الذي ملكه الخالقُ رقِّه وألزمه طاعتَه.
ومن ذلك: أن أكثرَ أوامرِ الشرعِ لا تتجه نحوَه، ولا تلزمه، كالجمعةِ والجهادِ والحجِّ، ولا يصح تبرُّعه ولا إقرارُه بالحقوقِ البدنيةِ ولا الماليةِ ولا له ولا به، ولا يملكُ التصرّفَ في نفسِه، فلا وجهَ لاتجاه الخطاب نحوه.
ومن ذلك: أنه يملك منعَه من التعبُّدِ على وجهِ التطوّع والتنفّل، فلا يتّجه نحوه مطلق الخطاب لأجلِ حقِّ من مَلَك منعَه من التطوع بأمثالِ ما يحصل به خطابُ الشرع للأحرار.
فصل
في جمع الأجوبةِ عن شبههم
إنَ تملُّكَ السادةِ لمنافعِهم لا يمنعُ اتجاهَ مطلقِ أمرِ الله سبحانَه إليهم، كما لم يمنع خاصَّ خطابِه لهم، ولو كانت حقوقُ الموالي وسادة العبيد مانعةً من دخولهم في عموم خطاب الله، لمنعتْ من اتجاهِ أوامرِه الخاصَّةِ إليهم، كآحادِ الأدميين نحو المالكين، لما لم يلزمهم عام أمرهم لأجلِ حقوقِ أموالهم وتملكِ منافِعهم عليهم لم يلزمهم خاصُّ أمرهم لهم، وخطابُهم إيّاهم.
ولأنَّ تمليكَ منافِعهم بلوى من الله، وتكليفٌ منه إياهم طاعةَ سادتِهم في خدمتِهم وصرفِ منافعِهم في امتثالِ أوامرهم، والله سبحانه لا يمنع بعضَ أوامره بعضاً، عقوباتٍ كانت أو عباداتٍ، فإن الرِّق لا
стр. 1262
يخلو من أن يكونَ بلوى أو عقوبةً، لأنَّه في الأصلِ أثرُ الكفرِ، وايجابُ الحدودِ والقصاصِ لا يمنعُ من دخولِ من لزمَه ذلك في مطلقِ أوامرِ الله سبحانَه، وان كانت بلوى كانت بمثابةِ الأمراضِ والفقرِ وغيرِ ذلك، وهي غيرُ مانعةٍ من دخولِ الممتَحنِ في عمومِ الخطابِ، وكما لم يمنع كلًّ ذلك اتجاهَ خاصِّ الخطابِ نحوهم.
وأمَّا خروجُهم من بعضِ الأوامرِ كالجمعةِ والجهابِ فما دخلوا فيه من أوامرِ الشرع أكثر، كالصلواتِ والصيام والكفاراتِ والحدودِ، فإنْ تعلقتم بما خرجوا منه، تعلقَ عليكم بمادَخلوا فيه.
على أن الذي خرجوا منه خرجوا بأدلةٍ أوجبت إخراجَهم، وما دخلوا فيه فمطلقُ الأمرِ والخطاب.
ولأنَّ الفقراءَ والزمنى والمرضى والمسافرين أخرجهم العجزُ عن كثيرٍ من العبادات أصلًا تارةً ومقداراً أخرى، ثم دخلوا في مطلق الأمر حيث كان خروجُهم عما خرجوا عنه بعجْزٍ وعذرٍ قامت بإخراجهم لأجله أدلَّة، فكذلك هؤلاء، وأما تملّكُ سيدِه منَعَه من النوافلِ، لا يمنعُ دخولَه في مطلقِ أمرِ الله له بالفرائضِ، كما أنه يمنعُه من سائر النوافل، ولا يمنعُه ذلكَ دخولَه في الأمرِ الخاصّ له بالفرائض، فهو في باب الأوامر الخاصة والفرائض الناجزة كالحر، ولهذا صححنا فرائضه عن حال إباقه ولم تخرجوها في حقَه عن كونِها قربةً، ولم نصحَّح نحن منه النوافلَ رأساً، وأنتم أخرجتموها عن كونها قربة، ما ذلكَ إلا لأنَّه فى الفرائضِ كالحرِّ، وفارقَ بهذا ما أشاروا إليه من أوامرِ الأجانب لأنهم لا مُلكَ لهم ولا حق، والله سبحانه مالكٌ لكلِّ المالكين، فلاَ يمنعُ من ألجاه أمرُه حق أضعفِ المالكين، ومن ملكه أضعف
стр. 1263
الملكين، كما لم يمنع اتجاهَ خصوص أمرِه ونهيه، بخلافِ الأجنبي من المخلوقين.
فصل
ويدخل النساء في مطلق الأمر (١).
وبه قال ابن داود.
خلافاً لأكثر أصحاب أبي حنيفة (٢) وللأشعرية، ووافقهم القاضي أبو بكر بن الباقلاني.
وأصحابُ الشَّافعيِّ لا يُدخلون إلا بقرينةٍ أو دلالةٍ (٣).
стр. 1264
فصل
في جمع أدلتنا
فمنها: أن عادةَ أهلِ اللغةِ تغليبُ جمعِ التذكير إذا اجتمعَ المذكرُ والمؤنثُ في الخبرِ والأمر، فيقول قائلهُم للنسوة على الانفراد: ادخُلن، وإذا كان معهم ذكور قال: ادخلوا، قال الله سبحانه لآدم وحواء: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، وهذا خطاب الذكور.
وتقول العربُ للمرأةِ: قومي، وللثلاث: قُمْن، وللرجلِ والمرأتين: قوموا، وكذلك عادتُهم تغليبُ جمعِ ما يعقلُ إذا كان معه من لا يعقِل، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] حتى إنه إذا وصفَ ما لا يعقلُ بصفةٍ تختصُ من يعقل غُلِّب فيه جمعُ من يعقل، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وهذا جمعُ ما يعقل لما وصفها بالسجود، وهو فِعلُ من يعقل، جمعها جمع من يعقل.
فإذا ثبتَ هذا من عادةِ العرب، وورد في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] دخلَ فيه المؤنثُ تَغليباً للتذكير، وكذلك في التثنية تقولُ العرب في الرجل والمرأة: قاما، وهذه
стр. 1265
صورةٌ تثنيةِ الذكرين، والله أعلم.
ومن ذلك: أنَّ أكثرَ أوامرِ الشرع خطابُ المذكَّر، والإجماعُ منعقدٌ على دخولهنَّ في الخطابِ، وما ذَاكَ إلا اعتماداً على دخولهنّ في خطابِ المذكر تبعاً.
ومن ذلك: أنَّ العربَ دأبها تُغلبُ الأكثرَ على الأقل، ومعلومٌ أننا غلبنا التذكيرَ على التأنيث، وإن كان عددُ الإناث أكثرَ دلَّ على أنَّه الوضع الأصلي.
ومن ذلك: أنَّ الغالبَ أنَّ النساءَ تابعاتٌ للرجال، وقلَّ أن يختص في الخطاب نساء حلةٍ أو قريةٍ أو بلدةٍ في مكاتبةٍ أو مخاطبة، إنما يُسْتَتْبَعْنَ استتباعاً، ويستهجنُ من العربي أن يقول لأهل بلدٍ: أنتم الآمنون، ونساؤكم آمنات، بل إذا قال: أنتم آمنون، تبعَ النساءُ في ذلك، وكذلكَ إذا كان بحضرته رجال ونساء فقال: قوموا، سَمُجَ في اللغة أن يقول: وقمن.
فعادة أهل اللغة في الاستتباع لهن مغنية عن تخصيصهن بالخطاب، فكان مطلقُ خطابِ الشرع كذلك، حتى إنَ في البهيم من الحيوان يسمجُ أن يقولَ الرجلُ: عندي مئةٌ من الخيل، ومئةٌ من الجمال، كما يقول: مئة من الرقيق معَدّات ومُعَدّون، لتبعهم ولتبعهنّ، بل يُطلِقُ الجمعَ الصالح للذكورِ فقط قنوعاً به وتعويلاً عليه.
стр. 1266
فصل
في جمع الأسئلة على ذلك
فمنها: أنْ قالوا: تغليبُ العربِ للتذكيرِ في بابِ الجمع لا يمنعُ انصرافَ جمعِ التذكيرِ إلى ما وُضِعَ له، كما أنهم قد غلبوا أسماءَ المجازِ على الحقائقِ في قولهم: راوية، وغائط، فوضعوه لغيرِ ما وُضع له في الأصل، وكذلك الوطءُ، ولم يعطِ ذلكَ أن نصرف إطلاقَ اللفظِ إلا إلى الوضعِ الأول دونَ ما غلّبوه من الوضع الثاني وهو المجاز والاستعارة.
ومن ذلك: قولهم: إفاضةُ التذكيرِ على التانيثِ حالَ الجمع لا ئعطي أنْ يدخلن في الِإطلاقِ، بدليلِ إفاضةِ السوادِ والقمَرية والعدل لأحد المسميَيْن إلى صاحبه في قولهم: بتنا على الأسودين (١)، وعدل العمرين (٢)، ولنا قمراها (٣)، وإن كان الأسود وعمر والقمر أحدهما والِإطلاق له حكمه.
