فصل
في أسئلتهم على حُجتنا
فمنها: أنهم قالوا: لا نُسلِّم أنه ليس بمحال، بل هو محُال من المخلوقِ، لحاجته إلى الراحةِ والنومِ وما يَعتريه من العوارضِ المانعة، كالمرضِ، والفتورِ للإعياءِ والسهر والإغماء، والجنونِ، والنومِ فيستحيلُ الدوامُ مع هذه العوارض.
وفارق عمومَ الأعيان؛ لأنه لا يتعذّر ولا يتعوّق عن إخراج ما يملكه من المال، فإن تَعوَّق اتَّسعَ (١) له فيما يستقبلُ من الزمان إتمامُ الإخراج والذبح. وكذلك ما تعلقتم به من النهي؛ لأنه تركٌ، فلا كلفةَ في الترك؛ لأنه الأصل، ولا يتعذرُ الترك؛ لأنه حالَ الإعذارِ والاشتغالِ بالأعمالِ التي تخصّه، تاركٌ للمنهيات.
فصل
يجمعُ الأجوبةَ عن الأسئلة
أما منعهم الإحالةَ، ودعواهم أن الأبدَ يستغرِقُ العوائقَ والأعذار فلعمري، لكن الأمر لا يستغرق إلا أوقاتَ السلامةِ والمُكْنَةِ والصحةِ والسلامةِ، وإزاحة العللِ المانعة وعدمِ الأعذارِ القاطعة، كما في الأعيان، فإنه إذا أمِرَ بذبح جميع أنْعامه (٢) لم يلزمه ذبح ما ندَّ وشَرَدَ وتوحَّش وامتنع، بل يقع الأمرُ على ما يتمكَن من إيقاعِ الفعلِ فيه، كذلك يرجع الأمرُ إلى التأبيدِ والاستغراقِ لكلِّ زمانٍ يَصحُّ أن يَقَعَ الفعلُ فيه، فلا فرق. كما أن النَّهي قد يَتخلَّل (٣) زمانَه أعذارٌ تبيحه، كالنَّهي عن الميتة في الاضطرار والنهي عن استقبال بيتِ المقدسِ بالصلاةِ، وشربِ الماءِ النَّجس، والعملِ في الصلاة، وما شَاكَلَ ذلك يُستباحُ بالأعذار
стр. 1332
فصل
يجمع شُبَههم (١)
فمنها: أن بَنَوْا ذلك على أصلهم، وأنَ الثوابَ على الطاعاتِ واجبٌ، وهو دائمٌ, ولا يجوزُ أن يكونَ ثوابُهم في خلالِ أعمالم؛ لأنه يصيرُ منقطعاً، وإن أدام عليهم التكليفَ، لم يبْق زمانٌ تقَعُ فيه الثوابُ والمجازاةُ على أعمالهم، فلذلك لم يصح الأمرُ بدوامِ الطاعاتِ، وتأبيدِ العباداتِ.
ومنها: أنَّ الأعمالَ لا بُدَّ من انقِطاعها بالموتِ، ولا بُدَّ من الإثابةِ عليها في غير زمنِ التكليفِ، وإذا كان كذلك؛ صارَ قولُه: افعلوا أبداً، مجازاً، فلا يبقى في قوله: "أبداً" سوى المبالغة دون الحقيقةِ.
ومنها: أنَ التأبيدَ مع تخللِ العوارضِ القاطعةِ لا يتحقَقُ ولا يُمْكِنُ، فلا وجهَ لاتّجاه الأمرِ مع عدمِ الإمكان، كما لا يصحُّ أمرُه بما لا يُتصوَّرُ فعله لاستحالته، أو لعدمِ القدرةِ عليه.
فصل
يجمع الأجوبة عن شُبَههم
أما دعوى استحقاق الثوابِ، فلا نُسلّمها، بل أقلُّ نعمةٍ لله تعالى بفضلٍ منه، ولو قوبل بها سائرُ الأعمال لأوْفَت وأربتْ نعمتُه عليها، وهو المالكُ للأعيان، ولا وجة لاستحقاق الأُجرةِ على المولى بعملٍ عنده، فكيف بمالكِ الأعيان، المنعمِ بالإيجادِ والإخراجِ من العَدم إلى الوجود؟
والذي يوضّحُ أن (٢ [الثوابَ ليس بمُسْتَحق؛ أنه لو كان مستحقاً لما استحقَ اللهُ الشكرَ] ٢) على نعمِهِ، كما لا يستحقُ القاضي لِدَينه، والمُوفي للحقوق اللازمة له الشكرَ
стр. 1333
والحمدَ على ذلك، فلما أجمعتِ الأمَةُ على وجوبِ شكره -جَلّت عظمتُه- على قليلِ النعمِ وكثيرهِا، بطلَ دعوى وجوبِ الجزاءِ على الله على أعمالِ خلقه؛ ولأنه سبحانه قد استعبدَ الملائكةَ بالتَّسبيحِ والتَمجيدِ والتَّهليلِ والرسالةِ، من غير أن يتخلَّل أوقاتَهم أعذار قاطعة، وأشغالٌ مانعة، وأغناهم عن الأكلِ والشربِ وسائر ما يلتذُّ به الآدميون، وكانَ ذلك مُجَردَ شكرِه سبحانه على إيجاده وإبقائِهِ لهم.
يوضِّح هذا أنه لو قال سبحانه: افعلوا كذا أبداً، فهو الأصلحُ لكم. كان ذلك أمراً صحيحاً عندَ المخالف، وإن كان يقطعُ عن الإثابةِ ويستوعِبُ الزمانَ بالعبادة؛ ولأنه إذا أبقاهم وعافاهم، ومَتَّعهم بنَسيمِ الهواءِ ورَوَّحهم، وأنالهم في خلال أعمالهِم لذاتٍ دائمةً، حَسُن أن يكون ذلك جزاءً وثواباً على أعمالهم، وليس من شرطه إفرادُ زمانٍ للثواب المحض.
وأما الأعذارُ المعترضةُ، فإنَّ زمانَها خارج عن الأمر، بدلالةٍ وقرينه، وهي الدلائلُ التي أسقطت أكثَر الأعمالِ، وأخَرت بعضها لأجلِ الأعذارِ، كالسَّفَر والمرضِ والخوفِ وما شاكل ذلك.
فصل
لا يصحُّ الأمرُ بالموجود
وحُكي عن بعضِ المتكلمين التجويزُ لذلك (١)، مثالُه أن يقولَ للقائم: قمْ، وللقاعِد: اقعدْ، وللصائمِ: صُمْ.
فصل
جامع (٢ [لأدلتنا في نفي صحة الأمر بالموجود] ٢)
منها: أن الأمرَ استدعاء واقتضاء، والحاصلُ لا يُستَدعى ولا يمتضى به؛ لأن
стр. 1334
الموجودَ يُستَغنى بوجوده (١) عن إيجاد، [و] (٢) يَستحيل إيجادُ الموجود، كما يستحيل إعدامُ المعدومِ، وهذا يَنبني على أصلٍ قد بانَ بهذا الفصلِ أنَّ أصحابنا ذهبوا إليه، ودانوا به، وهو أنَ الأمرَ بالمستحيلِ لا يَجوزُ، خِلافاً (٣) لأبي الحسنِ الأشعري (٤).
ومنها: أن المكلَّف إذا أوجد الفعلَ المأمورَ به، سقط فرضُه عنه، فلو كان الأمرُ به جائزاً، لكان ذلك دلالةً على أن الفرضَ لم يَسقط، والمكلفَ لم يمتثل، إذ لا معنى لأمره بما سَبقت به طاعتُه وامتثاله.
ومنها: أن الأفعالَ من المحدِثين مضمنة بالزمان، والآنُ الموجودُ فيه الفعلُ قد استوعبه، فلا بُد للمستدعَى مِن الأفعالِ من زمانٍ تقَعُ فيه، وليس إلا الاستقبال.
فصل
يجمع ماتعلّقوا به من الشُّبَه
فمنها: توهمُهم من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦]، فشهد لهم بالإيمان وأمرهم به.
ومنها: أن قالوا: أجمعنا على ذمَ الكافرِ على كُفرِه، وما جازَ ذَمُّه إلا لمعنى، وما ذلك المعنى إلا كُفْرُه، ولو لم يكن منهياً عنه، لما جازَ ذمُّه، والمستقبل مِن كُفره لم يكن، فلم يكن إلا للكفرِ الذي (٥) هو عليه، وذلكَ موجودٌ، وقد صحَ النهيُ عنه، وكذلكَ المؤمنُ يجبُ أن يكون مأموراً بالإيمانِ، ولو لم يكن مأموراً بالإيمان لما اتجه الذَّمُ إليه على
стр. 1335
تَركِه والخروجِ عنه؛ لأنَ ما ليس بمأمورٍ به لا يُذمُّ على تركِه.
فصل
يجمعُ الأجوبةَ عمّا تعلَّقوا به من الشُّبَهِ
فمنها: أن الآية لا تَعَلّقَ لهم فيها، وإنما الواردُ في [الآية] (١) أنها خطابٌ لكفَّار أهلِ الكتاب، وكأنه يقولُ: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمِنوا بمحمدٍ. وقد قيل: إنَّه خطابٌ لمؤمني أُمته، لكن المرادُ به الأمرُ بالاستدامةِ، وتقديرُه: استَديموا إيمانكم، مثل قوله: ﴿اِهْدِنَا السَّراطَ (٢) المُسْتقِيم﴾ [الفاتحة: ٦]، والمرادُ به: أدِم لنا ما مَنحتنا مِن هدايتك.
وإذا تقررَ أنه امر باستدامةِ (٣) الإيمان، فنحنُ لا نَمنع من ذلك؛ لأنه أمرٌ بإيجاد الفعل في المستقبل، وذلك غيرُ موجودٍ في الحال، فتقديره: يا أيها الذين اَمنوا الآن، لا تكفروا في مستقبلِ الحالِ، بل آمنوا في الحال الثانيةِ كما آمنتُم الآن.
