الآخرُ، فاستوعبوا الثلاثةَ أعيان، كانَ الجميعُ واجباً من حيث إنه سقطَ بها الوجوبُ عن ثلاثةٍ، كل واحد منهم قد وجب عليه نوع، فلماسقطَ بالثلاثةِ ثلاثُ كفاراتٍ واجباتٍ. دل على [أنَّ]، الثلاث واجبات، حيثُ سقطَ بها ثلاثة واجباتٍ، فلا يلزمُ، لأن كونَ الثلاثة في حق ثلاثةٍ من المكلفين لا يعتبرُ به الثلاثةُ في حق الواحدِ، فإنه لو أمرَ بلفظِ التنكير فقال: أعتق عبداً، كأعتقَ كُلُّ مُكَفر عبداً، كانَ جميعُ ما أعتقه المكفرون من العبيدِا واجباً، وَبمثله لو أعتقَ واحدٌ جميعَ أولئك العبيد، لم يكن الجميعُ واجباً، بل كانَ الواجبُ منهم واحداً.
وأمَّا تعلّقهم بفروض الكفايات، فهو الحجّةُ لنا، لأنه لما كان الفرضُ على الجميع، أثَمَ بتركه الجميعُ، فلو كانَ هاهنا الواجبُ الجميع، لأثم بتركهِ الجميعُ.
على أن فروضَ الكفاياتِ لو لم تجب على الكافة لاتكلَ بعضُهم على بعض، فلم يُفعل شيءٌ منها، وهاهنا إذا وجب واحدٌ لا يفضي تركُ اثنين إلى ترك الجميع، لأنه إذا نابَ واحدٌ عن آخر في حقِّ المكفِّر الواحِد، لم يخلدْ إلى تركِ الكل، بل غايةُ ما يخلدُ إلى تركِ الواحد والاثنين، وفي فعلِ الأخركفاية.
وأما قولُهم: إنَّ هذا يُفضي إلى أن يكونَ ما يختارُه المكلفُ من الأعيانِ الثلاثةِ هو الواجبَ عندَ الله، وما لم يختره ليس بواجب، وغيرُ الواجب هو النفل، وأحدٌ لا يقولُ إنَ الله خيَّر في هذهِ الأعيانِ الثلاثة بين واجَبٍ ونفل، فهو قولٌ مخالفٌ الإِجماعَ، فلم يبقَ إلا القولُ بأنَ الثلاثة واجبةٌ. فهذا لا يصحُّ من وجوه:
стр. 1227
أحدها: أنا وإن قلنا بان الواجبَ تعين بالنيةِ، والفعلِ، إلا أنَه قبل الفعل والنيةِ غيرُ متعين، وليسَ إذا كانَ الله سبحانه عالماً بعين ما يفعلُه المكلفُ ويختاره ويعتقده وينويه، كان ذلكَ موجباً لتعيينه بالوجوبِ، كما أنه يعلمِ مَن الناهضُ من الأمة بفعلِ فروضِ الكفاية، ولا يوجب علمةُ سبحانه بذلك أن التعيين حاصل في حق من علمَ أنه ينهضُ بذلكَ، بل الفروضُ على مَآبها، فلا يتعين سقوطُ الفرضِ على الجميع إلا بفعل الناهض بذلك الفرضِ ونيتهِ واعتقادِه، وكذلكَ من قال له الشرع: أعتقْ عبداً، أو اقتل مشركاً. فإن الله سبحانَه عالم بمن يُصرف إليه العتق من العبيدِ، وُيقتلُ من المشركين، ومع ذلكَ لا يُجعل قبلَ الفعلِ متعيناً.
على أنه لو كانَ علمُ الله سبحانه بعين ما يفعلهُ المكلفُ ويختارهُ يجعلُه واجباً بعينه، لم يُستنكر أنْ يكون غيرُه نائباً منابَه، وسادّاً مسدّه، كما زعمَ بعضُ فقهاءِ أصحابِ أبي حنيفة أنَّ الصلاةَ في أول الوقتِ نفل، تمنعُ بقاءَ الفرض، وتنوب منابه في الوقت الأخير عند تحقق الفرض.
والمسبوكُ من هذه المسألة أن كُل شيء كان من هذا القبيل من التخيير بين آحاد عدد: كالشورى في الستةِ في باب الخلافة (١)،
стр. 1228
والأنواع الثلاثة في الكفارة، والأوقاتِ في الصلوات: الأول والأوسطِ والآخرِ، وما بين رمضانين لقضاء ما فات من صوم رمضان، لايحسُنُ أن يقال في ذلك كلّه: إن الوجوبَ عم الجميعَ، ولا إن الواجب واحد بعينه، بل يقال: إن الكُل متساوي الآحاد في صلاحيته لأداءِ الواجب به إن كان فعلًا، أو فيه إن كان وقتاً للفعل وظرفاً، فالخطأ ممن عمَّهَا بالوجوبِ في اللفظِ، وهذا هو الحاصلُ لنَا. والله أعلم.
فصل
ويدخلُ في ذلكَ مالا يتحقق أداءُ الواجب إلا به، كفعلِ صلواتٍ خمسٍ في حقِّ من فاتته صلاة من خمسٍ لَا يعلمُ عينها، والإِمساكِ في جزء من الليل لتحقق صوم جميعِ بياضِ اليوم، وغسلِ جزءٍ من قُصاصِ شعرِ الرأس ليتحقّق على جميع الوجه.
فصل
وممّا يشبهُ ذلكَ ويقاربُه، اشتباهُ الحلالِ بالحرام مما لا يمكن تركُ الحرامِ إلا بتركِه، مثل أخيه ومرضعته بالأجانب، اشَتباهاً لا يمكنُ معه التمييز.
فهذا إن كان في دربٍ أو محلّةٍ أو قريةٍ صغيرةٍ، صارَ نساؤها كلُّهن محرماتِ الاستمتاعِ والنكاحَ في حقّه، لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهن يحتملُ أنْ
стр. 1229
تكونَ هي المحرمةَ.
فيقال: الكُلّ محرماتُ: بمعنى لا يباحُ نكاحهنّ ولا المتعةُ بهن بملكِ يمين إن كن مملوكات، وكذلك المسلوخاتُ إحداهن ميتةٌ.
فصلٌ
ومن ذلك اشتباهُ الأواني، يُجعل الكُل محرماً استعمالُه وشربُه إذا لم يمكن التحري، أو أمكن لكنَّ [في]، أحدِها بولاً، أو كان لا تطلق عليها الِإباحةُ قبل التمييز، ويطلق على جملتها التحريمُ عند من لم يرَ التحرّي، ولا يطلق التحريم على جميعها عند من يرى التحري، ومن يرى التحري فيها يقول: إن فيها حراماً وفيها حلالًا يحصل تمييزه بالاجتهاد.
فصلٌ
إذا أمرَ الله سبحانَه بعبادةٍ، وعلقها على وقتٍ يتسع سعةً توفي على فعلها؛ كالصلاةِ تجبُ لدلوكِ الشمس إلى غَسَق الليل، كما قال اللهُ سبحانه (١)، فإنَّ الوجوب يتعلق بجميعِ الوقتِ وجوباً موسّعاً (٢).
ومعنى قولنا: وجوباً موسّعاً، هو أنَّ الصلاةَ وجبت بأوَّلِ الوقتِ، وجعل أوله وأوسطَه وآخره وقتاً لأدائها، فلا يأثمُ المكلفُ بتركِها في
стр. 1230
وقتٍ إذا كان عازماً على فعلها، فيما بقي في الوقت متّسعاً لها، فمن أخلّ بالعزم كان آثماً بإهماله أمرَ الله سبحانَه حيث تركَ تلقيّه بتعبدٍ ما لا فعلاً ولا عزماً، وبه قال القاضي أبو بكر الأشعري (١)، وأصحاب الشافعي.
وقال أكثر أصحاب أبي حنيفة: يتعلّقُ بآخرِ الوقتِ الذي لا يتَسعُ إلا لفعلِ العبادةِ.