ومن ذلك: قولهم: إنَّ لهن خطاباً يَخُصهن، وجمعاً ينفردن به في الواحدةِ والاثنتين، وقد تقاصر عليهنَّ التذكيرُ عند اجتماعهن بالذكورِ، فيقابل الاستعمال في اللغة، وبقي أمرُ التكليفِ واشتغالُ الذمةِ به على مقتضى أصلِ أدلةِ العقولِ من البراءة، إلا أن تقومَ دلالةُ الاشتغالِ للذممِ وإيجابِ الحقوقِ والعبادات.
стр. 1267
فصل في جمع الأجوبة عن الأسئلة
أمَّا إلزامُنا المجازَ المغلَّبَ استعمالُه، فإننا لو سألنا الواحدَ من أهلِ اللغة: ما أردتَ بقولك: وطئت أمتي؟
لقال: جامعتُ وفعلتُ الفعلَ المخصوص.
فإذا قيل له: فيحسُنُ النفيُ بأن تقول: ما وطئتُها، لكن فعلتُ كيْتَ وكيْت؟
لقال: نعم يحسنُ النفيُ بحكمِ الوضعِ الأصلي.
فأمَّا في مسألتنا، إذا قال في امرأةٍ ورجل قاما، وقيل له: ما أردت؟ قال: الرجل والمرأة.
فهل يحسُن أن يقول: ما أردت المرأة، وتبقى التثنية، فيقول: لا، ولا يحسُن أن يقال: قامتا.
فيفاض التأنيثُ على التذكيرِ، فقد صار وضعاً لا استعارةً ولا تجوزاً.
وأمَّا كوُنهن تخصِّصن بوضع حالَ الوحدةِ والتثنيةِ، فقد سقطَ ذلكَ حالَ التثنيةِ إذا كان مع الواحدةِ رجُل، أو كان مع الكثرةِ فيهن قليلٌ من الذكور، فإنه يُغلب التذكيرُ على التأنيث، وإن كان دأبُ العرب تغليبَ الأكثرِ على الأقلِ في كُلِّ شيء.
وأمَّا إفاضةُ اسمِ القمر على الشمس، والسوادِ في التمر على الماءِ الذي ليس بأسود، ولا سوادَ في الماءِ، وفي الأنثى ما يصلح للتذكيرِ
стр. 1268
من حيث إنها شخص وحى وإنسان يحسُنُ لذلك أن تفردَ بالتأنيث لمكان ما فيها من الأنوثةِ، وتجمع بالتذكيرِ لما فيها مما هو مذكر من الشخصيةِ والإنسانيةِ والآدمية، فهي بحدتها إنسانٌ وآدمي وشخص عاقلٌ ناطقٌ.
فصل
في جمع شبههم في ذلك
فمنها: ما رُويَ عن أمِّ سلمةَ أنها قالت: يا رسولَ الله إنَّ النساء قلن: ما نرى الله يَذْكُرُ إلا الرجالَ، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...﴾ الآية (١) [الأحزاب: ٣٥].
ومن ذلك: ما رويَ أنَّ النبيَ ﷺ قال: "ويل للذين يمسّون فروجهم ثم يصلّون ولا يتوضؤون"، فقالت عائشة: يا رسول الله، هذا للرجال، فرأيت النساء (٢)؟
وهذا يَدُل على أنهنّ لم يدخُلن في عمومِ الصيغة الموضوعة
стр. 1269
للتذكير من حيث سؤال أم سلمة وعائشة، ونساءُ العرب أعرفُ بالوضع، والنبيُّ ﷺ سيد اللغةِ لم يُنكِر عليها السؤالَ ويقول: إنَّ الصيغةَ موضوعةٌ للجميع، واقرارُه كقوله.
ومن ذلك: قولهم: إنَّ للإناث وحدةً وتثنيةً وجمعاً، ولكل ذلكَ لفظ يخصُّهن، فيقالُ: مؤمنةٌ، ومؤمنتان، ومؤمنات، وللذكورِ اسم يخصُّهم أيضاً في الواحدِ والاثنينِ والثلاثةِ، فيقال: مؤمن في الواحد، وفي الاثنين: مؤمنان، وفي الجمع مؤمنون، فكما لا يدخلُ النساء في تأحيدِ التذكيرِ ولا التثنية، كذلكَ في الجمع، وكما لا يدخلُ المذكرُ في جمع المؤنث، كذلك لا يدخل المؤنث في جمع المذكر.
ولهذا فصَّلَ الباري بينهنّ فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى جميع ما عدَّد من الأوصاف، ولو كنَ قد دخلن في الجمعِ الأولِ لم يكن للإعادةِ معنى، وصار بمثابةِ جمعِ المؤمنين لا يدخل الكفارُ، وجمعِ الأبرارِ لا يدخل فيه الفجارُ، وكذلك جمعُ الذكورِ لا يدخل فيه الِإناثُ إلا بدلالةٍ.
وحرَّره بعضهم قياساً، فقال: مالا يدخلُ في اسمِ الواحدِ والتثنيةِ لا يدخل في الجمعِ: كاسمِ الذكورِ لا يدخلُ في جمعِ الِإناثِ.
فصل
يجمعُ الأجوبةَ عن شبههم
أمَّا سؤالُ أمِّ سلمة وعائشة، فإنَّما وقَع عن عدمِ تخصيصهن بالذكر من طريق الصريح، ولم تقنع بالعمومِ من غيرِ تخصيصهن بالذكر.
стр. 1270
ولأنَنا وإن قلنا: إنهن يدخلن، فإنما يدخلن من جهةِ الظاهرِ، فأمَّا من جهةِ الصريحِ والنصِّ فلا، وقد ورَدَ في بعضِ الخطاب خصوصُهنَّ، مثل قوله تعالى: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وعادة العَرب التخصيصُ تارةً، والتعميمُ أخرى.
وأمَّا قولهم: إن للإناثِ اسماً يَخُصّهن في الوحدةِ والتثنيةِ والجمعِ، وكذلك الذكورُ، فلعمري إنه كذاك، لكن العربُ إذا أحَّدت خصت كُل جهةٍ بما يليق بها من التأنيث والتذكيرِ، فأمَّا إذا جمعت فإنها تُغلبُ لفظ التذكيرِ، حتى إنَ عادةَ العربِ تغليبُ اسمِ الأكثرين وإسقاطُ حكمِ النساءِ والنادر والقليلِ، فينسبون من كان أكثرهم بُخلاً إلى البُخل، ومن كان أكثرهم كَرَماً إلى الكرم، ويسقطون حكم الواحد والاثنين والثلاثة في الحلة أو القبيلة.
ومع هذه العادةِ رأيناهم يجمعون الجمع الذي يشتمل على مئة امرأة وثلاثة من الرجال جمعَ الذكور، ويخاطبونهم خطابَ الذكور، فعُلمَ بذلك أنه يُحددُ لهنّ بالاجتماعِ بالذكورِ حالٌ لم يكن لهن حالَ الانفرادِ واسم لم يكن، وغير ممتنع مثل ذلك في تغيرِ الحال بالاجتماعَ.
كما يقال: قامت، في الواحدة، وفي الاثنتين: قامتا، وفي رجُل وامرأةٍ قاما، وفي رجُلٍ وامرأتين: قاموا، ولم يوجد لاجتماعهن بالذكورِ حكمُ الانفرادِ في التثنيةِ والجمعِ، كذلكَ في الخطابِ، وكذلكَ كان
стр. 1271
حكمُ الكثرة التغليبَ، فسقط ذلك التغليبُ في حالِ كثرةِ الإِناثِ مع قلةِ الذكور.
وفارق جمعَ المؤمنين والكفار، لأنه ليس في وضعِ اللغةِ تغليبُ أحدهما على الأخرِ إلا مع الكثرةِ الغالبةِ أو السلطنةِ، ونفاذِ الأحكامِ، فيقال: داركفرٍ، ودار إسلامٍ على حسب التسلط في التصرف ونفوذ الأحكام.
وها هنا يغلبُ التذكيرُ مع قلةِ الذكورِ وكثرةِ الإناث، فدلَّ على أنّ الحكمَ للاجتماعِ تغليبُ الذكورِ، فكذلك في باب الخطاب.
فصلٌ
اختلفت الرواية عن أحمد في الكفارِ هل يدخلون في الخطاب العام المطلق بالعبادات، مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] ﴿يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [ألحشر:٢].
فعنه أنَهم يدخلون (١)، نص عليه في اليهودية والنصرانية تلاعنُ المسلمَ تعلقاً منه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، وبه قالَ أكثر المتكلمين من المعتزلة والأشعرية (٢).
стр. 1272
والثانية: لا يدخلونَ في مطلقِ الأمرِ بالعباداتِ، وإنَّما يخاطبون بالإِيمانِ والنواهي، قال في يهودي أسْلَمَ في نصفِ الشهر: يصومُ ما بقي، لأنه لم يجب عليه قبل إسلامِه، إنما وجبَ عليه لما أسلمَ، ولم يكن واجباً حالَ كُفرِه.
