فصل
في الأجوبة عن شُبَههم
أما الأولُ؛ فلا نُسلمُه؛ لأنَ حالَ وجوده عندنا حالى مقدورة وأما إلزامنا حال بقائه على حالِ حدوثه؛ فباطلٌ؛ لأنَّه حال حدوثه مفعول ومتعلق بفاعلٍ، وحالَ بقائه غيرُ مفعولٍ ولا متعلِّق بفاعلٍ، وكما يصحُ عندنا وعندَهم تعلقُ الإرادةِ بالفاعل في حالِ حدوثه وإن كانَ موجوداً فيها، ولم يصح تعلقُها به حالَ بقائِه، فبطلَ أن يكونَ حالُ الحدوثِ كحالِ البقاء.
وأمَّا دعواهم أن مقارنَته تُحيلُ معناه من حيثُ إنه دلالةٌ، وبكونه موجوداً استغنى عن دلالةٍ.
فيقالُ لهم: إنَ الأمر أمران، وللأمرِ الواحدِ حالتان، يكونُ في إحداهما دلالةً على الفعلِ، وترغيباً فيه، وحثاً عليه، وهي حالةُ تَقدُّمِه على المأمورِ به، وحالةٌ يخرجُ عن ذلك، وهي حالةُ مُقارَنتهِ (١) للمأمور به. وأما إذا كان أمرين، فالمتقدِّمُ منهما دلالةٌ وترغيب، والمقارِنُ للفعلِ خارجٌ عن ذلك، وقد يخرجُ الشيءُ عن كونه دليلاً لتغير حالِ المدلولِ، كما أنَّ الخبرَ بما سيكون خَبرٌ (٢) بمستقبل حالِه، وإذا كان؛ خرجَ عن كونه دليلاً على أنه سيكون.
وأما طلبُهم الفائدةَ في مقارنَته حالَ (٣) وقوعِه.
فيقالُ: فائدتُه أنها حال يكون فيها مفعولاً ومقدوراً، ويصح فعله، ويصح تركُه على البدلِ من وقوعهِ، وليصيرَ لمصادفته له حَسَناً طاعة حال وقوعِه وقُربةً؛ لأنه لو
стр. 1367
وقع في حالة غير مصادفٍ للأمر لصارَ بمثابةِ وقوعِه مع النسخِ للأمرِ به في خروجهِ عن كونه حَسَناً طاعةً؛ ولأنه إذا كان الأمرُ هو المُؤثِّر في كونه قُربةً حَسَناً، وجبت مفارقته له، كما يجبُ ذلك في الإرادة المؤثِّرة في كونه كذلك؛ لأنَّ ما وُجِدَ قبل الشيء لا يؤثرُ في حكمٍ له في حالِ وجوده، فصحّ ما ذكرناه، واللهُ أعلم.
стр. 1368
فصول المناهي
فصل
النهيُ: صيغة ، ولا تَقل: للنهي صيغةٌ، كما ذكَر شيخنا (١) وغيرُه ممّن قالَ: للأمرِ صيغةٌ، وقد استوفيتُ ذلكَ في بابِ الأوامرِ، لأنَّ المعتزلةَ والأشاعرةَ قالوا ذلك.
لأنَّ المعتزلةَ تقول: الأمرُ والنهيُّ: الإرادةُ والكراهةُ، فالصيغةُ لهما لا هما.
والأشاعرةُ تقول: الأمرُ والنهيُ معنى واحدٌ قائم في النفس، والصيغةُ لذلك المعنى، وحكايةٌ له ودلالةٌ عليه.
فأمَّا أصحابُنا، فإنني تأملتُ المذهبَ، فإذا به يحكمُ بأنَّ الصيغتين أمرٌ ونَهي، فهذا تحقيقٌ يجبُ أن نعلَمه قبل الشروعِ في المسألة.
والصيغةُ: قولُ الأعلى لمن دونه: لا تَفعلْ. وقالَ شيخُنا (١) ﵁: والصيغةُ دالّةٌ بنفسها عليه. يَعني على النهي، وهذا أيضاً اتّباعٌ لقولِ المتكلمين، وإلا فليس لنا نهيٌ عن الصيغة تدل الصيغةُ عليه، بل المنهي قول وصيغةٌ، والشيءُ لايدلُّ على نَفسه.
وقالت المعتزلة: ليست الصيغةُ نَهياً، ولا لأجل الصيغة، وإنما يكونُ نهياً بكراهةِ الناهي، كما قالوا: يكون أمراً بإرادةِ الآمر.
وقالت الأشاعرةُ: لا صيغة للنهي بل هو معنىً في النفس (٢).
стр. 1369
فصل
في جمعِ دلائلِنا على ذلك
فمنها: أنَ البناءَ على أصلِنا، وأنَ الكلامَ هو الحروفُ والأصواتُ الموضوعةُ للتفاهم لما يَسْنَحُ من الأعراضِ والدَواعي الحاصلةِ في النفس، ولهذا قسَّمه أربابُ اللسانِ أقساماً؛ فقالوا: هو أمر ونهيٌ، فالأمرُ: افعلْ، والنهيُ: لا تفعلْ، وهو من الأسماءِ المتعدية، قالوا: كلّمتُ فلاناً، وكلّمني زيدٌ، وناديتُ عمْراً، وأمرتُ خالداً، ووعدتُ بَكراً، وتواعدتُ خالداً. وما في النفس لا يتعدّى، وكذلك الكراهةُ في النفسِ، وهي متعلقةٌ بالفعلِ المكروهِ تعلقَ البعض للمبعوضِ، والنهيُ يتعلق على المنهي تعلُّقَ استدعاءِ التركِ منه للمعنى المكروه أو المنهيِ عنه.
ورأيُنا: أنَ الآفةَ المانعةَ من الكلامِ المفسدةَ له هي الخَرَسُ، وما تعلقت إلا بفسادِ آلات النطقِ، كما لا يُسمّى العمى إلا لفسادِ أداةِ (١) النظر، والطرَش لفسادِ أداةِ (١) السمعِ، فلما قيل في الذي فَسدت أدواتُ نطقه: أخْرَس. دلنا ذلك على أنَّ المتكلمَ هو من صحَت منه الصيغةَ المخصوصةُ، فالكلامُ إذاً هو: الحروفُ والأصواتُ، والنهيُ شيءٌ منه، فكان هو الصيغةَ المخصوصةَ دون المعنى في النَفس والإرادة.
ومنها: أنّا رأينا أهلَ اللغةِ يُسمون الناطقَ بهذه الصيغِ: متكلماً، والكاف لأدواتِ النطق ساكتاً، فالسكوتُ والخرسُ المضادان للكلام، قاما بمُخْتَل (٢) الحروف والأصواتِ، فدل ذلك على أنه هو الكلام.
ومنها: أنهم استحسنوا تأديبَ العبدِ المخالفِ قولَ سيّده له: لا تفعل. وسمّوه بذلك: عاصياً ومخالفاً، فمدعي أنَ ذلك كان لمعنىً وراءَ الصيغةِ، يحتاج إلى دليلِ، والموضوعُ للكف والزجرِ عن الفعلِ هو هذه الصيغة من الأعلى للأدنى: لا تَفعل.
стр. 1370
فإحالةُ النهي على غيرها تَوهُّم، وصرفُ استحسانِ تأديبِ العبْد إلى ما وراءها دعوى لا برهانَ عليها.
فصل
فيما تعلقوا به من الشُبَه
فمنها: قولُ المعتزلة: لا فرقَ بين قولِ القائل: لا تَفعلْ كذا. وبين قوله: أكره منكَ أو لكَ أن تفعل كذا.
ومنها: قولُ الأشاعرةِ والمعتزلةِ: إن هذه الصيغةَ مشتركةٌ؛ لأنها قد تردُ للنزاهةِ، والحظرِ، والكف، وللتهديد، وللتخفيف، وإسقاطِ التكليفِ، فلا تُحمل على بعض موضوعاتها إلا بدلالةٍ، وصار كسائِر الألفاظِ المشتركة من اللون، والجَون (١)، والعَين (٢)، والقُرْء (٣).
فصل
في الأجوبةِ عمَّا تعلقوا به
منها: أنَا لا نُسلّم أنها مشتركةٌ، بل هي موضوعةٌ في أصلِ وضعِها لاستدعاء التركِ والكفّ عن الفعلِ المنهيِّ عنه، وقولُ القائلِ: أكرهُ منكَ ذلكَ. خبر، جوابه: صدقتَ، أو كذبتَ، وجوابُ الأمر عصيتَ، أو أطعتَ، وليس بمشتركٍ بين ما ذكرت، وإنما يُصرفُ إلى غيره بدلالةِ حالٍ أو قرينةٍ كالبحر والشجاعِ، والأسدِ، والحمارِ أسماءٌ موضوعةٌ لحقائقَ مخصوصةٍ، ولا تُصرفُ إلى غيرها من الأشياءِ المستعارَةِ إلا بدلالةٍ، كالعَالِم والسَخِيَّ يُسمَّى بحراً بدلالةٍ، والرجلُ البليدُ لا يُسمى حماراً إلا
стр. 1371
بدلالةٍ، والرجلُ المقدِمُ على الحرب بثباتِ قلبٍ يُسمَّى أسداً، كذلكَ صرفُ هذه عن الكف إلى غيره بدلالةٍ. وفارقَ الأسماءَ المشتركةَ، فإنها لم توضع لواحدٍ منها، ولهذا لا يحسُن لومُ العبْدِ وتوبيخُه عند التوقف عن قولِ السيد: أصبغ ثوباً لوناً. إلى أن يُبيّنَ له أيِّ الألوان يصبُغه، ويحسُن لومُ العبد إذا لم يبادر إلى الكف عما نهاه عنه.
ولأنَّ قولَه: أكره، يصلحُ أن يكونَ علةً للنهي، فيقول: لا تَفعل؛ لأني أكره ذلك.
وعلّةُ النهي غَير النهي، ألا ترى أنه يحسُنُ أن يقول: فإني أسْتَضِرُّ بفعلك فلا تفعله، أو يتأذى به فُلان؛ فلأنَ هذه كُلها عللُ النهي لا عينُ النهي.
فصل
مطلق صيغة النهي يقتضي التحريم ، وبه قال أصحابُ الشافعي (١).
قالت الأشعريةُ: لا يقتضي التحريمَ، بل نقف حتى ترد دلالة تدل على ذلك.
فصل
في دلالة مذهبنا
قولُ النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استَطَعتُم، وإذا نَهيتكم فانتهوا" (٢)، وروى ابن عمر قال: كُنّا نُخابِر أربعينَ عاماً لا نرى به بأساً -ورُوي: لا نرى بذلك بأساً- حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبيَّ ﷺ نهى عن ذلكَ، فتركناها (٣). والظاهرُ
стр. 1372
أنْ لا قرينةَ ولا دلالةَ؛ لأن الأصلَ النفيُ إلى أن يقومَ دليلُ الإثبات على قرينةٍ كانت أو دلالة.
