← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أصحاب رسول الله ﷺ أنهم انفضوا إليه وتركوه قائماً (١)، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] يعني التجارةَ، لكن اللهو الذي كان يُفعل بين يدي القوافلِ تابعٌ لها ومنبه عليها، وهي المقصودةُ بالتجارةِ، فصرفَ النهي إلى البيع لهذه العلةِ، والمعقولُ من ذلكَ: النهيُ عن كل مشغلٍ عن السعي إلى الجمعةِ. ومما يشهد لاندراج النهي في لفظِ الأمرِ وإن لم يكق مصرَّحاً به وأنه لو صرّح به لما كان من المضادِّ له، قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] نهى عن التأفيف، ونبه على ما زاد عليه، فكأنه قال: لا تؤذِهما بأقلِّ الأذى. منبهاً على أكثره، وإن لم يوجد في اللفظ ذلكَ فقد وُجِدَ معناه، كذلك النهيُ هاهنا مندرج، وليس بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدهِ تضادٌ، بل أكثرُ موافقة، وإنما التضادُ بين الأمرِ المطلقِ والنهيِ المطلقِ، والأمرِ بعينِ شيء، والنهي عن عينِ ذلك الشيء، فبطلَ ما تعلقوا به من الِإحالةِ لاجتماعٍ من جهةِ التضاد بين الصيغتين. ولأنّه إذا كان تركُ الضدين شرطاً لفعلِ المأمور به، حسُن أن يجعلَ الأمر بالمشروطِ أمراً بالشرطِ من طريقِ المعنى، وإن لم يكن من طريقِ اللفظِ، كمن أمرناه بالصلاةِ التي قد ثبت أنَّ من شرطها تقدمَ

стр. 1297

الطهارةِ، حسُن أن نقول بأنَ الأمرَ بها أمر بالطهارةِ معنى، كذلكَ حسُن أن نقول: إنّ استدعاءَ الفعلِ ها هنا استدعاء لتركِ ضدّه معنىً، إذ كان ذلكَ شرطاً له. وأمَّا قولهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ منهياً عن ضدّ النوافل وهو التركُ لها، أو كل فعل يضادها من الخياطةِ والتجارةِ وغيرِ ذلك، ولو كانَ منهياً عنه لكانَ مكروهاً أو منزَهاً عنه. فلا يلزمُ، لأن النهيَ عن الضدّ بحسب الأمر، وإذا قلنا: المندوبُ مأمور، فإن كلَّ ضدٍ لها يستحبُ تركُه إذا لم يكن واجباً لأجلِ قضاءِ دين أو إنفاقٍ على عيال، كما يجبُ تركُ ما يسقطُ بفعلِه الواجب من أضداده، إلا أن يكون الضدّ واجباً فعلُه مقدَّماً وجوبُه على وجوب المأمورِ به، فعلى هذا إذا أمر بصلاةِ التراويح، كان أمرَ استحباب، اَستحببنا له تركَ كلِّ شُغل عنها، ونهيناه على حدِّ الأمر بها عن كل ضدٍّ لها. وأمَّا قولُهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده، لكانَ العلمُ بالشيء جهلًا بضدّه. لا يصحّ، لأنَّنا نقول: وما الجامعُ بين الأمرِ والعلم؟! على أنَّ الحق أن يقال: يصحُّ أن يعلمَ الشيءَ وضدَّه في حالةٍ واحدةٍ، ولا يأمرُ بالشيء وضدّه، وذلك لأنَّ العلمَ بالشيء لا ينافي العلمَ بضدّه، والأمرُ بالشيء ينافي الأمرَ بضدّه، فلا يكونُ فاعلًا لشيءٍ إلا بتركِ ضدِّه، ويكونُ عالماً بالشيء، وإن لم يكن جاهلاً بضدّه، ولأنهم وافقوا أنَّ كلّ آمرٍ بشيء ناهٍ عن ضدّه، وليسَ يجبُ أن يكونَ كل عالمٍ بشيءٍ جاهلًا بضده.

стр. 1298

وأما قولهم: لما لم يكن النهيُ بالشيء أمراً بضدّه، لا يكونُ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده. فكذلكَ نقول: وإنّه إذا نهاه عن شيءٍ له ضدَّ واحد كالحركةِ، فقد أمرَه بالسكون معنىً، وإن نهاه عما له أضداد، فقد أمره بواحد من تلكَ الأضدادِ، مثل أن ينهاه عن الاضطجاعِ، فيكون آمراً له بالجلوسِ أو القيامِ، وفي الجملة، ما يكون به خارجاً عن الاضطجاعِ أيّ الأضداد كان. وأمَّا قولهم: يفضي إلى أن يكون للأمر متعلقان، لأن كل ماله تعلُّق من الصفاتِ لا يصحُ أن يتعلّق إلا بمتعلَّقٍ واحد على وجهٍ واحدٍ. فليسَ بصحيح، لأنَّ صفاتِ القديمِ سبحانه خاصة يصحُّ أن تتعلّق بكل ما يصحُ أن تتعلق به صفاتنا من العلمِ بالعلومِ، تعلق العلم بالمعلوماتِ، وقد بينا ذلكَ في أُصولِ الديانات. على أنَهم قد ناقضوا هذا بقولهم: إنَ القدرةَ الواحدةَ تكون قدرةً على الشيء ومثله وضده وخلافه. وأوضحنا أنَّ نفسَ الِإرادةِ للشيء كراهيةٌ لضدّه، وأنها تتعلق بشيئين، وتكونُ متعلّقة بأحدِهما على العكس من تعلّقها بالآخر، فبطلَ ما قالوه (١).

стр. 1299

فصل (١) الأمرُ بالشيء ليسَ بِنَهى عن ضدِّه من طريقِ اللفظِ (٢) خلافاً للأشعرية (٣). وذكرَ أبو بكر الباقِلاني (٤): أنَ ذلكَ في الأمرِ من كلام اللهِ تعالى خاصةً بما قرروه من أصلهم، وأنَ كلام اللهِ شيءٌ واحد، ليسَ بأشياءَ متغايرة، وليس ذلكَ في كلامِ الآدميين؛ لأنه متغايرٌ في النفسِ، كما يتغايرُ عندَ من أثبته صيغاً في النطق. فصل في الدلالةِ على ذلك إن الأمر استدعاءُ الفعل، والنهيَ استدعاءُ الترك، وكما لا يجتمعان في الصيغةِ التي هي حكايةٌ عند المخالف، لا يكونُ المحكيُّ أمراً ناهياً، ولا في محل إلي محل، كالكراهةِ والإرادة، ولأنَ العرب -وهي الأصل في هذا- وضعت الأمرَ استدعاءً للفعل وحثاً عليه، والنهيَ للكف عنه والإبعادِ منه، وإذا فَصَلَتْ بين الأمرينِ لم يُلتفت إلى مخالفِها بما يضعه من مذهب، وصار كالخبرِ بالإثبات مع الإخبارِ بالنفي لمّاَ وضعت له صيغتان تدلُّ على معنيين مختلفين، لم يكن قولها: زيدٌ في الدار, ليس هو قولها: ليس زيدٌ في السوق، لكن نعلمُ ذلك من طريق الاستدلالِ، وأنَ الجسم لا يكونُ في مكانين، فأما من طريق اللفظ، فلا.

стр. 1300

فصل في شُبههم فمنها: أنه لا فرقَ بين قولِ القائل: دَنَت الشمسُ من المغربِ، وبين قوله: [٢١/ ٢] بَعُدت من المشرقِ. فكذلك قوله لمن كان من عبيدهِ مقارِباً لزيدٍ: اقترب من عمرو. (١ ................................................................................ ١) له دراهم -لفظان: ثمانية وعشرة إلا درهمين- أن هذا غير هذا، كذلك لا يكونُ النطقُ بالأمر بالشيء ليس هو النهيَ عن ضدّه، ولا يقالُ: هو غيره. فصل في أجوبة شُبههم أمَّا دعواه أنهُ لا فرقَ في اللفظِ الأوّل بين البعدِ والقربِ، فلعمري أنه لا فرقَ في المعنى، فأمَّا من طريقِ اللفظ، فبلى، ونحنُ لا نمنعُ أنهما في المعنى سواء، ألا ترى أنَّ زيداً (٢) الفقيه الشيخَ العربي، إذا نوديَ بيا زيدُ، أو يا رجُل، أو بيا فَقيهُ، أو بيا شَيخُ، أو بيا عَربي، كان النداءُ في المعنى واحداً وفي الألفاظِ مختلفاً؟ وكلامُنا في النهي من طريقِ اللفظ. وأمَّا الثمانية، فداخلة في العشرة دخولَ البعضِ في الجملةِ، وليس دخولُ النهي في الأمرِ دخولَ البعض، لأنه ليس في الأمرِ نهي وتحتَ العشرة ثمانية، فإذا أخرجَتْ بالاستثناءِ الدرهمان، بقي ثمانيةٌ لا محالة.

