لأن السّكر من فِعل اللهِ تعالى وليس من كَسْبِ العَبْدِ وَمقدوراتِه مباشَراً ولا مُتولداً (٤)، فأما استحالةُ ابتدائِهِ

стр. 107

لفعلِ السُّكر في نفسهِ فباطلٌ باتفاقٍ، وأما امتناعُ كونِهِ مولِّداً لفِعل السُّكرِ بسببِ كان منه فظاهرُ البطلانِ، لأنه لم يكن منه إلا الشرب، وشُربه للماء وسائرِ المائعاتِ من جنسِ شُربه الخمرَ العَتيق، فلو ولَّد أحدُ الشُربين لولد الآخر، لأن الشيء إذا ولدَ عند أصحاب التولُّد وَلَد مثله، ولو ساغ القولُ بأن الشرب يُولَد السُّكرَ، لساغ أن يقال: إن الأكلَ والشربَ يولدان الشَبعَ والريَّ، وأن الوَجْبةَ (١) تولَد الموتَ، وكل هذا باطل. وأصلُ القول بالتوليد عند أهلِ السنةِ باطل، خِلافَ المعتزلةِ (٢) وأهلِ الطبع، فإنه لا تَوتُدَ في فعلِ اللهِ سبحانه ولا فعلِ الخلقِ، فسقط ما طلبوه، ولا يسُوغ أيضاً لأحد أن يقولَ: إن السُّكْر إنما وجب وتولَّد عن ذاتِ الشراب؛ لأنه جِسم من الأجسام، والأجسامُ لا تُولَد شيئاً، ولأنه لو تولَد السُّكر عن ذات الشراب، لكاَنَ فِعلًا لله سبحانه؛ لأنه فاعل الجِسم الذي هو الشرابُ، وإذاً لم يُحد السكرانُ لسببٍ كانَ منه وأمرٍ أدخله على نفسه. ولو قيل: إنما حُدَّ لأنه شَربَ، وانه قد أجرى اللهُ العادةَ بفعل السكرِ عندَ تَناولِهِ. لكان ذلك أولى، إلا أنه لم يكن محدوداً إلا على

стр. 108

شَيءٍ فعله مع العقل لا مع زوال العقل، لأنه يَشرب وهو عاقل مُميز. فصل ومما تَعلَّقوا به علينا في نَفي تَكليف السكران، قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ونهيه للسكارى عن الصلاةِ وقُربانِها، إثباتُ تَكليفٍ لهم وصَرفُ خطابِ إليهم، وذلك مُبطل لما أصلتم من نَفي الخِطاب لهم والتَكليف. قيل: إذا تأملتُم الأدلّةَ التي تَقدَمت، رأيتم أنها صارفةٌ لها عن ظاهرها، ووجبَ بتلك الأدلةِ أن نتاولها على وجهٍ يوافقُ تلك الأدلةِ الصحيحةِ، والتأويلُ لها ينصرفُ إلى وجوهٍ عدة: منها: أن السكْر الذي صَحَ صرفُ الخطاب نحو صاحبهِ؛ هو السُّكر الذي يحصلُ معه نَوعُ تخليطٍ في الكلامِ، ولا يُزيل العقلً زَوالًا يمنع فَهم الخطاب، وذلك ليسَ بمانعٍ عندنا، فهو كالنُعاس بالإِضافةِ إلى النوم، ولا يَمنع شيئاً من التَكليف، ولهذا علامة نَذكُرها؛ وهي (١) نَشوةٌ يتحرك مَعها بتصفيق وإنشادٍ ورَقصٍ، كانَ يتماسك عنه حالَ صَحوهِ قبل النَشوة، ويراه قَبيحاً من نَفسِه وغيرِه، فهذا إذا نُبه تَنبه، وإذا فُزِّع فَزِع، وَيجتنِبُ المضارَّ ويَتطلَّبُ المنافعَ، فهذا يَحسُن أن يُقال له: يا هذا، لا تقرب المسجد ولا تَدخل في الصلاة، حتى تَتماسكَ وتَصحو عن هذه النَشوة. ويحتمل: لا تَشربوا شُرباً يؤدي بكم إلى حالٍ تدخلوا بها

стр. 109

المساجد والصلوات، مثل قول القائل: لاتَدخل الصلاةَ ذاهلًا ولا ساهياً. بمعنى: تَيقَظ وادخُلْ، ولا تَدخل الصلاةَ عَطشاناً. أي: اشرب وادخُل. كذلك ها هنا، المراد به: لا تَشرب شُرباً يؤدي بك إلى التَخليط وتَدخل الصلاة. فكأنه قال: لا تشربوا شُرباً يؤدي بكم إلى التَّخليط. وهذا كان في أوقات الشُرب قبل النَسخ. وقد قيل: لا تَقربوا الصلاةَ وأنتُم سُكارى من النوم والاستثْقال (١)، حتى تَستيقظوا استيقاظاً يَزول معه ثِقَل النوم، ويكمُلُ مَعه تَمييزكُم لما تَقولون، ونَشاطكم فيما تَعملون. ويحتمل أنه قال للصُحاة: لا تَقربوا الصلاةَ وقد شَرِبتم شُرباً، عساكم تجوزون تَخليطَ الأقوال في صَلاتكم (٢). وقد قيل: إن رَجلاً تَقدم في الوَقت الذي كانت مُباحة، فَخلَّط في سورةِ الكافرين، وأقام الفاتِحة وأعمال الركعة، فَنزلت (٣). ومن أقامَ أكثرَ أقوالِ الصلاةِ وأفعالِها لا يكونُ خارجاً عن حَيِّز التكليف (٤). فصل واعلم أن المُكره داخلٌ تحت التَكليف، على أنَ فيه اختلافاً بينَ الناس؛ وذلك أنَّ المكره لا يَكون مُكرهاً إلا على كَسبه وما هو قادرٌ

стр. 110

عليه؛ نحو المكره على الطَلاق والبَيعِ وكلمةِ الكُفر، وكل ذلك إذا وَقع فهو كَسبٌ لمن وَقع منه، وواقع مع عِلمه به وقَصده إليه بِعَينه، فيصحّ لذلك تَكليفه، كتكليف ما لا إكراه عليه فيه. وزعمت القَدَريًة (١) أنه لا يصحُ دخولُهُ تحتَ التكليف؛ لأنه لا يَصح منه غير ما أكره عليه. وهذا قولٌ باطلٌ من وجهين: أحدهما: أنه قَد يصح منه خِلاف ذلك؛ لأنه عندهم قادرٌ على ما أكره عليه وعلى ضِده وتَركه، فلو شاءَ فَعَلَ ضِده والانصرافَ عنه، ولتحمل الضرر وكفَّ عنه، فسقط ما قالوه. وغاية ما فيه أنه يشق عليه، ويتكلًف ما يُضاده ويَثقل، وهذا مما يجانسُ التَكليفَ، فأما أن يُضادّه فلا؛ لأن التكلفَ أبداً إنما هو لفعلِ ما يَثقل وَيشق. الوجه الثاني: أنه ليس كل من لا يَصح منه الانصراف عن الفِعل يمتنع تَكليفُه؛ لأن القادرَ عندنا على الفِعل من الخَلق لا يصحُ منه الانصرافُ عن الفعل في حال قدرتِهِ عليه، لوجوب وجودِها مع الفعل وإن كان ذلك يصح منه، بمعنى صحِة نيته (٢)، وأنه لا يصح كوُنه قادراً على ضِده بدلاً منه، ومع ذلك فإن تكليفَه صَحيح.