ومنها: أنَّ الوقوفَ توقّع، والصيغةَ اقتضاءٌ وطلبٌ بالكفّ، والأعلى إذا اقتضى الأدنى بالكفّ، اقتضى استدعاؤه طاعتَه لا محالة، واشتراط الرتبة عندهم لإيجابِ الطاعةِ، إذ لا معنى لاشتراطها (١) إلا ليكون استدعاءً مطاعاً.
ومنها: ما أجمعَ عليه أهلُ اللغةِ: أن السيّد إذا نَهى عبدَه عن فعلٍ فارتكبه، حَسُن تأديبُه وعقوبتُه، ولولا وجوبُ التركِ وتحريمُ المخالفةِ للنهي ما حسنُت عقوبتُه، ألا ترى أن السَّؤالَ والرغبةَ لماّ لم يوجبا على المسؤولِ الإجابةَ، لم يحسُن ذمُّه على منعِ الإجابة.
فصل
في ذكر شُبهتهم
قالوا: هذه الصيغةُ مُترددة محتملة الكراهةَ والتنزيهَ، وتحتملُ الحَظرَ والتحريمَ، فلا تُرجحُ إلى أحدِ محتمليها إلا بدلالةٍ، فوجب التوقفُ إلى حينِ قيامِ دلالةِ الترجيحِ، كالألوان المشتركة، مثل: لون، وجَون، وشَفَق (٢)، فيقال: بل هي موضوعة للتركِ الجزمِ الواجبِ، ولهذا اعتبر لها في كونها نهياً أن تصدر عن المطاعِ، وليس ذلك بإجماعنا قرينة، لكنّه شريطةٌ، وإنما يحطّ عن رتبةِ التحريمِ إلى التنزيه بدلالة، فهي كألفاظِ الحقائق، كبَحر وشُجاع، وحمار لا يخرج عن الماءِ الكثيرِ الواقف، والحيَّة، والنَهاق إلى العالِمِ، والسَّخيَّ، والبليدِ، والمِقْدامِ إلا بدلالة، وفارق الأسماءَ المشتركة؛ لأنها ليست في أحد المعاني أظهر ولهذا لا يحسُن ضربُ العبد ولومُه على توقفِه
стр. 1373
لاستعلامِه أيُ لونٍ وجَوِن وشَفق؟ ويحسُن تأديبه على التخلفِ عن التركِ، مع استدعائه من الأعلى للأدنى.
فصل
والنهيُ يقتضى النَهي والمبادرةَ إلى التركِ لِما نُهي عنه، والكف عنه عقيب، وجودِ الصيغة وعلمِ المنهي بها، كما ذكرنا في الأمر ويقتضي الاستدامةَ ما لم تقمْ دلالةٌ.
قال أبو بكر الأشعري (١): لا يقتضي بمطلقهِ فوراً ولا تكراراً، كما قال في الأمر (٢).
فصل
يجمع أدلّتنا
وفيما قدّمنا من الدلائلِ في الأمرِ كفايةٌ، لكن نَخُصُّ النَّهيَ بما يليقُ به:
فمنها: أن الكف المستدعى إذا تراخى عن صيغة النهي تراخياً يخرُج عن المبادرةِ بالتركِ، كان المتعقبُ للنهي استدامةَ الفعل المستدعى تركه، ومن قيل له: لا تفعلْ، فاستدام ما نُهي عنه مع إمكانِ الخروجِ منه، والكف عنه سُمَّي: عاصياً، كما أنه إذا بادر بالتركِ سُمّي: طائعاً.
ومنها: أنَ الوقتَ الذي يلي النَّهي قد اتفق فيه اجتماعُ الطاعةِ والمصلحةِ، ومتابعةُ أمرِ الآمر، ولو أراد التأخيرَ للترك، لأخّر الاستدعاء، فلا وَجْه للتراخي مع تكاملِ شروط التكليف.
ومنها: أنَ استدعاءَ التركِ يجب أن لا يُهْمَل، بل يجبُ أن يقابلَ باعتقاد وجوبِ
стр. 1374
التركِ والعزم عليه، فلا يقتضى تأخيرَ المقصودِ بالعزمِ والاعتقادِ، والذي يوضحُ هذا أنه يحسُن من المستدعي للتركِ أن يقتضي بالتعجيلِ، ويلومَ على التأخيرِ مع إزاحةِ العللِ، واجتماعِ شروطِ التكليف فيما كلفه من الكف، ويُعاقِبَ على التخلفِ عنه ما لم تَقم دلالةُ التخييرِ بين التقديمِ والتأخير.
ومنها: أنَ الصيغة استدعاء للترك، وليس معها قرينة تدُلّ على التوسعةِ والفُسْحَة في التراخي، فهي بكونها استدعاء جازمة على المكلف بتركِ ما نهى عنه، ودوامه.
ومنها: أنَ النهي، كمنعِ الحالف نفسَه باليمين، ولو حلفَ أن لا يفعلَ، لم يختلف العلماءُ أنّه متى لم يتعقب الكَف والامتناعُ يمينَه حَنِثَ وكان مخالفاً بفعله قولَه، واليمينُ على الترك منع لنفسه بالقَسم، فإذا كان منعُه لنفسه يُوجبُ الفورَ والتكرارَ، ومن خالف حَنِثَ، فأمرُ الله سبحانه له بالكفِّ أولى أن يقتضى البِدارَ والفور.
ومنها: أنَّ النَهيَ مما لا يثبتُ في الذمّة ويكون نَسيئةً (١)، فلا وجه للتأخير؛ إذ لا يكون تاركاً مع عدم التزامِ التركِ وقطع استدامته، وإلا فلا يُسمى تاركاً ولا مُطيعاً، ولا يمتنعُ أن لا يكونَ المنعُ من الجميع، لكن يكونُ الأصلُ تركَ أحدهما، ومتى تركَ أحدَهما لم يكن فعلُ الآخر مفسدة، كالجمعِ بين الأختين، يقالُ له: إما أن تتزوج هذه أو هذه. والفسادُ بالجمع، وتَزوجُ إحداهما (٢) وتركُ الأخرى ليس بمفسدةٍ.
فصل
في شُبههم
قالوا: ليس لزمانِ الترك في الصيغة ذكر ولا للتكرارِ والدوامِ ذكر وإنما نتلقى الأحكامَ الشرعية من الصِّيغ، وإذا لم يكن في الصيغِ ذلك أوقفنا القولَ بوجوبِ الفورِ
стр. 1375
والدوامِ على دلالةٍ زائدةٍ على الصيغةِ.
فيقالُ: قد بينا أنَ الاستدعاءَ للتركِ يقتضى الاستجابةَ دونَ الإهمال، كما استدعت الاعتقادَ والعزمَ، وكما أنه إذا ترك تَلَقيها بعزمٍ واعتقاد، كان مهمِلاً، كذلك إذا تلقّاها بدوامِ الفعلِ الذي أُمِرَ بالكف عنه، حَسُنَ (١) أن يُخْلَعَ عليه اسم عاصٍ، حَسَبَ ما يُسمّى بالبدارِ طائعاً، ويكون تاركاً للاستجابة مع إزاحةِ العلة من غير إذنٍ في التركِ، ولا توسعةٍ في اللفظ، وإطلاقُ الاستدعاءِ للعبدِ المُزاحِ العلّةِ تقتضي الجزمَ في الأمرِ، والمهلةُ لا تَجيءُ إلا بنوعِ توسعةٍ تقترنُ باللفظ، أو دلالةٍ تَتبعُ أو تشفعُ اللفظَ، ولهذا لم يُخيَّر الحالفُ على تركِ الشيء بين تَعجيلِ تركهِ أو تأخيرِه، ولا بين استدامتِه أو قطعِه وتركِه.
فصل
إذا نهى عن شيئينِ أو أشياءَ بلفظِ التخييرِ، مثل قوله: لا يكلِّمْ زيداً أو عمْراَ، ولا تأكلْ رُطباَ أو تَمراً، لا تعاشرْ فاسِقاً أو خليعاً. فَظاهرُ كلام صاحبنا ﵁ أنه على التَخيير، وهو قولُ أصحابِ الشافعي.
وفائدتُه عندنا: أنه يجب ترك أحدِهما لا بعينه، ويجوزُ فعلُ أحدِهما، ولا يجوزُ الجمعُ بين فعلهما.
وقالت المعتزلةُ: يقتضى المنعَ منهما ومن كُل واحدٍ منهما إذا أمكن الجمعُ، (٢ مثل اعتباره ذكرنا ٢)، فأمَّا إن كانا ضدَّين، كحركةٍ وسكونٍ، وصومٍ وإفطارٍ، فلا، إذ لا اجتماعَ لهما، وفي إحالتهما ما يمنع دخولَ النهي عنهما على المكلف حسب قولهم في المخيرات في باب الأمر أن جميعَها مأمورٌ بها وواجبة، وهو اختيارُ أبي عبد الله الجُرجاني من أصحابِ أبي حنيفة، غير أنّهم أوجبوا هناكَ تركَ الجميع، ولم
стр. 1376
يوجبوا هناك فعلَ الجميع (١).
ولا يمتنع أن لا يكون المنعُ من الجميع، لكن يكون الأصلح ترك أحدهما، ومتى تُرِكَ أحدُهما لم يكن فعلُ الآخر مَفسدةً، كالجمع بين الأُختين، يقال له: إما أن تتزوجَ هذه أو هذه. والفسادُ بالجمعِ والتزويج لإحداهما وترك الأخرى ليس بمفسدة.
فصل
في أدلّتنا
فمنها: أنَ حرفَ (أو) يدخلُ في الخبر فَيعطي الشك، مثل قول القائل: رأيتُ زيداً أو عَمْراً. ويدخل في الأمرِ فيعطي التخيير، مثل قوله: أكرِم خالداً أو بَكراً.
والنهيُ والأمرُ في المعنى سواءٌ، من حيث إنَ كُل واحدٍ منهما طلبٌ واستدعاء، إلا أن الأمرَ طلبُ الفعلِ، والنهيَ طلبُ الترك، فالمستدعَى يختلف، فإذا لم يقتضِ الأمرُ بحرفِ التَخيير الجمعَ بين فعلِ الأمرين، كذلكَ النهيُ بلفظِ التخييرِ لا يقتضي الجمعَ بين ترك المخيرين جميعاً.
ومنها: أنَّ قوله: لا تَصَّدَّق من مالي بدرهمٍ أو دينارٍ، ولا تركبْ من ظهري فَرساً أو حماراً. يحسُن تفسيرُه بالنهي عن التَّصدّق بهما وبكلِّ واحدٍ منهما، ويحسُن أن نفسرَه بالنهي عن التصدُّق بواحدٍ منهما لا بعينه، ويصحُّ بأن نقول: تصدق بأيهما شئتَ، واترك الصدقةَ بأيهما شئت، واركب أيَّهما شئت، واترك ركوبَ أيهما شئت.
