← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فصول بيان حروف المعاني اعلم- وفقك الله- أن الحرفَ واقعٌ على الطَرَف والشَفِير، كطَرَف الوادي، وحرف الإِجابة (١) والرَّغيف، وطَرَفُ كلِّ شيءٍ: حرفُه، ويقع على الحرفِ المكتوب من حروف المعْجَمِ، ويَقع في اللغة على الكلمةِ التامَّةِ، وعلى الكلمة غيرِ التامةِ، يقولون: ما فهمت هذا الحرفَ من كلامكم، وما أخطأ فلانٌ أو ما أصابَ في حرفٍ من كَلامه، يريدون: في كلمةٍ منه، وعندي أن هذا تَجوزٌ في الكلام، أو تَنبيه على العِلَّةِ بالحرف في الخطأ والصواب، وقد يُعبَّرُ بالحرفِ عن قراءةٍ، وطريقةٍ في القراءةِ، كقولهم: يقرأ بحرفِ أبي عمرو. فأما الحرف اللُّغوي الذي يتكلم أهلُ العربيةِ على معانِيه وأحكامه؛ فهو اللفظ المتَّصل بالأسماءِ والأفعالِ وكلِّ جُملة من القَول، والداخلُ عليها لتغيير معانِيها وفوائدِها، مثل: "من"، و"إلى"، و"بَعد"، و"حتى"، و"ما". نذكرُ جملةً منه:

стр. 142

فصل في معنى"مَن " اعلم أنَ حرف "مَن" له ثلاثةُ مواضع: فتجيءُ للخبرِ، والجزاءِ، والا ستفهام. فأما مجيئُها للخبر، فنحو قولك: جاءَني مَن أحبَبْت، ورأيتُ مَن أعجبني. وأما مجيئها للشرط والجزاء، نحو قولك: مَن جاءني أكرمتُه، ومَنِ انقطعَ عنِّي عاقَبْتُه. وأما مجيئها للاستفهام، فنحو قولك: مَن عِندَك؟ ومَن كَلمك؟ ومَن تَزَوًج إليك؟ ولا يَحسُن في تفسير: جاءَني من أحببت: فَرسٌ أو بعيرٌ، ولا في جواب الاستفهام بمن عندك؟: عندي حمارٌ أوثورٌ؛ لأن "من" لما يعقل. فصل في معنى "أيُّ " اعْلَم أنهأ في أصْلِ وَضْعِها للفَصْلِ، وأن لها ثلاثةَ مواضعَ: تجيءُ للخبر، والشَرْط والجزاءِ، والاستفهام. فأما مجيئُها للخبر، نحو قولك: لأضْرِبَنَّ أيهم قامَ، ولأوَبخَنَ أيَ القومَ دخل الدار. وأما الاستفهام، نحو قولك: أيَ الناسِ رأيتَ؟ وأيهم كلمْتَ؟

стр. 143

وأما مجيئها للشرط والجزاء: نحو قولك: أيهم ضربْتَ اضرِبْ، وأيهم هجرتَ أهجرْ، وأيَّهم كلمْتَ اكلِّمْ. فصل في حرف "مِن " بكسر الميم وهي حرفٌ له ثلاثةُ مواضعَ: أَحدها: أنها لابتداءِ الغاية، تقول: سرتُ من الكوفةِ إلى البصرة. وهذا أصلُها على ما ذكره القومُ، وهي نَقِيضةُ "إلى"؛ لأن "إلى" تجيءُ لانتهاءِ الغايةِ، و"مِن" تجيءُ لابتدائِها. وقد تدخلُ في الكلام للتَبْعِيضِ، وتكون صلةً في الكلام وزيادةً. فأما كونُها لابتداءِ الغاية، نَحْو قولهم: جئتُ مِن الحجاز إلى العراقِ، وهذا الكتابُ مِن زيدٍ إلى عمرو، يَعْنونَ: ابتداءَ مجيئِه وصدورِه من زيدٍ، وانتهاءَهُ إلى عمرٍو. وأما مجيئُها للتَبعِيضِ، فنحو قولك: أخذتُ من مالِ فلانٍ، واستفدتُ من عِلْمِه، وأكلت مِن طعامِه. وأما كونُها صِلَةً زائدةً، فنحوُ قولك: ما جاءَني مِنْ احدٍ، وما بالربْعَ من أحدٍ (١).

стр. 144

فصل في حرف "ما" وقد تدخلُ في الكلام للنَفْيِ والجَحْدِ، نحوُ قولِه: ما لَهُ عندِي حَقٌّ، ولا لَهً قِبَلي دَيْنٌ، وما أحْسَنَ زيدٌ -على وجهِ النفي لإِحْسانِه- وما قامَ عمرو، ونحوً ذلك. وقد تدخلُ في الكلام للتَّعَجُّبِ، نحوُ قولك: ما أحْسَنَ زيداً! وما أجْمَلَ عَمْراً! على وجهِ التعجب من حُسْنِ زيدٍ وجمالِ عمرٍو. وقال بعضُهم: تدخل الاستفهام، (نحو) (١): ما في الكِيسِ؟، والاستبهام: [نحو] (١): ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، في الكيس ما فيه، إبْهاماً على السائلِ لا إفهاماً له، كما تُجيبه بالِإفْهام، فتقولُ: فيه دراهمُ. وقال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: إنها خاصةٌ لما لا يَعقِلُ (٢)، وقال آخرون: بل هي لما يَعقِلً وما لا يَعقِلُ، وإنه قد يكون جوابُها بذِكْرِ ما يعقلُ وما لا يعقلُ، بحيثً إذا قيل له: ما عندك؟ صَلَحَ أن يقولَ: رَجلٌ، وأن يقول: فَرَسٌ، قال الله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ...﴾ , الآيات: [الشمس: ٥ - ٦]

стр. 145

فصل في معنى "أم " اعْلَمْ أن لها موضعَيْنِ، احدهما: الاستفهام، نحو قولك: سَكتَ زيدٌ أمْ نطقَ؟ وقامَ أَم (١) قعدَ؟ وقد تكون للاستبهام، تقول: زيدٌ عندك أم عمرو، فكأنك قُلتَ: ايها عندك؟ وهذا زيدٌ أم اخوهُ؟ وقد تكونُ "أم" بمعنى (أو)، إذا ارِيدَ بهما الاستفهام، إذا قلتَ: أزيدً عندك أم عمرٌو؟، فهو كقولك: أزيدٌ عندك أو عمرٌو (٢)؟. فصل في معنى "إلى " هي موضوعةٌ لانتهاءِ الغايةِ، نحو قولك: ركبتُ إلى زيدٍ، وجئتُ إلى عمرو، وكُل الطعامَ إلى آخِرهِ، وتكونُ في هذا الموضعِ بمعنى "حتى"، التي هي للغايةِ، وإن اريدَ به دخولُ الغايةِ في الكلام، فبدليل يوجبُ ذلك غَيْرِ "إلى"، نحوُ قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وأريد به: مَعَ المرافقِ (٣)، بدليلٍ غيرِ الحَرْفِ (٤)؛ ولذلك لم