стр. 111

فصل وذهبَ كثير من الفقهاء إلى نَفيِ دخولِ فِعل المكرَه تحت التكليف، واعتلّوا بأنه واقع من فاعِله بغير إرادةٍ له ولا قصد إليه، فصار بمنزلةِ فعلِ النائمِ والمغلوبِ اللَّذين لا قَصد لهما، وهذا باطلٌ باتفاق الأصوليين؛ لأن مُطَلَق زَوجته وقاتلَ غيرِه عند إكراهه على ذلك، عامدٌ لما يَفعله، عالمٌ به، قاصدٌ إليه، مختار له على وقوع المكروه به من جهة مُكرِهِه، مُرجَح لأسهلِ الأمرينِ عنده على أصعبهما، وهو طلاق زوجته وقَتلُ غيره توقيةً لنفسه التي هي أعزُ عِنده من زَوجته ونفْسِ غيره. والذي يدلُّ على قَصدِه ودخولِ فِعله تحتَ التكليف؛ مَنعُ الشرعِ له من قَتل البريء المكرَه على قَتله، وإلحاق الوعيد به على إيقاع القَتل به، وبهذا النهي والوعيد والتأثيم قد بان أن اللهَ سبحانه يصحّ أن يُكلفنَا تركَ كل ما نُكره على فعلِه، حسبما كلًفنا تَرْكَ قَتلِ البريء، وإنما رَخَّص لنا قولَ كلمة الكُفر تَسهيلاً منه علينا ورفقاً بنا (١)، وليسَ دخولُ الرِّفق رُخصةً وسُهولةً مما يمنعُ دخولَ التكليف، كما رَخص لنا في المَرَضِ الإِفطارَ، ولم يمنع ذلك تَكليفَه لنا الانزجار عن التداوي بما حَرم علينا، وأمْرَه إيانا بالصلاةِ بحَسْبِ الطاقة. فإن قيل: فكيفَ يجتمع الإِكراهُ والقصدُ وهما ضِدان أو كالضدين، ولذلك لا يَحسن أن تَقول: ما أردتُ كلمةَ الكفر لكن

стр. 112

قَصدتُ كلمة الكفرِ حال إكراهي. وما الفَرق بينَ المكره والمُختار إذا جَعلتَ المكرَه قاصداً والمختارَ قاصداً؟ قيل: هذا أمرٌ غامضٌ عند أكثر الناس، مُشتبه عليهم، ونحن نكشفه ونُخرجه إلى حَيِّز الوضوح بعون الله، فنقول: إنَّ المُكرهَ قاصدٌ دفْعَ المكروه بالفِعل والقول الذي أكره عليه، وهو غير مُطلَق الدواعي والإِرادات، بل مقصورُ الدواعي، وقد يكره على قَتل من يَودُّ وُيؤْثِر أنَه لا يقتلُهُ، وأنه لو وَجد خلسةً أو طريقاً للتخلص من قَتله لسلكه مبتدراً، وطار إليه هارباً، وطباعه تبكي على ذلك الشخص، ثم إنه يشهد ما يلحقه من الضرر، وَيزِنُه بالضرر الحاصل بالحزن على المُكرَهِ على قَتله، فَلجأ إلى دَفع أعظم الضررين، وهو إزهاق نَفسه وتعذيبها بالجراح، وقَبِل (١) الارتفاقَ بأيسرِهما؛ وهو مَضرتُهُ بغَمِّه وخزنه الداخِلَيْن عليه بالإِضرار بمن لا يَستحق الِإضْرار. ولنا دواخل من هذا الجنس يتحير مَعها العقلُ، مثل رَوم تناولِ الدواءِ المُر الكَريهِ ريحُهُ وطَعمُهُ وفعلُهُ في النفس، لما يَلحظه المَتداوي من الخَوْفِ على نَفسِهِ من الأمراضِ الممتدةِ الآلام، ولربما كانَت مُزهقةً للنفسِ، فهو مُريدٌ لشربهِ لا لِعَينه، لكن متحَملاً كُلفةَ الألمِ والضرَرِ اليَسير، لدفعِ الألم والضرر (٢) الكثير، فهذا وأمثائه من بَطَ الدُبَيلة (٣)، وقَطعِ اليدِ المتَأَكِّلةِ، تَتحير العقول مَعه بالبادرة، وتَنتهي إلى

стр. 113

اختيارِ دفعَ الآعلى من الضررين بالأدنى. فصل قال المُحققون: ولا فَرق بين الِإلجاء والِإكراه من جهة اللغة. وقال قومٌ: الِإلجاءُ أبلغ، وهو أنه ما خيف مَعه القتل، والإِكراه: ما يكون مَعه الخوف فيما دون النَّفس. وقال بعض القَدَرية: الإِلجاء: ما لا يكون معه إلا داع واحدٌ إلى فعلٍ واحدٍ. والإِكراه: ما يَصح أن يكونَ معه داعٍ إلى الًفعل وإلى خِلافه وضِده. وأهلُ اللغة لا يَفصلون بين الِإلجاءِ والإِكراه، والقَهرِ والإِجبارِ، والاضطهادِ والحمل، كُل ذلك عندهم بمعنىً واحدٍ؛ وهو البعثُ على اكتساب ما يُكره وقوعُه، ولو تُركَ وسَوْمَ دَواعيه لما فَعله، بل كانَ معه في النفَسِ زاجرٌ يزجُرُه عنه، فلا وجه للافتِئات على أهلِ اللسانِ في الأسماء الموضوعةِ، وهم الأصل فيها. فأما المعنى؛ فما يُنكِرُ أحدٌ أن يكون فيما يُخَوّف به المكرَه، وهو خَوف على النفس، وعلى ما دونها من مالٍ أو عِرضٍ أو طَرفٍ أو وَلد. ومنه ما يكون مَعه داعٍ واحدٌ، ومنه ما يكون مَعه دواعي مختلفةٌ ومُتفاوتةٌ ومُتَرجِّحةٌ، فلاطائل في خِلاف ما هذا حكمه (١). فصل و حَدُ الِإكراه على التقريب: هو البَعث على اكتِساب ما لو لم يُبعَث

стр. 114

عليه لم يَكتسبه. وقيل: ما أباحَ الشرعُ إيقاعَ الفعل عنده، من كل ضَرر يَخاف به الِإنسانُ على النفسِ وما دونَها مما لا يُحتمل مثلُه في اطِّراد العادة، وذلك مَوقوف على ما يَرد به السمعُ، أو يَحصلُ بالاجتهادِ إن لم يَرِد به سَمع، وقد كان يجوزُ ورودُ التعبُّد بالامتناع من إيقاعه، وإن استَضرَّ في نفسِهِ وما دونَ نفسِهِ، وإنما لطف الشرع بتَجويز دفعِ الضررِ عن النفسِ وما دونَها باكتِسابِ ما أُلجىء إلى الإِتيان به. وامتنعَت المُعتَزلة من تَجويزِ سِوى ما يَصح أن يُباح وُيطلق من القَبائح ابتداءً من غَير إكراه. فأما الِإكراه فلا يُبيحُ ما يَقبُحُ (١) الابتداءُ به، ولاَ يُبيح إلا ما لا يَقبح الابتداءُ به، بناءً منهم على القَول بتحسينِ العقلِ وتَقبيحه، وهذا لا يَصحُّ، لأن الأمَّة أجمعت على قُبحِ كُفران النِّعمة، والكُفرِ بالمُنعِم، وقد أجمعت على أنَّ اللهَ مُنعمٌ، وأجمعوا على إباحةِ الشرعِ لكلمةِ الشِّرك والكفرِ باللهِ لأجلِ الإِكراه، سِيما في حقِّ مَن لا يَتهدَّى إلى المَعاريضِ (٢) ولا يُحسنُها، فإنه يصرِّح بالكفرِ والشركِ من حيثُ الإِطلاقِ والِإباحةِ لأجلِ دَفعِ ضَررِ الإِكراهِ عنه.