стр. 1301

فصل الفرضُ والواجبُ سواءٌ في أصحِّ الرواياتِ عن أحمد ﵁ (١)، وبها قال أصحابُ الشافعي (٢)، وعنه روايةٌ أخرى: أنَّ الفرضَ ما ثبت بدليل مقطوعٍ عليه، والواجبَ غيرُه، وهو ما ثبتَ بخبر واحد، أو قياسٍ. فالفرضُ على هذه الرواية آكدُ من الواجبِ، وبها قال أبو حنيفة (٣). وعنه (٤): أن الفرضَ ما ثبت بقرآنٍ، ولايسمَّى فرضاً ماثبت بسنةِ النبي- ﷺ . فصل في جمع الأدلة على الرواية الأوَّلة. فمنها: أنَّ التزايدَ (٥ .............................................. ٥) عُلِمَ لنا بمقاديرِ العقوباتِ في واجبٍ دون واجبٍ، وإن وُجِدَ ذلك في شيء منها، كالصلإةِ يقتلُ بتركها، ويُكَفرُ بتركها عند قوم، والصَومِ والزكاةِ والحجّ، فلا يقال: إنَ

стр. 1302

الصلاةَ من بينِ الفرائضِ تفضل برتبةٍ تَخْرُجُ بها عن الفرض إلى ما هو أعلى، ولا يخرجُ ما دونها عن الفرضِ، بل تساويها سائرُ العبادات في الفريضة. ومن ذلك: أنا أجمعنا على أنَ كل فرضٍ واجبٌ، فمن ادعى أن ليس كلُّ واجب فرضاً (١)، يحتاج إلي دليل. ومن ذلك: أنَ الله سبحانه أطلق اسمَ الفرض على الواجب، فقال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وعنى به: أوجَبَ فيهن. ومن ذلك: ان قوَّة الطريق، وكَوْنَ الدليلِ مقطوعاً لا يؤثر إلا علماً بالمنقول، فأمَّا أن يؤثّر في الوجوبِ فلا، ألا ترى أنَ النوافلَ التي تواتَر الخبرُ بها لا تَصير واجبةً بقوة الطريقِ، بل يكونُ العلم بها قَطعياً، وهي سنة أو نافلة -وغايةُ ما يُستدلّ به على الوجوبِ؛ القرائنُ والدلائلُ على أنه مَحتوم على المكلّف مَأثومٌ معاقب على تركه، ولا يبقى بعْد ذلك إلا مراتبُ الواجباتِ في استحقاقِ الذّم والعقوبةِ على الترك، كما في المنهياتِ، تكون متساويةً في الحظرِ والتحريمِ، ولا يبقى بعد ذلك إلا التفاوتُ في عقوبات (٢ ............................................................ ٢) منها، مع عدمِ المداومةِ عليها ولم بُعتبر في كونِها كبيرةً أن يكون طريقُ تحريمها قطعياً، بل تَضاعُفُ عقابِها في الدنيا بالجزاء، والآخرةِ بالوعيد، أوهما. فكان يجبُ أن تَخُصَّ الفَريضةَ -إن جعلتهاَ أكبَر من الواجبِ- بزيادةِ ثوابٍ على فعلها، وكثرةِ عقابٍ على تركها دون تأكُّد طريقها. ومن ذلكَ: أنَ مُدّعي اسم الفرض لمِا ثبتَ بدليلٍ مقطوعٍ، كمدعي اسم النفل لما ثبتَ بدليلٍ مظنونٍ، فيخلع على كل أمرٍ وَرَدَ من جهةِ الشارعِ بخبرِ واحد اسمَ نفلٍ، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ الطريقَ المقطوعَ إذا أورث قوةً في الإيجاب ومَزِيَّةً هي الفريضة،

стр. 1303

وصَلُح للرفعِ والتعظيمِ، وجَبَ أن يُعطى نقيضُه التدوينَ والتقليلَ في الرتبةِ، فيكونُ كُلُّ أمرٍ ثبتَ بطريقٍ مظنونٍ ودليلٍ غيرِ مقطوعٍ نفلاً محطوطاً عن رتبةِ الإيجابِ، فلما لم يُدوّن الدليلُ المظنونُ رتبةَ المأمورِ فيجعله نَفلاً، لم يَرفع قوة الطريقِ للمأمورِ فيجعله فرضاً، وما جُعِل الدليلُ المقطوع للأمر فرضاً إلا تَشَهِّياً ووضعاً بغير دلالة، و (١ لا إحالة فيه رأساً ١) ودعوى بلا برهان لا ثباتَ لها. ومن ذلك: أنَ لفظةَ الوجوبِ آكدُ من لفظةِ الفرض؛ لأنها تعطي السقوطَ والوقوعَ، يقال: وَجبت الشمسُ، ووجبت جنوبُ الضحايا والهدايا، ووجبَ الحائطُ. إذا سَقَط، فإذا قيل: وجبت العبادةُ. فالمرادُ به: وقَع الخطابُ بها على المخاطَب، وسَقط كسقوطِ الجدارِ وثباته. (٢ ............................................................................... ٢) و ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]، يعني: أحل له. والفرضُ بمعنى الحَزِّ والأثر، من فُرضةِ النهر (٣)، وفُرضةُ القَوسِ: مَحَزُ الوَتر، وأثرُ المشي الذي هو المَحَاج من المشَارعِ (٤) المطروقةِ. والفرضُ بمعنى التقديرِ، فَرَضَ القاضي [النفقة: أي قدرها] (٥). وإذا كانت مشتركة، والواجبُّ يُتَّخذُ للإلزامِ والانحتامِ، كان الإيجابُ أحقَ بالتأكيد، فإذا لم يتأكد على الفرضِ بالإجماعِ منا، بقي التساوي، وانعدمت بذلكَ

стр. 1304

مزية الفرضِ وتأكدُه على الواجب. ومن ذلكَ: أن قالوا: إن اختلافَ طُرقِ العبادةِ لا يُعطي تَميزاً واختلافاً، ألا ترى أنَ النوافلَ التي تفعلُ ابتداءً مع المسنوناتِ الراتبةِ التي وردت في السننِ والمسانيد يجمعهما اسمُ النَفل، ولا يمتاز بعضها (١) على بعضٍ بقوَّةِ الطرق واشتهارها، كذلك الواجباتُ، إذا امتازَ منها شيء بقوّة الطريقِ لا يمتاز بالفوة واسمِ الفرض. فصل يجمعُ أسئلتَهم على حججِنا فمنها: أنَ الدعوى لتساويهما لا تُسَلَّم، فإن الواضعَ للغةِ جعلَ الوجوبَ اسماً للسقوطِ، والفرضَ اسما للتأثير، ومن ذلكَ سُمَّيت فرضةُ النهر والقوس: فرضةً لمكانِ الأثر، والتأثيرُ آكد من الوجوب، فيجبُ أن يُعطى الاسم حقَه من التأكيد. ومن ذلك: قولُهم: إنَّ تَساوي الفرضِ والوجوبِ في العقابِ على التركِ لا يمنع تمييز [الطريق التي ثبت بها الفرض عن الطريق التي ثبت بها الواجب، فثبوت الفَرضِ بطريقٍ مقطوعٍ به، والمكذبُ للطريق] (٢) القطعيِ يَكفُر، والمكذبُ [للطريق الظني] (٢) يفسق. فهذه ميزة حكمية، تشبه الميزةَ التي تعلقتم بها من مضاعفةِ العقوبةِ في الدنيا، والوعيدِ في الأُخرى. ومن ذلكَ: أن إلزامكم لنا المنهيّات، وأنها ما تأكَّدت بحكمِ تَأكُد طَريقها، لا نُسلِّمه، فإنَّ أحمد قال في المتُعة: لا أقولُ إنها حرام (٣). وقال في الجمعِ بين المملوكتين:

стр. 1305

لا أقولُ حرام، لكن منهيٌّ عنه. أو قال: يُنهى عنه (١). وقال أبو بكر (٢) -من أصحابنا-: إنَّما وقف لوجودِ الخلافِ (٣)، وهذا يُعطي انقسامَ المحظورِ عنده إلى حرامٍ، ومَنْهيٍّ ليس بحرامٍ، كانقسامِ الوإجبِ إلى فرضٍ وغيرِ فرض (٤). فصل يجمعُ الأجوبةَ عن هذه الأسئلةِ أمَّا التأثيرُ في الفرضِ، فما ثبت أنه يرجعُ إلى المضافِ إلى إيجابِ الشرعِ، وإنما ثبت (٥ في فُرضةِ٥) القوس وفُرضةِ النهر، وعساه ترجعُ العباداتُ من حيث كونُه منزلاً، أو من حيث كونُه مقدراً، ومن الذي خَصَّ من بين المعاني المشتركة التي ذكرناها التأثيرَ منها بفرضِ العياداتِ دون التنزيل والتقديرِ ليكون الوجوبُ آكدَ منها (٦)؟

стр. 1306

وأما قولُهم: إنَ تساوي الوجوبِ والفرضِ في حصولِ العقابِ لا يوجبُ تساويهما في الاسمِ، كالندبِ والمستحبِ مع النفلِ، فإنهما استويا في نفي العقابِ بالتركِ. والندبُ والسُنة والمباحُ لا يتساوون، بل للسنة ميزة. (١ ............................................................................. ١) وأما قولهم: إن ثبوت الفرض كونه قطعياً يوجب الميّزة والتأكيدَ؛ لأنه يكفر (٢) مُكذبُهُ، فذاكَ ليس بعائد بتأكيد، فإنَ المباحاتِ طُرقها مقطوع بها، ولو كذبَ بطريقها كَفر ولا تَدُلّ على مساواةِ المباحِ للإيجابِ والفرض، حيث تساوت طرقه في حكمِ التكذيبِ بها. وأما دعواهم القول بموجب تأكيدِ المحظوراتِ بطرقها، وكلام أحمد في المتعة، وقوله بالنهي عنها دونَ التحريم لها، فليس مما نحنُ فيه بشيء؛ لأنه لم يتعلق في ذلكَ بالطريق ولا ميزها بحظرٍ دونَ حظر بل نَفى الحظرَ والتحريمَ، وسوَّى في النهي وليس بَعدَ نفيه للتحريم إلا الكراهةُ والتنزيهُ، فوِزانُه من مسألتنا أن نقول هنا: ليس بواجب، وإنما هو مأمورٌ به، فنشرِّكُ بينَ الفرضِ وغيرِه في الأمر وننفي الوجوبَ الذي هو وِزانُ التحريمِ في المنهيَّات، فبطل القولُ بموجَب ما ذكرنا. فصل في ذِكرِ ما تعلَّق به مَنْ نَصَر الروايةَ الأخرى فمنها: أن كل متدبِّرٍ للمأموراتِ من العباداتِ البدنية والماليّة يجدُ أنَ بعضها آكدُ وجوباً، وبعضَها فَريضة، وبعضَها يدنو عن رُتبةِ الفرضِ. من ذلك أن الإيمانَ