وإذا كانا محتَملين، فالأخذُ بالأقل والأدنى بيقين لا يرتقى إلى الأكثرِ والأعلى إلا بدلالةٍ.
стр. 1377
فصل
في شُبَههم
فمنها: أن حَرْف (أو) إذا وردَ في النَّهي لم يقْتضِ التخيير بل الجمعَ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وجبَ [عَدمُ] (١) طاعةِ الآثمِ والكفورِ معاً، ولم يكن معناه: لا تُطع آثماَ وَحده إن شئت، أو كفوراً وحده إن شئت.
ومنها: أن قالوا: ما كان مَنهياً عنه مع غيره، كان منهياً عنه مع إفراده، كسائرِ المحظورات.
ومنها: أنه لا ينهى عن شَيئين على سبيلِ التخيير إلا وهما في معلومهِ متساويان في القُبح، ولا يجوز بالحكيم أن يُخير بين قَبيحين، كما لا يجوزُ أن يُخير بين حَسَنٍ وقبيح، ويَتَخرَّج من هذه الطريقة أنهما إذا تساويا في القُبح، وكان واجب الترك لقبحه، ساواه الآخرُ في وجوبِ التركِ لقُبحه، وكذلك إذا كانَ تركُ أحدهما مصلحةً، وفعلُه مفسدة، وجب أن يكونَ الآخرُ مثله في كونِ تركه مصلحةَ وفعلهِ مفسدةَ، وفارقَ المخيرين في الأمر لأنَ غايةَ ما يوجبُ التخيير تَساويهما في الحُسْنِ، وليس يجب فعلُ كلَّ حَسَن، وكذلك وجبَ فعلُ أحدهما دونَ أن يجب فعلهُما.
ومنها: أنَ الله سبحانه وضعَ الأوامر على ضربين؛ أحدُهما: إذا فعله البعض نابَ عن الكل، وهي فريضةُ الكفايات، ولم يَضع نهياَ عن شيءٍ يجعل بتركِ واحدٍ مع إصرارِ الباقين مُسْقِطاً (٢) لمأثمِ الارتكابِ لذلك النهي في حق الباقين، وما ذاكَ إلا لأنَ التساوي لا القبحِ يوجب هجرانَ الكُل، والتساوي في الحُسْن لا يوجب فعلَ الكُلّ.
стр. 1378
ومنها أن قالوا: في المنعِ منهما احتياطٌ حتى لا يُواقَع المحظور والاشتباهُ أبداً يوجبُ الاحتياطَ بالفعل الزائد، والتركِ الزائد، لئلا يواقَع الحظر وذلك بمثابة اشتباهِ أُخته أو بنته بالأجانب، أو المسلوخةِ الميتة بالذكِيّة (١)، أو اشتبهت الصلاةُ المنسيَّةُ بغيرها، فإنَ ذلك يوجبُ تركَ الجميع، وفعلَ الجميع للاحتياطِ، كذلك ها هنا.
ومنها قولهم: وجدنا أهلَ اللغة يريدون بذلك النَهيَ عنهما، فإذا قالوا: لا تُطع زيداً أو عمراً. فا لمراد به: لا تُطعهما.
فصل
يجمع الأجوبةَ لنا عن شُبههم
فأما الآيةُ، فلا حجّةَ فيها؛ لأنَ الدلالةَ قامت على أنَ طاعةَ الآثمِ والكفورِ جميعاً محظوران محرَّمان، فإن طاعةَ الآثمِ إذا اطلقت إنما ظاهرُها في إثمه، والكفورِ في كفرِه، كقولِ القائل: لا تطع الظالم. والمرادُ به: في ظلمِه، إذ قد انعقد الإجماعُ على وجوبِ طاعةِ الآثم والكفورِ إذا أمر بالبرّ والإيمانِ لا الإثمِ والكُفْر فإن الفاسقَ يجوزُ أن يأمرَ بالمعروفِ وينهى عن المنكر وتجب طاعتُه.
وكلامُنا في التخيير بين منهيين، لم تقم الدلالةُ على النهيِ عنهما جميعاً لعلةٍ توجب الجمعَ بينهما، فخرجت الآيةُ عما نحنُ فيه مختلفون.
وأمَّا قولُهم: ما كان منهيّاً عنه مع غيرِه، ووجَب تركُه مع ذلك الغيرِ وجب تَركُه بانفراده. فباطل؛ لأنه يجوزُ أن يخُصَّ اللهُ سبحانه الحظر بالجمعِ دون التفرقةِ، ولهذا حرمَ الجمعَ بين الأختين، وبين المرأةِ وخالتها، ولا يحرمُ الإفرادُ لأحداهُما بالعقد، وكذلك الجمعُ بين الدفعة الرابعةِ وما قبلها في الوضوءِ إساءة وظُلم على ما جاء في الحديث (٢)،
стр. 1379
ولو فرق ذلك بتجديد مستأنَف أتى به بعدَ الوضوءِ الأول كان رابعةَ في المعنى، لكن لما لم يَجمع جاز؛ ولأنه إذا جمع بينهما أبطل حُكمَ التخيير وإذا أفردَ أحدَهما بالفعلِ، والآخرَ بالترك، كان عاملاً بالتخيير.
وأمَّا تعلُّقهم (١) بتساويهما في القُبح، وكُلُّ قبيحٍ يجبُ تركُه، وتعلقُهم (١) بالمصلحةِ والمفسدةِ فغيرُ صحيح؛ لأنه قد قدَّمنا أنه لا قبيحَ إلا ما قبحه الشرعُ، ولا حَسَنَ إلا ما حسنه الشرعُ، وإذا خَيَّر الباري بين تركِ أحدِهما أو الآخرِ على البدلِ علمنا أنه إنما خَيّره لعلمِه بأنه لا تتركُ إلا ما قبحَ عنده وفي معلومِه، ولا يفعلُ إلا الحسنَ عنده وفي معلومِه، كما قلنا في الأمر وأنّه لا يختارُ إلا فعلَ الأصلحِ عند الله والواجبِ، فبِتخييره علمنا أنه إنما خيّره لعلمه بأنه لا يختار إلا الواجبَ عنده والأصلحَ الذي لا فساد فيه، وهذا مساهلة في النظر وإلا فالأصل الذي نعتمده أن الأمرَ والنهيَ لا يختصّ الأصلحَ، وقد دلَّلنا على ذلك بما فيه كفايةٌ.
وأما تعلقُهم في تركِ الجميع بالاحتياطِ، فباطلٌ بالتخيير بين شيئين في الأوامر فإنه لا يجبُ فعلُ المخيرين جميعاً احتياطِ، كذلك لا يجبُ تركُ المخيرين في النهي احتياطاً، ولأنَ الاحتياطَ إنما يقعُ في الأفعال، ولسنا نمنعُ التاركَ للمخيرين جميعاً، إنما نمنعُ من التمذهبِ بذلكَ والاعتقادِ له، والاعتقادُ في الاحتياطِ لا يصحُ؛ لأنَ اعتقادَنا ليس بمحظورِ بمنزلةِ اعتقادِ ما ليس بواجبٍ واجباً، وكاعتقاد ما هو محظورٌ مباحاً.
وأمَّا قولُهم: قد يكون في الأمرِ ذلك بدليلِ فرضِ الكفاية، فلا مثله في النهي؟ ففرضُ الكفاية هو الحجّةُ؛ لأنه نهى أهلَ القريةِ كلهم عن إهمالِ أمر الميِّت في تجهيزه والصلاة عليه، فاذا خرجَ أحدُهم عن حكمِ النهي سقطَ المأثمُ عن الكُل، ثم
стр. 1380
إنه لا يُمنعُ الإفصاحُ بمثل هذا، وهو أن يقولَ الطبيبُ: لا تأكلْ سَمكاً أو لبناً، معناه: اترك لي في حميتك أكلَ أحدِهما، ولا أكلّفكَ تركَهما معاً، بل يكفيك هجرانُ أحدهما، بَلى لا أُسوغ لك جمعَهما. وكذلكَ في بابِ الصغائر مع الكبائر؛ الكُل قبيحٌ ومكروه، وبهجرانِ الكبائرِ تُمحقُ الصغائرُ بالتكفيرِ، ولو فَعَلَ الجميعَ لم يَنْحَبِطْ واحدٌ منهما، وكان مأثمُهما حاصلاً.
وفي باب الطبائعِ والطبِّ؛ يقولُ الطبيبُ: لا تأكل سَمَكاً ولبناً، فلا يُعطي ذلك تحريمَ كُلِّ واحدٍ على الانفراد، ويحرمه الطبيبُ مع الاجتماعِ لما يجدُ من المفسدة باجتماعهما.
وأمَّا دعواهم أنَ أهل اللغة يُريدون الجميع من الأمرين، فدعوى لا برهانَ عليها، وإن اعتمدوا ذلكَ في موضعٍ، فبدلالةٍ تدلُّ من حالٍ أو قرينةٍ.
فصل
إطلاق النهي يقتضي فساد المنهي عنه
وبهذا قال الجمهورُ من أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وأبي حَنيفة، منهم الكَرخيُّ (١)، وعيسى بن أبان (٢)، وجميعُ أهلِ الظاهر، وقوم من المتكلمين، كما أن الأمر به يدل على صحته وإجزائه، وذهب أبو بكر القفال (٣) -من أصحاب الشافعي- إلى أنه لا يقتضي الفساد، وهو مذهبُ المعتزلةِ وأكثرِ المتكلمين من الأشاعرةِ (٤) وغيرِهم، ثم
стр. 1381
اختلفوا في فساده من أي جهة، فقال بعضهم: من جهة اللغةِ واللسانِ. وقال بعضهم: من جهة الشرعِ دون موجَبِ اللغة.
فصل
يجمعُ أدلّتنا من جهةِ السنّة على أنه يقتضي الفساد
فمنها: ما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ عَمِلَ عَملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَد"، وفي لفظٍ: "من أحدثَ في أمرِنا ما ليسَ منه فهو رد"، وروي: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ" (١)، والردُّ غير المقبول ولا الصحيح.
ومنها: أنَ الصحابةَ ﵃ استدلوا على فسادِ العقود بالنهي عنها، فمن ذلك: ما روي أن ابن عمر احتجَ في فسادِ نكاح المشركات بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] واحتجاجُهم في فسادِ عقود الرَّبا بقوله ﷺ : "لا تَبيعوا الذهبَ بالذهبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِق، ولا البُرَّ بالبُرَّ، ولا الشعيرَ بالشعيرِ، ولا التَمرَ بالتمرِ، ولا الملحَ بالملحِ، إلا سواءً بسواء، عيناً بعينٍ، يَداً بيدٍ" (٢)، فتعلقوا في فساد العقودِ بظواهرِ الألفاظِ في النهي.