وقال أبو الحسن الكرخي: يتعلق بوقتٍ غير معين، ويتخير المكلّفُ بين فعلِها في أوَلهِ وأوسطِهِ وآخرهِ، ويتعيّن بالفعل.
وقال بعضُهم؛ أعني أصحابَ أبي حنيفة: إنْ فعلهَا في الوقتِ الأول وقعت نفلاً، يمنعُ وجوبَ الفعل وتقع مراعاة إن بقىَ المكلفُ على تكليفه إلى آخره تبيّنا أنها وقعت واجبةً، و [إن] لم يبق إلى آخره كانت نفلاً.
وقال بعض المتكلمين: إنَه مخيّر بين الأوقاتِ في إيقاعِ الفعل فيها، كما يتخيّر بينَ الأعيان في كفارةٍ للتخييرِ في التكفيرِ بها.
فصلٌ
مجموعُ أدلِتنا على تعلق الوجوب بالوقتِ الأوّلِ والأوسطِ والأخيرِ، وإفسادِ قولِ من خصصّ الوجوبَ بَالوقتِ الأخير، وإفسادِ قولِ من جعلَ الفعلَ في الوقتِ الأولِ نفلاً، ومذهبِ من جعله مراعىً بحالِ المكلف في آخرهِ.
فالدليلُ لصحةِ مذهبنا وأن فعلَ العبادةِ في الوقتِ الأولِ والثاني
стр. 1231
والأخيرِ حصلَ بحكم الأمرِ، لأنَّ الله سبحانه حيث قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، أجمعنا عَلى أنَّه
لم يُرِدِ امتدادها بالتحريمِ عند الدلوك، والتسليم عند غسقِ الليل، فلم يبقَ إلا أنَه أراد امتداد الوقتِ والساعةِ لفعلِها أيً وقتٍ شاء من هذهِ الأوقاتِ التي أوَّلُها دلوكُ الشمسِ، وآخرها غسق الليل، ومحال إخراجُ وقتٍ منها عن تناولِ الوجوب مع اتجاهِ الأمرِ إليه، وليسَ يتلقى الوجوب إلا من صيغةِ الأمرِ التى تناولت هذا الوقتَ الممتد، ولا سيّما مع تفسيرِ الشرع لذلك، فإن جبريلَ صلى بالنبي ﷺ في الوقتين، الأول والأخير، وقال له: يا محمد، "الوقت ما بين هذين" (١)، ولا يجوزُ أن يكون المراد بقوله: الوقت ما بين هذين، الوسط الذي لم يصلَ فيه هو وقت الوجوب، فلم يبقَ إلا أنَه أراد تعميم الطرفين والوسطَ بالوجوب، وإيقاعَ الفعلِ الواجب فيها.
ومن ذلك: أنَ المأمورَ المكلف إذا أوقعَ الفعلَ المأمورَ به في الوقتِ الأولِ أو الأوسطِ أو الآخرِ، أسقطَ به الفرضَ، وخرجَ به من عهدةِ الأمر، وما خرحَ به المكلف من عهدةِ الأمرِ فهو الواجب بالأمرِ، والأوقات متساويةٌ في ذلكَ من الأولِ إلى الآخرِ، فَدلَّ على أنْ الوجوب عمَّ الأوقاتِ.
ومن ذلكَ: إفسادُ قول من خص الوجوبَ بآخرِ الوقت، أنَّ تعليقَ
стр. 1232
الوجوب بالشرطِ يُفيدُ أنه إذا حصلَ الشرطُ حصلَ الوجوبُ، والشرطُ الوقتُ المذكور، وهو مستمرٌ من دلوك إلىٍ غسق، فإذا لم يتعلق بالأوَلِ خاصةً، فلا وجهَ لتعلقهِ بالآخرِ خاصة، فلم يبقَ إلا تعميمُه بالوجوب، وهو ما ذكرناه.
يوضِّحُ هذا: أنَّ الأمرَ المتعلِّقَ بالأشخاص والأماكنِ إذا وردَ كورودِ نصِّ الكتاب في هذه الصلاةِ، لم يتخصصَ أحدُ الأشخاصِ ولا أحَد الأماكن، كذلكَ الأوقاتُ والأزمانُ، ومثال ذلك وقال: احصدوهم من ثنيّة كداء حتى تلقوهم بالصفا. تعلقَ وجوب القتلِ بكل موجودٍ في هذا المكان من الطرفِ الأولِ، وهو الثنيةُ، إلى الصفا، وهو الآخر. ومثالهُ من الأشخاص؛ اقتلوا لدخول بني فلان إلى أن ينتهيَ آخرُهم، أو ينتهيَ دخولُهم، فإن ذلكَ الأمرَ بالقتل لا ينحصر بمكانٍ ولا شخص مما علق عليه الأمرُ، بل يعم جميعَ ما عُلّقَ عليه الأمرُ، كذلك هاهنا.
ومن ذلك: أنها إذا فُعلت في أوَّلِ الوقتِ لم يحلَّ أن تقعَ واجبةً وجوباً مضيّقاً، أو تقعِ نفلاً، أو تقعَ مراعاةً بحالِ الفاعلِ لها في آخرِ الوقتِ، أو تقعَ واجبةً وجوباً موسّعاً، بمعنى أنَّها لم يتخصص وجوبُها بالوقتِ الذي وقعت فيه. ولا يجوزُ أن تكونَ وقعت في الوقتِ المضيّق، كما قال بعض من خالفنا، لأن علامةَ التضييق حصولُ التأثيمِ بالِإخلالِ، وليسَ الأمرُ كذلك في التركِ لفعلِها في الوقتِ الأول.
ولا يجوزُ أن تكونَ وقعت نفلاً، لأنَّه لو كان كذلك، لجازَ أن تنعقدَ بنية النفلِ، لأنها فيه وصفُها وحكمها، ولمّا لم تنعقد بنيّة
стр. 1233
النفلِ، بطَلَ أن تكونَ نفلاً كسائرِ الواجباتِ إذا فُعلت في آخر الوقت، بل كان يجبُ أن تكون بنية النفل أخص منها بنية الفرض، إذ كانت نفلاً عند هذا القائل.
ولا يجوزُ أن تقع مراعاةً، لأن عباداتِ الأبدانِ المقصودةَ لا يجوزُ تقديمها على حال وجوبها من غير عذرِ، فإذا بطلت هذه الأقسامُ، لم يبقَ إلا أنها فعلت في وقت وجوبها الموسع، ولأنَه إذا كان جميعُ أجزاءِ الوقتِ منصوصاً على أن للمكلّفِ فعلَه بها، لم يجز أن يكونَ وقوعُه في بعضهِا واجباً مراعاةً لأنه خلافُ موجبِ النصّ، فبطلَ هذا المذهبُ، وفيما دلّلنا به على تعميمِ الوجوبِ للأوقاتِ كلِّها إفسادٌ لمذهبِ من قال: إن الوجوبَ يتعلّقُ بوقتٍ غير معيّن.
فصل
في جمعِ الأسئلةِ على دلائلِ مسألةٍ في الأمرِ الموسَّع
قالوا: حصولُه في الوقتِ واقعاً موقعَ الامتثالِ، لا يدلُّ على وجوبهِ في ذلك الوقت، بدليلِ تقديمِ الزكاةِ وتعجيلها قبلَ الحول، وتقديم الثانيةِ من المجموعين على وقتها (١).
وأما تعلقكم بتناولِ الأمرِ للأوقاتِ كلّها، ليسَ بدلالةٍ على تساويها في الوجوب كما تساوت في الأمرِ، وانفرد أحدها بحصولِ المأثمِ بالتركِ فيه خَاصةً دونَ سائرِ الأوقات.
وأمّا قولكم: لو كان نفلاً لما أسقطَ فرضاً، ولصح بنية النفلِ، ولما
стр. 1234
وقع مراعى، فالزكاةُ المقدَّمة المعجّلة، فيها خصيصةُ النفل، حيث لا يأثمُ بتركها، ولا يلزمُ دفْعها، ولا يأمره الِإمامُ بإخراجها، ولا يقاتلُ عليها، فجميعُ خصائصِ الوجوب منتفيةٌ عنها، ثم إنّها تُسقطُ الفرضَ إذا حصل شرطُ الوجوب وهو حؤولُ الحولِ، فقد بان أنها وقعت مراعاةً بحؤولِ الحولِ اوعدمِ حؤوله.