стр. 1307

بالله وصفاتهِ وكُتبهِ ورُسُلِه أعلى وآكدُ وأوجبُ [(١ من جميع الفرائض والعبادات؛ لأن انتفاء الإيمان يفسد تلك العبادات ١)]، ويُحبطها عن أن تُقابل بالثواب، [(١ ولم يقل أحد ١)]، بخلاف ذلك بالإجماعِ، إلا ما شذّ من المذاهبِ، وكذلكَ ما وجبَ بالنذرِ مع ما وجبَ بأصلِ الشرعِ (٢ لا تكون ٢) رتبةُ الصدقةِ المنذورةِ رتبةَ الزكاةِ المفروضةِ، ولا رتبةُ الوترِ عند من رأى وجوبَها (٣) رتبةَ صلاة من الصلواتِ الخمسِ، ولا رتبةُ الأضحية عند من رأى وجوبَها (٤) رتبةَ الشاةِ الواجبةِ في أربعينَ سائمة، أو خمس من الإبل السائمةِ، بل يستويانِ في الاسمِ الأعم وهو الوجوبُ، وينفردُ الواجبُ بأصلِ الشرعِ وإجماعِ الأمةِ، أو بتواترِ النقلِ باسم يخصُّه وهو الفرضُ، ومن ذلك ما يقدَرُ في اللغةِ من أنَّ الواجبَ ما سقط ولم يؤثر والفرضَ ما له وقع وتأثيرٌ من فُرضةِ النهر وفُرضةِ القوسِ، وهي المَحَاج المطروقةُ ومحَزُّ الوَتَر وللأثرِ زيادةٌ على الوقوعِ والسقوطِ بغيرِ أثر، فوجبَ أن تُعطى اللفظةُ حقَها إذا اضيفت إلى العباداتِ والمأموراتِ، وأثرُها تأكُّدُ وجوبِها على المكلف، وتأثير في نفسِه واعتقادِه، فهي أمسُّ وأوقع من لفظةِ الوجوبِ، ولهذا يقال: هذا دَينٌ واجب، ولا يقال: فرضٌ. وعلي صلاةٌ واجبةٌ، إذا نَذَر, ولا تقولُ: فريضة. وتقولُ الناذر: أوجبتُ على نفسي، ولا يقولُ: فرضتُّ على

стр. 1308

نفسي، ما ذلكَ إلا لتخصيصِ الفرضِ با لميزةِ، والتأكيدِ على كل واجبِ .......... (١) والجوابُ عنه من وجهين: أحدُهما (٢): أنَ الواجبَ غاية لا تقبلُ الزيادةَ، وهو المأمورُ به على الحتمِ والحزمِ الذي لا يُعفى عن تاركِه، ولا يُتقَضَى (٣) عن عهدةِ الأمرِ به إلا بفعلِه، ومتى تركَه المأمورُ به استحقَ العقاب، وهذا يعمُ الفرضَ والواجبَ، فدل على أنهما اسمان لمسمَّى واحد، كصيغة الأمرِ بالإيمانِ وبفروعِه من العباداتِ يَشملهما الأمر ولا يقالُ: إنَ الاستدعاءَ والطلبَ لأحدِهما فوقَ الاستدعاءِ للآخر ثم لو سُلم تأكُد أحدِهما على الآخر، لم يكن تأكيدُ الفرض على الواجبِ بأولى من تأكيدِ الواجبِ على الفَرضِ، وقد بينا أنَ اسمَ الواجب لا يُشاركه غيرُه فيه، والفرضَ مشترك. فإن قيل: الواجبُ يقع على المندوبِ، بدليلِ قول النبي ﷺ : "غُسلُ الجمعةِ واجبٌ على كُل مُحتلمِ" (٤). قيل: لانُسلم، بل غسلُ الجمعةِ واجبٌ حقيقةَ، ولو سلَمنا فقد يُصرفُ اسمُ الحقائقِ إلى الاستعاراتِ بدلالةِ، ولا يدل على ضعفِ الحقيقةِ فيما وُضعت له لأجْلِ الاستعارةِ، ولان الفرضَ قد يقعُ على ما هو واجب على الكفاية، إذا قامَ به قوم سَقطَ عن الكُل، ويقعُ على التقديرِ وعلى النزولِ، وعلى الوجوبِ، ولفظُ الوجوبِ خاص للأمرِ والمأمورِ المحتومِ، فلا ترجيحَ، فلا يصحُ لك تعيينُ الفرضِ ......... (٥). فلا يصح لك الاحتجاج به إلا بعدَ أن تبين أن الفرض

стр. 1309

المقصود في العبادات هو المأخوذُ من فُرضةِ القوسِ والنهرِ فأمَّا والفَرضُ قد يقعُ على النزولِ والتقديرِ كوقوعهِ على التأثير فلا وجهَ للتأكيدِ به على اسمِ الواجبِ المتخصص باللزوم، وإيجابِ العقابِ على تركهِ، وهو متخصص بهذا المعنى، غيرُ متردد بينه وبينَ غيره، على أنَ التعويَل على التأثير, لو اتّخد به الفرضُ ولم يشركه فيه تنزيل ولا تقدير لا يصحُّ، ويخرجُ عنه الواجبُ، فإن كُل واجبٍ مؤثر وهو أنه يُجبَرُ على فعلِه، ويعاقبُ على تركهِ، ويشغلُ ذمته في ابتداءِ الخطابِ به، ويلزمُ ذمته القضاءُ له عند فواتِه، ويجبُ اعتقادُه، ويفسُق بتركِه، ويشترطُ في عدالته التزامُه عندَ الخطابِ به، وفعلُه عند دخولِ وقته، فهل في التأثير ما يوفي على هذا؟ فتأثيرُ فُرضةِ القوسِ والنهرِ حَزَة في الجسمِ، وتأثيرُه في التكليفِ حَسْب ما يليقُ به من الآثارِ التي هي الأحكام. وأمَّا دعواهم الفرقَ بين النذرِ وإلزامِ الشرعِ، فدعوى فارغة، وإلاَّ فالقادرُ يحسنُ أن يقولَ: فرضَ اللهُ فيَ صوم شهرِ رمضان، وفرضتُ النذرَ على نفسي صومَ ذي الحجةِ أو رجبٍ. فلا أحَد يُنكرُ ذلك عليه شرعاً ولا لغةً، والله أعلم. فصل يتعلَّقُ على الأول ويجوزُ أن يقالَ: إنَ بعضَ الواجباتِ أوجبُ من بعض، وإنَ لنا فعلاً أحسن من فعلٍ، وطاعةً أحسن من طاعةٍ .......... (١). إحدى العبادتين أن تركها أشد، وهذا مما لا يمتنعِ منه أحد ممن لم ينسب الحُسْنَ والقبحَ إلا إلى الشرعِ، وسمع آيةً من كتابِ الله، أو سنة عن رسولِ الله ﷺ تدُلّ على أنَ الصلاةَ أوفى ثواباً من فعلِ الزكاةِ، وأنها أوفى عقاباً في التركِ من تاركِ

стр. 1310

الصيام، على أنَ الصلاةَ أوجبُ، بمعنى آكد إيجاباً، وكذلك من سمعَ فضلَ صلاةِ الجماعةِ من الشرائطِ والأركانِ، والتأني في ركوعِها وسجودِها، والترتيل لقراءتها، وسمعَ ذمَ المسيءِ لصلاتِه، والناقرِ لسجودِه، والمفرقعِ لأصابعهِ، والمسدلِ لثوبهِ، حَسُن منه أن يقول: إنَ صلاة المتأني أحسنُ. ومن علم فضائلَ الوترِ والحث عليه، وحث الشرعِ على ركعتي الفجر، وقوله ﷺ : "صَلوهما ولو دَهَمتكم الخَيلُ" (١)، علم أنهما أشد ندباً من صلاةِ الضحى وأحسنُ، فهذا مما يشهد له قولُه ﷺ لعائشةَ ﵂: "ثَوابُكِ على قَدرِ نَصَبكِ" (٢)، وقال لماَ سُئِل عن أفضلِ الصلاةِ، قال: "طول القُنوتِ" (٣)، وقوله: "تَفْضلُ صلاةُ الجميعِ على صَلاةِ الفَذِّ بخَمسٍ وعشرينَ درجةً" (٤). والله أعلم.

стр. 1311

فصل الأمرُ بالعبادةِ لا يتناولُ فعلَها على الوجهِ المكروهِ شرعاً وكذلك غيرُ العبادة من الشروطِ التي لا يستباحُ العقدُ إلا بعدَ وجودِها، وذلكَ مثلُ الطوافِ بالبيتِ، لا يدخُل تحت قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]. (١ ................................................................ ١) هذا مذهبُ صاحبنا أحمد، وهو قول أصحاب الشافعي، وإليه ذهب أبو بكر الأشعري (٢) واختلفَ أصحابُ أبي حنيفة (٣)، فذهب أبو بكرِ الرازي (٤) إلى أنه يتناولُ المكروهَ كما يتناولُ غيرَه، واختارَ أبو عبدِ اللهِ الجُرجانيُّ (٥) ما ذهب إليه صاحبُنا. فصل يجمعُ ما استدلَّ به أصحابُنا ومن وافقهم فمنها: أنَ الأمرَ استدعاءٌ وطلبٌ، وهو ضربان: واجبٌ، ومندوب مستحبٌ، والكراهةُ: إباءٌ للمكروه، والندبُ: استحبابٌ له، واجتماعُ الاستحبابِ والإباءِ

стр. 1312

كاجتماع المحبّةِ للشيء والكراهةِ له، ولا يدخلُ المكروهُ تحت الإيجاب، ولا الاستحبابِ، نُحرّره قياساً: أنَّ المكروهَ مَنهي عنه، فلا يدخل تحت الأمرِ كالمحظور، وفي تضادّ الأمرِ والنهيِ ما في تَضاد الإيجابِ والحظرِ والإباحةِ، فكما لا يَجتمعُ الحظرُ والإباحةُ ولا الإيجابُ والحظرُ، كذلكَ لا يجتمع الأمرُ والنهيُ. ومن ذلكَ: أن المكروهَ غيرُ المأمور به، فإذا فعلَ لم يكن داخلاً تحت الأمرِ كما لو أمرَه بصلاة، فأتى بصومٍ، أو بصوم فأتى بصدقةٍ، فإنه لما كان قد أتى بغير المأمور به لم يُجْزِه، كذلكَ المكروهُ، ولا فرق بينهما. ومن ذلك: أنه لمّا أمر بالطوافِ، وقال: "ألا لا يَطوفنَّ بالبيتِ عُريان" (١)، وقال: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ" (٢) (٣ ................................................... ٣) فلا يدخل تحت الأمر إذا خلا من شرطيه، بل يكون إطلاقُ الأمرِ منصرِفاً إليه بشرطيه الطهارةِ والستارةِ. ومن ذلكَ: أن الأمرَ بالطوافِ مع النهي عن التعّري، ومع الأمرِ برفع الحدثِ لا