стр. 146

يُوجِبْ قولُه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، دخولَ الليلِ مع النهارِ. فصل في معنى "الواو " اعلم بأن الواوَ حرفٌ موضوعٌ للجمع والنَسَقِ، والتًشْريكِ بين المذكورين، نحو قولك: ضربتُ زيداً وعمراً، وأكرمتُ خالداً وبَكْراً. وقد تَرِد بمعنى "أو" بدِلالَةٍ، كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: أو ثُلاثَ أو رُباعَ. وقد ذكر قومٌ من الفقهاء (١) أنها موضوعةٌ للتَرْتيبِ والتَعْقيب، بمَنْزِلَةِ "ثُم" و"الفاء"، ولا يُمْكِنُ دعوى ذلك، لكن وَرَدَتْ في مواضَعَ قامت الدَلالَةُ على أن فيها ترتيباً، فأما أن تكونَ الواوُ أوْجَبَتِ الترتيبَ فيها، فلا، وكيفَ يمكنُ دعوى ذلك، وقد قالَ أهلُ اللغةِ: رأيتُ زيداً وعمراً معاً، ولم يَستَجِيزُوا: رأيتُ زيداً ثم عمراً معاً، ولا استجازُوا قولَ القائل: رأيتُ زيداً فعمراً معاً؟ ومما يُوَضحُ ذلك أنه لم يأتِ في اللغةِ: اقْتَتَلَ زيدٌ ثم عمرٌو، ولا اقتتلَ زيدٌ فعمرو، لما كان الاقْتتالُ من افعالِ الاشْتِراكِ التي لا يكون الفِعلُ فيها إلا من اثنينِ، وقالوا: اقتتل زيدٌ وعمرٌو، واختصمَ خالدٌ وبكرٌ، فلو كانتِ الواوُ تُوجِبُ الترتيبَ، لما حَسُنَ ذلك فيها كما لم يَحْسُنْ في "ثم" و"الفاء".

стр. 147

والدَّلالةُ على أن "اقتتل" و"اختصم" للشركةِ، أنه لو قال قائل: اقتتل زيدٌ ثم عمرٌو، لَحَسنَ أن يُقالَ: اقتتلَ زيدٌ مع مَنْ؛ ثم عمرٌو مع من؟ كلّ ذلك لأن الشركة مقتضى قول القائل: اقتتل، سنذكرُ ذلك شافياً في مسائلِ الخِلافِ من الكتاب -إن شاء الله-، وإنما لم يَصِحَ دخولها في الأفعال المشْتَرَكةِ؟ لأنهَ لو قال قائل: اختَصمم زيد وعمرو، وكان ذلك يفِيد ترتيباً، لكان قد سبقَ الفعل من أحد المخْتَصِمَيْنِ قبل حصوله من الآخر، وذلك محالٌ؛ لأن المشَتركَ لا ينفرد به الواحد، فلا جَرَمَ لا يَسْبِق به الواحدُ، وإذا لم يَسْبِق، فلا ترتيبَ (١). فصل في الكلام في معنى "الفاء " وهي حرف إذا كان للنَّسقِ والعطفِ، اقتضى إيجابَ الترف:، بغير مهلةٍ ولاتراخٍ ولا فَصْلٍ، فهي منفصلةٌ عن الواوبإيجابِ العطفَ بنوع ترتيبٍ، ومنفصلة عن "ثم" و "بعد" بكونها لا فَصل توجِبُ، ولامهْلةً ولا تَراخِي، بل توجبُ التعقيبَ في الترتيبِ. فإذأ قلتَ: ضربت زيداً فعمراً، أردتَ ترتيبَ ضرب عَمرٍو على ضرب زيد (٢)، لكنْ عَقِيبَه بلا فصلٍ. وكذلك دخلتِ الفاءُ للشرطِ والجزاءِ، لأنه اَدْخَل لتعجيل الجزاءِ،

стр. 148

وإنما جُعِلَ الجزاءُ معجلًا، لأنه إن كان مجازاةً على إساءةٍ، كان أرْدَعَ عنها، وإن كانَ على حَسَنَةٍ، كان التعجيلُ أدعى إليها، فقالوا: لا تَسوني فأسوءَك. وقد تكونُ جوابَ جملةٍ من الكلام، نحْوَ قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وإذا دخلتَ مكةَ، فطُفْ بالبيتِ. وقد تكون جوابَ الأمرِ، نحْوَ قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]،وليس هو في هذه المواضعِ للتعقيب. فصل في معنى"ثُم " وهي مُوجِبَةٌ للترتيب، لكنْ بمهلةٍ وفصلٍ، فإذا قال: اضرب زيداً ثم عمراً، أرادَ به الترتيبَ بنوع فصلٍ متأخرٍ، لا بتعقيب. وقد تَرِدُ بمعنى الواو، قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، بمعنى: واللهُ شهيدٌ على فعلِهم حالَ فعلهم، لا مُرَتَباً على فعلِهمِ، ويحتملُ أن تكونَ على أصلِها للتَّراخي بكون شهودِ الباري متراخياً عن وفاتِه ﷺ ، فإنه (١) ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، لا عن أفعالهم، فإنه قال: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ

стр. 149

شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾، والباري لا يشهدُ فعلَهم قبل فعلِهم نَظراً، بل عِلْماً (١). فصل في القول في معنى "بَعْدَ " وهي حرفٌ يفيدُ الترتيبَ، ولايفيدُه على مهلةٍ، بل يَصْلُحُ ما بعدها أن يكونَ بمهلةٍ وغيرِ مهلة، فتَقول: جاءَني زيدٌ بعدَ. عمرٍو بيومٍ، وتقول: بلَحْظَةٍ، وعَقِيبَهُ (٢). فصل القول في معنى "حتى " ولها ثلاثةُ مواضعَ، وأصلها في اللغة للغايةِ، وهي حرفٌ جارٌّ، تقول: أكلتُ السمكةَ حتى رَأْسِها، وضَربتُ القومَ حتى زَيدٍ، مَعناه: حتى انتهيتُ إلى رأسِها، وإلى زيدٍ. وقد تكون بمعنى الواو (٣)، إذا قلتَ: كلَّمْتُ القومَ حتي زيداً كلمتُه (٤)، تريدُ به: كلمتُه. والثالثة: حتى رأسُها، فيكونُ معناهُ الابتداءُ: حتى رأسُها أكلْتُه.

стр. 150

فصل القول في معنى "متى " ومتى ظرفُ زمانٍ وسؤالٌ عنه، تقول: متى قامَ زيدٌ؟ ومتى قامتِ الحربُ؟ أو متى تقومُ؟ والجواب عنه: غَداً، أو تقول: قامَ، أو قامَتْ أمسِ. [وتكونُ للجزاء، كقول الشاعر:] (١) مَتى تَأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيرَ نارٍ عِنْدَها خَيرُ مُوقِدِ (٢) فصل في معنى "أين " اعلم أن "أين" سؤالٌ عن المكانِ، وهي عندهم ظرفُ مكانٍ، وجوابُها يَقَعُ به، فإذا قلتَ: أينَ زيدٌ؟ أو أين أبوك؟ كان جوابه: في المسجدِ، أو السَّوقِ (٣). فصل القول في معنى "حيث " وهي حرفٌ للمكانِ أيضاً، فهي ظرفٌ من ظروفِ المكان، كأينَ،

стр. 151

تقول: حيثُ وجدتَ زيداً فأكرِمْهُ، وحيثُ صَلَحَ مِنَ البلادِ فاسكَنْهُ. فصل في معنى "إذ" و"إذا " واعلم أنهما ظرفانِ للزمان، تقول: جاءَ زيدٌ إذْ طلَعَ الفجرُ، وجاء المطرُ إذْ غَربَتِ الشمس، وتقول: إذا جاءَ زيدٌ فأكرِمْه، وإذا قَدِمَ الحاجُّ فأنْزِلْهم (١).