стр. 115

فصل واختلف الناس في صِحَّةِ (١) الِإكراهِ على الزنى في حَق الرجلِ (٢)، فقال قوم: لا يَصح. واعتلّوا بأنه لا يفعل إلا مع الشهوة والِإنعاظ، وقُوة الدواعي، وانشراحِ الصدرِ، وانتشارِ النَّفسِ. والإِكراه ثَمرهُ التخوفُ على النفسِ، وذلك يحصر النفسَ، ويَجمع الأعضاء عن الانبساط، وُيخمد نيران الشهوة عن التَّوثب. وقال قوم: يَصح. واعتلّوا بأن الإِنسان يجد من نفسِهِ صحةَ التركِ لفعلِ ما يَشتهيه، وإقدامِه على ما يَكره، مع فَرَطِ الشهوة لما يَتركه، وفَرط الكراهةِ لما يُقدمُ على فعله، فإذا ثبت هذا جاز أن يَحملَ نفسَه على ما يَكره، وما لولا الإِكراه لتركه، كما يتكلَف شُربَ الدواءِ المر، وقَطعِ يده المُتأكَلة، وقَد كلف اللهُ إبراهيمَ ذبحَ ولدِه -وإن كانَ التكليفُ أقلَّ حالًا من الِإكراهِ- وقتلُ الولدِ لا يُساعدُه طبع، والزنى يُساعده الطبعُ. فصل ولا خلاف بين الناسِ فىِ صحةِ إكراهِ المرأةِ على إيقاعِ الفعلِ فيها بالوَطءِ (٣)؛ لأنها محل لإِيقاع الفعل، والذي يصح الإِكراهُ عليه إنما هو أفعالُ الجوارحِ الظاهرةِ المَشاهَدَةِ التي يتسلطُ عليها التصريفُ

стр. 116

في المُراداتِ مِن الافعال، فتقع أفعالُها بحسْبِ الِإلجاء إلى احدِ الدواعي. فأما الِإكراه على ما غابَ وبَطَن من القلوب، فلا، فعلى هذا لا يَصحُّ أن يُكره الإِنسانُ على اعتِقادِ مذهبٍ، أو علمٍ بمعلومٍ لم يَعلمْه، أو بظنٍ مما لم يتحصل له طريقهُ، أوَ عزمٍ على ما لا يعرف، أو الجهل، قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، يعني: من اعتقد الكفر، وإنما لم يُعف عن أعمالِ القلوب ها هنا، لأن الإِكراه لم يتسلَّط عليها، ويَلحق بهذا أنَّ العلمَ والجهلَ والظنَ وغيرَ ذلك من أعمالِ القلوب كالمحبة والبُغضِ والألفةِ والإِعجاب والخَوْفِ والحَزَنِ والمسَرَّة والغَم لاَ يَتحصلُ بالاستمالةِ كما لم يتحصَلْ بالإِكراهِ، فالإِنسانُ لا يجهلُ ما عَلِمه، ولا يَعلم ما يجهلهُ بالرِّشوة والاستمالة، لكن يَتَبع في القَول، وُيقلد بالنًّطقِ من يَستميله، والقلب بحاله لا يُغيره إلّا المَعاني التي يَصلُ عملُها إليه، كالأدلةِ والبراهينِ أو الشَّبَه وما شاكل ذلك. فصل وعندي أن كُلَّ فعلٍ من أفعالِ القُلوب صَحَّ دخولُه تحت التكليف، صح الإِكراهُ عَليه، كالعلوم الاستدلالية يَصح التكليفُ لتَحصُّلها بطريقها، وهو النظر والعزم (١) واَلنَّدم، هذا كلّه داخلٌ (٢) تحت التكليف، فيصحُ الِإكراهُ على تَحصيلِهِ بطريقِه.

стр. 117

فصل في أحكامِ الأفعالِ الداخلةِ تحتَ التكليفِ ، وما ليس بداخلٍ تحته. اعلم أنَّ احكامَ جميعِ الافعالِ لا تخرجُ عن حُكمين: عقلي وشَرعي، لا ثالثَ لهما، فأما الأحكامُ العقليةُ الثابتة لها، فهي التي يكون عليها في ذواتِها من الأحكام والصفاتِ، إما لأنْفُسِها وما هي عليه في أجناسِها التي خَلَقَها الأالله عليها، أو بمعانٍ تتعلقُ بها ضَرباً من التعليق: فالأول: نحو؛ الفِعلُ، حركة وسكوناً، وإرادةً وعِلماً، ونَظراً، وأمثال ذلك. والثاني: نحو؛ كونُ الفعلِ مَقدوراً ومعلوماً، ومُدرَكاً ومُراداً ومذكوراً وأمثالُ ذلك مما يُوصفُ به، لتعلقِ العلمِ والإِرادةِ والقدرةِ والذكر بها. وكذلك وصفُها بأنها أعراضٌ، وحوادثُ، وموجودةٌ، وعينٌ ثابتةٌ، ونحوُ هذا، إنما هي أحكامٌ عقليةٌ، فلا يجوز أن يثبتَ لها حكمٌ عقلي لمعانٍ تُوجد بها، وتختصُّ بذواتِها، لكونها أعراضاً يَستحيلُ حملُها لأمثالِها من الأعراضِ، وذلك نحو استحالةِ وصفِها بأنَها مُتحركةٌ وساكنةٌ وحَية وعالمةٌ مريدةٌ، وأمثال ذلك. وعلى هذه الأحكام التي قدمنا ذكرَها أحكام عقليةٌ غيرُ شرعيةٍ، ومعنى إضافتِها إلى العَقَلِ: أنَّها مما يُعلمُ كونُ الفعلِ عليها بقَضيةِ العقل المنفردِ عن السمع، وقَبل مَجيء السمع. فكل حُكمٍ لفعلٍ عُلم من هذا الطريقِ مما ذكرناه وأضربنا عن

стр. 118

ذكرِهِ، فإنه حُكمٌ عقلى ليس بشرعي، ولا نعني بذلك أنه لا يصحُ أن يَرِدَ السمعُ بالإِخبار عن كونِها كذلك، وتأكيد أدلةِ العقلِ على أحكامِها، وإنما نَعني أنها مما يُعلم عقلاً وإن لم يَرد السمعُ، وقد دخل في هذه الجملةِ سائرُ أفعالِ العِبادِ المتكلَف منها (١) وغيرِ المتكلَف، وأفعالُ سائرِ الحيوان كلُها، لأنها لا تَنفك كلُها من الأحكامِ التي ذكرناها. فصل والضرب الثاني من أحكامها: أحكامٌ شَرعية وهي التي تختصُ بها أفعال المتكلّفين من العِباد دون غيرها، وذلك نحو كون الكسب حَسناً وقبيحاً، ومُباحاً ومحظوراً، وطاعة وعصياناً، وواجباً وندباً، وعبادةً لله سبحانه وقربةً، حلالاً وحراماً، ومكروهاً ومستحباً، وأداءً وقضاءً، ومجزئاً، وصحيحاً وفاسداً، وعقداً صحيحاً أو باطلًا أو فاسداً، فكلّ هذه الأحكامِ الثابتةِ للأفعالِ الشرعيةِ شَرعيةٌ لا سبيل إلى إثباتِ شيءٍ منها والعلم به من ناحية قَضية العقل (٢)، وهذا هو معنى إضافتها إلى الشرعِ، لا مَعنى له سوى ذلك، غير أنه لا يمكن أن يَعرفَ أحكامَها هذه الشرعية إلا بتأملِ العقلِ، ويَستدل بعقلهِ على صحةِ السمعِ، وصدقِ موردِهِ، وتَلَقّي التوقيفِ على هذه الأحكام من جهتِهِ أو مِن جهةِ مَنْ خَبَّر عنه، ولولا وُرودُ السَّمع بها، لما عُلم بَالعَقلِ شيءٌ منها لما نُبينه وندل عليه فيما بعد إن شاء الله.