стр. 1313

يخلو أن يكونَ؛ لأن فعلَه على وجْه الكراهة مفسدةٌ، وفعلَه بالطهارةِ والستارةِ مصلحةٌ، أو لأنَ المشيئةَ أن لا يفعَله إلا كذلك، وأيُّهما كان لم يعْلم دخولُه تحتَ الأمرِ مع الإخلالِ بهما أو بأحدِهما. فصل في جمعِ اعتراضاتِهم على أدلّتِنا وهي شبهُهُم فمنها: ان الحدثَ مكروه، والطوافَ مأمورٌ به، فلا وجهَ لخروجِ الطوافِ عن الأمرِ لخروجِ المكروهِ عنه. والمكروه (١ معنى غير ١) الطواف، فصارَ كامتثالِ الأمر مع ارتكابِ نهي لا يخرجُ فعلُ المكلَّفِ المأمورِ به عن دخوله تحتَ الأمر؛ لأجلِ ارتكابه للنهي. ومن ذلك: أنَ الأمرَ بالطوافِ لا يتناولُ إلا الكونَ حولَ البيتِ دوراتٍ معلومةً وأشواطاً معدودةً، وذلكَ قد وُجد في لفظ الأمرِ، فأمَّا الطهارةُ، فلم ينتظمها اللفظُ، فلا يخرجُ من الأمرِ ما تناوله لأجلِ عدمِ ما لم يتناوله. فصل في الأجوبةِ عما ذكروه من اعتراضاتِهم وتعلقوا به فمنها أنَا لا نُسلِّم هذا التوزيعَ، وأنَّ الطوافَ مأمورٌ به، والتعرّي منهي عنه (٢ ................................................................ ٢) على صفة، مشروط بطهارةٍ وستارة (٢ ................. ٢) والمثابة لا تُوزَع فإن السيِّدَ إذا قال لعبده: ادخل على الأميرِ برسالتي مُتجمِّلاً مُكتسياً، والْقَ فلاناً راكباً. فدخل على الأمير عُرياناً أو متشعّثاً، ولقيص فلاناً راجلاً، لا يقالُ: إنه أطاعه، ولا امتثلَ أمرَه

стр. 1314

وأتى بما أمَره، لا سيَّما وأوامرُ الله منوطةٌ بالمصالحِ، ولعل في الطواف محُدِثاً من الفسادِ ما يُربي (١) على تركِ الطوافِ رأساً. ولأنه إذا أمره بالطّواف، وأجمعَ المسلمون على اشتراطِ الطهارةِ، والكراهة (٢) ما تناولت الطواف إذ لو كان راجعاً إلى غيرِ شرطٍ في الطَّوافِ ولا صفة له (٣)، مثل قوله: لا تغصِب مالَ مسلم، وطُفْ بالبيت، ولا تشرب الخمرَ وطُف، فإذا شربَ الخمر وطافَ، كان بِشُربِ الخمرِ عاصياً وبالطوافِ طائعاً، وهذا قد استوفيناهُ في الصلاة في الثوبِ الغصْبِ والبقعةِ الغصبِ لمَّا ألزمونا: من صلَّى ومعه شيء مغصوبٌ لا يمنعُ صحةَ صلاته، وفرَّقنا بأن السُّترة شرطٌ مأمورٌ بها، فإذا اسْتَتَر (٤) بالغَصب الذي نُهيَ عن الاستتار به، صار كالعُريان من حيثُ إنه قيلَ له: لا تَستتر بالغَصبِ، وصلِّ مستتراً. فلما استتر بما نهُيَ عن السُترة به، كان بذلك غير مُمتثلٍ، فأخلَّ بالشرطِ، وهذه جملة كافيةٌ في إبطالِ ما تعلّقوا به. فإن قالوا: كيف تصحُ منكم هذه المسألةُ (٥ ....................................... .............................................................................. ٥) ونهى آدمَ عن أكلِ الشجرةِ وأراده منه، فما الذي يمنعُ من أمرِه بما يكرهه؟ وما الفرقُ بين ما يكرهُه وبينَ ما لا يُريدُه (٦)؟ بل هو يكره الإيمانَ من فرعونَ عندكم. قيل (٧):

стр. 1315

فصل والأمرُ يتناول المعدومَ ويتعلَّقُ به فأوامرُ الشرعِ التي نَطقَ بها رسولُ الله ﷺ والتي نزلت في كتابِ اللهِ تعالى، تناولت جميعَ أمَّتِه من لدن بعثتِه ﷺ إلى قيامِ الساعة. قال أحمدُ: لم يزل اللهُ سبحانه يأمرُ بما شاءَ ويحكم. وبذلكَ قال الأشعريُّ (١) ومن تابعه من أصحابِ الشافعيِّ (٢)، وذهبت المعتزلةُ ومَن تابعهم من أصحاب أبي حنيفة فيما ذكره الجُرجاني في "أصوله" إلى أنَ الأمرَ لا يتعلقُ بالمعدومِ (٣)، وأنَ أوامرَ الشرعِ الواردةَ في عصرِ النبيَّ تَخْتصّ بهم، وأن من بعدهم تناولَه بدليل، ثمَّ إنَّ القائلين بتعلُّقِ الأمرِ با لمعدومِ اختلفوا؛ فقال بعضهم: فمذهبنا أنه أمرُ إلزامٍ وإيجابٍ حقيقة، كأمرِ الموجودين، لكن بشرطِ وجودِ المأمورِ على صفات التكليفِ، وإزاحةِ العلل، وتكاملِ الشروطِ من البلوغِ والعقلِ والسلامةِ التي يصحُّ معها استئنافُ الخطاب أن لو لم يتقدَم الخطابُ، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني. وقال قوم: إنه ماموو بشرطِ وجودِه، وزوال (٤ ....................... .......................................... ٤) فلايجوز.

стр. 1316

فصل في جمع الأدلة على جواز ذلك فمنها: أنَ الصحابةَ رحمة اللهُ عليهم، وجماعةَ التابعين بعدَهم كانوا يحتجون في المسائلِ بألفاظِ النبيَّ في أوامرِه ونواهيه في عصرِه ﷺ ، ويَرجعون في الحوادثِ إلى قضاياه وأحكامِه وبالآي التي نَزلت عليه، وقد ثبتَ بالإجماعِ تقدمُ كلامِ الله بها، ولو كان الأمرُ لأهلِ عصره خاصَّاً لما كان في ذلك حجةٌ على من حَدث بعده؛ لأنه كان معدوماً حين وجودِ الأمرِ ونزوله وتلفظهِ به. ومن ذلكَ: أنَ الأمرَ إذا عُلق على العاجزِ بشرط إِقْداره، والعادمِ للآلة بشرطِ حصولها، وفي الوقتِ الذي يضيقُ عن الفعل لما يتسعُ من الوقت في ثاني الحال؛ كان أمراً صحيحاً مشروطاً، ولو صرح به الآمر لَحَسُنَ ذلك عند كُلِّ عاقلٍ من أهلِ اللغةِ بأن يقول للنَجار اعمل لهذه الدارِ باباً، ولهذا القَراح (١) دولاباً. والنَجارُ مع الأمرِ له في مكانٍ لا آلةَ معه فيه، فيكون المعقولُ من ذلك: اعمله إذا أحضرتَ الآلة واتّسع الوقت، وكانَت أعضاؤك سليمةً، حتى لو كان مَريضاً أو معطَّل الأعضاءِ التي يقعُ بها العملُ، كان المعقولُ من أمره: إذا صحَت أدواتُك وتمكَنْتَ من الفعلِ، فافعل. وتعذّرُ الفعلِ بالعدم كتعذّرِه بالعجز (٢ ......................................... ٢ ..............................) يوجب تقدمها على الفعل، بل يصح تقدم الفعل.

стр. 1317

ومما يوضِّحُ أنَ الأمرَ إنما هو المتقدِّمُ دون ما عساهم يدَّعونه من تجددِ أمرٍ ثانٍ: أنه يحسنُ بإجماعِ العقلاءِ أن يقولَ لعبدِه والمأمورِ في الجملة عند حضور الآلة وزوالِ العائقِ في الأعضاءِ: إني كنتُ قدَّمتُ إليكَ الأمرَ بكذا، فإن كان قد أخَره مع زوالِ الأعذار وحصولِ الآلات، حَسُن أن يَعتبه ويؤنِّبه على تأخّرِه عن الفعل مع تقديم أمره، ولو كان الأوّلُ ليس بأمرٍ، لم يتجه نحوه عَتْبٌ ولا لومٌ ولا توبيخٌ إلا بعد تجديد أمرٍ ثانٍ. ومن ذلك: إجماعُ الأمة على جواز وصية الموصي، وهي أمرٌ حقيقةً لمعدومٍ، حتى إنه لو نطقَ بها أو كتَبها وأشهدَ على ذلك الشهودَ، كان ذلك أمراً لازماً لمن يحدثُ من ولده بعدَ الوصية، ومن يولدُ بعد موته، ومن تتجدد له ولاية من الولاة، ومن يكونُ صغيراً فيكبر أو مجنوناً فيعقل، ولا أحدَ يقول: إنها مجاز بل تتعلقُ بالوصي تعلّقَ حقيقة. ومن ذلكَ: ما يفسدُ به قولُ من اشترط مخاطباً بالأمرِ يكون مبلغاً (١) أنه قد ثبتَ أنَ أمْرَ اللهِ سبحانه من كلامِه، وأن كلامَه قديم، فما دل على قِدَم كلامِه دل على قِدَم أمره؛ لأنه أحدُ أقسام الكلامِ، وقد استوفينا ذلكَ في أصولِ الدين، وكذلك الوصية (٢ .................................. ٢) فصل في جمع أسئلتهم على أدلتنا منها: أن كل الصحابة أمِروا، الذين لم يكونوا موجودين حالَ أمره ولا في عصرهِ بقرائنَ دلَت على أن أولئك مأمورون، ودلائل تضمنت مشاركةَ المعدومين