واختلف أصحابُ أبي حنيفة، فذهب الكرخي والرازي وجماعةُ أصحابه إلى أنهم مخاطبون بالعبادات (١).
وذهب الجرجاني إلى أنهم غير مخاطبين بها، لكنهم مخاطبون بالنواهي والإيمان (٢).
واختلف أصحابُ الشافعيّ أيضاً على مذهبين:
أحدهما أنهم مخاطبون، وهو الأشبه وقول الأكثرين (٣).
стр. 1273
والثاني غير مخاطبين إلا بالإيمان، وهو اختيار الشيخ أبي حامد رحمةُ الله عليه.
فصلٌ
في جمعِ الأدلةِ على أنّهم مخاطبونَ من طريقِ الآي من القرآن فمن ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت: ٦، ٧]، فتواعدهم على الكفرِ وترْكِ الزكاة وجحدِ البعث، ولا يتواعدُ إلا على فعلِ محظورٍ أو تْركِ واجب، فكانَ الظاهرُ مقابلةَ الوعيدِ لجميعِ ما عدَّد من الجرائم.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] فظاهرُ هذه الآيةِ مقابلةُ ما ذكره من العقابِ في مقابلةِ ما عدَّده من الذنوب والجرائم. لا سيما مع قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ﴾ فذِكرُ المضاعفةِ إنما وقَعَ لمكانِ مضاعفةِ جرائمهم جريمةً بعد جريمةٍ، لأنَّ قولهَ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يعودُ إلى الجُمل المتقدّمةِ كُلّها، وما ذِكرُ المضاعفةِ إلا مقابلة.
ومن ذلك: قولُه تعالىِ في أهل الجنة يتساءلون: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٢،٤٣، ٤٤،٤٥، ٤٦]، وهذا يدُلّ على أنّهم يؤاخذونَ بتركِ الإيمانِ وتركِ العباداتِ المذكورةِ.
стр. 1274
فصل
في جمعِ الأسئلةِ على الآياتِ
فمن ذلك: المرادُ بقوله: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] قول لا إله إلا الله، وردَ التفسيرُ بذلك (١).
ويحتمل أن يكونَ الذين لا يعتقدونَ إيتاءَ الزكاةِ ولا يدينون به ولا يلتزمونها، كما قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، يعني يلزمونها.
ويحتملُ أن يكونَ الويلُ عادَ إلى كفرِهم، ووصفهم بأنّهم لا يؤتونَ الزكاةَ، ولم يحصُل الويلُ لعدمِ إيتائهم الزكاةَ.
وأمَّا قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] إنما عادَ إلى جميعِ المذكورِ، وهو بمجموعه يوجب ذلك، بدليل أنه قال: ﴿يخلد﴾، ولا خلودَ إلا على الكفر، فلا يُمكنُ حملُ الوعيدِ على آحادِ هذهِ الأشياء المذكورةِ، إذ ليس فيها ما يوجبُ الخلودَ.
وأمَّا قوله: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣]، فليس هو من قولِ من يُعتدُ بقولهِ، بل هو قولُ الكفارِ ولا اعتبارَ بقولهم، بدليلِ أنهم قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، قال
стр. 1275
الله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ [الأنعام: ٢٤] ومن يكذب يجوز أن يجهل.
ولأنه يحتمل أن يريدوا: لم نَكُ من أهلِ الصلاةِ، كما قال: نُهيتُ عن قتل المصلين، وليس المرادُ به مَن هم في تحريمةِ الصلاة فقط، لكن من يلتزمها وهو أهلٌ لها.
ويحتملُ أن يكونَ هذا قولَ فرقٍ مختلفين، فقومٌ تركوا الصلاةَ، وقومٌ تركَوا إطعامَ المسكين في الزكواتِ والكفاراتِ، وقومٌ كذَّبوا بالبعثِ بعد المماتِ.
يشهد لهذا التأويل: أن الخِلال كلها لا تكادُ تجتمعُ في الكلَ، فإن منهم مَنْ كان يُطعمُ الطعامَ، ويصلُ الأرحامَ تكرماً، ومنهم من يفعل ذلك بعد نسخِ الدين الذي كان عليه تديّناً وتمسكاً؛ كالنصارى واليهود بعد بعثهِ نبياً ﷺ ، وفيهم الرهبانُ الذين لا يخوضونَ مع الخائضين، وفيهم من لا يكذبُ بيوم الدين ممن يثبتُ البعثَ ولكن يكفر بجحد شيءٍ آخر، كجحدِ إيجاب واجب في الشرع، أو حجدِ تحريم محرّم حرمه النصّ، فهذه جملة أسَئلتهم.
فصلٌ
في جمعِ أجوبةِ الأسئلةِ على الآيات الثلاث
أمًا حملُ الزكاةِ على الشهادةِ، فليس بحقيقةٍ، بل الحقيقةُ إخراجُ المالِ المخصوصِ عن المالِ المقدرِ المخصوصِ، على أنَه إذا حُملَ على الشهادةِ، كان إعادةً، فإنَّ الكفرَ بالآخرة كفرٌ، فكانَ يحملُه على تركِ الشهادة، كأنَّه قال:
стр. 1276
الذين لا يؤمنون وهم بالأخرة كافرون، وحملُه على عدم اعتقادِ الزكاةِ حمل على الكفرِ أيضاً، ومهما أمْكن حملُ الكلام علىَ حقائقهِ وحَمْل كُلَ جمله منه على معنى غيرِ الأولِ، فلا وجه لحمله على التكرار، ورد الويل إلى الكفرِ خاصةٌ، وإخراج بقيةِ الجرائمِ عن مقابلةٍ خلافُ الظاهرِ، لأنه لو كان غير الكفر من منع إيتاء الزكاةِ ليس بمقابل، لم يكن لذكره معنى.
وأمَّا قولهم: إنَّ الوعيدَ عادَ إلى جمعِ المذكور، ومن جملته الكفرُ، ولهذا أوجبَ الخلودَ، فهذا عينُ ما نريدهُ، لأنَه إذا عادَ إلى الجميعِ، كانت المؤاخذةُ بكُلِّ واحدٍ من الجملةِ المذكورةِ، ولا سيما ذكرهُ للمضاعفةِ في مقابلهِ تَعدُدِ أفعال مضاعفه، فهو أشبهُ من عودهِ إلى الكفرِ، وهو شيءٌ واحد، فيكونُ ذكرُ الخلودِ لأجل الكفر، والمضاعفةُ في مقدارِ العذاب لأجلِ ما ذكره من الذنوب.
وأما قولهم: إنَ قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إنما هو قولُ الكفارِ، فكلُّ قولٍ حكاهُ الله عنهم ولم ينكره، فهو قولٌ صحيح، ألا تراهم لما قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كيف قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وقولُهم: يُحتمل لم نكُ من أهل الصلاة، فذاكَ هو الكفرُ، وقد ذكره، فلا وجهَ لتكراره، ولا يُحملُ الكلامُ على ما يقتضي التكرارَ، على أنَّ الحقيقةَ خلافهُ، فإن الكلامَ يقتضي تَرْكَ فعل الصلاةِ لا اعتقاد وجوبها.
وأما قولُهم: يحتمل أن يكون قولَ فِرَقٍ. فلا يمنعُ استدلالَنا،
стр. 1277
لأنَهم إن كانوا فرقاً من الكفارِ، فقد أخبرَ أنَّ الكفارَ متواعدونَ على ترك هذه الأمورِ التي هي من الفروع، وإن كانوا فِرقاً بعضُهم من أهلِ الإيمان، فلا يمكن، لأن الله سَبحانه قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٨ - ٤٩] وهذا راجعٌ إلى جميع المذكورين.
فصلٌ
في أدلتنا من طريق النظر
فمنها أنهم مخاطبونَ بمعرفةِ الله وتصديق رُسُله صلوات الله عليهم، وأتهم مَأْثومون على تكذيب الرُسُلِ وجحدِ نبوتهم وقتلهم وقتالهم، وأنهم معذبون على الكفر بالله، وهذا مما أجمعت عليه الأمةُ، فلا خلافَ فيه، وإن كانَ التصديقُ بالرُسلِ لا يصحُّ إلا بعد تقدم معرفةِ الله، ومعرفةِ انفرادِه بالقدرةِ على ما أيدهم به من المعجَزاتِ، وأنَه على صفةٍ هو عليها لا يجوزُ عليه تأييدُ كذاب عليه بالمعجزِ، ومتى لم يتقدم هذا لم يصح تصديقُهم بالرسُلِ ﵈، فقد صارَ خطابُهم بتصديقِ الرسُلِ مشروطاً بتقدم معرفةِ الله، ومعرفةُ الله سبحانه بنا ذكرناه من العرفانِ لا تصح إلا بشريطَةٍ هي تقدُمُ النظر الصحيحِ والاستدلالِ المؤديين إلى معرفته، ولم تمنع عدمَ صحة التصديق بالرسُل إلا بتقدُّمِ الشروطِ المذكورةِ من القولِ بخطابِهم بالتصديقِ لهم، كذلك عدمُ صحةِ العباداتِ منهم إلا بشريطةٍ تتقدم، وهرب الإيمانُ لا يمنعُ صحةُ الخطاب بها، وهذا دليل لمذهبنا، وفي قوته، صلاحهُ لإفسادِ كل شبهةٍ يتعلقوَن بها في هذه المسألة.