стр. 152

فصل في بيان حروف الصِّفاتِ التي يقومُ بعضُها مَقامَ بعضٍ، ويُبْدَلُ بعضُها ببعضٍ . من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، بدلأ من: على جُذوعِ النخل. وقوله في الباء: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، بمعنى: فاسأل عنه خبيراً. واللام بمعنى "على": ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢]، يعني: عليه بالقول، وقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢]، بمعنى: عليهم اللَعْنَةُ. و"إلى" بدلاً من "مع": ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي: مَعَ أموالِكم، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، أي: مَعَ الله، هذا قولُ أكثرِ العلماء، ووجدتُ عن علي بن عيسى الرُّمَّاني (١) أنها على حقيقتِها؛ فإنَ معنى قولِه: مَن

стр. 153

أنْصاري في الجهادِ في اللهِ صابراً إلى أن يصلَ إلى ثواب الله؟ وأقامَ اسمَ الله مَقامَ ثوابه سبحانه (١)، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ الأكل ها هنا: الأخذ، تقول العرب: ما لي لا يُؤكَل: لا يؤخَذ، فكأنه يقول: لا تَشوبوا بالأخذِ أموالَهم إلى اموالكم. وقد جاء في أشعار العَرب ذلك، قال الشاعر: فإنْ تَسْأَلوني بِالنَساء فإنني ... عَليمٌ بأدواءِ النساءِ طَبيب (٢) والمراد بالنساء: عن النساءِ، فأقامَ الباءَ مَقامَ "عن". وقد جاء في كلامِهم حيث قالو: سَقَطَ فلانٌ لِفِيه، أي: على فِيه. وقال الشاعر: فخَر صَريعاً لِلْيَديْنِ ولِلفَمِ (٣) والمرادُ به: على اليَدَيْنِ وعلى الفَمَ.

стр. 154

وقالت العرب في معنى "إلى" مكانَ "مع ": الذَّوْدُ (١) إلى الذَوْدِ إبل، أي: مَعَ الذَّوْد. وقد وُضِعَتِ اللامُ موضعَ "إلى"، قال سبحانه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، يعني: إليها. وقد ابدِلَت "على" ب "مِنْ "، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا (٢) عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]، يعني: مِنَ الناسِ، ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: استحقَّ مِنْهم. و"مِنْ" قَد تَردُ مكان الباء، قال سبحانه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، مكان: بأمرِ الله، وكذلك قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، أي: بكلِّ أمر. وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، يعني: منها، و: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، يعني: يَشرب منها عبادُ الله، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، أي: انْزِلَ من (٣) علمِ اللهِ. ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أي: على القوم (٤).

стр. 155

﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، أي: من عبادِه (١). و"على" بمعنى "عند"، قال سبحانه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤]، أي: عندي (٢).

стр. 156

فصل في الوجوب (١) وأصلُه في اللًّغةِ: السقوطُ، يُقالُ: وَجَبَ الحائِطُ، إذا سَقَطَ (٢). وهو معنى قوله سبحانه: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، وقولِهم: وَجَبَت الشمسُ. وهو في الشرع: عبارة عن الإِلْزام واللًّزُومِ، فالإِلزامُ: إيجابٌ، واللًّزوم: وجوبٌ، واللَّازِم (٣): واجبٌ، وقَيل: ما في تَرْكِه عِقاث، وهذا رَسْمٌ، وهو على معناه في اللًّغة، لأنه إذا لزمه، فقد سَقَطَ عليه سقوطاً لا يُمْكِنُه الخروجُ عنه ولا الانْفِكاكُ مِنه (٤)، وقيل: ما وجَبَ اللوْمُ والذَّمُّ على تركه من حيثُ هو تَرْكٌ له، وهذا حَدُّ القاضي أبي بكر (٥)

стр. 157

فصل و الفَرْضُ: غيرُ الواجبِ، وهو أمرٌ زائدٌ على الواجبِ على مذهبِ أصحابِنا، وكثيرٍ من أهل العراق. وقال قومٌ: هو الواجبُ، وإنما هما اسمان لمعنىً واحدٍ، مثلُ قولِنا: نَدْبٌ ومُسْتَحَبٌّ، ولازم، وفرض. وهو عند من أثْبَتَهُ غَيْراً للواجب ثابتٌ بأعلى دليلٍ، وله أعلى منازلِ الوجوب، وهو ماثَبَتَ بنصِّ قُرآنٍ، أو خَبَرِ تَواتُرٍ، أو إجماعٍ. وإذا تأملَ المجتهدُ آيَ الكتاب، وَجَدَ أن الفرضَ بمعنى الواجب، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعني: أوْجَبْتم، ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]، أي: أوجبَ، وفَرَضَ الحاكمُ، أي: أوجبَ (١). وسنذكر ذلك في مسائل الخلاف (٢) -إن شاء الله-. فصل والفَرْضُ: مأخوذٌ من التَأثِيرِ، ومنه سُمَيَتْ فُرْضَةُ النَهر، وحَزَةُ الوَتَر من القَوْسِ، فله مَزِيةُ اسمٍ على الواجب؛ لأنه مزيدٌ بالأثَرِ على السُّقوطِ.

стр. 158

وعن أحمدَ روايتان: هل هو اسمٌ للواجب في الجُمْلَةِ، أم لواجبٍ ثَبَتَ بدليلٍ قَطْعِي (١)؟ على روايتين، وسنذكَرُ ذلك في الخلافِ من الكتاب (٢) -إن شاء الله-. فصل و النَّدْبُ: حَث بترغيبٍ لا بترهيبٍ. وقيل: اقتضاءٌ من الأعلى للأدنى بالفعل على وجهٍ يُقابَلُ فاعلُه بالثواب على فعلِه، ولا يُقابَلُ بالعقاب على تركهِ، وهذا وأمثاله رُسُومٌ وتعريفاَتٌ لا أنَه تحديد بشروطِ الحَدَ. وقيل: استدعاءُ الأعلى للفعلِ ممن هو دونَهُ على وَجْهِ التَخييرِ بين الفعلَ والتركِ. وقيل: المندوبُ: ما في فعلِه ثوابٌ، وليس في تركهِ عِقابٌ. وهذهِ التعاريفُ كُلُّها لو عُدِمَتْ، لَمَا زالَ معنى النَدْب، فهي دلائلُ، وهو في نفسِهِ على مقتضى اللغة: الدُعاءُ؛ ولذلك قالَ شاعرهم: لايَسْألونَ أخاهُم حين يَنْدُبُهُم ... للنَائِباتِ على ما قَالَ بُرْهَانا (٣) ويقولُ القائلُ منهم: نَدبتُ فُلاناً لكذا؛ إذا دعاهُ له. وصار في الشَرْع اسماً لدعاءٍ إلى عَمَلٍ مخصوصٍ، وهو الطَاعةُ

стр. 159

للهِ، وما تُعُبِّدَ بهِ المُكَلَّفُ. والندْبَةُ: دُعاء المَيتِ بتَفَجعٍ، ولذلك جُعِلَ في آخرِه الهاءُ لِإخراجِ كآبَةِ الحُزْنِ من قَعْرِ الصَدْرِ، والهاءُ من حروفِ الصدرِ، فالأصلُ في الندب: الدعاءُ (١). وقال بعضهم: المندوب: كلّ فعلٍ وقعَ عَقِيبَ استدعائِهِ بالقولِ بأدنى مراتِبِ الاستدعاءِ من الأعلى للأدنى. فصل في الحقيقة الحقيقةُ: القولُ الدالُّ بصيغةِ اللَّفظِ، وقيل: هو القولُ الذي يدلُّ بأصلِ الوَضْع، ومثال ذلك: الحمارُ، قولٌ يدلُّ على النَّهَّاقِ، والفَرس؛ قولٌ يدلُّ على الصَّهَّالِ، والإِنسان، يُذكَر على النَّاطِقِ بأصلِ الوضعِ وصيغةِ اللفظ، فإن قيل للبَلِيدِ من الناس: حمار، لَمْ يدلَّ بصيغةِ اللفظِ، ولا بأصلِ الوضعِ، لكن بالاستعارةِ لدَلالةِ حالٍ، فشارك الأصلَ بنوْعِ شركةٍ، وهي البَلادةُ. فصل والمجازُ: القولُ الذي يدل بتقدير الأصلِ دونَ تحقيقهِ، ومثال ذلك: سل القريةَ، هذا مجازٌ؛ لأنه يدلّ بتقديرِ الأصلِ، وهو قولك: سلْ أهلَ القريةِ.