فصلٌ
في جمعِ الأجوبةِ عن هذه الأسئلةِ
أما تقديمُ الزكاةِ وتعجيلُ الصلاةِ، فرخصةٌ حصلت لنوعِ منافع وأعذار ودفعِ مضار، لا بمطلقِ الأمرِ والرخصةُ غيرُ أمرِ الإيجاب، فلما اختلفا في السبب الذي أثار الفعلَ في الوقتِ الأولِ والوقتِ الثاني، فكان أحدُهما رخَصةً، والآخرُ بحكمِ الأمرِ والعزيمة.
وأمّا قولُهم: قد يستويان في الأمرِ، ويختلفان في الوجوب، كما استويا في الأمرِ واختلفا في المأثمِ، فغير لازمٍ، لأنَ الوقتَ الأَولَ لم يتعلقْ به المأثمُ، لأنَ العزمَ على الفعلِ فيما بقي من الوقتِ قامَ بدلًا، وناب عن تعجيل الفعل وتقديمهِ، والوقتُ الأخرُ لم يبقَ له خلف ولا بدلٌ، فلذلكَ حصلَ المأثم متعلقاً عنده، ولو انعدمَ العزمُ في الوقت الأول على الفعلِ في الوقتِ الآخر، لأثمَ من حين عزبَ عزمهُ وفرقٌ بينَ أن يبقى زمان تَلافٍ (١) وفعل، وبينَ انقضائِه.
كما أنَ من وجبت عليه كفارةُ تخيير، وكان له رقبة وكسوةٌ وإطعامٌ،
стр. 1235
فلم يعتق العبدَ حتى مات، فعزمَ على الكسوةِ، فلم يكسُ مسكيناً حتى احترقت أو سُرِقت، فعزمَ على الإطعامِ، فلم يُطعمْ حتى أكله الداجن، فإنه يأثم عند عدم الصنف الأخير، ولا يقالُ: أثم لأنَّ الوجوب اختصّ به، بل أثم لأنه فوّت العبادة، حيث أخّرها حتى فاتت الأعيان.
كذلك إذا فاتت الأوقاتُ كلها، وكذلكَ من أخرَ ما عليه من قضاءِ رمضان، لا يمكنُ إلا إذا أخره حتى لم يبقَ ما بينَ رمضانين زمانٌ يتسعُ لقضاءِ الفائتِ مِن صوم رمضانَ، ثم لا يدلّ ذلكَ على أنَّه لم يجب قضاءُ رمضان إلا فيَ ذلكَ الوقتِ الذي يتقدّر بمقدارِ الفائت. بل الصومُ ثابتٌ في ذمته من حين أفطر، وتقديمُ الزكاةِ قبل الحول، وتعجيلُ الصلاةِ في الجمع لا يكونُ به نفلاً، ولهذا لو نوى التطوّع بالزكاةِ المعجّلةِ لم تبرأ ذمته بها، ولا وقعت موقعَ الفرض، وكذلكَ الصلاةُ المجموعةُ، ولو نوى بالمقدمةِ إلى غيرِ وقتها نفلاً لم تنعقد فرضاً، ولا أسقطت الفرض.
فصلٌ
يجمع شبه المخالفين
فمن ذلك قولهم: لو كانَ الوجوبُ يعمُّ الوقتَ الأول والأوسطَ [و] (١) الأخيرَ لكانت خصيصته شاملة للأوقات الثلاث، وخصيصةُ الوجوب هي مأثمُ الترك، فأمَّا صيغةُ الأمرِ فليست من خصائص الوجوبِ لأنّها تتناولُ المندوبَ والواجبَ.
стр. 1236
ومن ذلك قولُهم: لو كانَ الوجوبُ متعلِّقاً بالوقتِ الأولِ لما جازَ تأخيرهُ إلى الأوسطِ، ولو تعلَّقَ بالأوسطِ لما جاز تأخيرهُ إلى الأخيرِ، لا إلى بدل، فلما جاز تأخيرُه إلى غير بدلٍ، غلمَ أنه ليس بواجبٍ كسائرِ النوافِل، إذ خصيصةُ النافلةِ ما جاز تركُها لا إلى بَدل.
ومن ذلك: قولُ من ذهبَ إلى أنَّ الوجوبَ يتعلَّقُ بواحدٍ من الأوقاتِ غير معيّن، لأنا وجدناه مخيراً بين فعلها في الوقتِ الأول أو الأوسط أو الآخرِ، وهذه خصيصةُ عدم التعيين، كالمخيرِ في واحدٍ من الأعيان المكفرِ بها، فإنَّه لا يقال: إنَ الواجب معين، كذلك الأوقات هاهنا.
فصل
في جمعِ الأجوبةِ عن شبههم
أمَّا قولُهم: إنَّ الأخيرَ من الأوقات اختَص بالمأثم، وهو خصيصةُ الوجوب، فلا يسلَّم، بل هو خصيصة الوجوب المضيّق، فأمَّا الوجوبُ الموسِّع، فليسَ المأثمُ من علاماتهِ ودلائله، والدليلُ عليه:
أنَّ الديونَ المؤجلة وقضاءَ رمضان واجبان، ولا يأثمُ بتأخيرهِما لكونِ وجوبهما موسعاً، فلأنَه إنما يأثم إذا تركَ الواجبَ إلى غير بدل.
وسنبيّن في جوابهم الثاني أنَّ التركَ هاهُنا إلى بدل، هو العزمُ على الفعلِ في الوقتِ الثاني أو الأخير، على أنَّ وقوفَ المأثمِ [على] (١) الوقت الأخير لا يَدُل على اختصاصِ الوجوب به، كما أنَّ فروضَ
стр. 1237
الكفاياتِ لا يحصلُ المأثمُ على التركِ والإعراضِ ما دام في القرية من يُرجى فعلُه لذلكَ الفرض، مثل صلاةِ الجنازِة، فإذا أعرض الكُلُّ، كان بإعراضِ الأخير منهم ظهورُ الإثمِ أو حصولُه، ولم يَدُل ذلكَ على أنَّ الوجوب لم يعمَّ أهلَ القرية، بل اختصّ بآخرهم إعراضاً عن الفرض وتركاً له.
على أن نفيَ المأثم إنما يدُلُّ على نفي الوجوب إذا خلا التركُ عن عذر، فأمَّا الأعذارُ فمنها تُسقط مأثمَ التُّروَك والتأخيراتِ للواجبات، بدليلِ السفر يؤخِّرُ الصومَ، لأجل أنه عذرٌ (١)، وكذلك تأخيرُ الصلاةِ في الجَمع، وتركُ الجمعةِ للأشغال وخوف (٢) تلف الأموال.
وهاهنا عذرٌ ظاهر، وهو أنا لو أثمناه بتأخيرِ الصلاةِ عن أول الوقت، وألزمناه فعلَها فيه، فإنَّ مصادفةَ الزوالِ والغروب لأشغالِهم مانعٌ لهم ومعوِّقٌ عليهم ما بهم إليه أشدُّ حاجة، وإن كلفنَاهم مراعاةَ الوقتِ الأوّلِ بتركِ الأشغالِ والتَّرصُّدِ لدخوله لأحْرَجَ وشقَّ، فلما عَلِمَ اللهُ سبحانَه ذلكَ من أحوالهم أسقط المأثم عنهم بالتأخيرِ، كما أسقطه بسائِر الأعذارِ المعيقة، كالسفرِ لأداءِ صوم رمضان وتوسعةِ ما بين رمضانين لقضائه، بخلافِ آخرِ الوقت، فإنَّ فيمَا سبقه من التوسعة غنىً عن رفع المأثمِ بتركها فيه، وفارقَ الواجبُ النفلَ من هذا الوجه، وهو
стр. 1238
أنَّه سقطَ المأثمُ لنوع عُذرٍ، والنفلُ يَسقطُ لغيرِ عذرٍ.
