← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

فصل والدلالةُ على أنه ليس بقياسٍ: أنَّ القياسَ والمعنى: أخذُ الحكمِ للفرعِ من أصلٍ وجدت فيه علّةُ الحكم، كتحريمِ النبيذِ لاجتماعِه والخمر (١) في الشدّةِ المطرِبةِ، فأما الأولى فإنه إثباتُ حكمٍ لبعضٍ، والبعضُ من جملة الكُل، كإفاضة الحكمِ على الأكثرِ لوجودِه في الأقلِ ليس بمعنى، بل مفهومُ الخطابِ ذاكَ في الكُل والبعضِ، وما شملَه حكمٌ من طريق النطقِ لم يكن قياساً كالعموم. فصل في شُبهةِ من لم يجعل الدلالةَ إلا نفسَ اللفظِ دون ما زادَ عليه قالوا: المسموعُ الذي قرعَ سمعَ المكلَّف هو النهيُ عن التأفيفِ، وما عداه ليس بمسموعٍ من الشرعِ، فبقينا فيه على حكمِ الأصلِ، وهو الإباحةُ، وبقي المنعُ كسائر الألفاظِ. وأما شبهةُ من جعلَ ذلك دلالةً من طريقِ اللفظِ دون فحواه، أن قال: إذا قال: لا تظلم أحداً بحبةٍ من مالهِ ولا تؤذه (٢) بالتَّقْطيبِ في وجهه. فإنه قد نهاه عن الظلمِ بالدينار لأنَّ في الدينارِ ستين حبّةً، وفي الأذيَّة بالسبِّ أضعافَ الأذيَّةِ بالتقطيبِ، فصارَ بمثابةِ قولِ القائلِ في قَسَمه: واللهِ لا أكلتُ لفلان لُقمة، ولا رويتُ من مائه بشربةٍ أو بجُرعةٍ. فإنه يكونُ حالفاً على الامتناعِ من أكلِ الرغيفِ وشربِ الماءِ الكثيرِ؛ لأنَّ في ذلك الماءِ الكثيرِ أضعافَ الجرعة، فهي جُرعٌ كثيرةٌ، فتدخل الجرعةُ في الماءِ الكثيرِ واللقمةُ في الرغيفِ. وأما شبهةُ من قال: إنه قياس. أنَّ النهيَ عن التأفيفِ احتاجَ المجتهدَ إلى

стр. 1402

استخراجِ ما كان النهيُ عنه لأجله، فوجدَه الأذى بالتضجّر ولَحَظَ ما في الشتمِ والسب من الأذى والضربِ، فوجده أكثَر فعلم أنَ تعليقَ الحكمِ عليه بعلةِ الأذى من طريق الأولى، وهذا هو القياسُ. فصل في الجوابِ عن شُبههم أمَّا قولُهم: إنَ الشتمَ ليس بملفوظٍ به، وليس الملفوظُ به سوى التأفيفِ، فبقي ما عداه من السبِّ والشتمِ على مقتضى الأصلِ، فإنه ليس سوى التأفيفِ، لكن لأجل ما يلحقُ به من التأذي والتألّمِ بالتبرمِ والتضجّر وذلك يعمُ بالمعقولِ كُلَّ أذى يلحقهما من جهته، وهذا عادةُ القومِ ولسانُهم، يقولُ الرجلُ منهم إذا أراد رفعَ السنَة عنه: والله لا شربتُ لك الماءَ من عَطشٍ. فيُعقل من ذلك أنه منَع نفسه من الانتفاعِ بما له، وجعلَ شربَ الماء حَسماً لمادةِ السنِنِ, حيث منعَ نفسَه بما لايُلحِقُ فيه كبيرَ منَةٍ. وأما قولُ من جعلَه تبعاً من طريقِ اللفظِ، وأنه إذا منعَ من الظلمِ بحبةٍ كان مَنعاً من القيراط لِما فيه من الحبات، فهذا قد يردُ فيما لا يتحققُ فيه المنهيُ عنه، مثل النهي عن التأفيف، وهو قولٌ، فلا يدخلُ فيه الفعلُ؛ وهو الضربُ، وإنما يدخلُ فيه أذيّة الضربِ، وليس للأذية ذكر، لكن للمعنى من اللفظ، فالدينارُ والقيراطُ، وإن كان فيهما عدةُ حبات، إلا أن له اسماً يخصه يخرجُ به عن اسمِ الحبّةِ، دخلت من طريقِ غير اللفظِ، فيقول القائل: لم آخذ حبةً لكن ديناراً، وما سلّمتُ على زيدٍ، لكن سلمتُ على أهل القرية، وإنْ كان فيهم زيد، فللتخصيص حُكم غير التعميم والشمول. فأما الجوابُ عن شُبهةِ من قال بأنه قياس، وقولهم: إن المعنى الملحوظَ المفهومَ من التأفيفِ هو الأذى، بما في طَيِّه من التبرُمِ والتضخرِ-فلما (١) رأى أنَ في الانتهارِ

стр. 1403

والسبِّ والضربِ من الأذى والإضرارِ ما يُوفي على التَّضجرِ، أثبتَ الحكمَ في المسكوتِ عنه بما عقَله من علّةِ المنطوقِ به، وهذا هو القياسُ بعينهِ -فليس بلازمٍ؛ لأنَّ هذا لغة وليس بقياسٍ؛ لأنَّ العرب إذا أرادت تركَ التطويلِ والمبالغةَ في الاختصارِ نبَّهت، فأتت بالتنبيهِ على ما زاد عليه، فإذا أرادت إزالةَ المنَّة قالت له: لا تَشرب له الماءَ من عطشٍ. فاكتفت بذلك عن ذكرِ أسباب المننِ، وإذا أرادت وصفَ إنسانٍ بالخَوَرِ والجُبنِ قالت: فُلان تُبكيه اللَّحظةُ (١) وتفزِعه اللفْظَة، ولهذا يوصل بقولها فضلاً عما زاد عليه. والذي يكشفُ ذلك أنَّ المعنى والقياس يحسنُ فيه الاستفهامُ ولا يحسنُ في الأولى الاستفهامُ، فإذا قال السيدُ لعبدِه: لا تَشرب لزيدٍ ماءً من عطشٍ. فقال العبدُ: فآكُل من طعامِه؟ وأقبلُ عطاياه وهِباتِه؟ وإذا قال له: لا تَقُلْ لأبيكَ الكبيرِ الذي خَلفه الكِبرُ عندك: "أُفٍّ"، فقالَ الولدُ: هل أشتمه أو أضربه؟ لم يحسن ذلك، كما لو قالَ: لا تؤذِه بنوعٍ من أنواعِ الأذايا. وبمثله لو قال: لا تَبعِ الحِنطَةَ بالحنطةِ متفاضلاً، حَسُن أن يقولَ: فهل أبيعُ الشعيرَ بالشعيرِ متفاضلاً؟ فإن قيل: هذا القَدرُ لا يُعطي إلا أن التَنْبيهَ أوضَحُ وأكشفُ معنى، وهو عندنا قياسٌ جَليّ، فله رتبةٌ على القياسِ الخَفي. قيل: هذا إقراو بأنه يسبقُ إلى الأفهامِ، ودعوى أنه قياس تسمية، وإلا فالقياسُ لا يُفهمُ إلا بأدنى فكرةٍ، وهذا يُعلمُ منه ما ذكرناه بأوَّلِ وهلةٍ وأسرعِ بادرة. فمن قيل: لو كانَ مُستفاداً من اللفظِ؛ لكفاني يمينُ المنكرِ إذا ادعي عليه دينارٌ أن يقول: لا يَستحق علي حبةً. ولما احتاجَ أن يقولَ: لا يَستحق عينَ ما ادَعاه ولا شيئاً منه. عُلم أنَ ذكرَ الحبةِ ليس يستفادُ به الإنكارُ والنفيُ لفظاً، إذ لو كانَ كذلك؛ لكانَ قولُه: لا يَستحق عَليَّ حبَّةً. قائماً مقام قوله: لا يَستحق علي ما ادّعاه ولا شيئاً منه. قيل: لم يكن هذا، لأنه ليس بمستفادٍ من طريقِ فحوى اللفظِ لا المعنى؛ لكن

стр. 1404

لأنه ليس بنص ولا يُكتَفى في دَفعِ الدعوى إلا بالنصِّ دون الظاهرِ، ولهذا لا يقبل في يمينِ المدَّعي: فواللهِ إني لصادق فيما ادَّعيته عليه. ولا يكفي في يمينِ المنُكِر ووالله إنه لكاذبٌ فيما ادّعاه عليَّ. كُل ذلك طلباً للنص الصريحِ دون الظاهر. فصل للخطاب دليلٌ هو حجّةٌ شرعيةٌ ودلالةٌ صالحةٌ لإثباتِ الحكمِ (١) وهو ضَربٌ من ضروبه، غير أنَ الأصلَ تعليقٌ على شرطٍ، وتعليقٌ على غايةٍ، وتعليقٌ على اسم، والكُل عندنا حجّةٌ معمولٌ به. وعلته من البابِ: أنَّ الشيءَ إذا كان له وصفان فُعلِّق الحكمُ على أحدِ وصفيه مثل النَّعَم؛ منها سائمةٌ وعاملةٌ، فنقول: في سائمة البقرِ زكاة، فيجمع هذا القولُ نصاً ودليلاً، فالنصُّ: وجوبُ الزكاةِ في السائمةِ، والدليلُ: سقوطُ الزكاةِ في المعلوفةِ والعاملةِ، فهذا صورةُ المسألةِ في هذا الضربِ الذي هو تعليقُ الحكمِ على الوصفِ، وبهذا قال صاحبنا ﵁ في عدةِ مواضع، فهذا أشدُّ الناسِ قولا به، وكذلك الشافعيُّ رحمة الله عليه، والأكثرون من أصحابِه، إلا ابنَ سُرَيج (٢) والقَفّال (٢)، فإنهما قالا: ليس بحجةٍ. وكذلك القاضي أبو حامد (٣) منهم، وهو مذهب أبي الحسن