стр. 160

فصل ولكلِّ مجازٍ حقيقةٌ، فذكرُ الأصل في هذا القولِ هو الحقيقةُ، والمجاز كلُه يُعَبرُ عن أصلِه، وأصلُه هو حقيقتُه، ومن الكلام المعبرِ عن أصلِه ما لا يَحْسُنُ أن يُقالَ: إنه مجاز؛ لأنه كَثُرَ فظهًر معناه، كظهورِهِ بالأصلِ، وذلك مثلُ قولِنا في اللهِ سبحانه: إنه العَدْلُ، لا يقالُ: إنه ليس عدلاً في الحقيقةِ؛ إذ قد صارَ يدل بصيغةِ اللَّفظِ، وإن كان ذلك على جهةِ الفَرْعِ، وإنما الأصلُ أنَّ اللهَ تعالى العادلُ، والعَدْلُ مَصدَرٌ وليس بوصفٍ. فصل في الفصلِ بين الحقيقةِ والمَجازِ اعلم أنَ المجازَ إنما يظهرُ معناهُ برَدِّهِ إلى أصلِه، والحقيقةُ ليست كذلك، بل معناها ظاهر في لفظِها من غيرِ رَدِّها إلى غَيْرهِا (١). فصل ولا يخلو استعمالُ المجازِ من أن يكونَ للبلاغةِ، أو للتَّوَسُعِ في العبارةِ، أو لتقريب الدَلالةِ، فلذلك عُدِلَ عن التحقيقِ إلى المجازِ، وإنما قيل للقولَ: حقيقة؛ لأنه دُلَّ به على المعنى على التحقيقِ بجَعْلِ كلَ حقيقةٍ في موضعِهاوعلى حَقَها (٢).

стр. 161

فصل في الصِّدْقِ الذي هو أحدُ مُحْتَمَلَي الخبرِ. هو الخبرُ عن الشيءِ على ما هو به، وهو نَقِيضُ الكَذِبِ. والكَذِبُ: هو الخبرُ عن الشيءِ على خِلافِ ما هو به. وأصلُ الصِّدق: القُوًّةُ والصَّلابةُ، وقيل: هو في أصلِ اللغةِ: ثَباتُ الشيءِ، ومنه قولُهم: صادقُ الحَمْلَةِ، إذا حَمَلَ في الحَرْب، ولم يَرْجِعْ، ومنه قولهم: رُمْح صَدْق، إذا كان صُلْباً. وصَداقُ المرأةِ: ما ثبتَ عليه العَقْدُ، وإنما خص به عِوَض النكاحِ دونَ البَيْعِ وغيرِهِ لقُوّةِ عِوَضِ النكاحِ وثبوتِه: إما تَسْمِيَةً، وإما حُكْماً مع السكوتِ عنه، وعندَ قومٍ مع الرضَى بإسقاطِه. والصَديق: هو الثابتُ المَوَدَّةِ. والصَدْق: الِإخبار عما ثبتَ مُخبَره. والصَدَقَةُ: تُثَبتُ المالَ وتحفظُه، كما أن الزَكاة تنَفَيهِ وتُرَيعُه. فصل والكَذِبُ مُختَلَفٌ في قُبْحِه، هل هو لِنفسِه أم بِحَسَبِ المكان (١)؟ فقال الأكثرونَ: قَبِيح بحَسَب مراسِمِ الشَرْع، ولهذا حَسُنَ عند العلماءِ حيثُ أجازَه الشرعُ لإِصَلاح ذاتِ البَيْنَ (٢)، وللزوجةِ في

стр. 162

مكانٍ (١)، وحَسنَهُ بل أوجبَه إذا سئلَ عن أبيه أو نَبيهِ لَيًقْتَلَ، فكذَبَ دفعاً عن أبيهِ ونَبيِّهِ القتلَ بالكذبِ، فإنه يُثابُ وَيحْسُنُ- كذبه، فبَطَلَ أن يكونَ لنفسِه. فصل ومهما أمْكَنَ بسَعَةِ العلمِ التَعريضُ، ففي المعَاريضِ مَنْدوحَةٌ عن الكذِبِ (٢)، فلا يَحل الكذب مهما اتسعَ عِلْمُه لمعاريضِ الكَلِمِ.

стр. 163

وقد تَعاطَى قومٌ وقالُوا: هو قَبيحٌ وإن دفعَ به قتلَ أبيهِ ونَبيِّه، وإن اصلَحَ (١) به، لكنَه دفعَ به ما هو اقَبحُ منه، وهذا بعيدٌ، لأنه تَعَطَى أن يُقالَ: أكلُ الميتة حالَ الضًرورَةِ حَرامٌ، لكن يُدْفَعُ بها ما هو أشد حَظْراً منها، وهو قتلُ النَّفْسِ بتركِ الأكلِ. فصل و المُحالُ أبعدُ من الكذب، فإن الكذبَ: الخَبَرُ عن الشيءِ على [خلافِ] (٢) ما هو به مَعَ جوَازِ أن يكونَ على ما هو به، مثل قولِ القائلِ: زيدٌ في الدارِ وليس فيها، والمُحالُ قولُه: زيدٌ في الدَّارِ وفي السوقِ الآنَ، فهذا محال لأنه خبرٌ بما يخالِفُ خَبَرُهُ مخْبَرَهُ، وبما لا يُمْكِنُ أن يكونَ على ما أخْبَرَ به. فصل في الِإباحَةِ والِإباحَةُ (٣): مُجَرَّدُ الِإذْنِ، ولذلك سُمَّيَ الآذِنُ في أكل طعامهِ: مبيحاً. وقيل: إطلاقٌ في الفِعْلِ. وقيل: ما لا عقابَ على تاركِه، ولا ثوابَ لفاعِلِه، وقيل: ما لا لائمةَ على فاعِله.

стр. 164

ورُتْبَةُ المبيحِ تخصّصُه، فيقالُ: اذِنَ المتخصصُ بالشيءِ لغيرِ المتخصِّصَ به. فصل و الحَظْر (١) في الأصل: المَنْعُ، مأخوذٌ من الحَظِيرَةِ، والمُحْتَظِر: الجاعلُ العَوْسَجَ حول إبلِه أو رَحْلِه، وما حظره الشرعُ: هو ما منعَهُ، وحَظْرُ الشرعِ: مَنْعُه، وكل محظورٍ ممنوع، وهو نَقيضُ الإِباحةِ؛ لأنها إطلاقٌ وإذنٌ، وهذا منع وكفٌّ. فصل و الطَّاعةُ: الموافقة للأمرِ على مذهب أهل السنَّةِ، والموافقةُ للِإرادَةِ على مذهبِ المُعْتَزِلَةِ (٢). وهي على ضَربَيْنِ: فريضةٌ، ونافلة: فالفريضةُ: ما استُحِقَّ على تَرْكِها الوَعِيدُ والذمُّ ما لم تُتَلافَى بالتوبةِ والقضاءِ والعَزْم على الأداءِ عندَ العَجْزِ، وأخْصَرُ من هذا أن نقول: ما لم يَحْصُلِ اَلتلافِي. فصل فأما النافلةُ فأصلُها في اللغه: الزيادةُ، ومنه سُمِّيَ النَفَل: ما زيدَ على سَهْمِ الفارس والرَّاجِلِ (٣). وقوله: (﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]: زيادةً في عملِك.