وأما تعلقهم بذم الكافر فلأجلِ إصرارِه على الكفر، مع قدورته على الخروجِ منه بفعل ضده، وهو الإيمانُ، فهو كالقاعدِ يُؤمر بالقيام، والقائمِ يؤمرُ بالقعودِ، بخلافِ الإيمان، فإنَّ المؤمنَ لا يصحّ أن يَفعَله إلا في مستقبلِ الحالِ التي هو فيها مؤمن، فهو كالقيامِ لا يصحّ أن يفعلَه القائمُ لاستغنائه بوجودِه عن موجِد، وأما استحقاقُ الذمِّ للكافر؛ فلأجلِ تركه الإيمانَ، ومُقامه على الكفرِ زماناً بعدَ زمانٍ، وهو الإصرارُ، لا لِسوى ذلك (٤).
стр. 1336
فصل
يجوز تقديمُ الأمرِ على وَقتِ الفعلِ
خلافاً لبعضِ المتكلَمين [القائلين] (١): لا تكونُ صيغةُ الأمر قبلَ وقتِ الفعل أمراً، بل تكونُ إعلاماً (٢).
فصل
يجمع أدلّتنا
فمنها: أنه لا يُنكِر أحدٌ من أهلِ اللغة قولَ القائلِ لِعبده: سافِر في غَدٍ، وائتني بالطعام عشيةً. ولا يُنكرُ أن يقولَ: أمرتُ عبْدي بكذا في غدٍ. وقول العبد: أمرني سَيدي أن أفعل ذلك غداً.
فهدْا في الأمرِ في الشاهدِ، وأمرُ الله سبحانه بالمشيء قبلَ وقته ظاهرٌ في كتابه، قال سبحانه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهذه كلُّها أوامرُ بأفعال مُستقبلة.
فصل
[جامع] (٣) لشُبَههم
قالوا: إذا تقدمت صيغةُ الأمرِ على وقتِ الفعل، كانت إشعاراً وإعلاما، ولا يكونُ أمراً، ويكون تقديرُ قولِ القائل: افعل في غدٍ كذا: سآمرمك غداً أن تَفعل كذا.
فيقالُ: الإعلامُ إنما هو صيغةُ إخبارٍ، مثل قوله سبحانه إخباراً عن إبراهيم:
стр. 1337
﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]، هذا إشِعارٌ، فأما: افعلْ كذا غداً، فهو صيغةُ الأمرِ، وإذا وُجِدَتْ صيغةُ الأمرِ من الأعلى للأدنى، فلا وجه لِقولنا: إنها إشعار على أنَ الإشعارَ مُنْدرجٌ فيها، وكُلُّ استدعاءٍ بالفعلِ، فهو إشعارٌ لِصاحبه بأنه مُستدعى منه ذلك (١) الفعل.
ومنها: أنَّ تقديمَ الأمرِ قبل وقت الفعل يُعطي الإعلامَ بأنه سَيبقى إلى ذلكَ الوقتِ، فلو قال له في رجب: صُمْ شهرَ رمضان، اندرجَ في أمره علمُه بأنَّ تلكَ المدة مِن عُمره، وإذا عَلِمَ حياتَه من جهةِ الله سُبحانه هذه المدَّة، ففي (٢) إعلامِه بالإبقاء هذه المدَّة مفسدتان كبيرتان (٣ [أولاهما: الإغراء بارتكاب المعصية، والثانية: تسويف التوبة] ٣).
فصل
في الأجوبة عن شُبَههم
فمنها: أنه غيرُ ممتنع أن يقعَ الإعلامُ في طيِّ الأمر كما إذا أمره في وقتِ الفعل بصلاةِ الركعاتِ المتضمنة لأوقات تَتَراخى عن الأمرِ وقتَ الأمر.
ومنها: أنَ دعوى المفسدتين؛ الإغراء والتسويف باطلةٌ (٤)، بل فيه مصلحتان بطاعتين يُتَلقى بهما الأمر العزم والاعتقاد، وَيَمْتدانِ إلى حين الفعل، والإغراءُ إن كان حاصلاً بالأمرِ المتقدم، فيجبُ أن لا يخاطَب بعبادةٍ تمتد، كصيامِ شهرين متتابعين في الكفارة؛ ولأنَ صومَ شهرِ رمضان في أصلِ الفريضة، فلما جازَ الأمرُ بعملٍ يطولُ ويقصر بَطَلَ ما عوَّلوا عليه من ذَريعةِ الإغراء بالمعصية، والتسويفِ بالتوبة؛ ولأنَّ
стр. 1338
فيما وضعه الله، وشَرَعه مِن الزجرِ عن المعاصي بالحدودِ في الدنيا، والوعيدِ بعذاب الآخرةِ، والترغيبِ في تركها بالثوابِ الدائم، كفايةً (١) عن كتمِ الأجلِ وإبهامِ مُدَّة العمر.
ومنها: أنه لو كان علمُ (٢) ما يدفع التَسويف واجباً فِعلُه بالمكلَّف، لوجبَ أن لا يعلَمَ ولا يشعرَ بقبول التَّوبة؛ لان الثِّقةَ بقبولها إغراء بالمعاصي، فإنَ من كان دأبُه قبولَ العُذر وغُفرانَ الجُرْمِ لمكانِ الاعتذار، أغْرى الناسَ بالإساءة إليه.
فصل
ويجوزُ أن يامر اللهُ بعبادةٍ في وَقتٍ مُستقبل، ويُعلِمَ المكلفَ المأمورَ بها بذلك قبلَ مجيءِ الوقتِ.
خلافاً للمعتزلة في قَولهم: لا يجوزُ أن يُعلِمَه بذلكَ قبل مجيء الوقت (٣).
فصل
في دَلائلنا
فمنها: أنَ المصلحةَ تكون في إعلامهم ذلك (٤ [لكي يتوب المسيء إليه، وإن صحة المشيئة المطلقة] ٤) لا يمتنعُ معها ذلك، كما لم يمتنع تعليقها على شروطٍ وإعلامُه بتلك الشروط.
ومنها: ان المطلقَ من الأمر أضعفُ، والمعين (٥) بوقتٍ آكَدُ، ولهذا لو أمرَ عبدَه أمراً مُطلقاً، لم يَحسُن لومُه وعِتَابُه على تَركِه في وقتٍ، ولو عَيّنَهُ بوقتٍ حَسُنَ تأديبه
стр. 1339
على تركِه في ذلك الوقتِ.
فإذا جازَ الأمرُ المطلقُ، فا لمعلق أولى أن يجوز.
فصل
في شُبهةِ المخالف
وهي المتقدمةُ في الفصل الذي قبله (١)، وقد سبق الجوابُ عنها بما فيه كِفاية.
فصل
ذَكَرَ أصحابُنا أنه يجوز أن يقال: إن بعضَ الواجبات أوجبُ من بعضٍ، ونَصَر ذلك شيخُنا الإمامُ أبو يَعلى ابن الفَرّاء (٢) ﵁، وبَناه على ما نَصره من الروايةِ عن أحمدَ كرَّمَ اللهُ وجهه، أنَ الفرضَ أعلى مِن الواجب (٣).
وقد نصرتُ أنا: أنَ الفرضَ والواجبَ سَواء.
ومذهبُ شَيخنا ﵁ قال [به] (٤) أصحابُ أبي حنيفة حيث وافقونا في رواية. إن الفرضَ آكدُ من الواجب.
وظاهرُ مذهب أصحابِ الشافعي أن الوجوبَ لا يَتفاضل، حيث قالوا: إنَ الفرضَ والواجبَ سواء (٥).
стр. 1340
فصل
والذي لحظتُه من هذه المسألةِ: أن القائلَ بتفاضلِ الوجوب، إنما سلكَ خلافاً في عبارة، وإلا فنفسُ ما أرادَ بقوله: أوجب. يقتضى موافقتنا في المعنى (١)، فإنهم وافقوا في أنَ الواجبَ استدعاءُ الأعلى مِن الأدنى على وجهِ الحتمِ والتضييقِ، ورسموه بأنه ما عوقب على تركِه، وهذا أمر لا يقبل التزايدَ والتفاضلَ، وإلا فما هو إلا بمثابةِ قولنا: سائغ وجائز ولازم، وفي الخبر صادق وكاذبٌ، وفي الصفات: عالم، فإن ذلك كُله لما انتظمه حد واحدٌ، فكان حقيقة واحدةً، لا يقال: أعلمُ، وأصدقُ، وأكذبُ، فكما لا يمكنُ أن تكون معرفةُ المعلوم على ما هو به، والخبرُ بالأمرِ على ما هو به أمراً يتزايدُ، كذلك الاستدعاءُ المضيقُ المحتومُ لا يقبل التزايدَ، وقد صرَّحوا بأنهم لا يريدون بقولهم: أوجبُ. إلا أنَ العِقابَ على تركه أشد، وهذا أمر يرجعُ إلى المقابلةِ، وذلك لا يُعطي تزايدَ الشيءِ في نفسه، بدليلِ أنَ بعضَ المخبرين إذا أخبرَ بقدومِ ولدٍ كان غائباً، واَخر أخبر بمولدِ ولدٍ كان حَمْلاً، وكان العطاءُ والمنحةُ على أحدهما أوفى بحسب بِشْرِ المُخبَرِ بذلك، لم يَجُز أن يقال: إن أحدَهما أخبرُ من الآخر ولا أصدقُ،
стр. 1341
وكذلك العلمُ بالله سبحانه أكثرُ ثواباَ من العلم بأن أبا بكرِ كان الخليفة بعدَ رسولِ الله بطريق استحق به الخلافة، والعقابُ على جحد الصانع أكبرُ مِن العقابِ على جحدِ خلافةِ أبي بكر ولا يقال: إنَ العالِمَ بالصانع أعلمُ من [العالمِ] أن أبا بكر كان الخليفةَ،. وإذا كان القائلون بذلك لم يُفسروا قولهم: أوجب، إلا أن الثوابَ عليه أكثر، حصل الوفاقُ منهم فيما أردنا، وأن الواجبَ حقيقة لا تتزايدُ، والوجوبُ أمر لا يقبل الزيادةَ في نفسه من حيث كونُهُ استدعاء مخصوصاً من شخص مخصوص (١ [بل تتزايد المقابلة] ١)، فلا نُنكرُ أنَ المقابلةَ على الإيمانِ بالله بالثوابِ تتضاعفُ على المقابلةِ على فعلِ الصلاة، وأن المقابلةَ بالعقابِ على تركِ الصلاة لا تَبلغُ مبلغ العقابِ على تركِ الاعتقادِ، فلا طائلَ في الاختلافِ في العباراتِ مع الاتفاقِ في المعنى، وما صار ذلك إلا بمثابةِ من قال: إن زيداً أعلمُ من عمروٍ بالنَّسبِ أو النحوِ ... لا يكونُ (٢) إلا مرفوعاَ، والمفْعولَ مَنْصوباً أوفى من علمِ عمروٍ به؟ وأنَ علمَ زيدٍ بالماءِ النجس لا يزيلُ نجساَ ولا حَدثاَ أوفى مِن علمِ عمرو به؟ فقال: لا بَل أُريدُ أن زيداً يَعلمُ من أنساب العربِ ودقيقِ النحوِ وغرائبِ مسائله، ومِن مسائل الفِقه أوفى مما (٣) يعلم عمرو, وأنَ الملَك يقابله على علمِه بأوفى جائزةِ من عمرو.