стр. 1405

الأشعري، وأبي بكر الباقلاني وأكثرِ المعتزلة، وإلى ذلك ذهب أبو الحسن التميمي (١) من أصحابنا، وهو مذهب مالك وكثير من أصحابه، وقول داود أيضاً، وأما أصحابُ أبي حنيفة فقالوا: ليس بحجةٍ (٢)، ثم اختلفوا إذا عُلق الحكمُ بشروطٍ، فقال الجُرجاني: لا يدلُّ على أنَ ما عداه بخلافِه. وقال غيرُه: يدل على أنَ ما عداه بخلافِه. وقال قومٌ منهم: إن عُلِّق على غايةٍ دل على أن ما بعدَ الغاية بخلافِ ما قبلَها، نحو قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقداختلف أصحابُ الشافعي في تعليقه على الاسم، هل يدُلّ على أنَ ما عداه بخلافه؟ على مذهبين (٣). فصل في جمع دلائلنا فمنها: أنَّ هذا هو الموضوعُ المستفيضُ المعروفُ من لغة العربِ، وقد رواه أبو عُبَيد (٤) والشافعي. فأما أبو عبيد؛ فانه ذكر ذلك في قول النبي ﷺ : "ليُّ الواجدِ يُحل

стр. 1406

عِرضَه وعُقوبَتَه" (١)، والواجِد هو الغني، وليه: مَطْلُهُ، وهو بعينه في معنى قوله ﵊: "مَطْلُ الغَني ظُلم" (٢)، قال أبو عبيد: أراد أن مَنْ ليس بواجدٍ لا يَحلُّ ذلك منه. وقال غيره: وعرضُه يَحِل بالمطالبة، وعقوبتُه بالحَبْس، ومَطل غير الغنيَّ ليس بظلم. وقال أيضاً في قوله ﵊: "لأنْ يمتلىء جوفُ أحدِكم قَيحاً خيرٌ له من أن يَمتلىءَ شِعراً" (٣)؛ وقد قيلَ له: إنما أرادَ بهِ الهجاءَ من الشعرِ وسب الناس أو ما هُجيَ بهِ الرسولُ ﷺ . فقال: لو كانَ ذلك هو المرادَ، لكان لا معنى لتعليقِ ذلك بالكثرةِ، وتعليق التحذيرِ منه والنهيِ عنه بامتلاءِ الجوف منه؛ لأنَّ قليلَ الهجاءِ ككثيره، يعني بذلكَ أن ما دون ملءِ الجوفِ لا يتعلّق الذّمُ به (٤)، فقد فهم أبو عبيد من تعليقِ الذَم عليه بامتلاءِ الجوف أن ما دون ذلك بخلافِه، وأنَّ قليلَ الهجاءِ وكثيرَه

стр. 1407

غيرُ مراد بهِ، وقول أبي عبيد حجّةٌ في باب اللغة. ومنها: أنَّ النبيَ ﷺ عَقلَ من القرآن ذلك، حيثُ نزلَ قولُ الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فقال النبي ﷺ :"والله لأزيدنَ على السبعين" (١)، فعقَل أنَ ما زاد على السبعينَ بخلافها. ومنها: قولُ ابنِ عباس في امتناعِه من حجبِ الام إلى السدسِ، وأنَ ما دون الثلاثِ وأقل الجمعِ لا يحجبُ الأم (٢)، فعقَلَ أن ما دونَ أقل الجمعِ بخلافِ حكمهِ في الحجبِ به، وخالفَ الصحابةَ في توريثِ الأخت مع البنتِ (٣)، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] وهذا استدلالٌ بدليلِ الخطابِ؛ لأنه أخذ من قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أنه إذا كان له، فليسَ للأختِ النصفُ الذي فُرضَ لها، والبنتُ ولد فلم تكن الأخت معها وارثةً، وهذا دليلُ النطق، وقد أخذ به (٤)، وقال أيضاً: لا ربا إلا في النسيئةِ لقول النبي ﷺ :

стр. 1408

"إنما الربا في النسيئة" (١)، فأجازَ البيع نقداً ولم يجعل في النقدِ رباً لكونه دليلَ النص على النسيئة، وهو من فصحاء الصحابةِ وترجمانُ القرآن. ومنها: قولُ الأنصار لا غُسلَ بالتقاء الختانين من غير إنزال، واعتمدوا في ذلك قولَ النبي ﷺ : "الماءُ من الماء" (٢) ومعلومٌ أن هذا نص فى غيرِ موضع الخلاف؛ لأن إيجابَ الغسل لأجلِ إنزالِ الماء لم يخالفهم فيه أحد، لكن دليلُ هذا النص: ولا ماءَ من غير ماء، معناه: ولاغُسلَ بالماءِ على من لم ينزل الماءَ، فبه عملِوا، وعليه عوَّلوا. ومنهم من قالَ بوجوبِ الغسلِ مع الإكسالِ من غيرِ إنزالٍ، وأجابَ بأنَّ خبر: "الماءُ من الماءِ" منسوخٌ (٣)، ومعلومٌ أنهم لم يريدوا نسخَ المنصوصِ؛ لأنَّ "الماء من الماء" متفقٌ على بقاءِ حكمِه، لكن أرادوا بالمنسوخِ دليلَه، فقد بأن أنَّ هذا اتفاقٌ منهم على القولِ بدليلِ الخطابِ، إذ لو لم يقولوا به أغناهم عن ذلكَ كلهِ قولُهم: نحن قائلون بأنَّ الماءَ من الماءِ، ويبقى من التقاءِ الختانين من غيرِ إنزالٍ على مُقتضى

стр. 1409

الأصل، وهو براءةُ الذمّة من إيجابِ الغسلِ. ومنها: قولُ يَعلى بن مُنْيَةَ لعُمر بن الخطاب ﵁: كيف نَقْصُر وقد أمِنَا؛ وقول عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسالتُ رسولَ الله ﷺ ، فقال: "صَدقةٌ تصدق اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته" (١) فعقلا من قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، جوازَ قصر الصلاة عند الخوف، وعقلا من دليله وجوبَ إتمامها عند الأمنِ، بخلافِ حكمِ ما تَناوله الشرط. ومنها: ان النبي ﷺ امتُدح بقوله: "أُوتيتُ جَوامع الكَلِم، واختُصِرت لي الحِكمة اخْتِصاراً" (٢)، فإذا قال: (في سَائمة الغَنَم الزَّكَاة)، وكانت السائمةُ والمعلوفةُ والعواملُ عنده سواء، كان هذا تطويلاً للكلام لغير فائدة. ومنها: أن نقولَ: معلومٌ أنه لو قال: (في الغنمِ الزكاةُ)، كان الحكمُ هو إيجابَ الزكاةِ عاماً في جميعِ الغنمِ، فإذا قال: (في سائمةِ الغنم)، صارَ مخرجاً بهذا القولِ ما لولاه لكان داخلاً في الحكم، فصار كالتخصيصِ والاستثناءِ. فنقول: نيطَ باللفظِ ما لو اختزل عمَّ، فاقتضى نَفياً وإثباتاً كالمستثنى مع المستثنى منه، والعمومِ مع التخصيصِ، والغاية على من يسلمها ويقولُ: إنَ تعليقَ الحكم بالغاية (٣) يدُل على مخالفةِ ما بعدها لما قبلها في نفي الحكمِ عنه، وتعليقِ الحكمِ على الشَرطِ على من يسلِّمه منهم على ما حكيناه عن بعضِهم، ويكشفُ هذا بأنّ

стр. 1410

قائلاً لو قال: أعطِ بني تَميم، أو وصَّيت لبني تميم كذا وكذا من مالي. ثم نسق الكلامَ بأن قال: المشايخ. ثم نسق الكلام بأن قال: الشُجعانِ القُراءِ. فإنه لو سكت على الأول لعم العطاءُ والإمضاءُ بما وصَّى به جَميعهم، فلما نسق الكلامَ الأول بصفةٍ بعد صفةٍ خرجَ منهم من ليس بشيخٍ شُجاعٍ قارىءٍ، وبقيَ منهم من اجتمعَ فيه الخصالُ الثلاثُ، كالخصوصِ والاستئناءِ. ومنها: أنه لو قال: يُحرمُ من الرضاعِ خمسُ رضعاتٍ، وطهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولغَ الكلبُ فيه أن يَغسلَه سَبعاً. وكانَ ما دون الخمسِ يُحرمُ، وما دون السبعِ يُطَهر خرج أن تكون الخمسُ محرمةً، والسبعُ مُطهرة لإناء إذا صورنا أن الستة تُطهر والأربع تُحرم، جاءت السابعةُ إلى محل طاهرٍ فلم تعمل في تطهيره، وجاءت الرضعةُ الخامسةُ إلى مَحل محرَمٍ، فلم تؤثر فيه تحريما ولا يجوزُ أن يسقط حكمُ دليلِ النطقِ إذا كان مُسقِطاً للمنطوقِ به. ومنها: أنَ العربَ إذا قالت للعبدِ: اشتر لي عبداً أسودَ، وإذا قامَ زيدٌ فاضربه. كان ذلكَ نَهياً للعبدِ عن شراءِ الأبيضِ، وضربِ زيدٍ حالَ قعودِه قبل قيامِه، ولا يعرفُ في لُغتِها أن تُقَيدَ الشراء بالأسود، والأبيضُ والأسودُ عندها سواء ولا تُقَيِّد الضَّرب بالقيامِ، والقُعودُ والقِيامُ عندها سواء؟! فعلى هذا؛ إذا قال اللهُ سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، كان تقييدُه بالعمدِ مقيداً للحكم بالتقييدِ ونافياً له عما عُدِمَ فيه التقييدُ، وهو صفةُ العَمْدِ، وقوله في المطلقات: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فاقتضى ذلك أن البوائنَ الحواملَ لا نفقةَ عليهن، وعلى هذا لغةُ العربِ لا نَعرفُ سوى ذلك. ومنها: لنفي الحكم عما عدا المشروط قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ

стр. 1411

بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فلا يكون لذكرِ الفِسق فائدةٌ إذا لم نعمل بدليلِ اللفظِ، وأنه إذا جاء عدل بنبأ عَملنا به، ولم نتوقف على العملِ بخبر وشَهادتِه، والعربُ على ذلك؛ فإن القائلَ منهم إذا قال لعبدِه: إذا جاءني زيدٌ مُعتذِراً؛ فأكرمه، وإذا جاء عمرو زائراً، فاخْدُمه. كانَ ذلكَ مُوجِباً بصريحِ الشرطِ إكرامَ زيدٍ إذا جاء معتذراً، وخدمة عمروٍ إذا جاء زائراً، ومُسقِطاً عنه الإكرام والخدمةَ مع عدمِ الشرطين اللذين ذكرهما. ومنها: في الدلالةِ على أنَ ما بعدَ الغايةِ مخالف لما قبلها؛ لأنها نهايةُ الحكمِ والسببُ الذي يُنتهى إليه، فلو كان [ما] (١) بعدَ الغاية كما قبلها؛ لخرجت عن أن تكون غاية، ولهذا لا يحسُن أن يقولَ لعبدهِ: اضرب المذنبَ من عبيدي حتى يتوب. وهو يريدُ: واضربه بعدَ أن يتوب. ولهذا لا يحسُنُ أن يصَرِّحَ فيقول: واضربه بعد التوبةِ؛ لأنه يخرجُ ذكرُ الغاية في البيان (٢) أن يكون مفيداً، ويصح أيضاً أن يقولَ القائلُ لغيره: لا أعطيك شيئاً من مالي حتى تتوبَ، وإذا تبتَ فلا اعطيك شيئاً حتى تَخرجَ عن حيز ما يَتخاطب به الناسُ إلى الَّلغوِ والعَبث. فصل فيماوجَّهوه من الأسئلةِ على جميع أدلّتنا فمنها: أنَّ دعواكم أن ذلك لغةُ العرب، فليس يثبت بما ذكرتموه عن أبي عُبيدٍ والشافعي؛ لأنهما لم يرويا ذلك عن العَرب، بل، قالاه برأيهما وظنهما، وقد يظنان ذلكَ وتكون اللغةُ بخلافِ ما ظنَاه من العربِ ومن النبي ﷺ ، إذ ليسا معصومَين، ولو رَوياه فليس في وُسعهما روايته عن جميع العرب، بل عمَّن وقع لهما، ولو كان لغةً موضوعةً لاتنقل إلينا تواتراً لا يحصُلُ معه خلاف، فكلامهما يَدُل على أنهما قالاه

стр. 1412

اجتهاداً؛ لأنهما قالا: لو كان العادمُ كالواجدِ، لم يكن لتقييده بالواجدِ معنىً. قالوا: على أنَّ ما ذكرناه يقابلُه ما رُويَ عن الأخفش (١) أنه قالَ: قولُ القائلِ: ما جاءني غير زَيد. لا يدُل على مجيء زيد، بل يَدُلّ على نفي مجيء غيره، دونَ إثبات مجيئه. فيقال: أبو عبيد ذكرَ ذلك في كتب اللغةِ، ولم يذكره في كتب الأحكامِ، وليسَ في اللغةِ اجتهادٌ، إنما هي نقل، وقولُ الأخفشِ لا يقابِلُ قولَ أبي عُبيد؛ لأنَّ الأخفشَ نحويٌ، ولم يكن من المبرزين في اللغة، وأبو عُبيد إمامٌ في اللغة، وله "غريبُ المصنف" وغيرُه من كتب اللغة. ومنها: أن قالوا: الرواية عن النبي ﷺ أنه قال: "لأزيدنّ على السبعين (٢) "، فإنه من أخبارِ الآحادِ التي لا يثبتُ بمثلها هذا الأصلُ؛ ولأنه يبعد من سيرة النبي ﷺ ودِقةِ فهمِه أن يسمعَ اللهَ سبحانه يبعدُه ويُؤيسه من المغفرة للمنافقين بقوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، ثم يقول: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، ويقصد أنَّ التكثير من الاستغفار لا يَنفع ولا يُسمع، فيلج ويُلحُ حتى يقول: لأزيدنّ، هذا يخرج مجرى العنادِ الذي لا يليق به ديناً ولاخُلقاً. على أنه لو زاد لكانت زيادتُه استصلاحاً للمنافقين الأحياءِ بالاجتهاد في الشفاعةِ من أقاربهم، ويجوزُ أن يقصدَ الاستصلاح بنوعٍ من الإلحاحِ في السؤال لا لأجل أنه عَقَل من ذلك النطقَ، إذ الزيادةُ على السبعين قد تنفعُ وتستجابُ. قالوا: وقد قال عمر ﵁: إن النبي ﷺ قال: "لو علمتُ إذا زدتُ على

стр. 1413

السبعينَ أن يَغفِرَ اللهُ لهم لزدتُ" (١) فبطل أن يكون تعلق بالدليلِ، وإنما علق ذلك بوجودِ طريق يعلم به أن الزيادةَ على السبعينَ تنفعهم، فيقال: إن هذا ذكره يحيى بن سلام في تفسيرِه المعروف عن قتادة قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : "قد خَيرَني ربي" فوالله لأزيدهم على السبعين، وفي لفظٍ آخر: "ولأستغفرن لهم" (١)، فأنزل الله في سورة المنافقين: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، وكونُه من أخبارِ الاَحادِ لا يمنعُ ثبوتَ الأصلِ به؛ لأنه ينحطُّ عن الأصولِ القطعيةِ إلى كونه من مسائلِ الاجتهاد. وأما قولُهم: إنه لا يُظن بالنبي ذلك. فهذا رد للأخبار بالاستدلال، ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ السُنَنَ تأتي بالعجائب، وهي من أكبر الدلائل لإثبات الأحكامِ. والمحققونَ من العلماءِ يمنعون رد الأخبارِ بالاستدلال كما روى أصحابُ أبي حنيفة خبرَ القَهقهةِ، وأنَ ضريراً دخل مسجد رسول الله ﷺ فوقع في زُبيةٍ (٢)، فضحكَ قومٌ في الصلاة، فقال النبي ﷺ لما سلم: "مَنْ ضَحكَ قَرقَرةً فليُعد الوضوءَ والصلاةَ" (٣). فقيل لهم: هذا الخبرُ بعيدٌ عن الصحة؛ لأنَّ أصحابَ رسول الله موصوفون بالرأفةِ والرحمةِ والعدالةِ، فيكف يضحكون في مسجدِ الرسولِ في الصلاةِ معه من أعمى يوجبُ سقوطُه الرحمةَ والرقةَ دون الضحك؟! فقال المحققون: الخبر مرويٌ، فلا يُردُّ بالاستدلالِ، واستدلوا في ذلك بأنَّ بيِّنةً لو شهدت على رجلٍ صالحٍ معروفٍ بالخيرِ بعيدٍ من الشَّر بأنه أتلفَ مالَ إنسان أو غصَبه، لم يَجُزْ أن تُرَّد شهادتُهم بالاستبعاد لها، لمكان صلاحِ المشهودِ عليه وديانته،

стр. 1414

وكذلك لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم:١٣] النبيُ ﷺ رأى ربّه بعين رأسه مرّتين (١)، فقالت عائشةُ: لقد قَف (٢) شعري مما قال ابن عباس، والله تعالى يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٣) [الأنعام: ١٠٣]، فردّت خبرَ ابن عباس بالاستدلال، فلم يعوِّل أهلُ التحقيقِ على ردها ذلك، لأنه سمع ما لم تَسمع، وروى ما لم تعلم، فوجب قبولُ روايته دون الاستدلالِ عليه، على أنَ الغُفران لهم ليس بمحالٍ في العقلِ، بل يجوزُ ذلك، ولو أراد الله أن يَغفِرَ لهم بشفاعتِه وبغيرِ شفاعتِه لفَعَل، كما قبل شفاعَته في تأخير العذابِ عنهم مع كفرهم، وأزال عنهم ما كان من عذاب الأممِ قبلهم، وكما قَبل شفاعتَه بالإذن في زيارةِ أمّه، ومنعه من الاستغفار لها (٤)، وقوله: "لأزيدنّ"، ليس على طريق العِناد والإلحاح، لكن لما جوز أن تكون الزيادةُ مقبولةً، أقدم عليها طمَعاً في إجابته. والذي يوضِّح أن اللفظ لم يقصد به الإياس: أنه أنزل بعد ذلك في سورة

стр. 1415

المنافقين قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، فدلّ على أن الإياس لم يتقدّم، وأن السبعين أبقت مكاناً للرجاء، فلما سلك الشفاعة بمقتضى الرجاءِ أنزلَ ما أوجب الإياس، رافعاَ لحكم الأوّل. ومنها: أن قالوا: أما الصحابةُ رضوان الله عليهم لم يرجعوا إلى دليلِ الخطابِ، لكن أخذوا في إيجاب الغسل، وإرثِ الأختِ مع عدم البنت، والمنعِ من بيعِ النسيئة، وقصرِ الصلاة، وكان عملهم في ذلك بالخطاب، ثم إنهم عوَّلوا فيما ليس فيه نطقٌ بدليلٍ غير دليل الخطاب، وهو استصحابُ حالِ الأصلِ وأن لا غُسلَ ولا وارثَ ولا ربا ولا قصرَ إلا بدليلٍ يوجبُ ذلك، وهذا أحدُ الأدلة، لكنه دليلٌ يفزع إليه المجتهد عند عدم الأدلّة. فيقالُ: إنَ القومَ ما تعلقوا في ذلكَ إلا بالنطق فيما نُصَّ فيه على الحكمِ، وبدليلِ خطابِه، ولا أحدٌ منهم عوَّل على استصحابِ حكم البراءة، ألا ترى أن يَعلى بن مُنْيةَ قال لعمر فما بالُنا نَقصرُ وقد أمنّا، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، فذكرَ الأمنَ والخوفَ، فالخوفُ تعلُّقٌ بالشرط، والأمنُ تعلق بدليلِ النطقِ لعدمِ القصدِ. وقالوا في قوله: "الماءُ مِنَ الماء" (١) رخصةٌ ونسخ، وإنَما أرادوا دليلَ خطابِه؛ لأنَّ النطقَ [ليس] (٢) بمنسوخ باجماعِ، ولو أرادوا البقاءَ على الأصلِ لما ذكروه بالنسخ؛ لأنَّ النسخَ ضدُّ البقاء؛ لأنَّ البقاءَ على حكمِ الأصلِ تمسُّك بثابت، والنسخُ رفعٌ، فدل على أن التعلق كان منهم بدليل الخطابِ دون استصحابِ الحالِ؛ لأنه لم يُذكر منهم الأصلُ ولاعُوَّل عليه. ومنها: أن قالوا: هذا قولُ آحادِ منهم، ويجوزُ أن يكونَ قالوه باجتهادِهم، فلا يكون حجةَ على من خالفهم، ولأنَ تعلُّق ابن عباس بنفيِ الربا في النقدِ كان بأمرٍ