стр. 165

وهي في الشرعِ: ما في فعلِه ثوابٌ، ولا يلامُ تارِكُه، وقيل: ما رُغبَ فيه مما لا يَقْبحُ تركُه. فصل والطاعةُ والانقيادُ والاتَباعُ نظائرُ، فإنها: الاستجابةُ بسهولةٍ، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]،، انفعلنا بسهولةٍ غيرَ مُعْتاصِين (١) ولا بمعالجةٍ، نظيرَ قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فمِن ها هنا جاءَتْ استعارةُ قولِه: (طَائِعِينَ) هو، وإن كَانتا مفعولَيْنِ غيرَ مكَلَّفَتَيْنِ، لكنْ كان تَأتَيهما وتكوُنُهما في السرعةِ والتَأتَي كفعلِ الطائع من المكلفين المنقادِ لأمرِ الله سبحانه. والطاعة بالأمرِ أَخَص، تقول: أمرَه فأطاعَه، وسألَه فاستجابَ له، ولا يقالُ: أطاعَه في حق الأعلى للأدنى. فصل و المعصيةُ: نقيضُ الطاعةِ، وهي الاباءُ عن فعلِ المأمورِ به. وقيل: مخالفةُ الأمرِ على مذهب أهل السُّنَةِ، وعلى مذهب المعتزِلةِ: مخالفة الإِرادةِ (٢). وتَصريفُ ذلك: الطاعة، والمطاوعةُ، والانْطِياعُ، والطَوْعُ، والطَواعِيَةُ، ومنه الاستطاعة؛ وهي ما تنطاعُ به الأفعال، ومنه التَطوُع؛

стр. 166

وهو ما يفعلُه الإنسانُ من غيرِ حَمْلٍ عليهِ ولا إلْزامٍ. فصل وهل يُسمَى النَظَرُ والتأمُلُ في دَلائِلِ العِبَرِ طاعةً؟ قال قومٌ: يَصِحُّ أن يقالَ: طاعةٌ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأن الطاعةَ إنما هي موافقةُ الأمرِ، وما دام في طُرُقِ النَظَرِ، وطالباً مُعْتَرِفاً (١)، فليس بعارِفٍ، فلا يصحُ منه الطاعةُ، ولا التقربُ إلى من لا يَعْرِفُ، وهو في حالِ النظرِ لم يعرفْ بَعْدُ من يُطِيعُه، ولا من يأمرُه قَبْلَ الطاعةِ، وهذا عندي فيه تفصيل: فالنظرُ الأوَلُ على هذا، فأما النظرُ الثاني والثالث فيما بَعْدَ العِرْفانِ، فيَصِحُ الأمرُ به حيث ثَبَتَ الأَمْرُ. فصل في الِإذن والِإذنُ: هو الِإطلاقُ في الفعلَ. قال العلماءُ: وأصلُه في الاشتقاقِ من الأذُنِ، كأنه التوسعةُ في الفِعْلِ بالقولِ الذي يُسمَعُ بالأذُنِ، ومنه الأذانُ: إنما هو الدعاءُ إلى الصلاةِ الذي يُسمَعُ بالأذُن. والعربُ تقول: آذَنَني، بمعنى: أعْلَمَني، كأنه يقول: أسمَعَنِي

стр. 167

بأَذُني، أو سَمِعْتُه بأُذُني، ولا سَمْعَ إلا بالأذنِ. ومنه قولهم: المأذون، وله أحكامٌ في، الفقه. ونظيرُ إلِإذنِ: الِإباحةُ. فصل في الحفظ والحِفْظُ: هو العَقْلُ (١) الذي يُمْكِنُ معه التَأْدِيَةُ. وهو في الحقيقةِ: الذِّكر الذي يُمْكِنُ معه الحِكايَةُ (٢). فصل في الفَهْمِ والفَهْمُ (٣): العلمُ بمعنى القولِ عند سماعِه، ولذلك لا يُوصَفُ به الله تعالى، لأنه لم يَزَلْ عالماً به، وقد يُفْهَمُ الخطأً كما يفهمُ الصوابُ، ويفهمُ الكَذِبُ كما يُفهمُ الصدْقُ، ألا ترى أنه يُفهمُ قولُ الدَهْرِيِّ (٤): الأجسامُ قديمةٌ، كما يُفهمُ قولُ الموَحِّدِ: إن الأجسامَ مُحدَثَةٌ، وكذلك يفهمُ كُلُّ باطلٍ، ولولا فهمه، لما عُلِمَ أنه باطلٌ.

стр. 168

فصل في العَقْدِ هو في أصلِ اللغة عبارةٌ عن: ارتباطِ طرفينِ أحدهما بالآخرِ، ومنه: عَقْدُ ما بين طَرَفَي الحَبْلِ، أو عَقْدُ ما بين حَبْلَيْنِ (١). وهو في الفقهِ: عبارةٌ عن ارتباطِ عَهْدَيْنِ وعِدَتَيْنِ فيما وقعَ العهد به بين متعاهدَيْنِ أو متعاقدَيْنِ-وهما المتلافظانِ- بما قَصداه من صِلَهٍ ما بين شخصينِ بنكاحٍ، أو بَيْعٍ، أو شَركَةٍ، أو إجارةٍ. فالإِيجاب: قولُ الباذلِ، والقَبول: قول القابل (٢)، والقَبُولُ (٣) عِنوانُ الرضى، واللزومُ حكمُ ما تأكَدَ منها، والجوازُ حَكم ما تُرِكَ (٤) منها. فصل واللزومُ: وصفٌ للعقد، وهو عِبارة عن وقوعِه على وجه لا يُمكن لواحدٍ (٥) منهما الخروجُ عنه، ولا فَسْخُه، وذلك كعقدِ النَكاحِ، والبيعِ المُطْلَقِ بعد التَفَرقِ، والإِجارةِ، والخُلْعِ.

стр. 169

فصل والجوازُ: وَصفٌ في العَقْدِ، وهو ان، يقعَ على وجهٍ لكل واحد منهما الخروجُ عن حكمِه؛ كالشَرِكةِ والمضَارَبةِ، والوَكالَةِ في أصل الوَضْعِ، والبيعِ مع خيارِ الشَّرْطِ، والكِتابةِ في جانب العَبْدِ. والوصفانِ لُطْفانِ من اللهِ سبحانه للتخليصِ من الإِضْرارِ والضرَرِ. فصل وقد يقعُ العَقْدُ بوصفِ اللُّزُوم، فيَعْتَرِضُ سببُ الجوازِ للتخلُّصِ؛ كالعثورِ على عَيْبِ (١) في المبِيع والَمَنْكُوحَةِ (٢)، فيملِكُ المستضِرُّ بالعيب فسخَ العقدِ. وقد يَعْتَرِضُ اللزومُ بَعدَ الجوازِ (٣) بانقضاء مُدةِ الاستدراكِ في خِيارِ الثلاثِ (٤)، والتفرُّقِ عن المَجْلِسِ، أو بحصولِ الرضى بإسقاطِ حَقِّ الاستدراكِ، وهو التصريحُ بالإِلزامِ. فصل ويدخلُ في ذلك عقدُ الذَمَّةِ والهُدْنَةَ بين أُمةٍ وأُمةٍ أو نائِبيهما، وهو على ما ذكرنا من الحدً والشروطِ.