وأمّا قولُهم: لو كان واجباً في الوقتِ الأول والأوسطِ، لما جازَ بتركه فيهما وتأخيره عنهما لا إلى بَدَل. فنحن قائلون بموجبه وأنّه ما جازَ لا إلى بدل بل إلى بدل هو العزمُ على الفعل.
فإن قيل: فلو كانَ العزمُ بدلًا لكان يعتبرُ فيه نوعُ تعذرٍ كسائر كالأبدالِ، ولكان يَسقطُ المبدَلُ، لأن البدلَ ما ناب مناب المبدَل، كالأبدالِ في الكفاراتِ والطهاراتِ، ولما لم يَسقط الوجوبُ بالعزم بطل أن يكون بدلًا عن الفعل.
قيل: أمَّا التعذرُ فلا يعتبر لكثيرٍ من الأبدال، بل يُعتبر نوعُ مشقّة، بدليلِ المسحِ على الخفيّن مع القدرةِ على غسلِ الرجلين، والعدولِ عن العتق إلى الكسوةِ، وعن الكسوةِ إلى الإِطعام لا لعُذرٍ، لكنه توسعةٌ، لإِزالةِ مشقةِ التعيينِ للغَسل في الطهارةِ، والعتقَ في الكفارةِ.
وأمَّا كون العزم لا يُسقطُ وُجوبَ الفعل، فليس ببدل عن أصل الفعل، بل هو بدَل عن فضل التقديم وفعله، فإذا كان على الفعل من أولِ الوقتِ إلى أوسطهِ عازماً، ثم فعلَ في الوقتِ الأخير، صار كأنَّه بعزمه بدأ بالصلاة وطوَّلها إلى الوقت الأخيرِ، لأن تحقُّق العزم على الصلاةِ عملٌ بالقلب ممتدٌّ إلى حين فعلها، فصار كتطويلهَا بعد الشروع فيها، وإنَ لم يكن الإِحرامُ بها في الوقت الأوّل مسقطاً الائتمار (١) بها الممتد إلى حين خروج الوقت الأخير في حق من
стр. 1239
طولها.
وعلى أنَّ صوم رمضانَ في السفر، وقضاءه في الحضرِ هو واجبٌ، وإن كان مُخيراً بين فعلِه وتركه لا إلى بَدَلٍ سوى العزمِ على الإتيانِ به في الوقتِ الثاني من وقت الترك.
وأما شبهةُ من جعل الوقت واحداً غيرَ معين، وأنَّه لما تخير بين الفعلِ فيها كان كأعيانِ التكفيرِ في كفارةِ التخيير، فالكفارةُ هي الحجة، لأنَّ التكفيرَ وجب من حين الحِنثِ، وإنما خيّرناه في أعيانِها، فلنقل: إنّ الصلاةَ واجبةٌ بالوقت الأول، وإنما خيَّره في الأوقاتِ لأدائها، فأيّ نوعٍ كفَّر به، فالوجوبُ سابقٌ له.
فصل
إذا أمر الله تعالى نبيّهُ ﷺ بعبادةٍ، نحو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الممتحنة: ١٢] أو فعل فعلاً عُرِفَ انه واجب أو ندبٌ أو مباحٌ فتشركُه أمّته في حكمِ ذلك الأمرِ حتى يدُلَّ الدليلُ على تخصيصه (١).
وكذلك إذا أمر النبيُّ واحداً من أمته بأمرٍ تبعه الباقون من الأمّة في حكم ذلك الأمر، وإن حكم عليه بحدٍ في جريمةٍ أو كفارةٍ، كان
стр. 1240
ذلك عاماً في حق كل من ارتكب تلك الجريمة، كقطعهِ لسارقِ رداء صفوان (١) ونحوه، أشار إليه أحمد في مسألة الحرام في الطعام، إذا قال الرجلُ في طعامه: هو علي حرامٌ. فجعل حكمه حكمَ تحريم النبي ﷺ العَسَل الذيمما شربه، فقالت عائشة: أجدُ منك رائحة المغافير (٢)، وبتحريم النبي ﷺ مارية القبطية (٣).
فقد جعل حكمنا حكمه (٤)، وإن كانت تحلةُ اليمينِ نزلت في النبيّ خاصة.
وكذلك قال أحمد: لا يُصلى قبل العيد ولا بعدَها، لأنَّ النبيّ ﷺ لم يصلّ قبلها ولا بعدَها.
وقالت الأشاعرةُ وبعض الشافعيةِ: ذلك يختص النبيَّ ﷺ إلى أن تقوم دلالةُ التعميمِ لأمته، وكذلك يختص من خاطبه من أمّته إلى أن تقوم دلالةُ العموم (٥)، وإليه ذهب أبو الحسن
стр. 1241
التميمي من أصحابنا.
فصلٌ
في الدلالة على دخولِ غيرهِ ﷺ في حكمِ خطابِه هو أنه ﷺ جُعل مناراً للأحكام، وعَلَماً عليها، وقدوةً يُقتدى به فيها، فصارَ خطابُ الله سبحانه له خطاباً لجميع من دعاه إلى الِإسلام، وكذلك حسن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ولم يقل: فطلِّقْهن، وهذا يدُلُّ على أنه إذا خاطبه فقد خاطب أمتهُ وجعل خطابُه له نائباً مناب خطابهم.
ومن ذلك قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فأخبر أنه إنّما أباحَهُ ذلك ليكونَ مبيحاً لجميع الأمةِ، ولو كان الأمر يخصُّهُ لما انتفى عنهم الحرجُ بنفي الحرجِ عنه، فصارَ كأنَّه يقول: أرخصنا لكَ في تزويجِ أزواجِ أدعيائكَ لنرخِّص لأمتكَ بذلك اقتداءً بك، ونزولاً على ما شُرع لك، فثبت بهذا أنهم مشاركوه في الحكم الذي يُخاطب به.
ومن ذلك: أنَّه كان إذا سُئل عن الحكمِ أجابَ بما يخصُّه، وأحال على نفسه وفعلهِ. فلما سئلَ عن الاغتسال، قال لأمَ سلمة: "أما أنا فأفيض الماء على رأسي" (١). ولما سأله الرجلُ عن القُبلة في
стр. 1242
الصوم؛ قال: "أنا أفعل ذلك" (١).
ولما اختلف الصحابة رضوانُ الله عليهم في الإكسال والإنزال، رجعوا إلى عاثشة ﵂، فأخبرتهم بفعله ﷺ وأنّه كان يغتسلُ من التقاءِ الختانين (٢).
стр. 1243
وقولها: قَبَّل رسولُ الله ﷺ بعض نسائه فصلَّى ولم يتوضأ (١).
وإذا ثبت أنَّه مطلع الأحكام، صار خطابة خطاباً لهم، ولهذا كان يَتَراءى لهم في العبادات، فقالَ للأعرابيّ السائل عن الصلاة: "صلِّ
стр. 1244
معنا" (١)، وطافَ راكباً ليقتديَ النّاس به في المناسك (٢).
ومن ذلك: ورودُ تخصيصه ﷺ في أحكام، مثل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، ولو لم يكن خطابُه المطلقُ يقتضي دخولَ أمتهِ ومشاركتهم، لم يكن لبيان تخصيصهِ ببعضِ الأحكام معنى إذا كان كُلّ خطابٍ يتوجّه نحوه حالصاً له، فلما خصَّه ببعضِ الأحكام، عُلم أنَ بقيةَ الأحكامِ المتّجهةِ نحوه عامّةٌ لأمته.
ومن ذلك: أنَّ الصحابةَ رضوان الله عليهم عقَلت ذلك، فقالوا: نهيتَنا عن الوصالِ وواصلت، وأمرتَنا بفسخ الحج وما فسخت.