стр. 1416

يخرجُ (١) عن دليل الخطاب (٢)؛ لأنَّ اللفظَ المرويَ على وجهين يقتضيان النفيَ والإثباتَ، لأنه قال: إنما. وإنما للحصر، والحصرُ إثبات ونفي، كقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة النساء: ١٧١]، "إنما الولاءُ لمن أعتق" (٣)، ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]،وفي لفظ آخر عن النبي ﷺ : "الا ربا إلا في النَّسيئة" (٤) فيكون تعلقُ ابنِ عباس بهذا دون دليل الخطاب. فيقال: إن المحَتجَّ والمحَتجَّ عليهم جَمٌّ غفير وخلق كبير، وجرى بينهم في ذلك ما لو كان أمراً خارجاً عن اللغةِ لردّه السامعُ، ولما تعلَّق به المستدلُّ، وهم في اللغة مشتركون، وهي نقل لا مدخلَ للاجتهاد فيها. وإنما الاجتهاد في الأحكامِ، ولم نتعلّق نحنُ بمذاهبهم لكن باحتجاجهم. وأمَّا (إنما) فهي للإثباتِ، والنفيُ مأخوذٌ من قبل الدليلِ لا الصيغةِ، والروايةُ التي تتضمّنُ الاستثناءَ. وقوله: "لا ربا إلا في النسيئة" غيرُ معروفٍ في أصل، ولعل الراوي ظنَّ، أو حمل (إنما) على ذلك، فرواه بالمعنى (٥). ومنها: أن قالوا: إنَّ قوله: اشترِ لي عبداً أسود، واضرب زيداً إذا أذنب. أن المعقولَ من ذلك إيقافُ الفعل على الشرط، وهو السوادُ في العبد، والذنبُ للضرب، فأمَّا نفيه، فإنه لم يكن للمخالفةِ بين السوادِ والبياضِ، والذنبِ والتوبةِ من جهة اللفظ، غير أنَّ شراءَ العبدِ الأبيضِ، وضربَ المذنبِ بعد التوبةِ بقيَ على حكمِ

стр. 1417

الأصلِ، وأنه لا يجوزُ الشراءُ مع عدمِ الإذنِ، ولا الضربُ مع عدمِ الأمرِ بهِ، وإن حَسُنَ العتبُ؛ فإنما حَسُنَ على الضربِ بغيرِ أمرٍ، وشراء الأبيضِ بغيرِ إذنٍ، لا لأنه خالفَ مقتضى اللفظِ ودليلَه. فيقال: إنَ كونَ الأصل صالحاً للتمسّك به والتعويلِ عليه لا يمنع كونَ دليلِ النطقِ عاملاً غير معطَل، كما أنَ فحوى الخطاب عاملٌ في منعِ الضربِ والشتمِ للوالدين في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الاسراء: ٢٣]، وإن كان الأصلُ في إيجابِ شكر الوالدِ وكلِّ منعمٍ كافياً وصالحاً، ولم يُعطِّل فحوى خطابه في منع التأفيف. وكذلكَ نصُّ الشرع على الأعيانِ في تحريمِ التفاضلِ، يصلُح قصرُ الحكمِ عليها دون التعليل، كما قال أهل الظاهر (١)، لكنَّا لم نعطلها على استنباطِ التعليل حتى عَدَّينا الحكمَ إلى أمثالهِا، وكُل مشاركٍ لها فيما يلوحُ لنا أنه علّية حُكم، كما يحسنُ أن يعاتبَ العبدَ إذا اشترى الأبيضَ، وإذا ضربَ بعد التوبة، ويَجعل علّية عَتبه عَدم إذنه له. يحسنُ أيضاً أن يقول له: لو كانَ الأبيضُ عندي والأسودُ سواءً، لما خصصتُ الأمرَ بالأسودِ، ولولا أني أكره شراءَ الأبيضِ، لما قيدتُ أمري بشراء الأسودِ، ولو كان التائبُ عندي كالمذنبِ، لما قيدتُ الضربَ بالذنب، والتعلُّقُ باستصحابِ الأصلِ تعطيل لدليلِ النطق مع إمكانِ إعماله. كما أنَّ حرف (إلا) في بابِ الاستثناءِ قد يجيء بمعنى الواو العاطفةِ، وإذا أطلق لا يخرجُ عن إعمالِه في إخراجِ بعضِ الجملةِ المستثنى منها، وكذلكَ العمومُ قد يجيءُ بمعنى الخصوص، ويُحملُ على عمومِه باطلاقِه. كذلك دليلُ الخطابِ، وهو ظاهر من لغتهم، فلا يُعدل عنه إلى البقاءِ على حكمِ الأصل. ومنها: أن قالوا: المستثنى والمستثنى منه يشتملُ على لفظين، إثبات، وهو قوله: عشرة، ونفي، وهو قوله: إلا درهمان. وكذلك التخصيصُ، قوله: اقتلوا المشركين،

стр. 1418

وهذا لفظُ إثباتِ الحكمِ، وهو القتلُ، وقوله: لا تقتلوا أهل الكتابِ، لفظُ تخصيص، وكلاهما قد جمعَ النفيَ والإثباتَ. فأمَّا في مسألتنا؛ فأنه لم يوجد منه إلا قوله: "في سائمةِ الغنمِ الزكاةُ" (١)، ولم يتعرض لنفي الزكاةِ عن المعلوفةِ ولا العاملةِ، فأين هذا من التخصيص والاستثناءِ؟ فيقال: لا فرقَ بين التخصيص بهذا الإثبات، وبين التخصيصِ بالفاظِ النفيِ، وذلك أنه إذا قال: اقتل المشركين. عمَّ كل مشرك، فاذا قال: وتجنب قتلَ أهلِ الكتابِ، وكُف عمن له شبهةُ الكتابِ. فمنه يخرج من العمومِ من يقيد بوصفِ الكتابِ وشبهةِ الكتابِ، بصريحِ النهيِ عن قتلهم القاضي على عمومِ أهلِ الشرك. وفي مسألتنا إذا قال: الزكاةُ في الغنم والبقر. عم الكُل، فاذا قال: السائمة، خرجت المعلوفة، وإذا قال: وصيتُ بثلثي لبني تميم، عمَّ جميعَهم بالوصية بثلثِه، فإذا قال عقيب ذلك: المشايخِ القُرّاء الشجعانِ تَمحقَ (٢) بكل وصف ذكره ذلك العمومٍ، حتى بقي أوصياؤه (٣) هم الجامعون للشيخوخةِ والشجاعةِ والقراءةِ، فكلما زادَ وصفا، أخرجَ قوماَ منهم، حتى صار كأنه قال: إلا الأميينَ الجبناءَ الشبابَ. فهما في المعنى سواء، وإن اختلفا في الصيغةِ، فحرفُ إلا للإخراج، وتقييدُه بالوصفِ أو الشَّرط أو الغاية للإخراجِ المندرجِ في الإثباتِ. وليس من حيثُ لم يأتِ بحرفِ الإخراج، لا يعمل التقييدُ بالصفاتِ والشروطِ والغايات عملَ لفظِ الإخراج، كما أنَ فحوى الخطاب إنما هي عن التأفيفِ، ولم يتعرض للضربِ والشتم نطقاً، لكنه عُقِلَ من نهيه عن الأدنى نهيُهُ عن الأعلى، كذلك يُعقل من تقييدهِ بالشَوم في باب الزكاة، وتقييد السيدِ من العربِ إذا أمر عبده

стр. 1419

بشراء الخبزِ بالسميذِ، والتمر بالجيدِ، واللحم بالطري، نفيُ الزكاة عن العواملِ والمعلوفة، ونهيُ العبدِ عن شراء الخبزِ الخُشار (١)، والتمرِ الرديء، واللحمِ البائت. وكذلك نهيُه عن قَضاء القاضي وهو غضبان ليس فيه ذكرُ الجوعِ والعطشِ والحزنِ والهم، ولا في الأعيان المنهيَّ عن التفاضل فيها ذكرُ الأرز والذُّرَةِ والعَدَسِ، لكن لما عُقِلَ منه الحكمُ مع شغلِ القلبِ المانعِ من إعطاءِ الحكمِ حقه من الاجتهادِ، والطُعمُ في الأعيانِ أو القوت أو المكيل عُدَّيَ الحكمُ إلى ما شاركَ المنطوقَ في المعنى المعقولِ، وكذلكَ العاقلُ المكلفُ لا يقيد التَمر بالجودةِ، والخبزَ بالنقاءِ، واللحمَ بالطراوة إلا وله رغبةٌ في تلكَ الأوصافِ، ورغبةٌ عن أضدادها، وكراهةٌ لما خالفها. ومنها: أن قالوا: المستثنى والمستثنى منه جملةٌ واحدةٌ، كالابتداءِ والخبرِ بقولهم: عشرةٌ إلا درهمان. أحدُ اسمي الثمانية، فهو كقولهِ: زيْدٌ قائمٌ، وعمروٌ منطلقٌ. فأما في مسألتِنا، فمن قوله: "في سائمة الغنمِ زكاةٌ" (٢)، ليس هو مع تقدير وليس في العواملِ زكاةٌ جملةً، ولا ثَبتَ ذلك في اللغةِ، فيقالُ: بل دليلُ النطقِ مع النطقِ كالجملة، فلما قال: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، كان من فحوى اللفظ: فضربه، فانفلق، وكذلك قولُه: اشترِ تمراً جيداً، وخبزاً سميذاً، (٣ كان ذلك مع تقدير نهيه ٣) عن الرديء كالجملة الواحدة، فالنطقُ مع دليلهِ كالابتداءِ مع خبره، والتنبيهِ مع المنبَّه عليه، ولا فرق بينهما عندنا. فصل جامعٌ لِشُبَههم فمنها: أنه لو كان للخطابِ والنطقِ دليلٌ في الشرعِ لما جاز أن ينخرم، فيوجدُ دليل الله سبحانه عارياَ من مدلوله، فلما تعطَل خطابُ كثيرٍ من خطابِ الشرع عن