стр. 170

فصل ومن جُمْلَةِ ذلك عَقْدٌ بينَ العبدِ وبين اللهِ سبحانه، وهو النَّذْرُ، فالوفاءُ به لازمٌ، إما بوجودِ الشرطِ، إن كان مشروطاً بأمرٍ قد يحصلُ، أو كان مُطْلَقاً، فيلْزَمُ بإطلاقِ العقدِ. فصل ومن جملةِ ذلك عقدُ الِإحرام، والصلاةِ، والصِّيامِ، وذلك يَلْزَمُ الوفاءُ به بالشروعِ فيه (١)، وهو كالَنَّذْرِ عند قومٍ، وهو جائزٌ كالعقودِ الجائزةِ عند قومٍ. فصل ولنا من جملةِ هذا عقدٌ يُعرفُ بعقدِ الباب، وعقدِ المذْهَبِ، وحَدُّه: أنه الأصلُ الذي يَنْبَني عليه الخبرُ، وهو عَلى ثلاثةِ أضْرُبٍ: كُلِّي، وشَرْطي، وما كان عليه عِلَّةٌ، ولكل واحدٍ مثالٌ من أصولِ الذَين والفِقْهِ. فأما من أصولِ الدين، فمثلُ قولِك: كلُّ مُتَغَيِّرٍ أو مُنْفَعِلٍ فَمُحدَثٌ، وكقولك: كلُّ كبيرةٍ موجبةٌ لفِسْقِ فاعِلها، وكقولِك: كلُّ صغيرةٍ مفعولةٍ مع عَدَم اجتناب الكبيرة فغيرُ مُكَفَّرَةٍ، وكلُّ فعلٍ حَسَنٍ لا يَتقدَّمُه أو يصاحِبُه إَيمانٌ فَمُحْبَطٌ، فهذا مثالُ الضَّرْبِ الأوَّلِ من

стр. 171

أصولَ الدِّين. ومثالُه من الفقهِ أن نقولَ: عقد الباب، من مذهبنا أنَ كل مُسْكرٍ حرام، وكل مُسَوغٍ الاجتهادُ فيهِ لا يفسق معتَقِدُه، وَلا فاعِله المعتقِدُ إباحتَه، أو المستفتي في فعلِه مَنْ يعتقِدُ إباحتَه. ومثال الثاني: وهو الشَرطِيُّ من العقودِ من جهةِ الأصول: إذا كان الله سبحانَه شَرَطَ أن لا يعذَبَ حتى يبعثَ، الرسلَ لنفي الحُجةِ حينَ قالَ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، كان مِنْ مقتضى شرطِه سبحانَه أن لا يعَذَبَ الأطفالَ والمجانينَ، إذ لا رِسالَة إليهم، ولا خِطابَ لهم، وقد صَرحَ به في آيةٍ أخرى: ﴿أن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] فما شرَطَهُ الباري لئلاَّ يقالَ: لايفعله، ولا يجوزُ أن يفعلَه، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] يَقطع حجةَ المتعلقينَ في التكاليفِ بالَأقدارِ؛ لأنَ اللهَ سبحانَه إذا تَرَكَ عن نفسِه حجَّةً بعد الرسلِ لايَبْقَى ما يكون حجَّةً عليه، ولاحجةَ لمكلفٍ بعد الرسلِ، كذلك لا تَبِعَةَ على صَبِيٍّ ومجنونٍ مع عَدَمِ الرسالةِ إليه. ومثاله من عقودِ الباب في المذاهب، الفقهيةِ: إذا كان التحريم للجَمْعِ بينَ الأختَيْنِ في عقَدِ النَكاح هوا ممَّا يَتجدد من قَطِيعَةِ الرَّحمِ بالتغايرِ على الفِراشِ، وجبَ أن يَحرُم الجمع بين الأختينِ في الوطِء بملْكِ اليمين، لِما يورِث من قطيعةِ الرحمِ، وإذا كان تحريمُ الخمرِ، لِمَا يَعْقب من العداوةِ والبغضاءِ والصَّدَ عن ذكرِ الله، وعن الصلاةِ،

стр. 172

وكان ذلك موجوداً في السكْرِ من النَبِيذِ، وجبَ تحريمُ النَبيذِ. ومثال الثالث من الأصول (١)، وهو التَعْلِيليُّ، كقولِك: إنما لم يُعاقِب اللهُ من لم تَبْلُغْه الدعوةُ؛ لأنه لم يَتَجِهْ نحوه خِطاب على أصل أهل اَلسنة، مع كونِهم ذَوِي عقولٍ تنهاهُم عن عبادةِ الصُوَرِ والحجارةِ المُشكَلَةِ، لعلةٍ هي عدمُ البلاغ بدليلِ قوله: ﴿مَ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، أوجبَ هذا التعليلُ من طريق الأوْلى أن لا يُعاقَبَ أطفالُ المشركينَ لما ثَبَتَ من أنهم غيرُ سامِعِينَ للخِطابِ، ولا تَوَجهَ نحوَهم، ولا معهم عقولى تمنعُهم. ومثال الثالثِ من أصولِ الفقهِ: إنما حُرِمَ القاتلُ الِإرثَ عقوبةً له حيثُ اتُهِم في تَعجلِ حَقَه، فيجبُ على من عللَ بذلك أن لايَحْرِمَ الطفلَ، والمعروفَ بالجنونِ بقتلِهما نَسِيبَهما وموروثَهما؛ لأنه لا قَصْدَ له، فيَسْتَحِق العقوبةَ بفعلِه. فصل ويجبُ على من عَقَدَ عقداً أن لا يُناقِضَ فيه، ويحرُسَ ذلك الأصلَ من المناقضةِ كما يحرُسُ العِلَلَ، ومتى انخَرمَ خرجَ أن يكونَ عقداً.

стр. 173

فصل في النَّفْيِ والنفيُ: هو الخبرُ الذي يدل على أنَّ المُخْبَرَ به ليس بشيءٍ، أو ليس بموجودٍ، وكلُّ خبرٍ فلا يخلو أن يكون نَفْياً، أو إثْباتاً، أو إبْهاماً، فالنفي ما قَدَّمْنا، والإِثباتُ نقيضُه، وهو الخبرُ الذي يدل على أن المخبرَ به موجود، أو أن المخبرَ به شيءٌ، وأما الإِبهامُ: فهو الخبرُ الذي لا يدلُّ على وجودِ المخبرِ به ولاعدمِه. والمثْبَتُ: هو المخبر بوجودِه، أو بكونِه شيئاً. والمَنْفى: هو المخبر بِعَدَمِه، أو بكونِه ليس بشيءٍ. فعلى هذا: من أثْبَتَ الحَرَكَةَ [فقد أخبر بوجودِه]، (١)، ومن نفاها، قد أخبرَ بعدمِها (٢)، ومن أخبرَ بتحريمِ النَبيذِ، أو إيجاب الشُّفْعَةِ بالجوارِ، فقد أخبر بوجودِ الحُكْمَيْنِ؛ أعني: تحريمَ النبيذ، ووجودَ إيجابِ انتزاعِ العَقَارِ بالجِوارِ. والدَّلالةُ على أن النفيَ يتعفَق بالعدَم قولهم: الضِّدانِ يتنافيانِ، والإِثباتُ نَقيضُ النفي، كما أن الوجودَ نقيض العَدَمِ. والدلالة على أن الإِثباتَ في الصَفةِ متعلق بالمصدرِ قولُهم: ذَمَمْتُه لأنه ظالمٌ، ومدحتُه لأنه مُومِنٌ أو مُحْسِن، والتعلقُ في ذلك كُله في الذَمَ بالظُلْمِ، وفي المَدْحِ بالإِيمانِ والإِحسانِ، وفي العِقابِ بالكُفْرِ،