стр. 1278
ونحررُ قياساً فنقول: مَن تناولَه الخطابُ بالإيمانِ تناولَه الامرُ بالعبادات، كالمسلمِ لو ارتدَّ أُمر بالإيمان، والمسلمُ الذي لم يرتدي الامرُ باستدامةِ الإيمان.
ومن ذلك: أنَهم مع تكليفِ الإيمانِ بالرُّسُلِ ﵈، مخاطبون بالمنهياتِ، وأهلُ الذمةِ منهم يُحدّونَ بالزنا والسرقةِ، ويعزّرون بما يوجب التعزير من الجرائم غير الموجباتِ للحدود.
وتحقيقُ هذا أن يقال: لما نُهوا عن أكبرِ معصيةٍ لله، وهو التكذيبُ بآياتِ الله ورُسلهِ، دَخلوا في النهي عما دونة من المعاصي، كذلك لمّا أمروا بأكبرِ طاعةٍ وهي الإِيمانُ، أُمروا بأركانهِ وتوابعهِ من العباداتِ والطاعاتِ.
ومن ذلك: بأنّه لما كان مُزاحَ العلةِ فما أمرِ به من الإيمان، دخلَ في الخطاب به، وهو مزاحُ العلة في باب العبادات، من حيث؛ كان قادراً على تحصيل مقدماتِها وشروطها، وهذا علّةُ دخوله في الخطاب باصلِ الِإيمان، وقد ساوته العباداتُ في ذلك، فدخلَ في مُطلقِ الخطابِ بها.
فصل
يجمعُ أسئلتَهم على أدلتِنا في المسألةِ
فمنها: أن الخطابَ بالإيمانِ إنّما حصل لأنه من أهلِه، ولهذا لو أتى به لصحَّ منه، فأمَّا الصلاةُ والصيامُ، فإنه لا يصح منه أداء، ولا يجبُ عليه بعد فواتِ وقتهِ قضاءٌ، ومحالٌ تأثيم مكلفٍ على تركِ فعلٍ لو فعلهُ لما صحَّ منه.
стр. 1279
ولأنَ المنهيِّ عنه يلائم الكفرَ في كونه معصيةً، فحسُنَ أن ينصرفَ الخطابُ إِليه بتركه كما انصرفَ إِليهِ الخطابُ بتركِ الكفرِ، والطاعاتُ بخلافه.
ولأنَّ النهيَ لما تعلق عليه وتناوله الخطابُ به تعلقت عليه أحكامُه وهي الحدود والعقوباتُ والتعازير، والطاعات لا تتعلقُ عليها أحكامها إذا وجدت منه.
وأما النهيُ فإنه يصحُّ منه ترك مع الكفرِ، والطاعةُ لا تصحُّ منه.
وأما قولكم: إنه مزاحُ العلةِ غيرُ صحيح، لأنَّه لو أزيحت علّته، لصحَّت منه، فأمَّا إذا أُتي بها، فلم تقبل ولم يعتد له بها، فلا تصحُّ دعواكم إزاحةُ العلة في حقه.
فصل
في جمعِ الأجوبةِ عن الأسئلةِ
أمَّا إطلاق القولِ بأنها لا تصحّ منه، لا يسلَّم فإنَ العباداتِ تصحُّ منه مع تقديمِ شروطِها، ولو جاز أن يقال: لا تصحُّ منه مع الكفر، فلا يخاطَبُ بها. لجاز أن يقال: لا يصحُ من غيرِ العلم بحدث إثبات صانع، ولا يصحُ من غيرِ العالمِ بالصانعِ إثباتُ أنَه واحد، فلما خوطبَ باعتقادٍ لا يَصُّح إلا بتقدم اعتقاد مثله، كذلكَ جازَ أن يُخاطب بفعل ما لا يصحُّ فيه إلا بتقدّم اعتقادٍ قبله، أوَلا يرى أيضاً أنه لا تصح من المحدِث صلاة، فلا يخَاطبُ بها، بل يقالُ: تصحُّ منه بأداءِ شروطها، وتقديم مقدَماتِها من الوضوء والاغتسالِ، ولا يقال: لا يصح من النجار عملُ بابٍ ولا دولابٍ، إذ ليس معه آلة ذلك، بل
стр. 1280
يقالُ: تصح منه النَّجارةُ بشريطةِ تحصيلِ الآلات. فهذا قولٌ باطلٌ موهِمٌ عندَ من لا يفهم أنَّه سَيىء، واذا كشُفَ بالتحقيق تزيَّف.
على أنه لو جازَ أن يقالَ هذا في العباداتِ، لقيلَ في تصديقِ الرُّسل: إنه لا يخاطبُ به، لأنه لا يصح منه إلا بعدَ تقديمِ النظرِ والاستدلالِ المحصّلين لإثباتِ الصانعِ وأنه واحدٌ منفردٌ بخرقِ العادات، والقدرةِ على ما يظهرُ على أيدي الرسلِ صلوات الله عليهم من المعجزاتِ، وإنَّما لم يقل ذلك، لأنَّهم قادرون على تقديم النظرِ المؤدي إلى صحةِ تصديق الرُسُل، كذلكَ الكافرُ قادرٌ على إزالةَ كفرهِ بصائب فكرِه وصدق الاجتهاد من نفسهِ، فإذا زالَ الكفر صَلح للصلاةِ والصيامِ، كما أنَّ الجُنُب إذا اغتسلَ صَلح لأداءِ الصلاةِ والطوافِ وغير ذلك مما يشترطُ له الاغتسالُ، فقد وجبَ التأثيمُ عليه بتركِ ما هو قادرٌ على التوصُّل إليه.
فإن قيل: هذا كلامٌ باطلٌ يوهِمُ أنه ينطبقُ على ما نحن فيه، وليس الأمرُ كذلك، لأن النظر شَرطُ المعرفةِ، والطهارةَ شرطُ الصلاةِ، وليس الإيمانُ شرطاً للعباداتِ، وانما هو أصل بنفسه، إذا صحَّ أوجبَ إلزامَ توابعه، وعُلَقِه، وما هذا سبيلهُ لا يجبُ على المكلفِ تحصيلُه لأجلِ ما يترتبُ عليه.
فيحسُن أن يقال: يجبُ أن يحصّل الغُسلَ ليصلي، لأنَّ الغسلَ لا يجبُ في نفسِه إلا لغيرِه وهو الصلاةُ والطوافُ والاعتكافُ، والنظرُ لا يُرادُ لنفسِه، بل يُرادُ لتحصيل المعرفةِ، فأمّا الإيمانُ فإنه لا يقال: إنه موضوع ليصَلّيَ ويصومَ، بل هو أصل، وانما يصلّي ويصومُ ليقعَ منه بذلكَ موافقةُ التصديق، فأمَّا أن يُصدقَ ليصليَ ويصومَ، فبعيدٌ ذلكَ
стр. 1281
عند المحققين، بل محال (١).
على أنَه ليسَ كلما لم يصح الشىءُ إلا بحصولِه يجب تحصيله، لا سيّما إذا كانَ شرطاً للصحةِ، بدليلِ أنَّه لا يَصح إخراجُ الزكاةِ إلا بتقديمِ ملكِ النّصاب المخصوص، ولا تصح التوبةُ إلا بتقدُّم الذنب، ولا يجبُ تحصيلُ النصابِ ليزكي، ولا مقارفة الذنب ليتوبَ، ولا كلَّما لم يجب الشيءُ إلا بحصولهِ يكون واجباً؛ بدليلَ أن تحصيلَ الزاد والراحلةِ، لا يجبُ الحجُّ إلا بحصولهِ، ولا يجبُ تحَصيلهُ، فلا شرطَ الإيجاب يجبُ، ولا شرطَ الصحةِ يجبُ، فبطلَ قولُكم: إن العباداتِ يجبُ تحَصيلُها بتحصيلِ شرطِها، وهو الإيمانُ الواجب.
فيقال: هذا مشاحّةٌ في عبادةٍ، وإن الإيمانَ واجبٌ، لكنه ليس بشرطٍ ولسنا نضايقكم فنقول: إن الإيمان شرط. بل نقولُ: الإيمانُ واجب مقدور على تحصيلهِ، واذا وجبَ تحصيلُه وجبت العباداتُ، فكانَ وجوبُه مع استطاعةِ تحصيلِه صالحاً لإيجاب ما ترتّب عليه، كالنظرِ والاستدلالِ لما وجبا وكان وجوبُهما طريقاً لمَعرفةِ الله، وجبت معرفةُ الله على من لم يعرفِ الله بطريقِ النظر.