فصل
في أسئلتهم على هذه السنن
فمنها: قولُهم: هذه أخبارُآحادٍ مظنونةٌ، لا يجوزُ أن تُثبَتَ بها الأصولُ المقطوعةُ، كما لا تُثْبَتُ بها أصولُ الدياناتِ.
ومنها: أنَ ألفاظَها لا تعطي ما تريده، ولو لم تكن آحاداً، بل لو كانت تواتراً ما أفادت الإفسادَ؛ لأنه يُحتمل أن يكون أراد بقوله: "فهو "رَدٌّ": ليس بمقبولٍ؛ لأنَ الرّدَّ
стр. 1382
ضدُّ القبول، ونحن نقول: إنَ العملَ على الوجْه المنهيَّ لا ثوابَ فيه، لكنه صحيح بمعنى أنه ليس بعاطلٍ ولا باطلٍ، بلى إن كانت عبادةً سقطَ بها الفرضُ، ولا ثوابَ، وإن كان عقداً صحَ من حيث المِلكُ ونقلُ العوضِ والمُعوّضِ إلى المتعاوضين، لكن عليه مأثم ارتكاب النهي، فهذا معنى الرد، فأما الإفساد، فلا وجه له، ولا يعطيه لفظُ الردّ.
ومنها: أنه يُحتملُ: من عمل العملَ الذي ليس عليه أمرُ الشرع، فالفاعلُ لذلك رد، وهو أقربُ إلى حرف هو، وكأنه قال: فالعامل رد بمعنى مردود، والعربُ تُسمّي الفاعلَ بالفعل، وأنشدونا:
تَرعى إذا غَفَلت حتى إذا ادَّكَرت ... فإنما هي إقْبالٌ وإدبارُ (١)
يعني: فهي مُقبلةٌ مدبرة، ويريد به الغزالة التي اصطيدَ خِشْفُها، ترعى عند نيسانها إياه، فإذا ادّكرته صارت مُقبلةً لطلبه ومُدبرة تذكراً له.
ومنها: أنَ قولَه: "من أدخل في ديينا ما ليس فيه -أو منه- فهو ردٌّ" لا يعود إلى أصلِ العمل، ولا أصلِ الدين، لكن إن أدخل في الصلاةِ التفاتاً، أو في الوضوء كدفعةٍ رابعة، أو في الحصى زيادةً على السبعين، فذلك الزائد رد، وكذا نقول، فأمَّا أصلُ الصلاة، وأصلُ الطهارة، ورمي الجمار فلا يعطي اللفظُ أن يكون رداً. ومنها: أنَ ذهابَ الصحابة إلى الإبطال بقرائنَ اقترنت بالفاظِ النهي لا بمجرّد النهىّ, وذلك محتمل، فنحمله عليه بدلائلنا التي نذكرها.
فصل
في الأجوبةِ عن أسئلتهم
فأمَّا قولُهم: إنه من أخبارِ الآحاد المتلقّاةِ بالقبول، ومثلُ ذلك يصلح لإثبات أصول الديانات عندنا، فكيف بأصول يُسوَّغ فيها الاجتهاد؟
стр. 1383
على أنَّ هذه الأصول-أعني أصول الفقه- ليست في رتبةٍ يطلب لها القَطْعياتُ من الأخبارِ والدلائلِ؛ لأنها مسائلُ اجتهادٍ، والذي يكشفُ عن انحطاطِ رتبةِ أصلِ الفقه عن رتبةِ أصولِ الديانات، أنَ المخالِفَ لنا فيها لا نكفِّره ولا يُكَفرنا، ولا نُفَسِّقُهُ ولا يُفَسِّقُنا، ولا نبَدِّعُه ولا يُبَدَّعنا، لكن نُخَطِّئه، وانحطاط رتبتهِ على هذا الوجه يحطُّه عن رتبةِ الدلالةِ [في] (١) الثبوت، كالبيِّناتِ؛ يُعتبرُ للعقوباتِ والدماء ما لا يُعتبر للأموالِ، فتَنْحَط بيّنةُ المال إلى شاهدٍ وامرأتين، وشاهدٍ ويمين، من ظاهر العدالة، ولا يُكتفى في الزِّنى إلا بأربعةٍ من الشهودِ الذكورِ المبحوثِ عن عدالةِ باطنهم.
وأما قولُهم: الرَّدُ ضدُ القبول. فقد رضينا بهِ؛ لأنَّ الصحيح من العباداتِ لا يكونُ إلا مقبولاً، ولا يكونُ مردوداً إلا ويكونُ باطلاً، وإنما يلزمُ ذلك من يقول: إنَ الصلاة في الدار المغصوبةِ والسُّترةِ المغصوبةِ صحيحةٌ غيرُ مقبولة. وعندنا لا يُعتد بعبادةٍ يعتريها أو يعتري شرائِطها نَهيُ الشرع.
على أنَّ الردَّ قد يقعُ على الإبطالِ، يقالُ في النظر رددتُ عليه كلامَه، وهذه بينة
مَردودةٌ، وكتابُ الرد على أهل البدع، يَعني به (٢) إبطالَ مذاهبهم.
وأما قولُهم: الذي ليس من ديننا هو ما أُدخِلَ على العبادةِ من الأفعالِ المنهيّ عنها، كالالتفاتِ في الصلاةِ، والسُترةِ بالغصْبِ، وهما جميعاَ ليسا من ديننا- ليس بصحيح؛ لأنَّ الصلاة في الثوبِ المغصوبِ، والدارِ الغصبِ، ومع الالتفات ليس من ديننا، وبيعٌ بشرطٍ فاسدٍ ليس من ديننا، كما أن الشرطَ والاستتار بالغصب، والالتفاتَ في الصلاةِ ليس من ديننا.
وأمَّا قولُهم في الحكم بإفساد العقودِ إنْ قرائنُ اقترنت. لا يَصح؛ لأنه لو كانت هناك قرائنُ عن الألفاظِ لما قَنعَ المحتج بإيرادِ الألفاظ مجردةً عنها؛ لأنَّ عادةَ المحتجِّ
стр. 1384
أن يَستقصي في إقامة الدلالةِ، ويذكرَ كُل معنىً تقوم له به الحجةُ، ولكانوا ينقلونه للحفظِ على العصرِ الثاني والثالثِ؛ لئلا يُفضيَ إلى تضييعِ الشرعِ.
فصل
في جمعِ أدلّتنا من طريقِ النظرِ بعد الأثر
فمنها: أنَ الأمرَ بالعبادةِ على طريقِ الإيجابِ شَغْلُ الذمّةِ بعبادةٍ لا على وجهٍ منهيًّ عنه، فإذا أتى بها على الوجهِ المنهيَّ عنه لم يَحصُل فراغُ ذمته منها؛ لأنه أتى بغيرها، فصار بمثابةِ من أُمر بالصلاةِ فأتى بالصوم، وكما أنَ الصلاةَ غيرُ الصوم فالعبادة (١) على الوجه المنهيَّ غيرُ العبادة على غير الوجهِ المنهيّ.
ومنها: أنَ الحكمَ بصحةِ العبادة وإجزائها طريقهُ أمرُ الشرع، والإتيان بها على وجهِ النهي لم يَتناوله الأمر فلا يحكم له بالصحَةِ والإجزاء؛ لأنَّ الصحّة والإجزاءَ حكمان شرعيان، فلا يحصلان بفعلٍ واحدٍ إلا على وجهِ الأمرِ الشرعيّ.
وربما عبرنا عنه بعبارةٍ أُخرى، وهو أنَّ المنهيَّ عنه لا يكون مفروضاً ولا مندوباً ولا مباحاً، فلا وجَه لوقوعه صحيحاً؛ لأنَّ الصحة لا تخلو من أحد هذه الأحكام الثلاثة.
ومنها: أنَ الأمرَ يفيْدُ صحّةَ المأمورِ وجوازَه، فيجبُ أن يكونَ النهيُ يفيدُ حظرَ المنهيَّ وفسادَه؛ لأنَّ الحظرَ والفسادَ ضدُّ الصحةِ والجواز فإذا أوجبَ الأمرُ معنى، أوجب ضدُ الأمر -وهو النهيُ- ضد ذلك المعنى.
فصل
في أسئلتهم على أدلتنا
فمنها: أن قالوا: إنَ دعواكم أن ما منع من دخولِ الإيجابِ والإجزاء والإباحةِ تحتَ الفعلِ المنهيَّ عنه مع الصحةِ دعوى لا برهانَ عليها، وما أنكرتم على من قال:
стр. 1385
إن الصحّة حُكم مفرد عن هذه الأحكامِ، وقد شهدَ لانفراده صحةُ الصلاةِ في الدارِ المغصوبةِ، والسترةِ المغصوبةِ، والتوضىء بماءِ مغصوب، والاستنجاءِ بحجرِ مغصوب، والذَّبحِ بسكّينِ مغصوبة، وصحّةُ الطلاق ونفوذُه مع النهي عنه حالَ الحيض، والطُّهرِ المُجامَعِ فيه (١). هذا كُله تحصلُ الصحةُ فيه مع وجودِ النهي وعدمِ الإيجابِ والإباحةِ وقد ساوى المنهيَّ عنه المأمورَ به في الأصول، ولم يتحصّل نقيضُه في باب النهي.
ومنها: أن قالوا: إنَ الصحةَ حكم شرعي، والإيجابَ والندبَ والإباحةَ أحكام شرعيةٌ، وليس من حيث تساوت في كونِ جميعها أحكاماَ للشرع يجب تساويها في انتفاءِ بعضِها بانتفاء بعضٍ، بدليلِ أنَ الصلاةَ مع السترة الغصْبِ وفي البقعةِ الغصبِ ليست المأمور بها من طريق الإيجابِ ولا الإباحةِ، ولم تَنتف الصحةُ لانتفاءِ الإيجاب لها على وجه النهي، وانتفاءِ الإباحة لها على تلك الصفة المنهيَّ عنها.
فصل
في أجوبة أسئلتهم
فمنها: أنَّ دَعوانا صحيحةٌ؛ لأنَّ الله سُبحانه قال للمكلَف: صَلِّ الظهرَ مُستَتراً، متمكِّناَ على الأرض، ولا تجعل سُترتكَ مغصوبةَ، ولاتَستتر بالغَصبِ، ولا تُصلِّ في
стр. 1386
مكانٍ مَغْصوبٍ، صار كأنه قال له: صَلِّ في سُترةٍ مخصوصة بالحِل والإباحةِ، وْبقعةٍ مباحة، فإذا تركَ هذين الشرطين في أمره سبحانه، وارتكب الأمرين المنهيَّ عنهما، غيرَ فاعل للصلاةِ مستتراً، ولا معتمداً على بقعةٍ مُعَلقاً، ومَن صلى بهذه الصفة لم تصح صلاته.