حتى بيّن الفرق فقال: "لست كأحدكم، إني أظلُّ عند ربي فيطعمني ويسقيني" (٣)، "إني قلدت هديي"، وروي: "سقتُ الهدي، فلا أحلُّ
стр. 1245
حتى أنحرَ" (١)، فلو لم يُعلم أنَّ خطابَ الشرعِ لهم خطاب يدخلُ تحته، لما عابوا عليه ذلك، ولَما أجابهم.
فصل
في الدلالةِ على أن خطابه للواحِد من أمته وصحابته وحكمُه فيه خطابٌ لجميعهم، وحكم للجميع غير مختصٍّ بمن خاطبه وحكمَ فيه
قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله: "بُعِثْتُ إلى الأسود والأحمر" (٢)، وقوله ﷺ : "خطابي للواحد خطابي للجماعة، قولي لامرأة قولي لمئة امرأة" (٣). وقال:"حكمي على الواحد حُكمي على الجماعة" (٤).
стр. 1246
ومن ذلك تخصيصه لآحاد من أصحابه بالحكم وقصره عليه، كقوله لأبي بردة في التضحية بعناق جذعة: "تجزئك ولا تجزىء أحداً، أو تجزىء عنك ولا تجزىء عن أحدٍ بعدك" (١)، وقوله لأبي بكرة لما دخل الصف راكعاً: "زادَك اللهُ حرصاً ولا تَعدُ" (٢)، وقوله للذي زوّجه بما معه من القراَن: "هذا لك وليس لأحدٍ بَعْدك" (٣)، وكتخصيصه للزبير بلبس الحرير (٤). ولو كان الحكمُ بإطلاقه خاصّاً لمن يخاطبه به، أو يحكم به عليه وفيه، لما كان لتخصيص أشخاصٍ عدّة معنى، مع كونِ كل مخاطب مخصوصاً بما خوطب به.
стр. 1247
ومن ذلك: إجماعُ الصحابة على رجوعهم فيما سئلوا عنه وحدَث من الحوادث، إلى قضاياه ﷺ في أشخاص، وخطابه لأشخاص مخصوصين: مثل رجوعهم في حد الزنا إلى حكمه ﷺ في ماعز (١). ورجوعهم في الجنين إلى حكمه في قصة حَمل بن مالك (٢)، ورجوعهم في
стр. 1248
المفوضة إلى قصة بَروع بنت واشق (١)، ورجوعهم في المجوس في باب الجزية إلى وضعه ﷺ الجزية على مجوس هجر (٢)، وهذا منهم يدُلُّ على أنّهم علموا وعقلوا أنَّ حكمَه ﷺ في الواحد حكمٌ في كلّ من تَجدَّدَ له مثلُ ذلكَ الأمرِ الذي حكم فيه، ما لم تقمْ دلالةُ التخصيص.
فصل
في اعتراضاتِهم وأسئلتهم على هذه الأدلّة
فمن ذلك قولهم: إن هذه كُلَّها أخبارُ آحاد مظنونةٌ، لا تصلحُ لِإثباتِ هذا الأَصلِ الذي طريقهُ العلْمُ.
стр. 1249
ومن ذلك قولُهم: إنما صاروا إلى العملِ بذلك بدلائلَ قامت وقرائنَ ظهرت أوجبت العمومَ وتعديةَ الأحكام ممن خوطبَ وحُكمَ عليه إلى غيرهِ، لا بنفس الخطاب والحكم.
فصل
في الأجوبةِ عما ذكروه
أما أخبارُ الأحادِ المتلقاةُ بالقبول، فصالحة عندنا لإثباتِ أصول الدياناتِ، ولأنَّ أصولُ الفقهِ لا يطلبُ لها القطعياتُ، ولو كانت كذلك لما سوَّغنا خلافَ المخالفِ، ولفسقنا أو كفرنا من خالفنا، كما قلنا في الأصولِ المتعلقةِ بالله سبحانه وبصفاته وما يجوزُ عليه وما يستحيل عليه، ومايجب له.
ولما كانت أدلةُ ذلك قطعية لم نسوَّغ الخلافَ فيها، وفسقنا المخالفَ لنا أو كفرناه على حسب موضعِ الخلافِ منها.
وأمَّا دعوى الدلائل، فالأصلُ عدمُها، ولو كانت موجودةً لكانت منقولةً، لا سيّما مع كثرةِ العملِ بذلك والبلوى به، والأصلُ عدمُها إلى أن يوضِّحوا الأدلة فيها.
فصل
يجمع شبهَهم في ذلك
فمن ذلك قولُهم: إن خطابَ الواحدِ موضوع في الأصل لذلك المخاطب، كما أن الخبرَ عنه موضوع له، ولما أخبرَ به عنه خاصةً، بدليلِ أنَّ أمرَ السيدِ لعبدٍ من عبيده لا يكونُ أمراً لغير من واجهه
стр. 1250
بالأمر، وكذلكَ إذا أخبر عن الواحدِ من عبيدهِ لم يكن خبراً عن غيره، وإذا كان هذا هو أصلً الوضعِ، فتعديتهً إلى غيرهِ تحتاح إلى دليلٍ، ومتى قام دليل على التعدية اتفقنا على القولِ به، لأنه يخرجُ عن خصوصهِ بالدليلِ إلى العموم، كما يخرجُ العمومُ عن عمومهِ بالدليل إلى الخصوص.
والدليل الذي يتعدّى إلى غيرِ المخاطَبِ، هو الدليلُ الذي جعل خطابهَ ﷺ لأهل عصرِه الموجودين من الأحياءَ العقلاءِ البالغين، خطاباً لمن لم يأتِ من أهلِ الأعصار المستقبلةِ المعدومين، وليس ذلك إلا دليلًا يدلّ على التعديةِ إلى أولئك. كذلك هاهنا.
وانَّما لم ينصرف الخطابُ إلى المعدومين بمطلقِ اللفظِ، لأنه لا يصلحُ للمعدوم بيا أيها الناس، ويا أيها الذين آمنوا، ولا باستدعاءِ الأعمال منهم والتَروكِ، كالصلاةِ والصيام، إذ لا وجودَ لهم، ولا حقيقةَ فضلاً عن أوصاف يصفهم بها من إيمَانٍ وغيره، ولا أعمال لهم يستدعيها، كذلكَ ليس في خطاب الواحدِ صلاح لخطاب الجماعة، فإذا جاءت دلالةٌ فصرفته إلى المعدَوم بان يقول: هذا خَطابي للقرنِ الدين بُعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، وَللذين رأوني، ولمن بَلَغ، ممّن بعد عني وعنهم. حينئذٍ صرفنا ذلكَ إلى من قامت الدلالةُ على صرفِ الأمر إليه وتعديتهِ إلى خطابه.
فهذا من طريق اللغة واللسان، فأمَّا من طريق المعقول: فمن ذلك: أنَّ من المعلومِ أنَّ الأمرَ بالشيء قد يكون مصلحةً
стр. 1251
لشخصٍ بعينه، مفسدةً لغيره، لاختلافِ الأشخاصِ في ذلك، فاذا صرفَ الشارعُ الأمرَ إلى شخص بعينه، لم يجز الإقدامُ على تعديته إلى غيره إلا بعد العلمِ بأنه مصلحة للآخر، ولا سبيلَ لنا إلى العلم بمساواةِ المخاطَب لغيره إلا بدلالةٍ تقومُ من جهةِ من صدر الخطابُ عنه سبحانه. وما صارَ ذلك إلا بمثابةِ حكيم من حكماءِ الطب، أمرَ مريضاً بشرب دواءٍ، أو وَصَف له حِميةً عن نوعٍ من الغذاء فإنه لا يجوزُ أن يعدي ذلك الأمرَ، ويعم بذلكَ الدواءِ أو الحميةِ غيرَه إلا بدلالةٍ أو قرينة من جهةِ الحكيم الواصفِ، لتفاوتِ الأمزجةِ في الأشخاص، كذلكَ يجبُ هاهنا أن يمنعَ من التعديةِ إلى غيرِ المخاطب لتفاوتِ ما بين المكلفين من المصالحِ، وقد انكشفَ ذلك بما ظهرَ من مغايرةِ الشرعِ بين النساءِ والرجالِ والأحرارِ والعبيد، والمسافرِ والحاضرِ، والمريض والصحيح في صفاتِ التكاليفِ ومقاديرها، وان اجتمعوا كلُّهم في إرسالِ النبي ﷺ إليهم، فلا يلزمُ من تساويهم في إرسالهِ إليهم تساويهم في خطابهِ لهم، كما أنهم اجتمعوا في التكليفِ واختلفوا في أحكامِ التكليف.