стр. 119

فإن قيل: إذا صحَّ عندكم وُرودُ السمعِ بالِإخبارِ عن هذه الأحكامِ العقليةِ، وكونهُ طريقاً إلى العلمِ بها، أو إلى تأكيدِ العلم بها كما يصحُّ أن تُعلم عقلاً، فلمَ قلتم: هي عَقلية. دون أن تقولوا: هيَ أحكامٌ شرعية. أوتقولوا: هي عَقلية شَرعية لحصولِ العلمِ بها من الطريقين؟ قيل له: أما مَن قال: لا تُعلم أحكامُها هذه بالسمع، وإنما يجب أن تُعلمَ عقلاً، وإنما يردُ السمعُ بتأكيدِ أدلةِ العقلِ. فقد سقطَ عنه هذا الِإلزامُ؛ لأنه يجعلُ معنى هذه الِإضافةِ إلى ما يُعلمُ الحكمُ به، وإن لم يكن سُمع. وإذا لم نقل نحن ذلك، قلنا: إنما وَجه إضافتِها إلى العقلِ دون السمع أمران: أحدُهما: أنها أحكامٌ معلومةٌ بالعقلِ قبل ورودِ السمعِ، ولو لم يَرد السمعُ أصلًا، فكان إضافتُها لذلك إلى العقلِ أولى. والوجهُ الآخرُ: أنها تُعلمُ بالعقلِ لو لم يَردِ السمعُ، ولا يصحُّ أنْ تُعلمَ بالسمعِ لو لم تَثبت بالعقل، فصارت إضافتُها لأجل ذلك إلى العقلَ أولى. فأمّا قولُ المطالِب: فهَلا قُلتم: إنها عَقليةٌ شَرعيةٌ. فإنْ أراد به أنها (٢١)، لا تُعلم إلَّا بأمرين: العَقل والسمع، أو بكل واحدٍ منهما وإن لم يحصل الاَخر، فذلك باطلٌ، لأنها تُعلم وإن لم يَقترنا، وتُعلم بمجرد العقل لو فُقد السمع، ولا يصحِ أن تُعلم بالسمع لو فُرض عدم العقل. وإن أراد بذلك أنها تُعلم عقلَا، ويَصح أن تعلم سَمعاً أو يؤكد السمعُ الأدلةَ العقليةَ عليها، كانَ ذلك صحيحاً، ولا مُعتبرَ با العباراتِ

стр. 120

والِإطلاقات. فصل واعلم أن جَميعَ أفعالِ المكلًفِ الداخلةِ تحتَ التكليف- دون ما يقع منه حالَ الغَلبة وزوالِ التكليف- ينقسم قسمين لا ثالث لهما، ولا واسطة بينهما: أحدهما: ما للمكلّفِ فعله. والآخر: ما ليسَ للمكلًفِ فعله. ولا يجوز أن يقال: إنَ منها ما لا يقال له فعله، ولا ليس له فعله، وذلك معلومٌ بضرورةِ العقلِ، كما يُعلم بأدلتِهِ (١)؛ أن المعلومَ لا يخرجُ عن عدمٍ أو وُجودٍ، وأن الموجودَ لا يخرج عن قِدمٍ أو حُدوث. والذي له فعله منها حَسنٌ كله، وهو يَنقسم إلى: مُباحٍ وندبٍ وواجبٍ، وسنذكر حدودَ ذلك وحدودَ غيره مما يحتاج إليه في هذا الكتابَ- إن شاءالله- في فصل مفردٍ جامعٍ لكل ما يحتاج إليه من الحُدود (٢). والذي ليس له فعلُهُ: هو القَبيح المحرمُ الِإقدامُ عليه. وكل مُكلَف له فِعلُ شيءٍ مما ذكرنا، فلايجوزأن يكون له بحق

стр. 121

الملكِ والاختراعِ وإنشاءِ الأعيانِ، كالذي لله سبحانه من التصرفِ فيها بحق الربوييةِ، واستحقاقِ العِبادة، وإنما يكون للمكلَف الفعلُ على وجهِ ما حده له مالكُ الأعيان، وَأذِن له فيه. ومتى قيل: إن للمكلف وغيرهِ من الخَلق شيئاً من الذوات نحو الأمةِ والعَبد والدارِ والثوب، فإنما معنى ذلك أنه له التصرف فيه، والانتِفاع به بقدَر ما أذِنَ له المالك للأعيان ، وما عدا ذلك ظُلم وعُدوان ومحظورٌ عليه.

стр. 122

فصول في جمع الحدودِ والعقودِ والحروفِ التي تَدخلُ في أبوابِ الكتاب ، وجميعِ ما يُحتاج إليه من الألفاظِ المتضمنةِ لمعانٍ لا يَستغني عنها مَن أرادَ العِلمَ بأصولِ الفقهِ. فصل حدُ الفقهِ: العِلمُ بالأحكامِ الشرعيةِ. وقيل: معرفةُ الأحكام الشرعيةِ. وأصولُه: ما انْبَنت عليها الأحكامُ الشرعيةُ؛ لأن الأصلَ ما انبنى عليه غيرُه، فأصلُ الفِقهِ: ما انبنى عليه. وقيل: ما تُفرِّعَ عنها أحكامُ الشرع (١). فصل وعينُ الأصول: الكتاب والسُنة والِإجْماعُ. فكتاب اللهِ: ما بَين الدفًتين من القُرآن. والأصول منه: النَّص والظاهرُ والعُمومُ والفَحوى والدليلُ والمعنى. والسنة كذلك.