وإنما استشهدنا بنفسِ الغصبِ لتحقق المذهب به منا (١)، ويُوضح منعنا لما ادَّعَوه من الصحة وانفصالِ النَهي عن الاعتداد، وإنما ينفصل النهي عن الفعل في النَهي عن المعلق بالفعل المأمور به، كقوله: صل ولا تغصب أموالَ الناسِ. فلا جَرمَ لو صلَّى صلاةً تمت في شروطها لم تمتنع صحتُها بارتكابِ الغَصْب، فأما إذا كان النهيُ راجعاً إلى شرطِ العبادةِ، والشرطُ داخلاً تحت الأمرِ بها حيثُ كانت مأموراً بها بشرائِطها، فإذا تحقق النهيُ في شرطٍ أوجَبَ اختلالُ ذلكَ الشرطِ أن (٢) لا يَحصلَ امتثالُ المأمورِ بالسترِ بما نُهيَ عنه من السَتر فيصير عادماً للستر ومن أعدمَ شرطاً من الشروط الداخلةِ تحت الأمرِ بالعبادةِ، فما أتى بالعبادةِ بشروطِها، فامتنعت الصحةُ لهذا المعنى، فقد عاد استشهادُهم إلزاماً، فكان آكدَ من إيرادِه على وجه المنع، والله أعلم.
فصل
يجمعُ شبَههم في النهي، وأنه لايقتضي فسادَ المنهيِّ عنه
فمنها: أن قالوا: لو كان النهيُ علّةً للفساد لما جاز أن ينفردَ عنه معلوله؛ لأن العللَ أبداً تستتبع أحكامَها، فلما ثبت في الشرعِ نواهي لا تُوجبُ الفساد، وتجتمعُ معها الصحّةُ، بطلَ أن يكونَ النهيُ موجباً للفساد. ومما يشهدُ لهذه الدعوى وأنَ لنا
стр. 1387
نهياَ لا يتبعهُ الفسادُ؛ الطلاقُ حالَ الحيضِ -مَنهيٌ عنه، وهو صحيحٌ، واقعٌ، نافذٌ، مزيلٌ للملك عن الأبْضاع، تترتب عليه الأحكامُ من انقضاء العِدَدِ، وإباحةِ المطَّلقةِ للأزواجِ-، والبيعُ عند النداءِ إلى الجمعةِ، والذَّبحُ بالسَّكين المغصوبةِ، والوضوءُ بالماءِ المغصوبِ.
ومنها: أنه لو كان النهيُ يقتضى الفسادَ لكان إذا تناول ما ليس بفاسدِ أن يكون مجازاً، فلما كان حقيقةَ، وإن لم يوجب الفسادَ، عُلمَ أنه لم يسلب مقتضاه، وهو الفسادُ، بل انعدم الزائدُ على مقتضاه الذي يَثبُتُ بالدليلِ، وينتفي بانتفاء الدليل.
ومنها: أنَ القولَ بالفسادِ يوجب إعادةَ الفعل، وليس في اللفظ ما يقتضي الإعادةَ، وإنما يعطي وجوبَ الفعلِ فقط، فمدّعي وجوبِ الإعادةِ يحتاجُ إلى دلالة من غيرِ اللفظ.
ومنها: أنَ الفسادَ صفةٌ زائدة على الحظرِ والتحريمِ، والذي اقتضاه اللفظُ استدعاءَ التركِ والكف، فمدّعي زيادةِ هذا الوصفِ يحتاج إلى أمرِ يزيد على اللفظِ، وهي دلالة تُوجبُ الفسادَ.
فصل
في الأجوبةِ عن شُبههم
أما قولُهم: لو كان مُقتضاه الفسادَ لما انفصلَ عنه، كالمعلولِ مع علتِه.
لا يلزمُ؛ لأنه إنما يَنفصل عنه بدلالةٍ، وانفصالُه عنه بدلالةِ لا يمنعُ كونَه من مقتضاه، كالتحريمِ، فإنه قد ينفصلُ عن النهيِ بدلالةِ، ولا يدُلّ على أنه ليس من مقتضاه، (١ كما نَجدُ نَهياَ، ولا يوجب تَحريماً ١)، كما نجد نَهياً ولا يوجبُ فساداً، فما يلزمُنَا في انفصالِ الفسادِ عنه يَلزمكم في انفصالِ التحريمِ عنه، ويبقى بعد خروجِ الفسادِ بالدليلِ كالعمومِ المخصوص بالدليل.
стр. 1388
وأما استشهادُهم بالبَيْعِ وقتَ النداءِ، وغيرِ ذلك من المسائلِ، فلا نُسلمه، بل جميعُ ذلك يقتضي الفَساد.
وأمَّا قولُهم: وَجَبَ إذا انفصلَ عنه الفسادُ أن يبقى مجازاً.
ليس بلازم، فإنه لم ينتقل عن جميع موجَبه، وإنما انتقل عن بعض موجَبه، فصار كالعموم الذي إذا خرج بعضه بقي حقيقةً فيما بقي.
فإن قيل: فما تقولُ إذا قامت الدلالةُ على نقلِه عن التحريم؛ قيل: يبقى نهياً حقيقةً على التنزيه، كما نقول: إذا قامت دلالةُ الأمرِ على أنَّ الأمر ليس على الوجوب بقي أمراً.
وأما قولُهم: ليس في الصيغةِ ما يوجب القضاءَ، فالإتيانُ به على وجه النهي أعدمه شرطاً، فلم تبرأ الذمةُ عن الفعلِ، فكان على وجوبه.
فالإعادة من ها هنا استفيدت لا من نفسِ الصيغةِ؛ لأنه لمّاَ أتى به على وجهِ النَهي، جعلناه كأنه لم يأتِ به ولا خرجَ عن عهدتِه.
وأما قولُهم: إنَ الفسادَ صفة زائدة على النهي.
فالصحّةُ من مقتضى متابعةِ الشرع ولا متابعةَ مع النهي، فلم يبقَ إلا عدمُ الصحة، وليس بين الصحةِ والفسادِ واسطةٌ، فاذا أوجبَ الدليلُ عدمَ الصحّة، وجب الفسادُ لا محالةَ، وليست أمراً زائداً على النَهي؛ لأن النهيَ منعٌ، وما أمرَ اللهُ به فلم يأمرُ به على وجهِ النهي، فالمفعولُ غيرُ مأمور، فلم يعتد به كفعل آخر غير المأمورِ به.
فصل
والنهيُ إذا كان في غيرِ العبادة، ولا لمعنى في عَينِ المنهي عنه، بل في غيره، كالصلاةِ في الثوبِ المغصوبِ والدارِ الغصْب، والبيعِ وقتَ النداءِ، منعَ الصحة، كما لو كان النهيُ لمعنى فيه.
وبهذا قال جماعة من المعتزلةِ، خلافاً لأكثر الفقهاءِ والأشعرية في قولهم: الصلاةُ
стр. 1389
صَحيحة (١)، والبيع صحيح (٢)،
فصل
في دلائلنا
فمنها: ما تقدّم من قول النبيّ ﷺ :" مَن عَمِلَ عَمَلاَ ليس عليه أمْرُنا فهو ردّ" (٣)، فكيف بعملٍ عليه نهيه (٤)؟ ولا خلاف بيننا أنه منهي عن الصلاةِ في البقعةِ والثوبِ الغصبِ، وظاهرُ الخبرِ يقتضى أن يكون ردّاً، والردُّ ضدّ القبول، وما اعتد به لا يكون ردّاً ولا مردوداً، فَعُلم أنه لا يُعتدُ بها، فإن أعادوا تلك الأسئلةَ، فعليها تلك الأجوبة.
ومنها: أنَ الله سبحانه لما أمَر بالصلاةِ، أمرَ بها مشروطةَ بالسترة والتمكينِ والاستقرارِ على بُقعةٍ، ونهى عن الاستتارِ بالغَصبِ والاستقرارَ على الغصبِ، فإذا لابسَ النهيَ في الشرطين كان عديمَ الستارة والبقعةِ حكما وكأنه صلّى عرياناَ مُعلَّقاً، ونحرِّره فنقول: إن السُّترةَ من شروطها الشرعيةُ، والاستتارُ بالمغصوب يخلُّ بالشرط المعتبر وقد أجمعت الأمةُ على أن الإخلالِ بالشرطِ المعتبرِ شرعاً يُخل بصحةِ العبادة، فصار ككشفِ العورةِ مع القدرةِ على السُّترةِ.
ومنها: أن الصلاةَ عبادةٌ وقربة، فإذا صلّى واستتَر على وجهٍ منهي عنه، فلا قربةَ؛ لأجلِ أنه عاصٍ بالاستتارِ بالغصبِ، وإذا خرجت الصلاةُ عن القُربةِ خرجت عن الواجبِ عليه المخاطبِ به [و] (٥) إنما خوطب بصلاةٍ يَستتر فيها بالحلالِ، وإذا لم
стр. 1390
يكن قد أتى بما وجبَ عليه، كانت الصلاةُ في ذمته بقاءٌ على حكم الأصل.
ومنها: أن الأصلَ المستقرَّ فيما بين العلماءِ أجمع، أنَ النهي لا يقفُ على معنى يخصُّ العين، سواء كان في المعاملاتِ أو العباداتِ، بل وجدناهم حكموا بإبطالِ بيع الخنزيرِ والميتةِ والدمِ لمعنى في الذات (١)، وحكموا بإبطال بَيعْ الصّيْدِ في حق المحرِم وفي الحرمِ (٢)، والمنعُ يرجع إلى ذات المحرِمِ والبقعةِ لا إلى عين الصّيْد، وحكموا بإبطالِ الصّومِ والحجِّ بالردّةِ، وإن كان النهيُ عن الردّةِ لا يختصّ الصومَ والحجَّ، بل الردّةُ منهيٌ عنها قبل الإحرامِ، وقبل التلبّسِ بالصيامِ، وبعْدَ الخروجِ منهما، وصارت الردّةُ في إبطالهما بمثابةِ ما يخصّهما من المبطلاتِ، كالوطءِ في الحجِ، والأكلِ في الصومِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ السُّترةَ النَّجسةَ التي لا يُنهى عنها إلا لأجلِ الصّلاةِ، والسترةَ المغصوبةَ التي ينهى عنها في الصلاةِ وخارجَ الصلاة، سواءفي المنع مِن الاعتدادِ بالصلاة.
ومنها: أنَّ أهلَ اللغةِ أجمعوا على أن القائلَ لعبْده: امضِ برسالتي إلى فلان، وقف في خدمتي وقتَ كذا، ولا تلبسْ من الثيابِ إلا ما كسوتُك به، ولا تركب إلا الدابّة التي خَصصتكَ بها حين مُضِيِّكَ في رسالتي إلى فلان. أنه أمره أمرأ على صفةٍ مشروطٍ بشرطٍ، وأنه لو مضى في الرسالةِ على غير الدابّة، وخدمَة في غير ما كساه به لم يكن ممتثلاً أمرَه، بل مخالفاً، وأنه بمثابةِ من وقف في خدمتِه عُرياناً، ومضى في رسالتِه ما شياً، فكذلكَ ها هنا -حيث قالَ له الشرعُ: صلِّ مستتراً، ولا تَستتر
стр. 1391
بالغصبِ، ومتمكِّناً من الأرض، ولا تَعتَمدْ على بقعةٍ مغصوبةٍ -لايكون لأمر الله ممتثلاً، فبقيت الصلاةُ المأمورُ بها على ما كانت مُشغِلةً لذمته، غيرَ خارج من عُهدتها.