стр. 1420

مدلول ما ادعيتموه دليلاً، بطلَ كونُه دليلاً على (١) الحكم، ومعلوم أنَ من تتبعَ آيات الكتابِ العزيزِ وجَدَ كثيراً من ذلك معطلاً عن الحكم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]، فهذه النواهي كلُها منعت ما يتناوله النطقُ، ولم ينتفِ الحكمُ بانتفائها، فلا يجوز قتلُ الأولادِ لا لخشية الإملاقِ، ولا أكلُ الربا اليسير ولا أكلُ مال اليتيم لا على وجه الإسرافِ، فبطل الاعتمادُ على دليلِ النطق، إذ لوكان دليلاً على أحكامِ الشرعِ لما وُجِدَ متعطلاً عن مدلوله. فيقالُ: إنه إنما خرجَ الدليلُ ها هنا عن إيجابِ حكمهِ لما قامَ من الأدلةِ (٢) على تعطيلهِ، فصارَ النهيُ عن إكراهِ الإماءِ على الزنى، والإذنُ لهُن في الزنى، وإهمالُ أمرهنَّ، وتركُ نَهيهنَّ عن الزنى سواء في التحريمِ، لمكان الإجماعِ كالمنطوق. وليسَ إذا خرج دليلُ الخطابِ عن العملِ به، وتعطَّل عن مدلوله بدلائلَ أخرجته عن ذلكَ يُمنعُ من كونه دليلاً مع عدمِ قيام الأدلّةِ على إخراجهِ عن كونه دليلاً، كما أنَّ العمومَ والظاهرَ معمول بهما ما لم تقم دلالة تصرفُ العمومَ إلى الخصوصِ، والظاهرَ إلى غير الظاهرِ، فإذا قامت الدلالةُ خرجَ عمَّا وُضِعَ له، ودلَّ عليه، فكان حكمُه مع الإطلاقِ العملَ به والمصيرَ إليه. ومنها: قولُهم: لو كان تقييدُه بالصفةِ والشرطِ يقتضى المغايرةَ، وأنَ قوله: "في سائمة الغنمِ زكاةٌ"، بمعنى: وليس في معلوفها زكاة، لما حَسُنَ أن يجمع بينهما أعني: بين ما أوجَبه الدليلُ وبين ما أوجبه النطقُ، كما لم يحسُن الجمعُ بين ما أوجَبهُ النطقُ في

стр. 1421

الفحوى وبين ما نبه عليه، وهو أن يقولَ: لا تقل لهما أف، واشتمهما، واضربهما، ولما حسُن ها هنا أن يقول: في سائمة الغنم ومعلوفتها زكاة، وفي سائمةِ البقرِ وعواملِها زكاة، دل على أنَ إثباتَ الزكاةِ في السائمةِ ما اقتضت نفيَها عن العوامِل والمعلوفةِ، ولا المخالفةَ بين حكمِها. فيقالُ: إنَ دليلَ الخطابِ يدُل على المخالفةِ من طريقِ الظاهرِ لا الصريحِ، كالعمومِ يدلّ على الاستغراق، والأمرُ المطلق يَدُلّ على الندبِ عندهم أو الوجوبِ، على اختلافٍ بينهم من طريق الظاهر ولو قام الدليلُ على تخصيص العموم وكونِ الأمر على خلافِ ما وُضِعَ له واقتضاهُ في الظاهر لَصَح وجاز كذلك ها هنا. على أنه يبطل بتعليقِ الحكمِ على الغايةِ عند من سلَّمَها، فإنَّه يحسُن أن يقولَ: ثم أتمّوا الصيامَ إلى الليل إلى الفجر ثم لم يدل ذلكَ على أنَ الغايةَ إذا أُطلقت لا تقتضي أنَ ما قبلها مخالفٌ لما بعدها. ومنها: قولهم: إنَ إثباتكم الحكمَ بدليلِ الخطابِ لا يخلو أن يكونَ بالعقل، ولا مجالَ له في هذا؛ لأنه وضع واصطلاح من جهةِ العربِ، والأوضاعُ والاصطلاحيةُ لا مجالَ للعقلِ فيها، كالنقودِ المصطلَحِ على التعاملِ بها، فكذلك الخطابُ بالأقوالِ المصطلحِ على التخاطبِ بها، أو يكونَ إثباتكم له بالنقل، فالنقلُ تواتر وآحاد، ولو كان تواتراً (١) لعلمناه كما علمتم؛ لأنه يوجبُ العلمِ الضروري الذي لا يقعُ فيه الخلافُ ولا يسوغُ، كاصطلاحِ القومِ المنقولِ إلينا من طريقِ التواترِ من سائرِ الصيغِ الموضوعةِ للتخاطبِ استدعاءً للأفعالِ ونهياً عنها، وألفاظِ الذم والمدحِ والخبرِ والنداءِ والتراخي وسائِر موضوعاتهم، ولما (٢) وقَع الخلافُ في هذا؛ عُلمَ أنه ليس بمتواترِ ولا معلومِ.

стр. 1422

ولئن كان من طريقٍ الآحادِ؛ فليس ذلك صالحاً لإثباتِ الأصولِ، لكونِ الآحاد توجبُ الظنَّ، فلا تثبتُ بها إلا الأحكامُ في مسائلِ الفروعِ خاصةً. فيقالُ: بل أثبتناه بما رويناه عن ساداتِ الصحابةِ وأهل اللغة، وليس بتواترِ قطعي، ولا هذه الأصولُ قطعيةٌ، بل هي مسائلُ اجتهادية يسوغُ فيها الخلافُ، ولذلك لم يُفَسق المخالفُ فيها، ولا يُكَفر، وإنما يُخَطَّأ كما يُخَطأ في الفروعِ. على أنه يقلَبُ عليكم، فيقالُ في جميع هذهِ المسائل: كيف ذهبتم إليها وليس طريقُها العقل ولا نقْلُها تواتر؟ إذ لو كان تواتراً لما وقعَ الخلافُ، فكل جوابٍ لكم، وكُلُّ مخالف لنا فيها هو جوابُنا، وليس إلا ظواهرُ الاستعمالِ بالنقلِ الذي ظاهرُه الصحةُ والسلامةُ، وجماعةُ العُلماء يقبلونَ في أصولِ اللغةِ روايةَ الواحدِ، كالأصمعي (١)، والخليل (٢)، وأبي زيد (٣)، وأبي عبيدة (٤) وأمثالِهم، ولا يُستقصى في النقلِ إلى الحدّ الموجبِ للقطع. ومنها: أن قالوا: لو كان تعليقُ الحكمِ على الصفةِ موجباً لنفيه عما عداها، لوجَب أن لا يحسُنَ الاستفهامُ، فلما حَسُنَ استفهامُ من قيل له: إذا قتلت الصيدَ عمداً فعليكَ الجزاءُ، وإذا كانت لك غنمٌ سائمة فعليك الزكاةُ في الأربعينَ منها، ولا تَقْتل

стр. 1423

ولدَكَ خشيةَ إملاقٍ. بأن يقول: بأن قتلته خطأً؟ وإنْ كانت أغنامي معلوفةً؟ وإن قتلتُ ولدي مَلَلاً للأولادِ لا خوفَ الإملاق؟ علمَ أنه ليس التعليقُ للحكمِ على الصفةِ غيرَ موجبٍ نفيَه عما ليس فيه تلك الصفة، فإنَّ الموضوعاتِ لا يحسُن فيها الاستفهامُ، ألا ترى أن الفحوى لا يحسنُ فيه ذلك لما كان موضوعاً، فلو قيل له: لا تَقُلْ لأبيكَ أف. فقال: أفأضربه وأشْتمه؟ أو قِيلَ له: لا تاخذ من مالِ فلان ذَرَّةً. فقال: فهل آخذُ مالَه كُلَّه؟ لم يُعدَّ (١) هذا مُستفهِماً بلغة العرب ولا عارفاً بها، فيقال له: حسن الاستفهام إنما لكونه طلباً للأوضحِ والأجلى، حتى إنهم ما استقبحوا استفهامَ من قال: دخلَ السلطانُ البلد، هل دخل بنفسِه أم عسكره؟ واستفهامَ من قال: رأيتُ السَبُعَ في هذا الطريقِ، أرأيتَ الأسدَ نفسَه أم أثَره؟ كلُّ ذلك لدخولِ المجاز والاستعارةِ، وإن كانَ الأصلُ الحقيقةَ، وها هنا قد يدخلُ التقييدُ بأحدِ وصفيِ الشيءِ ليدلَّ على المخالفةِ، ويجوزُ أن يكونَ قد خصَّ أحدَ وصفيهِ بالحكمِ للشرفِ والفضيلةِ لحُسنِ الاستفهامِ ليزولَ هذا الاحتمالُ ويخالفَ نفسَ النطق الذي هو قوله: "في سائمةِ الغنمِ زكاةٌ" (٢)، إذ لا تردَّد ولا احتمالَ فيه. ولسنا نقولُ: إنَ دليلَ الخطاب في رتبةِ النصوصِ والأوضاعِ الجليّة. وليس رتبةُ دليلِ الخطابِ بأدنى من معنى الخطابِ؛ لأنَّ جمهور العلماء يسقطونه بمعنى الخطاب إلا ما شذَّ من المذاهب. ثم معنى الخطابِ يحسُنُ معه الاستفهامُ، فماذا قال: لا تشرب الخمر؛ لأنه يوقع العداوةَ والبغضاءَ، ولا تَبع الحنطةَ بالحنطة متفاضلاً؛ فإنه طعامٌ. حَسُنَ أن يقولَ: فهل أشربُ النبيذَ؟ وأبيعُ الأرزَّ بالأرز متفاضلاً؟ اولا ينكر أحد استفهامه ذلك، ولا يدلّ ذلكَ على أنَّ المعنى ليس بمعَوَّل عليه ولا يحتجُ به.

стр. 1424

ومنها: أنه لو كان تعليقُ الحكمِ على ذي صفةٍ يَدُلُّ على نَفي الحكمِ عن غير الموصوفِ بها؛ لوجبَ أن يكونَ الخبرُ عنه يدُلُّ على نفي الخبرِ عن غير الموصوفِ بها، حتى لو قال القائل: قامَ السودُ، أو: رَعَت السائمةُ في العُشبِ، ودخل زيدٌ العالمُ، يُوجب نفي القيام عن البيضِ ونفي الرعيِ عن العواملِ، وعدمَ دخولِ غيرِ العالمِ من الأزيادِ، وكذلك الإشارةُ إلى شخص بحكم من الأحكامِ كان يجبُ أن تقتضيىَ الإشارةُ إليه نفيَ الحكمِ عن كل شخصٍ لم تقع الإشارةُ إليه بذلك الحكمِ. ألا ترى أنَّ الاستثناءَ والتخصيصَ لما تعلَّق عليه الحكمُ في الأمرِ والنهيِ تعلق عليه في الخبرِ، فلا فرق بين قولِ القائلِ: اقتل (١) المشركين، ولا تقتل أهلَ الكتاب. وبين قوله: قتَلَ المشركين ولم يقتل أهلَ الكتاب. ولابين قوله: ادفع إلى زيدٍ عَشرة إلا درهمين. وبين قولي: دفعت إلى زيد عشرة إلا درهمين. فيقال: كذلكَ نقول في الخبرِ، وفي الاسمِ العلمِ كالاستثناءِ والتخصيصِ سواء، فهذا هو المذهبُ، وكذلكَ إذا أشار إلى الحكمِ إما تزكيةً وإما تضحيةً إلى ماشيةٍ بعينها أو حيوانٍ بعينه دلَّ على نفي التزكية والتضحية عن غيره. على أنَّا لو وسعنا الكلامَ بالتسليم، لكان التمييز (٢) واضحاً بين الخبرِ عنه وتعليق الحكمِ عليه، وذلكَ أن المخبِرَ ليس من شرطِ إخبارِه أن يكونَ محيطاً بعلمِ من قام ومن لم يقم، ومن زكَّا، ومَن لم يُزك، ومن دخلَ الدارَ، ومن لم يدخل، بل يجوزُ أن يكونَ عالماً بما أخبرَ به فقط، فكذلكَ إذا قال: زَيدٌ قام. لم يُحكم عليه بأنه يتضمّن كلامُه أن عَمْراً لم يقم. و: دخلَ العالمُ. أن الجاهلَ لم يدخل، فأمَّا إذا قالَ: اشترِ لي خبزاً سَميذاً، أو لحما طرياً، ورُطَباُ جنياً وهو يعلمُ أن الخُشْكارَ من الخبزِ، والبائتَ من اللحم والرطب يُباعُ ويُبتاعُ، علمنا أنه تنكَّبَ ذكرَ ذلكَ على بصيرة لكراهتِه له، فصارَ النفيُ