стр. 123

فصل ف النص: ما بَلغ ببيانِه إلى الغايةِ من الكَشف، قال الراجز (١): وَجيدٍ كَجِيْدِ الرِّيم لَيْسَ بفاحشٍ ... إذ اهِي نَصَّتْهُ ولا بمُعَطَّل يعني: كَشَفَتْه. وقيل: ما عُرف مَعناه من نُطقِه. وقيل: ما استَوى ظاهرُه وباطنُه. وقيل: ما لا يحتمل إلا معنى واحداً (٢). فصل و الظاهر: ما احتمل أمرين، هو في احدهما اظهر (٣). فصل و العمومُ: ما شَمل شَيئين فَصاعداً شُمولاً واحداً. وقيل: العموم: الاشتراك للكلِّ في الصَيغةِ. والعموم: الاشتمالُ على الكُلِّ، وهو الإِحاطة. وقد قال بعض الفقهاء: ما عَمً شَيئين فَصاعداً. وليسَ بمَرْضي؛

стр. 124

لأن قوله: "عَم"- وعن العموم سئِلَ- ليسَ بتحديدٍ، كمن قيل له: ما السواد؟، فقال: ما سَودَ المحل الذي يَقوم به (١). فصل و الخصوص: قول نَعني به البعضَ. وقيل: صيغة البَعض. وقيل: إفرادُ البَعضِ بالصيغةِ. وهذه حُدودٌ كلُها على قَول من يقول: للعمومِ صِيغة. فصل فالعموم: صيغةٌ للكُل، والخصوص: صيغة للبعضِ، والِإشارة إلى الدلالة على أن له صيغةٌ بحسْب المكان- إلى أن نَستوفيَه إن شاء الله في مسائل الخلاف- أن نقولَ: لا بُد في كل لغةٍ بمعنى العموم من صيغةٍ مِن قِبل ان حاجةَ أهلِ اللسانِ إلى الدَلالةِ على العُمومَ كحاجتهم إلى الدلالةِ على الخُصوص، فلو جازَ أن لا يكون للعمومَ صيغة، لجاز أن لا يكون للخصوصِ صيغةٌ، ويجيءُ مِنْ هذا ويلزمُ منه أنْ لا يكونَ لشيءٍ صيغةٌ ولا دِلالةٌ، وليس من حيث جاءت لفظةُ العمومِ على مَعنى الخصوص لقرينة، مثل قول القائل: غسلتُ ثيابي. وليسَ من عادة الناس استيعابَ جميع ثيابِهم بالغَسل، حتى يبقوا عراة، يَنبغي أن نجعلَ لفظةَ العموم غيرَ موضوعةٍ، بل الثقة بأنَ قرينةَ الصيغة تخُص، هي التي أغنت عن ذكر التخصيص، وما هو إلا بمثابة قولِ القائل: جاءني إخوتك. وإن كان منهم مَن قد مات، ثِقةً بمعرفةِ ذلك لا مِن جهة اللفظ.

стр. 125

فصل و التخصيص: تمييز بَعضِ الجملةِ بحُكم. وقيل: إخراجُ بعضِ ما تَناوله العموم، هذا في الجملة. فصل فأما تَخصيص الصِّيغ العامةِ في الشرعِ، فهي: بَيانُ المراد باللفظ. فصل وليس من شَرط التخصيصِ أنْ يتقدمَهُ عموم، فإنه قد يَقع مُبتدأً، وُيعرفُ أنه تخصيص بالإِضافة إلى جُملة لو تناولها النطق كتناولِ هذا كانَ عُموماً أو تَعميماً، فيقال: خُصَّ النبي ﷺ بقيام الليلِ (١)، وخُص الأبُ بالرجوع في الهِبة (٢)، وخُصَّ الرسولُ- ﷺ -بالنكاحِ بلفظِ الهِبة (٣)، وخُصت مكةُ بالحج، فهذه التخصيصات كان مَعناها: المكلفونَ كثرة، وخوطبَ النَبي ﷺ بقيامِ الليل، والناكحون كثرة، وخُص النبي ﷺ بالنكاحِ

стр. 126

بلفظِ الهبةِ، والأقاربُ كثرةٌ وخُص الأبُ بالرجوع في الهِبة، والمساجدُ كثرة، وخصت الكعبةُ بالصلاةِ إليها والحج إليها. فهذا نوع من التخصيصِ غريبٌ يَخرج عن تَخصيصٍ ورد على عموم، كإخراج اهلِ الكتاب بإعطاء الجِزية من آية القَتل (١)، وإخراج القاتل عن الإِرث من بين الأقارب والأرحام (٢) وما شاكلَ ذلك، فذاكً تخصيصُ عمومٍ، وهذا تخصيصٌ ميزَهُ من بين أمثال في المعاني سوى ما مُيِّز به من الفَضل الذي اقتضى التخصيصَ بالحكمِ الذي خُصصَ به.

стр. 127

فصل (١) في الكلام وهو الحروف والأصوات المنظومة للتفاهمِ عما في النفوسِ من الأغراضِ، فهذا جملة الكلام. فصل وهو علي ثَلاثة أقسام: اسمٌ، وفِعل، وحَرف، لا رابع لها. ف الاسم: لفظٌ (٢) يَدل على مَعنى في نَفسه غير مقترنٍ بزمانٍ، محصلٌ دِلالةَ الإِشارةِ دونَ الإِفادةِ، وفيه سَبعُ لغاتٍ أسْيَرهن واشْهرُهن: كَسر الألف، يقال: اِسْمٌ، واسْمٌ، واُسُمٌ، وَوِسْمٌ، ووُسْمٌ، وسِمٌ، وسمٌ (٣). فمن قال: اسم- بكسرِ الألف- قال: هو من ذواتِ الياء من سمى يَسْمي، فالأمر فيه: اسْمُ يا هذا. ومن قال بضمِّ الألفِ، قال: هو من ذواتِ الواو، من سَمَى يَسْمو.

стр. 128

ومن قال: وِسْم ووُسْم، قلبَ الهَمزة واواً، كما قالوا: إشاح ووِشاح، وأسماء ووَسْماء، وأجوه ووُجوه. ومن قال بحذفِ الألفِ، قال: أصله: سُمْوٌ، فاستُثقلت ضَمّةُ الواو فنُزِعت، وحُذِفت لالتقاءِ الساكنين، فبقي: سُم، قال الشاعر: لِأفضَلِها بَيتاً وأمنعِها حِمى ... وأكرَمِها أهلاً وأحسَنِها سُماً (١) ومن قال: سُم، بالضم، نَقل ضمة الواو (٢) إلى السين، نحو: قُم، قال الشاعر: وعامُنا أَعجَبنا مُقَدَمُهْ ... يُدعى أَبا السمْحِ وقِرْضابٌ سُمُهْ (٣) ومن قال: سِم. بالكسرِ، جعلَ الكسرَ خَلفاً من ألف الوصل أو الواو الساقطة، كقولهم: فِم، قال الشاعر: [و]، اللهُ أسماكَ سُماً مُباركا ... آثركَ اللهُ به إيثارَكا (٤)

стр. 129

وتقول في اشتِقاق فِعله: سَمَيْتُه وسَمَوْتُه وأسمَيته وسَمَتُه بالتشديد، قال الشاعر: اللهُ أسماكَ الذي اسماكه واختلفوا في اشتقاقِهِ على وجهين: أحدهما: أنه مُشتق من السموّ، وهو الرِّفعة؛ لأن الاسمَ يَسمو بالمسمى، فيرفعه من غَيره، وهذا قولُ أهلِ البَصرة، فهو مُعتل من لام الفِعل من ذوات الواو أو الياء، والأصل فيه: فَعَل أو فَعِلَ، ويجمع على أسماء، بوزن أفعال، على رد لام الفعل (١). وتَصغيرُه: سُمَي، وقال سيبويه عن يوُنسَ (٢): إنَ أبا عمرو (٣) كان يقول: إنهم يَقولون في تَصغير اسم وابن: أُسَيم واُبَيْن، كقول الشاعر: تَركُ أُبَيْنيْكَ (٤) إلى غَيرِ راع (٥)