قلنا: قد وافقتَ فيما أردنا، وفيما عليه أجمعنا، فلا نَمنعُ من تفسير قولك: أعلمُ، مِن المجازِ والاستعارةِ بما أردت.
стр. 1342
فصل
في إيرادِ ما يجوزُ أن يتعلَّقَ به في ذلك
وهو أن كثرةَ الثوابِ من الله، والمجازاةِ من الآدمي على امتثالِ بعض الأوامر، وشدَّة (١) العقاب على تركه، مما يُستدلّ به على قوة عناية الآمرِ به، وشدة حثّه عليه، وفي حقّ الآدمي يدلُ على توفير دَواعيه إلى إيقاعه، فإذا كان دليلاً على ذلك، وكان الاستدعاءُ بحسب حال المستدعي وشدّةِ إيثاره، دَل ذلك على أن الاستدعاءَآكدُ وأحثُّ من الأشَد ألماً (٢ [أوعقوبة على فعله والإتيان به، وخفَّت عقوبت] ٢) على تركه له، وهذا معلومٌ فيما بيننا، فيصيرُ من باب قولنا: أحبُّ وأحسنُ وأبغضُ وأقبحُ، ولا خلافَ أنه يَحسُنُ أنْ يقال: ألظلمُ أقبحُ من الرَّبا، حيث كان القَهرُ، والغصْبُ أخذُ مالِ الغيرِ على سخطٍ منه، وإيلام وإيجاع لقلبه، وأخذُ الربا أخذُ ماله باختيارٍ منه، والشركُ بالله تعالى أقبحُ من عقوقِ الوالدين وأفحشُ. ويجوز أن يستدلَّ على ذلك؛ بأنَّ العقابَ على هذا (٣) التخليد، والعقابَ على ذلك (٤) مُنقطع، والزنى في حقِّ المحصَنِ أعظمُ جريمةً من السرقة، حيثُ كان حدُّ هذا قطعَ جارحةٍ، وعقوبةُ ذاكَ إزهاقَ النفس بأوجعِ فعلٍ وآلةٍ.
هذا جميعهُ لا يُعطي التزايدَ في نفسِ الاستدعاء؛ لأنه إذاً لم يقبَّحْ في الإخلال بواحدٍ منهما، ولا يُعاقَب على الإخلال بكلّ واحدِ منهما، وكان سُبحانه لو رفع العقابَ رأساً والثوابَ لما ارتفع صحة قوله: أوجبتُ وحَتَّمْتُ، وصحَ أن نَقولَ: الاستدعاءُ بنفسه حقيقةٌ معقولةٌ، وكذلك تزايدُ المقابلةِ لا يَدُلّ على قوة الاستدعاءِ.
стр. 1343
وقد تعلّق بَعضهم بأنَ معنى أوجب، أن يكونَ: لا يتم (١) فعلُ أحدِ الواجبين، إلا بأن يتقدمه فرائضُ قبلَه، مثل تقدمِ وجوبِ النظرِ والاستدلالِ على المعرفةِ بالله سبحانه، بخلافِ فروعِ الإيمانِ وفرائضه، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَ كونَ أحدِ المأمورين أكبرَ عناءً، وأشقَ تحصيلاً يُعظِمُ وجوبَ غيرِه مع وجوبِه، وذلك لا يرجعُ إلى تعلقه، كما أنَ بعض المعلوماتِ تحتاجُ في حصولِ العلم بها إلى مقدمات يشق تحصيلها، وإذا انتهينا إلى العلمِ من حيث تعلقُه بالمعلومِ على ما هو به، تساوت فيه العلومُ وانطبقَ عليه حد واحد حتى شمل الشاهدَ والغائبَ، وجميعُ ما تعلقوا به في ذلك يرجعُ إلى ما وراءَ الحقيقةِ، وذلك لا يُعطي صحةَ دخولِ لفظة: أفعل، ألا ترى أن من كَذبَ على اللهِ وعلى رسوله كان آكدَ عقاباً، وأكبرَ مأثماً ممن كذبَ على أبيه أو صديقهِ أو عَدُوَّه، ثم لا يقال: إنه أكذب فيما أخبر به من الخبرِ الذي وقع منه على خلافِ مخبَره، وكذلكَ من صدق رسولَ الله ﷺ فيما أخبرَ به عنِ الله كان أكثرَ ثواباً ممّن صدق أبا هريرة في حديث غسل اليدين عند القيامِ من نوم الليل قبل غَمسِهما (٢). ولا يقالُ: أحدُهما آكد تصديقاً.
فصل
مُفيد في بيانِ أمثالِ هذا الفصل ، يَستريح بمعرفته المناظِرُ من كدّ المخالفةِ
والمقاولةِ، استفدناه من مشايخِ عصرِنا الذين لازمنا مجالسَهم.
وهو: أنَ المسألةَ الجاريةَ يجبُ أن يُحقَقَ مرادُ المفتي فيها، فإن وقَع للمجتهد الآخرِ ما وقع للمفتي الأولِ من المعنى؛ استراحا من الجدالِ، وإن خالفَه في اللفظِ
стр. 1344
دون المعنى؛ اجتهدَ في حصولِ الموافقةِ في اللفظ الذي لا يكونُ فيه إبْهام ولا ترددٌ، فأكثرُ ما يجيء الخلافُ بين المتفقين في المعنى من جهة تعلّقِ أحدِهما بلفظٍ متردد وتعلّقِ الآخر بلفظ خاص (١ [غير مشترك يقع به الوهم] ١).
مثال ذلك: أن القائل: أبو ذَر أصدق أصحابِ رسول الله ﷺ ، والماءُ أطهرُ من الخل، والوترُ أسنُّ من ركعتي الفجر، والجبالُ أسكنُ من الأرض، والثلجُ أروى من الماء، ومُسيلمةُ أكذبُ من جميع العرب، وإلى ما شاكلَ ذلك، فلا يزال الجدالُ بينهما حتى ينتهيَ النظرُ منهما إلى غايةٍ وهو أن تقول: ماذا تريدُ بقولك: أفعل؟ وهل هو مثل قولك: الخل أحمض من غيره؟ فإن قال: نعم، ذاك أريد. قال له: فأصْدَقُ وأطْهَرُ لا يتحقق فيه التزايد؛ لأن الصدقَ، الخبر المطابقُ لمخبَره، فحين زادَ أو نقصَ خرجَ عن أن يكون صدقاً، وكذلك قولُنا: طاهرٌ، والذي ليس فيه منع من الصلاةِ معه، ولا يجب تجنبه، والخل والماءُ لا يتفاضلان، والكذبُ: الخبرُ عن الشيء على خلافِ ما هو عليه، ومسيلمةُ وغيره في ذلك سواء، فتضطره إلى أن يقول: إنما أردنا بأصدَق: أنه أكثر صدقاً، وأكذبَ بمعنى: أكثر كذباً، فيزولَ الخلافُ، فالعاقلُ من أراح نفسَه عن هذا من أول وهلاتِ السؤال والجوابِ، فتقول: ما معنى قولك: أصدقُ، وأطهرُ، وأوجبُ، وأعلمُ؛ فإذا قال (٢): ما يعطي التزايد في غير التعلّق، زال الخلافُ، فاهتمَ بذلك تَسْترح (٣) من كثيرٍ من الجدالِ مع غير أربابِ التحقيق.
فصل
في الزائد على ما يتناوله المأموربه
كتطويلِ الركوعِ والقراءةِ، هل يكونُ حكمُه حكمَ الأصل؛ أو يكونُ له حكمُ النَفل؟
الذي إختاره شَيخنا ﵁ -وهو الصحيحُ عندي- أن الزيادةَ نافلة،
стр. 1345
سواء كان المأمورُ به واجباً أو سنة، وبهذا المذهب قال أصحابُ الشافعي (١)، وأبو عبد الله الجُرجاني (٢) من أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر الباقلاني، وذهب أبو الحسنِ الكرخي (٣) إلى أنَ جميعه على حكم الأصلِ من الوجوبِ والسنةِ (٤).