стр. 174

وفي الثَواب بالإِيمانِ، فاعتُبرَ ابداً الشيءُ الذي لَهُ ومن أجلِه كان المخبرُ عنهَ على الصَفةِ، فإن كانَ معنىً غيرُ المخبَرِ عنهُ، فالذمُ متعلقٌ به، وكذلك الحمدُ، وعليه قِياسُ الإِثباتِ والنَفيِ، وإن كان ليس بمعنىً غيرِ المخبَرِ عنه في الحقيقةِ، كقولك: لأنه موجودٌ، ولأنه باقٍ، إذ ليس يفيدُ تقديرَ معانٍ، فكل ذلك متعلق بالمخبَرِ عنه. فصل وقد يُثْبَتُ الشيءُ من وجهٍ، وُينْفَى من وجهٍ آخَرَ، كمايُعلمُ من وَجهٍ، ويجهلُ من وجهٍ آخَرَ، ذلك كقولِك: السعَفَة مُتَحركةٌ. فهذا إثبات للحركةِ، ثمِ تقولُ: ولم يحرِّكْها مُحرك. فهذا نفى للحركةِ، لأنه لو لم يحركْها مُحرَكٌ كانت حركَتُها معدومةً لا مَحالةَ، فقد دل على أن المخبَرَ به في القولِ الأول موجود، ودل في الثاني على أن المخبرَ به معدوم، وهذانِ الخبرانِ متناقضانِ، إلا أن تناقضَهما لمَا كان لا يُعرفُ إلا من طريقِ الاستدلالِ، جازَ أن يجمَعَ بينهما مَنْ لم يستدل فيعلمَ أنهما يتناقضانِ. فصل ولنا سَلْبٌ، وبينَهُ وبينَ النَفْيِ فَرْق: وهو أن النفيَ دَلالة على عَدَم المخبرِ به، والسلْب دلالةٌ على أن المخبَرَ به على نَقيضِ الصَفَةِ بالإِنكارِ، موجوداً كان المخبَرُ به أو معدوماً. مثالُ ذلك من الأصولِ، قولُك: ليسَ جوْهَرُ الجمادِ مثلَ جَوْهَرِ الحيوانِ، فهذا هو السلْبُ، وليس بالنَفيِ؛ لأنه لم يدل على عدمٍ، وإنما دل على أن المُخبَرَ به على نقيضِ الصَفةِ، فقلتَ: ليس مثلَه،

стр. 175

وهذه صفةٌ لا تَختص بالوجودِ دونَ العدم، ولا بالعدم دون الوجودِ، وإنما تدلُّ على النقيضِ في القولِ والفعَلِ (١) بطريق الإِنكارِ. والفرقُ بين الإِيجاب والِإثباتِ: أن الإِثباتَ دَلالةٌ على أن المخبَرَ به موجودٌ، والإِيجاب دً لالةٌ على أن المخبَرَ به على صفةٍ بطريقِ الِإقرارِ (٢)، وليس يدلُّ على وجودِ المخبرِ به ولا عَدمِه لا مَحالَةَ؛ لأنه قد يكونُ إيهاماً وغيرَ إيهامٍ. فصل في الصَّوابِ وهو العدولُ إلى الحقِّ، ويكونُ في القولِ والفعلِ، كما أن الحُسْنَ يكونُ في القولِ والفعلِ، وكذلك الحق في القولِ والفعلِ، والصوابُ لا يكونُ إلا حَسناً. فأمَّا الإِصابةُ، فقد تكونُ حَسَنةً، وتكونُ قبيحةً على ما قَررْنا (٣) في رَمْيِ الكافرِ المسلمَ، ورمي المسلمِ الكافرَ، أو رميِ الابنِ أباه، إصابتُه له قبيحةٌ، وإصابةُ المسَلمِ للكافرِ حَسَنَةٌ، وجميعاً إصابةٌ، فهذا في الفعل. فأما في الاجتهادِ والبحْثِ، فلو بَحَثَ إنسانٌ عن شيِءٍ فوجدَه وكان ذلك الشيءُ بدْعَةً وضَرَراً لغيرِه، كان عِصْياناً، ولم يَمْنعْ عصيانُه أن يكونَ وجودُه لَذلك إصابةً.

стр. 176

قال بعض الأصوليِّين: وقد يكونُ صوابٌ أصوبَ من صوابِ، كما يكونُ صلاح أصلحَ من صلاحٍ، وطاعةٌ أفضلَ من طاعةٍ، قال عَلي بن عيسى في كتابِه: وهذا يجوزُ على طريقِ المبالغةِ، كما يقالُ: فلانٌ أصدقُ من فلانٍ، أو أصدق العالمينَ. فصل في الخطأ والخطأ: نقيض الصواب؛ وهو الدَّفعُ عن الحقِّ، وهو الذهابُ عن الحقِّ، وهو الضلالُ عن الحَقِّ. فصل في الضَّرُورَةِ والضرُورَةُ: هي الفعل الذي لا يُمْكِنُ التخلصُ منه. والمُضْطرُّ: هو المفعولُ به ما لا يمكنه التخلصُ منه. والضَرُورَةُ والاضْطِرارُ واحدٌ، وهما غيرُ الِإلْجاءِ وخلافُه؛ وذلك أن الإِلجاءَ: أن يُحمَلَ على أن يَفعَلَ، والضَّرورَة: أن يُفْعَل فيه شيءٌ لا يمكنه الانصراف عنه. واشتقاقُ الضرورةِ من الضُرِّ، والضرُّ: ما فيه ألمٌ، وقد يُقال: اضْطَرة إلى أن يفعلَ، كما يقال: ألْجَاهُ إلى أن يَفعلَ، غيرَ أن الأظهرَ في الاضْطِرارِ أنه خِلافُ الاكتساب، ألا ترى أنه يقالُ: أباضْطِرارٍ عرفتَ هذا، أم باكتسابٍ؟ ولا يَقع الَإِلجاءُ هذا الموقعَ، وإذا تقاربتِ