стр. 130

وقال آخر: هُم أُبَينى وَهُم شُجوني والثاني: أنه مُشتق من السِّمَةِ، وهي العلامةُ؛ لما في الاسمِ من تمييز المُسمَّى من غيرِهِ، وهذا قول أهل الكوفة. فصل وأمَّا وضعها (١)، فعلى أوجهٍ: منها: القابٌ وأَعلام وُضعت في اللغةِ للتمييزِ بين المُسمَّيات، فهذا الوجهُ يقومُ مقامَ الِإشارةِ إلى العَين، وذلك مثلُ: زَيد وعَمرو. [و] منها: ما وضع لإِفادةِ بِنْيةٍ من صورةٍ مخصوصةٍ (٢)؛ مثل: إنسان وفرس وسَبُع. ومنها: ما وضعَ لإِفادةِ جنسٍ؛ مثل: عِلم وقُدرة وإرادة. ومنها: ما وضعَ لإِفادةِ أمرٍ تعلقَ بالمُسمى؛ مثل أن يولد له فيُسمى أباً، ويولد لأخيه فَيسمى عَمّاً، ويولد لأُخته فيسمى خالًا، ومثل: تحت وفَوق وأمام ووَراء وتِلْقاء، فإذا كان فوق السقف، قيل: مَقر ومُستَقر. وإذا كانَ تحته قيل: ظُلَّة وسقف. ومنها: مايكون مُفيداً لمعنىً، فمنه ما يكون على وجهِ الاشتقاقِ، مثل: مَقتول ومَضْروب، وقاتِل وضارب (٣).

стр. 131

وقد يتفقُ الاسمانِ في الصورةِ والذَلالةِ، مثل قَولنا: الوَطء بالنكاح ومِلكِ اليمين مُباح. وقد يتَّفقان في الأسماءِ ويختلفانِ بالمعنى؛ مثل: القُرء، تردَّدَ بين الحَيضِ والطُهرِ. وقد يختلفانِ في اللَّفظِ والمعنى؛ مثل قولِنا: الخَمرُ مُحرمةٌ، والخَلُ مُباح. وقد يَختلفانِ في الصورةِ ويَتفقانِ في المعنى، مثل: زَكاة وصدقة (١). فصل والأسماءُ على ضَربين: ما هو عام، [ومنه ما هو خاص. فالعامٌ على ضربين: منه ما هو عامٌ ليس فوقه ما هو أعمّ منه. ومنه ما هو عامٌ] بالِإضافةِ إلى ما هو أَخص منه، وإن كان خاصاً بالِإضافةِ إلى ما هو فوقَه. فالعام الذي ليس فوقَه أعم منه [مثل:] معلوم ومذكور، والخاصُ الذي هو عام في نفسِهِ، مثل قولنا: عَرَض، هو عام في جميع الأجناسِ، وهو خاص بالِإضافة إلى قولنا: معلوم ومذكور.

стр. 132

والخاص الذي هو في الحقيقة خاص؛ مثل: أسماء الأعيان (١). فصل ولنا أسماء مُشتركة تَقَع على أضداد، مثل: جَوْن؛ فلونٌ يقع على السوادِ والبَياضِ، وقُرء؛ يَقع على الطهرِ والحَيضِ، وشَفق؛ يَقع على الحُمرةِ والبَياضِ، وعَين؛ يقع على الذهب وعَين الماءِ والباصِرةِ، وغير ذلك. ومَولى؛ يَقعُ على الأسفلِ وهو المَنعَمِ عليه بالعِتقِ، والأعلى وهُو المعتِق المُنْعِم، ولا يُصرفُ عند الِإطلاقِ إلى شَيءٍ منها بعَينه لكن بدِلالة (٢). فصل ولنا أسماءٌ هي في اللغةِ على مَعنىً، وفي الشرعِ على غيرهِ، واختلفوا في نَقلِها، فقال قومٌ: هي مُبقاةٌ مَزيدةٌ شَرعاً. وقال قومٌ: نُقِلت عن أصلِ الوَضع (٣). وسنذكر ذلك في مسائل الخِلاف إن شاء الله، وذلك مثل الصلاةِ؛ هي في اللغةِ: الدُّعاء، وفي الشرعِ: هذه الأفعالُ والأقوالُ المخصوصةُ. والحج: القَصدُ، وهو في الشرع: هذه المناسكُ المخصوصةُ. والزكاةُ: الزِّيادةُ والنَماءُ، وهي في الَشرعِ: صَدقةٌ مَخصوصةٌ. والصومُ: عبارة عن الإِمساكِ، وهو في الشرعِ:

стр. 133

إمساك عن الأكلِ والشربِ والجماعِ بقَصدٍ ونِيَّةٍ في زمنٍ مَخصوصٍ (١) فصل واختلف الناس في طَريق وضعِها على مَذاهبَ، ونحن نستوفيها في مسائلِ الخلافِ (٢) -إن شاء الله-: فقال قوم: إنَ طريقَها الوحيُ والِإلهامُ لآدمَ ﵇. وقال قوم: إنها مُواضَعَة (٣). وقال قوم: بعضها بطريقِ الإِلهام، وبَعضها بالقياسِ، وبَعضُها بالمواضَعة. فصل وأما القسم الثاني من الكلام وهو الفِعل ؛ فهو: عبارة عما دَل على زَمانٍ مَحدود. وقالوا في عَلامة الأسماء: ما كانَ عبارة عن شخص، وما حَسُنَ الجرُّ به وعَنه، وعبارة عما يَصحُّ تَصغيره وُيثَنَّى ويثَلث. وقالوا في علامةِ الأفعالِ: ما حَسُن فيه قَد، وسين، والمستقبل،

стр. 134

مثل: سَيفعل ولسوفَ يَفعل (١). فصل و الحرف: ما عُدمت فيه علامات الأسماءِ والأفعالِ، وقيل: هو عبارة عن شَيئينِ احدُهما مَعنىً، والآخر عِبارة. والمعنى: هو طرَف الشيءِ، مثل قولِهم: حرفُ الوادي. والثاني: قول أهل النحو: هو عبارةٌ عما أفادَ مَعنىً في غيرِهِ (٢). فصل وقد حصر بعض أهلِ العلمِ الكلامَ، فقال: هو: أمر، وفي مَعناه: السؤال والطَّلبُ والدُّعاء والاقتضاء، يقال: سألَه، وطلبَ منه، واقتَضاه، وأَمَرَة بمعنى: استدعى منه بالقولِ فعلاً. والمفَرِّقُ الرُّتبة، وسنذكرها- إن شاء الله- في حدود هذه الأبوابِ الخاصة. قال: والنَهي، وفي مَعناه: الكفُّ والزَّجر والمَنع، يقال: نَهاه، وزَجَره، وكَفَّه عن القَبيح، ومنعه. قال: والخَبر والاستِخبار، ومن هذا القَبيل: القَسَمُ، فإنه خَبر مؤكًدٌ، والجحود خَبرٌ أيضاً بالنفي، وهو الإِنكار. قال: ومنه- أعني من الخبر- الوَعدُ والوَعيدُ، فإنه إخبارٌ عن مَنافع

стр. 135

أو مَضار، وسَنستوفي حدودَ ذلك- إن شاء الله- بعد الفراغِ من الجُملة التي قَسمها هذا العالِم من الكلام. قال: والأمثال والتَشبيه، وهما متقاربان. قال: والنَهي، والاستِفهام، ومثله الاستعلام، والنداء، والأسماء (١)، وقد قَسمناها (٢). فصل في تحديدِ ما حَصره من جُملةِ الكَلامِ ونوعِهِ. فأما الأمر ؛ فهو: استدعاء الأعلى الفِعلَ بالقولِ ممن هو دونه. ولا يَصح قولنا: ممن هو دونه، إلا بعدَ التصريح بالأعلى لتَعود الهاءُ إليه. وحذَفَ قومٌ ذكرَ الأعلى، وقالوا: ممن هو دونه، إعادة للهاءِ إلى مُقَدرٍ مُضمرٍ، ولا يَجوزُ فىِ الحدودِ إضمارٌ ولا تَقديرٌ (٣). ولا يُحتاج في الطلب والاقتِضاء إلى ذكرِ الرتبة، وُيحتاج أنْ تُذكر الرتبةُ في السؤالِ بالعَكسِ، فيقال: استدعاء الأدنى الفِعلَ ممن هو فوقه أو أعلى منه. والدُّعاء والنداء لا يَحتاج إلى رُتبةٍ أيضاً، قال الله سبحانه:

стр. 136

﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وهو الأعلى، وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء: ١٠]، وهو الأعلى، وقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وهو الأدنى، وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف: ٥٥] ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]،. والاقتِضاءُ نوعٌ من الطَّلَب، ولكنه بطلب القَضاءِ أخص. فصل و النَّهي: استِدعاءُ الأعلى التَّركَ من الدّونِ، أو ممن هو دونه (١). ولك أنْ تقولَ في الأمرِ والنهي: استدعاءُ الفعل بالقولِ، أو استدعاءُ التركِ بالقَولِ من الدونِ، وتَستغني عن الأعلى. وإن قلتَ: ممن دونَه. فلا بد من ذكرِ الأعلى في ذكرك الاستدعاء، لتعودَ الهاءُ إلى المذكور في الحَدِّ وهو الأعلى. وليس في قولِكَ: الدون، هَاءُ كنايةٍ تحتاج إلى عودِها إلى مذكورٍ ولا مُضمرٍ، وليس لنا في النهي ما يُوافقه من الأدنى إلّا الرَّغبةُ في التركِ، وهي إلاستِقالةُ، وسُؤالُ تَركِ فعل يسوء، أو يُؤلم، أو يَسوءُ المفعول به أو منه، ولكن لا يصرَّح به في حق اللهِ، فلا يُقال: سألتُ اللهَ أن يتركَ أَلميَ أو إيلاميَ، لكن يقال: سألتُ الله أن يُزيلَ أو يَرفَعَ، وأن يكفِيني، وأن يعصِمَني، وأن يَمنعَ عني. وأما الزَّجرُ والكَف، فلا يَليقُ إلا بالآدميِّ مَع الآدميِّ، أو من اللهِ لغَيرِه أنْ يكونَ زاجراً وكافّاً، ولا يكونُ مَزجوراً كما لا يكون مَنهياً ولا مأموراً، إذ في ذلك استدعاءُ نوعِ عُنف وشِدة، وذلك يكون من الله

стр. 137

بالعَبدِ، ولا يليق بالله من جِهة العبدِ، فيقال: زَجر الله الخلقَ ونَهاهم. ولا يُقال: زَجروه ولا نَهوه. فصل وأما الخبرُ ؛ فهو في طَبعِهِ وجَوهرهِ ونعتِهِ: ما احتَمل الصدقَ والكَذبَ (١). ولسنا نريدُ به: مِن طريقٍ تَحقَّقَ الكذبُ فيه، فإنَّ خبر الله لا يَحتملُ الكذبَ، وهو خبر، لكن نُريد به -على ما ذكره شيخنا أبو القاسم بن بَرْهان- ما حَسن أن يُقال فيه من طريق اللغة: صدقتَ أو كذبتَ. فكل كلمةٍ حَسُن في اللُّغة أن يُقال في جَوابها: صدقتَ أو كذبتَ؛ فهي خَبر. فكلمةُ الكفرِ والتَثنيةِ والتَّثليثِ لا يَحسن في الشَرعِ ولا العَقلِ أنْ يُقال في جَوابها: صدقت، وكلمة التوحيد لا يَحسن في الشرع ولا العقل -على قَول من يَجعله مُحَسّناً (٢) - أن نقول (٣): كذبت. لَكن من طريق اللغة لا يَقبح، كما أنّا نقول: إن كلمة الكفرِ حَقيقة وليست حقاً، ومَن رمى، فعَمَدَ إصابة شيء، فأصابه، يُقال: أصابَ؛ منَ الِإصابةِ في طَريقةِ أهلِ الرَّمْي، ولا يُقالُ ذلك على سَبيل الصوابِ شَرعاً، كذلك: صَدقت، في باب التَثنية، وكذبت، في باب التوحيد، تحسن لُغة، ويكون وجه حُسنها أنها كلمة مَوضوعة موضعَ الوضعِ

стр. 138

اللغوي، لكنَّ الخطأ والقُبحَ فيها من طَريق الشرع أو العَقل، أو هما، كما أنَّ قولَ القائل لرامي الشيء: أصابَ، فيَ حُكمِ الرماية، وإن كان مُخطئاً ومُقيماً أَو مُبطلًا من حَيث الشريعة. فصل و القَسَم من هذا القَبيل؛ لأنه خَبرٌ مُؤكَدٌ بالحَلفِ بالمُحترم (١) فإن (٢) قولَ المُنكرِ: ليسَ عَليَّ شَيءٌ مما ادَّعاه، يكونُ مُخبراً بِنَفي الاستحقاق، فإذا قال: واللهِ ما يستحق على، كانَ مؤكِّداً لخَبَرِه بقَسَمه. والقَسَمُ والحَلِفُ خَبرٌ مُؤكَّد بالاسم المُحترم نفياً في القَسَم على الإِنكار، وإثباتاً أيضاً إذا حلف لإثباتِ الدَّم في القَسَامة (٣)، أو اليمين مع الشاهدِ في المال، أو اللًّعان من الزوج لإِثبات زِنى الزوجةِ، وتصديقِ نفسِه في القَذْفِ. فصل والوَعدُ والعِدَةُ خَبرٌ أيضاً، وحَدُّه: إخبارٌ بمنافعَ لاحقةٍ بالمُخْبَرِ من

стр. 139

جهة المُخْبِر في المستقبل، ووعد الله بالثوابِ لمن أطاعَه داخلٌ تحتَ هذا الحَد. قال أهل اللغة: الوَعدُ في الخير، والوعيد في الشرِّ، يقول، أهل اللغة في الخير: وعَدْته، وفي الشر: اوعَدْته وتَواعَدْته. فصل والوعيد في الأصل: هو إخبارٌ بمَضار محضة لاحقةٍ بالمُخبر من جهة المخبِرِ في المستقبل، ويدخل تحته وعيدُ الله للفسَّاق والكفار على مخالفته وارتكابِ نواهِيه. و التَّشبيه: إلحاق الشيءِ بنظيرهِ في الصُّورةِ أو المعنى أو هما، وبذلك يَتَبين قوة شعرِ الشاعر، وفقهِ الفقيه؛ لأن رأسَ مال الشعراء التَشبية الذي لا تنْتِجه إلا القريحة الصافية، وليس من الغَزَلِ الذي يحرِّكة العِشْق، والمدْح الذي يحرَكة فيه الإِعطاء والرِّزْق، ولا الهَجْوِ الذي يثيرُه الحسد والعدَاوة ومجازاة المسيء، ولا النَّدْب والمَراثي الذي يَهيجه الخزْن بفَقد الحميمِ، فلم يَبْقَ للتشبيهِ سوى القًريحةِ الصافيةِ، والوزنِ الصائبِ، والاطلاع على حقيقة المِثْلين والمشتبِهَيْن، وعليه يدوز القياس حيث، كان جمَعاً بين مشتبِهَيْنِ. فصل والتمني: تَطَلبٌ في النفس لمستبعَدٍ حصوله. والتَّرجي: تَطلُّب مايتوقَع أو يقرب في النفس حصولُه تقرببباً إلى

стр. 140

خصيصتها فصل و الاستفهام: طلبُ الفَهْمِ، والاستعلام: طلب العلم. والأسماء قد سبق الكلام فيها (١).