وقد خرجَ شيخُنا الإمامُ ﵁ من كلامِ أحمدَ ما ذكر أنه يعطي مذهبَ أبي الحسن، وأنَ (٥) الزيادة كالمزيد، فقال: لأنه استحب للإمام أن ينتظر على المأمومِ في الركوعِ بما لا يَشُقّ على المأمومين. قال شيخنا (٦): فلو لم يحكم بأن إطالةَ الركوعِ واجبة، لم يصح إدراكُ المأموم للركعة؛ لأنه يُفضي إلى أن يكونَ المفترضُ تابعاً للمتنفل، وهذا عندي لا يدلّ على هذا المذهب، بل يجوزُ أن يكونَ يُعطي أحدَ أمرين: إما جوازُ ائتمامِ المفترضِ بالمتنفِّلِ، وليس بمستبعد مع حديث معاذ (٧)، وهي رواية عنه.
ويحتملُ أن يجريَ مجرى الواجبِ في باب الاتباع خاصة، ولهذا يُسقطُ الاتباع
стр. 1346
بعضَ الواجب، ويُوجبُ ما ليسَ بواجب، وهو المأمومُ المسافرُ إذا اتَّبع الحاضرَ وجبَ عليه الإتمام، وإن كان فرضُه القصر، والمرأةُ والعبدُ والمسافرُ يصفُون الجمعة بحكمِ المتابعةِ، وليس فرضاً لهم، والمسبوقُ تسقطُ عنه القراءةُ وقيامُ الركعة بحكمِ المتابعة.
فصل
يجمعُ أدلّتنا على ما نصره شيخُنا واخترناه
فمنها: أنَّ الركوعَ الذي يقعُ عليه الاسمُ مُجزىء تبرأ به الذّمة عن عهدةِ الأمرِ، فإذا انحنى معتدلاً، وقال على وجه التأني: سبحانَ ربيَ العظيم، حَسُن أن يقولَ له الفقيهُ الذي يُعلِّمه الصلاة: حَسْبُك، وحَسُن أن يقولَ له: أجزأكَ هذا القدرُ من الركوعِ، فارفع، وحسُنَ منه أن يقول: قد أتيتُ بما وجبَ في، والزائدُ يَحْسُن نفيُ الوجوب عنه.
فنقول: وما يجبُ عليك الزيادةُ على هذا، فقد دلَّ عليه السلبُ والإثباتُ، وإذا كان ذاك القدرُ هو الواجبَ، فماذا بعد الواجبِ إلا النفلُ، إذ لو كان ما زادَ واجباً؛ لكانت الذمّةُ لاتبرأ قبل فعله.
ومنها: أن نُجوَّزَه دليلاً قياساً، فنقول: ما سَقطَ به الفرضُ كان جميعَ الواجب، كما لو انفرد عن زيادةٍ، وبفرضِ الكلامِ في الزيادةِ، فنقولُ: غيرُ معاقَبٍ على تركه، أو غيرُمأثومٍ بتركه، فلا يكون واجباً كسائرِ النوافل.
ومنها: أن خصيصةَ النفلِ موجودة بلا في هذهِ الزيادة، وهي أنَ المكلف مخير بين فعلها وتركِها لا إلى بدل ينوبُ عنها، وكُل ما خُيِّر المكلفُ بين فعلِه وتركِه على الإطلاق، فهو النَفل، والحكمُ بمشاركته للفرض مع تخصصِه وتَميّزهِ بخصيصةِ النفل لاوجهَ له.
ومنها: أنَ الزيادةَ على ضَربين:
стр. 1347
زيادةٌ هي تطويل الفعلِ والقولِ وامتدادُه على وجهٍ يجزىء منه البعضُ.
وزيادةٌ هي فعل مثلهِ منفصلة عنه على وجْه التكرار، ثم إن المنفصلة عنه على الخلافِ المعروفِ، (١ فا لمصلي لصلاة الظهر والفجر دفعتين، يكون بالثانية متطوعاً أم بإحداهما ١)؟ فلا يختلف الناس أنهما غير واجبتين جميعاً، فيجب أن يكون الامتداد والزيادة المتصلة في الركوع والقراءة كذلك، ولا فرق بينهما.
فصل
في اعتراضهم على أدلتنا
قالوا: ليس إذا سقطَ الفرضُ ببعضِه دل على أنَ الواجبَ ذلك البعضُ، الدليلُ عليه: أنَ فروضَ الكفايات إذا قامَ بها رجُلٌ من أهلِ المحلةِ أو القريَة، سقطَ الفرضُ عن الباقين، ثم إذا فعلَ الكُل ذلكَ الفرضَ كان كُفُه فرضاً، هذا في الأشخاصِ، وأمَّا في الأفعالِ؛ فالمسافرُ يسقط فرضُه بركعتين، ولو صلاها، فإنه كان الكلّ واجباً.
فيقال: إنَ الفرض يتناولُ أهلَ القرية، ولهذا لو تطابقوا على التَّركِ عمَّهم الإثمُ، وفي مسألتنا لو كان عادته تطويلَ الركوع، فتركَ أصلَ الركوع، أو تطويلَ القراءة، فتركَ أصلها أثمَ مأثمَ التاركِ لما يقع عليه الاسم، ولا يأثم مأثمَ من ترك ركوعاً وجب عليه مطوَّلاً ممتداً.
ولأنه ليس في فرضِ الكفايةِ واحدٌ يُشارُ إليه بالفريضةِ بل الوجوبُ تناول الكُلَّ، وجُعل البعض قائماً مقامَ البعض، وفي مسألتنا: الفرضُ من ذلك معين مقدَّرٌ بما يقعُ عليه اسمُ الركوعِ المطمئنِّ فيه، فذاكَ تخصَّص بالفرضِ، وما زاد تخصَّص بالنفلِ كتخصُّصِّه بخصائصِ النَّفل.
وأما المسافرُ؛ فإنه رُخِّص له في تركِ البعض، فإذا رد الرخصةَ رجع الفرضُ إلى
стр. 1348
أصله، وهو الوجوبُ في أصل الوضع، فلهم أن يقولوا، أعني أصحابَ ابي الحسن الكرخي: إنَّ من أصلنا أنَّ الشروع في العباداتِ يجعلُها واجباً؛ لأنَّ الشروعَ كالنذر، فالزيادةُ عبادةٌ قد شرعَ فيها، تَنقل الكلام إلى ذلكَ الأصلِ.
فصل
يجمع شُبَههم
فمنها: أنَّ الاسم يقع على آخرِ (١) الفعل، كوقوعه على أوَّله أو على الفاتحةِ، وما زاد نُوقِع عليه اسمَ الواجبِ المأمورِ به، وهو الركوعُ والقراءةُ حيث وقعَ على جميعه اسمُ القراءةِ والركوعِ.
ومنها: أنَّ الزيادةَ على المنهى جُعِلَ محظوراً مثلَه، وما زيدَ على الشرطِ جُعِلَ كالشرطِ، والزائدَ على عددِ الجُمَع مِمَّن (٢) لا تَجبُ عليه الجمعة اقتصر عليه حكمُ الجمعةِ في حصولِ الإجزاء عن الظّهر وبيانُ الشرط، أنه لو سرقَ النَّباشُ اللَّفائِف غير المعتَبرة وتمَّ بها النصابُ، قُطعَ وجُعل في حُكم المعتبرة، وكذلك الستْرةُ الثانيةُ إذا كانت غَصباً حصلَ الإجزاءُ والاكتفاءُ بواحدة، وأثَّرَت الثانية في الإبطالِ، كما لو كانتا مَغصوبتين (٣).
فيقال: ذاك تساوى المأثم، فالإثمُ على جميعه، وها هنا لا مأثمَ على تركهِ جَميعه بل على تركه بعضه، وذاكَ لا يُجبرُ على فعلِ الزائدِ وعلى تركهِ، وهنا يُجبَرُ مَن فعلَه وتركَه. ولأنهم قالوا: يقطعُ بالنصابِ فيما زادَ عليه، ولا يتعلقُ الوجوبُ بالأوقاصِ (٤)
стр. 1349
الزائدةِ على نصابِ الزكاةِ.
ومنها: أنَّ الإنسانَ لو قال لوكيله: تصدّق من مالي. فتصدّقَ بالقليلِ، كان بحكمِ الأمرِ، وإن تصدّقَ بالكثير فكذلك، وما ذاكَ إلا لأنَ الكثيرَ والقليلَ يتساويانِ في وقوعِ اسم الصدقةِ عليهما.
فصل
في الأجوبةِ عن ذلك
أمَّا دعواهم أن آخره كأوَّله، غيرُ صحيح؛ لأن آخرَه امتازَ عن أوله بالحكمِ المخصوصِ، وهو التخييرُ بين فعلهِ وتركهِ، وبسُقوطِ المأثم على تركه، والأولَ اختص بخصيصةِ الواجب من حيثُ العقابُ على تركهِ وانحتامُ فِعلِه، فتميزه بالمعنى يربي (١) على شمولِ الاسمِ ووقوعه عليه.
وأمَّا الوكيلُ، فلا نُسلِّم، بل إذا أطلقَ له الصدقةَ وقعَ على أيسرِ يسير، ولأنه هو المتحققُ من ذلك، وما زادَ يحتاجُ إلى دلالةٍ وتصريحٍ، ولو سُلِّم؛ فإنَ العادةَ فيما بيننا أنه لو أرادَ المقدارَ ذكره، ولو أرادَ البعضَ لَخَصَّصَهُ، فلمَّا لمْ يُقدَّر دلَّ على أنه وَكَلَهُ إلى اختيارِ الوكيلِ، فكانت العادةُ هي الموجبةَ لتعميمِ الصدقةِ، وليس بيننا وبين الله سبحانه عُرف، فكان الواجبُ هو ما يقع عليه الاسمُ دونَ ما لا تَتحقق فيه الشركةُ للواجب.