стр. 1318

للمخاطَبين المعاصِرين له ﷺ ، ولم تُنقلْ تلكَ الدلائلُ والقرائنُ. وأما أمرُ العاجز فإنه ممن يصحُّ خِطابُه ويصرفُ الأمرُ إليه؛ لكونه عاقلاً يَفهمُ الخطاب، نعمْ ولا يخلو بفهمِه وعقلِه من فائدةٍ يَحسُن معها الخطابُ، وهي تلقي الأمرِ باعتقادِ وجوبه، والعزمِ على امتثاله، فهذان سببان للثواب، ويحصلُ ما يَحْسُن لأجله من الآمِرِ (١) الخطابُ، فأمَّا المعدومُ، فلا فائدةَ في خطابهِ، والأمرُ إذا خلا من فائدةٍ عُدَّ هَذياناً ووَسوسةً، فإنه من باب المتضايفات، يقال: آمر ومأمور، وضاربٌ ومَضروبٌ، ونداءٌ ومُنادى، ومحَبوبٌ ومُحبٌّ، فأمَّا آمر ولا مأمورَ له، فلا يعقل. ومنها: أن قالوا: الوصيَّةُ إعدادُ قولٍ وأمنٍ لخائفٍ من الفَوْتِ بالموت، ولولا ذاك لما حَسُنت الوصيَّة لما ذكرنا، وأنها خطابُ غيرِ مخاطَب، ولهذا حُسنَ تعليقها على الوقتِ الذي يُخرجُ الآمرَ عن صفة الآمرين، وهو الموتُ والعَدَم، واللهُ سبحانه لا يخشى الفوْتَ، ولا يحتاجُ إلى الإعدادِ، فيصير تقديمُ أمرٍ على وجود المأمورين لغواً، واللهُ سبحانه لا يجوزُ عليه ذلك. ومنها: قولُهم: إنه أمر بشرطِ الوجودِ، فينبغي أن توقفوا تسمية الأمر أمراً على شرطه وهو المأمور من باب المتضايفات (٢ ................................ ......................................................................) إليها الاسم إلا بعد وجودِ شرطيها، لاسيِّما المتضايفات، والأمرُ كما لا بُدَّ له من آمرٍ لا بُدّ له من مَأمور.

стр. 1319

فصل في جمع الأجوبة عن أسئلتهم أمَّا دعوى القرائنِ والأدلةِ، فلو كان هناك دلالةٌ أو قرينة لنُقلت كما نُقل الأمر ودعوى القرينةِ للأمرِ للمعدوم، كدعوى القرينةِ للأمر للمخاطَب الموجود. وأما كونُ العاجزِ يصحّ خطابُه، لكن لا يصحّ امتثاله بما يخاطب به، فصحَ خطابُه معلَّقاً على وجود قدرتهِ على ما أُمرَ به، كذلك المعدومُ يتعلق الخطابُ عليه بشرط وجودهِ. وأمَّا قولُهم: وفي خطابِ العاجز فائدةُ تَلَقيه للخطابِ بعزمٍ واعتقادٍ، والمعدومُ لا فائدةَ في خطابِه. لا يصحُّ؛ لأنه لو كانت فائدةُ الكلامِ تثبت بسماعِ سامع، لكان كلامُ الطفلِ والمبُرْسَم (١) إذا سمعه العقلاءُ أن يكونَ خارجاً عن الهذيان؛ لأجلِ سماعِ من سمعه، ولأنَّ أهلَ الإثبات مجمعونَ على أنه لا متكلّمَ منا بكلامِ إلا واللهُ سبحانه سامعٌ لكلامِه، فقولُهم: أيُّ كلامِ لم يكن له سامعا لا تقعُ إلا هذياناَ. لا يجدون له أصلاً يستشهدون به، وإذا لم يكن لذلك أصل يُردُّ إليه، فصار ذلك مجرّدَ دعوى بغير دليل. ولأنَ كلامَ القديمِ سبحانه لا يُطلب له الفوائدُ، إذ ثبت بدليلِ السمعِ والعقلِ أنه صِفةُ القديم (٢ [غيرُ مُحدث، وأنه سبحانه لم يزل آمراً، ولا حاضرَ مأمور] ٢). وأما قولهم: إن (٣ [وجود الفائدة ينقل الكلام] ٣) من الهَذيان إلى حَيَّزِ الأحكام؛

стр. 1320

لأن الموصي خاف الموت، والإعدادُ حسن من الله في أفعاله، وإن لم يخَف الفوت، كالإعداد منا، وإن خفنا الفوت، ألا تراه سبحانه أعدَّ في سفينةِ نوحٍ عند الطوفان جَماهيرَ (١) الخلقِ من كُلٍّ زوجين اثنين، وما كان ذلكَ لحاجَةٍ، ولا لعدمِ القدرةِ على إنشاءٍ من غير ذكرٍ وأُنثى، وأمَر عزيزَ يوسفَ بإعدادِ الأطعمةِ للسبع الشدادِ من السِّنين، مع قُدرته على الخلق للرزق المبتدأ من غير إعداد، وكان ذلك حَسَناً منه، كما حَسُن منّا مع خوف الفوتِ، كذلك لا يمتنعُ مساواةُ الأمرِ منه للمعدوم للوصية منا للمعدومِ. وأما قولُهم: كان يجب أن نَقِفَ تسمية الأمرِ أمراً على وجودِ شرطِه، وهو المأمورُ؛ لأنه من باب المتضايفات، فلا يلزمُ، لأنَ الشرطَ ليس هو وجود المأمور لكن الشرطُ للأمرِ أن ينتهيَ إلى مأمورٍ كالنداءِ من البُعد، يكون نداءً للبعيد المنادى بنفسِ وجودِ صيغة النداء، والقصد بها المنادى، وكذلك الإيصاءُ أمرٌ مشروط بالموصَى إليه، وليس يعتبر في الشرطِ وجودُ الموصَى إليه حالَ الإيصاء، ولأنه سُبحانه إله حقيقةً، ولا مَأْلوه، وربٌ ولا مربوبَ، ثم وُجِد المألوهُ والمربوبُ، ولم يمنع ذلك سَبْق الإلهية لوجود المألوه، وسَبْق الربوبية لوجودِ المربوب. فصل جامع شُبَههم (٢ [منها: أن قالوا: إنه من باب التعَلق والمضاف، والمعدوم] ٢) كيف يصح التعلق به أو عليه؟! ومنها: أنهم بحثوا أن يكونَ الأمرُ إلزاماً أو طلباً واستدعاءً، وكُل ذلك لا يكون صحيحاً في حقِّ المعدومِ، ولا لحنةَ عند أهلِ اللغة أقبحُ من قولِ القائل: ناديتُ

стр. 1321

المعدومَ، أو أمرتُه، أو طلبتُ منه، أو استدعيته، أو استدعيتُ منه، كل ذلك؛ لأن الصلةَ لا تقع، والإضافةَ لا تحصلُ إلا بين موجودين. ومنها: أن قالوا: إننا أجمعنا شرعاً وعقلاً على أن المجنونَ والصغيرَ يصلحان لبعض التعلُّقاتِ، فهما أحسنُ حالاً من المعدومِ، لأنَ الصبيَّ يُضرب ويُؤدَّبُ على المخالفةِ لاتجاهِ الأدبِ نحوه، وتقبلُ الهديةَ، فهذا مَن تَحرّك فيه الفَهمُ ولصقَ به الأدبُ، ويقبلُ قولُه في دخولِ الدار وتَعلُّمِ الصنائع، والمجنونُ يُكَف ويُضرب كما تُضربُ البهيمةُ عن الأفعالِ الذميمة وعن الإيذاء، ثم إنَ أمرَ الشرعِ لا يتجهُ نحوه إلا بشرطِ الإفاقةِ والبلوغِ، بل القلمُ مرفوعٌ عنهما، وجُعلَ الأولياءُ ناظرين في أمرهما، فأولى أن لا يتجهَ الأمرُ بحقِ المعدومِ المنفيِّ الذي لا حقيقة له بشرط أن يوجدَ في الثاني، وهذا تنبيهٌ من الشرعِ على أنَ المعدومَ غيرُ مأمور حيث قطعَ الخطاب وحسمَ مادةَ الأمر بين الشرعِ وبينَ المجنونِ والصغير وهما أحسنُ حالاً من الوجوه التي بيّنا. ومنها: أنه لو كان المعدومُ مأموراً؛ لصحَّ أدق يكون مذموماً وممدوحاً ومتواعداً (١ ...................................................................... ١) من جهة المعدوم لا يصح، فكما لا يصح أن يكون الآمرُ معدوماً ولا المعدومُ آمراً، كذلك لا يصحُّ أن يكونَ المعدومَ مأموراً، ولا المأمورُ معدوماً. ومنها: ما سنح به الخاطر وهو أن يقولوا: إنَ هذه الصيغةَ موقوفةٌ على مخاطَب، فهي من الأسماءِ المستعملة مجازاً، مثل قولهم: يَهْنِيْكَ الفارسُ، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، والعرب تسمي الشيءَ بما يؤول إليه وما كان عليه استتباعاً وتفاؤلا وإذا كان كذلك صار قولُه: افعلوا، مجازاَ، يوضح هذا أنَّ من شرط الأمرِ أن يكونَ المستدعى منه أدنى، والدُّنُو صفةٌ، والمعدومُ لا تقبلُ الصفاتِ.