стр. 141

فصول بيان حروف المعاني اعلم- وفقك الله- أن الحرفَ واقعٌ على الطَرَف والشَفِير، كطَرَف الوادي، وحرف الإِجابة (١) والرَّغيف، وطَرَفُ كلِّ شيءٍ: حرفُه، ويقع على الحرفِ المكتوب من حروف المعْجَمِ، ويَقع في اللغة على الكلمةِ التامَّةِ، وعلى الكلمة غيرِ التامةِ، يقولون: ما فهمت هذا الحرفَ من كلامكم، وما أخطأ فلانٌ أو ما أصابَ في حرفٍ من كَلامه، يريدون: في كلمةٍ منه، وعندي أن هذا تَجوزٌ في الكلام، أو تَنبيه على العِلَّةِ بالحرف في الخطأ والصواب، وقد يُعبَّرُ بالحرفِ عن قراءةٍ، وطريقةٍ في القراءةِ، كقولهم: يقرأ بحرفِ أبي عمرو. فأما الحرف اللُّغوي الذي يتكلم أهلُ العربيةِ على معانِيه وأحكامه؛ فهو اللفظ المتَّصل بالأسماءِ والأفعالِ وكلِّ جُملة من القَول، والداخلُ عليها لتغيير معانِيها وفوائدِها، مثل: "من"، و"إلى"، و"بَعد"، و"حتى"، و"ما". نذكرُ جملةً منه:

стр. 142

فصل في معنى"مَن " اعلم أنَ حرف "مَن" له ثلاثةُ مواضع: فتجيءُ للخبرِ، والجزاءِ، والا ستفهام. فأما مجيئُها للخبر، فنحو قولك: جاءَني مَن أحبَبْت، ورأيتُ مَن أعجبني. وأما مجيئها للشرط والجزاء، نحو قولك: مَن جاءني أكرمتُه، ومَنِ انقطعَ عنِّي عاقَبْتُه. وأما مجيئها للاستفهام، فنحو قولك: مَن عِندَك؟ ومَن كَلمك؟ ومَن تَزَوًج إليك؟ ولا يَحسُن في تفسير: جاءَني من أحببت: فَرسٌ أو بعيرٌ، ولا في جواب الاستفهام بمن عندك؟: عندي حمارٌ أوثورٌ؛ لأن "من" لما يعقل. فصل في معنى "أيُّ " اعْلَم أنهأ في أصْلِ وَضْعِها للفَصْلِ، وأن لها ثلاثةَ مواضعَ: تجيءُ للخبر، والشَرْط والجزاءِ، والاستفهام. فأما مجيئُها للخبر، نحو قولك: لأضْرِبَنَّ أيهم قامَ، ولأوَبخَنَ أيَ القومَ دخل الدار. وأما الاستفهام، نحو قولك: أيَ الناسِ رأيتَ؟ وأيهم كلمْتَ؟

стр. 143

وأما مجيئها للشرط والجزاء: نحو قولك: أيهم ضربْتَ اضرِبْ، وأيهم هجرتَ أهجرْ، وأيَّهم كلمْتَ اكلِّمْ. فصل في حرف "مِن " بكسر الميم وهي حرفٌ له ثلاثةُ مواضعَ: أَحدها: أنها لابتداءِ الغاية، تقول: سرتُ من الكوفةِ إلى البصرة. وهذا أصلُها على ما ذكره القومُ، وهي نَقِيضةُ "إلى"؛ لأن "إلى" تجيءُ لانتهاءِ الغايةِ، و"مِن" تجيءُ لابتدائِها. وقد تدخلُ في الكلام للتَبْعِيضِ، وتكون صلةً في الكلام وزيادةً. فأما كونُها لابتداءِ الغاية، نَحْو قولهم: جئتُ مِن الحجاز إلى العراقِ، وهذا الكتابُ مِن زيدٍ إلى عمرو، يَعْنونَ: ابتداءَ مجيئِه وصدورِه من زيدٍ، وانتهاءَهُ إلى عمرٍو. وأما مجيئُها للتَبعِيضِ، فنحو قولك: أخذتُ من مالِ فلانٍ، واستفدتُ من عِلْمِه، وأكلت مِن طعامِه. وأما كونُها صِلَةً زائدةً، فنحوُ قولك: ما جاءَني مِنْ احدٍ، وما بالربْعَ من أحدٍ (١).

стр. 144

فصل في حرف "ما" وقد تدخلُ في الكلام للنَفْيِ والجَحْدِ، نحوُ قولِه: ما لَهُ عندِي حَقٌّ، ولا لَهً قِبَلي دَيْنٌ، وما أحْسَنَ زيدٌ -على وجهِ النفي لإِحْسانِه- وما قامَ عمرو، ونحوً ذلك. وقد تدخلُ في الكلام للتَّعَجُّبِ، نحوُ قولك: ما أحْسَنَ زيداً! وما أجْمَلَ عَمْراً! على وجهِ التعجب من حُسْنِ زيدٍ وجمالِ عمرٍو. وقال بعضُهم: تدخل الاستفهام، (نحو) (١): ما في الكِيسِ؟، والاستبهام: [نحو] (١): ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، في الكيس ما فيه، إبْهاماً على السائلِ لا إفهاماً له، كما تُجيبه بالِإفْهام، فتقولُ: فيه دراهمُ. وقال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: إنها خاصةٌ لما لا يَعقِلُ (٢)، وقال آخرون: بل هي لما يَعقِلً وما لا يَعقِلُ، وإنه قد يكون جوابُها بذِكْرِ ما يعقلُ وما لا يعقلُ، بحيثً إذا قيل له: ما عندك؟ صَلَحَ أن يقولَ: رَجلٌ، وأن يقول: فَرَسٌ، قال الله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ...﴾ , الآيات: [الشمس: ٥ - ٦]

стр. 145

فصل في معنى "أم " اعْلَمْ أن لها موضعَيْنِ، احدهما: الاستفهام، نحو قولك: سَكتَ زيدٌ أمْ نطقَ؟ وقامَ أَم (١) قعدَ؟ وقد تكون للاستبهام، تقول: زيدٌ عندك أم عمرو، فكأنك قُلتَ: ايها عندك؟ وهذا زيدٌ أم اخوهُ؟ وقد تكونُ "أم" بمعنى (أو)، إذا ارِيدَ بهما الاستفهام، إذا قلتَ: أزيدً عندك أم عمرٌو؟، فهو كقولك: أزيدٌ عندك أو عمرٌو (٢)؟. فصل في معنى "إلى " هي موضوعةٌ لانتهاءِ الغايةِ، نحو قولك: ركبتُ إلى زيدٍ، وجئتُ إلى عمرو، وكُل الطعامَ إلى آخِرهِ، وتكونُ في هذا الموضعِ بمعنى "حتى"، التي هي للغايةِ، وإن اريدَ به دخولُ الغايةِ في الكلام، فبدليل يوجبُ ذلك غَيْرِ "إلى"، نحوُ قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وأريد به: مَعَ المرافقِ (٣)، بدليلٍ غيرِ الحَرْفِ (٤)؛ ولذلك لم
следующие страницы →