فصل
إذا ورد الأمرُ بهيئةٍ في فعل، ودل الدليلُ على كون الهيئةِ مسنونةً أو مستحبةً مندوبةً، لا يَخرج المأمور بايقاعِ الهيئةِ فيه عن كونه واجباً.
مثالُه: قول النبي ﷺ للقيط بن صَبِرَة: "وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكونَ
стр. 1350
صائماً" (١)، وقوله ﷺ في المشي بينَ الصفا والمروة: "اسعَوا، فإن الله كتبَ عليكم السَّعي" (٢)، وقوله للخاتِنة: "أشَمِّي ولا تُنهِكي" (٣)، فإنَ هاتين الهيئتين مندوبتان، والاستنشاقُ وأصلُ المشي بين الصفا والمروةِ جميعاً واجبان (٤)، خلافاً لأصحابِ أبي حنيفة (٥)، حكاه الجُرجاني وأنه يكونُ الاستنشاقُ وأصلُ المشي بين الصفا والمروة غيرَ واجبين.
فصل
في ذكر حجتنا على ما ذهبنا إليه
أنَ الأمرَ بالسعيِ والمبالغةِ قد دلا على الأمرِ بأصلِ المشي، وأصلِ الاستنشاق، فلما قامت دلالة الندبِ على نفيِ الوجوبِ للهيئتين، بقيَ الأصل مأموراً به أمراً مطلقاً،
стр. 1351
والأمرُ المطلقُ يقتضى الوجوبَ، فصار بمثابةِ لفظِ العموم إذا تَعقَبه لفظ يقتضي إخراجَ بعضِه، بقي الباقي على ظاهرِه في الاستغراقِ لما عدا ما أخرجه الخصوص.
فصل
في شُبَههم
قالوا: المنطوقُ به نفسُ المبالغةِ والسعي، وقد قام الدليلُ على نفيِ وجوبهِ، فغيرُ المنطوقِ به في الأمرِ لا وجهَ لكونه واجباً، وزيادته على رتبةِ المنطوق به.
فيقال: إنَ قولَه في الاستنشاقِ يعطي الأمرَ به، ولم يقمْ على الأمرِ به دلالةٌ تحطُّه عن رتبةِ الإطلاق، كما إذا قال: حُتيه في غسلكِ له (١)، وأوتر في الاستجمارِ (٢)، يكون مضمناً للأمرِ بالأصلِ، وليس في الأصلِ ما يحطه عن مرتبتهِ من الإطلاق.
فصل
إذا كنّى اللهُ سبحانه عن العبادةِ ببعض ما فيها من أركانِها وتوابعِها، دل على وجوبِه فيها، وكونِ ذلك الشيء من لوازمها وفروضِها، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] لما كنى عن الصلاة به، دل على وجوبه فيها، وكذلك قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ إلى قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧]، فكنَى عن الحج بحلقِ الرأس، فدل على وجوبه فيه، والأصل في ذلك أنَ العرب لا تكني عن الشيء إلا بأخص الأشياء به، تقول: عندي كذا وكذا رقبةٌ، وتحتي كذا وكذا فرجٌ، قال النبي ﷺ : "لا سَبقَ إلا في خُف أو حافرِ أو نَصْل" (٣)، ويقول القائل: لي كذا وكذا
стр. 1352
وَقفة، ويريدون به حجّةً، لما كان الوقوفُ بفواتهِ فواتَ (١) الحج، ويدركُ بإدراكهِ، هذا دأبهم.
فصل
الأمرُ من جهةِ الله سُبحانه لا يقفُ على مصلحةِ المأمورِ ، ويجوزُ أن يأمرَه بما يعلمُ أنه لايعودُ بصلاح حاله.
هذا يَنبني على أصولٍ لنا في أصولِ الدياناتِ، وبهذا قال الفقهاءُ أجمع، خلافاً للمعتزلة ومن وافقهم في تلك الأصولِ في قولهم: لا يأمرُ إلا بما فيه المصلحةُ.
والأمرُ عندهم يقتضي الإرادةَ، ولا يريدُ اللهُ عندهم بعباده إلا ما فيه الأصلحُ لهم ديناً ودُنيا.
والكلامُ في هذا الفَصل يشيرُ إلى تلك الأصولِ، فنذكر فيه بحسب ما يحتمل هذا الكتابُ إن شاء الله.
فصل
يجمع أدلتنا
فمنها: أنه لو تخصص أمرُه بالأصلحِ لما أمر إبليسَ وفرعونَ (٢) ومن كانت حالُه حالَهما في التخلفِ عن الطاعةِ واعتمادِ المخالفة، إذ قد كشفت عاقبةُ أمرِه سبحانه لهم عن الوبَالِ واللعنِ والإيعادِ عند (٣) التَخلف، والتخليدِ في العذاب عند المؤاخذةِ والمجازاةِ، وقد أبانَ لنا عن الأصلح في بعضِ ما قصد فيه الأصلحَ، فأبانَ عن قَتلِ
стр. 1353
الغلامِ في حقِ الخَضِرِ لما أنكره وأكبره موسى ﵇، بأنه كان في المعلومِ أنه لو بَلَغَ لكفَر وكَفر أبويه (١)، فقد أعطى ذلك أنه لما أرادَ حِفظَ عاقيته وعاقبةِ أبويه، أمَرَ بالأصلحِ لهم، وهو قتلُه صغيراً، فما كان من هذا فقد كشف النظر عن مرادِه سبحانه منه، وهو الأصلحُ، فأما إبليس حيث طلبَ الإنْظار وخَطَب طولَ الإعمار، أجابه سبحانه فقال: ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ [الأعراف: ١٥]، فلو كان أمرُه لإصلاحه وصلاحِ عاقبته لما أجابه إلى الإبقاء، وقد كشفت العاقبة أنَ إنظارَه الذي أجابه الحق إليه وَبالٌ عليه وعلى من اتبعه، فلو كان اللهُ سبحانه أرادَ حفظَه عن الفسادِ، وأرادَ به الصلاح، وبغيرِه ممَن علم أنه يغويَه؛ لفَعلَ في حَقَه ما فعلَه في حق طفلِ الخَضِر، فعُلمَ أنه مُطلقُ الأمرِ والمشيئةِ بفعل الأصلح لمن شاءَ، وفي حقَ من شاء، ويأمرُ من لا يُريد صلاحَه بما شاء، فهذا طريق مَهْيَعٌ قد ملأ كتابه الكريم بأمثاله:
قال في حقّ قومٍ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، وأبان عن عِلّة الكراهة، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، فأبان عن علةِ عاقبتهِم [وتثبيطهم] (٢) عن الخروج لمصلحةِ جيشِ رسول الله ﷺ ، لما أرادَ بجيشه الأصلحَ.
وقال في حق قومٍ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وأطال أعمارَ المنافقين على ما كانوا عليه من التخذيلِ للمسلمين، وتَتع عوراتهم، ومكاتبةِ المشركين، وإيقاعِ الأراجيفِ على السَّرايا، وجميع ما أخبر اللهُ عنهم في كتابه في قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، وقولهم: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾
стр. 1354
[التوبة: ٨١] وقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٠] ... الى أمثال ذلك، فَعُلم أنَ الله سُبحانه يَفعلُ الأصلحَ ويَعتمدُه في حقِّ من شاء، فأما أن يُشترط الأصلحُ في أمره، ويقف أمرُه عليه، فمتى ذهبَ إليه ذاهب مَنَعته هذه الآيُ وما شَهدت به أحوال بَعضِ المكلفينَ المأمورينَ من كونِ الأوامِر والنواهيِ والتكاليفِ عادت بوَبالهِم في فسادِ عاقبتهم وفسادِ الأمةِ بهم.
وهذه شَذْرَةٌ كافيةٌ في مثلِ هذا الكتاب، إذ ليس بموضوع في أصول الديانات، لكنّه في أصولِ الفقه.
فصل
فيما تعلقوا به لِمذهبهِم
قالوا: القولُ والفعلُ إذا خَلا من فائدة كان عبثاً، وقد نزَه اللهُ سبحانه نفسَه عن العبثِ وعن الباطل، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ....﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فمن تنزه عن فِعلٍ يخلو من نفع به، [قادر] (١) على التنزيه لنفسه عن فعل هو محضُ مَضَرة لا فائدةَ فيه.
والأمرُ أحدُ أقسامِ كلامِه سبحانه، لا يخلو أن يكونَ إما لنفعٍ، أو دفعِ ضررٍ, والله سبحانه مُنزهٌ عن ذلك، لم يبقَ إلا أنه أمرَ العبادَ لنْفعهم ودفعِ الضررِ عنهم، وذلك هو الأصلحُ الذي نشيرُ إليه، وإذا خلا من اجتلابِ النفعِ لهم الموفي على مَشقَّة التكليف، أو دفعِ المضار عنهم تعطلَ عن فائدة، وكلُّ قولٍ تعطّلَ من فائدةٍ كان لغواً، كما أن كُل فعلٍ تعطَّل من فائدةٍ كان عَبثاً، والله سُبحانه منزّه عن العبثِ عقلاً وشرعاً، حيثُ قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
стр. 1355
[الحجر ٨٥]، وفي لفظٍ آخرَ ﴿لاعبين﴾ [الدخان: ٣٨]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ﴾ [الدخان: ٣٩]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وإذا بطلَ أن يكون لمعنىً يعودُ إليه، وبطل أن لا يكون لمعنى رأساً؛ لأنه [سبحانه منزه] (١) عن العَبث، لم يبق إلا أنه لنفعِهم ودفعِ الضررِ عنهم، وذاك هو الأصلحُ الذي نشيرُ إليه.