فصل
في أسئلتهم
فمنها: أن الصلاةَ تكبير وقراءة وركوع وسجود بنية القربةِ إلى الله سبحانه، والاستقرارُ والسترُ بالغصبِ وعلى الغصب ليس بقربةٍ، والأصلُ الأذكارُ والأفعالُ، فلِمَ أبطلتم ما وقَع قربةً وهو الأقصدُ والآكدُ بما لم يقع على وجهِ القربةِ، وما مثلكم إلا مثلُ قائلٍ بإحباطِ أعمالِ القُرَبِ والطاعاتِ بإعمالِ المعاصي والمخالفاتِ، وذلك مذهبُ المعتزلةِ، وليس بمذهبٍ لكم.
ومنها أن قالوا: النهيُ عن الاستتارِ بالغصبِ والكونِ في الدارِ الغصبِ نَهي لا يختصُّ الصلاة، ولهذا ينهى عنها قبلَ الدخولِ في الصلاةِ، وبعد التحللِ من الصلاة، فصار غصبُ السترةِ والبقعةِ كغصبِ ثوبٍ يجعلُه في كُمِّه ويصلي معه، ودارٍ يغصبها فيودِعُها أهلَه ورحلَه ويصلي في غيرها، لا يمنعُ صحةَ الصلاةِ والاعتدادَ بها، كذلكَ في مسألتنا.
فصل
في الأجوبة عما قالوه
أما إقرارهم بأنَّ الاستقرارَ والاستتارَ غير (١) قُربة بل (٢) مَعصية، فكافٍ في إبطالِ العبادة. إذ الله سبحانه أوجبَ أن تكونَ الصلاةُ كلُّها بشروطِها وأركانِها قربةً إليه، فإذا كان بعضُها قربةً، وبعضُها معصيةً، فهم المطالبون بالدلالةِ على صحةِ الصلاةِ،
стр. 1392
وإجزائها، والاعتدادِ بها؛ لأن المخاطبَ بجُملةٍ كلُّها يجب أن تقَع قُربةً (١)، وإذا أتى ببعضها لم يكُ مطيعاً ولا ممتثلاً ولا محصِّلاً لِما كُلِّفَه. فكذلكَ إذا تقرب ببعضها لم يكُ متقرِّباً بما كُلِّفه، لا سيما وليس ينفصلُ بعضُ الصلاةِ عن بعضٍ في الصحةِ والفسادِ، بخلافِ الطاعةِ المفردة عن الطاعة الأخرى، كالصومِ مع الصلاةِ، لا تبطل إحداهما ببطلانِ الأخرى، وبخلافِ المعصية المنفردةِ لا تَبطل بها العبادةُ؛ لأنَّ العبادةَ كملَت بشروطها، فأمَّا إذا كانت المعصيةُ في أبعاضِها، لم تكمل، وصار كالتركِ لعبادةٍ لا تُبطل ما فعله المكلَّف من عبادة أخرى، ولو تركَ بعض أركان العبادةِ لم تفسد بما بقي منها، لارتباطِ بعض أفعالها وأركانِها بعضه ببعض.
وأما تعويلهم على أنَّ النَهي لا يختص الصلاةَ، فباطلٌ بكشف العورةِ لا يختص النهيُ عنه الصلاةَ، بل كشفُها بمحضرٍ من الناسِ يُبطلها، وإن كان لو كشفها خارجَ الصلاةِ كان عاصياً، وكذلكَ الوطءُ في حق المعتدّةِ والصائمةِ، لا يختصّ الإحرام (٢)، ولو أحرمت كان الوطءُ مبطلاً لإحرامِها على معنى قولكم: لا يختصّ الصلاةَ. أنه يعُمّ خارجَ الصلاة وداخلها، ولا يمتنع أن يكون عاصياً به خارجَ الصلاة، مُبطلاً للصلاةِ بفعله داخل الصلاة، كما أن السجودَ للشيطانِ أو الصنمِ محظورٌ خارجَ الصلاةِ، مبطلٌ لها إذا فعلَه أو نواه في الصلاة.
فصل
في جمع شُبَههم
فمنها: أنَهم زعموا أنَ الصلاةَ جنس ومعنى غيرُ الغَصْب؛ لأنَّ الصلاةَ حركاتُ المصلّي وسكناتُه وأذكارُه، والغصب متناولٌ لأجزاءِ الدار وذاتِها وأبعاضِها، فأين الصلاةُ من الغصب؟
стр. 1393
ومنها: أن الإنسانَ لا بُد له من مُستقَرٍ يستقرُّعليه، سواء مَلكه أو ملكَ غيرَه، فصاربمثابةِ الفضاءِ حالَ قيامه، لما لم يكن بُدٌ من فضاء يقوم فيه وتنتشرُ قامتُه فيه، لا جَرَم لا فرقَ بين انتشار قامتِه في هواءِ ملكِه، أو هواءِ ملك غيره.
ومنها ما تعاطاه بعضُهم، وقال: إنَّ الكونَ في الدارِ على وجْهِ التعدّي والغصبِ، والصلاةَ طاعة في نفس وقُربة، وهي منفصلة من الغصبِ، والدليلُ على انفصالِه عنها أنه قد يفعل الكونَ في الدار من لم يكن مُصلّياً.
ومنها ما احتج به فيَ الشيخُ الإمامُ أبو سَعد المتولِّي (١) ﵀ بمجلس قاضي القضاة الدامغاني (٢) ﵁ بمجلس النظر بدارٍ بنَهرِ القَلاَّئين (٣)، فقال: أجمعنا على أنَّ العبدَ الآبقَ عن سيده غاصبٌ لنفسه، وهو يُصلّي بجملته وأجزائه، وأجمعنا على صحةِ صلاتِه مع كونه مصلياً بذاتِه وأركانِه المغصوبةِ، فصلاةُ غير العبدِ الآبقِ، الحر المالكِ لنفسه وأجزائه وأعمالِه إذا صلى في بقعةٍ مغصوبةٍ، أوْلى أن تصحّ صلاتُه.
стр. 1394
فصل
في الأجوبة عن شُبَههم
أمَّا الأولى: ودعواهم أنَ الغصبَ يتناولُ الدارَ عَينها وأجزاءها. فإنها دعوى بعيدةٌ؛ لأن المالكَ من الآدميين لا يملكُ عينَ شيء عند الفقهاءِ أجمعَ، وإنما يملكُ التصرّف بالتقلبِ فيها، والإكوانِ، وإيقاعِ الآثارِ في سطحها وأعماقها، فأما الأجزاءُ والأعيانُ، فاللهُ سبحانَه المنفردُ بها، حتى إنَ المعتزلةَ منهم قالوا: بأنَّ الأعيانَ لا يملكها مالكٌ، لا القديمُ ولا غيرُه، حيث جعلوا الملكَ: القدرةَ، والقدرةُ لا تتسلّط على الموجوداتِ، حتى إنَ الحيوان يختصّ ملكُ الآدميِ فيه بأفعالٍ مخصوصةٍ وآثار مخصوصة، وهي ما لا يضر بالحيوان إضراراً بَيناً، ولا يملكون تحميلَه ما لا يطيق، ولا ضربَه لغيرِ حاجة، ولا إخصاءه، ولا تَبْتيكَ آذانه، ولا كيَّه، والله مالك ذلك فيه، فالقدْر الذي يملكه المالك يتسلط عليه الغاصب، وهل يَنتهي ملكُ المالكِ للدارِ في صلاته فيها إلى أدنى من الكونِ بحركاتِه وسكناتِه، وركوعهِ في هوائها، وسجوده على أرضِها، فالقدْر الذي ينتهي تسلّط المالكِ وتصرّفُه ينتهي إليه تصرفُ الغاصبِ، والصلاة بأكوانٍ مخصوصةٍ وبحركاتٍ مخصوصة في قرارِ الدارِ وهوائها، فأينَ انفصالُ الغصبِ عن الصلاة؟
ولأنَّ الغاصبَ بحركاتِه وسَكناتِه ومضيه في الجهاتِ حالَ صلاتِه مستمتع بالدارِ كاستمتاعِ مالكها، ثم إنه بذلك مانع صاحبَها من الانتفاعِ بمثلِ انتفاعِ الغاصبِ، فلا يمكنه الصلاةُ في المكانِ الذي يُصلي فيه الغاصبُ، ولا إشغالُه بوضع عدل ولا شيءٍ يملأ تلك البقعةَ من الدار فقد بان بأنه غاصب بالصلاةِ مكانَ الصلاة وهواءها بكلِ كونِ يفعله وجهةٍ يملؤها بذاتِه وأعضائِه وحركاتِه وسكناته.
والذي يوضحُ ذلكَ ما قال الفقهاء: إن من كان له شجرة، فخرجت أغصانها، وبَسَقت إلى هواء دار جاره، أو غَرقت عروقُها إلى بئرِ جارِه، كان باستدامة ذلك
стр. 1395
عاصياً ومتعدّياً، ووجبَ رفعُ ذلك عن هواء جاره وأعماقِ داره، كما يجب رفعُ الأمتعة التي يضعها في الهواءِ والقرار.
وأمَّا قولُهم: إن المصلي لا بُدّ له من بقعةٍ في صلاته؛ وغير صلاته؛ لأنه جسم لا بُدّ له من مكان يكون فيه ويعتمد عليه، فلا يختصُّ ذلكَ بصَلاتِه. فإنه كلامٌ ركيكٌ، لأنه كما لا يختضُ الكونُ بالصلاةِ فيها، بل يكونُ فيها ولا صلاة، فإنه لا يصلي فيها ولا بحصولِ الكونِ فيها، وكونُه فيها في صلاة ليس يغيرُ لكونه في غير صلاة، كما أنَ كونَه فيها قاعداً لا يكونُ غيرَ كونه فيها قائماً، وكونُه فيها على كلا الحالين من حيث كونه شاغلاً للمكان لا يختلفُ ولا يتغايرُ، وإنما انضمّ إلى كونه نيّةُ الصلاةِ، فلا يخرجُ عن كونه غاصباً بالكونِ في صلاةٍ كان أو في غيرِها، ولو كان الكونُ في الدارِ غير مصلٍ، مع كونه مصلياً خلا من ضدّين لما صحَ أن يجتَمع كونُه في الدار مصلياً؛ لأنَّ ذلك يوجبُ اجتماعَ الأضدادِ.