قالوا: ولاسيَّما ماظهرمن تخصيصِ النبيّ ﷺ من أُمته وتمييزه عنهم بإيجاب واجبات واباحةِ مباحات، وحظرِ محظورات لم يشاركه فيها أحد مَن أمّته، فكيفَ يجوزُ أن يعدى حكمُ خطابهِ إلى غيرِه من أمته، مع الحالِ المعلومةِ من تخصُّصه، بل لا يجوزُ ذلكَ إلا بدلالةٍ تعم أمته وتوجبُ تعدي حكمه إليهم.
стр. 1252
فصل
يجمع الأجوبةَ عن شبههم
أمّا خطابُ الواحدِ ومواجهتُه بالأمرِ من طريقِ اللغةِ، فإنه يختصّ المخاطَب، ولا يقتضي بموجَب اللغةِ تعديتَه الأمرَ إلى غيره، إذ ليسَ في لفظِ الواحِد وخطابهِ ما يصَلحُ لغيرِه، لكنّ خطابَ الشرع تمهد تمهُداً صارَ وِزانُهُ من اللغة ما تمهد فيه العرفُ؛ وهو أنَه جعل مَن أوّل الوحي إليه مناراً ومتبعاً وقدوةً للأمة، فإذا قيل له: افعل كذا، دخلوا تبعاً، وصار في باب اللغةِ كالأمرِ بالركوب والمسيرِ ولقاءِ العدوّ لمن عُقِدَت له الأمارةُ، وجُعل له منصبُ الاقتداءَ به، فإنه اذا قيل له: اركب الى بني فلان، وحارب العدوَّ، وشن الغارةَ على بلاد كذا، كان ذلكَ منصرفاً إليه وإلى جيشه وأتباعه، وكذلكَ في الخبر عنه اذا قيل: ركبَ الأمير، ودخلَ بلدَ كذا، أو فتحَ ثغر كذا أو حصن كَذا. فإن ذلكَ كُله ينصرفُ إلى الأميرِ وجيشهِ وأتباعهِ دون اتحاده وتخصصه بما أُمِرَ به، أو أخبَر عنه.
فأمَّا قولُهم: إن المصالحَ والمفاسدَ قد تكونُ بحسب اختلاف الأشخاص. فذلك ليس بمعتبر، فإنَّ التكليفَ لا يقفُ على الأصلح، ولأنَّ استواءَ الكل فَي التكليف كافٍ في ذلك. وإن جاز أن يختلفوا في الأصلحِ، كاستواءِ الأصلِ والفرع في باب القياسِ لاجتماعهما في أمارةِ الحكم، وليس ما نصبه من الَدلائِل والآياتِ على كونهِ متبوعاً ومناراً للأحكام بأدونَ من أمارةِ شَبهٍ، أو لأدلةٍ تجمعُ بين المسكوتِ عنه، وهو الفرعُ، والمنطوق به، وهو الأصلُ في باب القياس، وإن جاز
стр. 1253
أن يكونَ الأصلحُ في الأصلِ المنصوصِ عليه بالحكمِ، والمفسدةُ في تعديةِ الحكم إلى الفرع، فمن تجاسر على الإلحاقِ والتعديةِ بأمارةِ القياسِ لا يَجبُن عن إدخالِ الشخصِ المكلفِ الذي لم يخاطب مع من خاطبَه الشرع في الحكمِ الذي علقه عليه.
وفارقَ خطابَ السيدِ منا لعبيده، فإنَّه لو قال: أكرِم زيداً لأنه أسود، ولا تأكل السُّكرَ لأنه حلو. لم يوجب ذلكَ التعديةَ إلى كل أسود وكُل حلوٍ.
ولو قال صاحب الشريعة ذلك لوجبت التعديةُ إلى كل محلٍ وجدت فيه تلك الصفة. وأما تخصيصُ النبي ﷺ بأحكامٍ لا يمنع من دخولنا معه في مطلق الأحكام، كما أن بعضَ الأحكام قد تقع تحكماً على غيرِ المعقولِ، وتخرج عن القياس، ولا يمنعُ جوازُ ذلك من عملِنا بالمعقول والقياس ما لم ترد دلالة التخصيص والتحكم.
فصل
إذا أمر النبيّ ﷺ أمته بأمرٍ شرعي، دخل هو في ذلك الأمر (١)، وبه قال أصحاب الشافعى في أحدِ الوجهين (٢)،
стр. 1254
خلافاً للوجه الأخر (١)، ولأكثر الفقهاء والمتكلمين (٢)، وقد حكى شيخنا الإمام أبو يعلى بن الفراء كلامَ أحمد في عدة مواضعَ بما يعطي دخوله في أمره الشرع.
فصلٌ
يجمع أدلتنا في ذلك
فمنها أن النبيّ ﷺ كان يأمرُ أصحابَه بالأمرِ فإذا تخلَّفَ عنه سألوه: ما بالُكَ لم تفعله؛ ولو لم يعقلوا دخولَه في الأمر لما سألوه.
فمن ذلك ما روي عنه ﷺ أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ، فقالوا له: أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ، فلم يقل: وأين أنا منكم، وكيف يلزمني أنا ما أمرتكم به، بل عدل إلى الاعتذار بالأمر الذي يخصه، وهو سوقه للهَدي، فقال: "إني قلدت هدي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر" (٣) وروي: " لو
стр. 1255
استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرةً" (١)، وهذا يدُل على أن حكمه وحكمَهم في المشروعِ سواء.
ومن ذلك: أن حقيقةَ الأمرِ الصادرِ من جهتِه في أحكامِ الشرع أنه مخبر لا آمرٌ، ألا تراه كيف تلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ [الفلق: ١]، ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، كما قيل له، والحاكي منا لكلامِ الأمرِ له بحذف: قل؛ لأنَّها أمرٌ بالبلاع، فيتشاغل بالبلاعِ لما أمِرَ به، ويدع كلمةَ الأمرِ وصيغتَه. والنبي ﷺ أدَى كلمةَ الأمرِ له كما جاءت, ومن كانَ كذلكَ صارَ بالأمرِ الذي جُعل جهةً له آمراً له ولِمن بلغه من أمته، فكانَ تقدير كلِ صيغةٍ تردُ على لسانِه الكريم تشريعاً، والشرعُ شاملٌ له والكل متبع، فصارَ تحقيقُ ذلك أنَّه جهةٌ للأمر، لا آمرٌ حقيقةً، إذ المستدعي غيرَه بلسانِه وقوله. فمن هاهنا كان داخلاً، ومتى تحقق هذا كذا كان الخلافُ زائلًا مرتفعاً لأنه ليس أحد يقول: إنً الأمر يأمرُ نفسَه، وكيف يقول عاقلٌ ذلك، وشريطةُ الأمر أن تصدَر الصيغةُ من أعلى خِطاباً لأدنى، والواحدُ لا يكونُ أعلى من نفسه وأدنى منها، فلم يبقَ إلا ما ذكرنا أنَّه جهة لأمرِ الله ومبلغ عنه، لا آمر حقيقةً.
وأيضاً: فإنَّ الإلقاءَ من الله سبحانه إليه، وفي روعه آكدُ من اجتهادِه واستثارته، ثمً إنه إذا كان مجتهداً أفتى الغيرَ وكانت فتواه لنفسه وعلى نفسِه، قال ﷺ : "استفت نفسكَ وإن أفتاك
стр. 1256
المفتون" (١)، فما بلّغه الله إليه، ويعلم به غيره أولى في أن يدخل فيه ويكونَ إخباراً لنفسه وإعلاماً لها.