فصل
في جوابهم عما تعلقوا به من الشبهة
فيقال: نحنُ نخالفكم في هذا الأصل، ولا نطلبُ لأفعالِه وأقوالِه الفوائدَ، بل نقول: إنَ القولَ والفعلَ الصادرين (٢) عن الله سبحانه يصدرانِ عن إرداةٍ مطلقةٍ وتصرّفٍ في أعيانِ مُلكه، وقد يصدرُ عنه ما لو صدَر من خلقِه لكان مَذموماً مُسْتَهجناً، ويصدرُ عنه حسناً، كأمرِه لمن يعلمُ أنه لا يُطيع، وخلقِه لمن يعلم [أنه لا يعمل] (٣) إلا بالبغي، وإمدادِه بالقوى والأموالِ وطولِ الأعمار وكلِّ شيءٍ يكون به [من] (٤) الشَّرِّ أقربَ وعن الخير أبعدَ، ولو صدرَ هذا من الواحدِ منّا بأن أخرجَ عبداً من حَبسٍ كان مانعاً له، أو حل قيداً كان مُعوّقاً له عن الفسادِ مع علمه بأنه لا يَتصرّفُ بعد إطلاقه إلا فيما يعود بفسادِ حاله وأحوال العباد، فإنه يكون جميعُ ما يَتطرّقُ من ذلك العبدِ منسوباً إليه، ويكونُ مذموماً عليه، وهذا موجود في تكليفِ الله مَنْ كَشفَ الغيبُ عن فَسادِه وإفسادِه، وهو بريءٌ من كل لائمةٍ، حاكم غير مَحكوم عليه، على أنه القادرُ على النَفعِ المحض الذي وَعَدَ به أهلَ الجنة، وما فعله مع كونه قادراً عليه من غَير تقديمِ بُغْضِ الدنيا ومِحَنِ التَّكاليف ومَشاقِّها، وكل من قدرَ على
стр. 1356
نَفعِ غيرِه منّا بغيرِ تقديمِ مضرةٍ لا تَعودُ إليه بنَفعٍ، ولا دفع ضررٍ، فلم يفعل به ذلك النفعَ إلا بتقديم ضررٍ وتكليفِ مَشاق، فَقد بَخَسَ ذلك الحَيَّ حقَّه، كمن قدرَ على إسقاءِ العطشانِ جُرعةً أو شربةً من الماء، أو المُضْحي (١) بإظلاله بظلِّ جداره، أو المتخبِّط في ظلمةِ الليل بضَوءِ نارِه، فلم يفعل من ذلك كله شيئاً، بل منعه منه مع الغَناءِ والقدرةِ والعلم بصدق الحاجة، فإنه يكون على الغايةِ من استحقاق الذمّ.
والجنَّة عنده سبحانه كتلك الشربة، وذلك الظِلّ، وذلك الضياء، وقد مَنعناها (٢)، مع القُدرةِ وأحال بيننا وبَينها بمحنِ الدُّنيا وبَلاوي التَّكليف، وأخطارٍ حجبت أكثرنا عنها.
وفيما قدّمنا من أنَّ اللهَ سُبحانه قد أمرَ أوامرَ كثيرةً على غير وجهِ الأصلح للمأمور كفايةٌ، والله أعلم.
فصل
إذا قال الصحابي: أمَرَ رسولُ الله بكذا، أو نهى رسولُ الله عن كذا. كان حُكمُ هذا القول منه حُكمَ أمرِ النَّبي ﷺ وقولي: افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا.
وحكى القاضي أبو الحسنِ الخَرَزي (٣) أن مذهب داودَ أنه لا يَثبت بذلك حكم أمرِه ونهيه الواجبين، حتى تُنقل إلينا ألفاظُه.
стр. 1357
وحُكي عن ابنِ بيان القصار الداودي أنه قال: ليس هذا مذهبَ داود، بل يَجوز الاحتجاجُ به (١).
فصل
يجمع أدلتنا على ما ذهبنا إليه (٢)
فمنها: أنَ أصحابَ رسول الله ﷺ ، ورضوانه عليهم، أعرفُ بألفاظِه ومعاني أقواله، فإذا قالوا: أمرَنا. وهم عارفون بالأمرِ، ونَهانا. وهم عارفون بالنَهي، صارَ ذلك كقولهم: قالَ رسولُ الله: افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا. فاشتراطُنا في حقهم نقلَ ألفاظِه إلينا تَعاطٍ (٣) عليهم؛ لأنَ خبر هذا القول منا: اذكروا لنا لفْظَه، عساه لا يكون أمراً ولا نهياً، وقد وقع لكم أنه أمر ونهيٌ. ولا أسمجَ من ذلك ولا أقبحَ.
والذي يوضّحُ هذا الدليلَ: أنهم لما رَووا عن النبي ﷺ أنه رجمَ ماعزاً لما زنَى (٤)، وقَطَع [يَدَ] سارق رِداءِ صَفوان (٥)، وسَها فَسجد (٦)، كان ذلك منهم كقوله: رجمتُ
стр. 1358
ماعزاً لما زَنى، وقطعتُ يدَ سارقِ رداءِ صفوان، وسجدتُ حين سَهَوت.
ومما يوضِّحُ الدليلَ أيضاً: أنَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ قَبِلَ بعضُهم من بعضٍ مثلَ هذا قبولهم لألفاظ رسول الله ﷺ المسموعةِ منه.
ومن ذلك: أنَ رافعَ بن خَديج روى لابنِ عُمر أن النبي ﷺ نَهى عن المُخابَرةِ (١)، فَعمِل بخبره وترك المخابرةَ هو وجميع من كان يعملُ بها بعد أربعين عاماً تعاملوا بها فيها.
ومن ذلكَ أيضاً: ما رواه أبو الدَرداء أن النبي ﷺ ، نهى عن بَيع كان باعه معاويةُ (٢)، فتركَه. ولم يطلب ابن عُمَر ولا معاويةُ من رافعٍ ولا ابى الدرداءِ لفظَ النبي ﷺ ، ثقةً بمعرفتهما بأمرِ رسولِ الله ونهيه، فنحنُ أحقُ بقبولِ ذلكَ وتركِ تعاطينا على أصحابِ رسول الله ﷺ .
стр. 1359
ومنها: أنَّ الراوي يجبُ تصديقُه فيما يرويه عن رسولِ الله ﷺ ، فإذا لم نعمل بقوله: أمَرنا بكذا، ونهانا عن كذا. كُنّا تاركين لتصديقه فيما رواه، وذلك غيرُ سائغ بالإجماعِ.
ومنها: أنَّ المعنى الذي اشترطَ له المخالفُ نقل ألفاظِ رسول الله ﷺ إنما هو ليتحققَ أنه أمر حقيقة ونهي حقيقة.
وكما أنَّ معاني الألفاظ قد تختلف باختلاف الصيغ، كذلك تختلف باختلاف دلائلِ الاحوالِ والأسبابِ التي وردت عليها، وكان يجب أن نعتبر نقلَ الأحوالِ والأسباب، لا سيما وبعضُ الناسِ يعتقدُ قَصر الجواب على السببِ والحالِ الذي خرجَ الكلامُ عليه ولأجله، فلمَّا لم نعتبر ذلك لم نعتبر نقلها، واكتفينا بقوله: أمَرَنا ونهانا.
فصل
في توجيه أسئلتهم على أدلّتنا
فمنها: أنَ ألفاظَه ﷺ قد تخرجُ مَخْرج النَدْب، وبعضُهم يعتقدُه أمراً، وبعضُهم لا يعتقده أمراً، وتخرجُ مخرجَ التنزيه، فينقُله الناقلُ نَهياً على الإطلاقِ. ومن الناسِ من يعتقدُ أنَّ الإباحةَ والإطلاقَ أمرٌ، ومن الناسِ من يعتقدُ أنَّ الأمرَ بعد الحَظْر أمرٌ، وبعضهم يعتقده إطلاقاً وإباحة، فلا يكون طلبُ الألفاظِ منا تعاطياً عليهم، لكنْ استعلاماً منهم لنبين الأمرَ على ما نعتقده نحن بالدليل، دونَ تقليدهم.
ومنها: أنه قد يأمرُ الشخصَ بالأمرِ لمعنى يخصّه، وينهاه لمعنيّ يخصه، فلا يكونُ نهياً عاماً ولا أمراً عاماً.
فيقالُ: إنَّ هذه المذاهبَ حادثة، ولم يكن هذا الاختلافُ في زمن الصحابةِ، فيُحتاج أن ينقلَ أنها كانت في وقتهم ليصحَّ السؤال.
على أنَّ إطلاقَ الأمر لا يُحملُ إلا على الإيجابِ، ولو كان الاختلافُ موجوداً في
стр. 1360
وقتهم وعصرهم لوجَب (١) أن يُنْبىء على أي وجهٍ أمرهم؛ لما نعلمه من اختلافِ مذاهبِ الناسِ في الصيغة.
فصل
إذا قال الصحابي: أُمرنا بكذا، أو: من السنَةِ كذا، أو: نُهينا عن كذا. فهو راجع إلى النَبي ﷺ وأمرِه ونَهَيه وسُنّتِه (٢).
وإن قال التابعي ذلك، فهو كا لمرسل، فهو حجّة في إحدى الروايتين عن أحمدَ ﵁.
واختلفَ أصحابُ أبي حنيفة في ذلك:
فحكى أبو سُفيان عن أبي بكر الرازي أنه لا يرجعُ ذلك إلى أمْرِ النَبي ونَهيه، ولا سُنته؛ فلا يحتجُ به، وحكى غيره من أصحابهِ أنه يرجعُ إلى النبي ﷺ ، مثل قولنا.
واختلف أصحابُ الشافعي، وذهبَ أكثرُهم إلى مثل ما حكيناه عن صاحبنا، وأنه يُضاف إلى النبي ﷺ ، وذهب أبو بكر الصيرفي (٣) إلى أنه لا يُضاف إلى سُنّة النبي وأمره ونَهيه (٤).