стр. 1322

فصل يجمعُ الأجوبةَ عن شبههم أما قولُهم: إنه من بابِ التعلقِ والمضافِ، والمعدومُ لا يُضافُ إليه. فلا يَلزمُ؛ لأنه إنما يتعذّر ذلكَ في الخطابِ له في الحالِ التي هو معدوم فيها، فأمَّا إذا كان للمعدوم حال وجودٍ، ولا سيما في علم القَديمِ سُبحانه أنه سَيوجِدُه ويُكلِّفه، فخطابُه له مشروط بوجودِه، ككاتب الكتاب منا على البُعد من المُكاتَب خطابٌ له بشرطِ وصوله، وكذلكَ النداءُ للبعيد بشرطِ سماعه، والأمرُ من الموصي بشرط موته ووجودِ الوصي، ولا أحدَ من أهل اللغةِ والتحقيق ينكرُ الاشتراطَ للتعليق، وهو بابٌ كبيرٌ يُسمَّى باب الإعداد لما إذا وُجد شرط تعلَّقَ عليه وألصقَ به، ولا أقرب إلى ذلك من الأسماءِ المشتقةِ لله سُبحانه ولخلقه، كقولنا: اله ورَب، وخالق، ورازق، ورحيم. وإن كانت الأشياء (١) (٢ ....................................... ٢) بما دَلَّ من قديم (٣ [صفاته عندنا وعند] ٣) من وافقنا في هذا الأصل، وخالفنا في هذه المسألة وبما دللنا من الأدلة اللازمة لمن خالفنا في ذلك الأصل وفي هذه المسألة من المعتزلة، وإذ وجد أن الاستدعاءَ والطلبَ مصروفٌ إلى غايةٍ يَصحُّ أن ينطبق عليها، فقد صحَ التعلُّقُ ولم يُعدم شرطُ الإضافةِ. فإن قيل: فهذا القولُ يُعطي المجازَ ونحنُ لا نمنعُ من التسمية أمراً مجازاً، ووجهُ المجازِ ونفيِ الحقيقةِ أنه اسم عَجَّلته قبل وجود شَرطه، وصار ما استشهدتَ به من الأسماءِ قبل المتعلقات المشتقةِ منه هو الحُجةَ في معنى الحقيقة؛ لأنه يقال: خالقٌ ورازقٌ، قبلَ وجودِ الخلقِ، بمعنى أنه سيخلقُ ويرزقُ، ونحن لا نمنعُ إن سمَّاها هنا:

стр. 1323

أمراً، بمعنى أنه سيأمرُ، وكل اسمٍ صحَّ نفيُه فهو من أسماء الاستعاره والمجازِ، ولا يحسُن أن يقالَ: ليس بخالقٍ في القدم، ولا يصحُّ بل يستحيلُ؛ لأنَّ معنى الخلق: الفعلُ، والفعلُ لا يكون إلا في الزمان المستقبَل، والقِدمُ هو عدمُ الأولية وثبوتُ الأزلية، فلا تجتمعُ الحقيقتان؛ لأنهما ضدّان، فكذلكَ الأمرُ إذا كان من بابِ المتضايفات، وكان إنما ينطبقُ على ما سيوجدُ، كان مجازاً لا يتحققُ إلا عند وجودِ ما ينطبقُ عليه، وهو المأمورُ المستدعى منه. فيقال: إنَّ أمرَ مَنْ لا آلةَ له يَعملُ بها، أو العاجزِ الذي توجده القدرة في الثاني وليس بظافرٍ بها أمر حقيقةً، وإن كان متراخياً إلى حينِ تكاملِ شرطِ المأمورِ من تحصيل آلتِه وحُصولِ قدرته؛ لأن العالم (١ ................................ ........................................................................ ١) ليس بعالم إلا بَعْد وجودِ الأحوالِ التي عَلمَ أنها ستكونُ، بل ويقال: عالم بما يكون في الثاني من أحواله. وكذلكَ الموصي المعلَّقُ لوصيّته على موته، وإعطاءِ أولاده على وجودِ أولاده، والموقِفُ مملِّك لمن وَقَفَ عليه وَقْفاً، وإن كان المُمَلّكُ غيرَ موجود، لكنّه لما كان تمليكاً لمن يوجد في الثاني، لم يكن تمليكه مجازاً. وأما قولُهم: الأمرُ إلزام أو مطالبة أو استدعاء، والمعدومُ لا يُلزمَ، ولا يُستدعى منه، ولا يمتضى. فليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الإلزامَ والاقتضاءَ في الحالِ هذا حُكمهُ، فأمَّا إلزامُ من يحدثُ في الثاني واقتِضاؤُهُ واستدعاؤه، أو الاستدعاءُ منه، فإعادة منهم وَتكرار، وَمَدارُ ما صدرَ عنهم بإحالةِ الاتصالِ والتعلُّق بما هو معدومٌ والإضافةِ إليه، وجميعُه إنما يصحُّ لهم فيما هو معدومٌ في الحالِ، ولا وجودَ له في الثاني والاستقبال، فأما ما قد عُلم وجودُه، فلا يستحيلُ ذهابُ الخطابِ إليه، وانصرافُه نحوه عند وجودِه، فلا إحالةَ ولا استبعادَ، ولهذا يقول العاقلُ مِن أهلِ اللغة: هذا وَقْفي على من يَحدثُ

стр. 1324

من ولدي، وهذهِ وَصيتي إلى من يكونُ من عَقبي، وهذا كتابي إلى أهلي. وهو على المسافةِ البعيدةِ منهم، وهذا الاستبعادُ منكم هو شرحُ مذهبكم. وإلا فالتعليق والإضافَةُ والخطابُ كُل ذلكَ صَحيحٌ عندنا إذا أُحيلَ (١ ................... ............................................ ١) الخطاب بأن يقول: هذا خطابُ الله لي وأمرُه إيَّايَ. ويقولُ المُوصَى له: هذا أمرُ أبي ووصية أبي، ولا يحسنُ نَفيُه، فيقولُ: ليس هذا أمرَه ووصيتَه، ولا أمَرَني ولا وَصَّاني؛ لأنه حين قالَ، لم أكن بحيثُ أفهمُ عنه، ولا يَصح أن يخاطبَني. وأمَّا دعواهم أنَّ الصغيرَ والمجنونَ لا يتعلّق عليهما أمرٌ ولا نهيٌ، ولا يُكَّلفان حينَ الصغرِ والجنونِ، اعتماداً على زوالِ الجنونِ والصغَرِ، وأنَّ ذلكَ إجماعٌ، فدعوى باطلةٌ؛ لأن كُلَّ من أجازَ أمرَ المعدومِ بشرطِ وجودِه لم يمتنع من أمرِ المجنونِ بشرطِ إفاقته، والصبيِّ بشرطِ بلوغِه، وإنما حملوا رفعَ القلمِ على أحدِ أمرين (٢)، إما نفيُ الخطابِ له مواجهةً ومخاطبةً على ما هو عليه، أو على رفع المأثَمِ والمؤاخذةِ (٣)، فأمَّا ما ذهبنا إليه فكلا، وما (٤) الذي يُنكَرُ من صرفِ الخطاب إلى مَنِ المعلومُ أنه يَعقِلُ ويَبْلُغُ ويَتكاملُ بشروطِ التكليفِ فيه؟ فأمَّا دعواهم أنه لا ينطلق نحوَ المعدوم ذَمٌ ولا مدحٌ، فما أبعدَها من دعوى على أهلِ السُنّة، مع قولهم بقِدَمِ الكلامِ، وإنَ الله سبحانه قد ملأ كتابَه الكريمَ بذمِّ العُصاةِ التاركين لأوامره، المرتكبينَ لنواهيه، وذلك الذمُّ فإنما انصرفَ إلى من عَلمَ أنه إذا وُجدَ وخوطبَ لم يَمْتَثلْ أمرَه، وكذلك مَلأ كتابه بمدحِ (٥ [الطائعين، وذلك ينصرف إلى من علم أنه إذا وُجدَ وخُوطب امتثلَ لما جاءه] ٥) من أمر الله، وانتهى عما

стр. 1325

نهى اللهُ عنه، وإنما لم يَلحقه المدحُ والذمُ قَبل وجوده؛ لأنه عُدمَ الشرطُ في تلك الحال، فلا طاعةَ وجدت، فيمدحُ عليها، ولا معصيةَ تحققت، فيُذمّ عليها، لكن جعل ذمه ومدحَه كأمره، معلَّقَين على وجود الطاعةِ والعصيانِ، كما كان أمرُه معلَقاً على الوجودِ مَشروطاً به. وما ذلكَ إلا بمثابة سائرِ العباداتِ المشروطةِ في حقِّ المكلف، لا يلحقُه الذمُ والمدحُ بتركِها وفِعلِها قبل وجودِ شرطِها إلا على وجهِ التعليقِ إن تركها بعد تكامل شروطِ وجوبِها عليه، وتضايقِ الأمر في حقه. فأمَّا قولُهم: لما لم يصح أن يكونَ الأمرُ معدوماً، لم يصح أن يكونَ المأمورُ مَعدوماً. غيرُ صحيح؛ لأنَ الآمر إذا سَبق أمره بإيصاءِ وصيّةٍ، وتقدمِ مكاتبةٍ ثمَ ماتَ قبلَ وصولِ كتابهِ وسَماع الموصَى إليه وصيّتَه أو شرطَه في الوقفِ تمليكَ من يأتي من ولدِ ولدهِ وعَقبِه ونَسلِه، كل ذلك يكون بعد وفاته مَعمولاً به بحُكم أمره، ولا يخرج بموته عن كون أمرِه أمراً حقيقة، فيستند الأمرُ إلى حالِ وجودِ الآمر كما يستند الأمرُ من الآمر إلى وجودِ المأمور، وإن أردت أنَ ابتداءَ الأمرِ لا بُد له من آمرٍ فكذلكَ اتصالُ الأمرِ بالمستدعى منه لا بُد له من مأمورٍ فالانتهاءُ في هذا كالابتداءِ في ذلك، ولا ينتهي الأمرُ إلاّ إلى مأمورٍ موجودٍ، لذلكَ لا يفيدُ الأمر إلا من آمرٍ موجود. فصل ويجوزُ أن يأمرَ اللهُ سبحانهُ بما يَعلمُ أن المأمورَ لا يفعله. نصَّ عليه أحمد بقوله: نَهى اللهُ سبحانه آدمَ عن أكلِ الشجرةِ، مع علمِه بأنه سَيأكلُ، وفي أمرِه لإبليسَ بالسجودِ، مع علمِه أنه لا يَسجدُ، وهذا أمر نطقَ به الكتابُ، وحُكي عن المعتزلة أنه لا يجوزُ ذلك (١).