فصلٌ
في جمع شبههِم
فمنها أن الأمرَ استدعاءٌ وطلبٌ من الأعلى للأدنى، وهذا لا يتحققُ في الواحدِ أن يكونَ مستدعياً ومستدعىً فيه باستدعائه، ولا أعلى من نفسه. وأدنى.
ومن ذلك: أنَّ صيغةَ الأمرِ لنفسهِ على طريق الوحدةِ لا تصحُّ، ولا علّة في نفي صحّتها، إلا أنَ حقيقة الأمر لا تتسلط على الأنسانِ إلا من جهةِ غيره، كالمخبر لا يكونُ مخبراً لنفسه، ولا ناهٍ يها، ولا منادٍ بها، كذلكَ لا يكون آمراً لها. وإذا ثبتَ فسادُ ذلك في حق أمرِه لنفسِه على الوحدة، ثبتَ فسادُ القولِ بأنه أمرٌ لها في جملةِ غيرها من المأمورين.
فصلٌ
في الأجوبةِ عنها
أما الأول: فإنَّنا قائلونَ بموجبهِ، وأنَّه ليس بآمرٍ لنفسهِ، إنَّما هو مخبِرٌ بأمرِ الله سبحانَه، وأنَّ ما أخبر به فهو شرعهُ، وهو أوَّلُ داخلٍ في التزام ما شرعه اللة له ولأمته، وقد أوضحنا كونه مخبراً من حيث أنه يؤدي صيغةَ القول له أو الملقى في رُوعه بالوحي إلى قلبه، فيقول:
стр. 1257
قيل لي: قل كذا، هذا هو الحقيقة، لا أنه مبتدىءٌ باستدعاءٍ أوطلبٍ من جهة نفسه، ولهذا أعاد صيغ الأوامر بقوله: قل، واتل ما أوحي، ولو لم يكن مخبراً لوسعه أن يتلو ولا يحكي قول الملك له: اتلُ، ولا يقول: قل، بل يبتدىء فيقول: (أعوذ بربِّ الناس)، (أعوذ بربّ الفلق)، (إنما أنا بشر) ولا يقل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، وإلى أمثالِ ذلك في كتابِ الله.
وأمَّا إفرادُه لنفسه بالأمرِ، فبالصيغة التي تَرِدُ من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤]، كذاك نقولُ وأنه يحسُنُ وقد كان ذلك، فأمَّا أوامرُه من غير الكتاب، فما هي إلا بطريقِ الكتاب، وهو الوحي إليه، فينطقُ تارةً بقرآن، وتارةً بكلامٍ يُضاف إليه إضافةً لا إضافةَ إنشاء، وكيف يُظن بأن النبي ﷺ يأمر بحكمٍ شرعيٍ من قِبَلِ نفسِه، فإذا بَطَلَ هذا، لم يبقَ إلا أنَّه مخبرٌ وحاكٍ، سواء كان ما ينطقُ به قرآناً أو غيره.
فإن قيلَ: فعندكم أنه قد يأمرُ بالحكم من طريقِ الاجتهاد، فإذا قالَ ذلكَ كَان أَمَراً من جهة نفسه، فيجبُ أن لا يدخلَ عندكم فيما يصدرُ عنه منَ اِلأمرِ الذي يقولُه عن اجتهاده.
قيل: اجتهادُه لا يُقَر فيه على خطأ، فمتى اجتهدَ ولم يُرد بالوحي كان إقرارهُ عَلى ما اجتهدَ فيه حُكمُ الله الذي جرى على قلبه ولسانِه ﷺ ، ولأنَّ اختياره مستند إلى المنطوق به، فيأخذُ المسكوت عنه من المنطوق به، ومن تعلّق بمثالِ السيد مع عبيده، وأنَه لا يدخل في أمره لهم معهم، فقد أبعد النجعة، لأنَّ السيد أمرَ بنفسه، والنبي ﷺ على ما سبق من أدلتنا، يخبر
стр. 1258
عن غيره عن أمرٍ بنفس لنفسِه، فلا يلزم المثال ولا يشابه ما نحن فيه بحالٍ، لكنَّ المثال المسند للنبي أن يكون قد أمر بعضَ عبيده على بعضٍ، فإذا قال الآمر: (قيل اركبوا)، دخلَ الآمر في الجملةِ.
فصل
الأمر المطلق يشتملُ على العبيدِ، فلا يحتاج دخولهم فيه إلى قرينةٍ، ولا دليلٍ .
وقد أشار إلى ذلك في عدة مواضع (١)، فأدخلهم في باب الشهادة، والإيلاء، واللعان، وأسند ذلك إلى عموم الآي الوارد في ذلك (٢).
стр. 1259
وإلى هذا ذهبَ أكثر الناس، وهو قول أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله الجرجاني الحنفي، وكُل من أنكر العموم من المحققين، وبه قال أصحابُ الشافعيِّ في أحد الوجهين (١).
وقال بعضهم: لا يدخلون في العموم، بل بدلالة تخصْهم.
وحكى أَبو سفيان (٢) عن الرازي أنهم لا يدخلون فيما كان من حقوق الآدميين.
فصل
يجمع أدلتَنا على ذلك
فمنها: أنه قد دخلَ في الخطاب، وهو التكليفُ، ومن قال بالعموم وأثبتَه ولم يُدخل العبدَ في عموم الخَطاب، فقد أبعدَ وخلّط، وذلكَ أنَّ العبدَ يدخُل في جملةِ الناس والمؤمنينَ والمكلفين، فإن قال صاحب الشرع: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يا أيها المكلَّفون، دَخَلَ في هذه الجُملِ لوقوعِ الاسمِ عليه على الوحدة، وكلُّ من
стр. 1260
دخل في اسمِ الواحدِ من الجملةِ، دخلَ في عمومِ الأسماءِ.
وقد ثبت أنه يحْسُن أن يقال له: يا إنسان، يا مؤمن، يا مكلف افعل كذا، أو لا تفعل كذا، وإذا قيلَ لثلاثة أعْبد: يا أيُّها الناس، يا أيها الدين آمنوا، يا هؤلاء المكلّفون. صح أيضاً، فلا وَجْهَ لنفي دخولهم في إطلاقِ قولِ الشرع: يا أيها الذين آمنوا، يا أيها الناس، لأنَ ما استحقوا به الخطاب، وصلحوا له في حالِ الانفرادِ موجود فيهم في حال اجتماعهم مع الأحرار.
ومن ذلك: أنَّ الرِّقَ ليس بمنافٍ للتكليفِ وخطاب الشرع، بل هو بلوى بحقّ ألزمه رقبته، إما امتحاناً أو عقوبةً لأجل الكَفر، وكلاهما لا يمنعُ اتجاهَ خطاب اللهِ سبحانَه إليه، كالمستحق قتلُه بقودٍ، ويدُه بقَطْعٍ في سرقة، وحبسه بدينٍ لآدمي، ومنافعه لعقدِ إجارةٍ عليه، وعقدِ نكاحٍ في حق المرأة، هذا كُلَّه لا يمنع اتجاه الخطاب إليه، كذلك الرّق.
ولذلك صح أن يملكه اثنان، ويتجه نحوه أمرهما ونهيهما، واذا لم يتنافَ ملكُ اثنين وما يوجبه ملكُهما، فأحرى أن لا يتنافى إطلاقُ خطاب اللهِ سبحانَه له وأمر آدميّ مالكٍ له بحكمِ الرّق، لا بحكمِ ملكِ جَواهره وعينِ ذاتِه، مع كونِ الآدمي في تملّكه دخيلًا، ومُلكِ اللهِ هو الأصل سبحانه في ملكِ الأعيانِ والجواهر.
فصل
جامعٌ لشبههم
فمنها: أن منافعَهم التي تحصلُ بها الأعمال، وتمتثل بها الأوامرُ مملوكةٌ عليهم لسادتِهم، فلا يلزمُهم حكم خطابِ خالقِه وخطابِ سيده
стр. 1261
الذي ملكه الخالقُ رقِّه وألزمه طاعتَه.