فصل
يجمع أدلّتنا على أنَّه حجّة
فمنها: أنَ الأمرَ والنهيَ والسنةَ، الأصل الذي صدرت عنه إنما هو السفيرُ عن الله تعالى، ومن دونه إنما هو مُبَلغٌ ومُخبرٌ، فإذا أطلقتْ هذه الألفاظُ وجبَ أن
стр. 1361
ترجعَ إليه، وإنما سُنةُ غيره وأمرُ غيره يُعلم بالتقييد والدلالةِ والقَرينةِ، يوضّحُ هذا: ما رُويَ عن أنسٍ أنه قال: إنَ بلالاً أُمر أن يَشْفَعَ الأذان ويُوتر الإقامَة (١).
ولم يقُل أحد (٢) ولا سأل: مَن الآمر له؟ لحملهم ذلك (٣) على الأمر المعهود المعقول، وهو أمر الشارع دون غيره.
وصار ذلك بمثابةِ ما لو قال بعضُ خَدمِ السلطانِ: أمرَ وتَقدَمَ، أو أمَرنا وتقدَم إلينا، أو نَهانا. فإنه لا ينصرفُ ذلك إلا إلى أمر السلطانِ ونَهيهِ وتقدُمه، دون أتباعِه وحواشِيه وخدمِه، كذلك النَبي ﷺ مع أصحابِه يجبُ أن ينصرف الأمرُ إليه دونَهم.
ومنها: أنه لا خلافَ أنه لو قال قائلٌ: أُرخص، أو رُخّص في كذا، لرجعَ ذلك إلى ترخيصِ النَبي ﷺ ، كذلكَ إذا قيل: أُمِرنا، وُنهينا؛ لأن الترخيص والأمرَ والنَهي جميعَ ذلك تشريعٌ.
فصل
في إفراد شُبههم
فمنها: أنَ الأصلَ براءةُ الذمة، فلا تُشغَل بلفظٍ يترددُ بين أمرٍ يوجِب شَغلَها، وبين أمرٍ لا يوجب شَغلَها.
ومنها: أنَ السنةَ، والأمرَ، والنَهيَ قد ينصرفُ إلى غير سنَةِ النبي ﷺ ، فإنَ النبيّ ﷺ قال: "عَليكمْ بسنَتي وسُنّةِ الخلفاءِ الراشدينَ من بعدي" (٤)، وقال: "مَن سَنَّ
стр. 1362
سُنّةً حَسَنة كان له أجرُها وأجرُ من يَعملُ بها إلى يومِ القِيامة" (١). وقد رُوي عن عليًّ كَرَّم اللهُ وجهه أنه قال: جَلَدَ رَسولُ الله في الخمرِ أربعينَ، وجَلَدَ أبو بكرِ أربعين، وجلدَ عُمرُ ثمانين، وكُلٌّ سُنَّة (٢). فسوّى بين فعلِ النبي وفعْلِهم في تسميته سُنّةَ، فإذا ثبت هذا لم نَعلم إلى ماذا أشارَ الصحابيُّ إلى سنةِ رسول الله أو سُنّةِ الخلفاءِ بَعده؟ فلا وَجه لجعْل ذلك حجّةً مع هذا الترددِ والاشتراكِ.
ومنها: أنَ الصحابي قد يَجتهدُ يستنبطُ الحادثةَ، فيؤديه اجتهادهُ إلى حكم، ويُضيفُ ذلكَ إلى رسولِ الله ﷺ ، تقيسُ (٣) على ما سمعَ منه، ويستنبطه مما (٤) أخذ عنه، وإذا احتُمل هذا؛ لم يَجُز أن يُجعل سنة مُسْنَدةً، كما لو قال: هذا حُكمُ الله تعالى. لم يَجُز أن يُضافَ إلى القرآن.
فصل
في أجوبتنا عن شُبههم
إنَ الأصلَ براءةُ الذمةِ يتغير بالشَغلِ بالظاهر ولا نَحتاج فيه إلى أكثر من الظاهر الموجبِ لِغلبةِ الظنّ، كخبرِ الواحدِ؛ غايةُ ما يقتضي الظن وينتقلُ به عن الأصلِ، وهو البراءة إلى الشَغْلِ، والظاهرُ ها هُنا أنَ السنّة إذا اطلقت انصرفت إلى سُنةِ رسول الله ﷺ ، والأمرُ والنهيُ ينصرف إلى أمرِه ونَهْيه من الوجه الذي ذكرنا.
стр. 1363
وأمّا قولهم: إنَ السنةَ لفظٌ يشترك. غير صحيح؛ لأنها في الأصل اسم لما وُضع ليُحتَذى ويُتبع، والاتباعُ في الأصل إنما هو للشارعِ دون أصحابه وأتباعه. وأما ما ورد به الحديث: "عليكم بسُنَتي وسُنةِ الخلفاء"، فتلك سُنة مقيّدة، وكلامُنا في السُنّةِ المطلقةِ، وحكمُ المطلقِ الذي نحنُ فيه يخالفُ حُكم المقيّد، بدليلِ سائرِ الألفاظِ من الأوامر والنواهي.
وأمّا قول علي ﵇: وكُل سُنّة. أرادَ به سنةَ النبي ﷺ ؛ لأن الزيادةَ على الأربعين تعزير (١)، لأمرِ لمحه عمر أوجبَ التعزير وعلي قال: إنه إذا سَكِرَ هَذى، وإذا هَذَى افترى، فحُدوه حَدَ المفتري (٢). وحد المفتري سُنّةُ النبي ﷺ .
وأمَّا قولهم: إنما أضافه إلى رسولِ اللهِ لأنه مستنبطٌ من لفظِه، فالظاهرُ أنَ السنة ما تُلقِّفَ من لفظِ رسول الله دونَ ما استُنبط، ولهذا قال لمعاذ: "بِمَ تَحكُم"؟ قال: بكتابِ الله، قال: "فإنْ لَم تَجِد"؟ قال: بسُنةِ رسولِ الله، قال: "فإنْ لَم تجِدْ"؟ قال: أجتهدُ رأيي (٣). والنَّبي أقرَّه على أنّه إذا لم يَجدْ في سُنتِه اجتهدَ، ولو كان استنباطُه (٤) سنةً، لما كانَ قولُه: "فإن لم تجد" يكون جوابه ما هو سُنّة، لم يبقَ إلا أنَ السنّة ما كان ملفوظاً به من الأحكامِ، والمستنبطُ له اسم يخصُّه.
فصل
ويصح أن يقارِنَ الأمرُ الفعلَ حالَ وجودِه ووقوعه من المكلَّف، وليس من شرطِ صحة الأمر تقدُّمه على الفعل، وإذا تقدّم على الفعل، كان أمراً عندنا على الحقيقة
стр. 1364
أيضاً، وإن كان في طَيِّه إيذانٌ وإعلامٌ على ما بَينّا في أمر المعدوم (١).
وبهذا قال كافّةُ سَلفِ هذه الأمّة وعامةُ الفقهاءِ.
وذهبت المعتزلةُ بأسرها إلى إحالة مُقارنةِ الأمرِ وجودَ الفعلِ، وأنّه لا بُدّ من تقدُّمِه، ثم اختلفوا فيما يتقدم به هل بوقتٍ أو بأوقاتٍ كثيرة، على مذهبين: فبعضهم جوز تقدُمَه بأوقاتٍ كثيرةٍ، وهم الأكثرون، وبعضهم جَوزَ تقدُمَه بوقتٍ واحدٍ فقط، وبعضهم علق تقديمَه بأوقاتٍ على المصلحةِ، وعلق بعضهم جواز تقديمه بأوقاتٍ أن يكونَ في تلك الأوقاتِ كلها تتكامل شُروط التكليفِ، من العملِ والصحّةِ والسلامةِ (٢).
فصل
في جمع أدلتنا على ذلك
فمنها: أنه مقدورٌ عندنا في تلك الحالِ؛ لأنَ الاستطاعة مع الفعل، وكما يصحُّ تناولُ القدرةِ له، فكذلكَ يصحُّ تناولُ الأمرِ له، حتى إنَ بعضَ من قال بقولنا زعمَ أنَ الأمرَ لا يكون حقيقةً إلا إذا قارنَ وجودَ الفعلِ، ومتى تقدم على وجودِه كانَ إيذاناً وإعلاماً، وعندنا يكون بالتقدمِ، إيذاناً وأمراً حقيقةً، فصار المقارنُ أمراً لا شائبةَ فيه، وإذا أردنا كشفَ ذلكَ أخرجناه إلى النطقِ، ومعلوم أنَ الشارعَ في الفعلِ مع شروع الآمرِ في الأمرِ إذا تقدمه الإعلامُ بأنه سيأمره، صحَ ذلك، فليس في وقوعِ الفعلِ المأمورِ به مع الأمر إحالةٌ (٣).
стр. 1365
فصل
في شُبَه المعتزلة
فمنها: أن الفعل غير مقدور في حال وجوده، ومُحال أمر العبد بما ليس في مقدوره.
وهذا أصل نخالفُهم فيه، وقد استوفاه أصحابُنا ومن وافَقهم في أصلِ الدياناتِ، وأنَ الاستطاعةَ مع الفعلِ، وصحة تكليف ما لا يُطاقُ لعدمِ الاستطاعةِ، ونفي صحته مع الإحالة.
ومنها: انه لو كان مَقدوراً حالَ حدوثه، لكانَ مقدوراً حالَ بقائه، لكونه موجوداً في الحالين؛ أعني حالَ وجودِه وبقائِه.