стр. 1326

فصل والدلالةُ على صحةِ قولنا: أنَ اللهَ سبحانه قد أمَرَ الكُفارَ بالإيمان، ولم يختلف في تكليفهم الإيمانَ اثنان، ولا فَضَلَ أحد من الأئمة، فقال: إنَ المعلومَ إيمانُه هو المأمورُ دون من عُلِمَ أنه لا يُؤمن. والقول المخالفُ للإجماع لا يُلتفت إليه، وقد أخبرَ اللهُ سُبحانه أنه أمرَ إبليسَ بالسجود لآدم، فقال: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فأثبت أمرَه له بالسجود، ولم يقع منه السجودُ، وقد أجمع المسلمون على أنه عالمٌ بامتناعه قبل وقوعِ الامتناع منه (١). فصل فيما حُكي من الشبهة عنهم وهو أنَ الأمرَ لمن يُعلم أنه لا يُطيع عَبَث، واللهُ سبحانه مُنزهٌ عن العَبثِ في قوله وفعلِه؛ ولأنَ التكليف، والأمرَ، والنهيَ إنما يكون للمصالحِ والمنافعِ، وهو التعريض للثوابِ، واجتنابِ ما يوجبُ العقاب، فأما إذا صرف بحقّ من لا يتحقق في حقِّه ذلك، خرج عن حَيِّز الأمرِ المشروعِ والقانونِ الموضوع على مقتضى الحكمة. فصل في الجواب عما ذكروه وهو أنَّ هذا كلام يردُّه النصُ، ولا عبرة بما استدلوا به مع كونِ الإجماعِ انعقد على خلافِه، ونَصُّ الكتاب قضى بإبطاله، على أنه فاسدٌ في نفسه لو وردَ مع عدم الإجماع والنص، وهو أن الله سُبحانه قد خلق مَن في معلومه أنه لا يَنتفع بخلقه ولا يُطيعه في أمرِه، فلا يَستحق الثواب، بل لا يَسعى إلا فيما يوجبُ عليه العقاب، ولم يكُ في خَلقه عابثاً، كذلك أمرُه له لا يكون به عابثاً.

стр. 1327

فإن قيل: إلا أنه يجوز أن يكونَ في خلقه مصلحة لغيره من المكلفين، ليكونوا أقرب إلى الطاعةِ وأبعدَ عن المعصية. قيل: فلعل في أمره الذي يعلمُ أنه لا يَمتثله مصالحَ لكثيرٍ من المكلفين، ولا انفصالَ لهم عن ذلك. فصل يجوزُ أن يردَ الأمرُ من اللهِ تعالى مُعَلّقاً على اختيار المكلّف ، أو يتركَ مُفوَّضاً إلى اختيارِه. وهذا يُبنى على أصْلٍ، وهو أنَّ المندوب مأمورٌ به مع كونِ المكلف مخيَّراً بين فعلِه وتركِه، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يجوزُذلك (١). فصل في الدلائلِ على مذهبنا فمنها: أنَّ اللهَ تعالى لا يخلو أن يكونَ أمرُه مقصوراً على الأصلح، أو يكونَ بحسْبِ المشيئةِ المطلقة، فإن كان على الأصلح، فلا يمتنعُ أن يكون عالماً في بعضِ الأوامرِ أن مشيئةَ المكلف تُوافق الأصلح، واختيارَه يوافقُ ما يختاره اللهُ لهُ، أو تكونَ مشيئة مطلقةً بلا تخصيص. ومنها: أنه إذا جاز أن يُخيِّره بين الإتمامِ والقصرِ، والإفطارِ والصومِ، وبين الكِسوة والإطعامِ والعِتقِ، فلِمَ لا جاز أن يُخيِّر بين الفعلِ والترك؟ ومنها: أنه إذا جاز أن يجعلَ بعضَ الأحكام موكولةً إلى اجتهادنا، وهي الأحكامُ التي لم ينص عليها في كتابه ولا في سنة رسوله ﷺ ، جاز أن يَكِلَ بعض الأوامر إلى اختيارنا، إذ لا فَرق بين الاختيار والاجتهاد.

стр. 1328

ألا تَرى أنه سُبحانه وَكَلَ المِثْليةَ في الصيدِ إلى اجتهادِ حكمين مِنّا، وخيّرنا في بدل ذلك بين المثل من النَّعم أو كفارةٌ طعامُ مساكين، أو عَدْلُ ذلك صياماً (١). فصل فيما تعلقوا به من الشُّبهة قالوا: إن أمرَ الشرع لنا يتعلق بمصالحِنا، وليس في قوَّةِ رأي المكلَفِ أن يقع اختيارُه على تجنُبِ المفسدة، وتوخّي المصلحة، فلهذا لم يكِل اللهُ سبحانَه سياساتِ الخلق إليهم، ولم تقنعْ بآرائهم وعقولهِم في أمرِ دنياهم وأُخراهم، بل أرسلَ الرُسُل، وأنزل الكتبَ، وشرعَ الشرائع، فلا يُؤمَنُ إذا رَدَّ (٢) الاختيارَ إلينا أن نختارَ الأفسدَ ونتركَ الأصلحَ، ولذلك لم نُجوِّز على الله سُبحانه أن يردَ أمرَه إلينا في اختيارِنا، فنحنُ في باب التكليف كالسفهاءِ الدين قال الله فيهم: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]، يعني بحجّة، ونحنُ في بابِ النظرِ للمصالحِ كالسفهاءِ بالإضافةِ إليه، وكما أنه منعَ تفويضَ أمرِ السفهاءِ إليهم، فأحرى أن يمتنع سبحانه من تفويضه للمصالح، ولا طريق لنا إلى معرفتها. قالوا: وفارقَ ما تعلقتم به من الاجتهادِ؛ لأنه مأخوذٌ من معاني كلامِه سبحانه وكلامِ رسولهِ واستنباطِ معانيه التي أوجبت الأحكامَ، فكان ذلك راجعاً إليه دونَ اختيارنا، ألا ترى أنا نقدم في الأحكام الأدلة بعضَها على بعص؟ فنضع أدلّة الاجتهاد بحسب ما تُعطينا ظواهرُ الألفاظ. قالوا: وفارقَ التخيير في أعيان المكفر بها؛ لأنَّ اللهَ سبحانه سوّى بين المخيّرات

стр. 1329

في الأصلح، ووازن كلَّ واحدةٍ بصاحبتها، ثم خيَّر كما يُسوّي الطبيب في الدَّواء بينَ ثلاثةِ أدويةٍ، ويُخيِّر العليلَ بينها بعد فراغِه من مُوازنتِها في الأصلح. فصل في أجوبة ما تعلقوا به أما اشتراطُ الأصلحِ، فليس ذلك مَذهبنا، ونحن نُخالفكم فيه، لكنِ الأصلحُ جائزٌ, فأما مَشروطٌ وواجبٌ، فكلا، وذلك مُستوفىَ في فَصل الأصلحِ فيما بقي من فصول الأوامر إن شاء الله. على أنه يجوزُ أن يعلمَ اللهُ سبحانه أنَّ الأصلحَ ما تقع اختيارُ المكلَّف عليه، كالتخيير في الكفاراتِ، ولو كان الاختيارُ لا يجوزُ أن يصادفَ الأصلَح رأساً، لَما جاز أن يَكِلَ التخيير إليه في شيءٍ من التعبّدات، من كفارةٍ، ولا غيرِها من تخييره بين القصرِ والإتمامِ، والفِطرِ والصيامِ في حقِّ المسافر. وأما قولُهم: وفارقَ الاجتهاد. فلا فرقَ؛ لأن الاجتهادَ وإن رجع إلى القرآنِ والسنَّةِ ومعاني الألفاظ، إلا أنه استنباطُ المجتهد، وهو عُرضةُ الخطأ؛ ولأنه سبحانه إذا رد الاختيارَ إلى المكلَّف مَهَّدَ المحلَّ على هيئةٍ لا يُصادفُ اختيارُه إلا الأصلحَ، والله أعلم. فصل يجوز أن يرِدَ الأمرُ من الله تعالى بالتكليف أمراً ونَهياً على التّأبيد إلى غَير غايةٍ مثل أن يقول: صوموا أبداً، وصَلُّوا أبداً. ويكون هذا القول تأكيداً عند من يعتقد أن الأمرَ على التكرار؛ لأنه بمطلقِ الأمرِ يقتضي التكرارَ والدوامَ عنده، وهو الذي نصروه (١) أصحابنا.

стр. 1330

وقالت المعتزلةُ: لا يجوز أن يَرِدَ الأمرُ من الله إلا بأمرٍ مُؤقتٍ مُنقطع، وإنما يحتملُ ذلك إن وردَ على الحثِّ والتمسك بالفعل (١). فصل جامعٌ لأدلتنا فمنها: أنه ليس بأمرٍ بمُحالٍ، ولا يُستبعدُ من الآمرِ ولا المأمور؛ لأنَ الله سبحانه مالكٌ للمأمورِ مُلكَ عينٍ وإنشاءٍ، قادرٌ على الإمدادِ بالبقاء، والإعانةِ على الفعلِ، وإزاحةِ العلةِ فيه بتكميل شروطه، فلا وجهَ للمنعِ منه. ومنها: أنَّ الناسَ قائلان: قائلٌ بوقف الأمرِ على الأصلح، وقد يكون الأصلحُ ذكرَ التأبيد والدوام. وقائل يقول: إنَ الله يتصرف بحكمِ المشيئة المطلقةِ والملكَة، فعلى هذا لا معنى للمنع، إذ لا آمر ولا ناهٍ دته سبحانه عمّا يريد فعلَه وإيجادَه، أو تركَه والإخلالَ به. ومنها: أنَ العمومَ على ضربين؛ عمومُ أفعالِ في أعيانٍ، وعمومُ أفعالِ في أزمانٍ، ثم إنه يجوزأن يَرِدَ من جهته سُبحانه الأمرُ بإخراجِ جميعِ ما يملكُه من المال، وذبحِ جميع ما لَه من بهيمةِ الأنعام، كذلك لا يمتنعُ أن يجوزَ تكليفُه أن يَستنفدَ أيامَ عُمُرهِ فيما أُمر به من العبادةِ على الدوام. ومنها: أنَّ التكليفَ على ضربين: أمرٌ، ونهي، ثم إنه يجوزُ أن يُؤيدَ النهيَ فيقول: لا تَشرب الخمرَ أبداً، ولا تَزْنِ ولا تَلُطْ أبداً. كذلك الأمرُ بالطاعةِ يجوزُ أن يأمرَ بها أبداً، ولا فرقَ بينهما؛ لأنهما أحدُ خطابي التكليف.