стр. 1425

مدرجاً في الإثبات. وعلى أنَ اللغة عندكم لا تثبتُ قياساً، وهذا قياس منكم لدليل النطقِ في الأمرِ والنهي على دليلِ النطق في بابِ الإخبار. ورأيتُ من استبعدَ ممانعةَ الخبرِ في بعضِ مجالسِ النَظر، فقلت له: كثير من الأمورِ في النفوسِ يَتَغطى بفورةِ النَظرِ والعَصبية (١) لا يُظهِرُه إلا جِنْسُه، وأنا أعلمُ الآن أنَّ قائلاً لو قال: أصحابُ الشافعي فقهاءُ، أو: فلان إمامٌ فى الفقهِ. وفي الحاضرين أصحابُ أبي حنيفة وغيرُهم، وغير المشارِ إليه بالإمامة في الفقه، عَظمُ ذلك عليهم وعندهم، كأنه قال: وليس غيرهمُ كَهُم في الفقه. ما ذاكَ إلا لأنَّ النفوس قد شعرت بأنَ الأسماءَ والإشاراتِ والصفاتِ في الأخبارِ والأحكامِ إذا نيط بها مَدحٌ أو تعظيمٌ أوخبرٌ يتضمن فَضيلةً كان مقتضياً للمخالفة. ومنها: أن قالوا: إنَ الأسماءَ والصفاتِ إنما وضعت لتمييز المسمَّيات، والخبرُ بأنَّ زيداً قامَ أو أن زيداً عالمٌ، وضعَ للإعلامِ بقيامهِ وقضلِه، فأمَّا أن يكونَ وُضع لنفي الفَضلِ والقيام عن غيرِه فلا، ومُنكِرُ هذا مكابرٌ للغة وأهلِها. فيقالُ: المنعُ لهذا أمر ظاهرٌ لا يمكنُ جحدُه، وذلكَ أنَ الصحابة- ﵃ والفقهاءَ بعدَهم عَقَلوا ذلك فيمن خاصمَ رجلاً فقال: ما أنا بزانٍ، ولا أمي -بحمْدِ الله- زانيةٌ. فقومٌ قالوا: رجلٌ مدحَ نفسَه وأمَّه، ومنهم من قال: هو قاذفٌ لمخاصمهِ (٢). وهو

стр. 1426

مذهبُنا ومذهبُ مالكٍ (١)، وما ذاكَ إلا لأنهم عقَلوا من إضافتِه نفيَ الزنى وإثباتَ العفةِ لنفسِه وأمَّه إثباتَ الزنى في حقِّ مخاصِمه وحق أمه، فكيف يُدعى أنه علِى خلافِ اللغةِ، وأن قائلَه مكابرٌ؟ وهَب أنها وُضِعت للتمييز فلِمَ منعتُم أن يختضَ بذلكَ دونَ غيرِه؟ فليس ذلك مانعاً من أن يندرجَ فيها غيرُ التمييز من المخالفةِ بينها وبين غيرِها في الحكمِ الذي عُزيَ إليها وعُلِّقَ عليها. ومنها: أن قالوا: لو كان للخطابِ دليلٌ لكانَ مستنبَطاً من اللفظِ، إذ ليس في نفسِ اللفظِ ولا عينِ النطقِ، وما كان مستنبطاً من النُطقِ لم يجز تخصيصه كالعللِ، وقد أجمعنا على تخصيصه، فكم من حكم عُلقَ على أحدِ وصفي الشيءِ، ولم يقتضِ نفيَ ذلكَ الحكمِ عما انتفى عنه ذلك الوصفُ، وبينوا ذلكَ في مواضعَ، كقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]. فيقالُ: ليسَ بمستنبطٍ، وإنما هو معلومٌ من اللفظِ والتقييدِ، وليس كل ما لم يكن مَنطوقاً بهِ يكون مستنبطاً، ألا ترى أنَ الفحوى عندنا وعندَ أصحابِ ابى حنيفة ليس بمستنبط، ولا هو منطوق به، وكذلك المقدرات مثل قوله: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، تقديره: فضربَه، فانفلق، وكُل مقدر ليس بمنطوقٍ به،

стр. 1427

وأجري مجرى المنطوق، ولم يكن مستنبطاً. ومنها: أن قالوا: لو كان تعليقُه على صفةٍ تدلُّ على نفيه عما لم تثبت فيه تلك الصفةُ، لما وضعت له عبارةٌ تخصه، فلما حَسُنَ أن يقول: في السائمة زكاة، وليس في المعلوفة زكاة. دل على أن العبارةَ التي تَخصه هي المقيّدةُ دونَ المنطوقِ. فيقال (١): ولِمَ إذا كان له وضع من جهةِ الصريحِ لا يكونُ له وضع دون الصراحةِ والنص، ونحن نعلمُ أنه قد وضعَ للنهي عن الضربِ والشتمِ عبارةٌ تخصه، ولم يُمْنَع ذلك بثبوتِ فحوى الخطاب، بل في الآية نفسها. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] وقد دخل في النهي عن التأفيفِ، ثم صُرحَ به مقيداً ما أفاده النهي، قال سبحانه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، والانتهارُ مستفاد من طريق الأوْلَى بالنهي عن التأفيفِ لو لم ينه عنه بلفظ يَخُصّه، ثم إنه نَهى عنه بلفظٍ يخصّه، فقال: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، كذلكَ ها هنا لا يمتنع أن يكونَ مثلَه. ومنها: أن قالوا: الصفاتُ وُضِعت للتمييز بين الأنواعِ، كما وُضعَت الأسماءُ للتمييزِ بين الأجناسِ والأشخاصِ، ثم تعليقُ الحكم على الاسمِ لا يقتضى نفيَه عمَّا عداه، وكذلك تعليقُه على الصفةِ. فيقال: إنَا لا نُسلم الأسماءَ، بل حُكمُها وحكمُ الصفاتِ سواء، وهو مذهبُنا ومذهب أبي بكر الدقاق (٢) -من أصحابِ الشافعي-. وإن سلَّمنا توسعةَ النظر فالفرق بينهما من وجوه: أحدُها: هو أنَ الجمعَ بين الأجناسِ المختلفةِ في الحكمِ الواحدِ دأبُ العربِ، فيقولُ القائلُ منهم: اشترِ لي لحماً وتمراً وخبزاً، ولا يراها تقيِّد الاسمَ بصفةٍ، والموصوفُ

стр. 1428

بتلك الصفةِ وضدُّها عندها واحد، فإنها لا تقول: اشتر لي تمراَ بَرْنياً. والبَرنى والمعقليُّ عندها سواء، ولاتقول: اشترلي لحماً مشوياً. والمشوي والنيء عندها سواء. على أنَ تعلق الحكمِ على بعضِ الأسماء لا يمنعُ تعليقَه بغيرها من الأسماءِ، ألا ترى أنه إذا أوجب الزكاة في الغنمِ، ثم أوجبها في البقرِ، لم يمنع تعلقها بالبقرِ تعلُّقَها بالغنمَ، وتعليقُ الحكمِ على أحدِ وصفي الشيءِ يمنعُ تعليقَه بضد ذلكَ الوصفِ، ألا ترى أنه إذا علَّق الزكاةَ على سائمةِ الغنمِ ثم أوجبها في المعلوفةِ، يخرج أن يكونَ الوجوبُ متعلَّقاً بالسائمةِ، وبقيت الزكاةُ معلَّقةً على الاسمِ وحده؛ ولأنَ تعليقَ الحكمِ بالاسم لا يقتضى تخصيص اسمٍ عامٍ، والتخصيصُ لا يكونُ إلا بما يقتضي المخالفَةَ، كالاستثناءِ والغايةِ، ولأنَ الاسمَ لا يجوزُ أن يكونَ علّةَ في الحكمِ، فتعلق الحكمِ عليه لا يقتضي المخالفةَ، والصفةُ يجوز أن تكونَ علةَ الحكمِ، فتعليق الحكمِ عليها (١) يَقتضي المخالفةَ. ومنها: أن قالوا: لو كانَ تعليقُ الحكمِ على أحدِ وصفيِ الشيءِ ينفيه عما عُدِمَ فيه ذلكَ الوصفُ، لكانَ إذا قال: في سائمةِ الغنمِ زكاةٌ، كما يوجِبُ نفيَها عن المعلوفةِ يوجبُ نفيَها عن سائمةِ البقرِ والإبلِ؛ لأنَّ المعنى الذي يوجبُ نفيَ الزكاةِ عن العواملِ والمعلوفةِ هو تقييدُه بالسومِ، وكان يجبُ لما (٢) قيِّدَ بالغنم أن يوجِبَ نفيَ الزكاةِ عن غيرها من البقرِ والإبلِ. فيقال: إنّا على ما نصرنا من أن الاسمَ كالصفةِ كذلكَ نقولُ لو لم يَرد نُطقٌ يخصُّ الإبلَ والبقرَ لإيجابِ الزكاة، وإنما ورودُ النطقِ لإيجابِ الزكاةِ في سائرِ الأنعامِ منَع من العملِ بدليلِ خطابِه في أصولها، ونفي دليل الخطاب في وصفها، وقد أشارَ إليه صاحبُنا أحمد ﵁ لما سُئل عن حديث بَهزِ بن حكيم عن أبيه عن جدّه عن