وأما شبهةُ المتولّي ﵀ فكان جوابي عنها بالمجلسِ الذي أوردها فيه: أنَ الآبقَ عبْدٌ في غير أوقاتِ الصلوات، فأمَّا أوقاتُ الصلوات، فإنه لا حقَ للسيد فيها على العبد؛ لأنه لا يملكُ فيها استخدامَه بشيء من الخدمة، ولا تعويقَه، ولا يكونُ في ذلكَ الوقتِ غاصِباً لنفسِه، ولا آبقاً عن سيّده، فصارت صلاةُ الآبق في أوقاتِ الفرائضِ المقتطعةِ من ملكِ السيّد وحقه بمثابة بيتٍ يخضُ الغاصبَ ملكُه في الدارِ المغصوبة، إذا صلّى فيه كانت صلاتُه صحيحةً بخروجِه عن الغصب. والذي تَحقق غَصبُه لنفسه فيها من الصلواتِ تكون عندنا باطلةً، وهي النافلةُ، والعبدُ بين شريكين إذا تَهايَأهُ سَيّداه، لم يكن في شُغلِه بخدمةِ أحدِهما عاصياً، فيكف بمالك العينِ معه مالكُ الرِّق إذا كان في طاعته لم يكن عاصياً.
стр. 1396
فصول
القول في فحوى الخطاب ودليله
فصل
في فحوى الخطاب
وهو التنبيه والأولى، وذلك مثل قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الاسراء: ٢٣] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ ......﴾ [آل عمران: ٧٥].
فهذا مما لا خلاف فيه بين جمهورِ أهلِ العلم إلا ما شذَّ عن بعضِ أهلِ الظاهر.
حكاه أبو القاسم الخَزري (١) عن داود، وحُكِيَ عن قوم أنه مستفادٌ من اللفظِ.
والصحيحُ عندنا: أنه مستفادٌ من فحوى اللفظ.
وقال أصحاب الشافعي: إنه قياس واضحٌ، وقيل: قياسٌ جلي (٢).
فالدلالةُ على العملِ به وأنه دليلٌ معمولٌ به؛ أن النهيَ عن الأعلى حاصلٌ بذكرِ النهي عن الأدنى، وأن الأمانةَ على الأعلى دلالة على الأمانةِ على الأدنى، وأن نفيَ الأمانةِ على الأدنى دلالة على نفيِ الأمانة [على] (٣) الأعلى، وقد قالَ به واحتجَّ من لا
стр. 1397
يقول بالمعنى، وهم أهلُ الظاهر.
ومثاله من السنة: نهيُ النبي ﷺ عن التَّضحية بالعوراء (١)، تنبيهاً على النهي عن التضحية بالعَمياء، فهذا مثاله في الأمرِ والنهي، ومن التنبيه في باب الإخبار، قوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، فذكر القليلَ تَنبيهاً على الكثيرِ، نافياً للظلم عن نفسِه سبحانه.
فصل
في الدلالةِ على الاحتجاجِ به
فمن ذلكَ: أن هذا ظاهر من لغةِ العربِ، وأنَّ العبد المنهي عن إعطاءِ زيد حبة، لا يحسنُ أن يَستفهِم سيّدَه الناهي له؛ فهل أُعطيه قيراطاً لما في القيراط من الحبَّات؟
وكذلكَ إذا قال: لا تَقل لأبيكَ أُفٍّ، لا يحسُنُ أن يقول: فهل تَفسح لي في ضربِه أو انتهارِه؟ لِما في الضربِ والانتهارِ من الأذية المتضاعفةِ على أذيّة التبرّمِ والضجَرِ؟ ومن جَحدَ ذلك سفَّهَ أهل اللغة، وأسقط حُكمَ الخطابِ.
ومنها: أنَ المنعَ من التأفيفِ لأجلِ الأذى بالتضجُّر بهما، لا لأجل مجرَّد اللفظةِ، والمفهومُ من التضجّر الأذى، وفي شتمِ الأبوينِ وسبهما ما يزيدُ على التضجُّر والتبرُّم، فكان منهياً عنه.
ومنها: أن هذا مما يتساوى في فهمِه النساءُ والسوقةُ، ولا يقف على المتميزين من
стр. 1398
أهلِ اللغة، ولا أربابِ الاستنباطِ، فإذا قال قائل: لا تَقْذِ (١) عينَ بعير زيدٍ، ولا تمكن القَرْنَاءَ من غَنمك من نَطح الجماء (٢) من غنمه. عُلم مبادرةَ [من] (٣) هذا اللفظِ أنه قصدَ حسم مواد الأذايا بذكره أدناها، ألا ترى أنه لا يحسنُ بعد ذلك أن يقول: واقلع عَينيه، أو اضرب عنقَه، أو اذبح مواشيه، بل يكون في ذلك على غايةِ المناقضةِ في وصيّته.
ومنها: أنَّ هذا موضوعٌ عند أهلِ اللغةِ، كوضع الأسماءِ للمسمَّيات (٤) حتى إن الواحدَ منهم إذا أرادَ النهيَ أو رَفْعَ المنةِ رَفَعَ قَذاةَ (٥) من الأرضِ أو مَدرةً (٦)، فقال: لا تَظلم زيداً بمثلِ هذه، ولا تتلبس من مال فلانٍ بهذه. فيسبق إلى فهمِ كُل سامعٍ أنه أراد نهيَه عَمّا (٧) زاد عليها ورفع المنّة بما زاد عليها، فهذا وضعُ القومِ ولُغتهم.
فإن قيل: إنما نفهم ذلك فيما بيننا بالمعهودات من الأحوالِ والقرائِن، فأما في حقِّ الله سُبحانه، فلا عهدَ بيننا وبينه، بل قد يكون ناهياً عن الأقل قُبحاً إلى الأشدَ الأكثر مثل قوله: ولا تُعطِش ناقَتك ولا بقرتَك، ولا تَنْتِف ريشةَ دجاجتِك، ولاتخرم أذنَ بعيرك، واختِنْ وَلدَك، واذبَح ناقَتك تَقرُّباً إليّ، أغفِر لك بأوَّل قطرةِ تَقطر من دَمِها.
فما يُؤمِنَّا نحن أن نأخذَ النهي عن الأعلى بالنهي عن الأدنى بعد هذا؟ بل الجمودُ على حكمِ الأصلِ إلى أن تردَ دلالةٌ أولى وأحرى.
стр. 1399
فيقال: الأصلُ في اللغةِ ذلك، وفي المعقولِ فإذا ورد إباحة بما هو أشدّ الأذايا.
كان تَحكُّماً معقولاً، فَنحنُ نعملُ بظاهرِ اللفظ إلى أن تَرِدَ دلالة تُخرجُ عنه بتحكمٍ شرعي.
ومنها: أنَّ القصدَ من الكلامِ التفاهمُ وإيصالُ ما في نفسِ المتكلم إلى مخاطِبه ومكالمِه، فاذا عوَّل على مجرد اللفظ دون دلائلِ الأحوالِ والمقاصدِ المطويّة في الأقوال (١)، وهل يخفى [على] (٢) عاقل من أهل اللغة إذا قيل له: لا تعبس في وجْهِ فلان. أنه قصد بذلكَ صيانتَه عن أذيَّته بما فوق التعبيسِ من هُجْرِ الكلامِ وخشنِ الفعالِ، وما يزيدُ على أذيَّة التعبيس.
ومنها: أنَّ قائلاً لو قال لأمير سريَّة: إذا ملكتَ البلدَ، فلا تُطْفىء فيه سراجَ، بقّالٍ، ولا تَسلبهم حَبْلاً ولا عقالاً، وقد نبّه النبي ﷺ بمثلِ ذلك، فقال في اللُّقَطةِ: "احفَظ عِفاصَها ووِكاءَها" (٣)، وقال في الغنائم: "أدّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ، من سرق عصا فعليه ردّها" (٤)، عَقَلَ منه ما يزيدُ على إطفاءِ السراجِ وغَصب العقالِ، وبما في
стр. 1400
الصرّة الملتقطةِ من الدنانيرِ والدراهمِ وراءَ الوكاءِ والعِفاصِ، وأداءِ الثيابِ والرحالِ من الغنائم، ورد الأجذاعِ والأخشابِ المغصوبةِ، حتى لو قالَ الآمرُ بذلك بعد هذا: ولا تَحفَظ ما وراء الوِكاءِ والعفاصِ، ولاتُطفىء سراج بقالٍ وانْهَبْ ما في دُكّانه من الأمتعةِ والمالِ. عُدَ مُناقضاً في كلامه، واستُهجنَ ذلك منه، وما ذاك إلا لأنَّ المفهومَ من كلامه الفَحوى الذي أوضحناه، وإنما قصدَ بهذا أهلُ اللُّغة الاستقصاءَ، ألا ترى أنه إذا قال: ما أنفقتُ من مالِ فلانٍ ألفَ دينار لم يمنع ذلك أن يكونَ قد أنفقَ ما دونها، وإذا قال: ما أنفقتُ من ماله حبّةً. أعطانا ذلك وأفادنا أنه لم يُنفق ما فَوقها.
فصل
في الدلالةِ على من زعَم أنَ الحكمَ فيه مستفاد من طريق اللفظ: أنه ملفوظ بالنهي عن الأذِية الزائدةِ على التبرّمِ بالتأفيفِ.
فنقولُ: إنَ الملفوظَ به إنما هو النهي عن التأفيفِ، فهذا منصوصٌ، والمفهومُ من اللفظِ نفيُ الأذى الزائدِ على أذيةِ التأفيفِ، وهذا نوعُ استدلالٍ، والمنصوصُ الملفوظُ لا يحتاجُ إلى استدلالِ، ولولا ما سبقَ من علمِ القصْدِ من طريقِ العُرفِ نفيَ الأذايا لما عُقِلَ منه إلا النهيُ عن نَفسِ الحَرْفَين (١)، وهي الملفوظُ بها، وإنما دلالةُ العرف أرشدت إلى النهي عما زادَ عليها، ولربما قاربَ القياسَ، ولهذا ذهب الشافعي ﵁ إلى أنه قياسى جلي، وقيل: قياسى واضحى، فإنه يلمحُ ما في التأفيفِ من التضجر، وينظر إلى ما في السبّ والانتهارِ من زيادةِ الأذى بهما، فيجعلُ التأفيفَ أصلاً تُردُّ إليه كل أذيةٍ مساويةٍ له، فيكون قياساً، وكُل أذيّة تَزيد عليه تكون تنبيهاً، وذلك أوضحُ الأقيسة.
стр. 1401
فصل
والدلالةُ على أنه ليس بقياسٍ: أنَّ القياسَ والمعنى: أخذُ الحكمِ للفرعِ من أصلٍ وجدت فيه علّةُ الحكم، كتحريمِ النبيذِ لاجتماعِه والخمر (١) في الشدّةِ المطرِبةِ، فأما الأولى فإنه إثباتُ حكمٍ لبعضٍ، والبعضُ من جملة الكُل، كإفاضة الحكمِ على الأكثرِ لوجودِه في الأقلِ ليس بمعنى، بل مفهومُ الخطابِ ذاكَ في الكُل والبعضِ، وما شملَه حكمٌ من طريق النطقِ لم يكن قياساً كالعموم.