فأمَّا قولكم: إنَ النظرَ لا يُراد لنفسِه، والطهارةَ لا تُرادُ لنفسها، فهما شرطان، والواجبُ إنما هو الصلاةُ والمعرفةُ، وهنا الواجبُ: الِإيمانُ والمعرفةُ، لا النظر، فليس الأمرُ كذلك، بل النظرُ المؤدي إلى المعرفةِ طريقُ وشرط، والعبادةُ لله سبحانَه والطاعةُ هي المقصودةُ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فالأمرُ بالطاعاتِ المقصودةِ، شاملٌ كلَّ مكلفٍ، لأن الله سبحانَه أخبرَ أنه لم يخلق الجنَّ والإنسَ إلا لعبادتهِ، ولما لم تصحَّ عبادةُ من
стр. 1282
لا يُعرفُ، وجبت المعرفةُ ليُطاع، ولهذا قال النبي ﷺ : "بنيَ الإسلامُ على خمس" (١)، وساقَ العبادات وقال:" أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" (٢)، وساقَ العباداتِ الخمسَ.
وقد أجمعنا على أنَ معرفةَ الله سبحانه التي لا يتعقبها طاعة في سائرِ ما أَمرَ به، منحبطة الثواب، وعباداتُه التي لا تتقدمها المعرفة منحبطةٌ، كما أنَّ الطهارةَ لغير صلاةٍ غيرُ نافعة، والمعرفة لغيرِ طاعةٍ وعبادةٍ غيرُ نافعة، بل من لا يعرف ولم تحصل له المعرفة غير مؤاخذ بتركِ المعرفةِ إلا لإهمالِه شرطَها، وهو النظرُ والاستدلالُ القادرُ عليهما، فكذلكَ التاركُ للعباداتِ مؤاخذٌ بتركِ تقديمِ مالا تتحصّلُ العبادةُ إلا به، وهو الإيمانُ.
وأمّا قولهم في النهي: إنّه يصحُ منه تركهُ. فإن أرادوا به صورة، فالطاعاتُ كلها تصحُ منه صورة، وإن أرادوا به، يصحُ التركُ على وجهِ مكابدةِ النفسِ لأجلِ الاحترامِ للناهي عنه، فذلك أمرٌ حُكمي يقفُ حصولُه على تقدم الِإيمان والتصديقِ، وإلا فالتركُ للمعاصي مع الكفرِ كتركِ المتطبب لشربِ الخمرِ لمضرةٍ عَلِمها فيه تعودُ إلى مزاجه وكتركِ المتصاون عادة لفعلِ الزنا خوفاً من المعرةِ في قبيلته وحزبِه، والتارك للظلم لرِقّةِ طبعه ورِقةِ قلبِه وما يلحقه من الألم بالاستطالةِ على
стр. 1283
المظلوم، إلى ما شاكل ذلك، فهذا فصل محقَّقٌ أغفله جماعة من مصنفي هَذا النوع من العلم.
وأمَّا قولهم: إن المنهيَ لما صحَّ في حقِه وتعلقت عليه أحكامُه، صحَّ أن يتجه إليه الخطابُ بتركِه، بخلافِ العباداتِ. فليس بصحيح؛ لأنَّ إقامةَ الحدودِ على أهلِ الذمةِ لإقامةِ سياسةِ الملةِ حيثُ التزموا أحكامنا، فأمَّا أن يكون لأن أحكام النهي ثبتت شرعاً فلا، لأن الحدودَ لأهلِ الإسلام كفارات لأهلها، أو بلاء، وهي في حق الكفار محضُ عقوبات، وليس الحدودُ المحضةُ عقوبةً من أحكامِ أهل الإسلام، فما تعلقت الحدودُ بالمنهيات في حقهم على الحث الذي تعلقت في حقنا.
وأمّا كون المحظوراتِ تلائم الكفر، فكان يجبُ لما عفونا عن الكفرِ إقراراً لهم عليه أن نقرَّهم على المنهياتِ تبعاً، فلما زجرناهم عنها بطل أن يكونَ النهيُ عنها والزجرُ لأجل الملاءمةِ.
فبانَ أنَّ ما ذكرتم من الملاءمةِ ضدَ المقتضى.
وتفصيحُ هذا وكشفهُ، أنَّه كما لا يقالُ لمن لا يؤمنُ بالله: صل الله. ويُستهجن هذا من قائلهِ، لا يُقالُ لمن يستجيزُ الكفرَ بالله والشركَ: لا تبع بزيادةٍ فتكونَ مرابياً، ولا تطأ أجنبية فتكونَ زانياً، كما لا يُقالُ لمن انغمسَ في حش وبال: امسحْ رأسَ قضيبك بحجر لتكون مُسْتَنجياء. ولا لمن تشككت فيه النصال، ووطىء على شوكةٍ: انقش الشوكةَ من رِجلك، وإنما يتشاغلُ في الأمورِ بالأكبرِ والأهمّ، فإذا كان كفرُ هذا الكافرِ لم يمنع من صرفِ النهي إليه عن جرائمَ دون الكفرِ مع النهي عن الكفرِ، كذلكَ لا يمتنعُ صرفُ الأمرِ إليه بالعباداتِ التي هي دونَ الإيمانِ مع الأمرِ له بالإيمان.
стр. 1284
فصلُ
في جمع شبههم في هذه المسألة
فمنها: أن العباداتِ لا تصحُّ منهم حالَ كفرِهم، وعبروا عن هذا بعبارتين:
إحداهما: أنهم لو كانوا مأمورين بها لصحت منهم، كما صح الِإيمانُ منهم.
والعبارُة الثانية: أنَّ الخطابَ لهم بما لا يصحُّ منهم لا فائدةَ لهم فيه، بل فيه الضررُ عليهم بالعقويةِ على الترك. واذا لم تصحَّ منهم هذه العباداتُ على وجهِ القربةِ، لم يصح الأمرُ لهم بها.
ومن ذلك: أنها لو كانت واجبةً على الكافرِ في حالِ كفرِه، وكان مخاطباً بها مع ما هو عليه من جحده، لوجبَ عليه قضاؤها بعد إسلامهِ، كما إذا تركَ المسلمُ الصلاةَ حالَ حدثهِ أو مرضِه أو سهوة أو فسقهِ وتكاسلهِ، وجب قضاؤها، فلمّا لم يجب القضاءُ بعد زوالِ الكفرِ، علم أنّه لم يكُ مخاطباً بها ولا وجبت عليه حالَ الكفرِ، فصار كالحائض.
ومن ذلك: أن الصلاةَ يقابلُ تاركها بعقوبةٍ في الدنيا وهي الضربُ عند قومِ، وبالقتلِ عند آخرين، وعقوبةٍ في الآخرةِ وهي إدخالُ النارِ، ثم إنَ الَكافرَ لا يتعلّق عليه بتركهِا عقوبةُ الدنيا الواجبة الله سبحانه شرعاً، كذلكَ لا تجبُ عليه عقوبةُ الأخرةِ، والعقوبة على التركِ من خصائص الوجوب، فإذا عُدِمت خصيصةُ الوجوبِ دل على نفي الوجوبِ.
стр. 1285
ومن ذلك: أنَ الكافرَ جاحد بالأصلِ الذي يُبتنى عليه فعلُ العباداتِ، فيكف يخاطَبُ بالفرع من يجحدُ الأصلَ؟ وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا، حيث كتب إلى كسرى وقيصر (١): ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤]، ولم يذكر فروعَ الإيمان، اعتماداً على حصولِ الاستجابة، فإذا حصلت خاطبَ، وتأخيراً للخطاب المبني على غيره فيما يتقدم وهو التصديق. وكذلكَ لما أنفذ معاذاً إلىَ اليمن، قال له: "ادعهم إلى شهادةِ أن لا إله إلا الله، فإنْ أجابوك فأعلمهم أنّ لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" (٢)، وإذا كان ترتيبُ الخطابِ هكذا لم يجز تقديمُ الخطابِ على شرطه.
فصلٌ
يجمعُ الأجوبةَ عن شبههم
فأما قولُهم: إنها لا تصحُ منهم. فلا يُسَلَّمُ على الإطلاقِ، بل
стр. 1286
يقالُ: هم من أهلِ الصحةِ لتحصيلها بشروطِها، ومن قدرَ على تحصيلِ الشرطِ لا يقال: لا يصحُ منه فعلُ المشروطِ.
على أنَّنا لو سامحنا وأنها لا تصح، بمعنى مالم يقدموا شرطها، فباطلٌ بالمرتدين، فإنهم كفارٌ ولا تصح منهم العبادات على وجهِ القربةِ وهم مخاطبون.
فإن قالوا: أولئكَ التزموا حكمَ الإِسلامِ قبل، وهؤلاء الزموا حكمَ الإِسلامِ، وإلزامُ الشرعِ كإلزامهم.
فإن قيل: فالمرتدُ لما وجبت عليه حال كفرِه، وجبَ عليه قضاؤها بعد إسلامهِ، قيل: إن صحَّ لك هذا الاعتذارُ مع من يسلم وجوبَ القضاء على المرتد، لم يصح لك مع من لا يوجُبه، فتقف صحةُ اعتراضكَ على تسليم خصمك.