стр. 1331

فصل في أسئلتهم على حُجتنا فمنها: أنهم قالوا: لا نُسلِّم أنه ليس بمحال، بل هو محُال من المخلوقِ، لحاجته إلى الراحةِ والنومِ وما يَعتريه من العوارضِ المانعة، كالمرضِ، والفتورِ للإعياءِ والسهر والإغماء، والجنونِ، والنومِ فيستحيلُ الدوامُ مع هذه العوارض. وفارق عمومَ الأعيان؛ لأنه لا يتعذّر ولا يتعوّق عن إخراج ما يملكه من المال، فإن تَعوَّق اتَّسعَ (١) له فيما يستقبلُ من الزمان إتمامُ الإخراج والذبح. وكذلك ما تعلقتم به من النهي؛ لأنه تركٌ، فلا كلفةَ في الترك؛ لأنه الأصل، ولا يتعذرُ الترك؛ لأنه حالَ الإعذارِ والاشتغالِ بالأعمالِ التي تخصّه، تاركٌ للمنهيات. فصل يجمعُ الأجوبةَ عن الأسئلة أما منعهم الإحالةَ، ودعواهم أن الأبدَ يستغرِقُ العوائقَ والأعذار فلعمري، لكن الأمر لا يستغرق إلا أوقاتَ السلامةِ والمُكْنَةِ والصحةِ والسلامةِ، وإزاحة العللِ المانعة وعدمِ الأعذارِ القاطعة، كما في الأعيان، فإنه إذا أمِرَ بذبح جميع أنْعامه (٢) لم يلزمه ذبح ما ندَّ وشَرَدَ وتوحَّش وامتنع، بل يقع الأمرُ على ما يتمكَن من إيقاعِ الفعلِ فيه، كذلك يرجع الأمرُ إلى التأبيدِ والاستغراقِ لكلِّ زمانٍ يَصحُّ أن يَقَعَ الفعلُ فيه، فلا فرق. كما أن النَّهي قد يَتخلَّل (٣) زمانَه أعذارٌ تبيحه، كالنَّهي عن الميتة في الاضطرار والنهي عن استقبال بيتِ المقدسِ بالصلاةِ، وشربِ الماءِ النَّجس، والعملِ في الصلاة، وما شَاكَلَ ذلك يُستباحُ بالأعذار

стр. 1332

فصل يجمع شُبَههم (١) فمنها: أن بَنَوْا ذلك على أصلهم، وأنَ الثوابَ على الطاعاتِ واجبٌ، وهو دائمٌ, ولا يجوزُ أن يكونَ ثوابُهم في خلالِ أعمالم؛ لأنه يصيرُ منقطعاً، وإن أدام عليهم التكليفَ، لم يبْق زمانٌ تقَعُ فيه الثوابُ والمجازاةُ على أعمالهم، فلذلك لم يصح الأمرُ بدوامِ الطاعاتِ، وتأبيدِ العباداتِ. ومنها: أنَّ الأعمالَ لا بُدَّ من انقِطاعها بالموتِ، ولا بُدَّ من الإثابةِ عليها في غير زمنِ التكليفِ، وإذا كان كذلك؛ صارَ قولُه: افعلوا أبداً، مجازاً، فلا يبقى في قوله: "أبداً" سوى المبالغة دون الحقيقةِ. ومنها: أنَ التأبيدَ مع تخللِ العوارضِ القاطعةِ لا يتحقَقُ ولا يُمْكِنُ، فلا وجهَ لاتّجاه الأمرِ مع عدمِ الإمكان، كما لا يصحُّ أمرُه بما لا يُتصوَّرُ فعله لاستحالته، أو لعدمِ القدرةِ عليه. فصل يجمع الأجوبة عن شُبَههم أما دعوى استحقاق الثوابِ، فلا نُسلّمها، بل أقلُّ نعمةٍ لله تعالى بفضلٍ منه، ولو قوبل بها سائرُ الأعمال لأوْفَت وأربتْ نعمتُه عليها، وهو المالكُ للأعيان، ولا وجة لاستحقاق الأُجرةِ على المولى بعملٍ عنده، فكيف بمالكِ الأعيان، المنعمِ بالإيجادِ والإخراجِ من العَدم إلى الوجود؟ والذي يوضّحُ أن (٢ [الثوابَ ليس بمُسْتَحق؛ أنه لو كان مستحقاً لما استحقَ اللهُ الشكرَ] ٢) على نعمِهِ، كما لا يستحقُ القاضي لِدَينه، والمُوفي للحقوق اللازمة له الشكرَ

стр. 1333

والحمدَ على ذلك، فلما أجمعتِ الأمَةُ على وجوبِ شكره -جَلّت عظمتُه- على قليلِ النعمِ وكثيرهِا، بطلَ دعوى وجوبِ الجزاءِ على الله على أعمالِ خلقه؛ ولأنه سبحانه قد استعبدَ الملائكةَ بالتَّسبيحِ والتَمجيدِ والتَّهليلِ والرسالةِ، من غير أن يتخلَّل أوقاتَهم أعذار قاطعة، وأشغالٌ مانعة، وأغناهم عن الأكلِ والشربِ وسائر ما يلتذُّ به الآدميون، وكانَ ذلك مُجَردَ شكرِه سبحانه على إيجاده وإبقائِهِ لهم. يوضِّح هذا أنه لو قال سبحانه: افعلوا كذا أبداً، فهو الأصلحُ لكم. كان ذلك أمراً صحيحاً عندَ المخالف، وإن كان يقطعُ عن الإثابةِ ويستوعِبُ الزمانَ بالعبادة؛ ولأنه إذا أبقاهم وعافاهم، ومَتَّعهم بنَسيمِ الهواءِ ورَوَّحهم، وأنالهم في خلال أعمالهِم لذاتٍ دائمةً، حَسُن أن يكون ذلك جزاءً وثواباً على أعمالهم، وليس من شرطه إفرادُ زمانٍ للثواب المحض. وأما الأعذارُ المعترضةُ، فإنَّ زمانَها خارج عن الأمر، بدلالةٍ وقرينه، وهي الدلائلُ التي أسقطت أكثَر الأعمالِ، وأخَرت بعضها لأجلِ الأعذارِ، كالسَّفَر والمرضِ والخوفِ وما شاكل ذلك. فصل لا يصحُّ الأمرُ بالموجود وحُكي عن بعضِ المتكلمين التجويزُ لذلك (١)، مثالُه أن يقولَ للقائم: قمْ، وللقاعِد: اقعدْ، وللصائمِ: صُمْ. فصل جامع (٢ [لأدلتنا في نفي صحة الأمر بالموجود] ٢) منها: أن الأمرَ استدعاء واقتضاء، والحاصلُ لا يُستَدعى ولا يمتضى به؛ لأن

стр. 1334

الموجودَ يُستَغنى بوجوده (١) عن إيجاد، [و] (٢) يَستحيل إيجادُ الموجود، كما يستحيل إعدامُ المعدومِ، وهذا يَنبني على أصلٍ قد بانَ بهذا الفصلِ أنَّ أصحابنا ذهبوا إليه، ودانوا به، وهو أنَ الأمرَ بالمستحيلِ لا يَجوزُ، خِلافاً (٣) لأبي الحسنِ الأشعري (٤). ومنها: أن المكلَّف إذا أوجد الفعلَ المأمورَ به، سقط فرضُه عنه، فلو كان الأمرُ به جائزاً، لكان ذلك دلالةً على أن الفرضَ لم يَسقط، والمكلفَ لم يمتثل، إذ لا معنى لأمره بما سَبقت به طاعتُه وامتثاله. ومنها: أن الأفعالَ من المحدِثين مضمنة بالزمان، والآنُ الموجودُ فيه الفعلُ قد استوعبه، فلا بُد للمستدعَى مِن الأفعالِ من زمانٍ تقَعُ فيه، وليس إلا الاستقبال. فصل يجمع ماتعلّقوا به من الشُّبَه فمنها: توهمُهم من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦]، فشهد لهم بالإيمان وأمرهم به. ومنها: أن قالوا: أجمعنا على ذمَ الكافرِ على كُفرِه، وما جازَ ذَمُّه إلا لمعنى، وما ذلك المعنى إلا كُفْرُه، ولو لم يكن منهياً عنه، لما جازَ ذمُّه، والمستقبل مِن كُفره لم يكن، فلم يكن إلا للكفرِ الذي (٥) هو عليه، وذلكَ موجودٌ، وقد صحَ النهيُ عنه، وكذلكَ المؤمنُ يجبُ أن يكون مأموراً بالإيمانِ، ولو لم يكن مأموراً بالإيمان لما اتجه الذَّمُ إليه على

стр. 1335

تَركِه والخروجِ عنه؛ لأنَ ما ليس بمأمورٍ به لا يُذمُّ على تركِه. فصل يجمعُ الأجوبةَ عمّا تعلَّقوا به من الشُّبَهِ فمنها: أن الآية لا تَعَلّقَ لهم فيها، وإنما الواردُ في [الآية] (١) أنها خطابٌ لكفَّار أهلِ الكتاب، وكأنه يقولُ: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمِنوا بمحمدٍ. وقد قيل: إنَّه خطابٌ لمؤمني أُمته، لكن المرادُ به الأمرُ بالاستدامةِ، وتقديرُه: استَديموا إيمانكم، مثل قوله: ﴿اِهْدِنَا السَّراطَ (٢) المُسْتقِيم﴾ [الفاتحة: ٦]، والمرادُ به: أدِم لنا ما مَنحتنا مِن هدايتك. وإذا تقررَ أنه امر باستدامةِ (٣) الإيمان، فنحنُ لا نَمنع من ذلك؛ لأنه أمرٌ بإيجاد الفعل في المستقبل، وذلك غيرُ موجودٍ في الحال، فتقديره: يا أيها الذين اَمنوا الآن، لا تكفروا في مستقبلِ الحالِ، بل آمنوا في الحال الثانيةِ كما آمنتُم الآن. وأما تعلقهم بذم الكافر فلأجلِ إصرارِه على الكفر، مع قدورته على الخروجِ منه بفعل ضده، وهو الإيمانُ، فهو كالقاعدِ يُؤمر بالقيام، والقائمِ يؤمرُ بالقعودِ، بخلافِ الإيمان، فإنَّ المؤمنَ لا يصحّ أن يَفعَله إلا في مستقبلِ الحالِ التي هو فيها مؤمن، فهو كالقيامِ لا يصحّ أن يفعلَه القائمُ لاستغنائه بوجودِه عن موجِد، وأما استحقاقُ الذمِّ للكافر؛ فلأجلِ تركه الإيمانَ، ومُقامه على الكفرِ زماناً بعدَ زمانٍ، وهو الإصرارُ، لا لِسوى ذلك (٤).
следующие страницы →