فصل
في شُبهةِ من لم يجعل الدلالةَ إلا نفسَ اللفظِ دون ما زادَ عليه
قالوا: المسموعُ الذي قرعَ سمعَ المكلَّف هو النهيُ عن التأفيفِ، وما عداه ليس بمسموعٍ من الشرعِ، فبقينا فيه على حكمِ الأصلِ، وهو الإباحةُ، وبقي المنعُ كسائر الألفاظِ.
وأما شبهةُ من جعلَ ذلك دلالةً من طريقِ اللفظِ دون فحواه، أن قال: إذا قال: لا تظلم أحداً بحبةٍ من مالهِ ولا تؤذه (٢) بالتَّقْطيبِ في وجهه. فإنه قد نهاه عن الظلمِ بالدينار لأنَّ في الدينارِ ستين حبّةً، وفي الأذيَّة بالسبِّ أضعافَ الأذيَّةِ بالتقطيبِ، فصارَ بمثابةِ قولِ القائلِ في قَسَمه: واللهِ لا أكلتُ لفلان لُقمة، ولا رويتُ من مائه بشربةٍ أو بجُرعةٍ. فإنه يكونُ حالفاً على الامتناعِ من أكلِ الرغيفِ وشربِ الماءِ الكثيرِ؛ لأنَّ في ذلك الماءِ الكثيرِ أضعافَ الجرعة، فهي جُرعٌ كثيرةٌ، فتدخل الجرعةُ في الماءِ الكثيرِ واللقمةُ في الرغيفِ.
وأما شبهةُ من قال: إنه قياس. أنَّ النهيَ عن التأفيفِ احتاجَ المجتهدَ إلى
стр. 1402
استخراجِ ما كان النهيُ عنه لأجله، فوجدَه الأذى بالتضجّر ولَحَظَ ما في الشتمِ والسب من الأذى والضربِ، فوجده أكثَر فعلم أنَ تعليقَ الحكمِ عليه بعلةِ الأذى من طريق الأولى، وهذا هو القياسُ.
فصل
في الجوابِ عن شُبههم
أمَّا قولُهم: إنَ الشتمَ ليس بملفوظٍ به، وليس الملفوظُ به سوى التأفيفِ، فبقي ما عداه من السبِّ والشتمِ على مقتضى الأصلِ، فإنه ليس سوى التأفيفِ، لكن لأجل ما يلحقُ به من التأذي والتألّمِ بالتبرمِ والتضجّر وذلك يعمُ بالمعقولِ كُلَّ أذى يلحقهما من جهته، وهذا عادةُ القومِ ولسانُهم، يقولُ الرجلُ منهم إذا أراد رفعَ السنَة عنه: والله لا شربتُ لك الماءَ من عَطشٍ. فيُعقل من ذلك أنه منَع نفسه من الانتفاعِ بما له، وجعلَ شربَ الماء حَسماً لمادةِ السنِنِ, حيث منعَ نفسَه بما لايُلحِقُ فيه كبيرَ منَةٍ.
وأما قولُ من جعلَه تبعاً من طريقِ اللفظِ، وأنه إذا منعَ من الظلمِ بحبةٍ كان مَنعاً من القيراط لِما فيه من الحبات، فهذا قد يردُ فيما لا يتحققُ فيه المنهيُ عنه، مثل النهي عن التأفيف، وهو قولٌ، فلا يدخلُ فيه الفعلُ؛ وهو الضربُ، وإنما يدخلُ فيه أذيّة الضربِ، وليس للأذية ذكر، لكن للمعنى من اللفظ، فالدينارُ والقيراطُ، وإن كان فيهما عدةُ حبات، إلا أن له اسماً يخصه يخرجُ به عن اسمِ الحبّةِ، دخلت من طريقِ غير اللفظِ، فيقول القائل: لم آخذ حبةً لكن ديناراً، وما سلّمتُ على زيدٍ، لكن سلمتُ على أهل القرية، وإنْ كان فيهم زيد، فللتخصيص حُكم غير التعميم والشمول.
فأما الجوابُ عن شُبهةِ من قال بأنه قياس، وقولهم: إن المعنى الملحوظَ المفهومَ من التأفيفِ هو الأذى، بما في طَيِّه من التبرُمِ والتضخرِ-فلما (١) رأى أنَ في الانتهارِ
стр. 1403
والسبِّ والضربِ من الأذى والإضرارِ ما يُوفي على التَّضجرِ، أثبتَ الحكمَ في المسكوتِ عنه بما عقَله من علّةِ المنطوقِ به، وهذا هو القياسُ بعينهِ -فليس بلازمٍ؛ لأنَّ هذا لغة وليس بقياسٍ؛ لأنَّ العرب إذا أرادت تركَ التطويلِ والمبالغةَ في الاختصارِ نبَّهت، فأتت بالتنبيهِ على ما زاد عليه، فإذا أرادت إزالةَ المنَّة قالت له: لا تَشرب له الماءَ من عطشٍ. فاكتفت بذلك عن ذكرِ أسباب المننِ، وإذا أرادت وصفَ إنسانٍ بالخَوَرِ والجُبنِ قالت: فُلان تُبكيه اللَّحظةُ (١) وتفزِعه اللفْظَة، ولهذا يوصل بقولها فضلاً عما زاد عليه. والذي يكشفُ ذلك أنَّ المعنى والقياس يحسنُ فيه الاستفهامُ ولا يحسنُ في الأولى الاستفهامُ، فإذا قال السيدُ لعبدِه: لا تَشرب لزيدٍ ماءً من عطشٍ.
فقال العبدُ: فآكُل من طعامِه؟ وأقبلُ عطاياه وهِباتِه؟ وإذا قال له: لا تَقُلْ لأبيكَ الكبيرِ الذي خَلفه الكِبرُ عندك: "أُفٍّ"، فقالَ الولدُ: هل أشتمه أو أضربه؟ لم يحسن ذلك، كما لو قالَ: لا تؤذِه بنوعٍ من أنواعِ الأذايا. وبمثله لو قال: لا تَبعِ الحِنطَةَ بالحنطةِ متفاضلاً، حَسُن أن يقولَ: فهل أبيعُ الشعيرَ بالشعيرِ متفاضلاً؟
فإن قيل: هذا القَدرُ لا يُعطي إلا أن التَنْبيهَ أوضَحُ وأكشفُ معنى، وهو عندنا قياسٌ جَليّ، فله رتبةٌ على القياسِ الخَفي.
قيل: هذا إقراو بأنه يسبقُ إلى الأفهامِ، ودعوى أنه قياس تسمية، وإلا فالقياسُ لا يُفهمُ إلا بأدنى فكرةٍ، وهذا يُعلمُ منه ما ذكرناه بأوَّلِ وهلةٍ وأسرعِ بادرة.
فمن قيل: لو كانَ مُستفاداً من اللفظِ؛ لكفاني يمينُ المنكرِ إذا ادعي عليه دينارٌ أن يقول: لا يَستحق علي حبةً. ولما احتاجَ أن يقولَ: لا يَستحق عينَ ما ادَعاه ولا شيئاً منه. عُلم أنَ ذكرَ الحبةِ ليس يستفادُ به الإنكارُ والنفيُ لفظاً، إذ لو كانَ كذلك؛ لكانَ قولُه: لا يَستحق عَليَّ حبَّةً. قائماً مقام قوله: لا يَستحق علي ما ادّعاه ولا شيئاً منه.
قيل: لم يكن هذا، لأنه ليس بمستفادٍ من طريقِ فحوى اللفظِ لا المعنى؛ لكن
стр. 1404
لأنه ليس بنص ولا يُكتَفى في دَفعِ الدعوى إلا بالنصِّ دون الظاهرِ، ولهذا لا يقبل في يمينِ المدَّعي: فواللهِ إني لصادق فيما ادَّعيته عليه. ولا يكفي في يمينِ المنُكِر ووالله إنه لكاذبٌ فيما ادّعاه عليَّ. كُل ذلك طلباً للنص الصريحِ دون الظاهر.
فصل
للخطاب دليلٌ هو حجّةٌ شرعيةٌ ودلالةٌ صالحةٌ لإثباتِ الحكمِ (١) وهو ضَربٌ من ضروبه، غير أنَ الأصلَ تعليقٌ على شرطٍ، وتعليقٌ على غايةٍ، وتعليقٌ على اسم، والكُل عندنا حجّةٌ معمولٌ به.
وعلته من البابِ: أنَّ الشيءَ إذا كان له وصفان فُعلِّق الحكمُ على أحدِ وصفيه مثل النَّعَم؛ منها سائمةٌ وعاملةٌ، فنقول: في سائمة البقرِ زكاة، فيجمع هذا القولُ نصاً ودليلاً، فالنصُّ: وجوبُ الزكاةِ في السائمةِ، والدليلُ: سقوطُ الزكاةِ في المعلوفةِ والعاملةِ، فهذا صورةُ المسألةِ في هذا الضربِ الذي هو تعليقُ الحكمِ على الوصفِ، وبهذا قال صاحبنا ﵁ في عدةِ مواضع، فهذا أشدُّ الناسِ قولا به، وكذلك الشافعيُّ رحمة الله عليه، والأكثرون من أصحابِه، إلا ابنَ سُرَيج (٢) والقَفّال (٢)، فإنهما قالا: ليس بحجةٍ. وكذلك القاضي أبو حامد (٣) منهم، وهو مذهب أبي الحسن
стр. 1405
الأشعري، وأبي بكر الباقلاني وأكثرِ المعتزلة، وإلى ذلك ذهب أبو الحسن التميمي (١) من أصحابنا، وهو مذهب مالك وكثير من أصحابه، وقول داود أيضاً، وأما أصحابُ أبي حنيفة فقالوا: ليس بحجةٍ (٢)، ثم اختلفوا إذا عُلق الحكمُ بشروطٍ، فقال الجُرجاني: لا يدلُّ على أنَ ما عداه بخلافِه. وقال غيرُه: يدل على أنَ ما عداه بخلافِه. وقال قومٌ منهم: إن عُلِّق على غايةٍ دل على أن ما بعدَ الغاية بخلافِ ما قبلَها، نحو قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقداختلف أصحابُ الشافعي في تعليقه على الاسم، هل يدُلّ على أنَ ما عداه بخلافه؟ على مذهبين (٣).
فصل
في جمع دلائلنا
فمنها: أنَّ هذا هو الموضوعُ المستفيضُ المعروفُ من لغة العربِ، وقد رواه أبو عُبَيد (٤) والشافعي. فأما أبو عبيد؛ فانه ذكر ذلك في قول النبي ﷺ : "ليُّ الواجدِ يُحل