стр. 1429

النبي ﷺ : "في كُل إبلٍ سائمةٍ" (١)، هل يدخل فيه أنه لا تكون إلا في السائمةِ، ولا تدخلُ فيه العواملُ؟ فقال: أجل، لا تكونُ في العوامل، لا تكون إلا في السائمةِ. فعمَّ بسقوطِ الزكاةِ في غيرِ السائمةِ من كُلِّ نوع (٢). ومنها: أن قالوا: لو كان للخطابِ دليل لجازَ أن يبطلَ حكمُ الخطابِ، ويبقى حكمُ الدليلِ، كما بطلَ حكمُ الدليلِ وبقي حكم الخطاب، وذلكَ مثل قولهِ ﷺ :"أيّما امرأةٍ نكَحت نَفْسَها بغيرِ إذْنِ وَليها، فَنِكاحُها باطلٌ" (٣)، دليلُه: أنها إذا نكحت نفسَها بإذنه، فنكاحُها صحيح، وكذلكَ قولُه: "لا تُحرَّمُ الرضعةُ والرضعتانِ، ولا الإملاجَةُ ولا الإمْلاجتان" (٤)، دليلُه: أنَ الثالثَة تُحرم، وعندكم لا يصحُ نكاحُها بنفسِها عن إذن وليّها (٥)، ولا يحرم من الرضاعِ

стр. 1430

الثلاثُ (١)، فبطلَ دليلُ الخطابِ، وعملتم بالنطقِ فيهما، حيث بطلتم النكاحَ بغيرِ إذنِ الولي، ولم تُحرَّموا بالرضعةِ والرضعتين. فيقالُ: إنما نأخذ بدليلِ الخطابِ مع عدمِ النصّ، وإسقاط حكمِ الدليل الأضعف بوجودِ الأقوى لا لخروجِ الأضعفِ عن الاستدلالِ به مع عدم الأقوى، وهذا حكمُ تراتيبِ الأدلةِ، وذلك كالعمل بالقياس مع عدمِ السنةِ، واطّراحه مع وجودها، بخلاف ما يوجبُه القياسُ. وفي مسألتنا لولا حديثُ عائشةَ ﵂ في الخمسِ رضعات (٢)، لحرمنا بالثلاثِ، ولنا في الثلاثِ رواية أنها تحرَّم، فلا يبطلُ الدليلُ رأساً، كما لم يبطل النطق، لكننا تكلمنا على الأسَد، ولنا رواية في تزويجِ المرأةِ نفسها (٣)، على أنَ أكثر ما في هذا انقطاع النطقِ عن الدليل، والدليلِ عن النطقِ. ومنها: أن قالوا: ليس في كلامِ العربِ كلمة تدلّ على شيئين متضادين، وعندكم أن هذا اللفظَ يَدُلُّ على إثبات الحكمِ ونفيه، وهذا خلاف اللغة.

стр. 1431

فيقال: يبطلُ بالأمرِ بالشيء، فإنه يُعقل منه النهيُ عن ضِده، ويبطل بلفظ الغاية يثبتُ الحكم إليها ينفيه (١) عما عداها. وفيما ذكرناه كفاية، والدلائلُ تأتي بالعجائب، فلا وجه لإنكارِ الشيء المتحد إذا قامت عليه دلالة، ولو لم يكن فى لغة العرب سواه. فصل في الدلالة على أن تعليق الحكمِ على الاسم يدلُّ على أنَّ ما عداه بخلافه (٢) أنَ الاسمَ وضِعَ للتمييز بين المسمَّيات، كما وضعتا الصفةُ لتمييز الموصوفِ بصفتهِ عن الموصوفات، فاذا قال: ادفع ديناراً إلى زيد، واشترِ لي شاةً بدينار كان في حصولِ التمييز بمثابةِ قوله: اشترِ لي خبزاً سَميذاً، ورطَباً جنياً، وادفع إلى زيد ديناراً جيداً. ثم إن تعليقَ الحكمِ على الصفةِ يدل على نفيه عما تنتفي عنه تلكَ الصفة، كذلكَ إلاسمُ، ولا فرقَ بينهما. فان قيل: الصفةُ يجوز أن تكونَ علةً للحكم، والاسمُ لا يجوزُ أن يكونَ علةً للحكمِ. قيل: لا نُسلّم؛ لأنَّ أحمدَ نصَّ على التعليلِ بالأسماء في أحكامٍ عدةٍ، مثل الماء والتراب في الطهارة (٣)، لأنَّ عللَ الشرعِ أماراتٌ على الأحكام غيرُ موجباتٍ، ولا بدْعَ

стр. 1432

أن يكون الاسم أمارة. فإن قيلَ: يجوزُ أن يكونَ الاسمُ وغيرُه منوطاً بهما حكمٌ واحدٌ كقوله: اشتر خبزاً وتمراً، وأكرم زيداً وعَمْراً. فإذا قال: أكرِم زيْداً، وسكت، لم يدُل ذلك على نفي كرامةِ عمروٍ، فأمَّا إذا قال: اشترِ خبزاً سميذاً، عُقِلَ من ذلك أنه ليس الخُشار عنده كالسميذ مع تقييده بالصفةِ المذكورةِ. قيل: يحسُنُ أن يقولَ: اشترِ سَميذاً أو خُشاراً، كما يقول: أكرم زيداَ أو عَمراً، وإذا قال: أكرم زيدأ وسكتَ عن عمروٍ، دل على أنه ليسَ عمرو عنده كزيدٍ، كما أنه إذا قالَ: اشترِ خبزاً سميذاً وسَكت عن الخُشارِ، لم يكن ويقيدُم (١) بالسميذِ، والخُشارُ عنده والسميذُ سواءٌ. فصل ذكر أصحابُنا عن أحمدَ ﵁ أنه جعلَ الفِعْلَ دليلاً (٢)، وأخذوه من قوله في رواية حنبل: لا يُصلَّى على القبر بعد شهر على ما فعل النبي ﷺ على قَبرِ أم سَعد (٣)، فجعل صلاته على قَبر أم سعدٍ بعدَ شهرٍ دليلاً على المنعِ من الصلاةِ على القبرِ بعد شهر، وليسَ في الخبرِ ما يدلُّ على ذلك (٤)؛ لأننا لا علمَ لنا، ماذا كان يَفْعلُ لو علمَ بموتها أوصادفَ قبرَها بعد الشهر، بخلافِ ما لو قال: صلوا على القبرِ شهراً، فإنه يُعقلُ منه المغايرةُ بين ما بينَ ذلكَ، وبين ما يزيدُ عليه من المدّةِ، فأمَّا فعلُه لذلكَ

стр. 1433

فلا يدلُّ، وعساه لوصادفَ القبرَ بعدَ شهرين أيضاً لصلَّى، ومن الذي أعلَمنا أنه كان لا يصلِّي؟ وأيُّ دلالةٍ في الفعلِ على نفي الفعل لو زادَ على الشهرِ؟ وإنما كان يعطي هذا نفيَ الصلاةِ بعد الشهرِ أن تقومَ دلالَة على النهي عن الصلاةِ على القبر, ثم يصلي بعد شهرٍ ويتركُ الصلاةَ على كلِّ قبر عُثرَ عليه بعد مضيِّ زيادةٍ على الشهر, فتجوزُ الصلاةُ على القبرِ بعدَ الشهرِ, ويبقى ما زادَ على الشهرِ على مقتضى الأصلِ من النهي والتركِ، والأفعالُ إذا تكررت على نمطٍ واحدٍ صارَ لها بالدوامِ والعادةِ حكمُ الصيغةِ، مثلُ نقدِ البلد، وتركِ الأكل من الصيدِ، إذ لا يصيرُ الفعل وصفاً إلا بالدوامِ، فأما الصيغةُ، فإنها وضِعت على ما وردت بهِ وضعاً مستقراً، فما تُلُقِّيَت إلا من وَضعٍ استقرَّ وثبتَ. فوِزانُه: دوامُ فعله ﷺ على النمطِ الذي ذكرنا، ومن الذي تقدِر أن يقولَ على النبي ﷺ أنه [لو] (١) اشعِرَ بموتِ مقبورٍ بعد شهرين ما كان يصلي عليه، حيثُ صلى على ميِّتٍ أُشعرَ به بعد شهرٍ. والدلالةُ على ذلكَ وأنَّ الأفعالَ لا دليلَ لها: أن إنساناً لو رأيناه يأخذ خُبزاً سميذاً، ورُطَباً جنياً، ويبتاعُ عَبداً أسودَ، لم يُستدل بذلكَ على أنه لا يأكلُ الخُشارَ ولا الرطبَ البائتَ، ولا يبتاعُ العبدَ الأبيضَ؛ لأنا نُجوَّز أن يكونَ أكَلَ ذلكَ حين ذاكَ؛ لأنه لم يجد سواه، واشترى الأسودَ للمصادفةِ أو الحاجةِ، فأما إذا قال لوكيله: اشترِ لي خبزاً سميذاً، ورُطَباً جنياً، وعَبداً أسود؛ دل ذلك على أن غيرَ الموصوفاتِ بتلك الصفاتِ ليست عنده مساويةً لما قيَّده بالصفات. ويحتملُ أن تكون دلالةً لأصحابنا ما وقعَ لي؛ وهو أنَّ الصلاةَ في أصل الوضح قبلَ الدفنِ، فإذا دُفن يحتاجُ إلى دليلٍ، فلما صلّى النبي ﷺ قيل: بقي ما بعدَ ذلكَ على مقتضى الأصلِ، لكن لا يكونُ هذا عَملاً بدليلِ الخطابِ، بل باستصحابِ الحالِ.

стр. 1434

فصل وإنَّما كان يوجدُ من الفعلِ دليل إذا استَمَر من النبي ﷺ الصلاةُ على كُل قبرٍ كان دَفْنه منذ شهر, فاذا أُشْعِرَ بميت دُفِنَ منذ مدةِ تزيد على الشهرِ لم يصل، فيقالُ ذلك لِما استمر من تركِ الصلاةِ على كل قبر دُفِنَ صاحبه من مدةِ تزيدُ على الشهر ومن صلاتِه على كُل من دُفِنَ منذ شهر فيكونُ ذلكَ استدلالاً صحيحاً. فصل ويمكنُ أن يكونَ الفعل تنبيهاً (١)، وقد أشارَ اللهُ سبحانَه في قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فنبّه بأداء قنطارِ على أداء دينار (٢)، وبعدمِ أداءِ الدينارِ على الخيانةِ أو الجحدِ للقنطارِ وهذا فعل، وهو أمثل، (٣) أن يرى النبي ﷺ يتجنبُ البصقةَ في المسجدِ، فيخرجُ البصاق إلى خارجِ المسجدِ ويعودُ، أو يبصقُ في طرفِ ثوبِه، فيكونُ تنبيهاً على المنعِ من البولِ في المسجدِ، أو يَراه يَتوقى البصقَ نحوَ القبلةِ، فيكونُ في ذلك تنبية على التوقّي لاستقبالِ القبلةِ بالبولِ والغائطِ، كقوله: "لا تبصقوا في المسجدِ ولا إلى القبلةِ" (٤)، فإنه يكونُ تنبيهاً على النهي عن البولِ في المسجدِ وإلى القبلةِ.