على أنَّ القضاءَ إنما سقطَ عن الكافرِ الأصلي لئلا يؤديَ إلي تنفيره، وسنوضِّحُ العذرَ عن إسقاطِ القضاءِ في الكلامِ على الشبهةِ التي أوردتموها في جملةِ الشبه التي جمعناها في الفصل المختص بها إن شاء الله.
وجواب آخر عن أصل هذه الشبهة: وهو أنَّ عدمَ الصحّةِ لا يمنعُ الإيجابِ، كما أنَّ التصديقَ بالرسلِ لا يصحُّ من جاحدٍ بالصانع، ثم إنّهم قد صرفوا الخطابَ بالإيمانِ بالرسلِ إلى الجاحدِ لكونهِ قادراً على تحصيلِ الشرطِ بطريقهِ وهو النظرُ والاستدلالُ، فإذا حصلت المعرفةُ ترتب حجةُ التصديقِ بالرسل، ولم يقف الخطابُ بتصديقهم على حصول المعرفةِ، بل قنع في إيجابها بالقدرةِ على التسبب إلى المعرفةِ
стр. 1287
بالمرسلِ، كذلكَ لا يقفُ الخطابُ هاهنا على حصولِ الإيمان، بل يُقنع بالقدرةِ على تحصيلِ الإيمان.
وأما قولُهم: لا فائدةَ في الأمرِ بها مع عدم صحتها. فليس كما ذكروا، لأن التكليفَ في الجملةِ فائدة صح أو لَم يصح، كان أو لم يكن، لأن علمَ المكلفِ أنه إِذا لم يتبع هذا الشرعَ كان معاقباً على تركِ فروعهِ وأصوله كان أدعى له إلى الاستجابةِ، وينتفعُ به إذاً كسببٍ لحصولِ الشرط، وهو الإيمانُ (١).
وأما جوابُنا عن قولهم: لو كانت واجبةً حالَ كفرهِ لوجبَ قضاؤها حالَ إِسلامهِ، فإنَه لا يصح لوجوهٍ:
أحدُها: أنَ القضاءَ لا يجبُ لأجلِ وجوبِ المقضي، ولا يسقطُ لعدم وجوب المقضي، والله سبحانه أن يوجبَ الأداءَ ثم يسقطَ القضاءَ، ويوجبُ القضاءَ لما لم يجب فيه الأداءُ، بل لم يصح فيه الأداءُ، ولهذا يجبُ قضاءُ الصوم على الحائض ولا يجبُ عليها في حالِ الحيضِ صومٌ، والجمعةُ تجب، ثم إِذا تركَها من تجبُ عليه لم يجب قضاؤها، وإنما يجبُ القضاء بأمرٍ مبتدأ، ولم يردْ دليلٌ بوجوب القضاءِ على الكافرِ، وإن علّل ذلكَ فلأجلِ [عدم] التنفير عن الإسلام عفيَ للكافرِ عما سلَفَ من العبادات لأجل أنَ الشيخ الهِمَّ (٢) إذا رأى أنه يحتاج أن يقضي صلواتِ عشرات سنين، ويزكّي عن ماله لمِا مضى حتى يفتقر شحَّ وتكاسلَ فغير عن الإسلامِ.
стр. 1288
وأما تعلقهم بأن الكافرَ لا يجبُ عليه بتركِ صلواتٍ عقوبةُ الدنيا وهي القتلُ أو الضربُ، فكذلك الإثمُ، فليسَ بلازم، لأن الله تعالى قد أسقطَ القتل والاسترقاقَ عن كفارِ أهلِ الذمةِ، دارْ لم يُسقط عقوبةَ الآخرةِ عنهم.
على أنَّ الكافرَ جُعلَ كالمجتهدِ في تحصيلِ الإسلام ليؤدي ما يجبُ عليه بالإسلام. والمجتهدُ لا يُعاقبُ في حالِ اجتهادهَ، والدليلُ على أنه جعل كالمجَتهدِ، أنه جائز إقرارُ أهل الكتاب، ومن له شبهة كتاب مع كفرهم وما يعتقدونه من دينهم، ولهذا من لم يُقَرّ على كفرهِ بودر بالعقوبةِ وهم المرتدون، ومن لا يجوزُ إقرارُهم على كفرِهم، ومن أمهِلَ وتُركَ مقراً على الكفرِ من غير إزعاج ولا إزهاقٍ أحرى أن لا يزهقَ ويضربَ لأداءِ الصلاة.
وأمّا قولهم: إنَّ الجاحدَ للأصلِ لا يجوزُ أن يُخاطبَ بالفرع.
ليس بكلامٍ صحيحٍ، لأنَّه إذا ثبتَ أنَّ معرفةَ الله تعالى أصل لتصديق رُسُله وقد خوطبَ بتصديقِ الرُّسُل ﵈ ونُهيَ عن تكذيبهم، ثبتَ أنَّ تصديق الرسُلِ وإن كان أصلًا للطاعةِ لهم في الأمرِ بالعباداتِ لا يمنعُ من خطابِهم بالعباداتِ بشريطة تحصيلِ التصديق لهم.
على أن قولك: المعرفة أصلٌ، فإنَ المقصودَ من المعرفةِ طاعةُ المعروفِ وعبادته، فيجوزُ أن لا نمنعَ الخطابَ لهم بالمعرفةِ من خطابهم بالمقصودِ بها، وهو تعظيمُ الله تعالى وامتثالُ أمره، وهو تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
على أنَّ المرتدَّ لا يمتنعُ خطابُنا له بالإيمانِ والعودِ إليه ومعالجةِ
стр. 1289
شبهِ الكفرِ من خطابهِ بالعباداتِ على قول أصحاب الشافعي ومن وافقهم، والمرتدُّ حالَ ردتهِ غيرُ معتقدٍ ولا ملتزم لِإيمانٍ ولا عبادةٍ أوجبها الشرعُ، ومع ذلكَ ألزمه الشرعُ ذلك.
وأمَّا تقديم النبي ﷺ خطابَ الكفارِ بالإيمان، فإنما كان كذلك ليكونَ تقديمُ معارفِهم بالله مستعملًا وموطئاً لهم على العباداتِ، لأنَّ طاعةَ من لا يعرف لا تتأتى، فما أخرَ الخطاب لأن العباداتِ لم تجب، لكن لم يُكثر عليهم، حتى إِذا عرفوا سَهُلَ عليهم وخف بعرفانِه، تعالت عظمتُه، ومعرفة صحةِ الرسالةِ أثقالُ العبادات، ولأنه ﵇ لم يذكر المنهيات على قولِ من وافق في خطابهم بها لما ذكرنا، وإن كانت قد دخلت في خطابِهم بالإيمان، والله أعلم.
فصلٌ
إذا أمرَ الله تعالى بعبادةٍ، كان أمرُه بها نطقاً، نهياً عن ضدها من طريق المعنى، وسواءٌ كان لها ضدٌّ واحد أو أضداد (١).
وتفصيل هذا الكلام: أن كل مأمورٍ به من جهةِ آمر، يقتضي النهيَ عن تركِ ذلك المأمورِ به، وكل فعل يضاد المأمور به لا يصح أن يجمع معه كما لا يجمعُ التركُ، فكانَ حكمُ المضادِ للعبادةِ المأمورِ بها حكمَ الترك، فلا بد أن نقول: إِذا لم يكن الآمرُ قد خير بين فعلها وفعلِ ضدِّها، فأمَّا إِن وُجدَ التخيير بين المأمورِ وبين ضدِه صارَ بمثابةِ
стр. 1290
التخيير بين فعلهِ وتركه، فيخرجُ بالتخيير عن أن يكون منهياً عنه من طريق المعنى ونهياً.
قاله أكثر أصحاب أبي حنيفةَ، وأصحابِ الشافعيِّ، وأصحاب الأشعري (١)، وزاد بعض الأشعرية، فقال: هو نهي عن ضده من طريق اللفظ (٢).
وقال المعتزلة وبعض أصحاب الشافعى (٣): ليس بنهي عن ضدِه لا لفظاً ولا معنىً.
وفائدة قولنا: إنه إذا فعلَ الضدّ كان آثماً بفعل الضدّ من جهة الأمرِ، ولا فرقَ بين كونِ الأمر ندباً أو واجباً.
وقد فصَّل بعض المتكلمين، فقال في الأمرِ الواجبِ: يكون نهياً عق ضده، وأما المندوبُ فلا.
стр. 1291
وذهب المحققونَ والأكثرونَ من أهلِ هذه المقالةِ إلى أنَّ النهي يكونُ بحسبِ الأمرِ، فإن كان أمراً موجباً، كان نهياً عن ضدِه جازماً، وإن كان أمرَ ندبٍ، كان النهي عن ضده تنزيهاً وكراهية.
فصل
في جمعِ الأدلةِ على مذهبنا
فمنها من جهة البناءِ على أصلنا، وهو أنَّ الأمرَ على الوجوبِ على الفورِ، فإذا ثبت هذان الأصلان، وقد حرمَ التركُ بإشغال الوقت الذي يلي الأمرَ بما يضادُّ الأمرَ، التفاتٌ عن المأمور إلى غيره، وذلك محظورٌ من حيث كان إخلالاً بالمأمور.