ومنها: أن مقارنَة الأمرِ للفعلِ في حالِ وقوعهِ تُحيلُ معناه وتُبطلُه؛ لأن فائدته (١) كونُه دلالةً على المأمورِ به، وتمييزه له ليقصِدَ بفعلِه التقربَ، وأن يكون حثاً وترغيباً في الفعل، ومحالٌ ترغيبُ المأمورِ وحثُّه على واقعٍ موجود، وإنما يُرغَبُ فيه قبل إيقاعه ليوقِعَهُ على وجه ما أُمِرَ به، وكذلك مُحالٌ أن يُستدلّ بالأمر على واقعٍ موجودٍ، وإنما يكون دلالةً على أمرٍ يُميزه من غيره من مقدوراتِه ليقصدَ به دون غيرِه، وذلكَ غير مُتأتٍ في الواقعِ الموجودِ.
ومنها أن قالوا: أيُّ فائدةٍ في تعلُّقِ الأمرِ به حالَ وقوعِه؟ وزعموا أنه لا فائدةَ فيه، والأمرُ إذا خلا من فائدةٍ كان لَغواً.
стр. 1366
فصل
في الأجوبة عن شُبَههم
أما الأولُ؛ فلا نُسلمُه؛ لأنَ حالَ وجوده عندنا حالى مقدورة وأما إلزامنا حال بقائه على حالِ حدوثه؛ فباطلٌ؛ لأنَّه حال حدوثه مفعول ومتعلق بفاعلٍ، وحالَ بقائه غيرُ مفعولٍ ولا متعلِّق بفاعلٍ، وكما يصحُ عندنا وعندَهم تعلقُ الإرادةِ بالفاعل في حالِ حدوثه وإن كانَ موجوداً فيها، ولم يصح تعلقُها به حالَ بقائِه، فبطلَ أن يكونَ حالُ الحدوثِ كحالِ البقاء.
وأمَّا دعواهم أن مقارنَته تُحيلُ معناه من حيثُ إنه دلالةٌ، وبكونه موجوداً استغنى عن دلالةٍ.
فيقالُ لهم: إنَ الأمر أمران، وللأمرِ الواحدِ حالتان، يكونُ في إحداهما دلالةً على الفعلِ، وترغيباً فيه، وحثاً عليه، وهي حالةُ تَقدُّمِه على المأمورِ به، وحالةٌ يخرجُ عن ذلك، وهي حالةُ مُقارَنتهِ (١) للمأمور به. وأما إذا كان أمرين، فالمتقدِّمُ منهما دلالةٌ وترغيب، والمقارِنُ للفعلِ خارجٌ عن ذلك، وقد يخرجُ الشيءُ عن كونه دليلاً لتغير حالِ المدلولِ، كما أنَّ الخبرَ بما سيكون خَبرٌ (٢) بمستقبل حالِه، وإذا كان؛ خرجَ عن كونه دليلاً على أنه سيكون.
وأما طلبُهم الفائدةَ في مقارنَته حالَ (٣) وقوعِه.
فيقالُ: فائدتُه أنها حال يكون فيها مفعولاً ومقدوراً، ويصح فعله، ويصح تركُه على البدلِ من وقوعهِ، وليصيرَ لمصادفته له حَسَناً طاعة حال وقوعِه وقُربةً؛ لأنه لو
стр. 1367
وقع في حالة غير مصادفٍ للأمر لصارَ بمثابةِ وقوعِه مع النسخِ للأمرِ به في خروجهِ عن كونه حَسَناً طاعةً؛ ولأنه إذا كان الأمرُ هو المُؤثِّر في كونه قُربةً حَسَناً، وجبت مفارقته له، كما يجبُ ذلك في الإرادة المؤثِّرة في كونه كذلك؛ لأنَّ ما وُجِدَ قبل الشيء لا يؤثرُ في حكمٍ له في حالِ وجوده، فصحّ ما ذكرناه، واللهُ أعلم.
стр. 1368
فصول المناهي
فصل
النهيُ: صيغة ، ولا تَقل: للنهي صيغةٌ، كما ذكَر شيخنا (١) وغيرُه ممّن قالَ: للأمرِ صيغةٌ، وقد استوفيتُ ذلكَ في بابِ الأوامرِ، لأنَّ المعتزلةَ والأشاعرةَ قالوا ذلك.
لأنَّ المعتزلةَ تقول: الأمرُ والنهيُّ: الإرادةُ والكراهةُ، فالصيغةُ لهما لا هما.
والأشاعرةُ تقول: الأمرُ والنهيُ معنى واحدٌ قائم في النفس، والصيغةُ لذلك المعنى، وحكايةٌ له ودلالةٌ عليه.
فأمَّا أصحابُنا، فإنني تأملتُ المذهبَ، فإذا به يحكمُ بأنَّ الصيغتين أمرٌ ونَهي، فهذا تحقيقٌ يجبُ أن نعلَمه قبل الشروعِ في المسألة.
والصيغةُ: قولُ الأعلى لمن دونه: لا تَفعلْ. وقالَ شيخُنا (١) ﵁: والصيغةُ دالّةٌ بنفسها عليه. يَعني على النهي، وهذا أيضاً اتّباعٌ لقولِ المتكلمين، وإلا فليس لنا نهيٌ عن الصيغة تدل الصيغةُ عليه، بل المنهي قول وصيغةٌ، والشيءُ لايدلُّ على نَفسه.
وقالت المعتزلة: ليست الصيغةُ نَهياً، ولا لأجل الصيغة، وإنما يكونُ نهياً بكراهةِ الناهي، كما قالوا: يكون أمراً بإرادةِ الآمر.
وقالت الأشاعرةُ: لا صيغة للنهي بل هو معنىً في النفس (٢).
стр. 1369
فصل
في جمعِ دلائلِنا على ذلك
فمنها: أنَ البناءَ على أصلِنا، وأنَ الكلامَ هو الحروفُ والأصواتُ الموضوعةُ للتفاهم لما يَسْنَحُ من الأعراضِ والدَواعي الحاصلةِ في النفس، ولهذا قسَّمه أربابُ اللسانِ أقساماً؛ فقالوا: هو أمر ونهيٌ، فالأمرُ: افعلْ، والنهيُ: لا تفعلْ، وهو من الأسماءِ المتعدية، قالوا: كلّمتُ فلاناً، وكلّمني زيدٌ، وناديتُ عمْراً، وأمرتُ خالداً، ووعدتُ بَكراً، وتواعدتُ خالداً. وما في النفس لا يتعدّى، وكذلك الكراهةُ في النفسِ، وهي متعلقةٌ بالفعلِ المكروهِ تعلقَ البعض للمبعوضِ، والنهيُ يتعلق على المنهي تعلُّقَ استدعاءِ التركِ منه للمعنى المكروه أو المنهيِ عنه.
ورأيُنا: أنَ الآفةَ المانعةَ من الكلامِ المفسدةَ له هي الخَرَسُ، وما تعلقت إلا بفسادِ آلات النطقِ، كما لا يُسمّى العمى إلا لفسادِ أداةِ (١) النظر، والطرَش لفسادِ أداةِ (١) السمعِ، فلما قيل في الذي فَسدت أدواتُ نطقه: أخْرَس. دلنا ذلك على أنَّ المتكلمَ هو من صحَت منه الصيغةَ المخصوصةُ، فالكلامُ إذاً هو: الحروفُ والأصواتُ، والنهيُ شيءٌ منه، فكان هو الصيغةَ المخصوصةَ دون المعنى في النَفس والإرادة.
ومنها: أنّا رأينا أهلَ اللغةِ يُسمون الناطقَ بهذه الصيغِ: متكلماً، والكاف لأدواتِ النطق ساكتاً، فالسكوتُ والخرسُ المضادان للكلام، قاما بمُخْتَل (٢) الحروف والأصواتِ، فدل ذلك على أنه هو الكلام.
ومنها: أنهم استحسنوا تأديبَ العبدِ المخالفِ قولَ سيّده له: لا تفعل. وسمّوه بذلك: عاصياً ومخالفاً، فمدعي أنَ ذلك كان لمعنىً وراءَ الصيغةِ، يحتاج إلى دليلِ، والموضوعُ للكف والزجرِ عن الفعلِ هو هذه الصيغة من الأعلى للأدنى: لا تَفعل.
стр. 1370
فإحالةُ النهي على غيرها تَوهُّم، وصرفُ استحسانِ تأديبِ العبْد إلى ما وراءها دعوى لا برهانَ عليها.
فصل
فيما تعلقوا به من الشُبَه
فمنها: قولُ المعتزلة: لا فرقَ بين قولِ القائل: لا تَفعلْ كذا. وبين قوله: أكره منكَ أو لكَ أن تفعل كذا.
ومنها: قولُ الأشاعرةِ والمعتزلةِ: إن هذه الصيغةَ مشتركةٌ؛ لأنها قد تردُ للنزاهةِ، والحظرِ، والكف، وللتهديد، وللتخفيف، وإسقاطِ التكليفِ، فلا تُحمل على بعض موضوعاتها إلا بدلالةٍ، وصار كسائِر الألفاظِ المشتركة من اللون، والجَون (١)، والعَين (٢)، والقُرْء (٣).
فصل
في الأجوبةِ عمَّا تعلقوا به
منها: أنَا لا نُسلّم أنها مشتركةٌ، بل هي موضوعةٌ في أصلِ وضعِها لاستدعاء التركِ والكفّ عن الفعلِ المنهيِّ عنه، وقولُ القائلِ: أكرهُ منكَ ذلكَ. خبر، جوابه: صدقتَ، أو كذبتَ، وجوابُ الأمر عصيتَ، أو أطعتَ، وليس بمشتركٍ بين ما ذكرت، وإنما يُصرفُ إلى غيره بدلالةِ حالٍ أو قرينةٍ كالبحر والشجاعِ، والأسدِ، والحمارِ أسماءٌ موضوعةٌ لحقائقَ مخصوصةٍ، ولا تُصرفُ إلى غيرها من الأشياءِ المستعارَةِ إلا بدلالةٍ، كالعَالِم والسَخِيَّ يُسمَّى بحراً بدلالةٍ، والرجلُ البليدُ لا يُسمى حماراً إلا