стр. 1435

فصل في حرف (إنما) هل يقتضي نفياً وإثباتاً ؟ مثل قوله: "إنَما الولاءُ لمن أعتق" (١)، قال شيخُنا ﵁ في كتابِ "العُدة": يقتضيى إثباتَ (٢) الولاءِ للمعتق، ودليلُه يعطي أن لا ولاءَ لمن لم يُعتق، وقال كثير من المتكلمين: لا يقتضي يسوى إثبات الحكمِ دون نفيه عما عداه. وقال الجُرجاني: يعطي ذلكَ من طريقِ اللفظِ، فيكون حرف (إنما) أفاد الأمرين جميعاً: إثباتَ الولاءِ للمعتقِ ونفيه عن غيره، ووافقه على ذلك القاضي أبو حامد (٣) -من أصحاب الشافعي- مع نفيه لدليلِ الخطابِ (٤). وجْه قول أصحابنا: أنه أضافه إلى جهةٍ، فلا يقتضي النفيَ عن غيرها لفظاً، كما قال: الولاءُ لمن أعتَقَ، أو قال: إنَ الولاءَ لمن أعتَق. فإنه يقتضي إثباتَ الولاءِ للمعتقِ، فلا وجهَ لنفيه عن غيرِه من جهةِ النُطقِ، لكن بدليلِ النطقِ عندَ من أثبته، أو دليلٍ آخر عند من لم يرَ للنطق دليلاً. فمن قيل: (إنما) للحصر بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فأفادت إثباتَ الإلهية له سبحانه، نفيها عن غيره. قيل: من طريقِ النُطقِ لم تُفِد، لكن بدلالةِ التوحيدِ، كقوله: اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فلا نُسلم أنَ اللفظَ أفادَ نفيَ الإلهيةِ عن غيره، بل دليلهُ هو دليلُ العقلِ، هو العامل. يُعارِض هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] ومعلوم أنه اقتضى إثبات الإنذار له ﷺ ، ولم يُفد نفي الإنذار عن غيره، فتقابلا، وكان ما ذكرنا من الدليل مُعَوّلاً عليه، إذ ليسَ في حرف (إنما) ما يعطي النفي، بل ما أفادت إلا الإثبات.

стр. 1436

فصل الواو لا تقتضي الترتيب على قول أصحابنا (١). يشهدُ لذلكَ من قولهم فيمن قال لامرأتِه التي لم يَدخل بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، يقعُ بها طلقتان. ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالقٌ، أو: ثمَ طالقٌ، وقعت واحدةً، حيثُ كانت الفاءُ مرتَبةً معقِّبةً، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ، واختلفَ أصحابُ الشافعيِّ على مذهبين (٢)؛ فقال بعضُهم مثلَ قولنا وقولِ أصحاب أبي حنيفة ومالك، وقال بعضُهم: تَقتضي الترتيب. [وهو قول] (٣) ثعلب (٤)، وأبي عمر الزاهد (٥) غلام ثعلب.

стр. 1437

فصل في دلائلنا فمنها: ماروي أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، فقال: "أسِيَّانِ أنتما؟! قل: ما شاءَ اللهُ ثم شئتَ" (١)، فلو كانت الواو مرتَّبة، كما أن (ثم) مرتَّبةً؛ لكان قد نقله من حرفٍ إلى مثلِه، فلم يبقَ للنقلِ وجْه، إلا أنَه نقلَه من جمعٍ إلى ترتيبٍ وتقديمٍ لاسمِ الله تعالى رتبةَ المقدم وتأخير المؤخَر بحرفٍ يحصُرُ الترتيب. ومنها: أنها لو كانت تقتضي الترتيب، لجاز أن تجعل في جواب الشرط كما جعلت الفاء، فإذا قال: إن دخل زيا الدار فأعطِه درهماً، أبدله بقوله: وأعطِه درهماً، فلما لم تدخُل مَدْخَلها، بطلَ أن تكونَ للترتيب. ومنها: أنَ اللهَ سبحانه أدخلَ الواوَ فيما لا يحتمل الترتيب، فقال: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ [الأعراف: ١٦١] وقال: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ﴿البقرة: ٥٨﴾، ولو اقتضت الترتيب لما أخّر ما قدَّمَه في أحدِ حرفيه، كما لا يجوزُ أن يقالَ: قلنا ادخلوا البابَ ثم قولوا حطة، ثم ادخلوا، وكقول الشاعِر:

стр. 1438

ومَنهلٍ فيه الغُرابُ مَيْتُ ... كأنه من الأجونِ زَيْتُ سَقَيتُ منه القومَ واستقيتُ (١) ومعلومٌ أنه استقى ثم سقا. ومنها: أن الواوَ لو اقتضت الترتيبَ لما حَسُن أستعمالُها فيما لا يحتملُ الترتيبَ، وأجمعنا على جوازِ قولِ القائلِ من أهلِ اللغةِ: اشترك زيد وعَمرو ولا يحسنُ أن يقول: اشترك زيدٌ ثم عمرو ورأيت زيداً وعمراً معاً، ولا يحسن أن يقول: رأيتُ زيداً ثم عمراً معاً، ولو كانت تقتضي الترتيبَ، لكان أيضاً كاذباً في خبره، حيث أخَّر في خبرِه المقدمَ في رؤيته. ومنها: أنَ الواوَ تدخلُ في الاسمينِ المختلفين مثل زيدٍ وعمروٍ، بدلاً من التثنية في الاسمينِ المتفقين، مثل الزَيدينِ، حيث لم تمكن التثنيةُ مع الاختلافِ، وأمكنت مع الاتفاقِ، ثم إنَّ التثنية في المتفقينِ لا تقتضي ترتيباً، كذلكَ الواوُ في المختلفين، ويشهدُ لتساويهما أنه لم يمكن التثنية في زيدٍ وعمروٍ فابدلهما بقوله: رأيتُ زيداً وعمراً رأيتهما، وبقوله: معاً، فعلمت أن التثنيةَ والعطفَ في الاسمينِ المتفقينِ والمختلفينِ ما

стр. 1439

اختلفا إلا في عدم الإمكانِ، فلم يمكن التثنيةُ في المختلفين، فأبدلوا التثنيةَ بالواوِ الجامعةِ، وأكدوها بقولهما: معاً, إو بقولهما: رأيتُهما. فصل في أسئلتهم فمنها: أنَ النبي ﷺ إنما نقلَه من الواوِ إلى (ثمَّ) (١)، وليسَ حرفُ (ثمَّ) كالواو؛ لأنَّ (ثم) تعطي المُهلةَ والتراخي، وليس ذلكَ للواو فما نقله من جمعٍ إلى ترتيب، ولا من ترتيب إلى مثله، [بل نقله] (٢) من ترتيبٍ مطلقٍ إلى ترتيبٍ بنوعِ تراخٍ ومُهلةٍ. ومنها: أنَّ قولَه: معاً، أخرجت الواوَ عن ترتيبها بعدَ أن كانت قبل القرينةِ تقتضي الترتيبَ بظاهرِها. فصل في الجواب عن السؤالين أمَّا الخبرُ؛ فإنه قال فيه: "أسيّانِ أنتما"؟، ومعَ الرُّتبةِ لا يكونُ قولُه يعطي أنهما سيانِ؛ لأنَّ من رتَّب رتبة ما، فما سوَّى، حتى لو قال: ماشاءَ الله فشئت، لم يكن جاعلاً لاسمِ اللهِ واسمهِ سيين لما قرن به من حرفِ الرتبةِ والتقديمِ، فلما قال: "أسيانِ أنتما"؟ عُلِمَ أنه لم يأتِ بحرفٍ يعطي نوعَ ترتيبٍ وتقديمٍ. وأمَّا قولُه: إنَّ (معاً) قرينةٌ، فلِمَ لم تُخرج هذه القرينةُ حرفَ (ثمَّ) عن ظاهرِه؟ ويحسُنُ ضمها إليه، فيقولُ: رأيتُ زيداً ثم عمراً معاً. فيعطي الجمعَ، ويحسُنُ القولُ، فلما لم يحسُنْ في حرفِ (ثمَ) ولا عَمِلَ فيه إلا إفسادَ الكلامِ، وحَسُنَ في الواو عُلِمَ أنه كشفَ بقوله: (معاً) عما تضمنته اللفظةُ من الجمعِ.

стр. 1440

وممَّا سألوه على بقيَّة طُرُقِنا في المسألةِ أن قالوا: يجوزُ أن لا يُجعلَ جواباً للشرطِ، ويقتضي الترتيبَ (١كحرفِ (ثمَّ) لا يحسنُ جواباً للشرط ويقتضي الترتيب ١)، إنما لم يجعل الجواب جواباً للشرط. ومنها: أنَ استعمالها في عدةِ مواضعَ للجمع لا للترتيب (٢) لا يمنع من كونِها موضوعةً للترتيب كحرفِ (ثمَّ)، قد ورد لا بمعنى الترتيب، قال الله سبحانه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، والمرادُ به: واللهُ شهيد، إذ شهادةُ الله لا يتقدمُها شيء، فتَترتب عليه. وقالَ الشاعرُ: كَهزِّ الرُدَينيَّ تَحتَ العجاجِ ... جَرى في الأنابيبِ ثم اضطَرب (٣) ومعلومٌ أنَّ الاضطرابَ لا يتأخر عن الاهتزازِ، ولا يترتبُ عليه، وإنَّما أراد به: واضطرب. فصل في الجواب عنهما فالجواب عن الأوَّلِ منهما: أنَّ (ثمَّ) إنما لم يحسُن أن تقَع جواباً للشرطِ؛ لأنها تقتضي المهلةَ والتراخي، ومن حكمِ الجزاءِ أن لا يتأخرَ عن الشرطِ، كما لا يتأخرُ عن
следующие страницы →