ومن ذلك: أن فعل المأمورِ به لا يمكنُ إلا بتركِ ضده إن كان له ضدٌّ واحدٌ، وبتركِ جميعِ أضداده إن كان له أضدادٌ، وما لا يمكنُ فعلُ الواجبِ إلا به يكونُ واجباً فعلُه، فما لا يمكن فعلُ الواجب إلا بتركِه يجبُ أن يكونَ واجباً تركُه، ولا يجبُ تركُه إلا وهو منهيٌّ عنه.
مثالُ ذلك: أنَّ الطهارةَ والستارةَ والاستقبال شروطٌ شرعيةٌ لا يمكنُ فعلُ الصلاةِ الشرعيةِ إلا بها، فكانت مشاركةً للصلاةَ في الوجوبِ، فكذلك تركُ هذه الأضدادِ لا يمكن فعل العبادة إلا بها، فكان شرطاً واجباً، ووجوبُ التركِ لا يكونُ إلا بنهي، وما وجدَ سوى الأمرِ بالعبادةِ،
стр. 1292
فثبت أنَ في طيهِ النهي عن الضد المعوِّق عن فعلها.
ومثاله من مسألتنا، إذا قال لعبدِه: اخرج من الدارِ. فإنَه يعقل منه الأمرُ بفعلِ الخروج، والنهيُ عن المقام، حتى إن السيدَ إذا رأى العبدَ مقيماً فيها حسُن أن يقول: ألم أنهك عن المقام؟! كما يحسُن به أن يقول: ألم آمُرْكَ بالخروج؟
وكذلك إذا قال له: قمْ، فقعدَ، حَسُن أن يوبِّخه ويعاقبه إن شاءَ على تركِ القيامِ فيقول له: ألم اَمُركَ بالقيامِ؟ وإن شاء على ما ارتكبه من النهي عن القعودِ، فيقولُ له: ألم أنهَكَ عن القعود حيث أمرُتك بالقيامِ؟ ولا يحسُن أن يقول: لم أنهه عن القعودِ، إنما أمرتُه بالقيامِ.
ومن ذلك: أنَّ من مذهبِ المعتزلةِ أن الأمرَ يقتضي إرادةَ المأمورِ به وحسنه، فكانَ تركهُ يقتضي ضدَّ الإِرادةِ والحُسنِ، وهو كراهيتُه وقُبحه، وفعلُ الضدِّ تركٌ في الحقيقة، والقبحُ والكراهيةُ تقتضي حظره، وكل محظور فمنهيٌّ عنه.
فصل
في أسئلتهم على ما ذكرنا من أدلتنا
قالوا: هذا باطل بالنوافل، فإنَها حسنةٌ مرادةٌ، ولا يقال: إن ضدَّها قبيحٌ مكروه.
قيل: إنَما أتينا بالطريقةِ لإِفسادِ مذهبكم، ولا يصحُّ أن يكونَ جوابُه المناقضةَ، والله أعلم.
стр. 1293
فصلٌ
في جمع شبهِ من قال: إنّه ليسَ بنهيٍ من طريق المعنى ، دونَ من قال: إنه نهيٌ من جهةِ اللفظ والقولِ.
فمنها: أنَّ الأمرَ استدعاءُ الفعلِ بقوله: افعل، والنهي استدعاءُ الكف والترك بقوله: لا تفعل، فلا يجوزُ أن يجتمعا، وهما ضدان لصيغةٍ واحدةٍ، كما لا يجتمعُ الضدان في محلٍ واحدٍ، ولا يجتمعُ لجوهر الواحدِ حركةٌ وسكون في حالةٍ، كذلك لا يجتمعُ للصيغةِ الواحدة، استدعاءُ الفعلِ، واستدعاءُ التركِ.
ومن ذلك: أنه لو كانَ الأمرُ بالشيءِ نهياً عن ضدّه، لكانَ الأمرُ بالنوافل نهياً عن تركها.
وللنهي حالتان:
نهيُ حظرٍ.
ونهيُ تنزيهٍ وكراهة.
ولو كانت النافلةُ منهياً عن تركهِا حيث كانت مأموراً بها ندباً، لكانَ النهيُ عنها إن كان حظراً عادَ بوجوبها، لأنَّ المحظورَ تركُه ليس إلا الواجبَ فعله، وفي إجماعنا على نفي وجوب النوافل إبطال لدعوى النهي عن تركها على وجه الحظر.
وإن كانَ الأمرُ بها نهياً عن تركهِا تنزيهاً وكراهةً، فقد أجمعَ الناس على أن فعلها مستحب وتركَها غيرُ مكروهٍ، كما كانَ غيرَ محظورٍ، فبطَل قَولكم: إنَ الأمرَ بالشيء نهى عن ضده.
ومن ذلكَ قولهم: لو كانَ الأمرُ والنهيُ يتضادان، لتضادَّ العلم،
стр. 1294
بالجهل، ولو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ العلمُ بالشيءِ جهلاً لضدَه، فلما لم يكن العلم بالشيءِ جهلًا لضده، كذلكَ لا يكونُ الأمرُ بالشيءِ نهياً عن ضده.
ومن ذلك قولُهم: لو كان الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده، لكان النهي عنه أمراً بضده، ولما لم يكن النهيُ عن الشيء أمراً بضده، كذلك لا يكون الأمرُ به نهياً عن ضده.
ومن ذلك: ما اعتمدَ عليه المتكلمون منهم، فقالوا: إنَ النهيَ إنما يتناولُ الممكنَ، فأمَّا ما يُضطر الِإنسانُ إليه، فلا يؤمرُ به ولا يُنهى عنه، والأعلى إذا قال للأدنى: قُم، أو قال له: تكلمْ. كان مستدعياً منه القيامَ والكلامَ الذي لا يمكن معه القعودُ والصمتُ، فصار عدمُ وقوعِ القعودِ منه والسكوتِ منفيين ضرورةً بوجودِ ضدّهما، فالضدُّ ينفي ضده، فلا يبقى للنهي عن الضدِّ مساغ، مع كونه ينتفي بحصولِ الضدّ.
وتفصيح هذا وإخراجُه إلى النطقِ به يكشفُ عن صحته أن هذا المستدعي لقيامه لو قال له: قم، ولا تكن حالَ قيامِك جالساً، وانطق، ولا تكن حال نطقك ساكتاً، لعُدَ لاغياً عابثاً، وما كانَ ذلك لغواً إلا لما ذكرنا من أن قيامه ينفي قعوده، وكلامَه ينفي صماتَه، فلا يبقى ما يقع عليه النهي، ولا يدخلُ تحتَ إمكانِ المأمورِ بالضدَّ فعلُ الضدِّ فنهيَ عنه.
ومن ذلكَ: ما تعلّق به أهلُ الكلامِ منهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ له متعلّقان، أحدُهما مأمورٌ به، والآخر منهيٌ
стр. 1295
عنه، ولوجبَ أن يتعلق بشيئين على جهةِ العكس، وهذا باطلٌ لأن كلَّ ماله تعلق من الصفاتِ لا يصحُ أن يتعلق إلا بمتعلقٍ واحدٍ على وجهٍ واحدٍ.
فصل
يجمع الأجوبةَ عن شبههم
فأمَّا قولهم: إنَّ صيغةَ الأمرِ والنهي ضدّان فلا يجتمعان. فلا تضاد بينهما إذا تغاير ما ينصرفان إليه، فإنَه يحسُنُ أن يقول: لا تقعدْ. مكانَ قوله: قم، وبدلًا منه، فإذا قال: قم، فهو آمرٌ بالقيام، ويندرج فيه النهيُ عن القعودِ معنىً، والذي يتضادُ مضادةً يستحيلُ اجتماعُهما في حق الواحد أن يقول: قمْ اقعدْ، أو قمُ اضطجعْ في حال. فذاكَ الذي لا يجوزُ اجتماعُه في الخطاب، كما لا يصحُ اجتماعُ المأمورِ به في المحل الواحد، وكل عاقلٍ من أهل اللغةِ يفهم من قوله: قمْ أنَه قد نهاه عن أن يقعدَ ويضطجع، وعن كل ضد يخرج باعتمادِه عن القيام المأمور به، كما يعقل للنهي عن ترك ما أمر به، ولا فرقَ بين تركِ ماَ أمره به، وبينَ فعل ضده، إذ لا يُتصور تركُ القيام إلا بفعلِ ضدٍّ من أضدادهِ، مثل قعودَ أو اضطجاعٍ، وقد أوضحَ اللهَ تعالى ذلكَ بقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] هذا أمر بالسعي، ثمَ قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فيفصح بالنهي عما الاشتغال به، يقطعُ عن السعي، ولو سكتَ عنه لكان في قوةِ اللفظِ ما يُعلمُ به أنه نهيٌ عن كل قاطعٍ عن السعي، وإنما اقتصرَ على النهي عن السعي لأنَه أهمُ أشغالِ الناس وهو الذي ذَكَرَ الله تعالى عن
стр. 1296
أصحاب رسول الله ﷺ أنهم انفضوا إليه وتركوه قائماً (١)، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] يعني التجارةَ، لكن اللهو الذي كان يُفعل بين يدي القوافلِ تابعٌ لها ومنبه عليها، وهي المقصودةُ بالتجارةِ، فصرفَ النهي إلى البيع لهذه العلةِ، والمعقولُ من ذلكَ: النهيُ عن كل مشغلٍ عن السعي إلى الجمعةِ. ومما يشهد لاندراج النهي في لفظِ الأمرِ وإن لم يكق مصرَّحاً به وأنه لو صرّح به لما كان من المضادِّ له، قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] نهى عن التأفيف، ونبه على ما زاد عليه، فكأنه قال: لا تؤذِهما بأقلِّ الأذى. منبهاً على أكثره، وإن لم يوجد في اللفظ ذلكَ فقد وُجِدَ معناه، كذلك النهيُ هاهنا مندرج، وليس بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدهِ تضادٌ، بل أكثرُ موافقة، وإنما التضادُ بين الأمرِ المطلقِ والنهيِ المطلقِ، والأمرِ بعينِ شيء، والنهي عن عينِ ذلك الشيء، فبطلَ ما تعلقوا به من الِإحالةِ لاجتماعٍ من جهةِ التضاد بين الصيغتين.