ومن ذلك: أن أكثرَ أوامرِ الشرعِ لا تتجه نحوَه، ولا تلزمه، كالجمعةِ والجهادِ والحجِّ، ولا يصح تبرُّعه ولا إقرارُه بالحقوقِ البدنيةِ ولا الماليةِ ولا له ولا به، ولا يملكُ التصرّفَ في نفسِه، فلا وجهَ لاتجاه الخطاب نحوه.
ومن ذلك: أنه يملك منعَه من التعبُّدِ على وجهِ التطوّع والتنفّل، فلا يتّجه نحوه مطلق الخطاب لأجلِ حقِّ من مَلَك منعَه من التطوع بأمثالِ ما يحصل به خطابُ الشرع للأحرار.
فصل
في جمع الأجوبةِ عن شبههم
إنَ تملُّكَ السادةِ لمنافعِهم لا يمنعُ اتجاهَ مطلقِ أمرِ الله سبحانَه إليهم، كما لم يمنع خاصَّ خطابِه لهم، ولو كانت حقوقُ الموالي وسادة العبيد مانعةً من دخولهم في عموم خطاب الله، لمنعتْ من اتجاهِ أوامرِه الخاصَّةِ إليهم، كآحادِ الأدميين نحو المالكين، لما لم يلزمهم عام أمرهم لأجلِ حقوقِ أموالهم وتملكِ منافِعهم عليهم لم يلزمهم خاصُّ أمرهم لهم، وخطابُهم إيّاهم.
ولأنَّ تمليكَ منافِعهم بلوى من الله، وتكليفٌ منه إياهم طاعةَ سادتِهم في خدمتِهم وصرفِ منافعِهم في امتثالِ أوامرهم، والله سبحانه لا يمنع بعضَ أوامره بعضاً، عقوباتٍ كانت أو عباداتٍ، فإن الرِّق لا
стр. 1262
يخلو من أن يكونَ بلوى أو عقوبةً، لأنَّه في الأصلِ أثرُ الكفرِ، وايجابُ الحدودِ والقصاصِ لا يمنعُ من دخولِ من لزمَه ذلك في مطلقِ أوامرِ الله سبحانَه، وان كانت بلوى كانت بمثابةِ الأمراضِ والفقرِ وغيرِ ذلك، وهي غيرُ مانعةٍ من دخولِ الممتَحنِ في عمومِ الخطابِ، وكما لم يمنع كلًّ ذلك اتجاهَ خاصِّ الخطابِ نحوهم.
وأمَّا خروجُهم من بعضِ الأوامرِ كالجمعةِ والجهابِ فما دخلوا فيه من أوامرِ الشرع أكثر، كالصلواتِ والصيام والكفاراتِ والحدودِ، فإنْ تعلقتم بما خرجوا منه، تعلقَ عليكم بمادَخلوا فيه.
على أن الذي خرجوا منه خرجوا بأدلةٍ أوجبت إخراجَهم، وما دخلوا فيه فمطلقُ الأمرِ والخطاب.
ولأنَّ الفقراءَ والزمنى والمرضى والمسافرين أخرجهم العجزُ عن كثيرٍ من العبادات أصلًا تارةً ومقداراً أخرى، ثم دخلوا في مطلق الأمر حيث كان خروجُهم عما خرجوا عنه بعجْزٍ وعذرٍ قامت بإخراجهم لأجله أدلَّة، فكذلك هؤلاء، وأما تملّكُ سيدِه منَعَه من النوافلِ، لا يمنعُ دخولَه في مطلقِ أمرِ الله له بالفرائضِ، كما أنه يمنعُه من سائر النوافل، ولا يمنعُه ذلكَ دخولَه في الأمرِ الخاصّ له بالفرائض، فهو في باب الأوامر الخاصة والفرائض الناجزة كالحر، ولهذا صححنا فرائضه عن حال إباقه ولم تخرجوها في حقَه عن كونِها قربةً، ولم نصحَّح نحن منه النوافلَ رأساً، وأنتم أخرجتموها عن كونها قربة، ما ذلكَ إلا لأنَّه فى الفرائضِ كالحرِّ، وفارقَ بهذا ما أشاروا إليه من أوامرِ الأجانب لأنهم لا مُلكَ لهم ولا حق، والله سبحانه مالكٌ لكلِّ المالكين، فلاَ يمنعُ من ألجاه أمرُه حق أضعفِ المالكين، ومن ملكه أضعف
стр. 1263
الملكين، كما لم يمنع اتجاهَ خصوص أمرِه ونهيه، بخلافِ الأجنبي من المخلوقين.
فصل
ويدخل النساء في مطلق الأمر (١).
وبه قال ابن داود.
خلافاً لأكثر أصحاب أبي حنيفة (٢) وللأشعرية، ووافقهم القاضي أبو بكر بن الباقلاني.
وأصحابُ الشَّافعيِّ لا يُدخلون إلا بقرينةٍ أو دلالةٍ (٣).
стр. 1264
فصل
في جمع أدلتنا
فمنها: أن عادةَ أهلِ اللغةِ تغليبُ جمعِ التذكير إذا اجتمعَ المذكرُ والمؤنثُ في الخبرِ والأمر، فيقول قائلهُم للنسوة على الانفراد: ادخُلن، وإذا كان معهم ذكور قال: ادخلوا، قال الله سبحانه لآدم وحواء: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، وهذا خطاب الذكور.
وتقول العربُ للمرأةِ: قومي، وللثلاث: قُمْن، وللرجلِ والمرأتين: قوموا، وكذلك عادتُهم تغليبُ جمعِ ما يعقلُ إذا كان معه من لا يعقِل، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] حتى إنه إذا وصفَ ما لا يعقلُ بصفةٍ تختصُ من يعقل غُلِّب فيه جمعُ من يعقل، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وهذا جمعُ ما يعقل لما وصفها بالسجود، وهو فِعلُ من يعقل، جمعها جمع من يعقل.
فإذا ثبتَ هذا من عادةِ العرب، وورد في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] دخلَ فيه المؤنثُ تَغليباً للتذكير، وكذلك في التثنية تقولُ العرب في الرجل والمرأة: قاما، وهذه
стр. 1265
صورةٌ تثنيةِ الذكرين، والله أعلم.
ومن ذلك: أنَّ أكثرَ أوامرِ الشرع خطابُ المذكَّر، والإجماعُ منعقدٌ على دخولهنَّ في الخطابِ، وما ذَاكَ إلا اعتماداً على دخولهنّ في خطابِ المذكر تبعاً.
ومن ذلك: أنَّ العربَ دأبها تُغلبُ الأكثرَ على الأقل، ومعلومٌ أننا غلبنا التذكيرَ على التأنيث، وإن كان عددُ الإناث أكثرَ دلَّ على أنَّه الوضع الأصلي.
ومن ذلك: أنَّ الغالبَ أنَّ النساءَ تابعاتٌ للرجال، وقلَّ أن يختص في الخطاب نساء حلةٍ أو قريةٍ أو بلدةٍ في مكاتبةٍ أو مخاطبة، إنما يُسْتَتْبَعْنَ استتباعاً، ويستهجنُ من العربي أن يقول لأهل بلدٍ: أنتم الآمنون، ونساؤكم آمنات، بل إذا قال: أنتم آمنون، تبعَ النساءُ في ذلك، وكذلكَ إذا كان بحضرته رجال ونساء فقال: قوموا، سَمُجَ في اللغة أن يقول: وقمن.
فعادة أهل اللغة في الاستتباع لهن مغنية عن تخصيصهن بالخطاب، فكان مطلقُ خطابِ الشرع كذلك، حتى إنَ في البهيم من الحيوان يسمجُ أن يقولَ الرجلُ: عندي مئةٌ من الخيل، ومئةٌ من الجمال، كما يقول: مئة من الرقيق معَدّات ومُعَدّون، لتبعهم ولتبعهنّ، بل يُطلِقُ الجمعَ الصالح للذكورِ فقط قنوعاً به وتعويلاً عليه.