стр. 177

المعاني تداخلت الألفاظُ، فوقعَ بعضُها مَوقعَ بعضٍ، ونابَ بعضُها عن بعضٍ. وأكثرُ ما تستعملُ الضرورةُ في العلمِ، وهي في الفعل كلِّه تَصِح، فكَوْنُ الإِنسانِ ضرورة، وشَهْوتُه ضرورةٌ، وخَواطِرُه ضرورةٌ وأكثرُ أحوالِه ضرورةٌ؛ لأن أكثرَ أحوالِه ما يُفعل فيه، وأقلُّها ما يَفْعَلُ ويَكْتَسِبُ كحركتِه، وسكونِه، وجمعِهِ، وتفريقِه، وإرادتِه، وكراهتِه، واعتقادِه، وندمِه، وإصْرارِه، وما يَجْرِي هذا المَجْرَى، فاكتسابٌ كلُه. وكأنَ الأصلَ في الضرورةِ أن يُفعلَ في الشيءِ ما يَضُرة، ولا يَتهَيأ له الانصرافُ عنه، ثم كَثُرَ حتى صارَ في كلِّ ما يُفعلُ فيه مما لا يَتهيأ له الانصرافُ عنه، ضَرَّهُ أو نَفَعَهُ، وقد يضْطَرُّ الِإنسانُ نَفسَهُ إلى أمرٍ، كالذي يُلقي نفسَه من سطحٍ، فيَضْطَر نفسَهُ إلى الهُبوطِ. فصل في الضِّدَّ وهو: المنافي للنَّقيض مع المنافاةِ لِمَا نافاهُ، وشرح ذلك: أنَّ المنافاةَ قد تكونُ بين الشيئَيْنِ، ولا مُضادَّةَ بينهما، كالإِرادةِ تنافي الموتَ، ولا تُنافِي ما نافَى الموتَ من الحياةِ والمعرفةِ وغيرِ ذلك، وإنما قيلَ: مُنافاة، ولم يُقَلْ: مُضادَّة؛ لأن المضادَّةَ نهايةُ المُبايَنَةِ، والمنافاةُ إنما يُرادُ بها الدَّلالةُ على أنه لا يَصِحُّ وجودُهما معاً. وأما النقيضُ فهو أعمُّ من الضد، فكلُّ ضدَّ نَقيضٌ وليسَ كُلُّ نقيضٍ ضداً، إذِ الصِّدقُ نقيضُ الكذبِ، وليس بضدٍّ، وكذلك المتحركُ نقيضُ الساكنِ، وليس بضا، وكذلك المنافاةُ أعمُّ من

стр. 178

المضادَّةِ، والنَقيضانِ قد يجتمعانِ في الوجودِ (١)، ولا يَصِح أن يجتمِعَ الضدانِ في الوجود، وذلك كقولك: زَيدٌ متحرِّكٌ، ليس زيدٌ متحرِّكاَ، فهذان القولانِ نقيضانِ، وقد اجتمعا في الوجودِ، والضدان يتعاقبانِ في الوجودِ. وعندي أن ذلك لأنَّ الضدَّيْنِ لا يقومُ كل واحدٍ منهما إلا بمَحَل، ولا يتبيينُ التضاد إلا بالمَحَل الواحدِ، ولا اجتماعَ للحَرَكةِ والسَكونِ، ولا للبياضِ والسَّوادِ في محلٍّ واحدٍ، والنَقيضُ (٢) في اللفظ الواحد لا يَجتمع مع النقيض، وإنما قولُ القائلِ: زيدٌ متحركٌ [ليس]، (٣) متحركاً، نقيضانِ، لكنْ في زمانَيْنِ، والنطقُ لم يَجْمَعْهما (٤)، وإنما يَعْقُبُ أحدُهما الاَخَرَ، وإنما الذي بَقِي من المُفارَقَةِ أن القولَيْنِ نقيضانِ، وجُمِعَا لزيدٍ جَمْعاً لا يُجْمَعُ مثلُه في الضِّدَّيْنِ، فقيلَ: زيدٌ متحركٌ، ليس زيدٌ متحرِّكاً، والضدانِ لا يجتمعانِ وجوداً في المحلِّ.

стр. 179

فصل واعلم أن لنا ما يُضادُ شَرْطَ الشيءِ وليس بمضادٍّ له، كالِإرادةِ تُضاد الكراهةَ من حيثُ إنها لا تجتمعُ معها في المحَلِّ، والكراهةُ لا تجتمعُ مع المَوْتِ، ولا الِإرادةُ تجتمعُ مع اْلموتِ، ولا يقالُ: إن الِإرادةَ ضدُ الموتِ، ولا الكراهة ضدُ الموت، لكنَ الموتَ يُضادُ ما لا يصحُ وجودُ الإِرادة والكراهةِ إلا مَعَهُ، وهو الحياةُ. وكذلك العِلْمُ لا يجتمعُ مع الموتِ، لا لكونِ الموتِ ضداً له، لكنْ لكونِه ضد الشَرْطِ وهي الحياةُ، فافْهَمْ ذلك. فصل في مثالِ ذلك من الفِقْهِ إن الحَظْرَ في باب الاستمتاعِ يُضادُ الإِباحةَ لا الملكَ، والإِباحةُ لا تجتمعُ مع عِتْقٍ ولا طلاقٍ لا من حيثُ مضادَّتُهما لها، لكنْ لِمضادةِ الشرطِ لها، وهو الملكُ. فصل وقال بعضُ أهلِ العلم بالأصولِ: وما ادفَعُ قولَ القائلِ: إنَ الموتَ يُضادُّ الإِرادةَ. والذي نختارُه هو الأولُ؛ لأنه ينبغي أن يكونَ المضادُ للشيء مضادَّاً لِمَا ضادَّهُ، كالسوادِ لمَا ضادَّ البياضَ، ضادَ جميِعَ ما يُضادُّ البياضَ من سائرِ الألوانِ، وقد علمنا أن الكراهةَ تضادُّ الموت، والموتُ يضادُّ الحياةَ، فينبغي أن تكونَ الكراهةُ تضادُّ الحياةَ، كما نقولُ في

стр. 180

حركةٍ يَمْنَةً، وحركةٍ يَسْرَةً، والسكونِ، فإن كان هذا لا يجبُ في بعضِ الأضْدادِ، لم يَجِبْ أيضاً في كلِّ الأضدادِ المُساوَقَةُ. ومما يَدُلُّ على ذلك أن الأضدادَ إنما تتضادُ على المحل الواحدِ إذا كان من شأنِها أن تَحِلَّ في مَحَلٍّ، يدل على ذلك أن بياضَ زيدٍ لا يُضادُ سوادَ عمرو، وُيضادُه ما كان من جِنْسِ ذلك البياضِ يَحُلُ في زيدٍ، وإذا ثبتَ هذا قلنا: إن المضادَّةَ بينَ الإِرادةِ والكراهةِ حاصلةٌ من حيثُ تعاقَبَتْ على المَحَلِّ، ومتى وُجدَ أحدهُما في المَحَلِّ-وهو الحَي-، انتفى الآخَرُ عن ذلك المَحَلِّ، فأما إذا وُجدَ الموتُ انتفتِ الحياةُ، وهي ضِدُّه، وكان امتناعُ حلولِ الإِرادةِ لاَ لحلولِ ضدِّها - وهي الكراهةُ-، لكنْ لعدم شَرطِها، وهي الحياةُ، فخرجَ المحل عن كونِه قابلاً لكراهةٍ وإرادةٍ، فصَارَ كعَدَم المحلِّ رأساً، لا يقالُ: إنه ضد لأعْراضِ الجسمِ. فصل في الفِسْقِ الفِسْقُ: هوالخروجُ، يقال: فَسَقَتِ الحيَّةُ: إذا خَرَجَتْ. وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ: الفُويسِقَةَ (١)، وسُمَيَ به العاصي بكبيرةٍ، أو بمداومةٍ [على]، صغيرةٍ، لخروجهِ عن أمرِ الله وشرعِه، قال سبحانه: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، يعني: خرجَ. فهذا حَدُّ الفِسْقِ أصلًا في اللغةِ. وهو في الفقهِ بحكمِ الرَّسْمِ: عبارةٌ عن فِعْلِ كبيرةٍ، أو مُداوَمةٍ
следующие страницы →