ولأنّه إذا كان تركُ الضدين شرطاً لفعلِ المأمور به، حسُن أن يجعلَ الأمر بالمشروطِ أمراً بالشرطِ من طريقِ المعنى، وإن لم يكن من طريقِ اللفظِ، كمن أمرناه بالصلاةِ التي قد ثبت أنَّ من شرطها تقدمَ
стр. 1297
الطهارةِ، حسُن أن نقول بأنَ الأمرَ بها أمر بالطهارةِ معنى، كذلكَ حسُن أن نقول: إنّ استدعاءَ الفعلِ ها هنا استدعاء لتركِ ضدّه معنىً، إذ كان ذلكَ شرطاً له.
وأمَّا قولهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ منهياً عن ضدّ النوافل وهو التركُ لها، أو كل فعل يضادها من الخياطةِ والتجارةِ وغيرِ ذلك، ولو كانَ منهياً عنه لكانَ مكروهاً أو منزَهاً عنه. فلا يلزمُ، لأن النهيَ عن الضدّ بحسب الأمر، وإذا قلنا: المندوبُ مأمور، فإن كلَّ ضدٍ لها يستحبُ تركُه إذا لم يكن واجباً لأجلِ قضاءِ دين أو إنفاقٍ على عيال، كما يجبُ تركُ ما يسقطُ بفعلِه الواجب من أضداده، إلا أن يكون الضدّ واجباً فعلُه مقدَّماً وجوبُه على وجوب المأمورِ به، فعلى هذا إذا أمر بصلاةِ التراويح، كان أمرَ استحباب، اَستحببنا له تركَ كلِّ شُغل عنها، ونهيناه على حدِّ الأمر بها عن كل ضدٍّ لها.
وأمَّا قولُهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده، لكانَ العلمُ بالشيء جهلًا بضدّه. لا يصحّ، لأنَّنا نقول: وما الجامعُ بين الأمرِ والعلم؟!
على أنَّ الحق أن يقال: يصحُّ أن يعلمَ الشيءَ وضدَّه في حالةٍ واحدةٍ، ولا يأمرُ بالشيء وضدّه، وذلك لأنَّ العلمَ بالشيء لا ينافي العلمَ بضدّه، والأمرُ بالشيء ينافي الأمرَ بضدّه، فلا يكونُ فاعلًا لشيءٍ إلا بتركِ ضدِّه، ويكونُ عالماً بالشيء، وإن لم يكن جاهلاً بضدّه، ولأنهم وافقوا أنَّ كلّ آمرٍ بشيء ناهٍ عن ضدّه، وليسَ يجبُ أن يكونَ كل عالمٍ بشيءٍ جاهلًا بضده.
стр. 1298
وأما قولهم: لما لم يكن النهيُ بالشيء أمراً بضدّه، لا يكونُ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده. فكذلكَ نقول: وإنّه إذا نهاه عن شيءٍ له ضدَّ واحد كالحركةِ، فقد أمرَه بالسكون معنىً، وإن نهاه عما له أضداد، فقد أمره بواحد من تلكَ الأضدادِ، مثل أن ينهاه عن الاضطجاعِ، فيكون آمراً له بالجلوسِ أو القيامِ، وفي الجملة، ما يكون به خارجاً عن الاضطجاعِ أيّ الأضداد كان.
وأمَّا قولهم: يفضي إلى أن يكون للأمر متعلقان، لأن كل ماله تعلُّق من الصفاتِ لا يصحُ أن يتعلّق إلا بمتعلَّقٍ واحد على وجهٍ واحدٍ.
فليسَ بصحيح، لأنَّ صفاتِ القديمِ سبحانه خاصة يصحُّ أن تتعلّق بكل ما يصحُ أن تتعلق به صفاتنا من العلمِ بالعلومِ، تعلق العلم بالمعلوماتِ، وقد بينا ذلكَ في أُصولِ الديانات.
على أنَهم قد ناقضوا هذا بقولهم: إنَ القدرةَ الواحدةَ تكون قدرةً على الشيء ومثله وضده وخلافه. وأوضحنا أنَّ نفسَ الِإرادةِ للشيء كراهيةٌ لضدّه، وأنها تتعلق بشيئين، وتكونُ متعلّقة بأحدِهما على العكس من تعلّقها بالآخر، فبطلَ ما قالوه (١).
стр. 1299
فصل (١)
الأمرُ بالشيء ليسَ بِنَهى عن ضدِّه من طريقِ اللفظِ (٢) خلافاً للأشعرية (٣).
وذكرَ أبو بكر الباقِلاني (٤): أنَ ذلكَ في الأمرِ من كلام اللهِ تعالى خاصةً بما قرروه من أصلهم، وأنَ كلام اللهِ شيءٌ واحد، ليسَ بأشياءَ متغايرة، وليس ذلكَ في كلامِ الآدميين؛ لأنه متغايرٌ في النفسِ، كما يتغايرُ عندَ من أثبته صيغاً في النطق.
فصل
في الدلالةِ على ذلك
إن الأمر استدعاءُ الفعل، والنهيَ استدعاءُ الترك، وكما لا يجتمعان في الصيغةِ التي هي حكايةٌ عند المخالف، لا يكونُ المحكيُّ أمراً ناهياً، ولا في محل إلي محل، كالكراهةِ والإرادة، ولأنَ العرب -وهي الأصل في هذا- وضعت الأمرَ استدعاءً للفعل وحثاً عليه، والنهيَ للكف عنه والإبعادِ منه، وإذا فَصَلَتْ بين الأمرينِ لم يُلتفت إلى مخالفِها بما يضعه من مذهب، وصار كالخبرِ بالإثبات مع الإخبارِ بالنفي لمّاَ وضعت له صيغتان تدلُّ على معنيين مختلفين، لم يكن قولها: زيدٌ في الدار, ليس هو قولها: ليس زيدٌ في السوق، لكن نعلمُ ذلك من طريق الاستدلالِ، وأنَ الجسم لا يكونُ في مكانين، فأما من طريق اللفظ، فلا.
стр. 1300
فصل
في شُبههم
فمنها: أنه لا فرقَ بين قولِ القائل: دَنَت الشمسُ من المغربِ، وبين قوله: [٢١/ ٢] بَعُدت من المشرقِ. فكذلك قوله لمن كان من عبيدهِ مقارِباً لزيدٍ: اقترب من عمرو.
(١ ................................................................................ ١)
له دراهم -لفظان: ثمانية وعشرة إلا درهمين- أن هذا غير هذا، كذلك لا يكونُ النطقُ بالأمر بالشيء ليس هو النهيَ عن ضدّه، ولا يقالُ: هو غيره.
فصل
في أجوبة شُبههم
أمَّا دعواه أنهُ لا فرقَ في اللفظِ الأوّل بين البعدِ والقربِ، فلعمري أنه لا فرقَ في المعنى، فأمَّا من طريقِ اللفظ، فبلى، ونحنُ لا نمنعُ أنهما في المعنى سواء، ألا ترى أنَّ زيداً (٢) الفقيه الشيخَ العربي، إذا نوديَ بيا زيدُ، أو يا رجُل، أو بيا فَقيهُ، أو بيا شَيخُ، أو بيا عَربي، كان النداءُ في المعنى واحداً وفي الألفاظِ مختلفاً؟ وكلامُنا في النهي من طريقِ اللفظ.
وأمَّا الثمانية، فداخلة في العشرة دخولَ البعضِ في الجملةِ، وليس دخولُ النهي في الأمرِ دخولَ البعض، لأنه ليس في الأمرِ نهي وتحتَ العشرة ثمانية، فإذا أخرجَتْ بالاستثناءِ الدرهمان، بقي ثمانيةٌ لا محالة.